النص المفهرس

صفحات 61-80

وعن عبد الله بنِ أبي سُليمان قال : كان عليّ بنُ الحُسَين إذا مشى لا تُجَاوِزُ يَدُه
فَخِذَيه ولا يَخْطِرُ بهما، وإذا قامَ إلى الصَّلاة، أخَذَته رِعدَة ، فقيل له ، فقال : تدرون
بين يَدَي مَنْ أقومُ ومَنْ أُناجِي ؟
وعنه أنَّه كانَ إذا تَوضَأَ اصفَرَ (١).
عن عبدِ الله بن مسلم بن يَسَار: أنَّ أبَاه كان إذا صَلَّى كأنَّه وَقٌ(٢) لا يميلُ لا هكذا
ولا هكذا(٣).
وقال غَيلانُ بنُ جَرير : كان مسلمُ بنُ يَسَار إذا صلى كأنَّه ثوبٌ مُلْقَى، وقال ابنُ
شَوذب : كان مسلم بن يَسَار يقولُ لأهله إذا دخلَ في الصَّلاة: تَحَدَّثوا فلسْتُ أسمعُ
حَديثكم (٤) .
ورُويَ أنَّه وقع حَريقٌ في دارِه وأُطفِىءَ، فلمَّا ذُكِرَ ذلكَ لهُ قالَ : ما شَعَرتُ(٥).
وقال الأعمشُ : كان إبراهيمُ التيمي إذا سَجَدَ كأنَّه جِذْمُ حائطٍ يَنزلُ عن ظهرِهِ
(٦)
العصافير(٦) .
وقال زيادُ بنُ أَيُّوب : حَدَّثَنَا أبو بكر قال : كان عاصمُ بنُ أبي النُّجود إذا صَلَّى
يَنْتَصِبُ كأنَّه عُود، وكان يكونُ يومَ الجُمُعَة في المسجد إلى العصر، وكان عَابداً خَيِراً
يُصَلِّي أَبَداً، رُبَّما أتى حاجةً ، فإذا رَأى مسجداً قال : مِلْ بنا ، فإنَّ حَاجَتَنَا لا تَفْوتُ ،
ثم يدخلُ فيُصَلِّي (٧).
(١) انظر السير: (عليّ بن الحُسَين) ٣٨٦/٤-٤٠١، وانظر النزهة: ٣/٥١٨.
(٢)
الوَدّ : الوتد .
انظر السير: ( مسلم بن يَسَار) ٥١٠/٤ - ٥١٤، وانظر النزهة: ٢/٥٤٧.
(٣)
انظر السير: ( مسلم بن يَسَار) ٥١٠/٤_٥١٤، وانظر النزهة: ٣/٥٤٧.
(٤)
انظر السير: ( مسلم بن يَسَار) ٥١٠/٤ -٥١٤، وانظر النزهة: ٤/٥٤٧.
(٥)
انظر السير: (إبراهيم بن يزيد) ٦٠/٥ -٦٢، وانظر النزهة: ٢/٥٨٠.
(٦)
(٧) انظر السير: (عاصم بن أبي النُّجود) ٢٥٦/٥ -٢٦١، وانظر النزهة: ٦/٥٩٩.
٦١

عن الوليدِ بن مَزْيَد: سُئلَ الأوْزَاعِيُّ عن الخُشُوع في الصَّلاة قال : غَضُّ البَصَر ،
وخَفْضُ الجَنَاحِ، ولِينُ القَلبِ، وهو الحَزَن، والخَوَفَ (١).
وقال أحمدُ بنُ سِنان : رأيتُ وكيعاً إذا قامَ في الصَّلاة ليسَ يَتَحَرَّكُ منه شيءٌ ،
لا يَزُولُ ولا يَميلُ على رجلٍ دون الأخرى(٢) .
وقال أحمدُ بنُ سِنان : ما رأيتُ عالِماً قَطُّ أَحْسَنَ صَلاةً من يَزيد ابن هارون ، يقومُ
كأنَّهِ أُسطوانة (٣) .
وبَلغَ من زُهد يَعْقُوبَ الحَضْرميّ أنَّه سُرِقَ رداؤُه عن كتِفِه وهو في الصَّلاة ، ولم
يَشْعُر، ورُدَّ إليه، فلم يَشْعُر، لشُغله بعبادة ربِّه، وبَلَغَ من جاهِه بالبَصْرَة أنَّه كان
يَحبِسُ ويُطلِقِ ، مات يعقوبُ سنةً خمس ومئتين (٤) .
وقال محمد بن أبي حاتم : دُعي محمدُ بنُ إسماعيل إلى بُستَان بعضٍ
أصحابِه ، فلمَّا صَلَّى بالقوم الظُّهرَ، قامَ يَتَطوَّعُ، فلمَّا فَرَغَ من صلاته، رَفَعَ ذَيلَ
قميصِه ، فقال لبعضٍ مَنْ معه : انظر هل ترى تحت قميصي شيئاً ؟ فإن زنبوراً قد
أَبَرَهُ في ستة عشر أو سبع عشر موضعاً ، وقد تورَّم من ذلك جسدُه فقال له بعضُ
القوم : كيف لَم تخرج من الصَّلاة أوَّلَ ما أَبَرَك ؟ قال : كنتُ في سورةٍ ، فأحبَبْتُ
أن أُتِمَّها !! (٥) .
قال أبو بكر الصِّبغي : أدركتُ إمامَين لمْ أُرزَق السَّماعَ منهما : أبو حاتم الرَّازي ،
ومحمد بن نصر المَرْوزي ، فأمَّا ابنُ نصر فما رأيتُ أحْسَنَ صَلاةَ منه ، لقد بَلغَني أن
زُنُوراً قَعَدَ علىْ جَبهِهِ فسالَ الدَّمُ على وجهه ، ولم يتحَرَّك(٦) .
(١) انظر السير: (الأوزاعي) ٧/ ١٠٧- ١٣٤، وانظر النزهة: ١/٦٨٢.
(٢) انظر السير: (وكيع) ٩/ ١٤٠-١٦٨، وانظر النزهة: ٨/٨١١.
(٣)
انظر السير: (يزيد بن هارون) ٣٥٨/٩ -٣٧١، وانظر النزهة: ١/٨٣٠.
انظر السير: ( يعقوب الحضرمي) ١٠/ ١٦٩ - ١٧٤، وانظر النزهة: ٤/٨٦٣.
(٤)
(٥)
انظر السير: ( أبو عبد الله البخاريّ) ١٢/ ٣٩١ -٤٧١، وانظر النزهة: ٢/١٠١٦.
(٦) انظر السير: (محمد بن نصر) ١٤/ ٣٣ -٤٠، وانظر النزهة: ١/١١٢٦.
٦٢

وقال محمدُ بنُ يَعقُوب بن الأخْرَم : ما رَأيتُ أحسَنَ صَلاةً من محمد بنٍ نصر كان
الذُّبابُ يقعُ على أُذُنِهِ ، فَيَسِيلُ الدَّمُ، ولا يَذُّه عن نفسه، ولقد كُنَّا نتَعَجَّبُ من حُسن
صَلاتِهِ وخُشُوعه وهَيْئَتِهِ للصَّلاة ، كان يضعُ ذَقَتَه على صَدره فيَنْتُصِبُ كأنَّه خَشَبَةٌ مَنْصُوبة
قال : وكان مِن أحسَن النَّاس خَلْقَاً ، كأنَّما فُقِىءَ في وجهه حَبُّ الرُّمان ، وعلىُ خَذَّيه
كالوَرد ، ولِحيتُه بيضاء(١) .
(هـ) التَّهَمُد :
١ - قولٌ جميلٌ في فائدة التَهَّجُد :
قال مروانُ الطَّاطَرِي : قال الأوزاعِيُّ: مَنْ أَطالَ قيامَ اللّيل، هوَّنَ الله عليه وقوفَ
يوم القيامة(٢).
٢ - رؤى فيها حثٌّ على التَهَّجُد :
وقال جعفرُ بنُ سُليمان الضُّبعي: حَدَّثنا هشامُ بنُ زِياد أخو العَلاء ابن زياد ، أنَّ
العَلاء كان يُحْبِي ليلةَ الجُمُعة، فنامَ ليلةَ جُمُعةٍ، فأتاه مَن أَخَذَ بناصِيته ، فقال : قُم
يا ابنَ زِياد ، فاذكُر الله يَذْكُرْ فقامَ، فما زالت تلكَ الشَّعراتُ التي أَخَذَها منه قائمةً
حتى مات(٣).
قال إبراهيمُ الحَربي: حَذَّثنا داودُ بنُ رشيد قال : قمتُ ليلةً أُصَلّي ، فَأَخَذَنِي البَردُ
لِمَا أنا فيه من العُريّ، فَأَخَذَني النَّومُ، فرأيتُ كأنَّ قائلاً يقولُ : يا داود ، أنَمْناهم
وأقَمْناكَ فتبكي علينا ؟ قال الحَربيُّ: فأظُنُّ داودَ ما نامَ بعدها ، يَعنِي: ما تركَ تَهَجُّد
الليل (٤) .
وقال الخلديّ : رأيتُ أحمدَ بنَ محمد النُّوري الزَّاهد في النَّوم ، فقلتُ :
(١) انظر السير: (محمد بن نصر) ١٤/ ٣٣ - ٤٠، وانظر النزهة: ٢/١١٢٦.
(٢) انظر السير: (الأوزاعيّ) ٧/ ١٠٧- ١٣٤، وانظر النزهة: ٤/٦٨٣.
(٣) انظر السير: (العلاء بن زياد) ٢٠٢/٤ -٢٠٦، وانظر النزهة: ٤/٤٧٨.
(٤) انظر السير: (داود بن رشيد) ١٣٣/١ -١٣٥، وانظر النزهة: ٢/٩١٦.
٦٣

ما فعلَ الله بك ؟ فقال : طاحَت تلكَ الإشارات وغابَت تلكَ العِبَارات ، وفَنِيَت تلكَ
العُلوم، ونَفِدَت تلكَ الرُّسُوم، وما نَفَعَنا إلاَّ رَكَعاتٌ كُنَّا نَرَكَعُها في الأَسحار(١).
٣- الحَثُّ على التَّهَجُّد :
وقال إبراهيمُ بنُ محمد بن سُفيان : سمعتُ عاصمَ بنَ عصام البَيّهَقي يقولُ : بتُ
ليلةً عند أحمد بن حنبل، فجاءَ بماءٍ فَوَضَعَه، فلمَّا أصبحَ نَظَرَ إلى الماءِ بحاله ،
فقال : سُبحانَ الله !! رجلٌ يَطلُبُ العِلمَ لا يكونُ له وردٌ بالليل(٢).
٤ - صورٌ من التَّهُد :
وعن عَون بن عبد الله ، عن أخيه عُبَيد الله قال : كان عبدُ الله ابن مَسْعود إذا هَدَأت
العُيون قامَ فسَمِعتُ له دوياً كَدَوِيٍّ النحل(٣).
وعن عبَّاسِ الجُرَيريِّ، سمعتُ أبا عُثمان النَّهدي قال : تَضَيَّفتُ أبا هريرةَ سبعاً ،
فكان هو وامرأتُه وخادمُه يَعْتَقِبُون الليلَ أثلاثاً ، يُصَلي هذا، ثم يُوقِظُ هذا، ويُصَلي
هذا ثم يُوقِظُ هذا (٤).
وكان أبو بَرْزَة الأَسْلميّ يقومُ إلى صلاة الليل ، فيتوضأ ، ويوقظُ أهلَه رضي الله
عنه ، وكان يقرأُ بالستّين إلى المئة (٥) .
عن عُمر بن محمد بن زيد ، أخبرنا أبي أنَّ عبدَ الله بن عُمر كان له مِهْراسٌ(٦) فيه
ماءٌ فيصلي فيه ما قُدِّر له ، ثم يصير إلى الفِراش ، فيُغفي إغفاءة الطائر ، ثم يقوم
فيتَوضَّأ ويُصلي ، يفعلُ ذلك في الليل أربع مرات أو خمسة (٧).
انظر السير: (النّوريّ) ١٤/ ٧٠ -٧٧، وانظر النزهة: ٣/١١٣٥ .
(١)
انظر السير : ( أحمد بن حنبل) ١١/ ١٧٧ - ٣٥٨، وانظر النزهة: ١/٩٤٥.
(٢)
انظر السير: ( عبد الله بن مسعود) ١/ ٤٦١ - ٥٥٠، وانظر النزهة : ٤/١٩٧.
(٣)
انظر السير: ( أبو هريرة) ٥٧٨/٢ -٦٣٢، وانظر النزهة: ٤/٣١١.
(٤)
انظر السير: ( أبو برزة الأسلمي) ٣/ ٤٠ _٤٣، وانظر النزهة: ٥/٣٢٨ .
(٥)
(٦) المهراس : صخرة منقورة تسع الكثير من الماء ، وقد يُعمل منها حياض للماء.
(٧) انظر السير: (عبد الله بن عُمر) ٢٠٣/٣-٢٣٩، وانظر النزهة: ٣/٣٦٨.
٦٤

وعن ابن أبي مُلَيْكَة : صَحِبتُ ابنَ عَبَّاسٍ من مكةَ إلى المدينةِ ، فكان يُصَلّي
ركعتين ، فإذا نَزَلَ، قامَ شَطرَ اللّيلِ، ويُرَتِّلُ القرآنَ حَرفاً حَرفاً ، ويُكثرُ في ذلك من
النَّشِيجِ والنَّحِيب(١) .
وعن أصبغ بن زيد قال : كان أُوَيْسُ القَرنيّ إذا أمسَى يقول : هذه ليلةُ الرُّكوع ،
فيَركعُ حتى يُصْبِح، وإذا أمسَى يقول : هذه ليلةُ السُّجُود ، فَيَسْجُدُ حتى يُصْبِحِ ،
وكان إذا أمسىْ تَصَدَّقَ بما في بيته من الفَضْلِ من الطَّعَام والشَّرَاب ، ثم قال: اللَّهُمَّ مَن
ماتَ جُوعاً فلا تُؤَاخِذْني به ، ومَن ماتَ عُرْياً فلا تُؤَاخِذْني به(٢) .
ورَوَى الوليدُ بنُ عليٍّ عن أبيه قال : كان سُوَيدُ بنُ غَفَلة يَؤْمُّنا في شهر رمضان في
القيام ، وقد أتى عليه عشرون ومائة سنة(٣).
قال الذهبيُّ: بَلَغَنا عن مُرَّة الطيب أنَّه سَجَدَ حتى أكلَ التُّرَابُ جَبهَتَه (٤) .
وقال سُفيانُ بنُ عُيَيْنَةِ : سَمعتُ عَطاءَ بنَ السَّائِب يقولُ : رأيتُ مُصَلَّى مُرَّةَ الهمذانيّ
مثل مَبرِك البَعير ، ونقل عَطاءٌ أو غَيرُه أنَّ مُرَّةَ كان يُصَلي في اليوم والليلة سِتَّ مئة قال
الذهبيُّ : ما كان هذا الوَلِيُّ يَكَادُ يَتَفرَّغُ لِنَشْرِ العِلم ، ولهذا لم تَكثُر رِوايتُه ، وهل يُرادُ
من العِلم إلاَّ ثَمَرَتُه(٥) .
وقال أبو الأشْهب : كان أبو رَجاء العَطارديّ يَخْتمُ بنا في قيامٍ لكل عشرة أيام(٦).
وعن عبد الله بن محمد بن عقيل قال : كنتُ أنا وأبو جعفر الباقر نختلفُ إلى جابر
نكتبُ عنه في ألواح ، وبلغَنا أنَّ أبا جعفر كان يُصَلي في اليوم والليلة مئة وخمسين
ركعة (٧) .
(١) انظر السير: (عبد الله بن عباس البحر) ٣٣١/٣ -٣٥٩، وانظر النزهة: ٣/٣٩١.
(٢)
انظر السير: ( أُويس القرني) ١٩/٤ -٣٣، وانظر النزهة: ٥/٤٣٥ .
انظر السير: ( سُويد بن غفلة) ٦٩/٤ -٧٣، وانظر النزهة: ١/٤٤٧.
(٣)
انظر السير: ( مُرَّة الهمذاني) ٧٤/٤ - ٧٥، وانظر النزهة : ٣/٤٤٧.
(٤)
انظر السير : ( مُرَّة الهمذاني) ٧٤/٤ _ ٧٥، وانظر النزهة : ٤/٤٤٧.
(٥)
انظر السير : ( أبو رجاء العطاردي) ٢٥٣/٤ - ٢٥٧، وانظر النزهة : ٢/٤٩٢.
(٦)
(٧) انظر السير: ( أبو جعفر الباقر) ٤٠١/٤-٤٠٩، وانظر النزهة: ١/٥٢٢.
٦٥

وقال الذهبيُّ : بَلغَنا أنَّ مُعاذةَ بنتَ عبد الله زوجة السَّيد القُدوة صِلَةَ بن أشيم تُحيي
الليلَ عِبادةً ، وتقولُ: عجبتُ لعينٍ تنامُ وقد عَلمَتْ طُولَ الرُّقادِ فِي ظُلَم القُبور(١).
وقال ابنُ شُبْرُمَةَ: كان زُبيدُ بنُ الحارث يُجَزِّىءُ اللّيلَ ثلاثةَ أجزاء : جزءاً عليه ،
وجزءاً على ابنِه، وجزءاً على ابنه الآخَر عبدِ الرَّحمن فكان يُصَلّي، ثم يقولُ
لأحدِهما: قُم، فإن تَكاسَلَ صَلّى جُزْءَه، ثم يقولُ للآخَر : قُم، فإن تَكاسَلَ أيضاً
صَلّى جُزْءَه، فيُصَلّي اللّيلَ كُلَّه(٢).
وعن مالك بنِ أنس قال : كان صَفوانُ بنُ سُليم يُصَلّي في الشِّتاءِ في السطح وفي
الصَّيْف في بَطنِ البَيْت، يَتَقَّظُ بالحَرِّ والبَرد ، حتى يُصبح، ثم يقول : هذا الجَهْدُ من
صفوان وأنتَ أعلمُ ، وإنَّه لَتَرِمُ رِجْلاه حتى يعودَ كالسِّقْطِ من قيام اللّيل ، ويظهَرُ فيه
عروقٌ خُضر(٣) .
وقالت بنتٌ لجار مَنصور بنُ المعتمِر : يا أبتِ أين الخشبةُ التي كانت في سطح
منصور قائمة ؟ قال : يا بنية ذاك منصورُ، كان يقومُ الليلَ (٤) .
وعن سلام قال : كان أيوبُ السَّختِيَاني يقومُ الليلَ كُلَّه فيُخْفِي ذلك ، فإذا كان عند
الصُّبْحِ رَفَعَ صَوتَه كأنَّه قامَ تلك السَّاعة(٥) .
وقال ابنُ سَعْد : كان سُليمانُ بنُ طرخان من العُبَّاد المجتهدين ، كثيرَ الحديث ،
ثقةٌ يُصَلّ اللّيلَ كُلَّه بوضوءِ عِشاء الآخرة، وكان هو وابنُهُ يَدُوران باللّيل في المسَاجِد
فيُصَليان في هذا المسجِدِ مرةً وفي هذا المسجد مرة حتى يُصبحا(٦) .
عن القاضي أبي يوسُف قال : بينما أنا أمشي مع أبي حنيفة ، إذ سمعتُ رجُلاً يقولُ
(١) انظر السير: ( مُعاذة) ٥٠٨/٤-٥٠٩، وانظر النزهة: ٥/٥٤٦.
(٢)
انظر السير: (زُبيد بن الحارث) ٢٩٦/٥-٢٩٨، وانظر النزهة : ٦٠٤/ ٧ .
(٣) انظر السير: (صفوان بن سُليم) ٣٦٤/٥-٣٦٩، وانظر النزهة: ٤/٦١٠.
انظر السير: ( منصور بن المعتمر) ٤٠٢/٥-٤١٢، وانظر النزهة: ٣/٦١٧.
(٤)
انظر السير: ( أيوب السَّختياني) ٦/ ١٥ -٢٦، وانظر النزهة: ٢/٦٢٦.
(٥)
انظر السير: ( سُليمان بن طرخان) ٦/ ١٩٥ -٢٠٢، وانظر النزهة: ٨/٦٤٠.
(٦)
٦٦

لآخَر : هذا أبو حنيفة لا ينام الليل فقال أبو حنيفة: والله لا يُتَحدَّثُ عنِّي بما لمْ أفعل
فكان يُحيي الليلَ صَلاةً وتَصرُّعاً ودُعاءً (١) .
وكان الحسنُ بنُ صالح من أئمة الاجتهاد ، وقد قال وكيعٌ : كان الحسنُ بنُ صالح
وأخوه وأمُّهُما قد جَزَّؤوا الليلَ ثلاثةَ أجزاء ، فكلُّ واحدٍ يقومُ ثلثاً ، فماتت أمُّهُما ،
فاقتسما الليلَ ، ثم مات عليٍّ ، فقام الحسنُ الليلَ كلَّه(٢).
وقال إسحاقُ السَّلولي: حَدَّثتني أُمُّ سَعيدٍ ، قالت: كان بَيْننا وبين داودَ الطَّائي
جِدَارٌ قصير، فكنتُ أسمعُ حَنينَهُ عامَّة اللّيل، لا يَهدأ، ورُبَّمَا تَرَنَّم في السَّحَر
بالقرآنِ ، فأَرَىْ أنَّ جميعَ النَّعيم قد جُمعَ في تَرَلُّمِه ، وكان لا يسرج عليه(٣) .
وعن الوليدِ بنِ مسلم قال: كان سعيدُ بنُ عبد العزيز يُحْيِي الليلَ ، فإذا طلعَ
الفَجرُ، جَدَّدَ وضُوءَه وخَرَجَ إِلى المَسْجِد (٤) .
قال عُبيسُ بنُ مَيمون العطَّار، حَدَّثتني عَبدة بنتُ أبي شَوَّال ، وكانت تَخدمُ رابعةً
العَدَويّة ، قالت: كانت رابعةُ تُصَلّي اللّيلَ كُلَّه، فإذا طَلَعَ الفَجرُ، هَجَعَت هَجعَةً حتى
يُشْفِرِ الفَجرُ ، فكنتُ أسمعُها تقول : يا نفسُ كم تَنَامين ؟ ، وإلى كم تَقومين ؟ ،
يوشِكُ أنْ تَنَامي نومةً لا تقومين منها إلاَّ ليوم النُّشُور (٥) .
وعن إسحاقَ بن إبراهيمَ الطَّبَرِيّ قال : ما رأيتُ أحداً أخْوَفَ على نفسِه ،
ولا أرْجَى للنَّاس من الفُضَيْلِ كانت قراءتُه حَزِينَةٍ ، شَهِيَّةً، بطيئة، مُتَرَسِّلة، كأنَّه
يُخَاطِبُ إنسَاناً ، وكان إذا مَرَّ بآيةٍ فيها ذِكرُ الجَنَّةَ يُرَدِّدُ فيها، وسَأل ، وكانت صَلاتُهُ
بالليل أكثر ذلك قاعداً ، يُلقى له الحصيرُ في مسجده فيُصَلي من أول الليل ساعةً ، ثم
تَغْلِبُهُ عينُه فيُلقي نفسَه على الحصير ، فينامُ قليلاً ، ثم يقومُ ، فإذا ◌َلبَه النَّومُ نَامَ ، ثم
(١)
انظر السير: ( أبو حنيفة) ٦/ ٣٩٠ - ٤٠٤، وانظر النزهة: ٦٦٢ /٧ .
(٢)
انظر السير: ( الحسن بن صالح) ٣٦١/٧ -٣٧١، وانظر النزهة : ٣/٧٠٣.
انظر السير: ( داود الطّائي) ٤٢٢/٧- ٤٢٥، وانظر النزهة : ٤/٧١٢.
(٣)
(٤) انظر السير: (سعيد بن عبد العزيز) ٣٢/٨-٣٨، وانظر النزهة: ٧/٧٢٣.
(٥) انظر السير: (رابعة العدوية) ٢٤١/٨ -٢٤٣، وانظر النزهة: ٤/٧٤٧.
٦٧

يقوم هكذا حتى يُصْبح، وكان دأبُهُ إذا نَعَسَ أن يَنَامَ ويُقالُ: أَشَدُّ العِبادةِ ما كان
هكذا(١) .
وعن أبي عبد الله النَّخَعِي قال: لم يُفْرَش لأبي بكر بن عيَّاش فراشٌ خمسين
سنة (٢).
وعن عاصمٍ بنِ عليٍّ قال: كنتُ أنا ويزيدُ بنُ هارون عند قَيس ابنِ الرَّبيع ، فأمَّا
يزيدُ فكان إذا صَلَّى العَتَمَةَ، لا يزالُ قائماً حتى يُصَلِي الغَدَاةَ بذلك الوضوء ، نَّهاً
وأربعين سنة(٣).
وعن محمد بنِ إسماعيل ، حَذَّثني حُسَين الكَرَابيسي ، قال : بثُّ مع الشَّافعيِّ
ليلةً، فكان يُصَلِي نَحوَ ثُلُثِ الليلَ ، فما رأيتُه يزيدُ على خمسين آية ، فإذا أكثرَ فمئة ،
وكان لا يَمُؤُّ بآيةِ رحمةٍ إلَّ سألَ الله، ولا آيةِ عذابٍ إلَّ تَعَوَّذَ ، وكأنَّما جُمعَ له الرَّجَاءُ
والرَّهبةُ جميعاً(٤) .
وقال المروذيّ : رأيتُ أبا عبد الله أحمدَ بنَ حَنْبل یقومُ لوِرْدِه قريباً من نصف الليل
حتى يُقَارِبِ السَّحَر، ورأيتُه يركعُ فيما بين المغرب والعشاء(٥) .
وقال محمدُ بنُ يَحْيى بن مَندة: لم يُحَدِّثْ بِبَلَدِنا منذُ أربعينَ سنة أوثقُ من أحمد بن
مَهديّ، صَنَّفَ (( المُسند)) ولم يُعرَف له فِراشٌ منذ أربعين سنة ، صاحبُ عِبادةٍ
رحمه الله(٦) .
وقال الرازيُ : سَمعتُ الواعظَ أبا عبد الله القَزْويني يقولُ: إذا صَلَّيتَ مع
عبد الرحمن بنِ أبي حاتم فَسَلِّم إليه نَفْسَك ، يَعملُ بها ما شاء دخلنا يوماً بغَلسٍ على
انظر السير : ( الفضيل بن عياض) ٨/ ٤٢١ -٤٤٢، وانظر النزهة : ٧/٧٧٤.
(١)
(٢)
انظر السير: ( أبو بكر بن عيّاش) ٨/ ٤٩٥-٥٠٨، وانظر النزهة : ٤/٧٨٦.
انظر السير: ( يزيد بن هارون) ٣٥٨/٩ -٣٧١، وانظر النزهة: ٣/٨٢٩.
(٣)
(٤) انظر السير: (الإمام الشافعي) ٥/١٠-٩٩، وانظر النزهة: ٥/٨٤٨.
انظر السير: ( أحمد بن حنبل) ١٧٧/١١ - ٣٥٨، وانظر النزهة : ٢/٩٣٠.
(٥)
(٦) انظر السير: (أحمد بن مَهديّ) ٥٩٧/١٢-٥٩٨، وانظر النزهة: ١/١٠٣٨.
٦٨

عبد الرحمن في مرض موته ، فكان على الفِراش قائماً يُصلي ، ورَكَعَ فأطالَ
الرُّكوع(١) .
قال الحاكمُ : سَمعتُ عبدَ الله ولدَ عليَّ بن حَمْشاد يقولُ: ما أعلمُ أنَّ أبي تَرَكَ قِيامَ
الليل (٢) .
وقال الحاكمُ : سَمعتُ محمدَ بنَ حَمْدون يقول : صَحِبتُ أبا بكر ابن إسحاق
الصُّبْغِي سنين ، فما رَأيْتُه قَطُّ تَرَكَ قِيَامَ الليل لا في سَفَرٍ ولا في حَضَر(٣).
وقال أبو بكر الخَطِيب : كان وِردُ ابن الباقلاني في كل ليلة عشرين تَرويحَةً في
الحَضَر والسَّفَر ، فإذا فَرَغَ منها كَتَبَ خَمساً وثلاثين ورقة من تصنيفه (٤) .
٥ - ترديدُ آيةٍ أو آياتٍ في التَّهَجُّد حتى الصُّبح أو قريباً منه :
عن مَسروق قال : قال لي رجلٌ من أهل مكة : هذا مَقَامُ أخيكَ تَميم الدَّاريّ :
صَلى ليلةً حتى أَصْبَحَ أو كاد، يقرأُ آيَةً يُرَدِّدُها، ويَبْكي: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ أَجْتَحُواْ
السَّيِّئَاتِ أَنْ تَّجْعَلَهُمْ كَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ سَوَآءُ تَخْيَهُمْ وَمَمَاتُهُمَّ سَآءَ
مَا يَحْكُمُونَ﴾ (٥)، (٦).
وقال حمَّادُ بنُ سَلَمَة : قرأ ثابتُ بنُ أسْلَم: ﴿ أَكَفَرَتَ بِالَّذِى خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ
ثُمَّ سَوََّكَ رَجُلًا﴾(٧)، وهو يُصَلِي صَلاة الليل يَنْتُحِبُ ويُرَدِّدُها(٨).
وعن القاسم بن معن: أنَّ أبا حَنيفة قامَ ليلةً يُرَدِّدُ قولَه تعالى: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَّوْعِدُهُمْ
(١) انظر السير: (عبد الرحمن بن أبي حاتم) ٢٦٣/١٣-٢٦٩، وانظر النزهة: ٣/١٠٧٩.
(٢)
انظر السير : ( علي بن حمشاد) ٣٩٨/١٥ -٤٠٠، وانظر النزهة : ٤/١٢٤١ .
انظر السير: ( الصُّبغي) ١٥/ ٤٨٣-٤٨٨، وانظر النزهة: ١/١٢٥١.
(٣)
انظر السير: ( ابن الباقلاني) ١٩٠/١٧ -١٩٣، وانظر النزهة: ٣/١٣٣٤.
(٤)
سورة الجاثية ، الآية ( ٢١ ).
(٥)
انظر السير : ( تميم الدّاري) ٢/ ٤٤٢-٤٤٨، وانظر النزهة: ٥/٢٨٨.
(٦)
(٧)
سورة الكهف ، الآية ( ٣٧ ).
انظر السير: (ثابت بن أسلم) ٢٢٠/٥ -٢٢٥، وانظر النزهة : ١/٥٩٧.
(٨)
٦٩

وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَنُ﴾(١) ويَبكي ويَتَضِزَّعُ إلى الفَجر(٢).
وعن أبي سُليمان الدَّاراني قال : ما رأيتُ أحداً الخوفُ أظْهَرُ على وجهِه والخُشُوع
من الحَسَن بن صالح، قامَ ليلةً بـ ﴿عَّ يَتَسَّلُونَ﴾(٣) فغُشِيَ عليه، فلم يَخْتِمْها إلى
الفَجر (٤) .
( و) أحوالُ السَّلف مع الصَّلاة:
عن سعيدِ بنِ المُسَيِّب أنَّ أبا سُفيانَ بنَ الحَارِث كان يُصَلي في الصَّيْفِ نصفَ النهارِ
حتىْ تُكْرَه الصَّلاةُ، ثُمَّ يُصَلي من الظُّهرِ إلى العصر(٥).
وعن عَديٍّ بنِ حاتم قال : ما دخَلَ وقتُ صَلاةٍ حتى أشْتَاقُ إليها .
وعنه: ما أُقِيمَت الصلاةُ منذُ أسْلَمتُ إلَّ وأنا علىْ وُضُوءٍ(٦) .
وعن شُرَحْبِيلَ، أنَّ رجلين أتَيا أبا مُسلم الخَولاني ، فلم يجداه في منزله ، فأتًّا
المسجد ، فوجَدَاه يركَعُ فانتظراه فأحْصَى أحدُهما أنَّه ركعَ ثلاثَ مئةِ ركعة(٧) .
ورَوَىُ أنسُ بنُ سيرين عن امرأةٌ مَسْروق قالت : كان مَسْروقٌ يُصَلي حتى تَوَرَّم
قَدَماه ، فَرُبَّمَا جَلَسْتُ أبكي ممَّا أراهُ يَصنَعُ بنفسِه (٨) .
وقال سعيدُ بنُ جُبَير ، قال لي مَسْروق: ما بَقِيَ شيءٌ يُرغَبُ فيه إلاَّ أن نُعَفِّرَ وجوهَنا
في الثُّراب ، وما آسى على شيءٍ إلَّ الشُّجودَ للهِ تعالى(٩).
(١) سورة القمر، الآية ( ٤٦).
انظر السير: ( أبو حنيفة) ٦/ ٣٩٠ - ٤٠٤، وانظر النزهة : ٤/٦٦٣.
(٢)
(٣)
سورة النبأ ، الآية (١ ).
انظر السير: (الحسن بن صالح) ٣٦١/٧ - ٣٧١، وانظر النزهة : ٤/٧٠٣.
(٤)
(٥)
انظر السير: ( أبو سفيان بن الحارث) ١/ ٢٠٢ -٢٠٥، وانظر النزهة : ٦/١٤٨.
انظر السير: ( عدي بن حاتم ) ٣/ ١٦٢ - ١٦٥، وانظر النزهة: ٢/٣٥٨.
(٦)
انظر السير: ( أبو مسلم الخولاني) ٤/ ٧ - ١٤، وانظر النزهة: ١/٤٣١.
(٧)
انظر السير : ( مسروق ) ٤/ ٦٣ - ٦٩، وانظر النزهة: ٢/٤٤٥.
(٨)
انظر السير : ( مسروق ) ٤/ ٦٣ - ٦٩، وانظر النزهة: ٧/٤٤٥.
(٩)
٧٠

وعن مُعتَمِر ، عن أبيهِ قال: كان أبو عُثمانَ النَّهديّ يُصَلي حتى يُغشَى عليه(١).
وعن أبي العالية قال: كنتُ أرحَلُ إلى الرَّجُل مسِيرةَ أيَّامٍ لأسمعَ منهُ ، فَأَتَفَقَّدُ
صَلاَتَه، فإن وجَدتُهُ يُحْسِنُها ، أَقَمتُ عليه ، وإن وَجَدتُه يُضَيِّعُها، رَحَلتُ عنه ولمْ
أسمَعْ منه ، وقلتُ هو لِمَا سِواها أَضْيَع(٢) .
وعن ابنٍ حَرمَلَة ، قلتُ لبَردٍ مَولَى ابنِ المُسَيِّب : ما صَلاةُ ابنِ المُسَيِّب في بَتِهِ ؟
قال: ما أدري إنَّه يُصَلي صَلاةٌ كَثيرةً إلاَّ أنَّه يقرأ بـ ﴿صَّّ وَالْقُرْءَانِ ذِى الذِّكْرِ﴾(٣)، (٤).
وقال ابنُ الأَعْرابيّ : كان أبو رَجَاء العَطاردي عابداً ، كثيرَ الصلاةِ وتلاوة القرآن ،
كان يقولُ : ما آَسَى على شيءٍ من الدنيا إلاَّ أنْ أُعَفِّرَ في التُّراب وجهي كلَّ يومٍ خَمسَ
مرات (٥) .
وعن مالكٍ : أحْرَمَ عليُّ بنُ الحُسَين فلمَّا أرادَ أن يُلَبِي ، قَالَهَا، فَأَغْمِيَ عليه ،
وسَقَطَ من نَّاقَتِهِ فهُشِّم ، ولقد بَلغَني أنَّه كان يُصَلي في كلِّ يومٍ وليلة ألفَ ركعة إلى أن
مات ، وكان يُسمَّى زين العابدين لعبادته(٦).
وكان عُبَيد الله بن عبد الله بن عُتبة يُطَوِّلُ الصَّلاةَ، ولا يَعجَلُ عنها لأحد(٧) .
وقال ابنُ عُيَيْنة : سَمعتُ عبدَ الكريم يقول: كان طَلقُ بنُ حَبيب لا يَركَعُ إذا افتَتَحَ
سُورَةَ ((البَقَرة)) حتى يَبلُغَ (( العنكبوت))، وكان يقولُ : أَشْتَهي أنْ أقومَ حتى يَشْتَكِي
صُلبي(٨) .
ورَوى حفصُ بنُ غياث عن ابنِ إِسْحاق ، قال : قَدِمَ علينا عبدُ الرحمن ابنُ الأسْوَد
(١) انظر السير: (أبو عثمان النهدي) ١٧٥/٤ -١٧٨، وانظر النزهة: ١/٤٧٢.
(٢)
انظر السير: ( أبو العالية) ٢٠٧/٤ -٢١٣، وانظر النزهة: ٢/٤٧٩.
(٣)
سورة ص ، الآية (١ ).
انظر السير: ( سعيد بن المسيب ) ٤/ ٢١٧ -٢٤٦، وانظر النزهة : ٣/٤٨٨.
(٤)
(٥)
انظر السير : ( أبو رجاء العطاردي) ٤/ ٢٥٣ - ٢٥٧، وانظر النزهة: ٣/٤٩١.
انظر السير: ( عليّ بن الحسين) ٣٨٦/٤ -٤٠١، وانظر النزهة: ٤/٥١٨.
(٦)
انظر السير: ( عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة) ٤٧٥/٤-٤٧٩، وانظر النزهة : ٦/٥٣٥.
(٧)
(٨) انظر السير: (طلق بن حبيب) ١٤/ ٦٠١ -٦٠٣، وانظر النزهة : ٢/٥٦٧.
٧١

حاجّاً ، فاعْتلَّتْ رجلُه ، فصلَّى على قدم حتى أصبح(١).
وعن ابنِ جُرَيْجٍ قال: لَزِمتُ عَطَاءَ بنَ أبي رَبَاحِ ثمانيَ عَشْرَة سَنَةٍ ، وكان بعدما كَبِرَ
وضَعُفَ يقُومُ إلى الصَّلاةِ، فيقرأُ مِئْتَي آية من البقرةِ وهو قائمٌ لا يَزُول منه شيءٌ
ولا يَتَحَرَّك(٢).
وقال الأوزاعيّ : كان بلالُ بنُ سَعد من العِبادة على شيءٍ لَمْ نَسمَعْ أحَدَاً قَوِيَ
عليه ، كان له كلَّ يومٍ وليلةٍ ألفُ ركعة(٣).
وعن حَمَّاد بنِ سَلَمَة قال : كان ثابتُ بنُ أسْلَم يقول: اللَّهُمَّ إنْ كنتَ أعطيتَ أحداً
الصلاةَ في قبرِهِ فأعطني الصلاةَ في قَبري ، فيُقَالُ : إنَّ هذه الدَّعوة استُجِيبَت له ، وأنَّه
رُئِيَ بعد موته يُصَلي في قَبره فيما قيل (٤) .
وقال ابنُ المُبَارَك : كان لعَلِيٍّ بنِ عبد الله بنِ عَبَّاس خَمسُمِئَة شَجَرَة يُصَلي عندَ كُلِّ
شَجَرَة رَكَعَتَينِ ، وذلك كلَّ يومٍ (٥) .
وقال أبو إسحاقَ السبيعيّ: ذهبت الصَّلاةُ مِنِّي وضَعُفْتُ ، وإنِّي لأُصَلي فما أقرأُ
وأنا قائمٌ إلَّ البقرةَ وَآلَ عِمران، ثمَّ قال الأخنَسيُّ: حَدَّثَنَا العَلاءُ بنُ سالم العَبديّ
قال : ضَعُفَ أبو إسحاق قبل مَوته بسَنَتَين ، فما كان يَقدِرُ أن يقومَ حتى يُقَامَ ، فإذا
اسْتَتَم قائماً قرأ وهو قائمٌ ألفَ آية(٦).
وقال محمدُ بنُ سَمَاعَة الرَّمليّ : سَمعتُ ضَمْرَةَ بنَ رَبِيعَةَ يقول : حَجَجْنَا مع
الأَوْزاعِيّ سَنَةَ خَمسِينَ ومئة ، فما رأيتُه مُضطَجِعاً في المَحْمِلِ(٧) في ليلٍ ولا نَهَارٍ قَطُّ ،
انظر السير: ( عبد الرحمن بن الأسود) ١١/٥ - ١٢، وانظر النزهة: ٥/٥٧٥.
(١)
(٢)
انظر السير: ( عطاء بن أبي رباح) ٧٨/٥ -٨٨، وانظر النزهة: ٤/٥٨٣.
(٣)
انظر السير: ( بلال بن سعد) ٩٠/٥ -٩٢، وانظر النزهة : ٢/٥٨٤.
انظر السير: (ثابت بن أسلم ) ٢٢٠/٥ -٢٢٥، وانظر النزهة: ٧/٥٩٦.
(٤)
انظر السير: ( علي بن عبد الله) ٢٨٤/٥ - ٢٨٥، وانظر النزهة: ٦٠٣ /٧.
(٥)
انظر السير: ( أبو إسحاق السبيعي) ٥/ ٦٠١ - ٦٠٣، وانظر النزهة: ٢/٦١٦.
(٦)
المَحْمِل : شقان على البعير فيهما العديلان .
(٧)
٧٢

كان يُصَلِي فإذا غَلَبَهَ النَّومِ اسْتَنَدَ إلى القَتْب(١).
وعن خالدِ بن عمرو قال : رأيتُ مِسْعَراً كأنَّ جَبهَتَه رُكبَة عَنْزِ من السُّجود ، وكان
إذا نظرَ إليكَ حَسِبتَ أنَّه يَنظُرُ إلى الحائطِ من شِدَّةٍ حَؤولته(٢) .
وقال البغويّ : حَدَّثَنِي جَدِّي أحمدُ بنُ مَنِيع : سَمعتُ أبا قطن يقول : ما رأيتُ
شُعْبَةَ ركعَ قَطُّ إلَّ ظَنَنتُ أنَّه نَسِيَ ، ولا قَعَدَ بين السَجْدَتَين إلاَّ ظَنَتُ أنَّه نَسِي (٣).
وقال ابنُ وَهبٍ : رأيتُ الثَّورِي في الحَرَمِ بعدَ المغرِب صَلى ثم سَجَدَ سَجدةٌ ، فَلَمْ
يَرفَعْ حتىُ نُودِيَ بِالِعِشَاءِ(٤) .
وقال عليُّ بنُ المديني : ما رأيتُ أخْوَفَ لله من بِشْر بنٍ منصور، كان يُصَلي كلَّ
يومٍ خَمسَ مئة رَكعةٍ ، وقال القَواريريُّ عنهُ: هو أفضَلُ مَن رأيتُ من المشايخ(٥).
وعن ابنِ سَمَاعة قال : كان وِرْدُ أبي يُوسُفَ القاضي في اليوم مئتَي ركعة (٦) .
وقال أحمدُ بنُ عبد الله العِجْليُّ: يَزِيدُ بنُ هارون ثِقَةٌ ثَبَتٌ مُتَعَبِّدٌ حَسَن الصلاة
جداً ، يُصَلي الضُّحى سِت عشرة ركعة ، بها من الجَودة غيرُ قليل ، قال: وكان قد
عَمِيَ(٧) .
وقال عبدُ الله بنُ أحمدَ بنِ حنبل : كان أبي يُصَلي في كُلِّ يوم وليلة ثلاثَ مئة
ركعة، فلمَّا مَرِضَ من تلك الأَسْواط ، أضْعَفَتَهُ، فكان يُصَلي كلَّ يومٍ وليلة مئة
وخمسين ركعة (٨) .
وذَكر أبو عُبيدَة قال : كان بَقِيُّ بنُ مَخْلد يَخْتِمُ القرآنَ كل ليلة في ثلاث عَشر
(١) انظر السير: (الأوزاعيّ) ٧/ ١٠٧ - ١٣٤، وانظر النزهة: ٥/٦٨٣.
(٢)
انظر السير: ( مِسْعَر) ٧/ ١٦٣ - ١٧٣، وانظر النزهة: ٣/٦٨٩.
(٣)
انظر السير: ( شعبة) ٢٠٢/٧ -٢٢٨، وانظر النزهة: ٢/٦٩٣.
انظر السير: ( سُفيان) ٢٢٩/٧-٢٧٩، وانظر النزهة: ٦/٦٩٨.
(٤)
انظر السير : ( بشر بن منصور) ٣٥٩/٨ -٣٦٢، وانظر النزهة: ١/٧٦٤.
(٥)
انظر السير : ( القاضي أبو يوسف) ٥٣٥/٨_٥٣٩، وانظر النزهة: ٤/٧٨٨.
(٦)
(٧) انظر السير: (يزيد بن هارون) ٣٥٨/٩ -٣٧١، وانظر النزهة: ٤/٨٢٩.
(٨) انظر السير: (أحمد بن حنبل) ١٧٧/١١ -٣٥٨، وانظر النزهة: ٣/٩٢٨.
٧٣

ركعة، وكان يُصَلي بالنَّهار مئةَ ركعة ، ويَصُوم الدهرَ ، وكان كثيرَ الجِهَادِ ، فاضلاً ،
يُذكَرُ عنه أَنَّه رابَطَ اثنتين وسبعين غَزْوةٍ(١) .
ونقلَ بعضُ العلماء من كتاب لحَفيد بَقيّ بنِ مخلد ، ( عبدِ الرحمانِ ابنِ أحمد ) :
كان جَدِّي قد قَسَّمَ أيَّامَه على أعمالِ البِرِّ : فكان إذا صَلى الصُّبحَ قرأَ حِزْبَه من القرآن في
المُصحف ، سُدسَ القرآنِ ، وكان أيضاً يَخْتِمُ القرآنَ في الصَّلاةِ في كل يومٍ وليلة ،
ويخرجُ كلَّ ليلةٍ في الثُّلُثِ الأخيرِ إلى المَسجِد ، فَيَخْتِمُ قُربَ انصداعِ الفَجر ، وكان
يُصَلي بعد حِزبه من المُصحف صلاةً طويلةً جداً، ثم يَنْقَلِبُ إلى داره - وقد اجتَمَعَ في
مَسجِده الطَّلَبةُ - فيُجَدِّدُ الوُضوءَ ويَخْرجُ إليهم، فإذا انقَضَتِ الدُّوَل ، صارَ إلى صَومَعَةِ
المَسجِد - فيُصَلي إلى الظُّهر، ثُمَّ يكونُ هو المُبتدىءُ بالأذان ، ثم يَهِطُ ثم يُسْمِعُ إلى
العصر، ويُصَلِي ويُسْمِع ، ورُبَّمَا خرجَ في بَقِيَّةِ النَّهار، فيَقْعُدُ بين القُبُور يَبْكِي
ويَعتَبر، فإذا غَرُبَتِ الشَّمسُ أَتَى مَسجِدَهُ، ثم يُصَلِي ويَرجِعُ إلى بَيْتِهِ فَيُفْطِرُ ، وكان
يَسْرُدُ الصَّومَ إلاَّ يومَ الجُمُعَة ، ويخرجُ إلى المَسجِد ، فيَخرُجُ إليه جِيرانُهُ ، فيَتَكلَّمُ
معهم في دِينِهِم ودُنيَاهم ، ثم يُصَلي العِشاءَ ويدخُلُ بَيْتَه ، فيُحَدِّثُ أهلَه، ثم يَنَامُ نَومَةً
قد أخَذَتْها نفسُه، ثمَّ يقومُ، هذا دَأْبُه إلى أن تُوقِّيَ وكان جَلداً قوياً على المشي (٢).
قال إبراهيمُ بنُ مضارب : سمعتُ أبي يقولُ : كان الحُسَينُ بنُ الفَضل يركعُ في
اليومِ والليلة ستَّ مئة ركعة ، ويقولُ : لولا الضعف والسنّ لم أُطْعَم بالنهار .
وسَمعتُ أبا زكريا العَنبريَّ: سمعتُ أبي يقول: لمَّا قَلَّدَ المأمونُ عبد الله ابنَ طاهر
خُراسان ، قال : يا أميرَ المؤمنين! حاجة قال : مَقْضِيَّة قال : تُسعِفُني بثلاثة :
الحُسَينِ بنِ الفَضل ، وأبي سَعيدِ الضَّرير ، وأبي إسحاقَ القُرشي قال: أسْعَفناك ، وقد
أخليتُ العِراقَ من الأفراد(٣).
(١) انظر السير: (بقيّ بن مخلد) ٢٨٥/١٣-٢٩٦، وانظر النزهة: ١/١٠٨٧.
(٢) انظر السير: (بقيّ بن مخلد) ٢٨٥/١٣-٢٩٦، وانظر النزهة: ٢/١٠٨٧.
(٣) انظر السير: (الحُسين ابن الفَضل) ٤١٤/١٣-٤١٦، وانظر النزهة: ٣/١٠٩٦.
٧٤

وقيلَ : إِنَّ محمدَ بنَ الجُنَيْدِ النَّهَاوندِيّ كان في سُوقه ووِرْدُهُ كلَّ يومٍ ثلاثُ مئة
رَكَعَة، وكذا كذا ألفَ تَسْبِيحَة(١) .
(ز) رُؤيا تُفيدُ الحَثَّ على كثرة الصَّلاة:
قال نَصرُ بنُ عليّ الجَهضمي : رأيتُ يَزِيدَ بنَ زُرَيْع في المَنَام ، فقلتُ : ما فَعَلَ الله
بك ؟ قال : أُدخِلتُ الجَنَّةَ . قلتُ : بماذا؟ قال: بكثرَةِ الصَّلاة(٢).
(ح ) مَن كان يَتَحاشى الصَّلاةَ خلفَ مَن يُطَوّل :
قال عَبدانُ الأهوازيّ : كُنا لا نُصَلي خَلفَ هُدبة بن خالد من طُولِ صَلاته ، يُسَبُِّ
في الرُّكوع والسُّجودِ نيفاً وثلاثين تَسْبِيحَة قال: وكان من أشْبَه خَلْقِ الله بهشام بن عَمَّار
لِحْيَتُه ووَجَّهُه وكلّ شيءٍ منه حتى صَلَاتُه(٣).
(ط ) مُكابَدةُ الصَّلاة :
عن ابنِ أبي رُزَين ، أنَّ ثابتَ بنَ أسْلم قال : كَابَدتُ الصَّلاةَ عِشرينَ سَنَةً ، وتَنَعَّمتُ
بها عِشرين سَنَّةٌ(٤) .
قال محمدُ بنُ عَوْف الحِمْصِيّ : رأيتُ أحمدَ بنَ أبي الحواري عندنا بأَنْطَرَسُوس(٥)
فلمَّا صَلَى العَتَمَةَ(٦) قامَ يُصَلِّي، فاسْتَفْتَحَ بـ (الحمد لله) إلى ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ
نَسْتَعِيبٌ﴾(٧) ، فطُفتُ الحائطَ كُلَّه ثمَّ رَجَعتُ، فإذا هو لا يُجَاوِزُها، ثمَّ نِمتُ،
ومَرَرتُ في السَّحَرَ، وهو يقرأُ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ فَلَم يَزَلْ يُرَدِّدُها إلى الصُّبح(٨).
انظر السير: ( الجُنَيد) ٦٦/١٤-٧٠، وانظر النزهة: ٢/١١٣٢.
(١)
(٢)
انظر السير: ( يزيد بن زريع) ٢٩٦/٨-٢٩٩، وانظر النزهة : ٥/٧٥٩.
(٣)
انظر السير: ( هُدبَة بن خالد) ٩٧/١١ - ١٠٠، وانظر النزهة : ٥/٩١٤ .
انظر السير: (ثابت بن أسلم ) ٢٢٠/٥ -٢٢٥، وانظر النزهة : ٩/٥٩٦.
(٤)
في معجم البلدان أنطرسوس : بلد من سواحل بحر الشام.
(٥)
العَتَمَة : أي صلاة العشاء لأنها تُصَلَّى في العتمة أي في الظلمة .
(٦)
(٧)
سورة الفاتحة ، الآيات (١ - ٤ ).
انظر السير: ( أحمد بن أبي الحَواري) ١٢/ ٨٥-٩٤، وانظر النزهة: ٣/٩٨٥.
(٨)
٧٥

عن أحمدِ بنِ سَهلِ الهَرَويّ قال : كنتُ ساكناً في جِوار بَكَّار ابن قُتَيْبَة فانصَرَفتُ بعدَ
العِشاء، فإذا هو يَقرَأُ ﴿يَدَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةً فِ الْأَرْضِ فَأَحْكُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَشَعِ اَلْهَوَى
فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللهِ﴾(١) قال: ثمَّ نَزَلتُ في السَّحرِ، فإذا هو يَقْرَؤُها، ويَبْكِي ، فَعَلِمتُ
أنَّه كان يَتْلُوها من أوَّلِ الليل(٢).
٢٢- الصِّيام
(أ) نقدُ الذهبيّ - رحمه الله - مَن صامَ الذَّهر:
قال الحاكمُ : سَمعتُ الصِّبغيَّ يقول : صامَ أبو عَمرو الخَفَّاف الدهرَ نِيِّفاً وثلاثينَ
سَنَة .
قال الذهبيُّ: ليتَه أفْطَرَ وصَامَ ، فما خَفِيَ والله عليه النَّهْيُ عن صِيامِ الدَّهر ، ولكن
له سَلَفٌ، لو صَاموا أفضَلَ الصَّومِ لَلَزِموا صَومَ داوودَ عليه السلام ولم يكن يُعَقِّب .
قال : وسمعتُ أبا زكريّا العَنْبريّ يقولُ: فلمَّا آيِسَ من الوَلَد، تَصَدَّقَ بأموالٍ كان
يُقالُ: إنَّ قِيمَتَها خمسَةُ آلافِ ألفِ درهم، على الأشْرافِ والفُقَراء والمَوالي(٣).
( ب ) صورٌ من صَوم الصَّالحين :
وقال أبو الدَّرداء : إنْ كُنَّا لَنَكُونُ مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في السَّفرِ في
اليوم الحَارّ ما في القَومِ أحدٌ صائمٌ إلاَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وعبدُ الله ابنُ
رَوَاحَة (٤) .
وعن شُعبة : أخْبَرَنا عبدُ الرحمن بنُ القاسم ، عن أبيه : أنَّ عائشةَ كانت تَصُومُ
الدَّهرَ(٥).
سورة ص ، الآية ( ٢٦ ) .
(١)
انظر السير: ( بكّار بن قتيبة) ٥٩٩/١٢ -٦٠٥، وانظر النزهة : ٥/١٠٣٨ .
(٢)
انظر السير: ( أبو عَمر و الخَفَّاف) ٥٦٠/١٣-٥٦٤، وانظر النزهة: ٣/١١١٦.
(٣)
انظر السير: (عبد الله بن رواحة) ٢٣٠/١ -٢٤٠، وانظر النزهة: ٣/١٥٣.
(٤)
انظر السير: ( عائشة أم المؤمنين) ١٣٥/٢-٢٠١، وانظر النزهة: ٤/٢٤٤.
(٥)
٧٦

وعن أبي أُمَامَةَ البَاهِلِيّ قال، قلتُ : يا رَسُولَ الله ادْعُ اللهَ لي بالشَّهَادة ، فقال
صلى الله عليه وسلم: ((اللَّهُمَّ سَلَّمْهُم وغَنِّمْهُم)) فَغَزَوْنا، فَسَلِمْنا وغَنِمْنا، وقلتُ :
يا رسولَ الله مُرْنِي بعَمَلٍ قال صلى الله عليه وسلم: ((عَلَيْكَ بالصَّومِ فإنَّه لا مِثْلَ له))
فكان أبو أُمَامَة وامرأتُه وخادمُه لا يُلفَوْنَ إلاَّ صِيامً (١) .
وعن عطيَّةَ بنِ قيس قال : دَخَلَ ناسٌ من أهلِ دمَشْقَ على أبي مُسلِم الخولاني وهو
غازٍ في أرضِ الرُّوم ، وقد احتَفَرَ جُورةً في فُسْطاطِهِ(٢) ، وجَعَلَ فيها نِطْعاً وأَفْرَغَ فيه
الماءَ وهو يَتَصلَّقُ فيه(٣) ، فقالوا: ما حَمَلَكَ على الصِّيام وأنتَ مُسافِرٍ ؟ قال : لو
حَضَرَ قِتالٌ لأفْطَرتُ ، ولتَهَيَّتُ له وتَقَوَّيتُ ، إنَّ الخَيلَ لا تجري الغايات(٤) وهُنَّ
بُدَّن ، إنَّما تَجري وهُنَّ ضُمَّر ، ألا وإنَّ أيامَنَا باقيةٌ جائيةٌ لها نعمل(٥) .
وعن هشام بن عُروة بنِ الزُّبَيْر ، أنَّ أباه ماتَ وهو صائمٌ ، وجَعَلُوا يَقُولون له :
أَفْطِرِ ، فَلَم يُفْطِر(٦) .
وعن هشام بنِ عُروة بنِ الزُّبَيْر، أنَّ أباهُ كان يَصُومُ الدهرَ إلاَّ يومَ الفِطرِ ويومَ
النَّحرِ ، ومات وهو صائمُ(٧) .
وقال شُعِيبُ بنُ الحَبْحَاب: حَدَّثتني هُنَيدَة امرأةُ إبراهيمَ النَّخْعِي: أنَّ إبراهيمَ كان
يَصومُ يوماً ويُفطِرُ يوماً(٨).
عن أيُّوبَ ، قال : كان محمدُ بنُ سِيرین يَصُومُ يَوماً ويُفْطِرُ يوماً(٩)
(١) انظر السير: ( أبو أمامة الباهلي) ٣٥٩/٣ -٣٦٣، وانظر النزهة: ١/٣٩٣.
(٢) الفسطاط : البيت من الشعر.
(٣)
تصَّلق : تَقلِّب وتَلوَّى على جنبيه
(٤) الغايات : النهايات.
انظر السير : ( أبو مسلم الخولاني ) ٤/ ٧ - ١٤، وانظر النزهة: ٢/٤٣١.
(٥)
(٦)
انظر السير: ( عروة ) ٤/ ٤٢١ - ٤٣٧، وانظر النزهة : ٤/٥٢٧.
انظر السير : ( عروة بن الزبير ) ٤٢١/٤-٤٣٧، وانظر النزهة : ٤/٥٢٨.
(٧)
انظر السير : (إبراهيم النخعيّ) ٥٢٠/٤-٥٢٩، وانظر النزهة: ٦/٥٤٨.
(٨)
(٩) انظر السير: ( محمد بن سيرين ) ٦٠٦/٤ - ٦٢٢، وانظر النزهة : ٤/٥٦٩.
٧٧

وقال ابنُ عَون : كان محمدُ بنُ سيرين يَصومُ عَاشُوراءَ يومين ثم يُفْطِرُ بعد ذلك
يَومَين(١) .
وعن مُعاويةَ بنِ صالح أنَّ أبا جَبَلة حَدَّثَه قال : كنتُ مع ابنِ شِهابِ الزُّهريّ في سَفَرٍ
فِصَامَ يومَ عاشوراءَ ، فَقِيلَ له : لِمَ تَصومُ وأنتَ تُفْطِرُ في رمضانَ في السَّفر؟ قال : إنّ
رمضانَ له عِدّةٌ من أيامٍ أُخَر ، وإنَّ عَاشوراءَ يَفُوتُ(٢) .
وقال سُفيانُ بنُ عُيَيْنة : صَامَ منصُورُ بنُ المُعتَمر ستينَ سنةً، يقومُ ليلَهَا ويَصُومُ
نَهَارَهَا رحمه الله(٣) .
قال محمدُ بنُ عبدِ الأعْلى: قال لي مُعْتَمِرُ بنُ سُليمان التيميّ : لولا أنَّك من أهلي
ما حَدَّثْتُك بذا عن أبي ، مكثَ أبي أربعينَ سَنَةً يَصُومُ يوماً ويُفطِرُ يوماً ، ويُصَلِي صَلاةَ
الفَجرِ بوُضوءِ عِشاءِ الآخرة(٤) .
وقال أبو عاصم النبيل : كان ابنُ جُرَيج من العُبَّاد كان يَصومُ الدَّهرَ سِوى ثلاثة أيام
(٥)
من الشهر
٠
وقال بَكَّارُ بنُ محمد : كان ابنُ عَون يَصومُ يوماً ويُفطِرُ يوماً .
وقال عبدُ الرحمن بنُ مَهدِي : ما كان بالعراقِ أعْلَمَ بالسُّنَّة من ابنٍ عَون(٦) .
قال الفلاس : سمعتُ ابنَ أبي عَديّ يقول : صامَ داوُدُ بنُ أبي هندٍ أربعينَ سَنَةً
لا يَعلمُ به أهلُه كان خَزَّاراً يَحمِلُ معه غَدَاءَه فيَتَصَدَّقُ به في الطَّرِيق(٧) .
وقال أخو محمدُ بنُ أبي ذئب : كان أخي يَصومُ يوماً ويُفطِرُ يوماً ، ثم سَرَدَ
(١) انظر السير: (محمد بن سيرين) ٤ /٦٠٦ -٦٢٢، وانظر النزهة : ٥/٥٦٩.
(٢)
انظر السير: ( أخبار الزَّهريّ) ٣٢٦/٥_٣٥٠، وانظر النزهة: ٣/٦٠٧.
انظر السير: ( منصور بن المعتمر) ٤٠٢/٥ -٤١٢، وانظر النزهة: ٣/٦١٨.
(٣)
انظر السير: ( سُليمان التيميّ) ١٩٥/٦-٢٠٢، وانظر النزهة: ١/٦٤١.
(٤)
انظر السير: ( ابن جُريج) ٣٢٥/٦ -٣٣٦، وانظر النزهة: ٢/٦٥٥.
(٥)
انظر السير: ( عبد الله بن عون) ٦/ ٣٦٤ _ ٣٧٥، وانظر النزهة: ٦٥٦/ ٧.
(٦)
انظر السير: (داوُد بن أبي هند) ٣٧٦/٦ -٣٧٩، وانظر النزهة: ٢/٦٥٩.
(٧)
٧٨

الصَّومَ، وكان شَديدَ الحالِ، يتعَشَى الخُبزَ والزَّيتَ ، وله قميصٌ وطَيْلَسَان ، يَشتو فيه
ويَصِيف قال وكان من رجال النَّاس صَرامَةً وقَولاً بالحَقّ ، وكان يَحفَظُ حَديثَه ، لَم يكن
له كتاب ، وكان يَروحُ إلى الجُمُعة باكراً ، فيُصَلي إلى أن يَخرُجَ الإمَامُ ورأيتُه يأتي دار
أجْدَادِه عند الصَّفا فيأخُذُ كِراءَها ولا يُغَيِّرُ شَيْبَه(١) .
وقال يَحيَىُ بنُ مَعِين: أخْرَجَ غُنْدَرٌ إلينا ذاتَ يومٍ جِراباً فيه كُتُبٌ ، فقال : اجْهَدُوا
أنْ تُخرِجوا فيها خَطَأَ، قال : فما وجدْنا فيه شيئاً ، وكان يَصومُ يوماً ويُفطِرُ يوماً منذُ
خَمسينَ سَنَةً(٢) .
وقال عُبَيَدُ بنُ محمد الوَرَّاق: مَزَّ معروفٌ الكَرِي وهو صائمٌ بسقَّاءٍ يقولُ :
رَحِمَ الله مَن شَرِب، فَشَرِبَ رَجاءَ الرَّحِمَةِ(٣).
وذَكرَ أبو عُبِيدَة قال : كان بَقِيُّ بن مخلد يَختمُ القرآن كلَّ ليلة ، في ثلاثَ عشرةَ
ركعة ، وكان يُصَلي بالنَّهار مئةَ ركعة، ويَصومُ الذَّهرَ ، وكان كَثيرَ الجِهادِ ، فاضِلاً
يُذكَرُ عنه أنَّه رابَطَ اثنتين وسبعينَ غَزوةٍ(٤) .
وقال جماعةٌ من شيوخ قَزْوين: لَم يَرَ أبو الحَسَن القَطَّان رحمه الله مثلَ نفسِه في
الفَضلِ والزُّهد أدامَ الصِّيامَ ثلاثين سَنَةً، وكان يُفْطِرُ على الخُبز والمِلْح، وفَضَائِلُه أكثرُ
من أن تُعَدَّ(٥) .
قال الإمامُ الذهبيُّ : وُلِدَ الإمامُ الصُّوريّ سَنَةَ ستٍّ أو سَنَةَ سَبع وسَبعين وثلاث
مئة، وكان - رحمهُ الله - يَسرُدُ الصَّومَ إلاَّ الأعياد (٦) .
(١) انظر السير: (ابن أبي ذئب) ١٣٩/٧ -١٤٩، وانظر النزهة: ٧/٦٨٥.
(٢)
انظر السير: (غَنْدَر) ٩٨/٩ -١٠٢، وانظر النزهة: ٤/٨٠٢.
(٣) انظر السير: (معروف الكرخي) ٣٣٩/٩ -٣٤٥، وانظر النزهة: ٢/٨٢٧.
انظر السير: ( بقيّ بن مخلد) ٢٨٥/١٣-٢٩٦، وانظر النزهة: ١/١٠٨٧.
(٤)
انظر السير : ( القطّان) ٤٦٣/١٥ -٤٦٦، وانظر النزهة: ٤/١٢٤٩.
(٥)
(٦) انظر السير: (الصُّوريّ) ٦٢٧/١٧ -٦٣١، وانظر النزهة: ١/١٣٦٩.
٧٩

٢٣- الحَجّ
(أ) وصفٌ جميلٌ لبعضٍ مشاعرِ الحجّ :
قال الخليلُ بنُ أحمد : سمعتُ سُفيانَ الثَّوريّ يقولُ : قَدِمتُ مكةَ فإذا أنا
بأبي عبدِ الله جعفر بن محمد قد أناخَ بالأبطح ، فقلتُ : يا ابنَ رسولِ الله ، لِمَ جُعلَ
الموقفُ مِن وراءِ الحَرَم ؟ ولَمْ يُصَيَّر في المَشْعَرِ الحَرَام ؟ فقال : الكعبةُ بيتُ الله ،
والحَرَمُ حِجَابُه، والموقفُ بابُهُ فَلَمَّا قَصَدَهُ الوافِدون ، أَوْقَفَهُم بالباب يَتَضَرَّعون ،
فَلَمَّا أُذِنَ لهم في الدُّخُولِ أَدْنَاهم من الباب الثاني وهو المُزْدَلِفَةِ، فَلَمَّا نَظَرَ إلى كثرة
تَضَرُّعهم وطُول اجتهادهم رَحِمَهم، فلَمَّا رَحِمَهم أَمَرَهم بتقرِيب قُرْبانِهِم ، فلَمَّا
قَرَّبُوا قُربانَهم، وقَضَوا تَفَتَهم وتَطَهَّروا من الدُّنوبِ التي كانت حِجاباً بينَه وبينهم
أَمَرَهم بزيارةِ بَيْتِه علىُ طَهَارة قلتُ: فِلِمَ كُرِهَ(١) الصَّومُ أيامَ التَشْرِيق؟ قال : لأنَّهم
في ضِيافةِ الله ولا يَجِبُ على الضَّيْفِ أن يَصُومَ عند مَن أضَافَه قلتُ : جُعلتُ فداك ،
فما بالُ النَّاسِ يَتَعَلَّقون بأسْتَارِ الكَعبة ؟ وهي خِرَقٌ لا تنفع شيئاً؟ قال : ذاك مَثلُ
رجلٍ بينه وبين رجلٍ جُرمٌ ، فهو يَتَعلّقُ به ، ويطوفُ حَولَه رَجاء أن يَهَبَ له ذلك ،
ذاكَ الجُرم(٢).
(١) أي: حَرُمَ ، لما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من النهي عن صوم أيام التشريق ، والسلف كانوا
يستعملون الكراهة في معناها الذي استعملت به في كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم قال تعالى :
﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَبِّتُهُ عِنْدَ رَيْكَ مَكْرُوهًا﴾ (الإسراء ٣٨)، وفي الحديث الصحيح: ((إنَّ الله كرِهَ لكم قِيلَ
وقالَ وكَثْرةَ السُّؤال وإضاعةَ المال)) وقال ابنُ وهب : سمعت مالكاً يقول : لم يكن من أمر الناس
ولا مَن مضى من سلفنا، ولا أدركتُ أحداً أقتدي به يقول في شيءٍ : هذا حلالٌ وهذا حرام ،
وما كانوا يجترئون على ذلك ، وإنما كانوا يقولون : نكره كذا ، ونرى هذا حسناً ، فينبغي هذا ،
ولا نرى هذا وزاد عتيق بن يعقوب - على هذا - ولا يقولون : حلال ولا حرام أما سمعت قول الله
تعالى: ﴿ قُلْ أَرَدَيْتُم ◌َّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلًا قُلْ ءَاللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى الِّ
تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩] الحلالُ ما أحَلَّه اللهُ ورسولُهُ صلى الله عليه وسلم، والحَرامُ ما حَرَّمَه اللهُ
ورسولُه صلى الله عليه وسلم .
(٢) انظر السير: (جعفر بن محمد) ٢٥٥/٦- ٢٧٠، وانظر النزهة: ٦/٦٤٨.
٨٠