النص المفهرس

صفحات 81-100

(ب) رؤية الحُجّاج وهم ذاهبون إلى الحجّ تُرقّقُ القلب:
شَيَّعَ السلطانُ مَلِكْشاه ( أبو الفَتح بنُ أرْسلان) مرةً رَكبَ العراق إلى العُذَيْب (١)
فصادَ شيئاً كثيراً ، فبنى هناك منارةَ القُرون من حَوافِرِ الوُحُوش وقُرونِها ، ووقفَ يتأملُ
الحُجَّاجَ ، فَرَقَّ ونزلَ وسَجَد ، وعَفَّرَ وجهَه وبكى ، وقال بالعجمية : بَلِّغوا سَلامي إلى
رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، وقولوا : العبدُ العَاصي الآبق أبو الفتح بنُ أرسلان
يَخدِمُ ويقول : يا نبيَّ الله، لو كنتُ ممّن يَصلُح لتلكَ الحضرةِ المقدَّسَة ، كنتُ في
الصُّحبَة ، فَضَجَّ النَّاسُ وبَكَوا ودَعَوا له(٢) .
(ج ) مناجاة حاج :
عن محمد بنِ يزيد الرِّفاعيّ ، سَمعتُ عَمِّي يقولُ : خرجتُ مع عُمرَ ابنِ ذَرٍّ إلى مكةً
فكان إذا لبَّى لم يُلَبِّ أحدٌ من حُسن صَوته ، فلمَّا أتى الحَرَمَ قال: ما زلنا نَهبطُ حُفرةً
ونَصعَدُ أَكَمَةً، ونَعَلُوا شَرفاً ويبدو لنا عَلَمٌ حتى أَيْنَاك بها نَقِيَّةً أخفَافُها ، دَبِرَةَ ظُهُورُها
ذَبِلَةً أسنامُها فليس أعظَمَ المؤنة علينا إتعابُ أبدانِنا ولا إنفاقُ أموالِنا ، ولكنَّ أعظَمَ
المؤنةَ أن نرجعَ بالخُسْران! يا خيرَ مَن نزلَ النَّازِلون بفِنائِهِ(٣).
وعن أبي الصَّلت قال : سمعتُ عليَّ بنَ موسى بالموقِف يدعو : اللَّهُمَّ كما سَتَرتَ
عليَّ ما أعلَمُ فاغْفِر لي ما تَعلَمُ، وكما وَسعني علمُك، فليَسَعْنِي عَفوُك، وكما
أَكرَ متَني بمعرفتك فاشْفَعها بمغفرتِك يا ذا الجَلالِ والإكْرام(٤) .
(د) الاجتماع في المساجد يوم عرفة لمن لم يحج :
قال الأثرَمُ: سألتُ أبا عبدِ الله ( أحمدَ بنَ حَنبل ) عن التعريفِ في الأمصار ،
يَجتمعون في المساجِد يومَ عَرَفَةَ، فقال: أرجو أن لا يكونَ به بأسٌ، فَعَلَه غَيرُ
٠
(١) العُذيب: وهو ماءٌ بين القادسية والمغيثة ، بينه وبين القادسية أربعة أميال.
(٢) انظر السير: (السلطان ملكشاه أبو الفتح بن أرسلان) ٥٤/١٩ -٥٨، وانظر النزهة: ٤/١٤٥٥.
(٣)
انظر السير: (عمر بن ذر) ٣٨٥/٦ - ٣٩٠، وانظر النزهة: ٣/٦٦٠.
انظر السير: (عليّ الرِّضا) ٣٨٧/٩-٣٩٣، وانظر النزهة: ٥/٨٣١.
(٤)
٨١٠

واحدٍ : الحَسَنُ ، وبكرُ بنُ عبد الله ، وثابتٌ ، ومحمدُ بنُ واسع ، كانوا يَشْهَدون
المسجِدَ يومَ عَرَفَة، وسألتُه عن القراءةِ بالألحان، فقال: كلُّ شيءٍ مُحْدَثٍ فإنَّه
لا يُعجِبُني ، إلاَّ أن يكونَ صوتَ الرجُلِ لا يَتَكَلَّفُه(١) .
(هـ) كثرة الحَجِّ والعُمرَة :
عن أبي إسحاقَ قالَ: حَجَّ الأسودُ بنُ يَزِيد ثمانينَ، من بين حَجَّةٍ وعُمرةٍ (٢) .
وقال أبو إسحاق : حجَّ عَمرو بنُ ميمون ستينَ مرةً من بين حَجَّةٍ وعُمرةٍ(٣) .
كان أبو عُثمانَ النَّهديّ مِن قُضاعة، وسَكَنَ الكُوفة ، فلمَّا قُتلَ الحُسَينُ ، تَحَوَّلَ إلى
البَصرَةِ وقال : لا أسْكُنُ بلداً قُتل فيه ابنُ بنتِ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ، قال :
وحَجَّ سِتين مرةً ما بينَ حَجَّةٍ وعُمرة وقال: أَتَتْ عليَّ ثلاثُون ومئةَ سنة وما شَيءٌ إلاَّ وقد
أنكَرَتُه خَلا أَمَلي فإِنَّه كما هو (٤) .
وعن عبد الرحمن بن حَرملة : سَمعتُ ابنَ المُسَيِّب يقولُ : حَجَجْتُ أربعينَ
حَجَّةً(٥) .
عن هلالِ بنِ خَبَّاب قال: خرجتُ مع سعيد بن جُبَيْر في رَجَبٍ ، فَأَحْرَمَ من الكُوفة
بعُمرةٍ ، ثمَّ رَجَعَ من عُمرتِه، ثمَّ أَحْرَمَ بالحَجِّ في النُّصْفِ من ذي القعدة ، وكان يُحرِمُ
في كل سَنَةٍ مَرَّتين، مرةً للحَجِّ ومرةً للعُمرة (٦) .
عن معاويةَ بن قُرة ، قال : كان مُسلم بنُ يَسار يَحُُّ كلَّ سَنَةٍ ويُحَجِّجُ معه رجالاً من
إخوانه تَعَوَّدوا ذلك، فأبطَأ عاماً حتى فاتَتْ أيامُ الحَجّ ، فقالَ لأصحَابِهِ : اخرُجُوا ،
فقالوا : كيف !! ؟ قال: لا بُدَّ أن تَخرُجوا، فَفَعَلوا استحياءً منه فأصابهم حین
(١) انظر السير: (الأثرَم) ٦٢٣/١٢-٦٢٨، وانظر النزهة: ٦/١٠٤٠.
(٢)
انظر السير : ( الأسود بن يزيد ) ٤ / ٥٠ - ٥٣، وانظر النزهة : ٥/٤٤١ .
(٣)
انظر السير: ( عَمرو بن ميمون) ١٥٨/٤ -١٦١، وانظر النزهة : ٧/٤٦٧.
انظر السير: ( أبو عثمان النهدي ) ١٧٥/٤ - ١٧٨، وانظر النزهة : ٤/٤٧١.
(٤)
انظر السير : ( سعيد بن المسيب ) ٢١٧/٤ -٢٤٦، وانظر النزهة : ٦/٤٨٢.
(٥)
(٦) انظر السير: (سعيد بن جبير) ٣٢١/٤ -٣٤٣، وانظر النزهة: ٧/٥٠٥.
٨٢

جَنَّ عليهم الليلُ إعصارٌ شَديدٌ ، حتى كادَ لا يَرَى بعضُهم بعضاً، فأصبحوا وهم
يَنظُرُون إلى جِبالِ تِهامَة، فَحَمِدوا الله ، فقال : ما تَعجَبُون من هذا في قُدرة الله
تعالى(١) .
وقال ابنُ حَبَّان : كان طاووسُ بنُ كيسان من عُبَّادِ أهلِ اليَمن ، ومن ساداتِ
التابعين، مُستجَابَ الدعوة ، حَجَّ أربعينَ حَجَّةٌ(٢) .
وعن هشامَ بنِ حَسَّان : أنَّ أَيُّوبَ السختياني حَجَّ أربعينَ حَجَّةٌ(٣).
ورَوىُ سُليمانُ بنُ أَيُّوب ، سمعتُ سُفيانَ بن عُيَينة يقولُ : شهدتُ ثمانينَ مَوقِفاً .
ويُروى أنَّ سُفيانَ بنَ عُيَيْنة كان يقولُ في كلّ موقِفٍ : اللَّهُمَّ لا تجعَلَهُ آخرَ العَهدِ
منك ، فلمَّا كان العامُ الذي ماتَ فيه لَمْ يَقُلْ شيئاً ، وقال : قد استَحيَيتُ من الله
تعالي (٤) .
قال أحمدُ بنُ جَنَاب : غَزَا عيسى بنُ يُونُس خَمساً وأربعينَ غَزوةً، وحَجَّ
كذلك(٥) .
عن سُحنونَ الفَقِيه قال : كان عبدُ الله بنُ وَهْب قد قَسَّمَ دَهرَه أثلاثاً ثُلثاً في الرِّباط ،
وتُلثأَ يُعَلِّمُ النَّاسَ بمصرَ، وتُلثاً في الحَجِّ وذَكَرَ أَنَّه حَجَّ سِتاً وثلاثين حَجَّةً(٦) .
قال ابنُ طاهر : كان هَيَّاجُ بنُ عُبَيد قد بَلَغَ مِن زُهدِه أنَّه يَصومُ ثلاثةَ أيامٍ ويُوَاصِلُ ،
لكن يُفطِرِ على ماءِ زَمزَم، فمَن أتَاهُ بعد ثلاثٍ بشيءٍ أُكَلَه وكان قد نََّ على الثمانين ،
وكان يَعتَمِرُ كلَّ يومٍ ثلاثَ عُمَرٍ ، ويُدَرِّسُ عِدَّةَ دُروس ، ويَزُورُ ابنَ عَبَّاسِ بالطائفِ كُلَّ
سَنَةٍ مرةً ، لا يأكلُ في الطريقِ شيئاً ويَزورُ قبرَ النَّبي صلى الله عليه وسلم كُلَّ سَنَةٍ مع أهل
(١) انظر السير: (مسلم بن يسار) ٥١٠/٤ - ٥١٤، وانظر النزهة: ٥/٥٤٧.
(٢)
انظر السير : ( طاووس بن كيسان ) ٣٨/٥-٤٩، وانظر النزهة: ٨/٥٧٨.
(٣)
انظر السير: ( أيوب السختياني) ٦/ ١٥ -٢٦، وانظر النزهة: ١١/٦٢٦.
انظر السير : ( سفيان بن عيينة) ٨/ ٤٥٤-٤٧٥، وانظر النزهة : ٥/٧٨٤ .
(٤)
انظر السير : ( عيسى بن يونس) ٤٨٩/٨-٤٩٤، وانظر النزهة : ٤/٧٨٥.
(٥)
انظر السير: (عبد الله بن وهب) ٢٢٣/٩-٢٣٤، وانظر النزهة: ٣/٨١٩.
(٦)
٨٣

مكةَ ، فيخرُج فمَن أَخَذَ بيده ، كان في مَؤونَتِهِ حتى يَرجِع ، وكان يَمْشِي حافِياً من مكةً
إلى المدينة ، وسَمعتُ من يَشكو إليه أنَّ نَعَلَيْهِ سُرقَتَا ، فقال: أَتَّخِذُ نَعَلَين لا يَسْرِقُهما
أحدٌ - يَعني الحَفَاء - ورُزِقَ الشَّهَادَةَ في كائنةٍ بين السُّنَِّ والرَّافِضة، وذلك أنَّ بعضَ
الرَّافضةِ شَكَا إلى أميرٍ مكةَ أنَّ أهلَ السُّنَّةُ يَنَالونَ مِنَّا، فأنفذ، وطلبَ هَيَّاجاً وأبا
الفَضلِ بنَ قَوَّامٍ وابنَ الأنماطِيّ، وضَرَبَهم ، فماتَ هذانِ في الحَال ، وحُمِلَ هَيَّاج ،
فماتَ بعد أيام - رضي الله عنهم(١) .
( و) أحوال السلف حالَ أداء المناسك :
رَوَیْ شُعبةُ عن أبي إسحاق قالَ : حَجَّ مسروقٌ فَلَم يَنَمْ إلاَّ ساجداً على وجهه حتى
رَجع(٢) .
وقال منصورٌ: كان شُرَيِحٌ القاضي إذا أَحْرَمَ كأنَّه حَيَّ صَمَّاءٍ(٣).
وعن مالك قال : أَحْرَمَ عليُّ بنُ الحُسَين ، فلمَّا أرادَ أن يُلَبِّي ، قالها : فأُغميَ
عليه ، وسَقَطَ من ناقتِهِ فهُشِّم، ولقد بَلَغَني أنَّه كان يُصَلي في كلِّ يومٍ وليلة ألفَ ركعة
إلى أن مَاتَ، وكان يُسَمَّى زين العابدين لعبادته (٤) .
وقال شُجاعُ بنُ الوليد : كُنتُ أحُجُّ مع سُفيانَ الثَّوريّ ، فما يكادُ لسانُهُ يَفْتُر من
الأمرِ بالمعروفِ والنَّهي عن المنكر ذاهباً وراجعاً(٥) .
وقال الحاكمُ : سمعتُ ابنَي المؤمل بن الحسن بن عيسى يقولان : أنفق جَدُّنا في
الحَجَّةِ التي تُؤُفِّيَ فيها ثَلاثَ مئة ألف(٦) .
(١) انظر السير: (هيّاج بن عُبيد) ٣٩٣/١٨-٣٩٥، وانظر النزهة: ٢/١٤٢٥.
(٢)
انظر السير: ( مسروق ) ٦٣/٤ - ٦٩، وانظر النزهة: ١/٤٤٥.
(٣)
انظر السير: ( شريح القاضي ) ١٠٠/٤- ١٠١، وانظر النزهة: ٨/٤٥٦.
انظر السير : ( علي بن الحسين ) ٤/ ٣٨٦ - ٤٠١، وانظر النزهة : ٤/٥١٨.
(٤)
انظر السير: ( سُفيان الثوري) ٢٢٩/٧-٢٧٩، وانظر النزهة : ٦٩٧ / ٧ .
(٥)
(٦) انظر السير: (الحسن بن عيسى بن ماسَرْجس) ٢٧/١٢ -٣٠، وانظر النزهة: ١/٩٧٧.
٨٤

٢٤ - الدعاء
(أ) فَضل الدعاء :
عن أُمّ الدَّردَاءِ قالت : كان لأبي الدَّرداء سِتُّون وثلاث مئة خليل في الله يدعو لهم
في الصلاة ، فقلتُ له في ذلك ، فقال : إنَّه ليس رجلٌ يدعو لأخيه في الغيب إلاَّ
وَكَّلَ الله به مَلَكَين يقولان: ولك بمثل أَفَلا أرغبُ أنْ تَدعُوَ لي الملائكةُ(١) .
( ب ) من آداب الدعاء :
١ - الخشوع فيه :
قال القَعْنَبيّ سمعتُ مالكاً يقول : كان عامرُ بنُ عبد الله يقفُ عند مَوضِع الجنائز
يدعو وعليه قَطيفة، فَتَسقُط وما يَشْعُر(٢).
٢- الإلحاح :
عن مُورِّق قال : ما امتلأتُ غَضباً قَطّ، ولقد سألتُ اللهَ حاجةً منذ عشرين سنة ،
فما شَفَّعَني فيها ، وما سَئمتُ من الدُّعاءِ (٣).
٣- الإطالة :
عن مالك قال : رُبَّما انصرفَ عامرُ بنُ عبد الله بن الزُّبَير من العَثَمَة فَيَعْرِضُ له
الدُّعاءُ، فلا يزالُ يدعو إلى الفَجر (٤).
دَخَلَ موسى الكاظمُ مسجدَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فسَجَدَ سَجدةً في أولٍ
الليلِ ، فسُمِعَ وهو يقولُ في سُجُودِهِ : عَظُمَ الذَّنبُ عندي فليَحسُن العَفوُ من عندك
يا أهلَ التقوى ويا أهلَ المغفرة فجَعَلَ يُرَدِّدُها حتى أصبح(٥) .
انظر السير: ( أبو الدرداء) ٣٣٥/٢ - ٣٥٣، وانظر النزهة: ٢/٢٧٣.
(١)
(٢)
انظر السير: (عامر بن عبد الله بن الزبير) ٢١٩/٥ -٢٢٠، وانظر النزهة: ٤/٥٩٦.
(٣)
انظر السير: ( مورّق) ٤/ ٣٥٣ -٣٥٥، وانظر النزهة: ٢/٥١٠.
انظر السير: (عامر بن عبد الله بن الزبير) ٢١٩/٥-٢٢٠، وانظر النزهة : ٥/٥٩٦.
(٤)
انظر السير: ( موسى الكاظم) ٦/ ٢٧٠ - ٢٧٤، وانظر النزهة: ٢/٦٥٠.
(٥)
٨٥

وقال يحيىُ بنُ الحَسَنِ العَلَوي : حدَّثني عَمَّارُ بنُ أَبَان قال : حُبسَ موسى ابنُ
جعفر عند السَّنديّ بنِ شاهك، فَسَأَلته أختُه أنْ تُولَّى حَبْسَه وكانت تَدَيَّنُ ففعل ، فكانت
على خِدمته، فَحُكِي لنا أنَّها قالت: كان إذا صَلَّى العَتَمَة، حَمِدَ اللهَ ومَجَّدَه ودَعَاه ،
فلَم يَزَلْ كذلك حتى يَزُولَ الليلُ فإذا زالَ الليلُ قامَ يُصَلِي حتى يُصَلِي الصُّبحَ ، ثم يَذكرُ
حتى تَطْلُعَ الشمسُ، ثم يَقعُدُ إلى ارتفاع الضُّحى، ثم يَتَهَيَّأُ ويَستاكُ ويأكلُ، ثم يَرِقُدُ
إلى قبلِ الزَّوالِ، ثم يَتَوضَّأ ويُصَلي العصَرَ ثم يَذْكُر في القبلةِ حتى المغرب ، ثم يُصَلي
ما بينَ المغرب إلى العَتَمَة ، فكانت تقولُ : خابَ قومٌ تَعَرَّضُوا لهذا الرجل ، وكان
عبداً صالحاً(١) .
٤ - اقتفاء طريقة دعاء الأنبياء :
عن ابنِ وَهب : سُئلَ مالكٌ عن الذَّاعي يقولُ: يا سَيدي فقال: يُعجبني دُعَاءُ
الأنبياء : ربنا ربَّنا(٢).
٥-رفع الیدین :
وعن أبي موسى قالَ : لمَّا فَرَغَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم من حُنَيْن ، بَعَثَ أبا
عامر الأشعَريّ علىُ جَيشِ أَوْطَاس(٣)، فَلَقِيَ دُرَيْدَ بنَ الصِّمَّة فقُتل دُرَيَدُ، وهَزَمَ الله
أصحَابَه ، فرَمَى رجلٌ أبا عامٍ في رُكَبَته بسَهمٍ ، فأثبَتَه فقلتُ: يا عمُّ، مَن رَمَاكَ ؟ ،
فأَشَارَ إليه، فقَصَدتُ له فلَحِقتُه، فلمَّا رَآنِي ، وَلَّى ذاهباً، فجَعَلتُ أقولُ له ألا
تَستَحِي؟ أَلَسْتَ عَرَبِياً؟ ألا تَنْبُت؟ قال: فَكَفَ، فالتَّقَيتُ أنا وهو ، فاختَلَفنا
ضَربَتَين ، فقَتَلتُه ثم رَجَعتُ إلى أبي عامر ، فقلتُ : قد قَتَلَ الله صاحبَك قال : فانزَعْ
هذا السهمَ، فَتَزَعتُه ، فَنَزَا منه الماءُ ، فقال: يا ابنَ أخي ، انطلق إلى رسولِ الله
صلى الله عليه وسلم ، فأقْره مِنِّي السَّلامَ ، وقُلْ له : يَسْتَغْفِر لي، واسْتَخلَفَني أبو عامر
على النَّاسِ ، فمَكَثَ يسيراً، ثم ماتَ فلمَّا قَدِمنا، وأخبرتُ النبيَّ صلى الله عليه
(١) انظر السير: (موسى الكاظم) ٦/ ٢٧٠ - ٢٧٤، وانظر النزهة: ١/٦٥١.
(٢)
انظر السير: (مالك الإمام) ٤٨/٨-١٣٥، وانظر النزهة : ٦/٧٣٣.
(٣) أوطاس : وادٍ في ديار هوازن ، وهو غير وادي حُنين .
٨٦

وسلم، تَوَضَّأَ، ثم رَفَعَ يديه، ثم قال: ((اللَّهُمَّ اغفِرِ لعُبَيَدِك أبي عامر)) حتى رأيتُ
بياضَ إبطَيْه ثم قال: ((اللَّهُمَّ اجعَلُهُ يومَ القيامة فوقَ كثيرٍ من خَلِقِك)) فقلتُ : وليَ
يا رسولَ الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ اغفِر لعبدِ الله بن قيس ذنبَه وأدخِلهُ
يومَ القيامة مُدخَلاً كريماً )) (١).
وعن محمد بنِ أسامة بن زيد عن أبيه قال : لمَّا ثَقُلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم
هَبَطَتُ وهَبَطَ النَّاسُ المدينةَ، فدخلتُ عليه ، وقد أصْمَتَ فلا يَتَكلمُ ، فجعلَ يضعُ يَدَيْهِ
عليَّ ثم يرفعُها ، فأعرفُ أنَّه يدعو لي(٢) .
عن مُغيرةَ بن حَكيم : قالت فاطمةُ بنتُ عبد الملك بن مَرْوان امرأةٌ عُمرَ بنِ
عبد العزيز : حَدَّثنا مُغيرةُ أنَّه يكونُ في النَّاسِ مَن هو أكثرُ صلاةٌ وصياماً من عُمرَ بنِ
عبد العزيز ، وما رأيتُ أحداً أشَدَّ فَرَقاً من ربِّه منه، كان إذا صَلَّى العِشَاءَ قَعَدَ في
مَسْجِدِه ، ثمَّ يَرفعُ يَدَيْهِ فَلَم يَزَلْ يَبكي حتىْ تَغْلِبُهُ عَينُهُ، ثم يَتَبَهُ ، فلا يزالُ يَدعُو رافعاً
يديْه يبكي حتىْ تَغْلِبُه عينُهُ ، يفعلُ ذلك ليلَهُ أَجْمَع(٣) .
قال سُليم بنُ عامر : دخلتُ على الجَرَّح ، فرفعَ يديه ، فرفع الأمراءُ أيديهم ،
فمكثَ طويلاً ، ثم قال لي : يا أبا يحيى ، هل تدري ما كُنَّا فيه ؟ قلتُ : لا ، وجدتُكُم
في رغبةٍ ، فرفعتُ يَدَيَّ معكم ، قال : سألنا اللهَ الشهادةَ ، فوالله ما بقيَ منهم أحدٌ في
تلك الغزوة حتى استُشهد (٤) .
٦- التواضع فيه :
قال أحمدُ بنُ أبي الحَوَاريّ : جاءَ إلى أبي مُعَاويةَ الأسْود جماعةٌ ، ثمَّ قالوا :
ادعُ اللهَ لنَا فقالَ : اللَّهُمَّ ارحَمْنِي بهم ، ولا تَحْرمْهم بي(٥) .
(١) انظر السير: ( أبي موسى الأشعري) ٢/ ٣٨٠-٤٠٢، وانظر النزهة: ٦/٢٧٨.
(٢)
انظر السير: ( أسامة بن زيد) ٤٩٦/٢-٥٠٧، وانظر النزهة : ٤/٢٩٧.
(٣)
انظر السير: ( عمر بن عبد العزيز) ١١٤/٥-١٤٨، وانظر النزهة: ١/٥٩١.
انظر السير: ( أبو عُقْبة الجَرَّاح) ١٨٩/٥-١٩٠، وانظر النزهة: ٢/٥٩٥.
(٤)
انظر السير: ( معاوية بن الأسود) ٧٨/٩ -٧٩، وانظر النزهة : ٤/٧٩٩.
(٥)
٨٧

(ج ) الذنوب تمنع الإجابة :
قال يَحْيِىُ بنُ مُعَاذ: لا تَسْتَبْطِىء الإجابةَ وقد سَدَدتَ طريقَها بالذُّنوب(١).
(د) صور من إجابة الدعاء :
وعن قَيسٍ أخبَرَني سعدُ بنُ أبي وقَّاص أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال :
((اللَّهُمَّ اسْتَجِبْ لسَعدٍ إذا دَعَاكَ )).
وعن جابر بن سمرة ، قال: شَكا أهلُ الكُوفَة سَعداً إلى عُمرَ ، فقالوا : إِنَّه
لا يُحسنُ أن يُصلِّي فقال سعدٌ: أمَّا أنا ، فإنِّي كنتُ أصلِّي بهم صَلاةَ رسولِ الله
صلى الله عليه وسلم ، صَلاتَي العَشيّ لا أَخرمُ منها ، أَرْكُدُ(٢) في الأُولَيَيْن وأحذِفُ في
الأُخْرَيَيْنِ، فقال عمرُ : ذاكَ الظَّنُّ بك يا أبا إسحاق، فبعث رجالاً يسألون عنه
بالكوفة ، فكانوا لا يأتون مسجداً من مساجد الكوفة ، إلاَّ قالوا خَيراً ، حتى أتوا
مَسجداً لبني عيسى، فقال رجلٌ يُقالُ له أبو سعدة: أما إذا نَشدتُمونا بالله ، فإنَّه كان
لا يَعْدِلُ في القَضيّة ، ولا يَقْسمُ بالسَّويَّة، ولا يَسيرُ بالسَّريَّةِ، فقالَ سعدٌ: اللَّهُمَّ إنْ
كان كاذباً ، فأعْمِ بَصَرَه ، وأَطِلْ عُمُرَه، وعَرِّضْهُ للِفِتَنِ .
قالَ عبدُ الملك : فأنا رأيتُهُ بعدُ يتعرَّض للإماءِ في السِّكَك ، فإذا سُئلَ كيف أنتَ ؟
يقولُ: كبيرٌ مَفتونٌ، أصابَتْني دَعوةُ سعد )» مُتفقٌ عليه(٣).
وعن ابنِ المُسَيِّب أنَّ رَجُلاً كان يَقَعُ في عليّ وطلحة والزُّبَير ، فجَعَلَ سعدُ بنُ
أبي وَقَّاص يَنْهَاه ويقولُ : لا تَقَعْ في إخواني ، فَأَبَىْ فِقَامَ سعدٌ ، وصَلَّى ركعَتَين ودعا،
فجاءَ بُختيٌّ (٤) يشُقُّ النَّاسَ فأخَذَه بالبلاط ، فوضَعَه بين كِركِرته والبلاط حتى سَحَقَه ،
فأنا رأيتُ النَّاسَ يَتْبَعونَ سعداً ويقولون: هَنيئاً لك يا أبا إسحاق !! اسْتُجيبَت دعوتُك .
(١) انظر السير: (يحيى بن معاذ) ١٥/١٣ -١٦، وانظر النزهة: ٣/١٠٤٧.
(٢)
أركد : أي أطيل .
(٣) انظر السير: (سعد بن أبي وقاص) ١/ ٩٢ -١٢٤، وانظر النزهة: ٢/١٣٥.
(٤) البختي : الإبل الخراسانية تنتج من بين عربي ودخيل ، والكركرة : زور البعير .
٨٨

قال الذهبيُّ: وفي هذا كرامةٌ مُشْتَرَكةٌ بينَ الذَّاعي والذين نِيْلَ منهم(١).
وعن هشام بنِ عُروة ، عن أبيه أنَّ أَرْوَى بنتَ أويسٍ ادَّعَتْ أنَّ سعيدَ ابنَ زَيدٍ أَخَذَ
شَيئاً من أرضِها فخَاصَمَته إلى مَرْوان ، فقال سعيدُ : أنا كُنتُ آخُذُ مِن أرضِها شيئاً بعدَ
الذي سَمعتُ من رسولِ الله صلى الله عليه وسلم؟ !! ، سَمعتُه يقولُ: ((مَنْ أَخَذَ شَيْئاً
مِن الأرضِ طُوِّقَهُ إلى سَبْع أرْضِين))، قال مَروانُ: لا أسألُكَ بِيّةً بعدَ هذا، فقال
سعيدٌ: اللَّهُمَّ إنْ كانتْ كَاذبةً فأعْمِ بَصَرَها ، واقْتُلْها في أرضِها ، فما ماتت حتى
عَمِيَتْ ، وبينا هي تمشي في أرضِها إذ وَقَعَتْ في حُفرةٍ فماتت(٢) .
وعن أنسٍ مرفوعاً قال: ((كمْ مِنْ ضَعِيفِ مُتَضَعِّفٍ ذي طِمرَيْنِ لَوْ أَقْسَمَ على اللهِ
لِأَبَرَّه ، منهم البَرَاءُ بنُ مالك)) .
وإنَّ البَرَاءَ لِقِيَ المشركين وقد أوجَعَ المشركون في المسلمين ، فقالوا له :
يا بَرَاء، إنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: إنَّكَ لَو أَقْسَمتَ على الله لأَبَرَّك ،
فَأَقْسِم علىْ رَبِّك قال : أُقْسِمُ عليك يا ربِّ لما مَنَحتَنا أكتافَهم (٣) .
قال ابنُ شَوْذَب : بَلَغَ ابنَ عُمَرَ أنَّ زِيادَ بنَ أبيه كَتَبَ إلى مُعاوية : إنِّي قد ضَبَطتُ
العراقَ بِيَمِينٍ، وشِمالي فَارِغة، وسَأَلَه أن يُوَلِيه الحِجَازَ فقال ابنُ عُمَر: اللَّهُمَّ إِنَّك إنْ
تَجْعَلْ في القَتَلِ كَفَّارةً ، فمَوْتاً لابن سُميّة لا قَتَلاً فَخَرِجَ في أصْبعه طاعونٌ فمات .
وقال الحَسَنُ البَصْريّ : بَلَغَ الحَسَنَ بنَ عليّ أنَّ زِيَاداً يَتَتَّبَعُ شِيعَةَ عليّ بالبَصرةِ ،
فِيَقْتُلُهُم فدَعَا عليه (٤) .
وقال الوَاقِدِيُّ: جَهَّزَ مُعَاوِيةُ بنُ أبي سفيان ، عُقبَةَ بن نافع القُرَشيّ على عشرةٍ
آلاف، فافتَتَحَ إفريقية واخْتَطَّ قَيَرَوانَهَا، وكان المَوضِعُ غَيْضَةً لا يُرامُ من السِّباعِ
والأفاعِي فدعا عليها ، فلَمْ يَبْقَ فيها شيءٌ، وهَرَبُوا حتى إنَّ الوُحُوشَ لَتَحمِلُ أولادها .
انظر السير: ( سعد بن أبي وقاص) ١/ ٩٢ - ١٢٤، وانظر النزهة : ٤/١٣٥.
(١)
(٢)
انظر السير: ( سعيد بن زيد) ١٢٤/١ -١٤٣، وانظر النزهة: ٣/١٣٩.
انظر السير: (البراء بن مالك) ١٩٥/١-١٩٨، وانظر النزهة: ٣/١٤٧.
(٣)
انظر السير : ( زياد بن أبيه ) ٤٩٤/٣ -٤٩٧، وانظر النزهة: ٢/٤١٥.
(٤)
٨٩

فحَدَّثني موسى بنُ عليّ عن أبيه ، قالَ : نادَى: إنَّا نازِلونَ فاظْعَنوا، فخَرَجْنَ من
جِحَرَتِهنَّ هَوارب .
ورَوَى نَحوَه محمدُ بنُ عَمرو ، عن يَحْيَى بنِ عبد الرحمن بنِ حاطِب قال: لمَّا
افْتَتَحَ عُقْبَةُ إِفْرِيقِيَّةً، قال: يا أهلَ الوَادي ، إنا حالُّون إنْ شاءَ الله، فاظْعَنوا ، ثلاثَ
مرَّات ، فما رَأْتِنا حَجَراً ولا شَجَراً إلاَّ يَخرُجُ من تَحْتِه دائَّةٌ حتىُ هَبَطْنَ بَطْنَ الوَادي ، ثم
قال للنَّاسِ : انِزِلوا باسمِ الله .
وعن مُفضَّل بن فَضَالة ، قال: كان عُقبة بن نافع مُجابَ الدَّعوة (١) .
وعن محمَّدِ بنِ زياد، عن أبي مُسلم الخَولانيّ أنَّ امرأةً خَّبَتْ عليه(٢) امرأتَه ،
فدَعَا عليها فعَمِيَّت ، فَأَنَتْه فاعتَرَفَت وتابَتْ قال: اللَّهُمَّ إنْ كانت صادِقَةً ، فارْدُدْ إليها
بَصَرَها ، فأبْصَرَت(٣) .
وعن بلال بنِ كعب ، أنَّ الصِّبيانَ قالوا لأبي مُسلمٍ الخَولانيّ : أُدْعُ الله أنْ يَحبسَ
علينا هذا الظَّبِيَ فتأخُذَه، فَدَعَا الله فحَبَسَه فأخَذُوه(٤).
وعن قَتَادَة قال: كان عامرُ بنُ قَيْس يَسْألُ رَّه أنْ يَنزِعَ شَهوةَ النِّساء من قَلبه ، فكَانَ
لا يُبَالِي أَذَكَرَاً لَقِيَ أمْ أُنْثَى، وسَأَلَ رَبَّهِ أنْ يَمْنَعَ قَلبَه من الشَّيطانِ وهو في الصَّلاة فلَم
يَقْدِر عليه(٥) .
وقالَ مهديُّ بنُ مَيْمون : حدَّثنا غيلانُ بنُ جَريرِ أنَّه كان بين مطرفِ ابنِ عبد الله وبین
رجلٍ كلامٌ فَكَذَبَ عليه فقال : اللَّهُمَّ إنْ كان كاذباً فَأَمِتْه فخرَّ مَيّاً مكانه قال: فرُفعَ ذلك
إلىْ زِياد فقال: قَتَلتَ الرجلَ قال: لا ولكنَّها دعوةٌ وافَقَتْ أَجَلاً(٦).
(١) انظر السير: (عقبة بن نافع القرشيّ) ٥٣٢/٣ - ٥٣٤، وانظر النزهة: ٣/٤٢٠.
(٢)
يُقالُ: خَبَّبَ فلان على فلان صديقه إذا أفسده عليه .
انظر السير : ( أبو مسلم الخولاني ) ٤/ ٧ - ١٤، وانظر النزهة : ٥/٤٣١.
(٣)
انظر السير : ( أبو مسلم الخولاني) ٤ / ٧ - ١٤، وانظر النزهة : ١/٤٣٢.
(٤)
(٥)
انظر السير: ( عامر بن قيس) ٤/ ١٥-١٩، وانظر النزهة: ٣/٤٣٣.
(٦) انظر السير: (مطرف بن عبد الله) ١٨٧/٤ - ١٩٥، وانظر النزهة: ١/٤٧٥.
٩٠

وعن عليّ بنِ زَيد قال: قال لي سعيدُ بنُ المُسَيِّب : قُلْ لقائِكَ يقومُ فِيَنظُر إلى وَجْهِ
هذا الرجلَ وإلى جَسَدِهِ ، فقامَ وجاءَ قال : رأيتُ وَجْهَ زِنجيٍّ وجَسَدُه أبيَضُ ، فقال
سعيدٌ: إنَّ هذا سَبَّ هؤلاء: طلحَةَ والزُّبَيرَ وعَليّاً رضي الله عنهم، فنَهَيْتُه فَأَتَى
فَدَعَوتُ اللهَ عليه ، قلتُ : إنْ كُنتَ كاذِباً فَسَوَّدَ الله وجهَك، فخَرَجَتْ بوجهِهِ قَرْحَةٌ ،
فاسْوَدَّ وجهُه(١) .
وعن أصبغ بن زَيد قال : كان لسعيد بن جُبير ديكٌ ، كان يقومُ من الليل بصِيَاحِه ،
فلَم يَصِحْ ليلةً من الليالي حتى أصْبَحَ ، فَلَمْ يُصَلِّ سعيدٌ تلك الليلة فشَقَّ عليه ، فقال :
مَا لَه قَطَعَ اللهِ صَوتَه؟ فمَا سُمعَ له صَوتٌ بعد ذلك فقالت له أُمُّه : يا بُنَيّ لا تَدْعُ على
شيءٍ بعدها(٢) .
وقال سُليمُ بنُ عامر : دخَلتُ على الجَرَّاحِ، فَرَفَعَ يَدَيْه، فرَفَعَ الأُمراءُ أيدِيَهُم ،
فمَكَثَ طويلاً ، ثمَّ قال لي يا أبا يَحيَى ، هل تَدرِي ما كُنَّا فيه ؟ قلت : لا وَجَدتُكم في
رَغْبَةٍ ، فَرَفَعْتُ يدي معكم ، قال : سألْنَا الله الشَّهادةَ ، فوالله ما بَقِيَ منهم أحَدٌ في تلكَ
الغَزْوةِ حتى اسْتُشهِد(٣).
وكان الخَليلُ بنُ أحمدَ الفَرَاهيديّ رأساً في لسَان العَرَب، دَيَّنَاً، وَرِعَاً،
مُتَواضِعاً ، كَبِيرَ الشَأن، يُقالُ: إنَّه دَعَا اللهَ أنْ يَرِزُقَه عِلماً لا يُسْبَقُ إليه، فَفَتَحَ الله عليه
بالعَروض، وله كتاب ((العَيْن)) في اللغة (٤) .
وقال أحمدُ بنُ فُضَيل العَكِّيّ: غَزَا أبو مُعَاوية الأسْود، فحَضَرَ المسلمون حِصْناً
فيه عِلْجٌ لا يَرمي بحَجَرٍ ولانُشَّابٍ إلَّ أَصَاب، فَشَكَوا إلى أبي مُعَاوية، فَقَرأَ: ﴿وَمَا
رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَّ﴾(٥) ، اسْتُروني منه، فَلمَّا وَقَفَ قال: أينَ تُريدُونَ
(١) انظر السير: (سعيد بن المسيب) ٢١٧/٤ -٢٤٦، وانظر النزهة: ٧/٤٨٨.
(٢)
انظر السير : ( سعيد بن جُبير) ٣٢١/٤ - ٣٤٣، وانظر النزهة : ٢/٥٠٥.
(٣)
انظر السير: ( الجَرَّاح) ١٨٩/٥ - ١٩٠، وانظر النزهة: ٢/٥٩٥.
انظر السير: ( الخليل بن أحمد الفراهيدي) ٤٢٩/٧-٤٣١، وانظر النزهة : ٩/٧١٢.
(٤)
(٥) سورة الأنفال : ( ١٧ ).
٩١

بإذنِ الله ؟ قالوا المَذَاكير فقَالَ : أيْ ربِّ قد سَمعتَ ما سَأَلُوني، فأعْطِنِي ذلك :
باسْمِ الله، ثُمَّ رَمَىَ المَذَاكِير، فَوَقَع(١) .
رَوَى أبو نُعَيم، عن أبيه ، عن خاله ، أنَّ النِّباجيَّ كان مُجَابَ الدَّعوةِ ، وله آياتٌ
وكَرَاماتٌ ، كان في سَفَرٍ، فأصَابَ رجلٌ عائِنٌ ناقَتَه بالعَيْن ، فجَاءَه النِّباجيُّ ، ودعا
عليه بألفاظٍ ، فخَرَجَتْ حَدَقَتَا العائِن، ونَشَطَتْ النَّقَةُ (٢).
وقال عَبَّاسُ الدُّوريّ: حَدَّثنا عليّ بنُ أبي فَزَارَة جَارُنا ، قال : كانت أُمي مُقعَدَة من
نَحوِ عشرين سنة فقالت لي يوماً : اذهَبْ إلى أحمدَ بنِ حنبل ، فَسَلْه أنْ يَدعُوَ لي ،
فأَتَيْتُ ، فدَقَقْتُ عليه وهو في دِهِلِيزِه ، فقال : مَنْ هذا؟ قلتُ: رجلٌ سَأَلَتِنِي أُمِّي
وهي مُقْعَدَةٌ أنْ أسْألَكَ الدُّعاء فسَمِعتُ كَلامَه كَلامَ رجلٍ مُغْضَب فقال : نَحْنُ أَحْوَجُ أنْ
تَدعُوَ اللهَ لنا فوَلَّيْتُ مُنصَرِفاً، فخَرَجَتْ عَجُوزٌ ، فقالت : قد تركتُه يَدعُو لها ، فجئتُ
إِلَىْ بَيْتِنا ودقَقَتُ البَابَ ، فخَرَجَتْ أُمي علىْ رِجِلَيْهَا تَمْشِي .
هذه الواقِعَةُ نقَلَهَا ثِقِتَان عن عَبَّاس الدُّوريّ(٣).
وقال أحمدُ بنُ بُندار الشَّعار : حدثنا أبو يَحيَى بنُ الرَّازيّ : سَمعتُ عليَّ بنَ سعيدٍ
الرَّازي قال : صِرنا مع أحمدَ بنِ حنبل إلى بابِ المُتَوكل ، فَلَمَّا أَدْخَلُوه من بابٍ
الخَاصَّة قال: انصَرِفُوا ، عافاكم الله فمَا مَرِضَ منَّا أحَدٌ بعد ذلكَ اليَوم (٤) .
قال السُّلَميُّ في ((مِحَن الصُّوفيّة)) قال محمدُ بنُ الفَرْخِيّ : كنتُ مع ذي النُّون في
زَوْرَقٍ ، فمَرَّ بنا زَوْرقٌ آخر ، فِقِيلَ لذي النُّون: إنَّ هؤلاء يَمُرُونَ إلى السلطان ،
يَشْهَدُون عليكَ بالكُفر فقال: اللَّهُمَّ إن كانوا كاذبين، فغَرِّقهم، فانقَلَبَ الزَّوْرَقُ
وغَرَقُوا فقلتُ له : فما بالُ المَلَأَح؟ قال: لِمَ حَمَلَهم وهو يعلمُ قَصْدَهُم؟ ولأَنْ يقفُوا
بين يَدَي الله غَرقَى خَيرٌ لهم من أن يقفوا شُهُودَ زُور ، ثم انتَفَضَ وتَغَيَّر ، وقال :
انظر السير : ( أبو معاوية الأسود) ٩/ ٧٨ - ٧٩، وانظر النزهة : ٥/٧٩٩.
(١)
(٢)
انظر السير: ( النِّباجيّ) ٥٨٦/٩، وانظر النزهة: ١/٨٤٢.
انظر السير: ( أحمد بن حنبل) ١١/ ١٧٧ - ٣٥٨، وانظر النزهة: ٢/٩٢٨.
(٣)
انظر السير: ( أحمد بن حنبل) ١١/ ١٧٧ - ٣٥٨، وانظر النزهة : ٩٤٥/ ٢.
(٤)
٩٢

وعِزَّتِكَ وجَلالِكَ لا أدْعُو على أحدٍ بعدها ثم دَعَاهُ أميرُ مصرَ ، وسَأَلَهُ عن اعتِقَادِهِ ،
فَتَكَلَّمَ ، فَرَضِيَ أَمَرَه وطَلَبَه المتوكل ، فلمَّا سَمعَ كَلامَه ولِعَ به وأحَبَّه وكان يقولُ : إذا
ذُكِرَ الصَّالحونَ ، فَحَيَّهلا بذي النون(١) .
وقال الحاكمُ : حَدَّثَنَا الحافِظُ أبو علي النَّيسَابُوري عن شيوخِه أنَّ ابنَ المُبَارك نَزَلَ
مرةً برأسِ سِكَّةٍ عيسى، وكان الحَسَنُ بنُ عيسىُ يَركبُ فيُجتَازُ به وهو في المجلس
وكان من أحسَنِ الشَّباب وجهاً ، فسَألَ ابنُ المُبارك عنه فِقِيلَ : هو نَصْرَانيّ فقالَ :
اللَّهُمَّ ارزُقُهُ الإسلامَ ، فاسْتُجِيبَ له .
قال أبو العَبَّاس السَّرَّاج: حَدَّثنا الحَسَنُ بنُ عيسىْ مَولَى عبد الله ابن المُبارك ،
وكان عاقِلاً ، عُدَّ في مَجلِسِه ببابِ الطَّاقِ(٢) اثنا عشر ألفَ محبَرَة(٣).
وقال عليُّ بنُ عُمر الحَرَّانِيّ سَمعتُ حَمزَةَ بنَ محمد الحَافِظِ، وجاءَه غَرِيبٌ فقال :
إِنَّ عَسْكَرَ أبي تَميمٍ - يَعني المَغَارِبة - قد وصَلُوا إلى الإِسْكندرية فقالَ: اللَّهُمَّ لا تُحْييني
حتى تُرِينِي الرَّايَاتِ الصُّفْر، فمَاتَ حَمزةُ ودَخَلَ عَسْكَرُهم بعد مَوْتِه بثلاثة أيام (٤) .
قال الذهبيُّ : هؤلاء عَسكرُ المُعزِّ العُبَيديّ الإسماعيليّة ، تَملَّكوا مصرَ في هذا
الوقت ، وبنوا في الحال مدينة القاهرة المُعِزِّيَّة ، فأماتوا السُّنَّة ، وأظْهَروا الرَّفضَ ،
ودامت دولتُهم أزيَدَ من مئتي عام ، حتى أبادَهم السلطانُ صلاحُ الدين ، ونَسَبُهم إلى
عليٍّ رضي الله عنه غيرُ صحيح(٥) .
وقال أبو سَعدِ السَّمعانيُّ : سَمعتُ مَنْ أَثِقُ بِهِ أنَّ ابنَي أبي بكرِ الشَّاشيِّ قاما في
مجلسٍ وَعْظِ يُوسُف ابن أيُّوب وقالا له : إنْ كُنتَ تَنْتَحِلُ مَذْهَبَ الأشْعَرِيِّ وإلاَّ فانزِل
(١) انظر السير: (ذي النون المصريّ) ٥٣٢/١١-٥٣٦، وانظر النزهة: ٢/٩٦٨.
(٢) وهي محلة كبيرة ببغداد بالجانب الشرقي بين الرصافة ونهر المعلّى، وتُعرف أيضاً بطاقةٍ أسماء ، نسبةً
إلى أسماء بنت المنصور .
(٣) انظر السير: (الحَسَن بن عيسى بن ماسَرْجس) ٢٧/١٢ -٣٠، وانظر النزهة: ٣/٩٧٦.
(٤) انظر السير: (حمزة بن محمد) ١٧٩/١٦ -١٨١، وانظر النزهة: ١/١٢٨١.
(٥) انظر السير: ( حمزة بن محمد) ١٧٩/١٦-١٨١، وانظر النزهة: ٢/١٢٨١.
٩٣

فقال: اقْعُدا لا مُتِّعتُما بشَبابِكُما ، فسَمِعتُ جماعةً أنَّهما ماتا قبلَ أن يَتَكَهَّلا(١).
ورَوَى ابْنُ عَسَاكِر عن الإمام أبي الحَجَّاجِ الفَنْدلاويّ قال : كان حَسَنَ المُفاكَهَة ،
حُلوَ المُحاضَرَة ، شَديدَ التَعَصُّب لمَذهَب أهلِ السُّنَّةِ ، كَرِيماً مُطَرِحاً للتَّكَلُّفِ ، قَوِيَّ
القلبٍ، وكان يَخْطُبُ ليلةَ الخَتمِ فِي رمَضَانَ رجلٌ فِي حَلقةِ الفَنْدلاويّ وعنده
أبو الحَسَن بنُ المُسلم الفَقيه ، فرَمَاهُم واحدٌ بحَجَرٍ ، فَلَمْ يُعرَف ، فقال الفَنْدَلاويّ :
اللَّهُمَّ اقطَعْ يَدَه فما مضى إلاَّ يَسيرٌ حتى أُخِذَ حُضَيْرٌ من حَلقَةِ الحَنَابلة، ووُجِدَ في
صُندوقِهِ مفاتيحُ كثيرةٌ لِلسَّرِقَة فأمَرَ شَمسُ المُلوكِ بقَطْعِ يَدَيْه ، فمَاتَ من قطعِهما(٢) .
وقال الحَسَنُ بنُ أحمدَ الأوقيُّ : كانوا يَأْتُون السِّلَفيَّ، ويطلُبون منه دُعاءً لعُشْرِ
الولادةِ ، فَيَكتُبُ لمَن يَقْصِدُه، قال: فلمَّا كَثُرَ ذلك نَظَرْتُ فيما يَكتُب ، فوَجَدتُّه
يكتُب : اللَّهُمَّ إِنَّهم قد أَحْسَنُوا ظَنَّهم بي، فلا تُخَيِّب ظَنَّهم فيَّ(٣).
وحَكَى القاضي ضياءُ الدِّين بنُ الشَّهرزورِيِّ أنَّ القاضي لمَّا سَمِعَ أنَّ العادلَ أخَذَ
مصرَ ، دعا بالموتِ خشيةَ أنْ يَستَدعيَه وزيرُهُ ابنُ شُكرٍ ، أو يُهِينَهُ ، فأصْبَحَ مَيْتاً ، وكان
ذا تَهَجُّدٍ ومُعَامَلة(٤) .
وقالَ الحَافظُ الضِّيَاء سَمعتُ الإمامَ عبدَ الرَّحمنِ بنَ محمدِ بنِ عبدِ الجَبَّار يقولُ :
حَدثني جماعةٌ من جَمّاعيل منهم خالي عُمر بنُ عَوض قال: وَقَعَت في جَمّاعيل فِتْنَةٌ
فخَرَجَ بعضُهم إلى بعضٍ بالسُّيُوف ، وكان ابنُ راجح عندنا قالوا : فسَجَدَ ودعا ،
قالوا : فضَرَبَ بعضُهم بعضَاً بالسُّيوف فمَا قَطَعَتْ شَيئاً قال ابنُ عُمر فلقد رأيتُني ضَرَبتُ
بسَيْفي رجلاً ، وكان سَيفاً مَشْهُوراً، فمَا قَطَعَ شيئاً، وكانوا يَرَونَ أنَّ هذه ببرَكَةِ
دعائه(٥) .
انظر السير: ( يُوسُف بن أيُّوب) ٦٦/٢٠ -٦٩، وانظر النزهة: ٣/١٥٣١.
(١)
(٢) انظر السير: (الفَندلاويّ) ٢٠٩/٢٠ -٢١٠، وانظر النزهة: ٢/١٥٤٢.
(٣)
انظر السير: ( السِّلفيّ) ٥/٢١-٣٩، وانظر النزهة: ٢/١٥٩٣.
انظر السير : ( القاضي الفاضل) ٣٣٨/٢١ - ٣٤٤، وانظر النزهة: ٣/١٦٣٠.
(٤)
انظر السير: ( ابن راجح) ٢٢/ ١٥٦ - ١٥٨، وانظر النزهة: ٢/١٦٨٠.
(٥)
٩٤

(هـ) مُتَفَرِّقاتٌ في الدُّعاء :
١ - مَنْ دَعا بالاسْمِ الأعْظَم فاسْتُجيبَ له ولكنَّه ◌ُوقِب :
قال الرَّازيُّ : سَمعتُ عليَّ بنَ محمد المصريّ - ونحن في جنازةِ ابنِ أبي حاتم -
يقول : قَلَنْسُوة عبد الرحمن من السَّماء، وما هو بعجب ، رجلٌ مُنذُ ثَمانينَ سنةً على
وتيرةٍ واحدة ، لَم يَنحَرِفْ عن الطريق، وسَمعتُ عليَّ بنَ أحمد الفَرَضي يقول :
ما رأيتُ أحداً ممن عَرَفَ عبدَ الرَّحمن ذَكَرَ عنه جَهَاةً قَطُ وسَمعتُ أحمدَ بنَ محمد بنِ
الحُسَيْن الحافظ يَحكي عن عليّ بنِ الحُسَيْن الدَّرستيني، أنَّ أبا حاتم كان يَعرفُ الاسمَ
الأَعْظَم ، فَمَرِضَ ابنُه، فاجتَهَدَ أنْ لا يَدعُوَ به ، فإنَّه لا يُنالُ به الدُّنيا، فلمَّا اشْتَدَّت
العِلة، حَزِنَ ودعا به ، فعُوفِي ، فرأى أبو حاتم في نومه : استجبتُ لك ولكنْ
لا يُعِقِبُ ابنُك فكان عبدُ الرحمن مع زوجته سَبعين سنةً فَلَم يُرزَق ولداً(١).
٢- الدُّعَاءِ بطُول البَقَاءِ:
رَوَى أبو عُمَر الضَّرير ، عن أبي عَوانة قال : دخلتُ على هَمَّام ابنِ يَحيى وهو
مريضٌ ، أعُودُه ، فقال لي : يا أبا عوانة أُدْعُ الله أنْ لا يُميتَني حتى يَبلغَ ولدي الصغار
فقلتُ : إِنَّ الأجَلَ قد فُرِغَ منه، فقال لي : أنتَ بعدُ في ضلالك(٢).
قال الذهبيُّ : بئسَ المقالُ هذا ، بل كُلُّ شيء بقدرٍ سابق ، ولكنْ وإنْ كان الأجَلُ
قد فُرِغَ منه، فإنَّ الدعاءَ بطولِ البقاءِ قد صَحَّ دعا الرسول صلى الله عليه وسلم لخادِمِه
أَنَس بطولِ العُمر ، والله يَمحُو ما يشاءُ ويُثبتُ فقد يكونُ طولُ العُمرِ في عِلمِ الله
مَشْروطاً بدعاء مُجاب ، كما أنَّ طَيَرَانَ العُمر قد يكونُ بأسبابٍ جعلها من جَوْرٍ
وعَسف ، و((لا يَرُدُّ القَدَرَ إلَّ الدُّعاء)) والكتاب الأول فلا يَتَغَيَّر(٣).
(١) انظر السير: (عبد الرحمن بنُ أبي حاتم الرَّازي) ٢٦٣/١٣ -٢٦٩، وانظر النزهة: ١/١٠٧٩.
(٢) انظر السير: (أبو عوانة) ٢١٧/٨ -٢٢٢، وانظر النزهة: ٤/٧٤٥.
(٣) انظر السير: (أبو عوانة) ٢١٧/٨ -٢٢٢، وانظر النزهة: ٥/٧٤٥ .
٩٥

٣- طَلبُ الدُّعَاء من الملائكة :
عن بِشْرِ بنِ الحارث ، سمعَ أبا بكر بنَ عَيَّاش يقول: يا مَلَكَيَّ ادعُوَا الله لي ،
فإِنَّكُما أطْوَعُ لله منِّي(١) .
٤ - الدُّعَاء بعدَ الصَّلاة:
وعن ابنِ أبي روّاد قال : رأيتُ طاؤُوساً وأصحابَه إذا صَلوا العَصرَ ، استقبلوا
القِبلةَ، ولم يُكلِّمُوا أَحَداً ، وابتَهَلُوا بالدعاء(٢) .
عن ابنٍ شَوْذَب قال : كان أيُّوبُ السِّخْتياني يَؤْمُ أهلَ مسجَدِه في شهر رمضان ،
ويُصلي بهم في الركعةِ قدرَ ثلاثين آية ، ويُصلي لنفسِه فيما بين التَّرويحَتَين بقدر ثلاثين
آية وكان يقول هو بنفسه للناس : الصلاة ، ويُوتِرُ بهم ، ويَدعو بدُعاء القرآن ، ويُؤَمِّنُ
مَنْ خلفَه ، وآخر ذلك يُصلي على النبيِّ صلى الله عليه وسلم ويقولُ: اللَّهُمَّ استعمِلنا
بسُنَّه وأَوْزِعِنا بهَدِهِ واجعلنا للمتقين إماماً ، ثمَّ يَسجُدُ ، وإذا فَرَغَ من الصَّلاة دعا
بِدَعَوَات (٣).
٥- رُؤيا فيها حَتٌّ على الدُّعَاءِ :
قال الحاكمُ : سَمعتُ الشيخَ أبا بكر الصّبغيّ يقولُ : رأيتُ في مَنَامي كأنِّي في
دارٍ فيها عُمَرُ بنُ الخَطَّاب، وقد اجتَمَعَ النَّاسُ عليه يَسألونَه المَسَائِلَ، فَأَشَارَ إليَّ :
أنْ أُجِيبَهم ، فما زِلتُ أُسأَلُ وأُجيبُ وهو يقولُ لي : أصَبتَ امضٍ ، أصَبتَ امضٍ ،
فقلتُ : يا أميرَ المؤمنين ، ما النَّجَاةُ من الدُّنيا أو المَخرَجُ منها ؟ فقال لي بإصْبعه :
الدعاء ، فأعدتُ عليه السَّؤْالَ فجَمَعَ نفسَه كأنَّه ساجِدٌ لخُضُوعِه ثم قال :
الدعاء (٤) .
(١) انظر السير: (أبو بكر بن عياش) ٤٩٥/٨-٥٠٨، وانظر النزهة: ٤/٧٨٧.
(٢) انظر السير: (طاووس) ٣٨/٥-٤٩، وانظر النزهة: ٣/٥٧٩.
انظر السير: ( أيوب السختياني) ٦/ ١٥ -٢٦، وانظر النزهة: ٦٢٦ /١٠.
(٣)
(٤) انظر السير: ( الصبغيّ) ٤٨٣/١٥-٤٨٨، وانظر النزهة: ٦/١٢٥٠.
٩٦

( و ) أدعية مُجرّبة في كشف الضر :
عن طاووسِ : سَمعتُ عليَّ بنَ الحُسَين وهو ساجدٌ في الحِجْرِ يقولُ: عُبَيَدُكَ
بِفِنائِك ، مِسْكِينُكَ بِفِنائِك، سائِلُكَ بفِنائِك، فقيرُكَ بفِنائِك قال: فوالله ما دَعَوتُ بها
في كربٍ قَطُّ إلاَّ كُشِفَ عنِّي(١) .
وعن عبدِ الملكِ بن عُمَير قال: حدثني أبو مُصعب أنَّ عبدَ الملك ابنَ مَروَان كتبَ
إلى هشام بنِ إسماعيل متولِّي المدينة: بلغني أنَّ الحَسَنَ ابنَ الحَسَن يُكَاتِبُ أهلَ العِراق
فاستَخْضِرهُ قال: فجِيءَ به فقال له عليُّ ابنُ الحُسَين: يا ابنَ عمِّ قُلْ كَلمَاتِ الفَرَجْ(٢):
(( لا إلَهَ إلاَّ اللهُ الحَليمُ الكَريم، لا إلَهَ إلاَّ اللهُ العَلَيُّ العَظِيم، لا إلَهَ إلاَّ اللهُ رَبُّ
السَّموات السَّبعِ ورَبُّ الأرضِ رَبُّ العَرشِ الكريم » قال: فخُلِّي عنه(٣).
وعن الفضلِ بنِ الرَّبيع عن أبيه قال : دعاني المنصورُ فقال: إنَّ جَعفَرَ بنَ محمد
يُلحِدُ في سُلطاني قتلني الله إنْ لَم أقْتُلْه فأتَيْتُه فقلتُ: أجِبْ أميرَ المؤمنين فَتَطَهَّرَ ولبسَ
ثياباً ، أحسَبُه قال : جُدُداً، فأقبلتُ به فاستأذَنتُ له ، فقال: أدْخِلْه قتلني الله إنْ لَم
أقْتُلْه ، فلمَّا نَظَرَ إليه مُقبلاً قامَ من مجلسِه فتَلَقَّاهُ وقال : مرحباً بالنَّقيِّ السَّاحة ، البَرِيءُ
من الدَّغَلِ والخِيانَةَ ، أخي وابنُ عمي ، فأقعَدَه معه على سَريرِه وأقبلَ عليه بوجهِه
وسَأَلَه عن حالِه ، ثمَّ قال: سَلْنِي عن حاجتِك فقال: أهلُ مكةَ والمدينة قد تأخّرَ
عطاؤُهم فتأمُر لهم به قال : أفْعَل ، ثم قال : يا جارية اثْنِي بالُّحْفَةِ فَأَتَتْهُ بمُدْهُن زجاج
فيه غالية فغلفه بيده وانصرف فاتبعته فقلتُ : يا ابنَ رسولِ الله ، أتيتُ بك ولا أشُكُ أنَّه
قاتِلُك ، فكان منه ما رأيت وقد رأيتُك تُحَرِّكُ شَفَتَيْكَ بشيءٍ عند الدُّخُولِ فما هو ؟
قال : قلتُ : اللَّهُمَّ احْرُسْني بعينِك التي لا تَنَام واكُفْنِي برُكنِك الذي لا يُرَام واحفَظِي
(١) انظر السير: (عليُّ بن الحسين) ٣٨٦/٤ -٤٠١، وانظر النزهة: ٥/٥١٨.
(٢) وأخرجه البخاري (١٢٣/١١) في الدعوات باب الدعاء عند الكرب، ومسلم (٢٧٣٠) في الذكر
والدعاء باب دعاء الكرب من حديث ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان
يقول عند الكرب ((لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلاّ الله ربّ العرش العظيم، لا إله إلا الله
ربّ السماوات وربّ الأرض وربّ العرش العظيم)).
(٣) انظر السير: (الحسن) ٤٨٣/٤ -٤٨٧، وانظر النزهة: ١/٥٣٧.
٩٧

بقُدرتِك عليَّ ولا تُهلِكنِي وأنتَ رَجَائِي ربّ كم من نِعمَةٍ أنعمتَ بها عليَّ قَلَّ لكَ عندها
شُكرِي وكم من بَلِيَّةِ ابتليتَنِي بها قَلَّ لك عندها صَبري ؟ فيا مَنْ قَلَّ عند نِعمَتِهِ شُكري فلَمْ
يَحْرمني، ويا مَنْ قلَّ عند بَليَِّهِ صَبري فَلَمْ يَخْذُلني ، ويا مَنْ رآني على المعاصي فلَمْ
يَفْضَحِنِي ، ويا ذا النِّعَمِ التي لا تُحْصَى أبداً، ويا ذا المَعرُوفِ الذي لا يَنقَطِعُ أبداً ،
أعِنِّي على ديني بدُنيا وعلى آخرتي بتقوى ، واحفَظْني فيما غِبتُ عنه ولا تَكِلني إلى
نفسِي فيما خطرت يا مَنْ لا تَضُرُّه الدُّنوب ولا تنقصُه المَغفِرة اغْفِرْ لي ما لا يَضُرُّك ،
وأعطِني ما لا يَنْقُصُك يا وهَّابُ أسألك فَرَجاً قريباً وصَبراً جَمِيلاً ، والعافيةَ من جميع
البَلايا وشكر العافية مات جعفرٌ الصَّادق في سنةٍ ثمانٍ وأربعين ومئة، وعُمرُه ثمانٍ
وسِتِيِّن سنة رَحِمَه الله(١) .
وعن بقيّة ، قال : كُنَّا مع إبراهيمَ بنِ أدْهَم في البحرِ ، فهاجَت ريحٌ واضطَرَبَت
السَّفينةُ، وبَكَوْا فقلنا : يا أبا إسحاق! ما ترى؟ فقالَ: يا حيُّ حين لا حيَّ، ويا حيُّ
قبلَ كُلِّ حِيٍّ ، ويا حيُّ بعد كُلِّ حيٍّ ، ويا حيُّ يا قيُّومُ يا مُحسِنُ ، يا مُجْمِلُ! قد أرَيَتَنَا
قُدرتَك ، فأرِنا عَفوَك فهَدَأتْ السَّفينةُ من ساعته(٢) .
عن عمرو بنِ السَّرحْ : قلتُ لذِي النُّونِ المِصْريّ : كيفَ خَلُصتَ من المُتَوَكِّل وقد
أَمَرَ بقتلك !! ؟ قال : لمَّا أوصَلني الغُلام ، قلتُ في نفسِي : يا مَنْ ليسَ في البحارِ
قَطَرَاتٌ ، ولا في دَيْلَجِ الرِّيَاحِ دَيْلَجاتٌ ، ولا في الأرضِ خَبِيئَاتٌ ، ولا في القُلوبِ
خَطَراتٌ ، إلاَّ وهي عَليكَ دَليلاتٌ ، ولكَ شاهداتٌ ، وبرُبُوبِيَِّكَ مُعتَرِفَاتٌ ، وفي
قُدرتِك مُتَخَيِّراتٌ، فبالقُدرةِ التي تُجيرُ بها من في الأرضِين والسَّماوات إلاَّ صَلَّيتَ على
محمدٍ وعلى آلِ محمدٍ ، وأخَذتَ قَلبَه عَنِّي، فقامَ المُتوَكِّل يَخطُو حتىُ أعْتَقَنِي ، ثم
قال : أَتْعَبنَاكَ يا أبا الفَيض(٣).
وقال الضِّياءُ : اعتُقلَ الإمامُ عبدُ الغنيّ المَقدِسيّ في دارِ أسبوعاً ، فسمعتُ أبا
(١) انظر السير: (جعفر بن محمد) ٢٥٥/٦ -٢٧٠، وانظر النزهة: ٢/٦٤٩.
(٢) انظر السير: (إبراهيم بن أدهم) ٣٨٧/٧ -٣٩٦، وانظر النزهة: ٣/٧٠٨.
(٣) انظر السير: (ذو النون المصريّ) ٥٣٢/١١ -٥٣٦، وانظر النزهة: ٥/٩٦٨.
٩٨

موسى يقول : سمعتُ أبي يقول : ما وجَدتُ راحةً في مصرَ مثل تلك اللَّيالي قال :
وكانت امرأةٌ في دارٍ إلى جانب تلك الدَّار ، فسَمعتُها تبكي وتقولُ : بالسِّرِّ الذي أوْدَعتَه
قَلبَ موسى حتىْ قَوِيَ على حملِ كلامِك قال: فَدَعَوتُ به فخلصتُ تلك الليلة (١) .
(ز ) مُنَاجَاةٌ :
قال الإمامُ الذهبيُّ : تُوفِّي كهْمَس في سنة تسع وأربعين ومئة وكان من حملة الحجة
قال أبو عَطاء الرَّمليّ : كان كَهْمَس يقولُ في الليل : أَتُراكَ مُعذِّبي وأنت قُرَّةُ عيني ،
يا حبيبَ قلباه!(٢).
وعن محمد بنِ يَزِيد الرِّفاعيّ قال: سَمعتُ عَمِّي يقول: خَرجتُ مع عُمر ابنٍ ذَر
إلى مَكَةَ ، فكان إذا لبَّى لم يُلَبِّ أحدٌ من حُسنٍ صَوتِهِ ، فلمَّا أتَى الحَرَمَ قال : ما زِلِنَا
نَهبطُ حُفرةً ونَصعَدُ أَكَمَةً ونَعلُو شَرَفاً ويبدُو لنا عَلَمٌ حتى أتَيْناك بها نَقِبَةً أخفافُها ، دَبِرَةً
ظُهورُها ذَبِلَةً أسْنامُها فليس أعظَمَ المؤنَةَ علينا إتْعابُ أبدانِنا ولا إنفاقُ أموالِنا ، ولكن
أعظم المؤنَةَ أنْ نرجِعَ بالخُسرانِ! يا خيرَ مَن نَزَلَ النَّازلون بفنائه(٣).
وعن أبي يزيدِ البِسْطاميّ قال: هذا فَرَحِي بك وأنا أخافُك ، فكيف فَرَحِي بك إذا
أمِنْتُك؟ ليس العَجَبُ من حُبِّي لك وأنا عبدٌ فَقِيرٌ ، إنَّما العَجَبُ من حُبِّكَ لي وأنتَ مَلِكٌ
قديرٌ(٤).
(ح) نَمَاذجُ من دُعاء الصَّالحين :
وعن عبدِ الله بنِ مَسْعُود أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم مَرَّ بين أبي بكرٍ وعُمَرَ ،
وعبدُ الله بنُ مسعودٍ قائمٌ يُصَلي فافتَتَحَ سورةَ النِّساء يُسَجِّلُها(٥) ، فقال صلى الله عليه
وسلم: (( مَنْ أَحَبَّ أنْ يَقْرَأَ القُرآنَ غَضّاً كما أُنزِلَ فليَقْرَأْ قراءَةَ ابنِ أُمِّ عَبد )) فأخَذَ عبدُ الله
(١) انظر السير: (عبد الغني المقدسي) ٤٤٣/٢١-٤٧١، وانظر النزهة: ١/١٦٤٩.
(٢) انظر السير: (كهمس) ٣١٦/٦ -٣١٧، وانظر النزهة: ٥/٦٥٣.
(٣)
انظر السير: ( عُمرُ بن ذَر) ٣٨٥/٦ -٣٩٠، وانظر النزهة: ٣/٦٦٠.
انظر السير: ( أبو يزيد البسطامي) ٨٦/١٣-٨٩، وانظر النزهة: ٤/١٠٥٤.
(٤)
(٥) أي يقرؤها قراءة مفصّلة .
٩٩

في الدُّعاءِ فجَعَلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: ((سَلْ تُعْطَ)) فكان فيما سَأَلَ :
اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ إيماناً لا يَرتَدُّ ونَعِيماً لا يَنفَدُ ومُوافَقَةَ نَبَيِّكَ محمد صلى الله عليه وسلم
في أعلَىْ جِنَانِ الخُلْد، فأتىْ عُمَرُ عبدَ الله يُبَشِّرُهُ، فَوَجَدَ أبا بكرٍ خارجاً قد سَبَقَه ،
فقال : إِنَّكَ لسَبَّاقٌ بالخير(١).
وعن القاسمِ بنِ عبدِ الرَّحمن أنَّ بنَ مَسْعودٍ كان يقولُ في دُعائِه : خائِفٌ مُستَجِيرٌ ،
تائِبٌ مُستَغْفِرٌ، راغِبٌ راهِبٌ(٢).
وعن مالكِ بنِ مِغْوَل : حدثنا ابنُ بُرَيدَة عن أبيه قال : جاءَ رسولُ الله صلى الله عليه
وسلم إلى المسجد ، وأنا على بابِ المسجدِ ، فأخَذَ بيدي فأدخَلَني المسجدَ ، فإذا
رجلٌ يُصَلي ، يَدعُو يقول: اللَّهُمَّ إنِّي أسألُك بأنِّي أشهَدُ أنَّكَ أنتَ الله لا إلَهَ إلاَّ أنْتَ
الأحَدُ الصَّمَدُ الذي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَد ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوا أَحَدٌ .
قال صلى الله عليه وسلم: ((والذي نفسِي بَيَدِه لَقَدْ سَأَلَ الله باسمِهِ الأَعْظَم ، الذي
إذا سُئِلَ به أعْطَى وإذا دُعِيَ به أجاب)) وإذا رجلٌ يَقْرأ فقال صلى الله عليه وسلم: ((لقد
أُعْطِيَ هذا مِزْماراً من مَزامِيرِ آلِ داود )» ، قلتُ يا رسولَ الله، أُخْبِرُهُ؟ قال صلى الله
عليه وسلم: ((نعم )) فأخْبَرَتُه فقال لي: لا تزالُ لي صَديقاً، وإذا هو أبو موسى(٣).
وعن مَسروقٍ قال : خَرَجنا مع أبي موسىْ فِي غَزَاةٍ ، فَجَنَّنَا الليلُ في بُستانٍ خَرِبٍ ،
فقام أبو موسىْ يُصلي، وقَرَّأَ قِراءَةً حَسَنَة، وقال: اللَّهُمَّ أنتَ المُؤمِنُ تُحِبُّ المُؤْمنَ،
وأنتَ المُهيمنُ تُحِبُّ المُهيمنَ ، وأنتَ السَّلامُ تُحِبُّ السَّلام(٤) .
وكان مُطرِّفُ بنُ عبد الله بن الشِّخِّير يقولُ : اللَّهُمَّ ارضَ عَنَّا، فإنْ لَمْ تَرَضَ عنَّا
فاعفُ عنَّا فإِنَّ المَولَىُ قد يَعْفُو عن عبدِه وهو عنهُ غَيرُ راضٍ (٥) .
(١) انظر السير: (عبد الله بن مسعود) ١/ ٤٦١ - ٥٠٠، وانظر النزهة : ٤/١٩٤.
(٢)
انظر السير: ( عبد الله بن مسعود) ١/ ٤٦١ - ٥٠٠، وانظر النزهة : ٥/١٩٧.
(٣) انظر السير: ( أبو موسى الأشعري) ٢/ ٣٨٠ -٤٠٢، وانظر النزهة: ٣/٢٧٩.
انظر السير : ( أبو موسى الأشعري) ٢/ ٣٨٠ - ٤٠٢، وانظر النزهة: ٨/٢٨٠.
(٤)
انظر السير : ( مطرف بن عبد الله) ٤ / ١٨٧ - ١٩٥، وانظر النزهة : ٥/٤٧٦.
(٥)
١٠٠