النص المفهرس
صفحات 141-160
٦ - رُؤى فيها الحَثُّ على الچِهَادِ : قال مُحمَّدُ بنُ الفُضَيْلِ بنِ عِيَاض : رَأيتُ ابنَ المُبَارَك في النَّومِ ، فَقُلتُ: أيُّ العَمَلِ أَفْضَل؟ قال: الأَمْرُ الذِي كُنْتُ فيه قُلتُ : الرِّبَاطُ والجِهَادُ ؟ قال : نَعَم قُلتُ: فمَا صَنَعَ بِك رَبِّك؟ قال: غَفَرَ لِي مَغْفِرَةً مَا بَعْدَها مَغْفِرَة رَوَاها رَجُلانٍ عن مُحمَّد(١) . عن عليٍّ بنِ مَعْبَدٍ قال : رَأيْتُ ابنَ القَاسِم في النَّومِ فَقُلتُ : كيفَ وجَدتَ المَسَائِلَ ؟ فقال : أُفٍّ أُفِّ قلتُ: فما أحْسَنَ ما وجَدْتَ ؟ قال: الرِّباطُ بالثَّغْرِ قال : ورَأَيْتُ ابنَ وَهْبٍ أَحْسَنَ حالاً منْه(٢) . ٧- النَّصْرُ مُرتَبِطٌ بِتَوْفِيقِ الله لا بالأَشْخاصِ والقِيادَات : قال ابنُ عَوْن: وَلِيَ عُمَرُ ، فقال: لأَنْزِعَنَّ خالداً - يَعْنِي ابنَ الوَلِيد - حتّى يُعْلَمَ أنَّ اللهَ إنَّما يَنْصُرُ دِينَه - يَعْنِي بِغَيْرِ خالد _(٣). قال القُطْبُ النيسابُورِيُّ لِنُورِ الدِّينِ زِنْكِي: بالله لا تُخاطِرِ بنَفْسِك، فإنْ أُصِبْتَ في مَعْرَكَةٍ لا يَبْقَى للمُسلمينَ أَحَدٌ إلاَّ أَخَذَهُ السَّيفُ، فقال: ومَنْ مَحْمُودٌ حتّى يُقالُ هذا؟ حَفِظَ الله البِلادَ قَبْلِي، لا إلَهَ إلاَّ هُو(٤). ٨- الفُروسِيَّة : يُروَىُ عن عبد الله بنِ كَعْب بن مالك قال: كان عُمَر بنُ الخطّاب يأخذ بيدِه اليُمنَى أذُنَ فَرَسِه اليُسرَىُ ويثبُ عليه ، فكأنَّما خُلِقَ علىْ ظَهْرِه(٥) . وعن مالكِ بنِ عبد الله قال: ما رأيتُ أشْرفَ من رجلٍ رأيتُهُ يومَ الْيَرْموك إنَّه خَرجَ إليه عِلْجٌ فقَتَلَه، ثم آخَرُ فقَتَلَه، ثم آخَرُ فقَتَلَه، ثم انْهَزَموا وتَبَعَهم وتبعتُه ، ثم انصرَفَ (٢) (١) انظر السير: (عبد الله بن المبارك) ٣٧٨ - ٤٢١، وانظر النزهة: ٤/٧٧١. انظر السير: (عبد الرحمن بن القاسم) ٩/ ١٢٠ -١٢٥، وانظر النزهة: ٨٠٥/ ٧. (٣) انظر السير: ( خالد بن الوليد) ٣٦٦/١ -٣٨٤، وانظر النزهة : ١٧٩ / ٧. انظر السير : ( نور الدين زنكي) ٥٣١/٢٠-٥٣٩، وانظر النزهة: ٤/١٥٨١. (٤) انظر السير: ( عُمر بن الخطاب )، وانظر النزهة : ١/٤٤. (٥) ١٤١ إلى خِباءٍ عظيم له فنزل ، فدعا بالجِفانِ ودعا مَنْ حَولَه ، قلتُ : مَنْ هذا ؟ قالوا : عَمرو بن مَعْدي كَرِب(١) . ٩ - من أَشْبابِ النَّصر : (أ) التَّمَشُكُ بالإسلام : قال خَليفَةُ : افْتَتَحَ عَمرُو بنُ العَاصِ طَرَابُلْسَ الغَرْبِ سَنَةً أَرْبَعِ وعِشْرِين. قال عمرُو بنُ العَاص : خَرَجَ جَيشٌ من المُسْلمين أنا أمِيرُهم حتّى نَزَلْنَا الإِسْكَندَريّة فقالَ عَظِيمٌ مِنْهُمْ: أَخْرِجُوا إليَّ رَجُلاً أُكَلِّمُه ويُكَلِّمُنِي فَقُلتُ : لا يَخْرُجُ إليْه غَيْرِي فخَرَجْتُ معِي تُرْجُمِنِي ومَعَه تُرْجُمان ، حتّى وُضِعَ لنا مِنْبَرَان ، فقال : ما أَنْتُم ؟ قُلْتُ نحنُ العَرَبُ، ومِنْ أهْلِ الشَّوْكِ والقرظ ، ونَحنُ أهلُ بَيْتِ اللهِ ، كُنَّا أَضْيَقَ النَّاسِ أَرْضَاً وشَرَّهُمْ عَيْشاً نَأْكُلُ المَيْتَةَ والدَّمَ ويُغِيرُ بَعضُنا على بعضٍ ، كُنَّا بِشَرِّ عَيْشٍ عَاشَ به النَّاسُ حتّى خَرَجَ فينا رَجَلٌ لَيْسَ بأَعْظَمِنا يَومَئِذٍ شَرَفاً ولا أَكْثَرَنا مالاً ، قال : أنا رسولُ الله إليكُم يأمرُنا بما لا نَعرفُ، ويَنْهَانا عمَّا كنَّا عليه، فشَنِفْنا له، وكَذَّبْناه ورَدَدْنا عليه، حتّى خَرَجَ إليه قَومٌ من غَيْرِنا ، فقالُوا: نحنُ نُصَدِّقُك ونُقَاتِلُ مَنْ قاتَلَك، فخَرَجَ إليهِم وَخَرَجْنَا إليْه وقاتَلْنَاه ، فظَهَرَ عليْنَا وقاتَلَ مَنْ يَلِيهِ من العَرَبِ، فَظَهَرَ عليهم ، فَلَوْ تَعْلَمُ ما وَرَائِي من العَرَبِ ما أنْتُم فيه من العَيْشِ لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ إلَّ جاءَكم ، فَضَحِكَ ، ثم قال: إنَّ رسُولَكم قد صَدَقَ، وقد جَاءَتْنَا رُسُلٌ بِمِثْلِ ذلك، وكُنَّا عليه حتّىُ ظَهَرَتْ فِيْنا مُلُودٌ ، فَعَمِلوا فِينا بأَهْوائِهِم، وتَرَكُوا أَمْرَ الأنْبِيَاءِ ، فإنْ أنْتُمْ أَخَذْتُم بِأَمْرِ نَبِّكُم ، لَمْ يُقاتِلْكُمْ أَحَدٌ إلَّ غَلَبْتُموهُ، وإذا فَعَلْتُم مِثْلَ الذي فَعَلْنَا فَتَرَكْتُمْ أَمْرَ نَبِّكُمْ لَمْ تَكُونوا أَكْثَرَ عَدَداً مِنَّا ولا أَشَدَّ مِنَّا قُوَةً (٢) . ( ب ) الصَّبْرُ : قال سُلَيْمانُ بنُ عبدِ المَلِك لمُوسَى بنِ نُصَيْرِ يوماً : ما كُنتَ تَفْزَعُ إليه عِندَ الحَرْبِ ؟ (١) تاريخ دمشق ٣٧٨/٤٦، والإصابة ٦٨٨/٤. (٢) انظر السير: (عمرو بن العاص) ٥٤/٣ -٧٧، وانظر النزهة: ١/٣٣٦. ١٤٢ قال : الدُّعَاءُ والصَّبْرُ ، قال : فأيُّ الخَيْلِ رأيْتَ أَصْبَرُ ؟ قال: الشُّقْرُ قال: فأيُّ الأُمَم أَشَدُّ قِتَالاً ؟ قال : هم أَكْثَرُ مِنْ أنْ أَصِف ، قال : فَأَخْبِرِي عن الرُّوم ، قال: أُسُدٌ فِيَ حُصُونِهِم ◌ِقْبَانٌ على خُيُولِهِم، نِسَاءٌ في مَرَاكِبِهِم، إنْ رَأَوا فُرصَةً انْتُهَزُوها، وإنْ رَأَوا غَلَبَةً فَأَوْعالٌ تَذْهَبُ في الجِبال ، لا يَرَوْنَ الهَزِيمَةَ عَارَاً قال : فالبَرْبَرُ؟ قال : هم أَشْبَهُ العُجْمٍ بالعَرَبِ لِقَاءً ونَجْدَةً وصَبْراً وفُرُوسِيَّةً، غَيرَ أنَّهم أَغْدَرُ النَّاس قال : فأهْلُ الأندَلُسِ؟ قال : مُلُوكٌ مُتْرَفُون، وفُرْسانٌ لا يَجْبُون قال : فالفِرِنْجُ؟ قال : هناك العَدَدُ والجَلَدُ والشِّدةُ والبَّأْسُ ، قال: فَكَيْفَ كانت الحَرْبُ بَيْنَكَ وبَيْنَهم ؟ قال: أَمَّا هذا فَوَالله ما هُزِمَتْ لِي رَايَةٌ قَطُّ، ولا بُدِّدَ لي جَمْعٌ ، ولا نُكِبَ المُسلِمونَ معي مُنذُ اقْتَحَمتُ الأربَعِين إلى أنْ بَلَغتُ الثَّمانِين، ولقد بَعَثتُ إلى الوَلِيدِ بِتَورِ زَبَرْجَدٍ كان يُجْعَلُ فيه اللَّبَنُ حتى تُرَى فيه الشَّعرَةُ البَيْضاءُ ثم أَخَذَ يُعَدِّدُ ما أصَابَ من الجَوْهَرِ والزَبَرْجَدِ حتّىْ تَحَيَّرَ سُلَيْمانُ(١) . (ج) الدُّعَاءُ والتَّذَلُّلُ : لمَّا هَمَّ المُسلِمون بالهَزِيمَةِ کَشَفَ مُوسَىُ بنُ نُصَيْرِ سُرادِقَه عن بَنَاتِهِ وحَرَمِه ، وبَرَزَ ورَفَعَ يَدَيْه بالدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ والْبُكاءِ ، فَكُسِرَتْ بِينَ يَدَيْهِ حِفُونِ الشُّيوفِ وصَدَقُوا اللِّقَاءَ ونَزَلَ النَّصِرُ، وغَنِمُوا ما لَا يُعَبَّرُ عَنه، من ذلك مائِدَةُ سُلَيْمانُ عليه السلام من ذَهَبٍ وجَوَاهِر ، وقِيلَ : ظَفَرَ بسِتَّةَ عَشَرَ قُمْقُماً عليها خَتمُ سُلَيْمان عليه السلام ففَتَحَ أرَبَعَةً ونَقَبَ منْها واحِداً فإذا شَيْطانٌ يقولُ : يا نَبِيَّ الله لا أَعُودُ أَفْسِدُ في الأَرضِ ثمَّ نَظَرَ فقال : والله ما أَرَىُ سُلَيْمانَ ولا مُلْكَه، وذَهَبَ ، فطُمِرَت البَوَاقِي(٢). (د) وُجُودُ الصَّالِحِين: قال الأَصْمَعِيُّ : لمَّا صَافَّ قُتَنْيَةُ بنُ مُسلِمٍ للتُّرْك ، وهالَهُ أمْرُهم سَأَلَ عن مُحمَّدِ بنِ واسعٍ فِقِيلَ : هو ذاكَ في المَيْمَنَة جامحٌ علىُ قَوْسِه يُبَصْبِصُ بأُصْبعِه نَحوَ السَّماء قال : (١) انظر السير: (موسى بن نصير) ٤٩٦/٤-٥٠٠، وانظر النزهة: ١/٥٤١. (٢) انظر السير: (موسى بن نصير) ٤٩٦/٤ - ٥٠٠، وانظر النزهة: ١/٥٤٠. ١٤٣ تِلكَ الأُصْبِعُ أَحَبُّ إليَّ من مِئَةِ ألفِ سَيْفٍ شهيرٍ وشابٌّ طرير(١). ١٠ - الفَرَحُ بانْتِصارِ المُسْلِمين : قال ابنُ أبي حاتِمٍ : حَدَّثني أحمَدُ بنُ سِنانٍ قال: بَلَغَنِي أَنَّ أحمدَ ابنَ حَنبَلٍ جَعَلَ المُعْتَصِمَ في حِلِّ يومَ فَتَحَ عاصِمةَ بابك وظَفِرَ به ، أَوْ فِي فَتْحِ عَمُّورِيَةَ ، فقال : هو في حِلِّ من ضَرْبِي(٢). ١١ - من صِفاتٍ قَائِدِ المُجَاهِدِين : عن أحمَدَ بنِ إِسْحاقَ قال: يَنْبَغِي لقائِدِ الغُزَاةِ أنْ يكونَ فِيه عَشْرُ خِصالٍ : أنْ يكونَ في قَلبِ الأَسَدِ لا يَجْبُن، وفي كِبْرِ النَمِرِ لا يَتَوَاضَعِ ، وفي شَجَاعَةِ الدُّبّ يَقْتُلُ بِجَوَارِحِهِ كُلِّها، وفي حَمْلَةِ الخِنْزِيرِ لا يُؤَلِّي دُبْرَه ، وفي غارَةِ الذِّئْبِ إذا أَيِسَ من وَجْهٍ أَغَارَ من وَجْه، وفي حَمْلِ السَّلاحِ كالنَّمِلَةِ تَحْمِلُ أكْثَرَ من وَزْنِها ، وفي الثَّبَاتِ كالصَّخْرِ ، وفي الصَّبِرِ كالحِمارِ ، وفي الوَفَاحَةِ كالكَلْبِ لو دَخَلَ صَيْدُه النَّارَ لدَخَلَ خَلفَه ، وفي التِماسِ الفُرصَةِ كالدِّيك . وكان إبراهيمُ بنُ شِمَاسٍ يقولُ : كُنتُ أُكاتِبُ أحمدَ بنَ إِسْحَاقَ السُّرْمَارِيّ ، فَكَتَبَ إليَّ: إذا أرَدْتَ الخُرُوجَ إلى بلادِ الغُزَيَّة في شِراءِ الأَسْرَىْ ، فاكْتُبْ إليَّ فَكَتَبتُ إليه ، فقَدِمَ سَمَرْقَنْدَ ، فخَرَجْنَا، فلمَّا عَلِمَ جَعْبَوَيْه ، استَقْبَلَنَا فِي عِدَّةٍ من جُيُوشِه، فَأَقَمْنا عِنْدَه ، فَعَرَضَ يوماً جَيْشَه، فمرَّ رجلٌ فِعَظَّمَه وخَلَعَ عليه ، فسَأَنِي عنه الشُّرْمارِيّ ، فقُلتُ : هذا رجلٌ مُبارِزٌ، يُعَدُّ بألفِ فارسِ قال: أنا أُبارِزُه فسَكَتُّ فقال جَعْبَوَيْه : ما يقولُ هذا؟ قُلتُ يقولُ: كَذَا وكَذَا قال : لَعَلَّهِ سَكْرَانٌ لا يَشْعُر، ولكن غَدَاً نَرَكَبُ فلمَّا كان الغَدُ رَكِبُوا ، فرَكِبَ السُّرْمارِيُّ معَه عَمُودٌ في كُمِّه فقامَ بإزاء المُبارِز فقَصَدَه ، فهَرَبَ أحمَدُ حتَّىُ بَاعَدَهُ من الجَيْشِ، ثمَّ كَرَّ وضَرَبَه بالعَمُودِ فقَتَلَه ، وتَعَ إبراهيمَ بنَ شِمَاسِ ، لأنَّه كان قد سَبَقَه فَلَحِقَه ، وعَلِمَ جَعْبَوَيْهِ، فَجَهَّزَ في طلبِه خمسِينَ فارساً (١) انظر السير: (محمّد بن واسع) ١١٩/٦ -١٢٣، وانظر النزهة: ٦/٦٣٨. (٢) انظر السير: (أحمد بن حنبل) ١١/ ١٧٧ - ٣٥٨، وانظر النزهة: ١/٩٤٠. ١٤٤ ٠ نَقَاوَةً ، فأدْرَكُوه، فَثَبَتَ تحتَ تَلِّ مُخْتَفِياً حتّى مَرُوا كُلُّهم واحِداً بعدَ واحِد ، وجَعَلَ يَضْرِبُ بعَمُودِهِ من ورَاءِهم إلىْ أنْ قَتَلَ تسْعَةً وأربعِينَ ، وأَمْسَكَ واحِداً ، قَطَعَ أَنْفَه وأُذُنَيَّه، وأَطْلَقَه لِيُخْبِر، ثمَّ بعدَ عامَيْن تُؤُفِّي أحمدُ ، وَذَهَبَ ابنُ شِمَاسِ في الفِداءِ ، فقال له جَعْبَوَيْه: مَنْ ذَاكَ الذي قَتَلَ فرسانَنَا ؟ قال : ذاكَ أحمدُ السُّرْمارِيّ قال: فلِمَ لَمْ تَحْمِلْهِ مَعَكَ ؟ قُلتُ : تُؤُفِّيَ ، فَصَكَّ فِي وَجْهِي ، وقال: لَوْ أَعْلَمْتَنِي أَنَّه هو لكُنتُ أُعْطِيهِ خَمْسَ مئةٍ بِرْذَوْن(١) وعَشْرَةَ آلافٍ شاة. وعن عِمْرانَ بنِ مُحمَّد المطّوعيّ : سَمعتُ أبي يقولُ: كان عَمُودُ المطّوِّعيِّ السُّرْمارِيّ وزْنُهُ ثمانِيَةَ عَشْرَةَ مَنَا(٢) ، فلمَّا شَاخَ جَعَلَه اثنَيْ عَشَرَ مَنّاً ، وكان به يُقاتِلُ(٣). ١٢ - تَأْدِيبُ العُلَماءِ أهلَ الثَّغر وتَعْليمُهم السُّنَّة : قال أحمَدُ العِجْلي : كان أبو إسْحاقَ الفَزَارِيّ ثِقَةً وصاحِبَ سُنَّة ، صالحاً ، هو الذي أَدَّبَ أهْلَ الثَّغْرِ وعَلَّمَهُمْ السُّنَّة، وكان يَأْمُرُ ويَنْهَىْ وإذا دَخَلَ الثَّغْرَ رَجُلٌ مُبْتَدِعٌ ، أَخْرَجَه ، وكان كَثيرَ الحديثِ ، وكان له فِقْهُ . أَمَرَ سُلطَاناً ونَهَاه، فضَرَبَه مِثَتَيْ سَوْطٍ ، فَغَضِبَ له الأَوْزَاعِيُّ، وتَكَلَّمَ في أَمْرِه . قال الذَّهبيُّ : من أبناءِ الثَّمانين هو ، أو جَاوَزَها بقَليل ، مات سنةً ستٍّ وثمانين ومائة (٤) . ١٣ - الاسْتِعْدادُ للچِھَاد : قال ابنُ أبي حاتِم : كان أبو عبدِ الله البخاريّ يركَبُ إلى الرَّميِّ كثيراً، فما أعلَمُنِي رأيتُه في طُولٍ ما صَحِبتُه أخْطَأَ سَهْمُهُ الهَدَفَ إلاَّ مَرَّتَيْن، فكان يُصِيبُ الهَدَفَ في كُلِّ ذلك ، وكان لا يُسْبَق(٥) . (١) البرْذَوْن: ضرب من الدواب ، يخالف الخيل العراب، عظيم الخِلقة ، غليظ الأعضاء. (٢) المَنّ : زِنَة رطلين . انظر السير: ( أحمد بن إسحاق السّرماري) ١٣/ ٣٧ -٤٠، وانظر النزهة: ٢/١٠٤٩. (٣) (٤) انظر السير: ( أبو إسحاق الفزاري) ٥٣٩/٨ -٥٤٣، وانظر النزهة: ١/٧٩٠. (٥) انظر السير: ( أبو عبد الله البخاريّ) ٣٩١/١٢ -٤٧١، وانظر النزهة: ٥/١٠١٦. ١٤٥ وقال مَجدُ الدِّين بنُ الأثير في نقل سبطِ الجَوْزِيُّ عن نُورِ الدِّينِ زِنْكِي : لَمْ يَلْبَسْ نُورُ الدِّين حَرِيرًاً ولا ذَهَبَاً ، ومَنَعَ بَيْعَ الخَمرِ في بلادِهِ ، قال : وكان كَثيرَ الصَّومِ ، وله أَوْرَادٌ كثيرةٌ في اللَّيلِ والنَّهارِ ، ويُكثِرُ اللَّعِبَ بالكُرَةِ، فَأَنْكَرَ عليه فقيرٌ فَكَتَبَ إليه: والله ما أقْصِدُ اللَّعِبَ، وإنَّما نَحنُ في ثَغْرٍ ، فربَّما وَقَعَ الصَّوتُ ، فتكونُ الخَيلُ قد أدمَنَت على الانْعِطافِ والكَرِّ والفَرِّ . وأُهْدِيَتْ له عَمَامَة من مِصْرَ مُذَهَّبَة، فأعطَاهَا لابنِ حَقُّويه شَيخ الصُّوفِيَّة فبِيعَتْ بألف دينار(١) . قال عبدُ الواحد : لمَّا تَجَهَّزَ السُّلطانُ يُوسُفُ بنُ عبد المُؤمن لغَزْوِ الرُّوم، أَمَرَ العُلَماءَ أن يَجْمَعوا أحَادِيثَ في الجِهَاد تُملَى على الجُند ، وكان هو يُملِي بنفسِه ، وكِبَارُ المُوَحِدِين يَكْتُبُون في ألْوَاحِهِم وكان يُسَهِّلُ عليه بَذْلَ الأموَالِ سِعَةُ الخَرَاجِ ، كان يأتِيه من إفريقيةَ في العام مئةٌ وخمسونَ وَقْرَ بِغْلٍ وَاسْتَنْفَرَ في سنةِ تِسْعِ وسَبعينَ أهلَ السَّهْلِ والجَبَلِ والعَرَبِ، فعَبَرَ إلى الأنْدِلُسِ، وقَصَدَ شَنْتَرِيْنَ بِيَدِ (٢) ابنِ الرِّيقِ، لعَنَه الله، فحَاصَرَها مُدَّةً، وجَاءَ البَردُ فقال: غداً نَتَرَخَّلُ ، فكان أولَ مَنْ قَوَّضَ مُخَيَّمَه عليٌّ بنُ القاضِي الخَطِيب، فلمَّا رَآه النَّاسُ، قَوَّضُوا أخْبِيَتَهم، فكَثُر ذلك ، وعَبَرَ لَيْلَئِذِ العَسْكَرُ النَّهرَ ، وتَقَدَّموا خَوفَ الازْدِحامِ ، ولَمْ يَدْرِ بذلك أبو يَعقُوب، وعَرَفَتِ الرُّوم ، فانْتُهَزُوا الفُرْصَةَ، وبَرَزُوا، فحَمَلُوا على النَّاسِ ، فَكَشَفُوهم، ووَصَلوا إلى مُخَيَّمِ السُّلطانِ ، فَقُتِلَ على بابِهِ خَلقٌ من الأبطال، وخُلِصَ إلى السُّلطانِ ، فطُعِنَ تحتَ سُرَّتِهِ طَعْنةً مات بعدَ أيامٍ منْها، وتَدَارَكَ النَّاسُ، فَهَزَموا الرُّومَ إلى البلدِ وَهَرَبَ الخَطيبُ، ودَخَلَ إلى صاحِبٍ شَنْتُرِينَ، فَأكْرَمَه، واحْتَرَمَه ، ثم أخَذَ يُكاتِبُ المُسلمينَ ، ويَدُلُ علىْ عَوْرَةِ العَدُوِّ فأحْرَقُوه، ولَمْ يَسِيرُوا بأبي يَعقُوبَ إلاَّ لَيْلِتَيْن وتُوقِّي، وصَلَّى عليْه وصُبِّر في تابوتٍ ، وبُعِثَ إلى تَيْثَمَلَّ(٣) ، فدُفِنَ مع أبِهِ وابنٍ انظر السير: ( نور الدين زنكي) ٥٣١/٢٠-٥٣٩، وانظر النزهة : ١/١٥٨٢. (١) (٢) يعني التي بيده . جبال بالمغرب بينها وبين مرّاكش ثلاثة فَراسخ . (٣) ١٤٦ تومرت، مات سنةً ثمانين وخمس مئة، وبايَعُوا ابنَه يَعقُوبَ(١). قال المُوَفَّقُ عبدُ اللَّطِيف: أَتَيْتُ، وصَلَاحُ الدِّين بالقُدسِ ، فَرَأيتُ مَلِكاً يَمْلأُ العُيُونَ رَوْعَةً والقُلُوبَ مَحَبَّةً ، قَرِيباً بَعِيداً، سَهْلاً مُحَيَّباً ، وأصحابُه يَتَشَبَّهون به ، يَتَسَابِقُون إلى المَعْروفِ كما قالَ تَعَالى: ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِ صُدُورِهِم مِّنْ عِلٍ﴾(٢)، وأَوَّلُ ليلةٍ حَضَرْتُه وَجَدْتُ مَجْلِسَه حَفْلاً بأهْلِ العِلْمٍ يَتَذَاكَرُون، وهو يُحْسِنُ الاسْتِمَاعَ والمُشَارَكَة ، ويَأْخُذُ فِي كَيْفِيَّةِ بناء الأَسْوارِ وحَفْرِ الخَنَادِقْ ، ويأتِي بِكُلُّ معنىَ بدِيع ، وكان مُهْتَمَّاً في بِنَاءِ سُورٍ بَيْتِ المَقْدِس وحَفْرٍ خَنْدَقِهِ ، ويَتَولَّى ذلك بنفسِهِ، ويَنْقُلُ الحِجَارةَ على عاتِقِه ويَتَأَسَّى به الخَلْقُ حتّى القاضي الفاضلُ، والعِمَادُ إلى وَقْتٍ الظُّهر، فيمُدُّ السماطَ ويَسْتريحُ، ويركَبُ العَصْرَ ، ثُمَّ يَرجِعُ فِي ضَوْءِ المَشَاعِلْ ، قال له صانعٌ : هذه الحِجَارةُ التي تُقْطَعُ من أسْفَلِ الخَنْدَقِ رِخْوَةٌ ، قال : كذا تكونُ الحِجَارَةُ التي تَلِي القَرَارَ وَالنَّدَاوَة، فإذا ضَرَبَتْها الشَّمسُ، صَلُبَتْ، وكان يَحفظُ ((الحَمَاسَة)) ويظُنُّ أنَّ كلَّ فَقِيهِ يَحْفَظُها، فإذا أَنْشَدَ، وتَوَقَّفَ، اسْتَطِعَمَ فلا يُطعَمُ ، وجَرَىْ له ذلكَ مع القاضي الفاضِل، ولَمْ يكنْ يَحفَظُها، وخَرَجَ ، فمَا زَالَ حتّى حَفِظَها. وكانت وَقْعَتُه بمصْرَ مع الشُّودانِ ، وكانوا نَحْوَ مِثَتَيْ ألفٍ ، فَنُصِرَ عليهم ، وقَتَلَ أكثَرَهم . حُمَّ صَلاحُ الدِّينِ، فَقَصَدَه من لا خِبْرَةَ له ، فَخَارَت القُوَّةُ ومات، فَوَجَدَ النَّاسُ عليه شَبِيهاً بما يَجِدُونَه على الأنْبِيَاءِ ، وما رَأَيتُ مَلِكَأَ حَزُنَ عليه النَّاسُ لمَوْتِهِ سِواه ، لأنَّه كان مُحَيَّباً ، يُحِبُّه البَرّ والفاجِرُ، والمُسْلِمُ والكافِرُ، ثمَّ تَفَرَّقَ أولادُه وأصحابُه أيادي سَبَأٍ وتَمَزَّقوا(٣) . واستَجَدَّ أميرُ المُؤمنين المُسْتَنْصِرُ بالله العبَّاسِيّ عَسْكَراً كثيراً لمَّا عَلِمَ بِظُهورِ التَّار بحيْثُ إِنَّه يُقال: بَلَغَ عِدَّةُ عَسْكَرِهِ مئةَ ألفٍ ، وفيه بُعدٌ ، فَلَعَلَّ ذلك نما في طاعتِهِ من انظر السير: ( ابن عبد المؤمن) ٩٨/٢١ -١٠٣، وانظر النزهة: ١/١٦٠٣. (١) (٢) سورة الحجر ، الاية : ٤٧ . (٣) انظر السير: (صلاح الدين وبنوه) ٢٧٨/٢١ -٢٩١، وانظر النزهة: ١/١٦٢١. ١٤٧ مُلُوكِ مصْرَ والشَّام والجَزِيرة ، وكان يُخْطَبُ له بالأندَلُسِ ، والبلادِ البَعِيدةِ . تُؤُفِّيَ المُسْتَنْصِرُ بالله سنةَ أربعين وسِتُّ مئة ، وكانت دولتُهُ سَبْعَ عشْرَةَ سنةً ، وعاشَ اثنتَيْنِ وخمسينَ سَنَةً(١) . ١٤ - أمْرُ العُلمَاءِ الوُلاةَ بالاسْتِعدادِ للجِهَاد : قال حَيْوَةُ بنُ شُرَيْح مرةً لبعضٍ نُوَّابِ مصرَ : يا هذا لا تُخْلِيَنَّ بلادَنا من السِّلاح ، فنحنُ بين قِبِطٍ لا نَدْرِي متى يَنْقَضُّ ، وبين حَبَشِيٍّ لا نَدرِي متى يَغْشَانا ، وبين رُومِيٍّ لا نَدرِي متىْ يَحُلُّ بساحَتِنا ، وبَرْبَرِيٍّ لا نَدرِي متى يَثُور (٢) . وكَتَبَ عبدُ الملِكِ بنُ حَبِيبِ الفَقِيهُ إلى عبدِ الرَّحمَن بنِ الحَكَمِ أميرِ الأندَلُسِ يُحَرِّضُه على بنَاءِ سُورٍ إِشْبِيلِيَة يقولُ له: حَقْنُ دِماءِ المُسلمين - أيَّدَكَ الله وأعْلَى يَدَكَ بابْتِناءِ السُّورِ - أحَقُّ وأوْلَى فَأَخَذَ بَرَأيِهِ(٣) . ١٥ - العُلماءُ المُجَاهِدون : عن مُفضل بنِ لاحِق قال : كُنَّا بأرضِ الرُّوم، فخَرَجَ رومِيٌّ يَدعُو إلى المُبَارَزَة ، فخَرَجَ إليه رجلٌ فقَتَلَه ، ثمَّ دَخَلَ في النَّاسِ ، فَجَعَلتُ ألودُ به لأعْرِفَه ، وعليه المِغْفَرُ قال : فَوَضَعَ المِغْفَرَ يمْسَحُ وجْهَه ، فإذا هو عبدُ الله بنُ عَوْن (٤) . وقال ريَاحِ القَيْسِيّ : باتَ عُثْبَةُ الغُلامُ عِندِي فسَمِعْتُه يقولُ في سُجُودِهِ : اللَّهُمَّ احْشُر عُتْبَةَ من حَوَاصِلِ الطَّيْرِ ويُطُونِ السِّبَاعِ(٥) . وقال مَخْلَدُ بنُ الحُسَين : جَاءَنَا عُثْبَةُ الغُلامُ غَازِياً وقال : رَأيْتُ أَنِّي آتِي المَصِّيصَةَ(٦) في النَّومِ وأَغْزُو فَأُسْتَشْهَدُ قال: فأعْطَاهُ رجلٌ فَرَسَه وسِلاحَه وقال : إنِّي انظر السير: ( المستنصر بالله العباسي) ١٥٥/٢٣-١٦٨، وانظر النزهة: ٢/١٧١٩. (١) انظر السير: ( حَيوة بن شريح) ٦/ ٤٠٤-٤٠٦، وانظر النزهة: ٢/٦٦٥. (٢) انظر السير: ( عبد الرحمن بن الحكم) ٨/ ٢٦٠ -٢٦١، وانظر النزهة: ٢/٧٥٣. (٣) انظر السير: (عبد الله بن عون) ٦/ ٣٦٤ _ ٣٧٥، وانظر النزهة: ٣/٦٥٧. (٤) انظر السير : ( عُتبة الغلام ) ٧/ ٦٢ - ٦٣، وانظر النزهة: ٢/٦٧٦. (٥) (٦) المَصِّيصَة ( بفتح الميم ، وكسر الصاد الثقيلة ، بعدها ياء ساكنة ثم صاد مفتوحة ): مدينة على شاطىء= ١٤٨ عَلِيلٌ فَاغْزُ عَنِّي فَلَقُوا الرُّومَ فكان أَوَّلَ من اسْتُشْهِد(١) . وقال أبو حاتم الرَّازِي : حَدَّثَنَا عَبدةُ بنُ سُلْمانَ المَرْوِزيّ قال : كُنَّا سَرِيَّةً مع ابنِ المُبَارَك في بلاد الزُّوم ، فصَادَفنا العدُوّ، فلمَّا التَّقَى الصفَّان، خَرَجَ رجلٌ من العَدُوِّ فَدَعا إلى المُبارَزَةِ، فخَرَجَ إليه رجلٌ فقَتَلَه، ثم آخرُ فقَتَلَه، ثم دَعَا إلى المُبارَزَة ، فخَرَجَ إليه رجلٌ فِطَارَدَه ساعَةً فَطَعَنَه فقَتَلَه ، فازْدَحَمَ إليه النَّاسُ ، فَنَظَرْتُ فإذا هو عبدُ الله ابنُ المُبارَك ، وإذا هو يَكْتُمُ وجْهَهُ بِكُمِّه ، فَأَخَذْتُ بِطَرْفِ كُمِّه فمَدَدْتُه فإذا هُوَ هُوَ فقال: وأنتَ يا أبا عَمْرٍو مِمَّن يُشَنِّعُ عَلَينا(٢). وقال المَروِذيُّ عن أحمَدَ : إنَّ عِيسَىُ بنَ يُونُسَ ثَبَتْ، وكُنَّا نُخَبَّرُ أَنَّهِ سَنَةً فِي الغَزْوِ ، وسَنَةً في الحَجِّ ، وقَدِمَ بَغْدَادَ في شيءٍ من أَمرِ الحُصُون ، فأُمِرَ له بمَالٍ ، فأَبَى أنْ يَقْبَلَه وقِيلَ: إِنَّهَ زَارَ ابنَ عُبَيْنَةَ ، فقال: مرحباً بالفَقِيهِ ابنِ الفَقِيه ابنِ الفَقِيه(٣). وقال أحمَدُ ابنُّ جَناب: غَزَا ابنُ يُونُس خَمساً وأربَعِين غَزْوَةً ، وحَجَّ كذلك (٤) وجاء في تَرَجَمَةِ يُوسُفَ بنِ أسْباط ، قال الإمامُ الذهَبِيُّ: نَزَلَ الثُّغُورَ مُرابِطَاً(٥). وقد جاءَ عنِ شيخ خُراسان الإمامِ شَقِيقِ البَلْخِيّ مع تَأَلُّهِه وزُهْدِه أنَّه كان من رُؤُوسِ الغُزاة(٦). وقُتِلَ شَقِيقٌ فِي غَزَاةِ كُولان سَنَةَ أرْبعٍ وتَسْعِينَ ومِئَّةَ(٧) . وجاءَ في ترْجَمَةِ أَسَدِ بنِ الفُرَاتِ : قال الإمامُ الذهبيُّ: الإمامُ العَلَّمَةُ القَاضِي الأمِيرُ ، مُقدمُ المُجاهِدين، أبو عبد الله الحَرَّانِيّ ثُمَّ المَغرِبِيّ. جيحان من ثغور الشام بين أنطاكية وبلاد الروم تقارب طرسوس . = انظر السير: ( عُتبة الغلام) ٧/ ٦٢ -٦٣، وانظر النزهة: ٣/٦٧٦. (١) انظر السير: ( عبد الله بن المبارك) ٢٢٥/١٠-٢٢٨، وانظر النزهة : ٥/٧٦٧. (٢) انظر السير: ( عيسى بن يونس ) ٤٨٩/٨-٤٩٤، وانظر النزهة: ٢/٧٨٥. (٣) انظر السير: ( عيسى بن يونس) ٤٨٩/٨- ٤٩٤، وانظر النزهة : ٤/٧٨٥. (٤) انظر السير: ( يوسف بن أسباط) ١٦٩/٩ -١٧١، وانظر النزهة: ٢/٨١٤. (٥) انظر السير: ( شَقيق البلخيّ) ٣١٣/٩-٣١٦، وانظر النزهة : ٦/٨٢٣. (٦) (٧) انظر السير: (شقيق البلخيّ) ٣١٣/٩-٣١٦، وانظر النزهة: ٣/٨٢٤. ١٤٩ مَوْلِدُهُ بِحَرَّان سَنَةَ أربع وأربَعينَ ومِئَة ، ودَخَلَ القَيْرَوَانَ مع أبِيهِ في الجِهَاد ، وكان أَبُوهُ الفُراتُ بنُ سِنان من أعْيَانِ الجُنْدِ وغَلَبَ عليه ◌ِعِلْمُ الرَّأَيِّ ، وكَتَبَ عِلْمَ أبي حَنِيفَةٍ (١) . ومَضَىْ أسَدُ بنُ الفُراتِ أمِيراً من قِبَلِ زِيادةُ الله الأَغْلِيّ مُتَوَلِّي المَغرِب، فافْتَتَحَ بَلَداً مِن جَزِيرَةٍ صَقِلِّية ، وأدْرَكَه أجَلُه هناك في سَنَةِ ثلاث عَشْرَة ومِئْتَين (٢). وكان أَسَدُ بنُ الفُراتِ مع تَوَسُّعِه في العِلمِ فارساً بَطَلاً شُجَاعاً مِقْدَاماً، زَحَفَ إليه صاحبُ صَقِلَّة في مئةِ ألفٍ وخمسين ألفاً قال رجلٌ : فلقدْ رَأيْتُ أَسَدَاً وبِيَدِهِ اللّواءُ يقْرَأُ سورةَ ﴿يس﴾ ثم حَمَلَ بالجَيْشِ، فَهَزَمَ العدُوَّ، ورَأيتُ الدَّمَ وقد سَالَ علىُ قَنَاةِ اللُّواءِ وعلىُ ذِراعِه(٣) . وجاءَ في تَرْجَمَةِ الإمامِ يَحْيَى بنِ مُحمَّد بنِ يَحْيَى الدُّهْلِيّ : الحَافِظُ المُجَوِّدُ الشَّهِيدُ أبو زَكَرِيّا، قال الحاكِمُ: هو إمامُ نِيسَابُورَ في الفَتْوَى والرِّئاسَة ، وابنُ إمامِهَا أميرُ المُطَّوِّعَةِ بِخُراسَانِ بِلا مُدَافَعَة ، يَعْنِي : الغُزَاةَ قال : وكان يَسْكُنُ دارَ أبيه ولكل منهُما صَوْمَعَةٌ وَآثارٌ لِعِبادَتِهِما ، والسُّكَّةُ والمَسْجِدُ مَنسُوبانِ إلى حَيْكان (٤) . قال الخَطِيبُ : كان زُهَيْرُ بنُ مُحمَّد بنُ قُمَير ثِقَةً صَادِقاً وَرِعاً زَاهِداً ، انتَقَلَ في آخِر عُمرِه من بَغْدادَ إلى طَرْسُوسَ ، فَرَابَطَ بها إلى أنْ مات(٥) . وقال البغَوُّ : ما رَأيْتُ بعدَ أحْمدَ بن حَنْبَل أفْضَلَ من زُهَيْرِ بنِ مُحمَّد ابنِ قُمَير ، سَمِعتُه يقول : أَشْتَهِي لَحْماً من أربعينَ سَنَة ، ولا آكُلُه حتى أدْخُلَ الرُّومَ ، فَآَكُلُ من مَغَانِمِ الرُّومِ (٦) . انظر السير: ( أسد بن الفرات) ٢٢٥/١٠-٢٢٨، وانظر النزهة: ١/٨٧٠. (١) (٢) انظر السير: (أسد بن الفرات) ٢٢٥/١٠-٢٢٨، وانظر النزهة: ١/٨٧١. انظر السير: ( أسد بن الفرات) ٢٢٥/١٠-٢٢٨، وانظر النزهة: ٢/٨٧١. (٣) انظر السير: ( يَحْبى الذُّهليّ) ٢٨٥/١٢ - ٢٩٤، وانظر النزهة: ١/١٠٠١. (٤) انظر السير: (زُهير بن محمد بن قمير) ٣٦٠/١٢ -٣٦٢، وانظر النزهة: ٣/١٠٠٧. (٥) انظر السير: (زُهير بن محمد بن قمير) ٣٦٠/١٢ -٣٦٢، وانظر النزهة : ٤/١٠٠٧. (٦) ١٥٠ وقال أبو سَعيد بنُ يُونُس: كان المُزْنِيُّ ثِقَةً، وكان يَلْزَمُ الرِّباطَ (١) . جاءَ في تَرْجَمَةِ أحمَدَ بنِ إسْحاقَ قال الإمامُ الذهَبِيُّ: الإمامُ الزَّاهِدُ ، العَابِدُ المُجَاهِدُ ، فارِسُ الإسْلامِ أبو إسْحاقَ، من أهْلِ سُرْماري ، من قُرى بُخَارَى وكان أَحَدَ الثِّقَاتِ ، وبِشَجَاعَتِهِ يُضْرَبُ المَثَلُ(٢). وقال إبراهيمُ بنُ عَقَّانَ البَزَّار : كُنتُ عندَ أبي عبدِ الله البُخَارِيّ فَجَرَى ذِكرُ أبي إسْحَاقَ الشُّرْمارِيّ، فقال: ما نَعْلَمُ في الإسْلامِ مِثْلَه فخَرَجْتُ فإذا أُحَيْدُ رَئيسُ المُطَّوَّعَةِ، فأخْبَرَتُهُ ، فَغَضِبَ ودَخَلَ على البُخَارِيّ، وسَأَلَه فقال : ما كذا قُلْتُ ، بل : ما بَلَغَنَا أنَّه كان في الإسْلامِ ولا في الجَاهِلِيَّةِ مِثْلُه . وقال أبو صَفْوَانُ ( ابنُ أحمد السُّرْماريّ ) : دَخَلتُ على أبي يوماً وهو يَأْكُلُ وحْدَه ، فَرَأَيْتُ في مائِدَتِهِ عُصْفُوراً يأكُلُ معَه، فلمَّا رَآنِي طَارَ(٣). وعن أحمَدَ بنِ إسْحاقَ قال : يَنْبَغِي لقائِدِ الغُزَاةِ أنْ يكونَ فِيه عَشْرُ خِصالٍ : أنْ يكونَ في قَلبِ الأَسَدِ لا يَجْبُن ، وفي كِبْرِ النَمِرِ لا يَتَوَاضَع، وفي شَجَاعَةِ الدُّبّ يَقْتُلُ بِجَوَارِحِهِ كُلُّها، وفي حَمْلَةِ الخِنْزِيرِ لا يُؤَلِّي دُبُرَه، وفي غارَةِ الذِّتْبِ إذا أَيِسَ من وَجْهٍ أَغَارَ من وَجْه، وفي حَمْلِ السِّلاحِ كالنَّملَةِ تَحْمِلُ أكْثَرَ من وَزْنِها ، وفي الثَّبَاتِ كالصَّخْرِ ، وفي الصَّبِرِ كالحِمارِ ، وفي الوَقَاحَةِ كالكَلْبِ لو دَخَلَ صَيْدُه النَّارَ لدَخَلَ خَلفَه ، وفي التِماسِ الفُرصَةِ كالدِّيك . وكانَ إبراهيمُ بنُ شِمَاسٍ يقولُ : كُنتُ أُكاتِبُ أحمَدَ بنَ إسْحَاقَ السُّرْمَارِيّ ، فَكَتَبَ إليَّ: إذا أرَدْتَ الخُرُوجَ إلى بلادِ الغُزَيّة في شِراءِ الأَسْرَىُ ، فَاكْتُبْ إليَّ فَكَتَبتُ إليه ، فَقَدِمَ سَمَرْقَنْدَ ، فخَرَجْنَا ، فلمَّا عَلِمَ جَعْبَوَيْهِ ، استَقْبَلَنَا فِي عِدَّةٍ من جُيُوشِه ، فَأَقَمْنا عِندَه ، فعَرَضَ يوماً جَيْشَه، فمرَّ رجلٌ فَعَظَّمَه وخَلَعَ عليه ، فسَأَلَنِي عنه الُّرْمارِيّ فقُلتُ : هذا رجلٌ مُبارِزٌ ، يُعَدُّ بألفِ فارسٍ قال: أنا أُبَارِزُه فسَكَتُ فقال جَعْبَوَيْه : (١) انظر السير: (المُزني) ١٢/ ٤٩٢ -٤٩٧، وانظر النزهة: ٦/١٠٢٤. (٢) انظر السير: (أحمد بن إسحاق السّرماري) ٣٧/١٣ - ٤٠، وانظر النزهة: ١/١٠٤٨. (٣) انظر السير: (أحمد بن إسحاق السّرماري) ٣٧/١٣ - ٤٠، وانظر النزهة: ١/١٠٤٩. ١٥١ ما يقولُ هذا؟ قُلتُ يقولُ: كَذَا وكَذَا قال: لَعَلَّه سَكْرانٌ لا يَشْعُر، ولكن غَدَاً نَرَكَبُ فلمَّا كان الغَدُ رَكِبُوا ، فَرَكِبَ الشُّرْمارِيُّ معَه عَمُودٌ في كُمِّه فقامَ بإزاء المُبارِز فقَصَدَه ، فهَرَبَ أحمَدُ حتّى باعَدَهُ من الجَيْشِ ، ثمَّ كَرَّ وضَرَبَه بالعَمُودِ فقَتَلَه ، وتَعَ إِبراهيمَ بنَ شِمَاسٍ ، لأنَّه كان قد سَبَقَه فَلَحِقَه، وعَلِمَ جَعْبَوَيْهِ ، فجَهَّزَ في طلبِه خمسِينَ فارساً نَقَاوةً، فأدْرَكُوه ، فثَبَتَ تحتَ تَلِّ مُخْتَفِياً حتّى مَرُوا كُلُّهم واحِداً بعدَ واحِد ، وجَعَلَ يَضْرِبُ بعَمُودِه من ورَاءِهم إلى أنْ قَتَلَ تَسْعَةً وأربعِينَ ، وأَمْسَكَ واحِداً ، قَطَعَ أنْفَه وأُذُنَّه ، وأَطْلَقَه ليُخْبِر ، ثمَّ بعدَ عامَيْن تُؤُفِّي أحمدُ ، وذَهَبَ ابنُ شِمَاسٍ في الفِداءِ ، فقال له جَعْبَوَيْهِ : مَنْ ذَاكَ الذي قَلَ فرسانَنَا؟ قال : ذاكَ أحمدُ السُّرْمارِيّ قال : فِلِمَ لَمْ تَحْمِلْهِ مَعَكَ؟ قُلتُ: تُؤُفِّيَ، فَصَكَّ في وَجْهِي ، وقال: لَوْ أَعْلَمْتَنِي أنَّه هو لكُنتُ أُعْطِيهِ خَمْسَ مئةٍ بِرْذَوْن(١) وعَشْرَةَ آلافِ شاة. وعن عِمْرانَ بنَ مُحمَّد المطَّوعيّ : سَمعتُ أبي يقولُ: كان عَمُودُ المطَّوِّعيِّ الشُّرْمارِيّ وزْنُهُ ثمانِيَةَ عَشْرَةَ مَنّا(٢) ، فلمَّا شَاخَ جَعَلَه اثنَيْ عَشْرَ مَنّاً ، وكان به يُقاتِلُ . وعن عُبيد الله بنِ واصل ، سَمعتُ أحمدَ السُّرْماريَّ يقولُ ، وأخرِجَ سَيْفَه ، فقال : أعلَمُ يَقيناً أنِّي قَتَلتُ به ألفَ تُركيّ ، وإنْ عِشْتُ قَتلتُ به ألفاً أخْرى ، ولولا خَوْفي أن يكونَ بدعةً لأمَرتُ أن يُدفَن معي(٣). وعن محمودِ ابنِ سَهْل الكاتب ، قال : كانوا في بعض الحروب يحاصِرون مكاناً ، ورئيسُ العدوِّ قاعدٌ على صُفَّة(٤)، فرمى الشُّرماريُّ سَهْماً، فغرزَه في الصُّفَّة ، فأوْماً الرئيسُ لينزَعه ، فرماه بسَهمٍ آخر خاطَ يدَه ، فتطاوَلَ الكافرُ لينزعَه من يده ، فرماه بسَهِمٍ ثالثٍ فِي نَحرِهِ ، فانهزَمَ العَدوُّ ، وكان الفتح . قال الذهبيُّ : أخبارُ هذا الغازي تسُرُّ قلبَ المسلم . (١) البرْذَوْن : ضرب من الدواب ، يخالف الخيل العراب ، عظيم الخِلقَة ، غليظ الأعضاء. (٢) المَنّ : زِنَة رطلين . انظر السير: ( أحمد بن إسحاق السّرماري) ١٣/ ٣٧ - ٤٠، وانظر النزهة : ٢/١٠٤٩. (٣) الصُفَّة : الظلة ، والبَهو الواسع العالي السقف . (٤) ١٥٢ تُوقِّي في سنة اثنتين وأربعين ومئتين ، رحمه الله تعالى ، فإنه كان مع فَرْط شجاعته من العلماء العاملين العُبَّاد(١). وجاء في تَرجَمَةِ أبِي حَمْزَةَ البَغْدادِيّ قال الإمامُ الذهَبِيُّ : كان بَصِيراً بالقِراءَاتِ ، وكان كَثيرَ الرِّباطِ والغَزْوِ(٢). وذكر أبو عُبَيْدَة قال : كان بَقِيُّ بنُ مخلد يَخْتِمُ القُرآنَ كُلَّ لَيَلَةٍ ، في ثلاثَ عَشْرَةَ رَكعَةً ، وكان يُصلِّي بالنَّهارِ مئَةَ رَكعةٍ ، ويَصُومُ الذَّهرَ ، وكان كَثيرَ الجِهَادِ ، فاضِلاً ، يُذْكَرُ عنْه أنَّه رَابَطَ اثْنَين وسَبْعِينَ غَزْوَةً(٣) . وقُتِلَ الفَنْدَلاوِيُّ وزَاهِدُ دِمَشْقَ عبدُ الرَّحْمَن الحلحوليُّ سَنَةَ ثلاثٍ وأربَعِينَ وخمسٍ مِئَة بالنَّيْرَبِ (٤) في حَربِ الفِرَنْج ومُنازَلَتِهِم دِمَشْقَ، فَقُبِرَ الفَنْدَلَاوِيُّ بظاهِرِ باب الصَّغِير، وقُبِرَ الحلحوليُّ بالجَبَلِ رحمَهُما الله(٥) . وقال الضِّياءُ : سَمعتُ البَهَاءَ يَصِفُ الإمامَ بنَ قُدَامَةَ بالشَّجاعَةِ ، وقال : كان يَتَقَدَّمُ إلى العَدُوِّ وجُرِحَ في كَفِّه، وكان يُرامِي العَدُوَّ (٦) . ١٦ - سُؤالُ الله الشَّهَادَةِ : عن داوُدَ بنِ أبي هِنْدٍ قال: لمَّا أَخَذَ الحَجَّاجُ سَعيدَ بنَ جُبَيْر قال: ما أَرانِي إلاَّ مَقْتُولاً وسَأُخْبرُكم : إنِّي كُنتُ أنا وصاحِبانٍ لِي دَعَوْنا حين وَجَدْنا حَلاوَةَ الدُّعاء ، ثم سَأَلْنَا اللهَ الشَّهَادَةَ، فَكِلا صاحِبَيَّ رُزِقَها، وأنا أنْتُظِرُها، قال: فَكَأنَّه رأى أنَّ الإجابَةَ عند حَلاوَةِ الدُّعاء . (١) انظر السير: (أحمد بن إسحاق السّرماري) ٣٧/١٣-٤٠، وانظر النزهة: ١/١٠٥٠. (٢) انظر السير: ( أبو حمزة البغدادي) ١٦٥/١٣-١٦٨، وانظر النزهة: ١/١٠٦٧. (٣) انظر السير: (بقيّ بن مخلد) ٢٨٥/١٣ -٢٩٦، وانظر النزهة: ١/١٠٨٧. (٤) النَّيْرب : محلة تلي الربوة من جهة دمشق وهي كلمة سريانية تعني الوادي ، وهنا يُراد بها سفح قاسيون مما يلي الربوة . (٥) انظر السير: (الفَنْدلاوي) ٢٠٩/٢٠ - ٢١٠، وانظر النزهة: ٣/١٥٤٢. (٦) انظر السير: (ابن قدامة) ١٦٥/٢٢ - ١٧٣، وانظر النزهة: ١/١٦٨٢. ١٥٣ قال الذَّهبيُّ : ولمَّا عَلِمَ من فَضْلِ الشَّهَادَةِ ثَبَتَ للقَتلِ ولَمْ يَكْتَرِثْ ، ولا عَامَلَ عَدوَّه بالتُّقْيَة المُباحَة له ، رحِمَه اللهُ تَعَالَى(١). وقال ريَاحِ القَيْسي: باتَ عُتْبَةُ الغُلامُ عندي ، فسَمعتُه يقُولُ في سُجُودِهِ : اللَّهُمَّ احْشُر عُتْبَةَ مِن حَوَاصِلِ الطَّيْرِ ويُطُونِ السِّباعِ(٢). عن عليٍّ بنِ أحمَدَ الحافِظ، أخْبَرَنِي أبو الوَلِيدِ بنُ الفَرْضِيّ قال: تَعَلَّقْتُ بأسْتَارِ الكَعْبَة ، وسَألتُ اللهَ تَعَالَى الشَّهَادَةَ، ثُمَّ فَكَّرْتُ فِي هَوْلِ القَتْلِ فَنَدِمْتُ، وهَمَمْتُ أنَّ أَرْجِعَ ، فأسْتَقِيلَ الله ذلك، فاسْتَحْبَيْتُ قال الحَافِظُ عليٍّ: فَأَخْبَرَنِي مَنْ رَآهُ بَيْنَ القَتْلَى، ودَنَا منه، فسَمِعَه يقولُ بصوتٍ ضَعِيفٍ: ((لا يُكلَمُ أحَدٌ في سَبيلِ اللهِ ، واللهُ أعْلَمُ بمَنْ يُكْلَمُ في سَبيلِه إلاَّ جَاءَ يَوْمَ القِيامَةِ وجُرْحُه يَثْعَبُ دَمَاً ، اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّم ، والرِّيحُ رِيحُ المِسْكِ)) كأنَّه يُعِيدُ على نَفْسِهِ الحَديثَ، ثُمَّ قَضَى على إِثْرِ ذَلَك رَحِمَه الله(٣) . وكان نُورُ الدِّينِ زِنْكِي بَطَلاًّ شُجَاعَاً وافِرَ الهَيْبَة، حَسَنَ الرَّميِّ، مَلِيحَ الشَّكْلِ ، ذا تَعَبُّد وخَوْفٍ ووَرَعٍ ، وكان يَتَعرَّضُ لِلشَّهَادَةِ ، سَمِعَه كاتِبُه أبو اليُسْرِ يَسْألُ الله أنْ يُحْشَرَ من بُطُونِ السِّباعِ وَحَوَاصِلِ الطَّيْرِ . وبنىُ دَارَ العَدْلِ ، وأَنْصَفَ الرَّعِيَّة ، ووَقَفَ على الضُعَفَاءِ والأيتام والمُجاوِرِين وأَمَرَ بتَكْميل سُورِ المدينة النَّبَويَّة، واسْتَخْرَاجِ العَيْنِ بأُحد دَفَنَهَا السَّيْلُ، وفَتَحَ دَرْبَ الحِجَاز، وعَمَّر الخَوَانِقِ والرُّبُطَ والجُسُورَ وَالخاناتِ بدِمَشْقَ وغيرها وكذا فعل إذْ مَلَكَ حَرَّانَ وسنْجَارَ والرُّها والرَّقَّة ومَنْبج وشَيْزَر وحِمْصَ وحَمَاة وصَرْخَد وبَعْلِبَكَّ وَتَدْهُرَ ووَقَفَ كُتُباً كثيرةً مُثَمَّنَة، وكَسَرَ الفِرِنْجَ والأَرْمَنَ على حارِم وكانوا ثلاثين ألفاً فقَلَّ مَنْ نَجَا ، وعلى بانياس (٤) . (١) انظر السير: (سعيد بن جبير) ٣٢١/٤ -٣٤٣، وانظر النزهة: ٦/٥٠٧. (٢) انظر السير: (عُتبة الغلام) ٧/ ٦٢ -٦٣، وانظر النزهة: ٢/٦٧٦. (٣) انظر السير: (ابن الفرضيّ) ١٧٧/١٧ - ١٨٠، وانظر النزهة: ٣/٣٣٣١. (٤) انظر السير: (نور الدين زنكي) ٥٣١/٢٠_٥٣٩، وانظر النزهة: ١/١٥٨٠. ١٥٤ وقال ابنُ وَاصِل: كان نُورُ الدِّينِ زِنْكِي مِن أَقْوَى النَّاسِ قَلْبَاً وبَدَناً ، لَمْ يُرَ على ظَهرِ فَرَسِ أحَدٌ أَشَدَّ منه، كأنَّما خُلِقَ عليه لا يَتَحرَّك، وكان يقولُ : طَالَمَا تَعَرَّضتُ للشَّهَادَةِ فلمْ أُدْرِكُها . قال الذَّهبيُّ: قد أَدْرَكَها علىُ فِرَاشِه، وعلى أَلْسِنَةِ النَّاس: نُورُ الدِّينِ شَهِيدٌ(١). ١٧ - صُوَرٌ من الشَّهَادَة : جاءَ من رِوَايَةِ الوَاقِدِيّ أنَّ مُحمَّدَ بنَ ثابت بنِ قَيْس قال: لمَّا انْكَشَفَ المُسْلِمونَ يومَ اليَمَامَةِ ، قال سَالِمُ مَوْلَى أبي حُذَيْفَة: ما هكذا كُنَّا نَفْعَلُ مع رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ، فَحَفَرَ لنفْسِه حُفْرَةً ، فقَامَ فيها ومَعَه رَايَةُ المُهاجِرِينَ يومَئِذٍ ، ثُمَّ قاتَلَ حتى قُتِل رضي الله عنه (٢) . ورَمَىْ أَبُو دُجَانَةُ بنَفْسِهِ يومَ اليَمَامَةِ إلى داخِلِ الحَديقَة ، فانْكَسَرَتْ رِجْلُهُ ، فَقَاتَلَ وهو مَكْسُورُ الرِّجْلِ حتىْ قُتِلَ رضي الله عنه(٣) . وعن عاصِم بنِ عُمَر قال : لمَّا كان من غَدْرِ عَضَل والقَارَة بخُبَيْبِ ابنِ عَدِيّ وأصْحابِهِ رضي الله عنهم ، قَدِمُوا به وبزَيِّد بنِ الدِّئِنَّةِ، فأمَّا خُبَيْب فابْتَاعَه حُجَير بنُ أبي إهاب لعُقْبَة بنِ الحارِث بنِ عامِر ، وكان أخا حُجَير لأُمِّه لِيَقْتُلَه بأبيه . فلمَّا خَرَجُوا به لِيَقْتُلُوه ، وقد نَصَبُوا خَشَبَتَه لِيَصْلبوه ، فانتهى إلى التَنْعِيم ، فقال : إِنْ رَأيْتُمْ أنْ تَدَعُونِي أَرْكَعُ رَكْعتَيْن فقالوا: دُونَك، فصَلَّى ثم قال: والله لَوْلا أنْ تَظُنُّوا أنَّمَا طَوَّلْتُ جَزَعاً من القَتْلِ ، لاسْتَكْثَرْتُ من الصَّلاةِ ، فكان أَوَّلَ مَنْ سَنَّ الصَّلاةَ عند القَتْلِ ، ثمَّ رَفَعُوه علىُ خَشَبَتِهِ ، فقال: اللَّهُمَّ أَحْصِهِم عَدَداً وأَقْتُلْهم بَدَداً، ولا تُغَادِرْ منهم أَحَداً ، اللَّهُمَّ إِنَّا قد بلَّغْنَا رِسَالَةَ رسُولَكَ، فَبَلِّغْهُ الغَدَاةَ ما أَتَى إلينا . قال : وقال مُعَاوية: كُنْتُ فيمَن حَضَرَه، فَلَقَد رأيتُ أبا سُفْيَانَ يُلْقِيني إلى (١) انظر السير: (نور الدين زنكي) ٥٣١/٢٠_٥٣٩، وانظر النزهة: ٤/١٥٨٢. (٢) انظر السير: (سالم مولى أبي حُذيفة) ١٦٧/١ - ١٧٠، وانظر النزهة: ٣/١٤٣. (٣) انظر السير: (أبو دجانة الأنصاريّ) ٢٤٦/١ -٢٤٩، وانظر النزهة: ١/١٥٥. ١٥٥ الأرضِ ، فَرَقاً من دَعْوَةِ خُبَيْب وكانوا يقولون: إنَّ الرَّجُلَ إذا دُعِيَ عليه فاضْطَجَع ، زَلَّتْ عنه الدَّعوَةِ(١). وقال عِكْرِمَةُ: فلمَّا كان يومَ أُحُدٍ قال رسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (( قُومُوا إلى جَنَّةٍ عَرْضُها السَّمَاوَاتُ والأَرْضُ أُعِدَّتْ للمُتَّقِين )) فقَامَ عَمرُو ابنُ الجَمُوحِ وهو أَعْرَجٌ فقالَ : واللهِ لأَقْحزَنَّ(٢) عليها في الجَنَّة ، فقَاتَلَ حتى قُتِل رضي الله عنه(٣). ولمَّا نَدَبَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم المُسْلِمِينَ يومَ بَدْرٍ ، فَأَسْرَعُوا قال خَيْثَمَةُ لابنِه سَعْد: آئِرْنِي علىُ نَفْسِك بالخُرُوجِ ، وأَقِمْ معَ نِسَائِك فَأَبَى وقالَ : لَوْ كان غَيْرُ الجَنَّة ، آثَرْتُكَ به ، فاقْتَرَعا، فخَرَجَ سَهْمُ سَعْدٍ، فَخَرَجَ واسْتُشْهِدَ بَبَدْرٍ ، واسْتُشْهِدَ أَبُوهُ خَيْئَمَةُ يومَ أُحُدٍ (٤). وشَهَد زَيْدُ بنُ الخَطَّاب بَدْراً والمَشَاهِدَ ، وكان قد آخَى النبيُّ صلى الله عليه وسلم بينه وبينَ مَعْنِ بنِ عَدِيّ العَجْلانيّ ، ولقد قال له عُمَرُ يومَ بَدْرِ : الْبَسْ دِرْعِي قال : إنِّي أريدُ من الشَّهَادَةِ ما تُريدُ قال: فَتَرَكَاها جميعاً، وكانت رايَةُ المُسْلِمين معَه يومَ اليَمَامَة، فَلَمْ يَزَلْ يَقْدُم بها في نَحْرِ العَدُوِّ ، ثُمَّ قاتَلَ حتى قُثِلَ، فَوَقَعَتْ الرَّايَةُ ، فَأَخَذَها سَالِمُ مَوْلَى أبي حُذَيْفَة وحَزِنَ عَلَيْهِ عُمَرُ ، وكان يقولُ : أسْلَمَ زَيْدٌ قَبْلِي ، واسْتُشْهِدَ قَبْلِي، وكان يقولُ: ما هَبَّت الصَّبا إلاَّ وأنا أجِدُ رِيحَ زَيْد (٥) . وعن أَنَسِ أنَّ ثابِتَ بنَ قَيْسٍ جاءَ يومَ اليَمَامَةِ ، وقد تَحَتَّطَ ، ولَبِسَ ثَوْبَيْنِ أَنْيَضَيْنِ فَكُفِّنَ فِيهِما ، وقد انْهَزَمَ القَوْم ، فقال: اللَّهُمَّ إنِّي أَبْرَأُ إلَيْكَ ممَّا جَاءَ به هؤلاء ، وأَعْتَذِرُ من صَنِيعِ هؤلاء ، بِئْسَ ما عَوَّدْتُمْ أَقْرَانَكُم! خَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَهم ساعَةً، فَحَمَلَ ، فَقَاتَلَ حتى قُتِلَ رَضي الله عنه(٦) . (١) انظر السير: ( خُبَيب بن عَديّ) ٢٤٦/١-٢٤٩، وانظر النزهة: ٤/١٥٥. (٢) أي لأثِبَنَّ. (٣) انظر السير: (عمرو بن الجموح) ٢٥٢/١-٢٥٥، وانظر النزهة: ١/١٥٨. (٤) انظر السير: (سعد بن خيثمة ) ٢٦٦/١، وانظر النزهة : ٤/١٥٩. (٥) انظر السير: (زيد بن الخطاب) ٢٩٧/١ -٢٩٩، وانظر النزهة: ٤/١٦٦. (٦) انظر السير: (ثابت بن قيس) ٣٠٨/١ -٣١٤، وانظر النزهة: ٣/١٦٧. ١٥٦ وعن مُحمَّدِ بنِ عبد الرَّحْمَان بنِ أبي صَعْصَعَةَ ، أَنَّ رسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: (( مَنْ رَجُلٌ يَنْظُرُ لي ما فَعَلَ سَعْدُ بنُ الرَّبِيع؟))، فقالَ رَجُلٌ من الأَنْصَارِ : أنا، فخَرَجَ يَطُوفُ في القَتْلَى ، حتى وَجَدَ سَعْداً جَرِيحاً مُثْبَاً بَآخِرِ رَمَقْ فقال: يا سَعْدُ إنَّ رسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَمَرَنِي أَنْ أَنْظُرَ في الأحْيَاءِ أنْتَ أمْ في الأمْوَاتِ ؟ قال : فإِنِّي في الأمْوَاتِ ، فَأَبْلِغْ رسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم السَّلامَ ، وقُلْ: إِنَّ سَعْدَاً يُقُولُ : جَزَاكَ اللهُ عَنِّي خَيْرَ مَا جَزَا نَبِيّاً عن أُمَّتِهِ ، وأَبْلِغْ قَوْمَكَ مِنِّي السَّلامَ ، وقُلْ لَهُم : إِنَّ سَعْدَاً يَقُولُ لكُم: إنَّه لا عُذْرَ لكُمْ إِنْ خُلِصَ إلىْ نَبِّكم ومِنْكُمْ عَيْنٌ تَطْرِف(١) . وقالَ الشَّافِعِيُّ : كان عِكْرِمَةُ بنُ أبي جَهْلٍ مَحْمُودَ البَلاءِ في الإسْلامِ رضي الله عنه نَزَلَ عِكْرِمَةُ يومَ الْيَرْمُوكِ، فقَاتَلَ قِتَالاَ شَدِيدَاً، ثُمَّ اسْتُشْهِدَ، فوَجَدُوا به بِضْعَاً وسَبْعِينَ مِن طَعْنَةٍ وَرَمْيَةٍ وَضَرْبَةٍ (٢) . وقال ابنُ سَعْد : قالوا : وكان عبدُ الله بنُ عَمٍو بن حِرام أولَ مَنْ قُتِلَ يومَ أُحُدٍ ، وكان عَمْرُو بنُ الجَمُوحِ طَوِيلاً فَدُفِنَا مَعَاً عِندَ السَّيْلِ ، فَحَفَرَ السَّيْلُ عنهُما، وعليهِمَا نَمِرَةٌ، وقد أصَابَ عبدَ الله جُرْحٌ فِي وَجْهِهِ فَيَدُهُ على جُرْحِه ، فَأُمِيطَتْ يَدُهُ ، فانْبَعَثَ الدَّمُ، فرُدَّتْ ، فسَكَنَ الدَّمُ(٣). وعن طَلْحَةِ بنِ خِرَاش، سَمِعَ جابِرَاً يقولُ : قال لي رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((ألا أُخْبِرُكَ أنَّ اللهَكلَّمَ أبَاكِ كَفَاحَاً ، فقَالَ: يَا عَبْدِي! سَلْنِي أُعْطِكَ، قَالَ : أَسْأَلُكَ أنْ تَرُدَّنِيِ إلى الدُّنْيَا فَأَقْتَلُ فِيْكَ ثانِياً، فقَالَ : إِنَّه قَدْ سَبَقَ مِنِّي أَنَّهُم إلَيْهَا لا يُرْجَعُونَ قَالَ: يَا رَبِّ! فَأَبْلِغْ مَنْ وَرَائِي، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلٍ اللَّهِ أَمْوَتَأَبَلْ أَحْيَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَفُونَ﴾ (٤)، (٥). (١) انظر السير: (سعد بن الربيع) ٣١٨/١_٣٢٠، وانظر النزهة: ٣/١٦٩. (٢) انظر السير: ( عكرمة بن أبي جهل) ٣٢٣/١ -٣٢٤، وانظر النزهة: ٥/١٧١. انظر السير: ( عبد الله بن عمرو بن حرام) ١/ ٣٢٤ -٣٢٨، وانظر النزهة: ١/١٧٢. (٣) سورة آل عمران ، الآية : ١٦٩ (٤) (٥) انظر السير: (عبد الله بن عمرو بن حرام) ٣٢٤/١-٣٢٨، وانظر النزهة: ٤/١٧٢. ١٥٧ وعن معقلٍ بنِ يَسَارٍ : أَنَّ عُمَرَ شَاوَرَ الهُرْمُزَانَ فِي أَصْبَهَانَ وفارِسَ وأذْرَبِيجانَ فقال : أصْبَهانُ: الرَّأسُ وفَارِسُ وأَذْرَبيجانُ : الجَنَاحانُ، فإذا قَطَعْتَ جَنَاحاً فَاءَ الرَّأسُ وجَنَاحٌ ، وإنْ قَطَعْتَ الرَّأسَ وَقَعَ الجَناحَان ، فقال عُمَرُ للنُّعْمانِ بنِ مُقَرِّن : إنِّي مُسْتَعْمِلُك، فقال : أمَّا جَابِياً فلا ، وأمَّا غَازِياً فَنَعَمْ قال : فإنَّك غَازٍ فَسَرَّحَه، وبَعَثَ إِلَىْ أَهْلِ الكُوفَة لِيَمُدُّوه وفيهم حُذَيْفَةُ ، والزُّبَيْرُ والمُغِيرَةُ والأشْعَثُ ، وعَمرُو ابنُ مَعْدِي كَرِبْ، فَذَكَرَ الحَديثَ بطُولِه، وهو في (( مُسْتَدْرَكِ الحَاكم)) وفيه: فقالَ : اللَّهُمَّ ارْزُقْ النُّعْمَانَ الشَّهَادَةَ بنَصْرِ المُسْلِمِين ، وافْتَحْ عَلَيْهِم، فأمَّنُوا، وهَزَّ لِواءَه ثلاثاً ثُمَّ حَمَلَ ، فكان أوَّلَ صَرِيعٍ، رضي الله عنه، ووَقَعَ ذُو الحَاجِبَيْن من بَغْلَتِهِ الشَّهْباء ، فانْشَقَّ بَطْنُه ، وفَتَحَ اللهَ، ثُمَّ أَتَيْتُ النُّعْمَانَ وبه رَمَقٌ، فَأَتَيْتُه بماءٍ فصَبَيْتُ علىْ وَجْهِه أغْسِلُ التُّرابَ، فقال : مَنْ ذَا؟ قُلتُ : معْقلُ بنُ يَسَار قال: ما فَعَلَ النَّاسُ؟ قُلتُ: فَتَحَ اللهُ فقال: الحَمْدُ لله، اكْتُبُوا إلى عُمَرَ بذلك، وفَاضَتْ رُوحُه رضي الله عنه(١)، (٢). قال الصُّوِيُّ : كان أحمدُ بنُ نَصْرِ الخُزاعِيّ وسَهلُ بنُ سَلامَة حين كان المَأمُونُ بخُرَاسَان بايَعَا النَّاسَ على الأمر بالمَعْروف والنَّهيِّ عن المُنكَر ، ثم قَدِمَ المَأمُونُ فبايَعَه (١) أخرج البخاري في الجزية (٣١٥٩) عن جبير بن حبّة ، قال: بعث عُمر الناس في أفناء الأمصار يقاتلون المشركين ، فأسلم الهرمزان ، فقال : إني مستشيرك في مغازيَّ هذه ، قال : نعم ، مثلها ومثل من فيها من الناس ، من عدو المسلمين ، مثل طائر له رأس وله جناحان وله رجلان ، فإن كُسر أحد الجناحين نهضت الرجلان بجناح والرأس ، فإن كُسر الجناح الآخر نهضت الرجلان والرأس ، وإن شُرخ الرأس ذهبت الرجلان والجناحان والرأس ، فالرأس كسرى ، والجناح قيصر ، والجناح الآخر فارس ، فمُر المسلمين فلينفروا إلى كسرى و(١٩٢) عن جبير بن حبَّة قال: فندبنا عُمرُ ، واستعمل علينا النُّعمان بن مقرِّن، حتى إذا كنا بأرض العدو ، خرج علينا عامل كسرى في أربعين ألفاً ، فقام ترجمانٌ فقال: ليكلمني رجلٌ منكم ، فقال المغيرة: فسل عمَّا شئت قال: ما أنتم، قال: (( نحن أناس من العرب ، كنا في شقاء شديد وبلاء شديد ، نمصُّ الجلد والنوى من الجوع ، ونلبس الوبر والشعر ، ونعبد الشجر والحجر فبينا نحن كذلك إذ بعث ربُّ السَّماوات وربُّ الأرضين - تعالى ذكره وجلت عظمته - إلينا نبياً من أنفسنا ، نعرف أباه وأمه ، فأمرنا نبينا رسول ربّنا صلى الله عليه وسلم أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده ، أو تؤدوا الجزية ، وأخبرنا نبيّنا صلى الله عليه وسلم أنه من قُتل منَّا صار إلى الجنة في نعيم لم يرَ مثلها قطّ ، ومن بقي منَّا ملكَ رقابكم » (٢) انظر السير: (النُّعمان بن مقرّن) ٤٠٣/١ -٤٠٥، وانظر النزهة: ٥/١٨٢. ١٥٨ سَهْلٌ، ولَزِمَ ابنُ نَصْرٍ بَيْتَه ، ثمَّ تَحَرَّك في آخِرِ أيام الوَائِقِ، واجتمَعَ إليه خَلْقٌ يَأْمُرُونَ بالمَعْروف ، قال : إلى أنْ مَلَكُوا بَغْدادَ ، وتَعَدَّى رَجُلانِ موسِران من أصحابه فبَذَلا مالاً وعَزَما على الوُثُوبِ في سنة إحْدَى وثلاثين فنَمَا الخَبَرُ إلى نائِبٍ بَغْدَادَ إِسْحَاقَ بنِ إِبْراهِيمَ، فأخَذَ أحمَدَ وصاحِبَيْه وجَمَاعَةً، ووَجَدَ في مَنزِل أحَدِهما أعْلامَاً ، وضَرَبَ خادِماً لأحْمَدَ ، فَأَقَرَّ بأنَّ هؤلاء كانوا يَأْتُونَ أحمَدَ ليلاً ويُخْبِرُونه بما عَمِلوا فحُمِلُوا إلى سَامَرَّاء مُقَيَّدِين فجَلَسَ الوَائِقُ لهم، وقال لأحمَدَ : دَعْ مَا أُخِذْتَ له، ما تقُولُ في القُرآنِ ؟ : قال : كَلامُ الله قال : أفَمَخْلُوقٌ هو ؟ قال : كَلامُ الله قال: فَتَرَى رَبَّكَ في القِيَامَة؟ قال: كَذَا جَاءَت الرِّوايَةُ قال: وَيْحَكِ يُرَى كَمَا يُرَى المَحْدُودُ المُتَجَسِّمُ ، ويَحْوِيه مكانٌ ويَحْصُرُه نَاظِرٌ؟ أنا كَفَرَتُ بمَنْ هَذِهِ صِفَتُه، ما تَقُولُون فيه ؟ فقال قاضي الجانِبِ الغَرْبِيّ: هو حَلالُ الدَّمْ، ووَافَقَه فُقَهَاءٌ ، فَأَظْهَرَ أحمَدُ ابنُ أبي دُواد أنَّه كارِهٌ لقَتْله وقال شَيخٌ مُخْتَلٌّ تَغَيَّرَ عَقلُهُ يُؤَخَّر، قال الوَائِقُ ما أَرَاه إلاَّ مُؤَدياً لكُفْرِه قائماً بما يَعْتَقِدُه، ودَعَا بالصَّمْصَامَة وقام، وقال: أَحْتَسِبُ خُطَايَ إلى هذا الكَافِرِ ، فضَرَبَ عُنْقَه بعد أن مَدُّوا له رَأْسَه بحَبْلِ وهو مُقَيَّد ونُصِبَ رأسُه بالجانبِ الشَّرقِيّ ، وتُنُبِعَ أصحابُه فسُحِنُوا(١). وقال عليُّ بنُ أبي أُمَيّة : لمَّا كان من دُخُولِ الزِّنْجَ البَصْرَة ما كان وقَتْلِهِم بها مَنْ قَتَلُوا ، وذلك في شَؤَّال سَنَةَ سَبعٍ، بَلَغَنا أنَّهم دَخَلُوا علىُ عبّاس بنِ الفَرجِ الرِّياشِيّ المَسجِد بأسْيَافِهم، والرِّياشِيّ قَائِمٌ يُصلِّي الضُّحَى، فضَرَبُوه بالأَسْيافِ : وقالوا : هاتِ المَالَ ، فجَعَلَ يقولُ: أيُّ مالٍ ؟ حتى ماتَ فلمَّا خَرَجَتِ الزُّنْجُ عن البَصْرة ، دَخَلْناها، فمَرَرْنا بَنِي مازِن الطَّحانين - وهناك كان يَنزِلُ الرِّياشِيّ - فدَخَلْنا مَسجدَه ، فإذا به مُلْقَىّ وهو مُسْتَقَبلُ القِبِلَةَ كأنَّما وُجِّه إليها، وإذا بشَمْلَةٍ تُحَرِّكُها الرِّيحُ وقد تَمَزَّقَت ، وإِذا جَمِيعُ خَلْقِهِ صحيحٌ سَوِيٌّ لَمْ يَنْشَقَّ له بَطْن ، ولَمْ يَتَغَيَّر له حال ، إلاَّ أنَّ جِلْدَه قد لَصُقَ بعَظْمِه ويَبُس، وذلك بعد مَقْتَلِه بسَنَتَيْنِ رَحمَه الله(٢). (١) انظر السير: (أحمد بن نصر الخُزاعيّ) ١٦٦/١١ -١٦٩، وانظر النزهة: ٣/٩١٨. (٢) انظر السير: (الرِّياشيّ) ٣٧٢/١٢-٣٧٦، وانظر النزهة: ٣/١٠٠٩. ١٥٩ وجاءَ في تَرْجَمَة الشَّهِيد: الإمامُ القُدوَةُ الشَّهِيدُ أبو بَكْر مُحمَّدُ ابنُ أحمَدَ بنِ سَهْل الرَّمليّ، ويُعْرفُ بابنِ النَّابُلسيّ(١) . وقال أبو ذَرِّ الحافِظُ : سَجَنَه بنُو عُبَيْدِ وصَلَبُوه على السنَّة، سَمعتُ الدَّارَقُطِيّ يَذْكُرُه ويَبْكِي، ويقولُ: كان يقولُ، وهو يُسْلَخِ: ﴿ كَانَ ذَلِكَ فِ الْكِتَبِ مَسْطُورً﴾(٢) . وقال أبو الفَرجِ بنُ الجَوْزِيّ : أقامَ جَوْهَرٌ القائِدُ لأبي تَمیمِ صاحِبٍ مِصْرَ أبا بكر النَّبُلسي، وكان يَنزِلُ الأكْواخَ فقال له : بَلَغَنا أنَّكَ قُلتَ: إذا كان مع الرَّجُلِ عَشْرةُ أَسْهُم ، وجَبَ أن يَرْمِيَ في الرُّومِ سَهْمَاً وفِينَا تِسْعَةً ، قال : ما قُلتُ ههذا، بَلْ قُلتُ: إذا كان معه عَشْرَةُ أَسْهُمٍ وَجَبَ أَنْ يَرِمِيَّكم بتسعَةٍ وأن يَرمِيَ العاشِرَ فيكم أيضاً ، فإنَّكم غَيَرْتُمُ المِلَّة، وقَتَلتُم الصَّالِحِين، واذَّعَيْتُم نُورَ الإلَهِيَّة، فَشَهَرهِ ثُمَّ ضَرَبَه، ثُمَّ أَمَرَ يَهُودِيّاً فسَلَخَه وحُشِيَ تِبْناً ، وصُلِبَ . وقال مُعمَّرُ بنُ أحمَد بنُ زِياد الصُّوفيّ : أخْبَرَني الثُّقَةُ أَنَّ أبا بَكْر سُلِخَ من مَفْرِقٍ رَأْسِهِ حتّى بَلَغَ الوَجْه، فكان يَذْكُرُ اللهَ ويَصْبِر حتْىُ بَلَغَ الصَّدْرَ، فرَحِمَه السَّلَّخُ ، فَوَكَزَه بالسِّكِّينِ مَوْضِعَ قَلْبِهِ فَقَضَى عليه، وأَخْبَرَنِي الثَّقَةُ أَنَّه كان إماماً في الحَدِيثِ والفِقْه، صائِمَ الدَّهرِ، كبيرَ الصَوْلَة عند العامَّة والخاصَّة، ولمَّا سُلِخَ كان يُسْمَعُ من جَسَدِهِ قِراءَةُ القُرآن (٣). قال الذَّهبِيُّ: لا يُوصَفُ ما قَلَبَ هؤلاء العُبَيْدِيَّةِ الدِّينَ ظَهْراً لبَطْن ، واسْتَوْلَوا على المَغْرِب ، ثم على مصرَ والشَّامَ، وسَبُّوا الصَّحابةَ(٤). وحكى ابنُ السَّعْساعِ المِصْريّ ، أنَّه رأَىَ في النَّومِ أبا بَكْر ابن النَّابُلسي بعدما صُلِبَ وهو في أحْسَنِ هَيْئَة ، فقال: ما فَعَلَ اللهُ بك ؟ فقال : (٥) . انظر السير: (الشَّهيد) ١٦ / ١٤٨ - ١٥٠، وانظر النزهة: ١/١٢٧٦. (١) (٢) سورة الإسراء ، الآية : ٥٨ . انظر السير: (الشّهيد) ١٤٨/١٦ - ١٥٠، وانظر النزهة: ٢/١٢٧٦. (٣) انظر السير: (الشَّهيد) ١٦ /١٤٨ - ١٥٠، وانظر النزهة: ٣/١٢٧٦. (٤) انظر السير: (الشَّهيد) ١٦ /١٤٨ - ١٥٠، وانظر النزهة: ٤/١٢٧٦. (٥) ١٦٠