النص المفهرس

صفحات 201-220

الزَّلَقَة بِينَ يَعْقُوبَ وبينَ الفُنْش الذي اسْتَوْلَىْ على بلادِ الأَنْدَلُسِ ، فأقْبَلَ اللَّعِينُ في مِثْتَيّ
ألفٍ وعَرَضَ يَعْقُوبُ جُنْدَه فكانوا مِئَةَ ألفِ مُرْتَزَقَة، ومِنَةَ ألفِ مُطَّوِّعَة ، عَدوا البَحرَ إلى
الأَنْدَلُسِ ، فَتَزَلَ النَّصْرُ ونَجَا قَليلٌ من العَدُوِّ ، قال أبو شَامَة : عِدَّةُ القَتْلَى مِئَّةُ ألفٍ
وسِتَةٌ وأرْبَعُونَ ألفاً ، وأُسِرَ ثلاثونَ ألفاً، وأُخِذَ من خِيَامِهِم مِئَةُ ألفٍ خَيْمَة وخَمسُونَ
ألفاً ، ومن الخَيْلِ ثمَانُونَ ألفَ رأسٍ ومن الِغَالِ مِنَةَ ألفٍ ، ومن الحَمِيرِ التي لأنْقَالِهِم
أَرْبَعِ مِئَةِ ألفٍ ، وبِيعَ الأَسِيرُ بدِرهمٍ والحِصَانُ بَخَمْسَة، وقَسَّمَ السُّلطانُ الغَنِيمَةَ على
الشَّرِيعَةِ، واسْتَغْنَوا (١).
(د) مَعاركُ خَسِرَ فيها المُسلِمونَ وسَبَبُها :
وقال الإمامُ الذهبيُّ فِي تَرجَمَةِ صاحِبِ المَغَرْبِ السُّلطانُ أبو عبدِ اللهِ المَلِكِ
النَّاصِرِ بنِ السُّلطانِ يَعْقُوبَ: تَمَلّك البلادَ بعهدٍ من أبِيه مُتَقَدِّم إلى أن قال: ثمَّ فَرَغَتْ
هُدنَةُ الفِرَنْجِ، فَعَبَرَ السُّلطانُ بجُيُوشِه إلى أشْبِيَّةَ، ثمَّ تَحرَّكَ فِي سَنةِ ثمانٍ وستٍّ مِنَّةٍ
لِجِهَادِ العَدُوِّ، فَنَازَلَ حِصْناً لهم فَأَخَذَهُ فسَارَ الْفُشُ في أقاصِي المَمَالِكِ يَسْتَنْفِرُ عُبَّدَ
الصَّلِيبِ، فاجْتَمَعَتْ له جُيوشٌ ما سُمِعَ بمثلِها، ونَجَدَتْه فِرَنْجُ الشَّامِ ، وعَسَاكِرُ
القُسْطَنْطِيْنِيَّة، ومَلكُ أرْغُن البَرْشلونيّ، واسْتَنْفَرَ السُّلطانُ أيضاً النَّاسََ، والْتَّقَى
الجَمِعَانِ ، وتُعْرَفُ بوَقْعَةِ العِقَابِ ، فَتَحَمَّلَ الْفُنْشُ حَمْلةً شديدةً ، فهَزَمَ المُسلِمِينَ ،
واسْتُشْهِدَ خَلْقٌ كثيرٌ، وكان أكْبَرَ أسْبابِ الكَسْرَةِ غَضَبُ الجُندِ من تَأَخْرِ عَطَائِهم ، وثَبْتَ
الشُّلطانُ ثِبَاتاً كُلِّياً، لَوْلاهُ لاسْتُثْصِلَ جَيشُه، وكانت المَلْحَمَةُ فِي صَفَرَ ، سَنَةَ تِسِعِ
وسِتِّ مِئَةٍ، ورَجَعَ العَدُوُّ بِغَنَائِمَ لا تُوصَفُ، وأخَذُوا بِيّاسة عُنْوةً، فإنَّا لله وإنَّا إِلَيْهِ
راجعُونَ.
مَرِضَ السُّلطانُ أيَّاماً ، ومَاتَ سَنَ عَشْرٍ وسِتٌ مِئَةٍ وكانت أيَّامُه خَمْسَةَ عَشرَ عاماً ،
وقَامَ بعدَه ابنُه المُسْتَنْصِرُ يُوسُف عَشْرَةَ أَعْوَامٍ (٢).
(١) انظر السير: (الناصر لدين الله) ١٩٢/٢٢ -٢٤٢، وانظر النزهة: ٢/١٦٨٨.
(٢) انظر السير: (صاحب المغرب) ٣٣٧/٢٢ -٣٣٩، وانظر النزهة: ٢/١٦٩٨.
٢٠١

وقال الإمامُ الذهبيُّ في تَرَجَمَةِ مُحمَّدٍ بنٍ يُوسُفَ بنِ هُودٍ: بعدَمَا خَلُصَتِ الأنْدَلُسُ
كُلُّها له ، فَرِحَ النَّاسُ به فَرَحاً عَظِيماً ، فلمَّا تَمَهَّدَ أمْرُه أنْشَأَ غَزْوةً للفِرَنْجِ على مدينةٍ
ماردة بغَربِ الأَنْدَلُسِ ، واسْتَدْعَى النَّاسَ من الأقْطارِ ، فانْتُدَبَ الخَلْقُ له بَجِدٍّ واجْتِهَادٍ
وخُلُوصِ نِيَّةِ المُرتَزِقَةِ والمُطَّوَّعَةِ، واجْتَمَعَ عليه أهْلَّ الأَنْدَلُسِ كُلُّهم ، ولَمْ يَبْقَ إلاَّ مَنْ
حَبَسَهُ العُذرُ، فدَخَلَ بهم إلى الإفْرَنْج، فلمَّا تَرَاءَى الجَمْعانِ وقَعَتِ الهَزِيمَةُ على
المُسلمينَ ، أَقْبَحَ هَزِيمَةٍ ، فإنَّا للهِ وإِنَّا إليه راجِعُونَ ، وكانت تلكَ الأرْضُ مَدْيَسَةً بماءٍ
وعَزْقٍ تَسَمَّرَتْ فيها الخَيلُ إلى آباطِها، وهَلكَ الخَلْقُ، وأَتْبَعَهُم الفِرَنْجُ بِالقَتَلِ والأسْرِ
ولَمْ يُبَق إلاَّ القَليلُ، وَرَجَعَ ابنُ هُودٍ في أسْوَأٍ حالٍ إلى إشْبِيلِيَّةَ ، فَنَعُوذُ باللهِ من سُوءٍ
المُنْقَلَبِ ، فَلَمْ تَبْقَ بُقْعَةٌ من الأنْدَلُسِ إلَّ وفيها البُكاءُ والصِّياحُ العظِيمُ والحُزْنُ
الطَّويلُ ، فكانت إحْدَى هَلَكَاتِ الأَنْدَلُسِ، فمَقَتَ النَّاسُ ابنَ هُودٍ، وصارُوا يُسَمُّونَهَ
((المَحْرُوم))، ولَمْ يَقْدِرْ أنْ يفْعَلَ مع الفِرَنْجِ كبيرَ فِعلٍ (١).
(هـ) تَواريخُ عدد من الفُتوحات :
قال اللَّيثُ بنُ سعد : اسْتُخلِفَ عُمرُ فكان فَتَحُ دِمَشقَ ، ثم كان اليرموك سنةَ خَمسَ
عشرة ، ثم كانت الجابية سنة ست عشرة ، ثم كانت إيلياء وسَرْغ لسنة سبع عشرة ، ثم
كان فتح باب ليُون وقَيْساريّة بالشَّام ، ومَوْت هِرَقْلَ سنة عشرين ، وفيها فُتِحَت مصرُ ،
وسنة إحدى وعشرين فُتِحَت نَهَاوَند، وفُتِحَت الإسكندريةُ سنة اثنتين وعشرين وفيها
فُتِحَت إصطخر وهمذان ، ثمَّ غزا عَمرُو بنُ العاص أطْرابُلسَ المَغرب ، وغَزوَة عَمُّورية
وأميرُ مصرَ وَهبُ بنُ عُمَير الجمحيّ، وأميرُ أهلِ الشَّامِ أبو الأعْوَر سنة ثلاث وعشرين(٢).
فَتْحُ دِمِشْق :
قال ابنُ جَرير : سارَ أبو عُبَيْدة إلى دِمَشْقَ ، وخالدٌ على مقدمة النَّاس ، وقد
اجتمعتِ الرُّومُ على رَجلِ يُقالُ له بَاهان بدِمَشْقَ ، وكان عُمرُ عَزَلَ خالداً واسْتعمَلَ أبا
(١) انظر السير: (محمد بن يوسف بن هود) ٢٠/٢٣ -٢٢، وانظر النزهة: ٣/١٧١١.
(٢) انظر السير: (عُمر بن الخطاب)، وانظر النزهة : ٧/٢٥ .
٢٠٢

عُبَيْدة على الجَميع ، والْتَّقَى المسلمون والرُّومُ فيما حَولَ دِمَشْقَ، فاقْتَتلوا قتالاً
شديداً ، ثمّ هَزَمَ اللهُ الرُّومَ، ودَخلُوا دِمَشْقَ وغَلَّقوا أبوابَها ، ونازَلَها المسلمون حتى
فُتِحَت ، وأعْطُوا الجِزْيَةَ ، وكان قَدِمَ الكتابُ على أبي عُبَيْدة بإمارَته وعَزْلِ خالد
فاسْتَحيا أبو عُبَيْدة أن يُقْرِىء خالداً الكتابَ حتى فُتِحَت دِمَشْقَ وجَرَى الصُّلحُ على يد
خالد ، وكُتِبَ الكتابُ باسْمه ، فلمَّا صالَحَت دِمَشْقُ لَحِقَ باهانُ صاحبُ الرُّومِ بهِرَقْل .
وقيل كان حِصارُ دِمَشْقَ أربعَةَ أشهر(١) .
وكان صاحبُ دِمَشْقَ قد جاءَه مَولُودٌ فصَنعَ طعاماً واشْتَغْلَ يومئذ ، وخالدُ بنُ الوَليد
الذي لا يَنامُ ولا يُنِيمُ قد هيَّأَ حِبالاً كَهيئة السَّلالم ، فلمَّا أمْسَى هيَّأَ أصحابَه وتَقَدَّم هو
والقَعْقاعُ بنُ عَمْرو، ومَذْعورُ بنُ عَديّ وأمثالُهم ، وقالوا : إذا سمعتُم تَكْبِيرَنا على
السُّور فارْقَوْا إلينا وانْهَدوا البابَ قال: فلمَّا انتهى خالدٌ ورُفَقَاؤُه إلى الخَنْدقِ رَموا
بالحِبال إلى الشُّرَفِ ، وعلى ظُهورِهم القِرَبُ التي سَبَحوا بها في الخَنْدِق ، وتَسلَّقَ
القَعْقاعُ ومَذْعورٌ فَلَم يَدعا أُحْبُولَةً حتى أثْبَتَاها في الشُّرَفِ ، وكان ذلك المكانُ أحْصَنُ
مكانٍ بِدِمَشْقَ ، فاسْتوى على السُّورِ خَلقٌ من أصحابه ثمّ كَبَّروا ، وانْحَدَرَ خالدٌ إلى
البابِ فَقَتَلَ البوَّابِينَ ، وثارَ أهلُ البَلدِ إلى مَواقِفِهِم لا يَدرونَ ما الشأنُ، فتَشاغَلَ أهلُ
كُلِّ جِهَةٍ بما يَليهِم ، وفَتَحَ خالدٌ البابَ ، ودَخلَ أصحابُه عُنْوَةً ، وقد كان المسلمون
دَعَوْهم إلى الصُّلحِ والمُشاطَرَةِ فأبوا، فلمَّا رَأْوا البَلاءَ بذَلوا الصُّلحَ ، فأجابَهم مَنْ
يَليهِم ، وقَبِلُوا، فَقالوا: ادْخُلُوا وامْنَعُونا من أهل ذاكَ الباب ، فدخلَ أهْلُ كلِّ باب
بصُلحِ ممّا يَليهِم ، فالْتَقى خالدٌ والأمَرَاءُ في وَسَطِ البَلِدِ ، هذا اسْتِعْراضاً ونَهْباً ،
وهؤلاء صُلْحاً فأجْروا ناحيةَ خالد على الصُّلح بالمُقَاسَمَة ، وكُتِبَ إلى عُمَرَ بالفَتْح .
وكَتبَ عُمرُ إلى أبي عُبَيْدة أن يُجهِّزَ جَيشاً إلى العِراق نَجْدةً لسَعدِ ابنِ أبي وَقَّاص ،
فجَهَّزَ له عشرةَ آلاف عليهم هاشمُ بنُ عُتْبَة ، وبَقِيَ بدِ مَشْقَ يَزِيدُ بنُ أبي سُفْيان في طائفةٍ
من أمْداد اليَمَن(٢).
(١) انظر السير: (عُمر بن الخطّاب)، وانظر النزهة: ١/٦٠.
(٢) انظر السير: (عُمر بن الخطّاب)، وانظر النزهة: ٢/٦٠.
٢٠٣

فَتْحُ حمْص :
قال أبو مسهر : حَدَّثني عبدُ الله بنُ سالم قال : سارَ أبو عُبَيْدة إلى حمْصَ في اثنَي
عشرَ ألفاً ، منهم من السَّكُون سنَّةُ آلاف، فافْتَتَحَها(١).
مَعْرِكةُ القادسيّة :
كانت وَقعةُ القادسيّة بالعِراق في آخر السَّنةِ الخامسة عشرة فيما بلَغَنا ، وكان على
الناس سَعدُ بنُ أبي وقَّاص ، وعلى المشركين رُسْتُم ومعه الجالينُوس ، وذو الحاجب.
وقال أبو وائل : كان المسلمون ما بين السَّبعة إلى الثمانية آلاف ، ورُسْتُم في
ستين ألفاً ، وقيلَ : كانوا أربعين ألفاً ، وكان معهم سَبعُون فيلاً .
وذَكرَ المَدائنيُّ أنَّهم اقْتَتَلُوا قتالاً شديداً ثلاثة أيام في آخر شَؤَّال ، وقيل: إنَّ رُسْتُم
ماتَ عَطَشاً وتَبِعَهم المسلمون فقُتِل جالينُوس وذو الحاجب .
وعن أبي وائل قال : رأيتُني أعبُُ الخَنْدَقَ مَشْياً على الرِّجالِ، قَتلَ بعضُهم بعضاً .
وقال المَدائِيُّ : ثمَّ سارَ سَعدٌ من القادسيَّة يَتْبَعُهم ، فأتاه أهلُ الحيرَة فقالوا : نحنُ
على عَهْدنا .
وقطعَ سَعدٌ الفُراتَ ، ثم سارَ سَعدٌ بِالنَّاسِ حتى المَدَائِنَ فَاقْتَحَها (٢).
.
فَتْحُ المدائِن :
قال الطَبَرِيُّ : وفي سَنةِ سِتَّ عشرة دَخَلَ المسلمون مَدينةَ بَهْرَسِير (٣)، وافْتَتَحوا
المَدائِنَ(٤) ، فَهَربَ منها يَزْدَجِرْد بنُ شَهْریار(٥) .
انظر السير : ( عُمر بن الخطّاب )، وانظر النزهة : ٦٢ .
(١)
(٢)
انظر السير : ( عُمر بن الخطاب )، وانظر النزهة : ٦٤ .
(٣)
هي من نواحي سواد بغداد قرب المدائن .
قال ياقوت : وإنما سمتها العرب المدائن لأنها سبع مدائن بين كل مدينة إلى الأخرى مسافة قريبة أو
(٤)
بعيدة .
(٥) قال صاحب النزهة : هو كسرى الفرس .
٢٠٤

فلمَّا نزلَ سعدُ بنُ أبي وَقَّاص بَهْرَسيرَ - وهي المدينة التي فيها مَنْزِلُ كِسْرَى - طلبَ
السُّفُنَ ليَعبُرَ بالنَّاسِ إلى المَدينة القُصْوَىْ، فَبَقِيَ أَيَاماً حتى أَتَاهُ أَعْلَاجٌ فدَلُوهُ على
مَخاضَة ، فأبَى ، ثم إنه عَزَمَ له أنْ يَقْتَحمَ دِجْلَة ، فَاقْتَحَمَها المسلمون وهي زائدةٌ تَرمي
بالزَّبَد ، ففَجِىءَ أهلَ فارس أمرٌ لمْ يَكُنْ لهم في حساب ، فقاتَلوا ساعةً ثم انْهَزَموا ،
وتَرَكُوا جُمْهُورَ أمْوالِهِم، واسْتَوَلَى المسلمون على ذلك كله، ثم أتَوا إلى القَصرِ
الأبْيَض، وبه قَومٌ قد تَحَصَّنوا ثم صالَحُوا(١).
وقِيلَ : إنَّ الفُرْسَ لمَّا رَأوا اقْتحامَ المسلمين الماءَ تَحيَّروا وقالوا: والله ما تُقَاتِلُ
الإنْسَ ولا نُقَاتِلُ إلَّ الجِنَّ، فَانْهَزَموا .
ونَزَلَ سَعدُ القَصرَ الأبيض، وانَّخذَ الإيوانَ مُصَلَّى، وإنَّ فيه لتَماثيل جَصّ فما
حََّكَها .
ج وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ
ولمّا انتَهى إلى مكان كِسْرَى أَخَذَ يقْرأُ ﴿كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّتٍ وَعُيُونٍ
كَرِيمٍ﴾ الآية (٢).
قالوا : وأتَمَّ سَعدُ الصَّلاةَ يومَ دَخلَها، وذلك أنَّه أرادَ المُقامَ بها، وكانت أوّلَ
جُمُعَة جُمِعَت بالعِراق ، وذلك في صَفَر سنةَ ست عشرة .
قال الطبريُّ : قسَّمَ سَعدُ الفَيَ بعد ما خمَّسَه ، فأصابَ الفارسَ اثنا عشرَ ألفاً ،
وكلُّ الجَيشِ كانوا فُرْساناً(٣).
وقسَّمَ سَعدٌ دُورَ المَدائن بين النَّاسِ وأُوطِنُوها ، وجَمَعَ سَعدٌ الخُمسَ وأدْخلَ فيه كلَّ
شيءٍ من ثياب كِسْرَى وحُلِيِّه وسَيفِه وقال للمسلمين : هلْ لكم أن تَطيبَ أنفُسُكم عن
أَرْبَعةِ أخْماس هذا القِطْف فنَبعَثَ به إلى عُمر، فَيَضَعَه حيثُ يَرى ويقَعَ من أهلِ المَدِينَةَ
مَوْقِعاً؟ قالوا : نَعَم ، فبَعَثَه علىْ هَيئَتِهِ وكان ستِّينَ ذِراعاً في ستِّين ذِراعاً بساطاً واحداً
(١) انظر السير: (عُمر بن الخَطَّاب)، وانظر النزهة: ١/٦٦.
(٢) سورة الدخان، الآيتان: ٢٥، ٢٦.
(٣) انظر السير: (عُمر بن الخَطَّاب)، وانظر النزهة: ٢/٦٦.
٢٠٥

مقدار جَرِيب (١) ، فيه طرقٌ كالصورِ ، وفصُوص كالأنهار ، وخلال ذلك كالدرِّ ، وفي
حافاته كالأرض المَزرُوعة ، والأرض كالمُبْقلة بالنَّبَاتِ في الرَّبيع من الحَرير على
قَصَبات الذَّهَب ونُؤَّاره(٢) بالذَّهَب والفِضَّة ونحوه فقَطَّعَه عُمرُ وقَسَّمَه بين النَّاس فأصابَ
عَليّاً قطعةٌ منه فباعَها بعشرين ألفاً(٣) .
واسْتَوَلَى المسلمون في ثلاثة أعْوام على كُرسيّ مَمْلَكة كِسْرَى ، وعلىُ كُرْسيّ
مَمْلَكَة قَيْصَر، وعلى أمَّيْ بلادِهما ، وغَنِمَ المسلمون غَنائم لَمْ يُسْمَع بمثلها قَطّ من
الذَّهبِ والجَوْهَر والحَرير والرَّقيقِ والمَدائِن والقُصُور فسُبحان الله العَظيم الفَتَّاحِ(٤) .
مَعْرَكَة جَلُولاء :
قال ابنُ جَرير الطَّبَريّ: فقَتَلَ الله من الفُرسِ مائَةَ ألف، جَلَّلَت(٥) القَتْلَى المَجال
وما بَينَ يَدِيْه وما خَلفَه ، فسُمِّيَت جَلُولاء .
وعن أبي وائل قال : سُمِّيَت جَلُولاء لما تَجلَّلَها من الشَّر .
وقال سَيفٌ : كانت سَنةَ سَبعَ عشرة .
وقال خَليفَةُ بنُ خَيّاط : هَرَبَ يَزْدَجِرْد بنُ كِسْرَى من المَدائن إلى حُلوان ، فَكَتبَ
إلى الجبال، فَجَمَعَ العَساكِرَ ووَجَّهَهم إلى جَلُولاء، فاجْتمعَ له جَمِعٌ عَظيم ، عليهم
خُرَّزاد بنُ خرهرمز ، فَكَتبَ سَعدٌ إلى عُمرَ يُخبِرُه ، فَكَتبَ إليه : أقِمْ مَكانَك ووَجِّه إليه
جَيشاً، فإنَّ اللهَ ناصِرُك ومُتَمِّم وَعْدَه ، فعَقَدَ لابنِ أخيه هاشم بنَ عُتْبَة بنَ أبي وَقَّاص ،
فالْتَّقوا ، فجَالَ المسلمون جَوْلةً ، ثم هَزَمَ الله المشركين ، وقُتِلَ منهم مَقْتلةٌ عظيمة ،
وحَوَى المسلمون عَسْكرَهم وأصابوا أمْوالاً عظيمة وسَبايا ، فبَلغَت الغَنائمُ ثمانية عشرَ
ألفَ ألف .
(١) الجريب : ثلاثة آلاف وستمائة ذراع.
(٢) قال صاحب النزهة : النوَّار : الورد .
انظر السير: ( عُمر بن الخَطَّاب)، وانظر النزهة : ١/٦٧ .
(٣)
(٤) انظر السير: (عُمر بن الخَطَّاب)، وانظر النزهة: ٢/٦٧.
(٥) قال صاحب النزهة : أي غطت .
٢٠٦

وجاءَ عن الشّعبيّ أنَّ فَيْءَ جَلُولاء قُسِّم على ثلاثينَ ألف ألف .
وقال أبو وَائل: سُمِّيَت جَلُولاء (( فَتْحَ الفُتوح)).
وقال ابنُ جَرير : أقام هِشامُ بنُ عُثْبَة بجَلُولاء ، وخَرَجَ القَعْقاعُ بنُ عَمرُو في آثار
القَوم إلى خانقين ، فقَتَلَ مَنْ أَدْرَكَ منهم ، وقُتِلَ مَهْران وأفْلَتَ الفَيْرُزانُ ، فلمَّا بَلَغَ ذلك
يَزْدَجِرْد تقَهْقَرَ إلى الريّ .
وفيها جَهَّزَ سَعدٌ جُنْداً فافْتَحُوا تِكْرِيت واقْتَسَمُوها، وخَمَّسُوا الغَنَائِمَ ، فأصابَ
الفارِسَ منها ثلاثةُ آلافِ درهم .
وفيها سارَ عُمرُ إلى الشَّامِ وافْتَتَحَ بِيتَ المَقْدِسِ ، وقَدمَ إلى الجابية - وهي قَصَبَة
حَوْران - فخَطَبَ بها خُطبَةً مَشْهُورَةً مُتواترَةً عنه(١) .
قِنَّشْرین :
وفي السَّنةِ السادسة عشرَة بَعَثَ أبو عُبَيْدَة عَمرو بنَ العاص - بعد فَراغِه من اليَرْموك -
إلىْ قِنَّسْرين، فصالَحَ أهلَ حَلَبَ ومَنِج وأنْطاكيَّة على الجِزْيَة ، وفَتَحَ سائرَ بلادٍ قِنَّسْرين
عَنوَة .
وفيها افْتُتِحَت سَرُوج والرُّها على يَدي عِياض بنِ غَنْم .
وفيها قال ابنُ الكَلبيّ : سار أبو عُبَيْدَة وعلى مقدمته خالدُ بنُ الوَليد ، فحاصَرَ أهلَ
إيْلِيَاء ، فسألُوه الصُّلحَ على أن يكونَ عُمرُ هو الذي يُعطيهم ذلك ويَكْتُبُ لهم أماناً ،
فَكَتبَ أبو عُبَيْدَة إلى عُمَرَ ، فَقَدِمَ عُمرُ إلى الأرضِ المُقدَّسَة فصالَحَهم وأقامَ أيّاماً ثم
شَخصَ إلى المَدينةِ(٢).
تُسْتَر :
قال الوَليدُ بنُ هِشام القَحْذَميّ ، عن أبيه وعمِّه أنَّ أبا موسى لمَّا فَرَغَ من الأَهْوَازِ ،
ونَهرِ تيرى ، وجُنْدَيْسابُور، ورامَهُزْمُز، تَوجَّه إلى تُسْتَر، وكَتبَ يَستمِدُّ عُمرَ، فَكَتبَ
(١) انظر السير: (عمر بن الخطّاب)، وانظر النزهة: ٦٨ .
(٢) انظر السير: (عُمر بن الخطّاب)، وانظر النزهة : ٦٩ .
٢٠٧

إلىْ عمَّار بنِ ياسر أنْ أمِذَّه ، فَكَتبَ إلى جَرِير وهو بحُلوان أنْ سِرْ إلى أبي موسى ،
فسارَ في ألفٍ فأقاموا أشْهُراً ، ثم كَتَبَ أبو موسى إلى عُمرَ: إنَّهم لَمْ يُغْنُوا شَيئاً ،
فَكَتبَ عُمرُ إلى عمَّار أنْ سِرْ بِنَفسِك، وأَمَذَّه عُمرُ من المَدينة .
وعن عبد الرحمن بنِ أبي بَكْرَة قال : أقاموا سَنةً أو نَحْوَها ، فجاءَ رَجلٌ من تُسْتَر
وقال لأبي موسى : أسْألُكَ أنْ تَحْقِنَ دَمي وأهلَ بَيْتِي ومالي، على أنْ أدُلَّكَ على
المَدخَل ، فأعْطاه ، قال : فابْغِني إنْساناً سابِحاً ذا عَقلٍ يَأتيك بأمرٍ بَيِّن ، فأرسلَ معه
مجْزأةَ بنَ ثَور السدوسيّ ، فأُدْخِلَ من مَدْخَل الماء يَنْبَطِحُ على بَطِنِهِ أحْياناً ويَحْبُو حتى
دَخَلَ المَدينةَ وعَرفَ طُرقَها ، وأراه العِلِجُ الهُرمزانَ صاحبَها ، فهَمَّ بقَتلِه ثم ذَكَرَ قَولَ
أبي موسى: ((لا تَسْبقْني بأمْرٍ )) ورَجعَ إلى أبي موسى، ثم إنه دَخلَ بخَمْسٍ وثلاثين
رجُلاً كأنَّهم البَطُّ يَسْبَحُون، وطَلِعُوا إلى الشُّورِ وكَبَّروا، واقْتَتلوا هو ومَنْ عندَهم على
الشُّور، فقُتِلَ مجْزأة، وفَتَحَ أولئك البَلدَ ، فَتَحصَّنَ الُرمُزانُ في بُرج(١) .
وقال قَتَادَة ، عن أنَس: لَمْ تُصَلَّ يومئذ الغَداءُ(٢) حتى انْتُصفَ النَّهَارُ فما يَسُّني
بتلك الصَّلاة الدُّنيا كُلُّها .
وعن الشَّعبيّ قال : حاصَرَهم أبو موسى ثمانيَة عشَر شَهْراً، ثم نَزَلَ الهُرمُزانُ على
حُكْمِ عُمَر ، فقال حميدُ، عن أنَس: نَزَلَ الهُرمُزانُ على حُكْمٍ عُمَر(٣).
فلمَّا انتهَيْنا إليه - يَعني إلى عُمَر بالهُرْمُزان - قال: تَكلَّم ، قال : كَلامُ حَيٍّ أو كَلامُ
مَيّت ؟ قال : تَكلَّم فلا بأسَ ، قال: إنَّ وإيّاكم مَعشَر العَرب ما خَلى الله بيننا وبينكم ،
كُنَّا نَغْصِبُكم ونَقْتُلُكم ونفعَلُ، فلمَّا كان الله معكم لَمْ يكُنْ لنا بكُم یدان ، قال : يا أنَس
ما تقولُ ؟ قُلتُ : يا أميرَ المؤمنين تَركتُ بَعدي عَدداً كثيراً وشَوْكَةٌ شَديدة فإنْ تَقْتُلْه
بَيْأس القَومُ من الحَياة ويكُون أشَدَّ لشَوْكَتهم، قال: فأنا أَسْتَحْبِي قاتلَ البَراء ومجْزَأة بنَ
ثَور !! فلمَّا أحْسَسْتُ بقَتِهِ قُلتُ : لَيسَ إلى قَتِلِهِ سَبيل ، قد قُلتَ له : تَكلَّم فلا بأس ،
(١) انظر السير: (عمر بن الخطّاب)، وانظر النزهة: ١/٧١.
(٢)
قال صاحب النزهة : هي صلاة الفجر .
انظر السير : ( عمر بن الخطّاب)، وانظر النزهة: ٢/٧١.
(٣)
٢٠٨

قال : لتأتيَّنِّي بِمَنْ يَشْهِدُ به غَيرُك ، فَلَقيتُ الزُّبَيْرَ فَشَهِدَ معي، فأمْسَكَ عنه عُمرُ ،
وأسْلَمَ الهُرمُزانُ، وفَرضَ له عُمرُ ، وأقامَ بالمَدينةِ(١).
فَتْحُ مِصْر :
رَوِى خَليفَةُ - عن غَيرٍ واحد - وغَيْرُه أنَّه في سَنة عشرين ، كَتَبَ عُمَرُ إلى عَمْرو بنِ
العاص أن يَسيرَ إلى مِصْرَ، فسارَ وبَعثَ عُمَرُ الزُّبَيْرَ بنَ العوَّامِ مَدداً له ، ومعه بُسْر بن
أرْطأة، وعُمَيْر بن وَهب الجُمَحيّ ، وخارِجَة ابن حُذافة العَدَويّ ، حتى أتى باب
أليون(٢) فَتَحصَّنوا، فافْتَتَحَها عَنْوةً وصالحَه أهلُ الحِصْن، وكان الزُّبَيرُ أولَ من ارْتَقَىْ
سورَ المدينة ثم تَبَعَه النَّاسُ ، فَكَلَّم الزُّبَيْرُ عَمْراً أن يَقْسِمَها بين مَنْ افْتَتَحَها ، فَكَتبَ
عَمرو إلىْ عُمرَ ، فَكَتبَ عُمرُ أكلَة ، وأكلات خَيرٌ من أكلَة، أَقِرُّوها(٣).
وعن عَمرو بنِ العاص أنَّ قالَ على المِنْبَر : لقد قَعدْتُ مِقْعدي هذا وما لأحد من
قِبْطِ مِصْرَ عليَّ عَهِدٌ ولا عَقدٌ ، إنْ شِئتُ قَتَلتُ ، وإنْ شِئتُ بِعْت ، وإِنْ شِئتُ خَمَّستُ
إلاَّ أهلَ أنْطابُلس(٤) فإنَّ لهم عَهداً نَفَي به
وعن عليٍّ بنِ رَباح قال: المَغربُ كلُّه عَنوَة
وعن ابنِ عُمرَ قال : افْتُحَت مِصْرُ بغير عَهد ، وكذا قال جماعةٌ
وقال يَزيدُ بنُ أبي حَبيب : مِصْرُ كلُّها صُلح إلاَّ الإسْكندريّة(٥) .
وعن عيَّشٍ بنِ عبّاس القتباني، وعن غير واحد أنَّ عَمْراً سار من فلَسْطين بالجَيشِ
من غير أمْرٍ عُمَرَ إلى مِصْرَ فافْتَتَحَها ، فعَتبَ عُمرُ عليه إذْ لمْ يُعْلِمْه ، فَكَتبَ يسْتأذنُ عُمرَ
بِمُناهَضة أهلِ الإسْكندريّة ، فسارَ عَمرُو في سنة إحدى وعشرين، وخَلَّفَ على
الفُسْطاط خارِجةَ ابنَ حُذَافَة العَدويّ ، فالتَقَى القِبِطَ فهَزَمَهم بعد قتالٍ شَديد ، ثم
(١) انظر السير: (عمر بن الخطّاب)، وانظر النزهة: ١/٧٢.
(٢)
حصن بقرب الفسطاط بمصر القديمة .
قال صاحب النزهة : أي نهاهم أن يقسموها بين من افتتحها ، وأمرهم بتحصيل خراجها فقط .
(٣)
(٤) قال صاحب النزهة : مدينة من مدن ليبيا قديماً .
(٥) انظر السير: (عمر بن الخطّاب)، وانظر النزهة: ٧٠.
٢٠٩

التقاهم عند الكرْيَوْن(١) فقاتَلُوا قتالاً شديداً، ثم انتَهى إلى الإسْكندريّة ، فأرسَلَ إليه
المُقَوْقِسُ يَطلبُ الصُّلحَ والهُدنةَ منه ، فأبى عليه ثم جَدَّ في القتال حتى دخلَها بالسَّيفِ،
وَنم ما فيها من الرُّومِ ، وجعلَ فيها عَسْكراً عليهم عبدُ الله بنُ حُذافَة السَّهميّ ، وبَعثَ
إلى عُمَرَ بالفَتحِ ، وبَلَغَ الخَبرُ قُسْطَنْطِينَ بنَ هِرَقْلِ فَبَعثَ خَصيّاً له يُقال له منويل في
ثلاثمائة مَركب حتى دخلوا الإِسْكندريّة، فقتلوا بها المسلمين ونَجا مَنْ هَرَبَ ، ونقَضَ
أهلُها ، فزَحفَ إليها عَمرٌو في خمسة عشر ألفاً ، ونصَبَ عليهم المَجانيقَ ، وجَدَّ في
القتالِ حتى فتَحها عَنْوةً ، وخرَّبَ جُدُرَها، رُئِيَ عَمرو يُخرِّبُ بِيَدِه(٢).
بَرْقَة :
وفي سنة إحْدى وعشرين سارَ عَمرو بنُ العاص إلى بَرْقَة فافْتَتَحَها ، وصالحَهم على
ثلاثة عشر ألف دينار(٣).
نَھَاوَنْد :
عن السَّائبِ بنِ الأقْرِع قال: زَحفَ للمسلمين زَحْفٌ لم يُرَ مثلُه قطّ ، رَجفَ له أهلُ
ماهَ وأهلُ أصْبَهان ، وأهلُ هَمَذان والريّ وقومس ونَهاوَنْدَ وأَذَرْبِيجانَ ، قال : فبَلغَ
ذلك عُمَرَ فشاوَرَ المسلمين ، فقال عليٍّ رضي الله عنه: أنت أفْضَلُنا رأياً وأعلَمُنا
بأهلك فقال : لأَسْتَعملَنَّ على النَّاسِ رجلاً يكون لأول أسِنَّة يلقاها ، يا سائبُ اذهبْ
بكتابي هذا إلى النُّعْمان بن مُقَرِّن، فليَسِرْ بثلثي أهل الكُوفَة ، ولَيَبْعَث إلى أهل
البَصْرَة، وأنت على ما أصابوا من غَنِيمَة، فإنْ قُتِلِ النُّعمانُ فحُذَيْفَةُ الأميرُ ، فإن قُتِلَ
حُذَيْفَةُ فجَرِيرُ بنُ عبد الله، فإن قُتِلَ ذلك الجَيشُ فلا أراك (٤) .
ورَوَى عَلْقَمَةُ بنُ عبد الله المُزنِيّ ، عن مَعْقلِ بنِ يَسَارِ : أنَّ عُمَرَ شَاوَرَ الهُرْمُزَانَ فِي
أصْبَهانَ وفارِسَ وأذْرَبيجانَ بأيّتهن يبدأ ، فقال : يا أميرَ المؤمنين أصْبَهانُ : الرَّأسُ
(١) اسم موضع قرب الإسكندرية .
(٢) انظر السير: ( عمر بن الخطّاب)، وانظر النزهة : ٧٣ .
(٣) انظر السير: (عمر بن الخطّاب)، وانظر النزهة : ١/٧٥.
(٤) انظر السير: (عمر بن الخطّاب)، وانظر النزهة : ١/٧٣.
٢١٠

وفَارِسُ وأَذْرَبِيجانُ : الجَنَاحانُ، فإن قُطِعَ أحدُ الجَناحَين مالَ الرَّأْسُ بالجَناحِ الآخَرِ ،
وإِنْ قَطَعْتَ الرَّأسَ وَقَعَ الجَناحَان ، فدخلَ عُمَرُ المسجدَ فوجدَ النُّعْمانَ بنَ مُقَرِّن يُصلِّي
فسَرَّحَهُ وسرَّحَ معه الزُّبَيرَ بنَ العَوَّام، وحُذَيفَة بنَ اليَمان، والمُغيرَةَ بنَ شُعْبَة ،
وعمرو بنَ مَعْد يَكرب ، والأشْعَثَ بنَ قَيْسَ ، وعبدَ الله بنَ عُمر ، فسارَ حتى أتى
نَهاوَنْدَ ، فذَكرَ الحديثَ إلى أنْ قالَ النُّعْمانُ لمَّا التقى الجمعانِ : إنْ قُتلتُ فلا يُلْوي
عليَّ أحدٌ ، وإِنِّي داعٍ بِدَعْوَةٍ فَأَمِّنُوا(١) .
ثم دَعا : اللَّهُمَّ ارْزُقني الشَّهادَةَ بنَصْرِ المسلمينَ والفَتْحِ عليهم ، فأمَّنَ القومُ
وحَملوا ، فكان النُّعْمَانُ أوَّلَ صَرِيعٍ رضي الله عنه .
ورَوَىُ خَليفَةُ بإسنادٍ قال : التَقَوْا بنَهاوَنْدَ يومَ الأربعاء فانكشَفت مَجْنبةُ المسلمين
اليُمنَى شيئاً ، ثم التَّقَوْا يومَ الخميس فثَبِّتَتْ المَيْمنَةُ وانكَشَف أهلُ المَيْسَرَة، ثم التَّقَوْا
يومَ الجُمُعَة فأقْبَلَ النُّعْمَانُ يخْطبُهم ويَحفُّهم على الحَمَلَةَ فَفَتَحَ اللهُ عليهم (٢) .
وقال ابنُ جَرِير في وَقْعَة نَهاوَنْد : لمَّ انْتُهى النُّعْمانُ إلى نَهَاوَنْد في جيشه طرَحوا له
حَسَكَ(٣) الحَديد، فبعثَ عُيوناً فساروا لا يَعلمون بالحَسَك فزَجَر بعضُهم فَرسَه وقد
دَخلَ في حافِه حَسَكةٌ ، فَلَمْ يَبْرَحْ ، فَنزِلَ فإذا الحَسَك ، فأقْبلَ بها ، وأخْبرَ النُّعْمانَ ،
فقال النُّعْمانُ : ما تَرَونَ ؟ فقالوا : تَقَهْقَر حتى يَرَوا أنَّك هاربٌ فيَخرُجُوا في طلَبك ،
فَتَأَخَّرَ النُّعْمانُ، وكَنسَت الأعاجمُ الحَسَكَ وخَرجُوا في طلَبِهِ فعَطفَ عليهم النُّعْمَانُ وعبَّأَ
كَتائبَه وخَطِبَ النَّاسَ وقال: إنْ أُصِبتُ فعلَيكم حُذَيِفَة ، فإِنْ أُصِيبَ فعليكم جَرير
البجليّ ، وإنْ أُصِيبَ فعليكم قَيْسُ بنُ مَكْشوح، فوَجدَ المُغيرَةُ في نفْسِه إذْ لَمْ
يَسْتَخْلِفْهُ، قال وخَرجَت الأعاجِمُ وقد شَدُوا أنفُسَهم في السَّلَاسِل لئَلاَّ يَفْرُّوا، وحَملَ
عليهم المسلمون ، فرُمِيَ النُّعْمَانُ بسَهمٍ فقُتِلَ، ولفَّهُ أخُوهُ سُريدُ بنُ مُقَرِّن في ثَوِهِ وكَتَمَ
قَتْلَه حتى فَتَحَ اللهُ تعالى عليهم ، ودَفعَ الرَّايةَ إلى حُذَيْفَة .
(١) انظر السير: (عمر بن الخطّاب)، وانظر النزهة : ١/٧٤.
(٢) انظر السير: (عمر بن الخطّاب)، وانظر النزهة : ٢/٧٤.
(٣) قال صاحب النزهة: الحَسَك، هو الشِّرك .
٢١١

وَقَتَلَ اللهُ ذا الحَاجِب (١) - يَعني مقدمَهم - وافُتِحَت نَهاوَنْدُ ، ولم يكُنْ للأعاجِم بعد
ذلك جماعة(٢) .
٢٢۔من عَجَائِبٍ غَنَائِم الچِهَاد :
قال اللَّيْثُ: بَعَثَ مُوسَى بنُ نُصَيْرِ ابْنَه مَرْوَانَ على الجَيشِ ، فأصَابَ من السَّبِي مِئَةَ
ألفٍ، وبَعَثَ ابنَ أخِيهِ فَسَبَى أيْضَاً مِئَةَ ألفٍ من البَرْبَرْ، ودَلَّه رجُلٌ عَجُوزٌ على كَنْزِ
بالأنْدَلُسِ ، فَتَزَعُوا بابَه ، فسَالَ عليهِم من اليَاقُوتِ والزَّبَرْجَدِ ما بَهَرَهُم قال اللَّيْثُ : إِنْ
كانت الطَّْفسةُ لتُوجَدُ مَنْسُوجَةً بالذَّهَبِ واللُّؤْلُؤِ والْيَاقُوتِ لا يَسْتَطِيعُ اثْنَانِ حَمْلَها
فِيَقْسِمَانِها بالفَأْسِ(٣) .
ولمَّا تَمَادَى في سَيْرِهِ في الأنْدَلُسِ ، أتَى أَرْضَاً تَمِيدُ بأهْلِها، فقال عَسْكَرُهُ : إلى
أيْنَ تُرِيدُ أنْ تَذْهَبَ بنا؟ حَسْبُنَا ما بأيِدِينَا، فقال: لَوْ أَطَعْتُمُونِي لَوَصَلْتُ إلى
القُسْطَنْطِيْنِيَّةَ، ثمَّ رَجَعَ إلى المَغْرِبِ وهو رَاكِبٌ علىْ بَغْلَةٍ وهو يَجُ الدُّنْيًا بِينَ يَدَيْهِ ، أَمَرَ
بالعَجَلِ تَجُرُّ أَوْقَارَ الذَّهَبِ والحَرِيرِ ، واسْتَخْلَفَ ابنَه بإفْرِيقِيَّةَ، وأَخَذَ معَه مِئَةً من كُبَرَاءِ
البَرْبَرِ ، ومِئَّةً وعِشْرينَ من المُلُوكِ وأولادِهم، فقَدِمَ مِصْرَ في هَيْئَةٍ ما سُمِعَ بمثلِها ،
فَوَصَلَ العُلمَاءَ والأشْرافَ، وسَارَ إلى الشَّام، فَبَلَغَهُ مَرَضُ الوَلِيدُ ، وكَتَبَ إليه سُلَيْمَانُ
يَأْمُرُه بالتَّوَقُّفِ: فمَا سَمِعَ منه، فَلَىْ سُليَّمَانُ إِنْ ظَفِرَ به لَيَصْلِبِنَّه، وقَدِمَ قَبْلَ مَوتِ
الوَلِيدُ، فَأَخَذَ ما لا يُحَدُّ من النَّفَائِسِ ، ووَضَعَ باقِيهِ فِي بَيْتِ المالِ ، وقُوَّمَتِ المَائِدَةُ
بِمِئَةِ ألفِ دینارٍ .
ووَلِيَ سُلِيْمَانُ فأهَانَه، ووُقِّفَ في الحَرِّ - وكان سَمِينَاً - حتى غُشِيَ عليه، وبِقِيَ
عُمرُ بنُ عبدِ العَزِيزِ يَتَأَلَّمُ له ، فقال سُليْمانُ : يا أبا حَفْصٍ ما أظُنُ أنِّي خَرِجْتُ من يَميني .
وضَمَّه يَزِيدُ بنُ المُهَلَّبِ إليه ، ثمَّ فَدَى نَفَسَه بِبَذْلِ ألفِ ألفِ دينارٍ ، وقِيلَ له: أنْتَ
(١) ذا الحاجب: هو مردانشاه المُلقب ببهمن، وسُمي ذا الحاجب لأنه كان يعضب حاجبيه ليرفعهما عن
عينيه كبراً ، ويُقال إن اسمه رُسْتم .
(٢) انظر السير: (عمر بن الخطّاب)، وانظر النزهة: ٣/٧٤.
(٣) انظر السير: (موسى بن نصير) ٤٩٦/٤ - ٥٠٠، وانظر النزهة: ٢/٥٤٠.
٢١٢

فِي خَلْقٍ مِن مَوَالِيكَ وجُنْدِكَ ، أَفَلا أَقَمْتَ في مَقَرّ عِزِّكْ؟! ، وبَعَثْتَ بالتقادم قال : لَوْ
أَرَدْتُ لصَارَ، ولكِنْ آثَرْتُ اللهَ وَلَمْ أَرَ الخُروجَ ، فقال له يَزِيدُ: وكُلُّنا ذاكَ الرَّجُلُ - أرَادَ
بهذا قُدُومَهُ على الحَجَّاجِ(١) .
وقال مُوسَىْ بنِ نُصَيْرٍ مَرَّةً : يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ - يَعِنِي سُليْمانَ - لقدْ كانت الألْفُ شَاةٍ
تُبَاعُ بِمِئَةِ درهمٍ ، وتُبَاعُ النَّاقَةُ بَعَشْرةِ دراهِم، وتَمُرُّ النَّاسُ بالبَقَرِ ، فلا يَلْتَفِتُونَ إليها،
ولقدْ رَأيْتُ العِلْجَ الشَّاطِرَ وَزَوْجَتَهُ وأوْلادَهُ يُباعُونَ بِخَمسِينَ درهماً .
وكان فَتْحُ إِقْلِيمِ الأَنْدَلُسِ في رَمَضَانَ سَنَ اثْنَيْنِ وتِسْعِينَ على يَدِه(٢).
وافْتَتَحَ ابنُ سُبُكْتِكِين ◌ِدَةَ مَدائِنَ بالهِنْدِ ، ووَرَدَه كِتابُ القَادِرِ بِاللهِ ، فِيهِ : صَدَرَ
العَبدُ من غَزْنَةَ في أَوَّلِ سَنةِ عَشرٍ وأرْبَعِ مِئَة، وانْتُدَبَ لتَنِفِيذِ الأَوامِرَ فَرَتَّبَ فِي غَزْنَةً
خمسةَ عَشرَ ألفَ فارِسٍ ، وأَنْهَضَ ابنَه فَي عِشرينَ ألفاً وشَحَنَ بَلْغَ وطَخَارُسْتَانَ باثني
عَشرَ ألفَ فارسٍ، وعَشرةَ آلافِ راجلٍ ، وانْتُخَبَ ثلاثينَ ألفَ فارِسٍ ، وعَشرَةَ آلافِ
راجِلٍ لصُحْبَةِ رَايَةِ الإِسْلامِ، وانْضَمَّ إليه المُطَّوَّعَةُ، فافْتَتَحَ قِلاعَاً وحُصُوناً وأَسْلَمَ زُهَاءَ
عِشرينَ ألفاً، وأَدَّوْا نَحوَ أَلْفِ ألْفٍ من الوَرِقِ، وثلاثين فِيلاً، وعِدَّةُ الهَلْكَىْ خَمسُونَ
ألفاً ووَافَى العَبدُ مدينةً لهم عَايَنَ فيها نَحوَ ألفِ قَصْرٍ ، وألفَ بيتٍ لِلأَصْنَامِ ، ومَبْلَغُ
ما على الصَّنَمِ ثمَانِيَةٌ وَتِسْعونَ ألفَ دينارٍ ، وقَلَعَ أَزْيَدَ من ألفٍ صَنَمٍ ، ولهم صَّنَمٌ مُعَظَّمٌ
يُؤَرِّخُونَ مُدَّتَه بِجَهَالَتِهِم بثلاثٍ مِنَّةِ ألفِ سَنَةٍ، وحَصَّلْنا من الغَنَائِمِ عِشْرِينَ ألفِ ألْفٍ
درهم، وأُفْرِدَ الخُمْسُ من الرَّقِيقِ ، فَبَلَغَ ثلاثةً وخَمْسِينَ ألفاً، واسْتَعْرَضْنَا ثلاثَ مِئَّةٍ
وسِتَةٍ وخَمْسِينَ فِيلاً .
وفي سَنَّةِ اثْنَتَينِ وعِشرينَ وأرْبَع مِئَةٍ ، ماتَ القَادِرُ باللهِ، وعَاشَ سَبْعاً وثمَانِينَ سَنةً
سِوَىُ شهرٍ وثمانيةَ أيَّامٍ، وما عَلِمَّتُ أحَداً من خُلَفَاءِ هذهِ الأُمَّة بَلَغَ هذا السِّنَّ ،
ولا حتى عُثْمانَ رضي الله عنه(٣).
(١) انظر السير: (موسى بن نصير) ٤٩٦/٤ -٥٠٠، وانظر النزهة: ٤/٥٤٠.
(٢) انظر السير: (موسى بن نصير) ٤٩٦/٤-٥٠٠، وانظر النزهة: ١/٥٤٢.
(٣) انظر السير: (القادر بالله) ١٢٧/١٥-١٣٨، وانظر النزهة: ٣/١١٩٤.
٢١٣

قال الذهبيُّ : وفي سَنةِ أرْبَعِينَ وأربع مئة غَزَتِ الغُزُّ مع إبراهيمَ يَنَال السَّلْجُوقِيِّ
وقِيلَ : ما كان معهم ، فَغَزَوْا إلىُ قَرِيبِ القُسْطَنْطِينَيَّة، وَغَنِمُوا وسَبَوْا أَزْيَدَ من مِئَّةِ
ألفٍ ، وقِيلَ : جُرَّتِ المَكاسِبُ على عَشْرةِ آلافِ عَجَلةٍ وكان فَتْحاً عظيماً، وكان
الرَّفْضُ أيضاً قَوِيّاً بالعِراقِ(١).
وقال الذهبيُّ : وفي سَنةِ إحْدَىُ وتِسعِينَ كانت بالأَنْدَلُسِ المَلْحَمَةُ العُظْمَى، وَقْعَةُ
الزَّلاَقَةُ بِينَ يَعْقُوبَ وبينَ الفُنْش الذي اسْتَوْلَى على بلادِ الأَنْدَلُسِ ، فَأَقْبَلَ اللَّعِينُ في مِئْتَيّ
ألفٍ وعَرَضَ يَعْقُوبُ جُنْدَه فكانوا مِنَّةَ ألفِ مُرْتَزَقَة ، ومِئَةَ ألفِ مُطَّوِّعَة ، عَدوا البَحرَ إلى
الأَنْدَلُسِ ، فَتَزَلَ النَّصْرُ ونَجَا قَليلٌ من العَدُوِّ ، قال أبو شَامَة : عِدَّةُ القَتْلَى مِنَةُ ألفٍ
وسِتَةٌ وأرْبَعُونَ ألفاً ، وأُسِرَ ثلاثونَ ألفاً، وأُخِذَ من خِيَامِهِم مِئَّهُ ألفٍ خَيْمَة وخَمسُونَ
ألفاً ، ومن الخَيْلِ ثمَانُونَ ألفَ رأسٍ ومن البِغَالِ مِنَّةُ ألفٍ ، ومن الحَمِيرِ التي لأنْقَالِهِم
أَرْبَعُ مِنَّةِ ألفٍ ، وبِيعَ الأَسِيرُ بدِرهمٍ والحِصَانُ بِخَمْسَة، وقَسَّمَ الُّلطانُ الغَنِيمَةَ على
الشَّرِيعَةِ ، واسْتَغْنَوا(٢) .
٢٣ - المعَاركُ الإسلاميّة معَارُ نَظيفة ليس فيها تَعدِّ ولا جَوْر:
قال هشامُ بنُ عُرْوَة ، عن أبيه قال : جَعلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ في
مَرضِه : (( أَنْفِذُوا جَيْشَ أُسَامَة)) فسارَ حتى بلَغَ الجُرْف، فأرسَلتْ إليه امرأتُه فاطمةُ
بنتُ قَيْس تقولُ: لا تَعْجَل فإنَّ رسولَ الله ثَقيلٌ، فلمَّا يَبْرَح حتى قُبِضَ رسولُ الله
صلى الله عليه وسلم ، فلمَّا قُبِضَ رَجعَ إلى أبي بكرٍ فقال: إنَّ رسولَ الله صلى الله عليه
وسلم بَعثَني وأنا على غير حالكم هذه، وأنا أتَخوَّفُ أنْ تَكفُر العَربُ، وإنْ كَفْرَت
كانوا أوّلَ مَنْ يُقاتل، وإنْ لمْ تَكفُر مَضَيتُ ، فإنَّ مَعي سَرواتُ النَّاسِ وخيارُهم ،
قال : فخَطبَ أبو بكر النَّاسَ ، ثم قال: والله لأنْ تَخطَّفَني الطَّيرُ أحَبُّ إليَّ من أنْ أبدأ
بشيءٍ قِبَلَ أمرِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، قال فبَعثَه أبو بكر ، واسْتأذنَ لعُمَرَ أنْ
(١) انظر السير: (المستنصر بالله) ١٨٦/١٥ -١٩٦، وانظر النزهة: ٢/١٢١١.
(٢) انظر السير: (الناصر لدين الله) ١٩٢/٢٢ -٢٤٢، وانظر النزهة: ٢/١٦٨٨.
٢١٤

يَتركَه عنده، وأمَرَ أنْ لا يَجْزِرَ في القومِ - أنْ يَقِطَعَ الأيدي، والأرْجُلَ والأوساطَ في
القتال - قال : فمَضى حتى أغارَ ، ثم رجَعوا وقد غَنِموا وسَلِموا .
فكان عُمرُ يقولُ: ما كُنتُ لأحَيّي أَحَداً بالإمارَةِ غيرَ أسامة، لأنَّ رسولَ الله
صلى الله عليه وسلم قُبِضَ وهو أمير .
وقيل : كان ابنَ عشرين سنةً(١).
٢٤ - الفِتنَةُ تَمْنَعُ من الچِهَادِ :
قال سَعيدُ بنُ عبد العَزيزِ: لمَّا قُتِلَ عُثْمانُ ، ووَقَعَ الاختلافُ، لَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ غَزْوٌ
حتى اجْتَمَعُوا علىُ مُعاوِيَة، فأغْزَاهُم مَراتٍ ، ثمَّ أغْزَى ابنَه في جَمَاعةٍ من الصَّحَابَةِ بَراً
وبَحْراً حتى أجَازَ بهم الخَلِيجَ ، وقَاتَلُوا أهلَ القُسْطَنْطِينيّة على بابِها، ثمَّ قَفَلَ(٢).
٢٥ - المِيْنَةُ الجَاهِلِيَّة:
قال الإمامُ الذهبيُّ: بعْدَ مَقُولَةِ يَزِيدِ بنِ المُهَلَّبِ حِينَمَا سُئِلَ : ألا تُنْشِىء لكَ
دَاراً؟ !! ، قال: لا إنْ كُنتُ مُتَوَلِياً فَدَارُ الإمَارَةِ وإنْ كُنتُ مَعْزُولاً فالسِّجنُّ قال
رَحِمَهُ الله : هكذا هو ، وإنْ كان غَازِياً فالسَّرْجُ ، وإنْ كان حَاجّاً فالكُورُ(٣) ، وإنْ كان
مَيْتاً فالقَبْرُ، فهل من عامٍِ لدَارِ مَقَرِّه، ثمَّ إنَّ يَزِيدَ بنَ المُهلَّب، لما استُخْلِفَ يَزِيدُ بنُ
عبد المَلِكِ غَلَبَ على البَصْرَةِ، وتَسَمَّى بالقَحْطانِيّ، فَسَارَ لحَرْبِهِ مَسْلَمَةُ بنُ
عبد المَلِكِ، فالْتَّقَوْا ، فَقُتِلَ يَزِيدُ فِي سَنةِ اثْنَيْنِ ومِنَّةَ (٤) .
وقال شُعْبَةُ بنُ الحَجَّاجِ: سَمِعتُ الحَسَنَ البَصْرِيَّ يقولُ فِي فِتْنَةِ يَزِيدِ ابنِ المُهَلَّبِ :
هذا عَدُوُّ اللهِ يَزِيدُ بنُ المُهَلَّبِ ، كُلَّمَا نَعَقَ بهم ناعِقٌّ اتَّبَعُوه(٥) .
قال الذهبيُّ مُعَقِّباً: قُلتُ : قُتِلَ عن تسع وأرْبَعِينَ سَنةً، ولقد قَاتَلَ قِتالاً عَظِيماً،
(١) انظر السير: ( أبو بكر الصدِّيق)، وانظر النزهة: ٣٦/ جيش أسامة.
(٢)
انظر السير: ( معاوية بن أبي سفيان) ١١٩/٣ -١٦٢، وانظر النزهة : ١/٣٥٤.
(٣)
الكور : الرَحْل .
انظر السير: (يَزِيدُ بن المُهلَّب) ٥٠٣/٤-٥٠٦، وانظر النزهة: ٧/٥٤٥.
(٤)
(٥) انظر السير: (يَزِيدُ بن المُهلَّب) ٥٠٣/٤-٥٠٦، وانظر النزهة: ٨/٥٤٥.
٢١٥

وتَفَلَّلت جُمُوعُه، فما زَالَ يَحْمِلُ بنفسِه في الأُلُوفِ ، لا لِجِهادٍ بلْ شَجَاعةً وحَمِيَّةً ،
حتى ذَاقَ حِمَامَهُ نَعُوذُ باللهِ من هذه القَتْلَةِ الجاهِلِيّة (١).
٢٦ - رُؤيَا باهِرةٌ في أمر الجِهَاد :
قال سِبطُ الجُوزِيّ : حَكَىُ لي نَجْمُ الدِّين بنُ سَلام عن وَالِدِه أنَّ الفِرِنْجَ لمَّا نَزَلَت
علىُ دِمْياطَ، ما زالَ نورُ الدِّين عِشْرِين يوماً يَصُومُ، ولا يُفطِرُ إلَّ على المَاءِ ، فضَعُفَ
وكادَ يَتْلَفُ، وكان مَهِيباً، ما يَجْسُرُ أحدٌ يُخاطِبُه في ذلك، فقال إمامُه يَحْبَى: إنَّه
رَأَى النبيَّ صلى الله عليه وسلم في النَّومِ يقولُ: يا يَحْيَى ، بَشِّرْ نورَ الدِّينِ برَحِيلِ الفِرِنْجَ
عن دِمْياطَ، فقلتُ: يا رسُولَ الله، رُبَّما لا يُصَدِّقُنِي قال : قُلْ لَهُ : بعَلامَةِ يومِ حارِمِ
وانْتُبَهَ يَحْبَى، فلمَّا صَلَّى نورُ الدِّينِ الصُّبْحَ، وشَرَعَ يَدْعُو ، هَابَه يَحْيَى فقال له:
يا يَحْيَى تُحَدِّثُنِ أوْ أُحَدِّثُكَ؟ فارْتَعَدَ يَحْيَى، وخَرُسَ، فقال نورُ الدين: أنا أُحَدِّثُكَ،
رَأَيْتَ النَبيَّ صلى الله عليه وسلم هذهِ الليلَةَ، وقال لكَ كَذَا وكَذَا ، قال : نَعَم فبالله
يا مَوْلانا ما مَعْنَى قولِه بعَلامَةِ يوم حارِم؟ فقال: لمَّا الْتَّقَيْنَا العَدُوَّ ، خِفْتُ على
الإسْلام، فانْفَرَدْتُ ونَزَلْتُ، ومَرَّغْتُ وَجْهِيَ على التُرابِ ، وقُلتُ: يا سَيِّدِي مَنْ
مَحمُودٌ في البَيْن ، الدِّينُ دِينُك، والجُنْدُ جُنْدُك ، وهذا اليَوْمِ افْعَلْ ما يَلِيقُ بكَرَمِكْ ،
قال : فَنَصَرَنا اللهُ عَليهِم .
وتَمَلَّكَ بعدَهُ ابنُهُ المَلِكُ الصَّالِحُ أشْهُراً، وسَلَّمَ دِمَشْقَ إلى السُّلطانِ صَلاحِ الدِّين
وتَحَوَّلَ إلى حَلَبَ فِدَامَ صَاحِبُها تِسْعَ سِنِينٍ وماتَ بالقُولِنْج ، وله عِشْرُونَ سنةً ، وكان
شاباً دَيِّناً رَحِمَهُ الله(٢) .
٢٧ - شِعْرٌ في الچِهَادِ :
عن مُحمَّدِ بنِ إِبراهِيمَ بنِ أبي سُكَيْنَةَ ، قال : أَمْلَى عليَّ ابنُ المُبَارَكِ سَنَةَ سَبعٍ
وسَبَعِينَ ومِئَةٍ ، وأنْفَذَها مَعِي إلى الفُضَيْلِ بنِ عِيَاضٍ من طَرسُوسَ :
(١) انظر السير: (يَزيدُ بن المُهلَّب) ٥٠٣/٤-٥٠٦، وانظر النزهة: ١/٥٤٦.
(٢) انظر السير: (نور الدين) ٥٣١/٢٠-٥٣٩، وانظر النزهة: ٥/١٥٨٢.
٢١٦

لَعَلِمْتَ أنَّك في العِبَادةِ تَلَعَبُ
فنُحُورُنا بدِمائِنا تَتَّخَضَّبُ
فخُيُولُنا يومَ الصَّّيحَةِ تَتْعَبُ
رَهَجُ السَّنَابِكِ والغُبَارُ الأطيب(١)
قَولٌ صَحِيحٌ صَادِقٌ لا يُكْذَبُ
أَنْفِ امْرِىء ودُخَانُ نَارٍ تَلْهَبُ(٢)
لَيسَ الشَّهيدُ بمَيِّتٍ لا يُكذَبُ
يا عَابِدَ الحَرَمَيْنِ لَوْ أَبْصَرْتَنَا
مَنْ كان يَخْضِبُ جيِدَه بدُمُوعِهِ
أَوْ كان يُتْعِبُ خَيْلَهُ في بَاطِلِ
رِيحُ العَبِيرِ لكُم ونَحنُ عَبِيرُنا
ولَقَدْ أَتَانا من مَقَالٍ نَبِّنا
لا يَسْتَوِي وغُبَارُ خَيْلِ اللهِ في
هذا كتابُ اللهِ يَنطِقُ بیننا
فَلَقِيتُ الفُضَيْلَ بكتابِه في الحَرَمِ ، فَقَرَأَ وبَكَى، ثمَّ قَالَ: صَدَقَ أبو عبد الرَّحمَنِ
ونَصَحَ(٣) .
وقال حِبَّانُ بنُ مُوسَى: سَمعتُ ابنَ المُبَارَكِ يُنشِدُ :
والمُسْلِمَاتُ مَعَ العَدُوِّ المُعْتَدِي
كَيفَ القَرارُ وكَيفَ يَهْدَأُ مُسلِمٌ
الدَّاعِيَاتُ نَبَيَّهُنَّ مُحمَّدٍ
جَهْد المَقَالَةِ لَيْتَنَا لَمْ نُولَدٍ
إلاَّ الشَّسَتُّرُ من أخِهَا بِالْيَدِ (٤)
الضَّارِباتُ خُدُودَهُنَّ بِرَنَّةٍ
القَائِلاتُ إذا خَشِينَ فَضِحَةً
ما تَسْتَطِيعُ وما لَهَا مِن حِيلَةٍ
ولابْنِ حَزْمِ (٥) :
مُنَايَ من الدُّنيا عُلُومٌ أبْتُّهَا
دُعَاءٌ إلى القُرآنِ والسُّنَنِ التي
وألْزَمُ أطْرافَ الثُّغُورِ مُجَاهِداً
وأنْشُرُها في كُلِّ بادٍ وحَاضِرٍ
تَنَاسَىْ رِجَالٌ ذِكْرَهَا في المَحَاضِرِ
إذا هيْعَةٌ ثَارَتْ فأوَّلُ نَافِرِ
(١) الرَّهْجُ والرَّهَجُ: الغبار، والسنابك جمع سنبك وهو طرف حافر الخيل وجانباه من قُدّام.
(٢) يشير إلى الحديث الذي أخرجه أحمد (٢٥٦/٢، ٣٤٢، ٤٤١)، والنسائي (١٢/٦) يقول
صلى الله عليه وسلم: (( لا يَجْتمِعُ غُبارٌ في سبيلِ اللهِ ودُخانُ جَهَنَّمَ في جَوْفِ عبدِ أبداً ، ولا يَجْتمعُ
الشُّخُ والإِيمَانُ في قلبٍ عبدٍ أبداً » .
(٣) انظر السير: (عبد الله بن المبارك)، وانظر النزهة : ٤/٧٧٠.
(٤)
انظر السير: ( عبد الله بن المبارك)، وانظر النزهة : ٧٧١/ ١.
(٥) انظر السير: (ابن حزم) ١٨/ ١٨٤ -٢١٢، وانظر النزهة: ١/١٤٠٣.
٢١٧

بسُمرِ العَوَالِي والرِّقاقِ البَواتِرِ
لألْقَى حِمامِي مُقْبِلاً غَيرَ مُذْبِرٍ
وأكْرَمُ مَوْتٍ للفَتَى قَتْلُ كَافِرٍ
كِفاحاً مع الكُفَّارِ فِي حَوْمَةِ الوَغَى
ولا تَجْعَلَنِّي من قَطِينِ المَقَابِرِ
فيَا رَبِّ لا تَجْعَلْ حِمامِي بِغَيْرِها
وشِعْرُهُ فَحْلٌ كَما تَرَى ، وكان يَنْظِمُ على البَدِيهِ ، ومن شِعْرِهِ :
ولكنَّ عَنْبِي أنَّ مَطْلَعِيَ الغَرْبُ
أنا الشَّمسُ فِي جَوِّ العُلُومِ مُنِيَرَةٌ
لَجَدَّ على ما ضَاعَ مِنْ ذِكَرِيَ النَّهْبُ
ولَوْ أنَّنِي مِنْ جَانِبِ الشَّرْقِ طَالِعٌ
ولا غَرْوَ أنْ يَسْتَوحِشَ الكَلِفُ الصَّبُ
ولِي نَحوَ أكْنافِ العِراقِ صَبَابَةٌ
فِحِينَئِذٍ يَبدُوُ التَّأْسُّفُ والكَرْبُ
فإنْ يُنْزِلِ الرَّحمَنُ رَحْلِيَ بَيْنَهُمْ
وأنَّ كَسَادَ العِلْمِ آفَتُّهُ القُرْبُ
هُنَالِكَ يُذْرَى أنَّ للبُعْدِ قِصَّةً
٢٨ - فَتَحُ المسلمين إمْبراطُوريّات فارسَ والرَّومِ في مُّدَّةٍ وَجيزَة لم تُعهَد في التاريخ
ولم يُسمَع بمثلها :
اسْتَولى المسلمون في ثلاثة أعْوام علىْ كُرسيّ مَمْلكَة كِسْرَى، وعلىْ كُرسيّ مَمْلِكَة
قَيْصَر، وعلى أمَّيْ بلادهما، وغَنمَ المسلمون غَنائم لمْ يُسْمَعْ بمثلها قَطّ من الذَّهَب
والجَوْهَر والحَرير والرَّقيق والمَدائن والقُصور، فسُبحان الله العظيم الفتّاحِ(١)!
٢٩ - التَّسَوُّعُ في المَعْرِكَةَ مَهْلَكَة :
قال أبو عُبَيد الثَّقَفيّ - قائدُ المسلمين يومَ مَعركة الجِسْر - إنْ قُتِلتُ فعَليكم ابني
جَبْر ، فإنْ قُتِلَ فعَليكم حَبيبُ بنُ رَبِيعَة أخو أبي مِحْجَن، فإِنْ قُتِلَ فعَليكم أخي
عبدُ الله، فقُتِلَ جَميعُ الأُمَراء ، واسْتَحرَّ القَتَلُ في المسلمين فطَلَبوا الجِسْرَ، وأَخَذَ
الرَّايَة المُثَنَّى بنُ حارثَة فحَماهم في جماعة ثبتُوا معه(٢) .
وسَبقَهم إلى الجِسْر عبدُ الله بنُ يَزيد فقَطعَه ، وقال: قاتلوا عن دينكم ، فاقْتَحَم
النَّاسُ الفُراتَ، فَغَرقَ ناسٌ كثير ، ثم عَقدَ المُثنى الجِسْرَ وعَبَرَ النَّاسُ .
(١) انظر السير: (عُمر بن الخطّاب)، وانظر النزهة: ٢/٦٧.
(٢) انظر السير: (عُمر بن الخطّاب)، وانظر النزهة: ١/٦١.
٢١٨

واسْتُشْهِدَ يومئذ فيما قال خَليفَةُ ألفٌ وثمانمائة ، وقال سَيفٌ : أربَعةُ آلاف ما بين
قَتِيلٍ وغَريق .
وعن الشَّعبيّ قال: قُتِلَ أبو عُبَيد في ثمانمائة منَ المُسلمينَ(١).
٣٠- الهَاتفُون بالتَّسْبيت في المعَارك :
عن ابنِ المُسَيّب عن أبيه، قال: خَمدَت الأصْواتُ يومَ اليَرْموك ، والمسلمون
يُقاتلون الرُّومَ إلَّ صَوتُ رَجلٍ يقولُ: ((يا نَصْرَ الله اقْتِرِبْ، يا نَصْرَ الله اقْتِرِبْ))،
فرَفعتُ رأسي فإذا هو أبو سُفْيانُ بنُ حَرْب تحت رايَة ابنه يزيد بن أبي سُفْيان(٢).
وعن جُبِيرٍ بِنِ الحُوَيْرث : حَضرتُ اليَوْموكَ فلا أسْمِعُ إلَّ نَقْفَ الحَديد إلاَّ أني
سَمعتُ صائحاً يقولُ: يا مَعشَرَ المسلمين يومٌ من أيّام الله أَبْلُوا لله فيه بَلاءً حَسناً ، فإذا
هو أبو سُفْيان تحتَ رايَةِ ابنِهِ(٣) .
ذكرَ الأزْديّ في (( فُتُوحِ الشَّام )) (ص ٢٢٠): أنَّ أبا سُفْيان تَجهَّزَ في أَحْسَن الجَهاز
وأحْسَن الهَيئة، ثم خرجَ، وصَحبَه أُناسٌ من المسلمين كَثير، كانوا خَرجوا
مُتطوِّعينَ ، فأحْسنَ أبو سُفْيان صُخْبتَهم حتى قَدموا على جماعة المسلمين ، فلمَّا كان
يومَ خَرجَ المسلمون إلى عَدُوِّهم باليَرْموك كان أبو سُفْيان يومئذ يَسيرُ في النَّاسِ، ويَقفُ
على أهل كلِّ راية ، وعلى كلِّ جَماعة، فيُحرِّضُ النَّاسَ ويَحُفُّهم، وَيَعِظُهم،
ويقولُ: إنَّكم يا مَعشرَ المسلمين أصْبَحتُم بإزاء عَدوِّ كَثِيرٌ عَددُهم ، شَديدٌ عليكم
خُنْقُهم ، وقد وَتَرْتُموهم في أنفُسِهِم ونسائِهم وأولادِهم وأمْوالِهِم وبلادِهم ، فلا والله
لا يُنْجِيكُم منهم اليومَ وتَبلُغون رضْوانَ الله إلاَّ بصِدْق اللَّقاء والصَّبرِ في المَواطن
المَكْروهَة ، فامْتِنِعوا بسُيوفِكم ، وتَقَرَّبوا بها إلى خالقِكم ، ولْتَكُن هي الحُصون التي
تلِجُون إليها ، وبها تُمْنَعون وقاتلَ أبو سُفْيان يومئذ قتالاً شديداً، وأبْلَى بَلاءً حَسناً(٤).
انظر السير : ( عُمر بن الخطّاب)، وانظر النزهة : ١/٦٢.
(١)
(٢) انظر السير: (عُمر بن الخطّاب)، وانظر النزهة: ١/٦٣.
(٣) انظر السير: (عُمر بن الخطّاب)، وانظر النزهة: ٢/٦٣.
(٤) انظر السير: ( عُمر بن الخطّاب)، وانظر النزهة: ٦٤/ هامش (١).
٢١٩

٣١ - من فِقْه الجِهَاد :
قال قَتَادَةُ: عن أنَس ، قال: لَمْ تُصَلَّ الغَدَاةُ(١) يومَ فَتَح تُسْتَر حتى انْتَصَف النَّهَارُ ،
فما يَسُرني بتلك الصَّلاة الدُّنيا كلها(٢).
٣٢- إجْلَاءُ اليهود عن الجزيرة العربية :
قال الذهبيُّ : وفي سنَة عشرين قَسَّم عُمرُ خَيْبَرَ وأجْلَى عنها اليَهودَ ، وقَسَّمَ وادي
القُرى، وأجْلَى يَهُودَ نَجْرَانَ إلى الكُوفَةِ(٣).
الغداة ، أي صلاة الفجر .
(١)
انظر السير: ( عُمر بن الخطّاب)، وانظر النزهة : ٢/٧١.
(٢)
(٣) انظر السير: (عُمر بن الخطّاب)، وانظر النزهة: ٢/٧٢.
٢٢٠