النص المفهرس

صفحات 41-60

الخارج ، وَوَلِجَ الشَّيْطَانُ في باطِنِهِ وخرجَ ، فيعتقدُ أنَّه قد وصلَ ، وخُوطِب وارتَقَى ،
فيتمكَّنُ منه الشَّيطانُ، ويُوَسْوسُ له، فينظرُ إلى المؤمنينَ بعَينِ الازدراء ، ويتذكَّرُ
ذُنُوبَهم ، وينظرُ إلى نفسِه بعَينِ الكَمَال ، وربُمَا آلَ به الأمرُ إلى أن يَعتقدَ أنَّه وَليّ ،
صاحبُ كراماتٍ وتمُّن ، وربما حصلَ به شٌّ، وتَزَلَزَلَ إيمانُهُ فالخُلوة والجُوع
أبو جادِ الثَّرَهُّب ، وليس ذلك من شَريعتنا في شيء ، بل الشُّلوكُ الكامل هو الوَرَعُ في
القُوت ، والوَرَعُ فِي المَنطِقِ، وحِفظُ اللِّسَان، ومُلاَزَمَةُ الذِّكر، وتركُ مخالَطَة
العَامَّة ، والبُكاء على الخطيئة ، والتِّلاوة بالتَّرتيل والتَّدَبُر، ومقتُ النَّس وذَمِّها في
ذاتِ الله، والإكثارُ من الصَّومِ المَشْروعِ، ودوامُ التَّهَتُّد ، والتَّواضُع للمسلمين ،
وصِلَةُ الرَّحم والسَّماخة وكثرةُ البشر ، والإنفَاقُ مع الخَصَاصَة ، وقولُ الحقِّ المُرِّ برفق
وتُؤَدةٍ ، والأمرُ بالمعروف والأخذُ بالعَفو، والإعرَاضُ عن الجاهلين ، والرِّباطُ
بالثَّغْر ، وجهادُ العَدُو ، وحَجُّ البَيتِ ، وتناوُل الطَّيِّبات في الأحايين ، وكثرةُ الاستغفار
في السَّحَر، فهذه شَمَائلُ الأوليَاء ، وصفاتُ المُحَمَّدِيِّين، أَمَاتَنَا اللهُ على
مَحَبَّتِهم(١) .
وقال أبو محمد الجَريري : سمعتُ الجُنَيَد يقول : ما أخذنا التَّصَوفَ عن القال
والقيل ، بل عن الجوع ، وترك الدنيا وقطع المألوفات(٢).
قال الذهبي : هذا حَسَن ، ومُراده : قَطْعُ أكثر المألوفات ، وتركُ فضول الدُّنيا ،
وجوعٌ بلا إفراط ، أمَّا مَن بالَغَ في الجُوعِ كما يفعله الرُّهبان ، ورَفَضَ سائرَ الدُّنيا
ومألوفات النَّفْس من الغِذاء والنَّوم والأهل فقد عرَّض نفسه لبلاء عريض ، وربما خُولِطَ
في عقله، وفاتَه بذلك كثيرٌ من الحنيفيَّة السَّمحَة ، وقد جعلَ اللهُ لكل شيء قدراً ،
والسَّعادةُ في متابعة السنن ، فَزِنِ الأمورَ بالعدل وصُم وأَفْطِر ، ونَمْ وقُمْ، والْزَمِ الوَرَعَ
في القُوت وارْضَ بما قَسَمَ الله لك، واصْمُتْ إلاَّ من خيرٍ ، فرحمةُ الله على الجُنَيد ،
وأين مثلُ الجُنَيد في علمه وحاله ؟(٣).
(١) انظر السير: (أحمد بن أبي الحواريّ) ٨٥/١٢-٩٤، وانظر النزهة: ٢/٩٨٦.
(٢) انظر السير: (الجُنيد) ٦٦/١٤ - ٧٠، وانظر النزهة: ٤/١١٣٣.
(٣) انظر السير: (الجُنيد) ٦٦/١٤ -٧٠، وانظر النزهة: ٥/١١٣٣.
٤١

٤ - العِبادةُ الكثيرةُ إنْ لم تكنْ أثَرِيَّة فهي مَفْضُولَةٌ :
رُوي من وجوه متعددة أنَّ أبا بكر بنَ عيّاش مَكَثَ نحواً من أربعين سنة يَختمُ القرآنَ
في كل يومٍ وليلة مَرَّةً(١) .
يقولُ الذهبيُّ: هذه عبادة يُخضَعُ لها ، ولكنَّ مُتابعة السُّنَّة أَوْلَى فقد صَحَّ أنَّ النبيَّ
صلى الله عليه وسلم نَهَى عبدَ الله بنَ عَمرو أن يقرأ القرآن في أقلَّ من ثلاثٍ وقال
صلى الله عليه وسلم: ((لَمْ يَفْقَه مَنْ قَرَأَ القُرآنَ في أقلّ من ثلاث)).
وقال الفضلُ بنُ محمد الشَّعرَاني : سمعتُ يَحيَى بن أَكْثَم يقولُ : صَحبتُ وَكِيعَاً في
الحَضَر والسَّفَر، وكان يَصومُ الدَّهرَ، ويَختمُ القرآنَ كلَّ ليلة(٢).
قال الذهبيُّ : هذه عبادة يُخضع لها ولكنها من مثلِ إمامِ من الأئمةِ الأثَرِيَّة
مَفضُولة ، قد صَحَّ نَهيُّه عليه السلام عن صَوم الدهر ، وصَحَّ أنَّه نَهَى أن يُقرأ القُرآنُ في
أقل من ثلاث ، والدِّينُ يُسرٌ، ومتابعةُ السُّنة أَولَى، فرضيَ اللهُ عن وَكيعٍ ، وأين مثلُ
وكيع ؟ ومع هذا فكان مُلازِماً لشُرب نَبِيذ الكوفة الذي يُسكِرُ الإكثارُ منه، فكان مُتأوّلاً
في شُربه ، ولَم يَترُكُه تَوَرُّعاً ، ولو تَرَكَه تَوَرُّعاً لكان أَولَى به ، فإنَّ مَن تَوَقَّى الشُبهات ،
فقد اسْتَبَرَأْ لدينِهِ وعِرضِه ، وقد صحَّ النَّهيُّ والتحريمُ للنبيذ المذكور وليس هذا مَوضعَ
هذه الأمور .
٥- القَصْدُ في العِبادَةِ :
عن سعيد بن أبي بردة ، عن أبيه ، عن أبي موسى أنَّ النَّبيَ صلى الله عليه وسلم لمَّا
بَعَثَهُ ومُعَاذَاً إلى اليمن ، قال لهما: (( يَسِّرا ولا تُعسِّرا وتَطَاوَعَا ولا تُنَفِّرا)) ، فقال له
أبو موسى: إنَّ لنا بأرضنا شَراباً يُصنَعُ من العَسَل يُقالُ له : البِتْعُ، ومن الشَّعير يُقال
له: المِزْرُ ، قال صلى الله عليه وسلم: ((كلُّ مُسْكٍ حَرَام)» فقال لي مُعاذٌ: كيف تقرأُ
(١) انظر السير: ( أبو بكر بن عياش) ٤٩٥/٨-٥٠٨، وانظر النزهة: ٥/٧٨٧.
(٢) انظر السير: (وكيع) ٩/ ١٤٠ -١٦٨، انظر النزهة: ٤/٨٠٨.
٤٢

القرآنَ ؟ قلتُ : أقرأهُ في صَلاتي وعلى راحِلَتي وقائماً وقاعداً ، أتَفَوَّقُ تَفَؤُّقاً ، يعني
شيئاً بعد شيء ، قال: فقال مُعاذٌ : لكنِّي أَنَامُ ثم أقومُ ، فَأَحْتَسِبُ نَومَتي كما أَحْتَسِبُ
قَوْمَتي، قال: وكأن مُعاذاً فُضِّلَ عليه(١).
عن طارق بن شِهاب عن سَلمان قال : إذا كان الليلُ ، كان النَّاسُ منه على ثلاثٍ
منازلَ : فمنهم مَن له ولا عليه ، ومنهم مَن عليه ولا له ، ومنهم مَن لا عليه ولا له !!
فقلتُ : وكيف ذاك ؟ قال : أمَّا مَن له ولا عليه، فرجلٌ اغتَنَمَ غَفْلَةَ النَّاس وظُلمةَ
الليل، فتوضأ وصَلَّى، فذاك له ولا عليه، ورجلٌ اغتَنَمَ غَفْلَةَ النَّاس وظُلمةَ الليل ،
فمشَى فِي مَعَاصي الله ، فذاك عليه ولا له ، ورجلٌ نامَ حتى أصبحَ ، فذاك لا له
ولا عليه (٢) .
قال طارقٌ : فقلتُ: لأُصحَبنَّ هذا فضُرب على النَّاس بعثٌ فخرجَ فيهم فصحبتُه
وكنتُ لا أفْضُلُهُ في عمل ، إنْ أنا عَجَنتُ خَبَزَ وإِنْ خَبَزْتُ طَبَخَ ، فنزلنا مَنِزِلاً فِتْنا فيه ،
وكانت لطارق ساعةٌ من اللَّيل يقومُها ، فكنت أتَيَقَّظُ لها فأجِدُه نائماً فأقولُ : صاحبُ
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، خيرٌ مِنِّي نائمٌ، فأنامُ ثم أقومُ فأجدُه نائماً فأنامُ ، إلاَّ
أنَّه كان إذا تَعَارَّ من الليل قال وهو مُضطجعٌ : سبحانَ الله ، والحمدُ لله، ولا إله
إلاَّ الله، والله أكبر ، لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له ، له الملكُ وله الحمدُ ، وهو
على كُلِّ شيءٍ قدير حتى إذا كان قُبيل الصُّبح قامَ فتوضاً ثم ركَعَ أربع ركعات فلمَّا صَلَّينا
الفجرَ قلتُ : يا أبا عبدَ الله ، كانت لي ساعة من الليل أقومُها وكنتُ أتَفَّظُ لها فأجدُك
نائماً ، قال : يا ابن أخي! فأَيشِ كنتَ تَسمَعُني أقولُ ؟ فأخبَرَتُه ، فقال : يا ابن أخي
تلك الصلاة ، إنَّ الصَّلَواتِ الخمسَ كَفَّاراتٌ لما بَيَنهُن ما اجتُنْبَت المَقتَلة ، يا ابن أخي
عليك بالقَصدِ فإنَّه أبلغ(٣) .
(١) انظر السير: (معاذ بن جبل) ٤٤٣/١-٤٦١، وانظر النزهة: ٢/١٩١.
(٢) انظر السير: (سلمان الفارسي) ٥٠٥/١-٥٥٨، وانظر النزهة: ١/٢٠٤.
(٣) انظر السير: (سلمان الفارسي) ٥٠٥/١-٥٥٨، وانظر النزهة: ٢/٢٠٤.
٤٣

رَوَى عَونُ بنُ أبي جُحَيفة ، عن أبيه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم آخى بين
سَلمانَ وأبي الدَّرداء، فجاء سلمانُ يزوره، فإذا أُمُ الدَّرداء مُتَبَذِّلَة ، فقال :
ما شأنُكِ ؟ قالت: إنَّ أَخَاكَ لا حاجَةَ له في الدُّنيا ، يقومُ الليلَ ويصومُ النَّهَارَ .
فجاءَ أبو الدَّرداء فرَخَّبَ به ، وقَرَّبَ إليه طعاماً فقال له سلمانُ : كُلْ قال : إنِّي
صائم قال : أقسمتُ عليك لتُفطِرَنَّ فأكلَ معه ثم باتَ عنده ، فلمَّا كان من اللَّيل أرادَ أن
يقومَ ، فمَنَعَه سلمانُ وقال: إنَّ لجَسَدِكَ عليك حقاً ولرَبِّك عليك حقاً ولأهلِك عليك
حقاً ، صُم وأَفطِر ، وصَلِّ وائتِ أهلكَ ، وأعطِ كُلَّ ذي حقٌّ حَقَّه.
فلمَّا كان وَجهُ الصُّبح ، قال: قُم الآن إنْ شِئتَ، فقاما فَتَوَضَاً، ثم رَكَعَا ، ثم
خَرَجَا إلى الصلاة ، فَدَنا أبو الدَّرداء ليُخبِرَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بالذي أَمَرَه به
سَلمان: فقال له صلى الله عليه وسلم: (( يا أبا الدَّرداء ، إنَّ لجَسَدِك عليك حقاً ، مثل
ما قالَ لكَ سَلمان)»(١) .
٦ - الوَسْوَسَةُ في العِبَادَةِ يَنْفَرِدُ بها أهلُ الإسْلامِ :
عن الأعمش قال : آية التَّقَبُّل الوسوَسَة ، لأن أهل الكتابَيَن لا يَدرُون
ما الوَسوَسَة ، وذلك لأنَّ أعمالَهم لا تَصعدُ إلى السَّماءِ(٢).
٧- العِباداتُ الباطِنَةُ وصُعُوبَتُها :
عن جعفر بن بُرقان قال : بلغني عن يونُسَ بنِ عُبيد فضلٌ وصلاحٌ ، فأحبَبَتُ أن
أكتبَ إليه أسأله فكتبَ إليه : أتاني كتابُك تَسألُني أن أكتبَ إليك بما أنا عليه فأُخبرُك أنِّي
عَرَضْتُ على نَفَسِي أن تُحبَّ للنَّاسِ ما تُحبُّ لها وتَكرَهُ لهم ما تَكرَهُ لها، فإذا هي من
ذاك بعيدةٌ ثم عَرَضْتُ عليها مرةً أخرى تَركَ ذكرِهم إلاَّ من خير ، فوجدتُ الصَّوم في
اليوم الحَارِّ أيْسَر عليها من ذلك هذا أمري يا أخي والسلام(٣).
انظر السير: ( أبو الدرداء) ٣٣٥/٢ -٣٥٣، انظر النزهة: ٢/٢٧٠.
(١)
(٢)
انظر السير: ( الأعمش ) ٢٢٦/٦-٢٤٨، وانظر النزهة: ٢/٦٤٦.
انظر السير: ( يونس بن عُبيد) ٢٨٨/٦-٢٩٦، وانظر النزهة: ٤/٦٥١.
(٣)
٤٤

٨- عِبادَةُ التَّفَكُّرِ والاعْتِبَار :
عن عَون بن عبد الله : قلت لأُمِّ الدَّرداء: أيُّ عِبادة أبي الدَّرداء كانت أكثر؟
قالت : التَّفَكُّر والاعتبار
وعن أبي الذَّرداء: تَفَكّرُ ساعةٍ خَيرٌ من قيام ليلة(١) .
وقال بُردٌ - مولى ابن المسيِّب ـ لسعيد بن المسيِّب : ما رأيتُ أحسنَ ما يصنعُ
هؤلاء قال سعيد : وما يصنعون ؟ قال : يُصَلِّي أحدُهم الظُّهرَ، ثم لا يزالُ صافَّاً
رجلَيه حتى يُصَلِّي العَصرَ فقال: ويحك يا بُرد أمَا والله ما هي بالعبادة، إنَّمَا العبادةُ
التَّفَكّر في أمرِ الله، والكَفُّ عن مَحَارِمِ الله(٢) .
وعن يُوسُف بنِ أسْباط : قال لي سُفيان الثَّوري بعد العِشَاء : ناولْني
الِمِطْهَرَةَ(٣). أَتَوضأ، فناولتُه فأخذَها بيمِينِهِ ووضعَ يَسَارَهُ على خَدِّه فَبَقِيَ مُفَكِّراً ،
ونِمتُ ، ثم قُمتُ وقتَ الفجر ، فإذا الِمِطْهَرَةُ في يده كما هي ، فقلتُ : هذا الفجرُ قد
طَلُع فقال: لم أزَل منذ ناولتَنِي الِمِطْهَرَةَ أَتَفَكَّرُ في الآخرة حتى السّاعةِ(٤) .
٩- كَيْفِيَّةُ الوُصُولِ إلى خَلاوَةِ العِبَادَةِ :
وقال بِشرُ بن الحارث : لا تجدُ حَلاوةَ العبادة حتى تجعلَ بينك وبين الشَّهوات
سدّاً (٥) .
قال أحمدُ بن حرب : عبدتُ اللهَ خَمسين سنةً ، فما وجدتُ حَلاوةَ العبادة حتى تركتُ
ثلاثةَ أشياء : تركتُ رِضَا النَّاس حتىُ قَدِرت أن أتكلّم بالحق ، وتركتُ صُحبةَ الفاسِقين
حتى وجدتُ صُحبةَ الصَّالحين، وتركتُ حَلاوةَ الدُّنيا حتى وجدتُ حَلاوةَ الآخرة (٦).
(١) انظر السير: (أبو الدَّرداء) ٣٣٥/٢-٣٥٣، وانظر النزهة: ١/٢٧٢.
انظر السير: ( سعيد بن المُسَيِّب) ٢١٧/٤ -٢٤٦، وانظر النزهة: ٥/٤٨٨.
(٢)
(٣)
المطْهَرَة : الإناء الذي يُتَوَضأ به ويُتَطْهَّرُ به .
انظر السير : ( سُفيان الثَّوري) ٧/ ٢٢٩ -٢٧٩، وانظر النزهة: ١/٦٩٦.
(٤)
انظر السير : ( بشر بن الحارث) ٤٦٩/١٠ -٤٧٧، وانظر النزهة : ٥/٨٨٦.
(٥)
انظر السير: ( أحمد بن حرب) ٣٢/١١_٣٥، وانظر النزهة : ٤/٩٠٦.
(٦)
٤٥

١٠ - عِقابُ النّفْسِ عند التَّقْصيرِ في العِبَادَةِ :
عن المُنْكَدِر بن محمد بن المُنْكَدِر عن أبيه : أن تميماً الدَّاري نامَ ليلةً لمْ يَقُم
بتَهَجُّد ، فقامَ سَنةً لمْ ينَم فيها ، عُقوبةً للذي صَنع(١) .
وعن نافع أنَّ ابنَ عُمرَ كان إذا فاتَتَّه العِشاء في جماعة أَحْيَى بقيَّةً ليلته(٢).
وقال عبد الرحمن رُستَه : حدّثَنَا يَحيى بنُ عبد الرحمن بن مهدي أنَّ أباهُ قامَ
ليلةً، وكان يُحيي الليلَ كُلُه، قال: فلمَّا طَلَعَ الفجرُ رمى بنفسِه على الفِراش حتى
طلعت الشمسُ ، ولم يُصَلِّ الصُّبحَ ، فجعلَ على نفسِهِ أن لا يجعلَ بينه وبين الأرض
شيئاً شهرين ، فقَرَّح فَخِذَاه جميعاً(٣) .
قال أبو نعيم : سَمعتُ أبا الفَرج الورثاني ، سمعتُ عليَّ بنَ عبد الرحيم يقول :
دخلتُ على النُّوريِّ فرأيتُ رجليه مُنتفخَتين ، فسألته عن أمره فقال : طالبَتني نفسي
بأكل تَمر ، فدافَعتُها ، فأَبَت عليَّ فاشتريتُه فلمَّا أكلتُ قلتُ : قومي فصَلِّي ، فأبت ،
فقلتُ : لله عليَّ إن قَعَدتِ على الأرض أربعين يوماً فما قَعدتُ - يَعني إلاَّ فِي صَلاة(٤).
١١ - مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فِعلَ القُرُباتِ :
قال الفضيلُ بنُ عِياض : إذا لم تَقدر على قِيام الليل ، وصِيام النهار ، فاعلم أنَّك
مَحْرُومٍ كَبَّتكَ خَطِيئَتُك (٥) .
١٢ - المُحَافَظَةُ على الأورادِ والعَمَلِ الصَّالِحِ:
عن أنس بن سيرين قال : كان لمحمد بنِ سيرين سَبعةُ أوراد ، فإذا فاته شيءٌ من
الليل قرأه بالنهار (٦).
(١) انظر السير: (تميم الدّاري) ٢/ ٤٤٢-٤٤٨، وانظر النزهة: ١/٢٨٩.
(٢)
انظر السير: ( عبد الله بن عُمر) ٢٠٣/٣-٢٣٩، وانظر النزهة: ٢/٣٦٨.
انظر السير: (عبد الرحمن بن مهدي) ٩/ ١٩٢ -٢٠٩، وانظر النزهة : ٣/٨١٧.
(٣)
(٤)
انظر السير: ( النُّوري) ١٤/ ٧٠ -٧٧، وانظر النزهة: ٣/١١٣٤.
انظر السير: ( الفضيل بن عياض) ٤٢١/٨ -٤٤٢، وانظر النزهة : ٧٧٧ /٧.
(٥)
انظر السير : ( محمد بن سيرين ) ٦٠٦/٤ -٦٢٦، وانظر النزهة : ٥/٥٧٠.
(٦)
٤٦

وقال بَّكَّارُ بنُ محمد السِّريني : كان لعبدِ الله بنِ عَوٍ سُبْعٌ يقرؤه كُلَّ ليلة ، فإذا لَمْ
يقرأه أتَمَّه بالنهار ، وكان يَغْزو على ناقته إلى الشام فإذا صار إلى الشام رَكبَ الخَيلَ ،
وقد بارَزَ روميّاً فقَتلَ الرُّوميَّ(١) .
وقال عفَّانُ: قد رأيتُ مَن هو أَعبَدُ من حَمَّاد بن سَلَمة، لكن ما رأيتُ أشَدَّ مواظبةً
على الخَيرِ ، وقراءةِ القُرآن ، والعمل لله تعالى منه(٢) .
وقال يَحيىُ بنُ أيوب : حذَّثني بعضُ أصحاب وَكيع الذين كانوا يَلزَمُونه أنَّ وَكيعاً
كان لا ينامُ حتى يقرأ جزأَه من كلِّ ليلة ثُلُثَ القرآن، ثم يقومُ في آخر الليل فيقرأ
المُفَصَّل، ثم يجلسُ ، فيأخُذُ في الاستغفار حتى يطلعَ الفجرُ(٣).
وقال ابنُ طاهر : لمَّا عَزَمَ سعدٌ الزنجاني على المجاورة ، عَزَمَ علىُ نَّفٍ وعشرين
عَزيمةً ، أن يُلزِمَهَا نفسَه من المُجَاهَدَات والعِبَادات، فبَقِي به أربعين سنةً لم يُخِلَّ
بعزيمةٍ منها ، وكانَ يُملِي في بيتِهِ - يَعني خوفاً من دولة العُبيديّة (٤) .
وقال الشيخُ العِماد : سمعتُ أخي الحافظَ أبي عُمر يقولُ: نحن إذا جاءَ أحدٌ
اشتغلنا به عن عملنا، وإنَّ خالي أبي عُمر فيه للدُّنيا والآخرة يُخَالِطُ النَّاسَ ولا يُخلي
أورادَه(٥) .
١٣ - أخْذُ النفْسِ بالشِّدَّةِ في العِبادَةِ :
عن نافعٍ قال : كان ابنُ عُمرَ يُزَاحِمُ على الرُّكن حتى يَرْعُفَ (٦).
وقال عثمانُ بنُ أبي العاتكة : علَّق أبو مُسلم الخَولاني سَوطاً في المسجد ، فكان
(١) انظر السير: (عبد الله بن عون) ٦/ ٣٦٤ - ٣٧٥، وانظر النزهة: ٦٥٧ /٧.
(٢)
انظر السير: ( حمَّاد بن سلمة) ٧/ ٤٤٤-٤٥٦، وانظر النزهة : ١/٧١٥.
(٣)
انظر السير: ( وكيع) ١٤٠/٩-١٦٨، وانظر النزهة: ٥/٨٠٩.
انظر السير: ( الزنجاني) ٣٨٥/١٨-٣٨٩، وانظر النزهة: ١/١٤٢٤.
(٤)
انظر السير: ( الشيخ أبو عُمر) ٥/٢٢-٩، وانظر النزهة: ١/١٦٦٢.
(٥)
(٦) انظر السير: (عبد الله بن عُمر) ٣/ ٢٠٣ -٢٣٩، وانظر النزهة: ٢/٣٧٣.
٤٧

يقولُ: أنا أَوْلَىُ بالسَّوطِ من الْبَهَائم، فإذا فَتَرَ مَشَقَ (١). سَاقَيْه سَوطاً أو سَوطَين،
قال : وكان يقولُ: لو رأيتُ الجَنَّةَ عَيَاناً أو النَّارَ عَيَاناً ما كان عندي مُستَزاد(٢).
وعن إبراهيمَ قال: لمَّا كَبر عَمرو بنُ ميمون، أَوتَد له في الحائط ، فكان إذا سَئِمَ
من القيام أمسَكَ به ، أو يَتَعَلَّقُ بحبل (٣).
وقال يونس بنُ مَيَسَرة : كُنَّ النِّسَاءُ يَتَعَبَّدن مع أمِّ الدَّرداء ، فإذا ضَعُفنَ عن القِيامِ ،
تَعَلَّقْنَ بالحِبال (٤) .
ورَوىُ حفصُ بن غياث ، عن ابنِ إسحاق ، قال : قدمَ علينا عبدُ الرحمن بنُ
الأسوَد حاجًّاً ، فاعتلَّت رجلُه ، فصَلَّى على قدمٍ حتى أصبح (٥) .
وقال هلالُ بنَ خَبَّاب : كان عبد الرحمن بن الأسود ، وعُقبة مَولَى أديم ، وسعد
أبو هشام يُخْرِمون من الكُوفة ، ويَصُومون يوماً، ويُفطِرون يوماً حتى يَرجِعُوا(٦) .
وقالَ الزُّبَيرُ بنُ بَكَّار : كان أبو عامر بنُ عبد الله ابن الزُّبَيرِ لما يُرَى منه يقولُ : قد
رأيتُ أبا بكرٍ وعُمرَ ولم يكونا هكذا(٧) .
وقال نافعٌ القارىء : كان أبو جعفر القارىء يقومُ الليل فإذا قرأ يَنْعُسُ ، فيقولُ
لهم : ضَعُوا الحَصَىُ بين أصَابعي وضُمُوها، فكانوا يَفعَلون ذلك ، والنَّومُ يُغَالِبِه وكان
يُصلي خَلفَ القُرَّاء في رمضان ، يُلَقِّنُهم، يُؤمر بذلك(٨).
وقال يعقوبُ السَّدُوسي : سمعتُ عليَّ بن المدَينِيِّ يقولُ: كان جَرِيرُ ابنُ
(١) مَشَقَ : أي ضربه بسرعة .
(٢)
انظر السير: ( أبو مسلم الخولاني) ٧/٤ - ١٤، وانظر النزهة: ٣/٤٣٠.
انظر السير: ( عمرو بن ميمون) ٤/ ١٥٨ -١٦١، وانظر النزهة: ٨/٤٦٧.
(٣)
انظر السير: ( أم الدَّرداء) ٤/ ٢٧٧ -٢٧٩، وانظر النزهة: ٤/٤٩٧.
(٤)
انظر السير: ( عبد الرحمن بن الأسود) ١١/٥ -١٢، وانظر النزهة : ٥/٥٧٥.
(٥)
انظر السير: ( عبد الرحمن بن الأسود) ١١/٥ -١٢، وانظر النزهة : ٦/٥٧٥.
(٦)
انظر السير: (عامر بن عبد الله بن الزبير) ٢١٩/٥ - ٢٢٠، وانظر النزهة : ٢/٥٩٦.
(٧)
انظر السير: ( أبو جعفر القارىء) ٢٨٧/٥-٢٨٨، وانظر النزهة: ٢/٦٠٤.
(٨)
٤٨

عبد الحميد صاحبَ ليلِ ، وكان له رَسَنٌ ، يقولون: إذا أَعْيَىْ تَعَلَّقَ به - يُريدُ أنَّه كان
يُصَلِّي(١) .
١٤ - أَقْوالٌ بَلِيغَةٌ في العُبُودِيَّةِ :
قال أبو عبد الرحمن السلمي : سمعتُ جَدِّي ابن نجيد يقول : لا يَصفُو لأحدٍ قَدَمٌ
في العُبوديَّة حتى تكونَ أفعالُه عنده كلُّها رياء، وأحوالُه كلُّها عنده دَعَاوَى(٢).
١٥ - الاشْتِيَاقُ إلى العِبادَةِ:
عن عَدي بنِ حاتم الطائي قال : ما دخلَ وقتُ صلاةٍ حتى أشتاقَ إليها. وعنه :
ما أُقيمت الصَّلاةَ مُنذُ أسلمتُ إلاَّ وأنا علىُ وُضُوءٍ(٣).
١٦ - مِنْ صِفاتِ عُبَّادِ السَّلَفِ:
قال كُرْزُ بنُ وَيَرة الحارثيّ: لا يكونُ العبدُ قارئاً حتى يَزْهَدَ في الدِّرهَم(٤) .
قال الإمامُ الذهبي بعدما أورد قَولَةَ كُرْز: هكذا كان زُمَّادُ السَّلف وعُبَّدُهم ،
أصحابَ خَوف وخُشُوع وتَعَبُّد وقُنُوع ، ولا يدخلون في الدُّنيا وشَهَوَاتها ، ولا في
عِبَاراتٍ أحدَثَهَا المُتَأْخِّرون من الفَنَاء ، والمَحو، والاصْطِدام ، والاتِّحاد ، وأشباه
ذلك، ممّا لا يَسُوغُه كِبَارُ العلماء ، فنسألُ الله التَّوفيقَ والإخلاصَ ، ولُزُوم
الاتِّباع(٥) .
١٧ - مَنْ فُتِحَ له بابٌ من أبوابِ العِبَادَةِ فَلْيَلْزَمْهُ :
قال الحافظُ ابنُ عبد البَرِّ في (( التمهيد)) هذا كتبتُه من حِفظي ، وغاب عني
أصلي : إنَّ عبدَ الله العُمري العابد كتبَ إلى مالك يَحُضُّه على الانفراد والعمل ، فكتبَ
(١) انظر السير: (جرير بن عبد الحميد) ٩/٩-١٨، وانظر النزهة : ٤/٧٩٥.
(٢)
انظر السير: ( ابن نَجيد) ١٤٦/١٦-١٤٨، وانظر النزهة : ٤/١٢٧٥.
(٣) انظر السير: (عدي بن حاتم) ٣/ ١٦٢ - ١٦٥، وانظر النزهة: ٢/٣٥٨.
(٤)
انظر السير: (كُرْز) ٦/ ٨٤-٨٦، وانظر النزهة: ٦/٦٣٣.
(٥) انظر السير: (كُرْز) ٨٤/٦-٨٦، وانظر النزهة: ٧/٦٣٣.
٤٩

إليه مالكٌ: إنَّ الله قَسَّمَ الأعمالَ كما قَسَّمَ الأرزاقَ ، فرُبَّ رجلٍ فُتْحَ له في الصَّلاةِ ،
ولم يُفتح له في الصَّوم ، وآخرُ فُتْحَ له في الصَّدَقة ولم يُفتحْ له في الصَّوم ، وآخرُ فُتْحَ له
في الجِهَاد فَنَشْرُ العِلمِ من أفضلِ أعمالِ البِرّ ، وقد رضيتُ بما فُتْحَ لي فيه ، وما أظُرُ
ما أنا فيه بدون ما أنتَ فيه، وأرجو أن يكونَ كِلانا على خيرٍ وِبِرُ(١).
١٨ - الاجْتِهَادُ في العِبادَةِ إذا شَعرَ الإنْسانُ بُدُنُوِّ أجَلِهِ :
رَوَىْ صالِحُ بنُ موسى الطَّلحي عن أبيه ، قال : اجتهدَ أبو موسى الأشعري قبل موته
اجتهاداً شديداً، فقِيلَ له : لو أمسكتَ ورفقتَ بنفسِك؟ قال: إنَّ الخَيلَ إذا أُرسِلَت
فقارَبَت رأسَ مجراها ، أخرَجَت جميعَ ما عندها ، والذي بَقِيَ من أجلي أقلُّ من ذلك(٢).
١٩ - صُوَرٌّ من عِبادَةِ السَّلَفِ:
وكان سُهَيلُ بن عَمرو بَعدُ كثيرَ الصَّلاة والصَّوم والصَّدقة ، خرجَ بجماعته إلى الشَّام
مُجَاهِداً ، ويُقالُ: إنَّه صَامَ وَتَهَجَّد حتى شَحَبَ لونُه وتَغَيَّرَ ، وكان كثيرَ البُكاء إذا سمعَ
القرآن، وكان أميراً على كُرُدُوسٍ (٣) يوم اليرموك واستُشهِد يوم اليرموك (٤).
وقال أبو الدَّرداء : إنْ كُنَّا لِنَكونُ مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في السفر في
اليوم الحارِّ ما في القومِ أحدٌ صائمٌ إلَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، وعبد الله ابنُ
رَواحَة .
وعن ابن أبي ليلى قال : تَزَوَّجَ رجلٌ امرأةَ ابنِ رَواحَة ، فقال لها : تَدرين لِمَ
تَزَوجتُك؟ لتُخبريني عن صَنِيع عبد الله في بيته فذكَرَت له شيئاً لا أحفظُه ، غيرَ أنها
قالت : كان إذا أراد أن يخرجَ من بيته ، صَلَّى ركعتين ، وإذا دخلَ صَلَّى ركعتين لا يدعُ
ذلك أبداً (٥) .
(١) انظر السير: (مالك الإمام) ٤٨/٨-١٣٥، وانظر النزهة: ٣/٧٣٧.
(٢)
انظر السير: ( أبو موسى الأشعري) ٢/ ٣٨٠ -٤٠٢، وانظر النزهة: ١/٢٨١.
(٣)
الكُردُوس : الطائفة العظيمة من الخيل والجيش ، والجمع کراديس .
(٤)
انظر السير: ( سُهيل بن عمرو) ١/ ١٩٤ -١٩٥، وانظر النزهة: ٦/١٤٦.
انظر السير: ( عبد الله بن رواحة) ٢٣٠/١ - ٢٤٠، وانظر النزهة: ٣/١٥٣.
(٥)
٥٠

وقِيل لنافع : ما كان يصنعُ ابنُ عُمرَ في منزِله ؟ قال : لا تُطِيقُونَه الوضوءُ لكلِّ
صَلاة ، والمُصحَفُ فيما بينهما(١) .
وقال عمرو بن عبد الرحمن بن مُحَيْريز : كان جدِّي عبد الله ابن مُحيريز يَختمُ في
كُلِّ جُمُعة ، ورُبَّما فَرَشنا له فلمْ يَنَمْ عليه(٢).
وعن أنس بن عياض قال : رأيتُ صَفوانَ بنَ سُليم ، ولو قيل له : غداً القيامة ،
ما كان عنده مَزيدٌ على ما هو عليه من العبادة (٣).
رَوَى مُثنى بن مُعاذ عن أبيه قال: ما كنتُ أُشَبِّه عبادةَ سُليمان التَيْمِيّ إلَّ بعبادةِ
الشَّاب أولَ ما يَدخلُ في تلك الشِّدَّة والحِدَّةِ (٤).
وعن حمّاد بن سَلمة قال : ما أتينا سُليمان التَّيْميّ في ساعةٍ يُطاعُ الله فيها إلاَّ
وجدناه مُطِيعاً ، وكنا نرى أنَّه لا يُحْسِن يَعصي الله(٥) .
وعن سُليمان التَّيْمَيّ أنَّه رُبَّما أحْدَثَ الوُضوءَ في الليل من غير نومٍ وذَكَرَ جريرُ بن
عبد الحميد أنَّ سُليمانَ التيمي ، لم تمرَّ ساعةٌ قَط عليه إلاَّ تَصَدَّقَ بشيء فإن لم يكنْ
شيءٌ صَلَّى ركعتين(٦).
وقال أحمدُ بن إبراهيمَ الدَّورَقيّ : حَدَّثنا الهيثمُ بنُ معاوية عمَّن حَدَّثه قال : كان
كَهْمَس يُصَلي في اليوم والليلة ألفَ ركعة ، فإذا ملَّ، قال : قومي يا مَأْوَى كلِّ سوء
فوالله ما رضيتُك لله ساعة(٧) .
وقال الوليدُ بن مسلم : رأيتُ الأوزاعيَّ يَثْبُتُ في مُصَلاه يذكرُ اللهَ حتى تطلُح
(٢)
(١) انظر السير: (عبد الله بن عُمر) ٢٠٣/٣-٢٣٩، وانظر النزهة: ١/٣٦٨.
انظر السير: ( عبد الله بن مُحيريز) ٤٩٤/٤-٤٩٦، وانظر النزهة : ١/٥٣٩.
انظر السير: ( صفوان بن سليم) ٣٦٤/٥ -٣٦٩، وانظر النزهة: ٥/٦١٠.
(٣)
انظر السير: ( سُليمان بن طَرْخان) ٦/ ١٩٥ -٢٠٢، وانظر النزهة: ٣/٦٤١.
(٤)
انظر السير: ( سُليمان بن طَرْخان) ١٩٥/٦-٢٠٢، وانظر النزهة: ٤/٦٤١.
(٥)
انظر السير: ( سُليمان بن طَرْخان) ١٩٥/٦-٢٠٢، وانظر النزهة : ٩/٦٤١.
(٦)
(٧) انظر السير: (كَهْمَس) ٣١٦/٦ -٣١٧، وانظر النزهة: ٢/٦٥٣.
٥١

الشَّمسُ ويُخبرُنا عن السَّلف : أنَّ ذلكَ كان هَديَهُم فإذا طَلَعت الشَّمسُ قامَ بعضُهم إلى
بعضٍ فأفاضوا في ذِكر الله، والتَفَقُّه في دينه(١) .
وقال الواقديُّ تلميذُ ابنُ أبي ذئب : وكان يُصلي الليلَ أجمَع ويجتهدُ في العبادة ،
ولو قيل له إنَّ القيامةَ تقومُ غداً ما كان فيه مَزيدٌ من الاجتهاد(٢) .
وقال أبو بَحر البكراوي : ما رأيتُ أحداً أعبَدَ لله من شُعْبَة، لقد عَبَدَ اللهَ حتى جَفَّ
جِلدُه على عظمه واسْوَدَّ(٣).
وقال أحمدُ بنُ سَلمة النَّسابُوري الحافظ : كان هَنَّاد بن السَّريّ رحمه الله كثيرَ
البُكاء ، فَرَغَ يوماً من القراءة لنا ، فتوضأ ، وجاءَ إلى المسجد فصَلَّى إلى الزَّوال وأنا
معه في المسجد ، ثم رجعَ إلى منزله ، فتوضأ وجاءَ فصَلَّى بنا الظُّهرَ، وأخذَ يقرأُ في
المُصحف حتىْ صَلَّى المغرب قال : فقلتُ : لبعضٍ جِيرانِه : ما أصْبَرَه على العبادة
فقالَ : هذه عِبادتُه بالنَّهارِ منذ سَبعين سنة ، فكيف لو رأيتَ عبادَته بالليل ، وما تَزَوَّجَ
قَطْ، ولا تسرَّى ، وكان يُقال له : راهبُ الكوفة (٤) .
ونقلَ بعضُ العلماء من كتابٍ لحفيد بَقِيٍّ بن مَخْلَد ( عبد الرحمن ابن أحمد ) :
كان جَدِّي قد قَسَّمَ أيامَه على أعمال البِّر: فكان إذا صَلَّى الصُّبْحِ قرأَ حِزْبَه من القرآن في
المُصْحَف ، سُدسَ القرآن ، وكان أيضاً يَختمُ القرآنَ في الصَّلاة في كل يوم وليلة ،
ويخرجُ كلَّ ليلة في الثُّثِ الأخيرِ إلى المسجد ، فيختمُ قُربَ انصِدَاعِ الفَجر ، وكان
يُصلي بعد حِزْبِهِ من المُصحف صلاةً طويلةً جداً ثم يَنقَلِبُ إلى دَارِه - وقد اجتمعَ في
مَسْجِده الطلبةُ - فيُجَدِّدُ الوُضُوءَ، ويخرجُ إليهم، فإذا انقضت الدُّوَل ، صارَ إلى
صَوْمَعَة المسجد ، فيُصلي إلى الظُّهر، ثم يكونُ المُبْتَدِىءَ بالأذان، ثم يَهبطُ ثم يُسمِع
إلى العَصر، ويُصَلِّي ويُسمِع ، ورُبَّما خرجَ في بقية النهار ، فَيَقعُدُ بين القُبُور يبكي
انظر السير: (الأوزاعي) ١٠٧/٧ - ١٣٤، وانظر النزهة : ٤/٦٨١.
(١)
(٢) انظر السير: ( ابن أبي ذئب) ١٣٩/٧ -١٤٩، وانظر النزهة: ٦/٦٨٥.
انظر السير: ( شعبة) ٢٠٢/٧-٢٢٨، وانظر النزهة: ٣/٦٩٣.
(٣)
انظر السير : ( هَنَّاد بن السري) ١١/ ٤٦٥-٤٦٦، وانظر النزهة: ٣/٩٥٩.
(٤)
٥٢

ويَعتَبر، فإذا غربت الشَّمسُ أتىُ مَسْجِدَه ، ثم يُصَلي ويَرجِعُ إلى بيتِهِ فَيُقْطِر ، وكان
يَسْرُدُ الصَّومَ إلَّ يومَ الجُمُعة ، ويخرجُ إلى المَسْجد ، فيخرجُ إليه جِيرانُه ، فيتكَلَّمُ
معهم في دِينِهِم ودُنيَاهم ، ثم يُصَلي العِشاء ويدخلُ بيتَه ، فيُحَدِّثُ أهلَه ، ثم ينامُ نَومَةً
قد أخَذَتْها نَفَسُه ، ثم يقومُ هذا دأبه إلى أن تُوفِّي وكان جَلْداً ، قوياً على المشي(١).
وجاءَ في ترجمة الجُنَيد :
قال الذهبيُّ : هو ابنُ محمد بن الجُنَيد النَّهاوندي ، ثم البغداديُّ القواريريُّ هو شيخٌ
الصُّوفية، وُلِدَ سَنَةَ نَّ وعشرين ومئتين، وتَفَقَّه على أبي ثَور، وأَتْقَنَ العِلمَ ، ثم
أقبلَ على شأنه ، وتَأَلَّهَ وتَعَبَّد ، ونَطَقَ بالحكمة وقلَّ ما رَوَى .
قال ابنُ المُنادي : سمعَ الكثيرَ وشاهَدَ الصَّالحين، وأهلَ المعرفة ورُزقَ الذَّكاءَ
وصوابَ الجَواب ، لم يُرَ في زمانه مثلُه في عِقَّةٍ وعُزوفٍ عن الدنيا .
قِيل لي : إنَّه قال مرةً : كنتُ أُفِي في حلقة أبي ثور الكلْبِيِّ وليَ عشرون سنة .
وعن الجُنَيد : قال ما أخرجَ الله إلى الأرض عِلماً وجعلَ للخَلقِ إليه سبيلاً إلاَّ وقد
جَعَلَ لي فيه حظاً(٢) .
وقيل إنَّه كان في سُوقِه ووِرْدُه كلَّ يوم ثلاثُ مئة ركعة، وكذا كذا ألفَ تَسْبيحة(٣) .
وقال ابنُ باكُويَه : سمعتُ ابنَ خَفيف يقول : كنتُ في بدايتي رُبَّما أقرأُ في ركعةٍ
واحدة عشرةَ آلاف (قل هو الله أحد) ورُبّما كنتُ أقرأُ في ركعةِ القرآنَ كُلَّه(٤).
وقال السَّمعاني : إنَّ الإمامَ أبا منصور الخَيَّاط، صالحٌ ثقةٌ عابدٌ مُلقِّن ، له وِرْدٌ بين
العِشاءَين بسُبْعٍ ، وكان صاحبَ كَرَامات (٥) .
(١) انظر السير: (بَقِيّ بن مخلد) ٢٨٥/١٣-٢٩٦، وانظر النزهة: ٢/١٠٨٧.
(٢)
انظر السير: ( الجُنيد) ٦٦/١٤ - ٧٠، وانظر النزهة : ١/١١٣٢.
(٣) انظر السير: (الجُنيد) ٦٦/١٤-٧٠، وانظر النزهة: ٢/١١٣٢.
انظر السير : ( ابن خفيف) ١٦/ ٣٤٢ -٣٤٧، وانظر النزهة : ٣/١٢٩٨.
(٤)
(٥) انظر السير: (الخَيَّاط) ٢٢٢/١٩ -٢٢٤، وانظر النزهة: ٢/١٤٧٣.
٥٣

وقال الذهبيُّ في ترجمة عبد الغني المقدسي : كان لا يُضَيِّعُ شيئاً من زمانه بلا
فائدة ، فإِنَّه كان يُصَلِّي الفجرَ ، ويُلَقِّنُ القرآنَ ، وربما أَقْرَأْ شيئاً من الحَديث تلقيناً ، ثم
يقومُ فيتوضأُ ويُصَلِّي ثلاثَ مئة ركعة بالفاتحة والمُعوِّذَتين إلى قبل الظهر ، وينامُ نَوْمَةً
ثم يُصَلِّي الظُهر ويشتغلُ إمَّا بالتَّسْميع أو النَّسْخِ إلى المغرب ، فإذا كان صائماً أفطرَ ،
وإلاَّ صَلَّى من المغرب إلى العشاء ويُصَلِّي العشاءَ ، وينامُ إلى نصفِ الليل أو بعده ، ثم
قامَ كأنَّ إنسَاناً يُوقِظُهُ، فيُصَلِّي لحظةً ثم يتوضأ ويصلي إلىُ قُرب الفجر ، رُبما توضأ
سبعَ مرات أو ثمانياً في الليل ، وقال : ما تطيبُ لي الصلاةُ إلاَّ ما دامت أعضائي
رطبة ، ثم ينامُ نَومةً يسيرةً إلى الفجر ، وهذا دأبُه .
وعن مُوفق الدين قال : كان الحافظُ عبد الغنيِّ جامعاً للعلم والعمل ، وكان رفيقي
في الصِّبا ، وفي طلب العلم ، وما كُنَّا نَسْتَبِقُ إلى خيرٍ إلَّ سَبَقَني إليه إلاَّ قليلاً ،
وكَمَّل الله فضيلته بابتلائه بأذى أهل البدعة وعَدَاوتهم ، ورُزِقَ العلمَ وتحصيلَ الكُتُب
الكثيرة إلاَّ أنَّه لم يُعمِّر .
قال الضّياءُ : وكان يستعملُ السِّوَاكَ كثيراً حتى كأنَّ أسْنانَه البَرَد .
سمعتُ محمودَ بنَ سَلامة التَّاجر الحَرَّانيَّ يقول : كان الحافظُ عبدُ الغنيِّ نازلاً
عندي بأصْبَهَان ، وما كان ينامُ من الليل إلاَّ قليلاً ، بل يُصَلي ويَقرأُ ويبكي .
وسمعتُ نصرَ بن رضوان المقرىء يقول : ما رأيتُ أحداً على سيرة الحافظ ، كان
مشتغلاً طول زمانه(١) .
كان الشيخُ أبو عُمر محمد بن قدامة المقدسي لا يَسمعُ دعاءً إلاَّ ويحفظُه في
الغالب، ويدعُو به ، ولا حَديثاً إلاَّ وعملَ به، ولا صلاةً إلاَّ صَلَأَّها، وكان يُصلي
بالنَّاس في النصف(٢) مائة ركعة وهو مُسِن، ولا يتركُ قيام الليل من وقت شُبُوبِيَّتِه ،
وإذا رافقَ ناساً في السَّفر ناموا وحَرَسَهم يُصلِّي(٣).
(١) انظر السير: (عبد الغني) ٤٤٣/٢١ -٤٧١، وانظر النزهة : ١٦٤٥.
(٢) يعني في النصف من شعبان .
(٣) انظر السير: (الشيخ أبو عُمر) ٥/٢٢-٩، وانظر النزهة: ٢/١٦٦١.
٥٤

قال الذهبيُّ : كان أبو عُمر بنُ قُدامة قُدوةً صالحاً ، عابداً قانتاً لله، رَبَّانياً ، خاشعاً
مُخلصاً، عَديمَ النَّظير، كَبِيرَ القَدْر، كثيرَ الأورَاد والذِّكر والمَروءة والفُتُوة والصِّفات
الحَميدة ، قَلَّ أنْ تَرى العُيونُ مثلَه.
قيل : كان رُبَّما تَهَجَّدَ، فإن نَعَسَ ضَرَبَ على رجليه بقَضِيبٍ حتى يطيرَ النُّعَاس ،
وكان يُكثِرُ الصِّيامَ، ولا يَكَادُ يَسمِعُ بِجَنَازَةٍ إِلَّ شَهِدَها ولا مريضٍ إلَّ عَادَه ، ولا جهادٍ
إلَّ خَرَجَ فيه ، ويتلو كل ليلة سُبعاً مرتلاً في الصلاة ، وفي النهار سُبعاً بين الصلاتين ،
وإذا صلى الفجر تلا آياتِ الحرس ويس والواقعة وتبارك ، ثم يُقْرِىء ويُلقُّن إلى ارتفاع
النهار ، ثم يصلي الضحى ، فيُطيل ويصلي طويلاً بين العِشاءَين ويُصلي صلاةَ التَّسابيح
كلَّ ليلةِ جمعة ، ويُصلي يومَ الجمعة ركعتين بمائة (قل هو الله أحد) فقيل : كانت
نَوافِلُه في كلٌّ يومٍ وليلةٍ اثنتين وسبعين ركعة ، وله أذكار طويلة ، ويقرأ بعد العشاء
آيات الحرس ، وله أورادٌ عند النَّوم واليقظة وتَسابيح، ولا يَترك غُسل الجمعة ،
ويَنسخُ ((الخِرَقي)) من حفظه، وله مَعرفةٌ بالفِقْه والعَربيّة والفَرائض وكان قاضياً
لحَوائج الناس ، ومن سافرَ من الجماعة يتفقَّدُ أهاليهم ، وكان الناسُ يأتونَه في القضايا
فيُصلحُ بينهم ، وكان ذا هَيْبَة ووقْعٍ في النُّوس .
وقال الشيخ الموفق : ربَّانا أخي ، وعلَّمنا ، وحرصَ علينا ، كان للجماعة كالوالد
يحرصُ عليهم ويقومُ بمصالحهم ، وهو الذي هاجرَ بنا ، وهو سَفَّرَنا إلى بغداد ، وهو
الذي كان يقوم في بناء الدَّير ، وحين رجعنا زَوَّجَنَا وبنى لنا دُوراً خارج الدَّير ، وكان
قلَّما يتخلفُ عن غَزَاة .
وكان هو وأصحابُه في خيمة على حصار القُدس، فزارَه الملك العادلُ فلم يجدْهُ ،
فجلسَ ساعةً ، وكان الشيخُ يُصلِّي فذهبوا مرتين فلم يجىء فأحضروا للعادل أقراصاً
فأكلَ وقامَ وما جاءَ الشيخُ(١) .
وقال الضياءُ : كان ابنُ قُدامة يُصلي بخُشُوع ولا يَكادُ يُصلي سُنَّة الفجر والعشاءَين
(١) انظر السير: (الشيخ أبو عُمر) ٥/٢٢-٩، وانظر النزهة: ٣/١٦٦١.
٥٥

إلاَّ في بيته، وكان يُصلي بين العشاءَين أربعاً ((بالسَّجدَة)) و(( يَس)) و((الدُّخان))
و((تَبَارك)»، لا يكادُ يُخِلُّ بِهِنَّ ويقومُ السَّحرَ بسُبع وربما رفعَ صَوتَه ، وكان حَسَنَ
الصَّوت(١).
٢٠ - الوُضُوء :
(أ) استعمال قَليلٍ من الماءِ فيه :
قال محمدُ بنُ عبد الله بن عبد الحَكَم : ما رأيتُ أحداً أقلَّ صَبَّاً للماء في تمام
التَّطَهُّر من الشَّافعيّ(٢).
(ب ) تَجْدِيدُ الوُضُوء :
يقول الإمامُ الذهبيُّ : بَلغَنَا عن أبي القاسم التيميِّ تَعَبُّد وأورادٌ وتَهَجُّد ، فقال
أبو موسى : سمعتُ من يحكي عنه في اليوم الذي قُدِم بولده ميّتاً ، وجلسَ للتعزية أنه
جَدَّدَ الوضوءَ في ذلك اليوم مراتٍ نحوَ الثلاثين ، كلُّ ذلك يُصلي ركعتين(٣).
وقال الذهبيُّ في ترجمة عبد الغني المَقْدسي : كان لا يُضَيِّعُ شيئاً من زمانه بلا
فائدة ، فإنَّه كان يُصَلِّي الفجرَ ، ويُلَقِّنُ القرآنَ ، وربما أَقْرَأ شيئاً من الحَديث تلقيناً ، ثم
يقومُ فيتوضأُ ويُصَلِّي ثلاثَ مئة ركعة بالفاتحة والمُعوِّذَتين إلى قبل الظهر ، وينامُ نَوْمةً
ثم يُصَلِّي الظهر ويشتغلُ إمَّا بالتَّسْميع أو النَّسْخِ إلى المغرب ، فإذا كان صائماً أفطرَ ،
وإلاَّ صَلَّى من المغرب إلى العشاء ويُصَلِّي العشاءَ ، وينامُ إلى نصفِ الليل أو بعدَه ، ثم
قامَ كأنَّ إنسَاناً يُوقِظُهُ، فَيُصَلِّي لحظةً ثم يتوضأ ويصلي إلى قُرب الفجر ، رُبما توضأ
سبعَ مرات أو ثَمانياً في الليل ، وقال : ما تطيبُ لي الصلاةُ إلَّ ما دامت أعضائي
رطبة ، ثم ينامُ نَومةً يسيرةً إلى الفجر ، وهذا دأبُه .
(١) انظر السير: (ابن قدامة) ١٦٥/٢٢-١٧٣، وانظر النزهة: ٢/١٦٨٢.
(٢) انظر السير: (الشافعي) ٥/١٠-٩٩، وانظر النزهة: ٢/٨٥٠.
(٣) انظر السير: (التيمي) ٢٠/ ٨٠-٨٨، وانظر النزهة: ٤/١٥٣٢.
٥٦

وعن مُوفق الدين قال : كان الحافظُ عبد الغنيّ جامعاً للعلم والعمل ، وكان رفيقي
في الصِّبا، وفي طلب العلم ، وما كُنَّا نَسْتَبِقُ إلى خيرٍ إلاَّ سَبَقَني إليه إلاَّ قليلاً،
وكَمَّل الله فضيلته بابتلائه بأذى أهل البدعة وعَدَاوتهم ، ورُزِقَ العلمَ وتحصيلَ الكُتُب
الكثيرة إلاَّ أنَّه لم يُعمِّر .
قال الضّياءُ : وكان يستعملُ السِّوَاكَ كثيراً حتى كأنَّ أسْنانَه البَرَد
سمعتُ محمودَ بنَ سَلامة التَّاجر الحَرَّانيَّ يقول: كان الحافظُ عبدُ الغنيِّ نازلاً
عندي بأصْبَهَان ، وما كان ينامُ من الليل إلاَّ قليلاً ، بل يُصَلي ويَقرأُ ويبكي
وسمعتُ نصرَ بن رضوان المقرىء يقول : ما رأيتُ أحداً على سيرة الحافظ ، كان
مشتغلاً طول زمانه(١) .
٢١ - الصَّلاة
( أ) الصَّلاة رُكنُ الدِّين :
قال المسْوَر بنُ مَخْرَمة : لمَّا أصبحَ عُمرُ من الغد - وهو مَطعون - فَزّعوه فقالوا :
الصَّلاة، ففَزِعَ وقال: نعم ولا حَظَّ في الإسلام لمَنْ تَركَ الصَّلاة ، فصَلَّى وجُرحُه
يَتْعُبُ دَماً(٢).
(ب) صُور من الحِرْص على صلاة الجماعة :
عن ابنِ المُسَيِّب قال : ما فاتَّني الصَّلاةُ في جماعة منذُ أربعين سنة(٣).
وعن عثمان بن حكيم ، سمعتُ سعيدَ ابنَ المُسَيِّب يقول : ما أَذَّنَ المُؤْذِّنُ منذ
ثلاثين سَنَّةً إلاَّ وأنا في المسجد (٤) .
انظر السير: ( عبد الغنيّ) ٤٤٣/٢١ -٤٧١، وانظر النزهة : ١٦٤٥.
(١)
(٢).
انظر السير: ( عُمر بن الخَطَّاب )، وانظر النزهة : ١/٥٦.
انظر السير: ( سعيد بن المسيّب ) ٤/ ٢١٧ -٢٤٦، وانظر النزهة : ٤/٤٨٢.
(٣)
انظر السير: ( سعيد بن المسيّب) ٢١٧/٤ -٢٤٦، وانظر النزهة : ٥/٤٨٢.
(٤)
٥٧

وعن ابنِ شِهاب ، قلتُ لسعيدِ بنِ المسَيِّب : لو تَبَدَّيْتَ ، وذَكَرتُ له البادية وعيشها
والغنم، فقال : كيف بشُهُود العَتَمَةِ (١) .
وعن ابن حرملة ، عن سعيد بنِ المُسَيِّب أنَّه اشتكىُ عَينَه فقالوا : لو خرجتَ إلى
العقيق فنظَرتَ إلى الخُضْرة، لوجدتَ لذلك خِفَّةً قال: فكيفَ أصنعُ بشُهُود العَتَمَة
والصُّبح(٢).
وعن أبي حَيَّنَ ، عن أبيه ، قال: كان الربيعُ بنُ خثيم يُقَادُ إلى الصَّلاةِ وبه الفَالِجُ ،
فقيلَ له: قد رُخِّصَ لك قال: إنِّي أسمعُ ((حيّ على الصَّلاة)) فإن استطعتُم أن تَأْتُوها
ولو حَبْواً(٣) .
وقال إبراهيمُ بن يزيد : إذا رأيتَ الرَّجُلَ يَتْهَاونُ في التّكبيرَةِ الأُولىْ فاغسِل يَدَكَ
منه (٤) .
وقال مُصْعَبُ : سَمِعَ عامرُ بنُ عبد الله المُؤَذِّنَ ، وهو يَجُودُ بنفسِه ، فقال : خُذوا
بِيَدِي فقيل : إنَّكَ عَليل قال: أسمعُ داعي الله فلا أُجِيبُهُ، فَأَخَذُوا بيده ، فدخل مع
الإمام في المغرب فرَكَعَ ركعةً ثم مات (٥) .
وقال يحيى القَطَّان: الأعمشُ عَلَّمَةُ الإسلام، قال وكيعُ بنُ الجَرَّح : كان
الأعمش قريباً من سبعين سنة ، لم تَفْتُهُ التَّكبِيرَةُ الأُولىُ (٦).
وقال محمدُ بنُ المبارك الصُّوري : كان سعيدُ بن عبد العزيز إذا فاتته صلاة
الجماعة بكى(٧) .
(١) انظر السير: (سعيد بن المسيّب) ٢١٧/٤ -٢٤٦، وانظر النزهة: ٤/٤٨٣.
(٢)
انظر السير : ( سعيد بن المسيّب ) ٢١٧/٤ -٢٤٦، وانظر النزهة: ٢/٤٨٨.
(٣)
انظر السير : ( الربيع بن خثيم) ٢٥٨/٤ -٢٦٢، وانظر النزهة : ٦/٤٩٣.
انظر السير: ( إبراهيم بن يزيد) ٦٠/٥ -٦٢، وانظر النزهة: ٦/٥٨٠.
(٤)
(٥)
انظر السير: (عامر) ٢١٩/٥ -٢٢٠، وانظر النزهة: ٣/٥٩٦.
(٦)
انظر السير: ( الأعمش) ٢٢٦/٦-٢٤٨، وانظر النزهة: ١/٦٤٤.
(٧) انظر السير: (سعيد بن عبد العزيز) ٨/ ٣٢-٣٨، وانظر النزهة: ٦/٧٢٣.
٥٨

وقال غَسَانُ : حَدَّثني ابنُ أخي بِشْر بن منصور قال : ما رأيتُ عَمِّ فاتَتْهُ التَّكبيرةُ
الأُولى(١).
قال عبدُ الرَّحمن رُستَه : سألتُ ابن مهديٍّ عن الرَّجُل يَبني بأهله، أَيَتْرُكُ
الجَمَاعةَ أيَّاماً؟ قال : لا، ولا صلاةً واحدةً وحَضَرتُهُ صَبِيحَةَ بُنيَ على ابنتِهِ ،
فخرجَ، فَأَذَّنَ، ثم مَشَى إلى بابهِما ، فقال للجارية: قُولي لهُما : يَخرُجان إلى
الصَّلاة ، فخَرَجَ النِّساءُ والجَوَاري ، فقُلن: سُبحانَ الله !! أيُّ شيء هذا؟ فقال :
لا أَبْرَحُ حتى يَخرُجا إلى الصَّلاة، فخَرَجا بَعدَما صَلَّى، فَبَعَثَ بهما إلى مَسجد
خارج من الدَّرْب .
قال الذهبيُّ : هكذا كان السَّلفُ في الحِرصِ على الخَيْرِ .
وقال بُْدَار : سمعتُ عبد الرحمن بن مهدي يقول : ما نعرفُ كتاباً في الإسلام بعدَ
كتابِ الله أَصَحَّ من (( مُوطَّأ مالك))(٢).
ويُقال: كان المُزَنِيُّ إذا فاتته صلاةُ الجماعةِ صَلَّى تلك الصَّلاةَ خمساً وعشرين
مرة(٣).
ورُوي عن ابن خفيف أنَّه كان به وَجَعُ الخاصِرة، فكان إذا أصابَه أقعَدَه عن
الحَرَكة، فكان إذا نُودي بالصلاة يُحملُ على ظهر رجل ، فقيل له : لو خَفَّفتَ على
نفسك؟ قال : إذا سَمعتُم حيّ على الصَّلاة ولم تَرَوْني في الصَّف فاطْلُبُوني في
المَقبَرة(٤) .
(ج) رؤيا فيها حثٌّ على صلاة الجماعة:
قال البغويُّ: سَمعتُ عُبَيَدَ الله القواريري يقول : لم تكنْ تَفُوتُني صلاةُ العَتَمَة في
جماعة فنزل بي ضيفٌ، فشُغلتُ به فخرجتُ أطلبُ الصَّلاةَ في قبائلِ البَصْرَة ، فإذا
انظر السير: ( بشر بن منصور) ٣٥٩/٨-٣٦٢، وانظر النزهة: ٣/٧٦٤.
(١)
انظر السير: ( عبد الرحمن بن مهدي) ٩/ ١٩٢-٢٠٩، وانظر النزهة: ٢/٨١٨.
(٢)
(٣)
انظر السير: ( المزني) ٤٨٩/١٢-٤٩١، وانظر النزهة: ٤/١٠٢٤.
انظر السير: ( ابن خفيف) ٣٤٢/١٦ -٣٤٧، وانظر النزهة : ٤/١٢٩٨.
(٤)
٥٩

النَّاسُ قد صَلُّوا فقلتُ في نفسي يُروَى عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((صلاةُ
الجَميعِ تَفْضُلُ صَلاةَ الفَذِّ إِحْدَى وعشرين دَرَجَةً))، ورُويَ ((خَمْسَاً وعشرين دَرَجَةً)»،
ورُويَ (( سَبْعَاً وعشرين)) فانقلبتُ إلى مَنزِلِي، فصَلَّيْتُ العَتَمَةَ سَبْعَاً وعشرين مرةً ، ثم
رقدتُ فرأيتُنِي مع قومٍ راكبي أفراسٍ ، وأنا راكبٌ ونحن نَتَجَارى وأفراسُهم تَسْبقُ
فَرَسي ، فجعلتُ أضربُه لألحَقَهُم، فالتَفَتَ إليَّ آخرُهم فقال: لا تُجْهِد فَرَسَك فلسْتَ
بلاحِقِنا قال : فقلتُ : ولِمَ؟ قال: لأنَّا صَلَّيْنَا العَتَمَةَ في جماعةٍ (١).
(د) الخُشُوع في الصَّلاة :
قال مُجاهِد : كان عبدُ الله بن الزُّبير إذا قامَ إلى الصَّلاةِ كأنَّه عُود، وحَدَّثَ أنَّ أبا
بکرٍ رضي الله عنه كان كذلك(٢).
وعن عمرو ابنِ دينار قال: كان ابنُ الزُّبير يَصَلِّي في الحِجْرِ والمِنْجَنِيقُ يَصُبُّ
تُوبِه(٣). فما يَلتفتُ، يَعني: لمَّا حاصَرُوه(٤) .
وعن أبي الحُسَين المجاشعي، قال لعامر بن عبد قيس : أتُحَدِّثُ نفسَكَ في
الصَّلاة ؟! قال: أُحَدِّثُها بالوقوفِ بين يدي الله، ومُنصَرَفي(٥) .
وقال زُبيدُ : رأيتُ زاذانَ يُصلِّي كأنَّ جِذْع(٦) .
وعَن أبي نُوحِ الأَنصَاري قال : وَقَعَ حريقٌ في بيتٍ فيه عليُّ ابنُ الحُسَين وهو
ساجِدٌ، فجَعَلوا يَقُولون: يا ابنَ رسولِ الله النَّار فما رَفَعَ رأسَه حتى طُفِئَت فقيل له في
ذلك فقال : ألهَتني عنهَا النَّارُ الأُخرىُ(٧).
انظر السير: ( القواريري) ٤٤٢/١١-٤٤٦، وانظر النزهة: ١/٩٥٩.
(١)
(٢)
انظر السير: ( عبد الله بن الزُّبير) ٣٦٣/٣ _ ٣٨٠، وانظر النزهة: ٢/٣٩٥.
(٣)
التُوب : حجر المنجنيق .
انظر السير: (عبد الله بن الزُّبير) ٣٦٣/٣ - ٣٨٠، وانظر النزهة: ٣/٣٩٥.
(٤)
(٥)
انظر السير: ( عامر بن قيس) ١٥/٤-١٩، وانظر النزهة: ٤/٤٣٣.
انظر السير : (زاذان) ٤/ ٢٨٠ -٢٨١، وانظر النزهة: ٣/٤٩٨.
(٦)
انظر السير: ( عليّ بن الحُسَين) ٣٨٦/٤ -٤٠١، وانظر النزهة: ٢/٥١٨.
(٧)
٦٠