النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢ - التَّجَمُّل عند التزاور : قال أبو خَلْدَة : سَمعتُ أبا العالية يقولُ: زَارَنِي عبدُ الكريم أبو أُمَيَّةَ وعليه ثيابُ صُوفٍ ، فَقُلتُ له: هذا زِيُّ الرُّهْبان، إنَّ المسلمينَ إذا تَزَاوَرُوا تَجَمَّلُوا(١). ١٣- الحُبُّ في الله : عن عائشةَ قالت: حَضَرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، وأبو بكر وعُمَرُ سَعدَ ابنَ مُعاذٍ وهو يَمُوتُ في القُبَّةِ التي ضَرَبَها عليه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في المسجدِ . قالت : والذي نَفْسُ محَمَّدٍ بيدِه إنِّي لأَعْرِفُ بُكاءَ أبي بكرٍ من بُكاءِ عُمَر ، وإنِّي لفي حُجْرَتِي ، فكأنَّما كما قال الله ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمٌ﴾(٢)، (٣). وقال ابنُ فُضَيْل ، حَدَّثني أبي قال : أَتَيْتُ أبا إسحاقَ السبيعيّ بعدما كُفَّ بَصَرُه ، قال : قلتُ : تَعْرِفُنِي؟ قال : فُضَيْل ؟ قلتُ : نَعَم قال إنِّي والله أُحِبُّكَ، ولَوْلا الحَيَاءُ مِنْكَ لَقَبَِّتُك، فَضَمَّنِي إلى صَدْرِه، ثمَّ قال: حَدَّثني أبو الأَحْوَص عن عبدِ الله ﴿لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللّهُ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾(٤)، نَزَلَتْ في (٥) المُتَحَابِّين(٥) . ١٤ - الأدَبُ بين الإخوان : قال غَسَّانُ الغَلاَبِيُّ : كُنتُ أَرَاهُ - يَعِنِي بِشْرَ ابنَ منصُور - إذا زَارَهُ الرَّجُلُ من إخْوَانِهِ قامَ معه حتى يأخُذَ برِكابِهِ ، وفَعَلَ بي ذلك كثيراً (٦) . وهذا مثالٌ فَقَطْ، وهناكَ أمثِلةٌ كثيرةٌ أُخْرى في بابِ الأَدَب . (١) انظر السير: ( أبو العالية) ٢٠٧/٤-٢١٣، وانظر النزهة: ٤/٤٨٠. (٢) سورة الفتح ، الاية : ٢٩ انظر السير: ( سعد بن معاذ) ٢٧٩/١ -٢٩٧، وانظر النزهة: ٢/١٦٤. (٣) سورة الأنفال ، الآية : ٦٣ (٤) انظر السير: ( أبو إسحاق السبيعي) ٣٩٢/٥ - ٤٠١، وانظر النزهة : ٨/٦١٥. (٥) انظر السير : ( بشر بن منصور) ٣٥٩/٨ -٣٦٢، وانظر النزهة : ٧٦٤ /٤. (٦) ١٢١ ١٥ - الخِلافُ لا يُفسِدُ للؤُدِّ قَضِيَّة: قال يُونُسُ الصَّدَفيُّ: ما رأيتُ أعْقَلَ من الشَّافِعِيّ، ناظَرْتُه يوماً في مَسْألةٍ ، ثم افْتَرَقْنَا، ولَقِيَنِي، فَأَخَذَ بيَدِي ثم قال : يا أبا موسَى، ألا يَسْتَقِيمُ أنْ تكونَ إخْوَاناً ، وإِنْ لَمْ نَتَّفِقْ في مَسْألة . قال الذهبيُّ : هذا يَدُلُّ على كَمَالِ عَقْلِ هذا الإمام وفِقْهِ نَفْسِه، فما زَالَ النُّظَرَاءُ يَخْتِلِفون(١) . ١٦ - فَضْلُ الدُّعاء للإخْوان : عن أمِّ الدَّرْداءِ قالت : كان لأبي الدَّرْداءِ سِتُونَ وثلاث مائةٍ خليلٍ في الله يَدعُو لهم في الصَّلاة ، فقُلتُ له في ذلك ، فقالَ: إنَّه ليْسَ رجلٌ يَدعُو لأخِيه في الغَيبِ إلاَّ وَكَّلَ اللهُ به مَلَكَيْن يقولان : ولك بمِثْل أفلا أرْغَبُ أنْ تَدْعُوَ لي الملائكةُ(٢). وقال ابنُ بكرٍ : سَمعتُ النِّبَاجِيَّ يقول: يَنْبَغِي أَنْ نكونَ بدُعاءِ إخْوانِنا أوْثَقَ منَّا بأعمالِنا ، نَخَافُ في أعمالنا التَّقصِيرَ، ونَرْجُو أَنْ نكونَ في دعائِهم لنا مُخْلِصين(٣). وقال أبو مَيْسَرة ، أحمدُ بنُ نزار، لرجلٍ : يا أخي فائِدَةُ الاجتماع الدُّعاءُ ، فادْعُ لي إذا ذَكَرْتَنِي، وأَدْعُو لكَ إذا ذَكَرْتُك فنكون كأنَّ التَّقَيْنا وإنْ لَمْ نَلْتَقِ (٤). ١٧ - صُورتان للدُّعاء للإخْوَة : قال الحَارثُ بنُ سُريج: سَمعتُ يَحْيَى القَطَّان يقول : أنا أَدْعُو اللهَ للشَّافعيِّ، أَخُصُّه به(٥) . وقال عبدُ الله بنُ حَنْبَل: رُبَّما سَمعتُ أبي في السَّحَرِ يَدْعُو لأقوامٍ بِأَسْمائِهم ، وكان (٢) انظر السير: ( الإمام الشافعي) ١٠/ ٥-٩٩، وانظر النزهة: ٢/٨٤٦. (١) انظر السير: ( أبو الدرداء) ٣٣٥/٢-٣٥٣، وانظر النزهة: ٢/٢٧٣. (٣) انظر السير: ( النُباجي) ٥٨٦/٩، وانظر النزهة: ٣/٨٤٢. انظر السير: ( أبو ميسرة) ٣٩٥/١٥ -٣٩٦، وانظر النزهة: ١/١٢٤١. (٤) انظر السير: ( الإمام الشافعي) ١٠/ ٥- ٩٩، وانظر النزهة : ٤/٨٤٦. (٥) ١٢٢ يُكْثِرُ الدُّعاءَ ويُخْفِيه، ويُصَلِّي بين العِشاءَيْن، فإذا صَلَّى العِشاءَ الآخِرِة ، رَكَعَ رَكَعَاتٍ صالِحَة ، ثم يُوتِرُ ويَنَامُ نَوْمَةً خَفيفةً، ثم يَقومُ فَيُصَلِّي، وكانت قِراءَتُه لَيِّنَة ، رُبَّما لَمْ أَفْهَم بَعْضَها، وكان يَصُومُ ويُدمِنُ، ثم يُفطِرُ ما شاءَ الله، ولا يَتْرُكُ صَوْمَ الإثنينِ والخميسِ وأيامَ البِيْضِ، فلمَّا رَجَعَ من العَسْكَر ، أدْمَنَ الصَّومَ إلى أنْ مات(١). ١٨ - أمثلةٌ على الأخُوَّة : عن عبدِ الله بن مَسْعود أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم مَرَّ بَيْن أبي بكرٍ وعُمَرَ ، وعبدُ الله ابنُ مَسْعُودٍ قائمٌ يُصَلِّي، فافْتَتَحَ سورةَ النِّساءِ يُسَجِّلُها(٢) ، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (( مَنْ أَرَادَ أنْ يَقْرَأَ القُرْآنَ غَضَّأَ كما أُنْزِلَ فَلْيَقْرَأْ قِراءَةَ ابنِ أُمّ عَبْد ) فَأَخَذَ عبدُ الله في الدُّعاء ، فجَعَلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يقُولُ: ((سَلْ تُعْطَ )) فكان فيما سَأَلَ : اللَّهُمَّ إنِّي أسْأَلُكَ إيماناً لا يَرْتَدُ ونَعِيماً لا يَنْفَدُ ، ومُرَافَقَةَ نَبِيِّكَ محَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم في أَعْلَىْ جِنَانِ الخُلِدِ ، فأتى عُمَرُ عبدَ الله يُبَشِّرُه ، فوَجَدَ أبا بكرٍ رضي الله عنه خارِجاً قد سَبَقَه ، فقال رضي الله عنه: إنَّك لَسَبَّاقٌ بِالخَيرِ(٣). وعن مالكِ بنِ مِغْوَل : حدثنا ابنُ بُرَيدَة عن أبيه قال : جاءَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد ، وأنا على بابِ المسجدِ ، فأخَذَ بيدي فأدخَلَني المسجدَ ، فإذا رجلٌ يُصَلي ، يَدعُو يقول: اللَّهُمَّ إنِّي أسألُك بأنِّي أشهَدُ أنَّكَ أنتَ الله لا إلَهَ إلاَّ أنْتَ الأحَدُ الصَّمَدُ الذي لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَد ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواَ أحَدٌ . قال صلى الله عليه وسلم: (( والذي نفسِي بَيَدِه لَقَدْ سَأَلَ الله باسمِهِ الأعْظَم ، الذي إذا سُئِلَ به أعْطَىُ وإذا دُعِيَ به أجاب)) وإذا رجلٌ يَقْرأ فقال صلى الله عليه وسلم: (( لقد أُعْطِيَ ههذا مِزْماراً من مَزامِيرٍ آلِ داود )» ، قلتُ: يا رسولَ الله، أُخْبِرُهُ؟ قال صلى الله عليه وسلم: ((نعم )) فأخْبَرتُه فقال لي: لا تزالُ لي صَديقاً ، وإذا هو أبو موسى (٤) . (١) انظر السير: (أحمد بن حنبل) ١٧٧/١١ -٣٥٨، وانظر النزهة: ٣/٩٣٠. (٢) يُسَجِّلها : أي يقرؤها قراءة مفصلة. (٣) انظر السير: (عبد الله بن مسعود) ١/ ٤٦١ - ٥٠٠، وانظر النزهة: ٤/١٩٤. (٤) انظر السير: (أبو موسى الأشعريّ) ٢/ ٣٨٠ -٤٠٢، وانظر النزهة: ٣/٢٢٩. ١٢٣ وجاءَ في قِصَّةِ كَعْبٍ بنِ مَالِك عندما تَخَلَّفَ عن غَزْوةِ تَبُّوكُ ، وفي نِهايةِ القِصَّة : فقامَ إلىَّ طَلْحَةُ يُهَروِل حتىْ صَافَحَنِي وهَنَّانِي، فكان لا يَنْسَاهَا لِطَلْحَةِ(١). وقالت مُعاذَةٌ، زَوجَةُ صِلَةَ بنَ أشْيَم: كان أصحابُه - تعني صِلَةَ ابنَ أشْيَم - إذا التَّقَوا عانَقَ بعضُهم بعضاً(٢) . عن مُطَرِّفِ بنِ عبدِ الله أنَّه قالَ لبعضٍ إخْوانِهِ : يا أبا فُلان إذا كانت لك حَاجَةٌ فلا تُكَلِّمني واكْتُبها في رُقْعَةٍ فإنِّي أَكْرَهُ أنْ أَرَىْ فِي وَجْهِكَ ذُلَّ السُّؤْال(٣) . وعن قَتَادَةَ قال: دخَلْنا على الحَسَنِ البَصْرِي وهو نائِمٌ ، وعند رأسِهِ سَلَّة ، فجَذَبنَاها فإذا خُبزٌ وفاكِهَةٌ ، فجَعَلْنا نأكُلُ ، فانتَبَه فَرَّآنا، فَسَرَّه ذلك، فَتَبَسَّمَ وهو يَقْرَأُ: ﴿أَوْ صَدِيفِكُمْ﴾(٤) لا جُنَاحَ عليكُم(٥) . وعن أبي ثَورِ قال : كان الشَّافعيُّ من أَسْمَحِ النَّاس ، يَشْتَرِي الجَارِيَةَ الصَّناع التي تَطْبُخُ وتَعمَلُ الحَلْواء ، ويَشْتَرِطُ عليها هو أنْ لَا يَقْرَبَها، لأنَّه كان عَلِيلاً لا يُمكِنُهُ أنْ يَقْرَبَ النِّساء لباسُورٍ به إذ ذاك، وكان يقولُ لنا : اشْتَهوا ما أرَدْتُم (٦) . (١) انظر السير: (كعب بن مالك) ٥٢٣/٢ - ٥٣٠، وانظر النزهة: ١/٣٠٢. (٢) انظر السير: ( صلة بن أشيم) ٣/ ٤٩٧ - ٥٠٠، وانظر النزهة: ٥/٤١٥. انظر السير: ( مطرف بن عبد الله) ٤/ ١٨٧ - ١٩٥، وانظر النزهة : ٦/٤٧٦. (٣) يَقْصِدُ الآية ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاعُ أَنْ تَأْكُلُواْ جَمِيعًا أَوْ أَشْنَاتًا﴾ ( النور ٦١). (٤) (٥) انظر السير: (الحسن البصري) ٤/ ٥٦٣-٥٨٨، وانظر النزهة : ٤/٥٦١. (١) انظر السير: (الإمام الشافعي) ٥/١٠-٩٩، وانظر النزهة: ١/٨٤٩. ١٢٤ خامساً : الأمْرُ بالمَعْروفِ والتَّهْيُ عن المُنْكر ١ - هَل يَجب على الآمِرِ بالمعْروف العَملُ بما أمَرَ به؟ : عن أبي الدَّرْداء: إنِّي لَآمُرُكُم بالأمرِ وما أفْعَلُه، ولكنْ لَعَلَّ اللهَ يَأْجُرُّنِي فِيه(١) . ٢- إذا ظَهَر المُنكرُ وعمَّ ولم يُغيَّرِ أَخَذَ اللهُ كلَّ النَّاس: عن عَمرِو بنٍ قَيْس ، سَمِعَ يَزِيدَ بنَ مُعَاوِيةَ يقولُ على المِنْبَرِ : إِنَّ الله لا يُؤَاخِذُ عامَّةً النَّاسِ بخاصَّةٍ إلاَّ أنْ يَظهَرَ مُنكَرٌ فلا يُغَيَّرُ فِيُؤَاخِذُ الكُلَّ (٢). ٣- من عُقوبة تارِك الأمْرِ والنَّهي : قال أبو المُنْذِر إسماعيلُ بنُ عُمَرَ: سَمعتُ أبا عبدِ الرَّحمَنِ العُمريَّ الزَّاهِدَ يقول : إنَّ من غَفْلَتِكَ عن نفسِكَ إِعْراضُكَ عن الله، بأن تَرى ما يُسْخِطُه فتُجَاوِزَه، ولا تأمُرُ ولا تَنْهَىْ خَوْفاً من المَخْلُوقِ مَنْ تَرَكَ الأمرَ بالمعْرُوفِ خَوْفَ المَخْلُوقين نُزِعَتْ منه الهَيْبَةُ، فَلَوْ أَمَرَ وَلَدَه، لاسْتَخَفَّ به(٣). ٤ - القائم بالأمْرِ والنَّهْي لا يَرضَىْ عنه النَّاسُ كلُّهم : عن يَحْيَى بِنِ المُتَوَكِّل قال: قال سُفيانُ الثَّوْرِيُّ: إذا أثْنَى على الرَّجُلِ جِيرانُهُ أَجْمَعونَ فهو رجُلَ سُوءٍ لأنَّ رُبَّما رآهم يَعْصُونَ، فلا يُنْكِرُ، ويَلْقاهم بِشْرَ(٤). (١) انظر السير: (أبو الدَّرداء) ٣٣٥/٢ - ٣٥٣، وانظر النزهة: ٢/٢٧١. (٢) انظر السير : (يزيد بن معاوية) ٣٥/٤ - ٤٠، وانظر النزهة : ٦/٤٣٧. (٣) انظر السير: (العُمريّ) ٣٧٣/٨ -٣٧٨، وانظر النزهة: ٣/٧٦٥. (٤) انظر السير: (سُفيان الثوريّ) ٢٢٩/٧ -٢٧٩، وانظر النزهة : ٤/٧٠٠. ١٢٥ ٥- سُفيانُ النَّوْرِيُّ رَحمَه اللهُ كَانَ يَبولُ دَماً إذا لم يَستَطِعْ الإنْكار : عن سُفيانَ الثَّوْريّ، قال: إنِّي لأرى الشيءَ عليَّ أنْ أتَكَلَّمَ فيه ، فلا أفْعَلُ ، فأبُولُ دَمَا(١). ٦- الاجتهاد في إزالة المنكر والكتابة فيه إلى أولي الأمر: كان ابنُ قُدَامَة إذا سَمِعَ بمُنكَرِ اجْتَهَدَ في إزالَتِهِ ، ويكتبُ فيه إلى المَلِكِ ، حتى سمعنا عن بعضِ المُلُوكِ أنَّه قال : هذا الشَّيخُ شَرِيكِي فِي مُلْكِي(٢). ٧- الإنكارُ لله يجعلُ لصاحبه هيبةً في النفوس : ذَكَرُوا أَنَّ العَادِلَ قال: ما خِفْتُ من أَحَدٍ ما خِفْتُ من هذا - يَعْنِي الإمامَ عبدَ الغَنِيّ المَقْدِسيّ - فقُلنا: أيُّها المَلِكُ هذا رجلٌ فَقِيةٌ قال: لمَّا دَخَلَ ما خُيِّلَ إليَّ إلاَّ أنَّه سَبْعٌ(٣) . ٨- الشجاعةُ في الإنكار وتعريضُ النفس للأذى : وقال ابنُ جهضم : حدَّثني أبو بكر الجلاء قال : كان النُّورِيُّ إذا رأىْ مُنْكَراً غَيَّرَه ، ولو كان فيه تَلَفُه ، نَزَلَ يوماً فرَأىَ زَوْرَقاً فيه ثلاثُون دَنَّاً ، فقال للمَلَأَح : ما هذا؟ قال : ما يَلْزَمُك؟ ، فَأَحَّ عليه فقال: أنت والله صُوفِيٍّ كثيرُ الفُضُولِ، هذا خَمْرٌ للمُعْتَضِدِ ، قال: أعْطِنِي ذلك المِدْريّ، فَاغْتَاظَ وقال لأحِيرِه : ناوِلْهُ حتى أُبْصِرَ ما يَصْنِعُ ، فَأَخَذَه ونَزَلَ فَكَسَّرَها كُلَّها غَيْرَ دَنَّ، فَأُخِذَ وأُدْخِلَ على المُعْتَصِدِ ، فقال : مَنْ أنتَ وَيْلك؟ قال: مُحْتَسِبٌ ، قال : مَنْ وَلَّكَ الحِسْبَةَ؟ قال: مَنْ وَلَّكَ الإِمَامَةَ يا أميرَ المؤمنين! فأطْرَقَ وقال : ما حَمَلَكَ علىْ فِعْلِك؟ قال : شَفَقَةً مِنِّي عليك! قال : كيفَ سَلِم هذا الدِّنُّ ؟ !! ، فذَكَرَ أنَّه كان يَكْسِرُ الدِّنان فنفسُه مُخْلِصَةٌ خَاشِعَةٌ ، (١) انظر السير: (سُفيان الثوريّ) ٢٢٩/٧-٢٧٩، وانظر النزهة: ٦/٦٩٦. (٢) انظر السير: (الشيخ أبو عمر) ٥/٢٢-٩، وانظر النزهة : ٤/١٦٦٢. (٣) انظر السير: ( عبد الغني المقدسي) ٤٤٣/٢١-٤٧١، وانظر النزهة: ٤/١٦٤٦. ١٢٦ فلمَّا وَصَلَ إلى هذا الدِّنِ أعْجَبَتْه نَفْسُه فارتابَ فيها فَتَرَكَه(١) . وقال الحاكمُ : كان محَمَّدُ بنُ جَرير ممَّن لا تأخُذُه في الله لَوْمَةُ لائِمٍ مع عَظِيمِ ما يَلْحَقُه من الأَذَىُ والشَّناعاتِ من جاهِلٍ وحاسِدٍ ومُلحِدٍ ، فأمَّا أهلُ الدِّينِ والعِلْمِ ، فَغَيْرُ مُنْكِرِين عِلْمَه وزُهدَه في الدُّنيا ورَفْضَه لها وقَنَاعَتَه - رَحِمَه الله - بما كان يَرِدُ عليه من حِصَّةٍ من ضَيْعَةٍ خلَّفَها له أبُوه بطَبَرِسْتان يسيرة(٢). نقل أبو عبد الرحمن السُّلميّ في (( مِحَن الصُّوفيّة)): أن بُناناً الحَمَّال قام إلى وزير خُمارويه - صاحب مصر - وكان نَصْرانيّاً فأنزله عن مَركوبه وقال : لا تركب الخيلَ وعيِّر ، كما هو مَأخوذ عليكم في الذِّمَّة ، فأمر خمارويه بأن يُؤخَذ ويُوضع بين يدي سَبُعْ، فَطُرِحَ، فبقي ليلةً ، ثم جاؤوا والسَّبُعُ يلحَسُه وهو مستقبل القِبْلَة ، فأطلَقَه خُمارويه واعتذر إليه(٣) . وقال ابنُ طاهِر : سَمعتُ شَيخَ الإسْلامِ أبا إسماعيلَ عبدَ الله الهَرَويّ يقول : عُرضْتُ على السَّيفِ خَمْسَ مَرَاتٍ لا يُقالُ لي: ارْجِعْ عن مَذْهَبِك ، لكن يُقالُ لي : اسْكُتْ عَمَّنْ خَالَفَك فأقولُ: لا أَسْكُتُ وسَمعتُه يقول : أحْفَظُ اثني عشرَ ألفَ حديثٍ أسْرُدُها سَرْداً (٤) . كان الحافظُ عبدُ الغَنِيّ المَقْدِسِيّ لا يَرَى مُنْكَرَاً إلاَّ غَيَّرَه بيَدِه أو بِلِسَانِهِ ، وكان لا تأخُذْه في الله لَوْمَةُ لائِمِ قد رَأَيْتُهُ مَرَةً يَهْرِيقُ خَمْراً فجَبذَ صاحبُهُ السَّيْفَ فَلَمْ يَخَفْ منه، وأَخَذَه من يَدِه وكان قَوِيّاً في بَدَنِهِ ، وكثيراً ما كان بدِمَشْقَ يُنْكِرُ ويَكْسِرُ الطَّابِيرَ والشَّبابَّات (٥) . وسمعتُ أبا بكر بنَ الطَّحَان قال: كان بعضُ أولادٍ صَلاح الدِّين قد عُملَتْ لهم (١) انظر السير: (النُّوريّ) ١٤/ ٧٠ -٧٧، وانظر النزهة: ٥/١١٣٤. (٢) انظر السير: (محمد بن جرير) ٢٦٧/١٤ -٢٨٢، وانظر النزهة: ٢/١١٥١. انظر السير: ( بُنَانُ الحَمَّال) ١٤ / ٤٨٨-٤٩٠، وانظر النزهة : ١/١١٦٩. (٣) انظر السير: ( شيخ الإسلام الهَرَويّ) ٥٠٣/١٨-٥١٨، وانظر النزهة: ٣/١٤٣٧. (٤) (٥) انظر السير: (عبد الغني المقدسي) ٢١/ ٤٤٣-٤٧١، وانظر النزهة: ١/١٦٤٦. ١٢٧ طَنَابِير ، وكانوا في بُسْتانٍ يَشْرَبُون، فَلَقِيَ الحافظُ الطَّنَابِيرَ فَكَسَرَها قال : فحَدَّثَنِي الحافظُ، قال : فلمَّا كنتُ أنا وعبدُ الهَادِي عند حَمَّامِ كافور إذا قومٌ كثيرٌ معهم عِصِيّ فخَفَّفْتُ المَشْيَ، وجَعلْتُ أقولُ: ((حَسْبِيَ الله ونِعَمَ الوَكِيلُ))، فلَمَّا صِرْتُ على الجِسْرِ لَحِقُوا صاحِبِي ، فقال: أنا ما كَسَرْتُ لكم شيئاً ، هذا هُوَ الذي كَسَر قال : فإذا فارسٌ يَرْكُضُ فَتَرَجَّلَ ، وقَبَّلَ يدِي، وقال : الصِّبيَانُ ما عَرَفُوكَ ، وكان قد وَضَعَ الله له هَيْبَةً في النُّفُوسِ(١). وسمعتُ أبا بكرِ بنَ الطَّحَان، قال: كان في دَوْلَةِ الأَفْضَلِ جَعَلُوا المَلاهِي عند الدَّرَج ، فجَاءَ الحافظُ عبدُ الغَنِيّ المَقْدِسيّ، فَكَسَّرَ شيئاً كثيراً، ثم صَعَدَ يقرأُ الحَدِيثَ ، فجَاءَ رسولُ القاضِي يأمُرُه بالمَشْيِ إليهِ ليُنَاظِرَه في الدُّفِّ والشَّابة فقال: ذاكَ عِندِي حَرامٌ ولا أَمْشِي إِلَيْهِ، ثُمَّ قَرَأَ الحَدِيثَ فعَادَ الرَّسولُ فقال: لا بُدَّ من المَشْيِّ إليه ، أنْتَ قد بَطّلْتَ هذه الأشياءَ على السُّلطان، فقال الحافظُ : ضَرَبَ الله رَقَبْتَه ورَقَبَةَ السُّلطان، فمَضَى الرَّسُولُ وخِفْنا، فمَا جَاءَ أحدٌ(٢). ٩ - من ضُرب حتى أغمي عليه لأجل إنكاره : قال الضّياءُ: بَلَغَنِي أنَّ العِمادَ أخا الحافظِ عبدِ الغَنِيّ المَقْدِسيّ أتىْ فُسَاقاً، فَكَسَرَ ما معهم فضَرَبُوه حتى غُشِيَ عليه، فأرَادَ الوالِي ضَرْبَهم، فقال: إنْ تَابُوا ولازَمُوا الصَّلاةَ فلا تُؤْذِهم وهم في حِلِّ ، فتابُوا . ثم قال الضِّياءُ : أعْرِفُ وأنا صَغِيرٌ أنَّ جَمِيعَ مَنْ كان في الجَبَلِ يَتَعَلَّمُ القُرآنَ كان يَقرَأُ على العِمادِ ، وخَتَمَ عليه جَماعَةٌ ، وكان يَبْعَثُ بِالنَّفَقَّةِ سِراً إلى النَّاسِ ويأخُذُ بقَلْبٍ الطَّالِبِ، وله بِشْرٌ دَائِمٌ(٣). (١) انظر السير: (عبد الغني المقدسي) ٤٤٣/٢١-٤٧١، وانظر النزهة: ٣/١٦٤٦. (٢) انظر السير : ( عبد الغني المقدسي ) ٢١/ ٤٤٣-٤٧١، وانظر النزهة: ٥/١٦٤٦. انظر السير: ( العماد) ٤٧/٢٢-٥٢، وانظر النزهة : ٥/١٦٦٥. (٣) ١٢٨ ١٠ - الذكاء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : قِيلَ : كان لتاجِرٍ على أميرٍ مالٌ ، فماطَلَه ، ثمَّ جَحَدَه ، فقال له صاحبٌ له : قُمْ معي ، فأتىُ بي خَيَّاطاً في مَسْجِدٍ ، فقامَ مَعَنَا إلى الأميرِ ، فلمَّا رَآه ، هابَه ، ووَفَّاني المالَ ، فَقُلتُ للخَيَاطِ : خُذْ مِنِّي ما تُريدُ، فَغَضِبَ ، فَقُلتُ له : فحَدِّثني عن سَبَبٍ خَوفِهِ مِنْكَ ، قال : خَرَجتُ ليلةً، فإذا بتُرْكيِّ قد صادَ امرأةً مَلِيحَةً وهي تَتَمَنَّعُ منه وتَسْتَغِيثُ ، فَأَنْكَرْتُ عليه فَضَرَبَنِي ، فلمَّا صَلَّيْتُ العِشاءَ جَمَعْتُ أَصْحَابِي وجِئْتُ بابَه ، فخَرَجَ في غِلْمَانِهِ وعَرَفَنِي ، فضَرَبَنِي وشَجَّنِي، وحُمِلتُ إلى بَيْتِي، فلمَّا تَنَصَّفَ الليلُ، قُمتُ فأذَّنتُ في المَنَارَةِ ، لكي يَظُنَّ أنَّ الفَجْرَ طَلُعَ فِيُخَلِّيَ المرأةَ ، لأنَّها قالت : زَوْجِي حَالِفٌ عليَّ بالطَّلاقِ أَنِّي لا أَبِيتُ عن بَيْتِي ، فما نَزَلتُ حتى أحاطَ بي بدرٌ وأعْوانُهُ ، فَأُدْخِلتُ على المُعْتَضِد، فقال: ما هذا الأذانُ ؟ !! ، فحَدَّثْتُه بالقِصَّةِ ، فِطَلَبَ الثُّرِكِيَّ، وجَهَّزَ المرأةَ إلى بَيْتِها ، وضَرَبَ التُّركِيَّ في جوالق حتى ماتَ ، ثم قال لي: أَنْكِرِ المُنْكَرَ ، وما جَرَى عَلَيْكَ فأذِّن كما أذَّنتَ ، فدَعَوْتُ له ، وشَاعَ الخَبَرُ ، فما خاطَبْت أحداً في خَصْمِه إلاَّ أطاعَنِي وخَاف(١) . قال ابنُ جَرير : وفي سنة أربع وثمانين ومئتين : عَزَمَ المُعْتَضِدُ علىْ لَعْنَةٍ مُعَاوِيَةً على المَنَابِرِ ، فخَوَّفَه الوَزِيرُ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ، وحَسَمَ مادة اجتماع الشِّيعَةِ وأهلِ البيتِ ومَنَعَ القُصَّاصَ من كلامِه جُملة ، وتَجَمَّعَ الخَلْقُ يومَ الجُمُعَةِ لِقِراءَةٍ ما كُتِبَ في ذلك ، وكان من إنْشاءِ الوَزِير ، فقال يوسُفُ القاضِي : راجِعْ أميرَ المؤمنين فقال : يا أميرَ المؤمنين! تَخافُ الفِتْنَةَ؟ فقال : إنْ تَحَرَّكَت العامَّةُ وضَعْتُ السَّيْفَ فيهِم قال : فما تَصْنَعُ بالعَلَوِيَّةِ الذين هم في كُلِّ قُطْرٍ قد خَرَجُوا عَليْكَ ؟ فإذا سَمِعَ النَّاسُ هذا من مَنَاقِبِهِم كانوا إليْهِم أمْيَلَ وأبْسَطَ السِنَةً فأعْرَضَ المُعْتَضِدُ عن ذلك(٢). (١) انظر السير: (المعتضد بالله) ٤٦٣/١٣ -٤٧٩، وانظر النزهة: ٤/١١٠٦. (٢) انظر السير: (المعتضد بالله) ٤٦٣/١٣-٤٧٩، وانظر النزهة: ١/١١٠٨. ١٢٩ ١١ - التواصي على الحضّ على الإنكار والصبر عليه: كان الحافظُ عبدُ الغَنِيّ المَقدِسِيّ لا يَصْبِرُ على إنكارِ المُنكرِ إذا رآه، وكُنَّا مَرَةً أنكَرْنا على قوم وأَرَقْنا خَمْرَهم وتَضَارَبْنا ، فسَمِعَ المُوَفَّقُ أبو عُمَرَ ، فضَاقَ صَدْرُه وخاصَمَنَا ، فلمَّا جِئْنا إلى الحافظِ طَيِّبَ قُلُوبَنَا، وصَوَّبَ فِعْلَنَا وتلا قولَ الله تعَالَى: ﴿ وَأَنْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأَصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكٌ﴾(١)،(٢). ١٢ - الإنكار يتطلب البُعدَ عن أموال النَّاس: ذكَرَ ناصرٌ المَرْوزيُّ أنَّ بعضَ الفُقَهاءِ المختلفين إلى القَفَّال احتسبَ على بعضٍ أَتْباع متولِي مَرْو ، فرُفِعَ ذلك إلى السُّلطانِ محمود ، فقال : أيأْخُذُ القَفَّالُ شيئاً من دِيوانِنَا؟ قال : لا قال : فهل يَتَلَّسُ بشيءٍ من الأوْقافِ ؟ قال: لا قال : فإنَّ الاحْتِسابَ لهم سائغٌ ، دَعْهُم (٣) . ١٣ - الصَّدعُ بالحق : عن أبي حَرْبٍ بنِ الأسْوَد : سَمعتُ عبدَ الله بنَ عَمرِو : سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: ((ما أَقَلَّتِ الغَبْراءُ، ولا أَظَلَّتِ الخَضْرَاءُ مِنْ رَجُلٍ أَصْدَقَ لَهْجَةً مِنْ أبي ذَرٍ )) . وعن أبي اليَمَانِ ، وأبي المُثَنَّى، أنَّ أبا ذَرٍّ قال : بايَعَنِي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم خَمْسَاً ووَاثَقَنِي سَبْعَاً ، وأَشْهَدَ اللهَ عليَّ سَبْعَاً: ألاَّ أخافَ في اللهِ لَوْمَةَ لائمٍ(٤) . وقال السّلفيُّ : كان شَيخُنا ابنُ الخُطَيئة شَدِيداً في دينِ اللهِ فَظّاً غَلِيظاً على أعداءِ الله، لقد كان يَحْضُرُ مَجْلسَه داعيَ الدُّعاةِ(٥) مع عِظَمٍ سُلطَانِهِ ونُقُوذِ أمْرِه ، فمَا (١) سورة لقمان ، الآية : ١٧ انظر السير: ( عبدالغنيّ) ٤٤٣/٢١-٤٧١، وانظر النزهة: ٢/١٦٤٦. (٢) (٣) انظر السير: ( القَفَّال) ٤٠٥/١٧-٤٠٨، وانظر النزهة: ٣/١٣٤٧. انظر السير: ( أبو ذر الغفاريّ) ٤٦/٢-٧٨، وانظر النزهة: ٤/٢١٩. (٤) وهو أبو القاسم هبة الله ابن كامل المصري التنوخي ، قاضي الخليفة العاضد متوفى سنة ٥٦٩، مُترجَم = (٥) ١٣٠ يَحْتَشِمُهُ، ولا يُكْرِمُهُ، ويقول: أحْمَقُ النَّاس في مسألةِ كذا وكذا الرَّوَافِضُ، خَالَفُوا الكتابَ والسُّنَّةَ وكَفَرُوا بالله(١) . قال السّلفيُّ : كنتُ عند ابنِ الخُطَيئةِ يوماً في مَسْجِدِه بشرفٍ مِصْرَ وقد حَضَرَه بعضُ وُزَرَاءُ المِصْرِيِّين أَظُنُّه ابنَ عِبَّاس، فاسْتَسْقَى فِي مَجْلِسِه، فأتاه بعضُ غِلْمَانِهِ بإناءٍ فِضَّةٍ فلمَّا رَآهُ ابنُ الخُطَيَّةَ وضَعَ يَدَه على فُؤَادِهِ وصَرَخَ صَرْخَةً مَلأَتْ المسجدَ ، وقال : واحَرَّها علىْ كَبِدِي ، أَتَشْرَبُ في مجلسٍ يُقْرَأُ فيه حَديثُ رسولِ الله صلی الله علیه وسلم في آنِيَةِ الفِضَّة ؟ لا والله لا تَفعلُ، وطَرَدَ الغُلامَ فخَرَجَ، وطَلَبَ الشَّيخُ كُوزاً، فجِيءَ بكُوزٍ قد تثلَّم، فشَرِبَ، واسْتَخْيَى من الشَّيخ ، فرأيتُه والله كما قال تعالى : ﴿ يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِينُهُ﴾(٢). قال : وأتى رجلٌ إلى شيخِنا ابنِ الخُطَيئَة بِمِثْزَرٍ، وحَلَفَ بالطَّلَاقِ ثلاثاً لا بُدَّ أن يُقَبِّلَه، فوَبَّخَه على ذلك، وقال: عَلِّقْهُ على ذلكَ الوَتَد ، فَلَمْ يَزَلْ على الوَتَدِ حتى أكلَه العُثُّ، وتَساقَطَ، وكان ينسَخُ بالأُجْرةِ وكان له على الجِزْيَةِ في السَّنَةِ ثلاثةُ دنانيرٍ ، ولقد عَرَضَ عليه غَيرُ واحدٍ من الأُمَرَاءِ أن يَزِيدَ جامكيََّه(٣) ، فما قَبل ، وكان له من الموقع في قُلوبِهِم مع كثرةِ ما يُهِينُهم ما لَم يكنْ لأحدٍ سواه، وعَرَضوا عليه القَضَاءَ بمصرَ ، فقال : والله لا أقْضِي لهم إلى أنْ قال شجاع: وكَتَبَ (( صَحیحَ مُسْلِم )» كُلَّه بقلمٍ واحدٍ ، وسَمعتُه وقِيلَ له : فلانٌ رُزِقَ نِعمَةٌ ومَعِدَةً ، فقال: حَسَدُوه على التَّرَدُّدِ إلى الخَلاءِ، وسَمعتُه كثيراً إذا ذُكِرَ عُمَرُ بنَ الخَطَّابِ رضي الله عنه يقول : طُوِيَتْ سَعادَةُ المُسْلمين في أكْفَانِ عُمَر . وقرأتُ بخَطِّ ابنِ الأنْماطِيِّ قال لي شَيْخُنا شُجاعٌ: كان الشَّيِخُ أبو العبّاسِ قد أخَذَ في الخريدة (قسم بمصر) ١٨٦/١، و((الروضتين)) ٢٢٤/١، و((العبر)) ٢٠٩/٤، و((شذرات = الذهب)) ٢٣٥/٤ . (١) انظر السير: (ابن الحُطيئة) ٢٠/ ٣٤٤ -٣٤٨، وانظر النزهة: ٤/١٥٥٩. (٢) سورة إبراهيم ، الآية : ١٧ . (٣) الجامكيَّة: رواتب خدام الدولة، تعريب جامكي، وهو مركب من (( جامه )) أي قيمة، ومن (( كي)) وهو أداة النسبة ١٣١ نفسَه بتقْليلِ الأكلِ ، بحيثُ بلَغَ في ذلك إلى الغايَةِ وكان يَتَعَجَّبُ ممَّن يأْكُلُ ثلاثينَ ءه. لُقْمَةً(١). ١٤ - ضابط للصَّدعِ بالحق : قال الذهبيُّ : الصَّدْعُ بالحَقِّ عَظيمٌ ، يَحتاجُ إلى قُوةٍ وإِخْلاصٍ، فالمُخْلِصُ بِلا قُوَةٍ يَعْجِزُ عن القِيامِ به، والقَوِيُّ بِلا إخْلاصٍ يُخْذَلُ، فمَنْ قامَ بهما كاملاً فهو صِدِّيقٌ ومَنْ ضَعُفَ، فلا أَقَلَّ من التَّلُمِ والإِنْكارِ بالقلبِ ليْسَ وَراءَ ذلكَ إيمانٌ ، فَلَا قُوَّةَ إلاَّ بالله . عن ثَوْبانٍ قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ أَخْوَفَ ما أَخَافُ على أُمَّتِي الأئِمَةُ المُضِلُّون ، وإذا وُضِعَ السَّيِّفُ عَلَيْهِم ، لَمْ يُرْفَعْ عَنْهُم إلى يَومِ القِيامَةِ ، ولا تَزَالُ طائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي على الحَقِّ ظاهِرِينَ، لا يَضُرُّهُم مَنْ خَالَفَهُم أوْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ الله )) عن أبي سَعيدٍ قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يَحْقِرَنَّ أَحَدُكُمْ نَفْسَهُ أنْ يَرَىْ أَمْرَاً لله فِيهِ مَقَالٌ، فَلا يَقُولُ فِيهِ ، فَيُقَالُ له : ما مَنَعَكَ؟ فَيَقُولُ: مَخَافَةُ النَّاسِ فَيَقُولُ: فَإِيَّاتِيَ كُنْتَ أَحَقَّ أنْ تَخَافَ))(٢) . ١٥ - الإنكار بمنكر أشَدِّ أشَدُّ من الإنكار الأصلي: قد حُبِّبَ في الآخرِ إلى صاحبٍ مِصْرَ الحاكمِ بأمْرِ الله العُزْلَةُ ، وبَقِيَ يَرْكَبُ وَحْدَه في الأسْواقِ على حِمارٍ ، ويُقِيمُ الحِسْبَةَ بنفسِه، وبَيْنَ يدَيْه عبدٌ ضَخْمٌ فاجِرٌ ، فمَنْ وَجَبَ عليه تأدِيبٌ ، أَمَرَ العَبدَ أنْ يُولِجَ فيه ، والمَفعُولُ به يَصِيحُ . وقِيلَ : إِنَّه أَرَادَ ادِّعاءَ الإِلَهِيَّةِ ، وشَرَعَ في ذلك، فَكَلَّمَهُ الكُبَرَاءُ وخَوَّفُوهُ من وُنُوبٍ النَّاسِ ، فَتَوَقَّفَ (٣). (١) انظر السير: (ابن الحُطيئة) ٣٤٤/٢٠ -٣٤٨، وانظر النزهة: ١/١٥٦٠. (٢) انظر السير: (أحمد بن حنبل) ١٧٧/١١ -٣٥٨، وانظر النزهة: ٦/٩٣١ . (٣) انظر السير: ( الحاكم بأمر الله) ١٧٣/١٥- ١٨٤، وانظر النزهة: ٧/١٢٠٨. ١٣٢ ١٦ - الإنكار الشديد في غير محله : قال أبو إسْماعِيلَ الأنْصَاريّ : سَمعتُ مُحمَّدَ بنَ أحمدَ البَلْخِيّ المُؤَذِّنَ يقولُ : كُنتُ مع الشَّيخِ أبي مُحمَّد بنِ أبي شُرَيْح في طريق غُور ، فأتاه إنْسَانٌ في بعضِ تلكَ الجِبالِ ، فقال : إنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ لِسِتَّةِ شُهورٍ ، فقال: هُو وَلَدُكْ ، قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((الوَلَدُ للِفِرَاشِ)» فعَاوَدَه، فَرَدَّ عَلَيهِ كذلك، فقال الرّجلُ: أنا لا أقولُ بهذا، فقال: هذا الغَزْوُ ، وسَلَّ عليه السَّيفَ ، فَأَكْبَيْنا عليه وقُلنا : جَاهِلٌ لا يَدْرِي ما يقول . وقال الذهبيُّ : كان سَبيلُه أنْ يُوَضِّحَ له ، ويقولُ : لَكَ أنْ تَنْتَفيَ منْهُ باللُّعانِ، ولكنَّه احْتَمَى للسُّنّةِ وغَضِبَ لها(١). وعن يَحْيَى بنِ مندة قال: سَمعتُ عَمِّي عبدَ الرَّحمَنِ، سَمعتُ مُحمَّدَ ابنَ عُبَيْدِ الله الطََّرَانِيَّ يقول : قُمتُ يوماً في مَجْلِسٍ والِدِكَ رحمَه الله فَقُلتُ: أيُّها الشَّيخُ، فِينَا جَماعَةٌ ممَّنْ يدخُلُ على هذا المَشْؤومِ - أعْنِي أبا نُعَيْمِ الأشْعَرِيّ - فقال: أَخْرِ جُوهم ، فَأَخْرَجْنا من المَجْلِسِ فُلاناً وفُلاناً ثم قال: على الدَّاخِلِ عليهم حَرَجٌ أنْ يدخُلَ مَجْلِسَنا ، أو يَسْمعُ مِنَّا، أو يَرْوِيَ عَنَّا ، فإنْ فَعَلَ فليْسَ هو مِنَّا في حِلِّ. قال الذهبيُّ: رُبَّما آلَ الأمرُ بالمَعْروفِ بصاحِبِه إلى الغَضَبِ والحِدَّةِ ، فَقَعُ الهِجْرانُ المُحَرَّم، ورُبَّما أَفْضَى إلى التَّكْفيرِ والسَّعْيِ في الدَّمِ ، وقد كان أبو عبدُ الله يَحْيَى بنُ مندة وافِرَ الجَاهِ والحُرْمَةِ إلى الغايَةِ ببلَدِه وشغب على أحمدَ بنِ عبدِ الله الحافظِ ، بحَيْثُ إِنَّ أحمَدَ اخْتَفَى (٢). ١٧ - خُلفاءٌ شَدَّدوا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : من مَحَاسِنِ الحَكَمِ بنِ عبد الرَّحمَنِ بنِ مُحمَّد أنَّه شَدَّد في مَمْلَكَتِهِ في إِبْطَالٍ الخُمُورِ تَشْدِيداً عَظِيماً(٣) . (١) انظر السير: (ابن أبي شُريح) ٥٢٦/١٦-٥٢٨، وانظر النزهة: ٣/١٣١٣. (٢) انظر السير: (ابن مندة) ٢٨/١٧ -٤٣، وانظر النزهة: ٤/١٣٢٢. (٣) انظر السير: (الحكم ابن عبد الرحمن ابن محمّد) ٢٦٩/٨ -٢٧١، وانظر النزهة: ٣/٧٥٨. ١٣٣ من مَحَاسِنِ المُسْتَنْصِرِ بالله أنَّه شَدَّد في الخَمِرِ فِي مَمَالِكِه، وأبْطَلَه بالكُلِّيّة وأَعْدَمَهُ(١) . ١٨ - الإنكار على الخُلَفاء والمُلُوك : ( وانظُر عَلَاقَةَ العُلَمَاءِ بالمُلُوكِ والأُمَرَاءِ فَفِيهِ المَزِيد ) . قال ابنُ عَفيفٍ: مِنْ أخْبارِ مُنْذِرِ بنِ سَعيدِ المَحْفُوظَة : أنَّ أميرَ المؤمنين النَّاصِرَ عَمِلَ في بعضٍ سُطُوحِ الزَّهراءِ قُبَّةً بِالذَّهَبِ والفِضَّةِ وجَلَسَ فيها ودَخَلَ الأعْيانُ ، فجاءَ مُنْذِرُ بنُ سَعيدٍ ، فقال له الخَلِيفَةُ كما قالَ لِمَنْ قَبْلَه : هل رأيتَ أو سَمعتَ أنَّ أَحَداً من الخُلفاءِ قَبِي فَعَلَ مثلَ هذا؟ فَأَقْبَلَتْ دُموعُ القاضِي تَتَحَدَّرُ، ثمّ قال: والله ما ظَنَنْتُ يا أميرَ المؤمنين أنَّ الشَّيْطَانَ يَبلُغُ مِنْكَ هذا المَبْلِغَ أنْ أَنْزَلَكَ مَنَازِلَ الكُفَّارِ ، قال: لِمَ ؟ فقال: قال الله عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةُ وَحِدَةً أَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمِنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فِضَّةٍ﴾ إلى قولِهِ تَعالى: ﴿وَالْآَخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾(٢)، فَنَكَّسَ النَّاصِرُ رَأْسَه طَوِيلاً، ثمَّ قال : جَزَاكَ اللهُ عَنَّا خَيْراً وعن المسلمين ، الذي قُلتَ هو الحَقُّ ، وَأَمَرَ بنَقْضِ سَقْفِ القُنَّةِ (٣). ١٩ - خَطيبٌ عُزلَ لإنكاره على الخليفة : وقد اسْتغرَقَ مُنذِرُ بنُ سَعيدٍ مَرَةً فِي خُطبَتِهِ بجامع الزَّهْراء فَأَدْخَلَ فيها ﴿ أَتَبَّنُونَ بِكُلِّ رِيعِ ءَايَةً تَعْبَئُونَ (٣٦) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٦) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾(٤)، فَتَخَيَّر النَّاصِرُ لِخِطَابَةِ الزَّهْراءِ أحمدَ بنَ مطرف إذا حَضَرَ النَّاصرُ(٥) . انظر السير: ( المستنصر) ٢٣٠/١٦ -٢٣١، وانظر النزهة : ٦/١٢٩٠. (١) (٢) سورة الزخرف ، الآيات : ٣٣ ، ٣٤، ٣٥. انظر السير: ( مُنذر بن سعيد البُلُّوطيّ) ١٦/ ١٧٣ -١٧٨، وانظر النزهة: ٣/١٢٧٩. (٣) (٤) سورة الشعراء ، الآيات : ١٢٨، ١٢٩، ١٣٠ . (٥) انظر السير: ( مُنذر بن سعيد البُلُّوطيّ) ١٧٣/١٦ - ١٧٨، وانظر النزهة: ١/١٢٨٠. ١٣٤ ٢٠ - الإغْلاظُ على الظالمين : عن ابنِ عُمَرَ أنَّه قامَ إلى الحَجَّاج وهو يَخْطُبُ، فقال: يا عَدُوَّ الله! اسْتُحِلَّ حَرَمُ الله ، وخُرِّبَ بَيْتُ الله فقال: يا شَيْخاً قد خَرِفَ فلمَّا صَدَرَ النَّاسُ ، أَمَرَ الحَجَّاجُ بعضَ مُسَوِّدَتَه ، فأخَذَ حَرْبَةً مَسْمُومَةً وضَرَبَ بها رِجْلَ ابنَ عُمَرَ ، فمَرِضَ ، وماتَ منْها ودَخَلَ عليه الحَجَّاجُ عائِداً: فَسَلَّمَ عليه فَلَمْ يَرُدّ علَيه، وكَلَّمَه، فَلَمْ يُحِبْه(١) . وعن خالِدِ بنِ سُمَيْرٍ قال: خَطَبَ الحَجَّاجُ، فقال: إنَّ ابنَ الزُّبَيْرِ حَرَّفَ كتابَ الله ، فقالَ ابنُ عُمَرَ : كَذَبتَ كَذَبتَ ، ما يَسْتَطِيعُ ذلك ولا أنْتَ مَعَه قال: اسْكُتْ فقد خَرِفْتَ وذَهَبَ عَقلُك، يُوشِكُ شَيخٌ أن يُضْرَبَ عُنْقُه ، فَيَخِرَّ وقد انْتُفَخَتْ خِصْيَتَاه ويَطُوفُ به صِبيَانُ البَقِيعِ . ولا بنِ عُمَرَ أقوالٌ وفَتَاوَى يَطُولُ الكِتابُ بإيرادِها . وقال أبو نَعِيمٍ : ماتَ سَنَةَ ثلاثٍ وسَبعينَ ، تُوفِّيَ في آخرِ سَنَةِ ثلاثٍ ، وهو القائلُ : كنتُ يومَ أُحُدٍ ابنَ أربع عَشْرَةَ سَنَةً، فَعَلى هذا يكون عُمرُه خَمْساً وثَمانِينَ سَنَةً رضي الله عنه(٢). ٢١ - الإنكار على أعوان الظالمين: عن سَعيدِ بنِ المُسَيِّبِ قال: لا تَمْلؤُوا أعْيُنكم من أَعْوانِ الظَّلَمةِ إلاَّ بإنْكارٍ من قُلُوبِكم ، لِكَيْلا تَحْبَطَ أعْمَالُكُم(٣) . ٢٢ - تَعليلٌ لمَنْع المأمون الأمرَ بالمعروفِ والنهي عن المنكر : قال أبو المُظَفَّر في كتابِ ((مِزَّةُ الزَّمانِ)) قال عبدُ الصَّمَد بنُ المُهْتَدِي: لمَّا دَخَلَ المَأمُونُ بَغْدَادَ نادى بتَركِ الأمْرِ بالمَعْروفِ والنَّهي عن المُنْكَرِ ، وذلك لأنَّ الشُّيُوخَ بَقَوْا (١) انظر السير: (عبد الله ابن عُمر) ٢٠٣/٣-٢٣٩، وانظر النزهة: ٢/٣٧١. (٢) انظر السير: (عبد الله ابن عُمر) ٢٠٣/٣-٢٣٩، وانظر النزهة: ١/٣٧٢. (٣) انظر السير: (سعيد ابن المسيب) ٢١٧/٤ -٢٤٦، وانظر النزهة: ٢/٤٨٥. ١٣٥ يَضْرِبُونَ ويَحْبِسُون ، فَنَهَاهُم المَأْمُونُ وقال: قد اجْتَمَعَ النَّاسُ على إمامٍ ، فمَرَّ أبو نُعَيم ، فرأى جُندِياً وقد أَدْخَلَ يَدَيْهِ بَيْنَ فَخِذَي امْرَأَةٍ ، فَنَهَاه بعُنْفٍ ، فحَمَّلَه إلى الوَالِي، فحَمَلَه الوَالِي إلى المَأْمُونِ قال: فأُدخِلتُ عليه بُكرَةً وهو يُسَبِّحُ ، فقال : تَوَضَّأَ فَتَوَضَّأْتُ ثلاثاً ثلاثاً على ما رَوَاهُ عبدُ خَيرٍ ، عن عليٍّ ، فصَلَّيْتُ رَكَعَتَيْنِ ، فقال : ما تقولُ في رَجلٍ ماتَ عن أبَوَيْنِ ؟ فقُلتُ : للأُمِّ الثُّلُثُ ، وما بَقِيَ للأبِ ، قال : فإنْ خَلَّفَ أَبَوَيْه وأَخَاهُ؟ قُلتُ : المَسْألَةُ بِحَالِها، وسَقَطَ الأَخُ، قال: فإنْ خَلَّفَ الأَبَوَيْنِ وأَخَوَيْنِ ؟ قُلتُ: للأُمِّ السُّدُسُ ، وما بَقِيَ للأَبِ قال : فِي قَولِ النَّاسِ كُلُّهم ؟ قُلتُ: لا، إنَّ جَدَّكَ ابنَ عَبَّاسِ يا أميرَ المؤمنين ما حَجَبَ الأُمَّ عن الثُّلُثِ إلَّ بثلاثَةِ إِخْوَةٍ فقال : يا هذا، مَنْ نَهَى مِثْلَكَ عن الأمْرِ بالمَعْرُوفِ؟ !! إنَّما نَهَيْنا أقْوَاماً يَجْعَلونَ المَعْرُوفَ مُنْكَراً ثمَّ خَرَجْتُ(١) . ٢٣ - صُورٌ على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : عن إِسْماعيلَ بنِ عُبَيْد بنِ رِفَاعَةَ عن أبيه: أنَّ عُبَادَةَ بنَ الصَّامِت مَرَّتْ عليه قِطارَةٌ (٢) وهو بالشّام ، تَحْمِلُ الخَمرَ، فقال: ما هذه؟ أَزَيْتُ؟ قِيلَ : لا بَلْ خَمْرٌ يُبَاعُ لِفُلانٍ ، فَأَخَذَ شِفْرَةً من السُّوقِ ، فقامَ إليها، فَلَمْ يَذَرْ فيها راويةً إلاَّ بَقَرَها - وأبو هُرَيْرَةَ إِذْ ذاكَ بالشَّامِ - فَأَرسَلَ فُلانٌ إلى أبي هُرَيْرَةَ، فقال: ألا تُمْسِكُ عنَّا أَخَاكَ عُبَادَة ، أمَّا بالغَدَوَاتِ ، فَيَغْدو إلى السُّوقِ يُفْسِدُ على أهلِ الذِّمَةِ مَتَاجِرَهم، وأمَّا بالعَشيِّ، فيَقْعُدُ في المَسْجِدِ ليْسَ له عَمَلٌ إلاَّ شَتْمُ أعْراضِنا وعَيْبنا! قال: فأَتاه أبو هُرَيْرَة ، فقال : يا عُبَادَة، مالَكَ ولِمُعاويةَ؟ ذَرْهُ وما حُمِّل فقال: لَمْ تكنْ مَعَنا إذْ بايَعْنا على السَّمْع والطَّاعَةِ ، والأمْرِ بالمَعْرُوفِ والنَّهي عن المُنْكِرِ وألاَّ يأْخُذَنا في الله لَوْمَةُ لائمٍ فَسَكَتَّ أبو هُرَيْرَة، وكَتَبَ فُلانٌ إلى عُثْمانَ: إِنَّ عُبَادَةَ قد أَفْسَدَ عليَّ الشَّامَ(٣). وعن سالمٍ قال : أَعْرَسْتُ، فَدَعا أبي النَّاسَ ، فيهم أبو أيُّوبَ الأَنْصَاريّ وقد (١) انظر السير: ( أبو نُعيم) ١٤٢/١٠ -١٥٧، وانظر النزهة: ١/٨٦٠. (٢) القطارة والقطار : أن تشدّ الإبل على نسق ، واحد خلف واحد . (٣) انظر السير: (عُبادة بن الصّامت) ٥/٢-١١، وانظر النزهة: ٣/٢٠٩. ١٣٦ سَتَروا بيتِي بِجُنَادِىّ (١) أخْضَر فجاءَ أبو أيُّوب فِطَأْطَأَ رأسَه، فَنَظَرَ فإذا البَيْتُ مُسَتَرٌ فقال : يا عبدَ الله تَسْتُرُونَ الجُدُر ؟ !! ، فقال أبي واسْتَحْيَى: غَلَبَنا النِّساءُ يا أبا أيُوب فقال: مَنْ خَشِيتُ أنْ تَغْلِبَه النِّساءُ، فَلَم أخْشَ أنْ يَغْلِبَنَّكَ لا أَدْخُلُ لكُم بَيْتاً ولا آكُلُ لِكُمْ طَعَاماً(٢). وقال مَالِكُ بنُ دِينَارٍ : حَدَّثَنِي فُلانٌ أنَّ عامِرَ بنَ قَيْسٍ مَزَّ في الرَّحْبَةِ وإذا رجلٌ يُظْلَمُ، فَأَلْقَىْ رِداءَه وقال : لا أَرَى ذِمَّةَ الله تُخْفَرُ وأنا حَيّ، فَاسْتَنْقَذَه، ويُرْوَى أنَّ سَبَبَ إبْعادِه إلى الشَّامِ ، كَوْنُهُ أَنْكَرَ وخَلَّصَ هذا الذُّمِيَّ(٣). وقِيلَ : إِنَّ عبدَ الله بنَ مُحَيْرِيزِ رَأَى على خالدِ بنِ يَزِيدِ بنِ مُعاوِيَةَ جُبَّةً خزٍّ ، فقال : أَتَلْبَسُ الخَّ؟ قال: إنَّما أَلْبَسُ لِهؤلاءِ، وأَشَارَ إلى الخَلِيفَةِ ، فَغَضِبَ ، وقال : ما يَنْبَغِي أنْ يَعْدِلَ خَوْفُكَ من الله بأَحَدٍ من خَلْقِه(٤) . قال أبو المُظَفَّر في كتابٍ ((مِزَّةُ الزَّمانِ)) قال عبدُ الصَّمَد بنُ المُهْتَدِي: لمَّا دَخَلَ المَأمُونُ بَغْدَادَ نادى بتَركِ الأَمْرِ بالمَعْروفِ والنَّهي عن المُنْكَرِ ، وذلك لأنَّ الشُّيوخَ بَقَوْا يَضْرِبُونَ ويَحْبِسُون، فَنَهَاهُم المَأمُونُ وقال: قد اجْتَمَعَ النَّاسُ على إمامٍ ، فَمَرَّ أبو نُعَيمٍ، فرأى جُندِياً وقد أَدْخَلَ يَدَيْهِ بَيْنَ فَخِذَي امْرَأَةٍ، فَنَهَاه بعُنْفٍ، فَحَمَلَه إلى الوَالِي، فحَمَلَه الوَالِي إلى المَأمُونِ قال : فأُدخِلتُ عليه بُكرَةً وهو يُسَبِّحُ ، فقال : تَوَضَّأْ فَتَوَضَّأْتُ ثلاثاً ثلاثاً على ما رَوَاهُ عبدُ خَيرٍ ، عن عليٍّ، فصَلَّيْتُ رَكعَتَيْنِ ، فقال : ما تقولُ في رَجلِ ماتَ عن أبَوَيْنِ ؟ فَقُلتُ: للأُمِّ الثُّلُثُ ، وما بَقِيَ للأبِ ، قال : فإنْ خَلَّفَ أَبَوَيْه وأَخَاهُ؟ قُلْتُ: المَسْأْلَةُ بِحَالِها، وسَقَطَ الأَخُ، قال : فإنْ خَلَّفَ الأَبَوَيْنِ وأَخَوَيْنِ ؟ قُلتُ : للأُمَّ الشُّدُسُ ، وما بَقِيَ للأَبِ قال: فِي قَولِ النَّاسِ كُلِّهم ؟ قُلتُ : لا، إنَّ جَدَّكَ ابنَ عَبَّاسِ يا أميرَ المؤمنين ما حَجَبَ الأُمّ عن الثُّلُثِ إلَّ بثلاثَةِ إخْوَةٍ (١) وهو جنس من الثياب يستر بها الجدران . (٢) انظر السير: (أبو أيوب الأنصاريّ) ٢/ ٤٠٢-٤١٣، وانظر النزهة: ٢/٢٨٣. (٣) انظر السير: ( عامر بن قيس) ١٥/٤- ١٩، وانظر النزهة: ٣/٤٣٤. (٤) انظر السير: (عبد الله بن محيريز) ٤٩٤/٤-٤٩٦، وانظر النزهة : ٥/٥٣٩. ١٣٧ فقال : يا هذا، مَنْ نَهَى مِثْلَكَ عن الأمْرِ بالمَعْرُوفِ؟ !! إنَّما نَهَيْنا أقْوَاماً يَجْعَلونَ المَعْرُوفَ مُنْكَراً ثمَّ خَرَجْتُ(١) . وقال إسماعيلُ بنُ نُجَيْد : رَأيْتُ أبا العبّاسِ السَّراجَ يَركبُ حِمَارَه وعبَّاسُ المُسْتمليّ بِينَ يَدَيهِ ، يَأْمُرُ بالمَعْرُوفِ ويَنْهَى عن المُنْكِرِ ، يقول: يا عبَّاسُ غَيِّر كَذَا ، اكْسِرْ كَذَا(٢) . ٢٤ - من وَسائل الإصْلاح: قال الإمامُ أبو عبدِ الله الحَكيم : صَلاحُ خَمْسَةٍ فِي خَمْسَةٍ : صَلاحُ الصَّبِيِّ في المَكْتَبِ ، وصَلَاحُ الفَتَى في العِلْمِ ، وصَلَاحُ الكَهْلِ فِي المَسْجِدِ ، وصَلَاحُ المَرْأَةِ في البَيْتِ ، وصَلاحُ المُؤْذِي في السِّجْنِ(٣) . (١) انظر السير: ( أبو نُعيم) ١٠ / ١٤٢ -١٥٧، وانظر النزهة: ١/٨٦٠. (٢) انظر السير: (السَّراج) ١٤/ ٣٨٨ -٣٩٨، وانظر النزهة: ١/١١٦٤. (٣) انظر السير: (أبو عبد الله الحكيم) ٤٣٩/١٣ -٤٤٢، وانظر النزهة: ٤/١١٠٠. ١٣٨ سادساً : الچهاد ١ - الصَّالِحُونَ مُهْتَمُّونَ بالجِهَاد : عن سعيد بن عبد العزيز ، أنَّ أبا مسلم الخولاني استبطأ خبرَ جيشٍ كان بأرض الرُّوم ، فدخل طائرٌ فوقع ، فقال : أنا رتبابيل مُسلي الحُزن من صدور المؤمنين ، فأخبرهُ خبرَ الجيش فقال : ما جئتَ حتى استبطأتُك ؟(١). ومن محاسن الإمام ابن نُجَيْد أنَّ شَيخَه الزَّاهد أبا عثمان الحِيريَّ طلبَ في مجلسه مالاً لبعض الثُّغور، فتأخَّرَ ، فتألمَ وبكى على رؤوس النَّاس فجاءَهُ ابنُ نُجَيْد بأَلْفَي درهم، فدعا له ، ثمَّ إِنَّ نوَّهَ به ، وقال : قد رَجَوتُ لأبي عمرو بما فعل ، فإنَّه نابَ عن الجماعة ، وحمل كذا وكذا ، فقام ابنُ نُجَيْد، وقال : لكن إنَّما حملتُ من مال أمي وهي كارهة ، فينبغي أن تردّه لترضى، فأمر أبو عثمان بالكيس فَرُدَّ إليه ، فلمَّا جَنَّ الليلُ جاءَ بالكيسِ ، والتَمَسَ من الشيخ سترَ ذلك ، فبكى ، وكان بعد ذلك يقول : أنا أخشى من هِمَّة أبي عمرو (٢) . ٢ - التَّحَشُّرُ على فَوَاتِ الچِهَاد : قِيلَ: إنَّ يُونُسَ بنَ عُبَيْدٍ نَظَرَ إلى قَدَمَيهِ عند المَوتِ وبَكَىْ فِقِيلَ: ما يُبكِيكَ أبا عبد الله ؟ قال: قَدَمايَ لَمْ تُغَبَّرْ في سَبيلِ الله(٣). ٣- مَنْ مَنَعَهُ الجِهَادُ من العِبَادَةِ الكثيرة : قال قَيْسُ بنُ أبي حَازِمِ : سَمعتُ خَالدَ بنَ الوَلِيدِ يقولُ : مَنَعَنِي الجِهَادُ كثيراً من (١) انظر السير: (أبو مسلم الخولانيّ) ٧/٤ -١٤، وانظر النزهة: ٣/٤٣٢. (٢) انظر السير: (ابن نُجَيد) ١٤٦/١٦-١٤٨، وانظر النزهة: ٢/١٢٧٥. (٣) انظر السير: (يُونس بن عُبيد) ٢٨٨/٦ -٢٩٦، وانظر النزهة: ٢/٦٥٢. ١٣٩ القِراءَةِ ورَأَيْتُه أُتِي بسُمِّ، فقال : ما هذا؟ قالوا : سُمٌّ، قال: بِسْمِ الله وشَرِبِه . قال الذهبيُّ : هذه والله الكَرَامَةُ ، وهذه الشَّجَاعَةُ (١). ٤- مَنْ فَضَّلَ اتِّبَاعَ السُّنَّة والذَّبَّ عنها على الجِهَاد : وقال عليٌّ بنُ عبدِ العَزِيز ، سَمعتُ أبا عُبَيْدٍ - القاسِمَ بنَ سَلام - يقولُ: المُتَّبِعُ للسُّنَّةِ كالقابِضِ على الجَمْرِ هو اليومَ عِندِي أَفْضَلُ من ضَرْبِ السَّيفِ في سَبيلِ الله(٢). قال نَصْرُ بنُ زَكَرِيّا : سَمعتُ مُحمَّدَ بنَ يَحْبَى الذُّهليّ: سَمعتُ يَحْيَىُ بنَ مَعِين يقولُ : الذَّبُّ عن السُّنَّةِ أَفْضَلُ من الجِهَادِ في سبيلِ الله فقُلْتُ لَيَحْيَى بنِ يَحْيَى: الرَّجُلُ يُنْفِقُ مَالَه ويُتْعِبُ نَفْسَه، ويُجَاهِدُ ، فهذا أَفْضَلُ منْه؟ !! قال: نَعَم ، بكثير(٣). ٥- الحَثُّ على الچِهَاد : قال ابنُ المُبَارَكِ في ((الجِهَاد )) له: عن هِشَامِ بنِ سَعدٍ عن زَيْدِ ابنِ أَسْلَم عن أبيهِ قال : بَلَغَ عُمَرَ أنَّ أبا عُبَيْدَةَ حُصِرَ بالشَّام، ونَالَ مِنْهَ العَدُوُّ فَكَتَبَ إليْهِ عُمَرُ: أمَّا بَعْدُ فإِنَّه ما نَزَلَ بِعَبْدٍ مُؤمنٍ شِدَّةٌ إلاَّ جَعَلَ الله بعَدَها فَرَجَاً، وإِنَّه لا يَغْلبُ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَصْبِرُواْ وَصَابِرُ واْ وَرَابِطُواْ وَأَنَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾(٤). قال: فَكَتَبَ إليْه أبو عُبَيْدَة: أمَّ بعْدُ فإنَّ اللهَ يقولُ: ﴿ أَعْلَمُوْاْ أَنَّمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا لَعِبُ وَلَوٌ﴾ إلى قَولِهِ تَعَالى: ﴿مَتَعُ الْغُرُورِ﴾(٥). قال: فخَرَجَ عُمَرُ بكِتابِهِ ، فَقَرَأَهُ على المِنْبَرِ فقال: يا أَهْلَ المَدِينَةِ إنَّمَا يُعَرِّضُ بكم أبو عُبَيْدَة أَوْ بِي، ارْغَبُوا في الجهَاد(٦) . (١) انظر السير: (خالد بن الوليد) ٣٦٦/١ -٣٨٤، وانظر النزهة: ٦/١٧٩. (٢) انظر السير: (أبو عُبيد) ٤٩٠/١٠-٥٠٩، وانظر النزهة: ٣/٨٨٧. انظر السير: ( يَحيى بن يحيى النيسابوري) ٥١٢/١٠-٥١٩، وانظر النزهة: ١/٨٩٠. (٣) سورة آل عمران، الآية : ٢٠٠ . (٤) سورة الحديد ، الآية : ٢٠ . (٥) (٦) انظر السير: ( أبو عُبيدة بن الجرَّاح) ٥/١-٢٣، وانظر النزهة: ٨/١٢٢. ١٤٠