النص المفهرس

صفحات 21-40

(ج) تَعْلِيمُ الصِّغارِ والتَّأَثِيرُ فِيهِم :
جاء في (( تاريخ الإماميّة)) أنَّ ابنَ أبي طَيّ قال: كان الشيخُ المُفيد ( محمّد بن
محمّد بن الُّعمان ) شيخ الرافِضَة أوْحدَ في جميع فُنون العلم : الأصْلَين ، والفِقْه ،
والأخبار ، ومَعرفَة الرجال ، والتفسير ، والنَّحْو ، والشعر، كان يُناظِرُ أهلَ كلِّ عَقيدة
مع العَظَمة في الدولة البويهيّة ، والرُّتبةِ الجَسيمَة عند الخُلَفاء ، وكان قَويَّ النَّفْسِ ،
كَثِيرَ البرِّ ، عظيمَ الخُشوعِ ، كَثيرَ الصَّلاةِ والصَّوم ، يَلْبَسُ الخَشن من الثِّياب ، وكان
مديماً للمُطالعة والتَّعليم، ومن أحْفَظ النَّاس ، قيل: إنَّه ما تَركَ للمُخالِفين كتاباً إلاَّ
وحَفظَه، وبهذا قَدَر علىْ حَلِّ شُبه القَوم ، وكان من أحْرَص النَّاس على التعليم ،
يَدورُ على المَكاتب وحَوانيت الحاكة فيتلمَّحِ الصَّبيَّ الفَطِن ، فيَسْتأجرُه من أبوَيْه - يعني
فَيُضِلَّه - قال: وبذلك كَثُر تلامذتُه(١) .
(د) تَخْصِيصُ بعض النَّاسِ بالعِلْمِ، وكَوْنُ هذا العِلْمَ في البُيُوتِ :
قال أبو سعيد بن الأعرابي في ((طبقات النُسَّاك)): كان عامَّةُ مَنْ ذكرنا من النُسَّاك
يأتون الحَسَنِ البَصريّ ويَسمَعون كلامَه ويُذْعِنُون له بالفِقه ، في هذه المعاني خاصة ،
وكان عَمرو بن عُبَيد ، وعبد الواحد ابن زَيد من الملازمين له ، وكان له مجلسٌ خاصٌ
في مَنزِله ، لا يكاد يَتكلَّمُ فيه إلاَّ في مَعاني الزُّهد والنُّسك وعلوم الباطن ، فإنْ سألَه
إنسانٌ غَيرَها ، تَبَرَّم به وقال: إنَّما خَلَوْنا مع إخْوانِنا نتذاكر، فأمَّا حَلَقَتُهُ في المسجد
فكان يمرُّ فيها الحديثُ ، والفقهُ، وعلمُ القرآن ، واللُّغَة ، وسائر العلوم ، وكان ربَّما
يُسأل عن التصوُّف فيُجيب ، وكان منهم مَنْ يصحَبُه للحديث ، ومنهم من يَصحَبُه
للقرآن والبيان، ومنهم من يَصحَبُه للبلاغَة ، ومنهم من يَصحَبُه للإخلاص وعلمٍ
الخصوص ، كعَمرو بن عُيَيد ، وأبي جَهير ، وعبد الواحد بن زَيد ، وصالح المُرِّيّ ،
وشُمَيط، وأبي عُبَيدة النَّاجي، وكل واحد من هؤلاء اشتهَرَ بحالٍ - يعني في
العبادة(٢).
(١) انظر السير: (الشيخ المفيد) ٣٤٤/١٧ -٣٤٥، وانظر النزهة: ٢/١٣٤٤.
(٢) انظر السير: (الحسن البصري) ٥٦٣/٤-٥٨٨، وانظر النزهة: ٨/٥٦١.
٢١

(هـ ) الاقْتِداءُ :
قال موسى التيمي : ما رأيتُ أحداً أجمعَ الدِّينِ والمملكةِ والشَّرَفِ من
عبد الرَّحمَن بنِ أبان بن عُثمان بن عَفَّان وقيل : كان يَشتري أهلَ البيت فَيَكسُوهم
ويُعْتِقُهُم ويقولُ : أستعينُ بهم على غَمَراتِ الموت فماتَ وهو نائم في مسجده ،
وقِيل : كان كَثير العبادة والتأله رآهُ عليٌّ ابن عبد الله بن عبَّاس فأعجبهُ نُسُكُه وهَدُه ،
فاقْتَدى به في الخير (١) .
( و) من وَسَائِلِ الدَّعْوَةِ حَالَ الحَاجَةِ إليها:
١ - السّرّيَّة :
قال إبراهيمُ بن رُسْتم : قال أبو حَمزة (السُّكَّريّ ) : اختلَفْتُ إلى إبراهيمَ الصَّائغ
نيفاً وعشرين سنة ، ما علِم أحدٌ من أهل بيتي أين ذهبتُ ، ولا من أين جئتُ .
قال الذهبيُّ: لأنَّ إبراهيمَ الصَّائغ كان في السّجن، سجن المُسَوِّدة(٢) ولا يذهبُ
أحدٌ إليه إلاَّ مُتَخَفِّياً .
قال العبَّاس بن مُصعب المَرْوَزيُّ: كان أبو حمزة مُستجَابَ الدَّعوة(٣).
وقال الصُّوليُّ : كان الإمام أبو عبد الله الخُزاعيّ ، وسَهل بن سلامة حين كان
المأمون بخُراسان بايعا النَّاس على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ثم قَدِمَ
المأمونُ فبايعه سهل ولَزِم ابنُ نصرٍ بيتَه ، ثم تحرّك في آخر أيام الواثق ، واجتمعَ إليه
خلقٌ يأمرون بالمعروف قال : إلى أنْ مَلَكُوا بغداد وتعدّى رجلان مُوسِران من أصحابه
فبذلا مالاً وعَزما على الوثُوب في سنة إحدى وثلاثين فنمَّ الخبرُ إلى نائب بغداد
إسحاق بن إبراهيم ، فأخذَ أحمدَ وصاحبَيْه وجماعةً ، ووجدَ في منزِلِ أحدهما
أعلاماً ، وضربَ خادماً لأحمد، فأقرَّ بأنَّ هؤلاء كانوا يأتون أحمدَ ليلاً ، ويُخبرونَ
(١) انظر السير: (عبد الرحمن بن أبان) ١٠/٥ -١١، وانظر النزهة: ٢/٥٧٥.
(٢) المُسَوِّدة: وهم العباسيون سُمّوا بذلك لأن شعارهم لبس السواد.
(٣) انظر السير: ( أبو حمزة السُّكريّ) ٧/ ٣٨٥ - ٣٨٧، وانظر النزهة: ٦/٧٠٦.
٢٢

بما عملوا فحُملوا إلى سَامَرَّاء مُقْيَّدين ، فجلسَ الواثقُ لهم، وقال لأحمد : دَعْ
ما أُخِذْت له ، ما تقولُ في القُرآنِ ؟ قال : كلامُ الله قال : أفمخلوقٌ هو ؟ قال :
كلامُ الله قال : فَتَرَى رَبَّكَ في القيامة ؟ قال : كذا جاءت الرِّواية قال: ويْحَك يُرَى كما
يُرَى المحدودُ المُتَجَسِّم، ويَحْويه مكانٌ ويَحْصُرُه ناظرٌ؟ أنا كفرتُ بمَنْ هذه صِفَتُه ،
ما تَقُولون فيه ؟ فقال قاضي الجانب الغربي: هو حلالُ الذَّم ، ووافَقَه فُقَهَاءٌ ، فأظهَرَ
أحمدُ بن أبي دُواد أنَّه كارةٌ لقتله وقال: شيخٌ مُخْتل، تَغَيَّرَ عقلُه، يُؤَخَّر قال الواثقُ :
ما أراهُ إلا مُؤدِّياً لكُفره قائماً بما يَعتقدُه، ودعا بالصَّمْصَامَة وقام وقال : أحتسِب
خُطَايَ إلى هذا الكافر فضَرَب عُنُقَه بعد أن مَدُّوا لَه رأسَه بحَبلٍ وهو مُقَيِّد ونُصِبَ رأسُه
بالجانب الشَّرقي، وتُتُبِّع أصحابُه فَسُجِنُوا(١).
٢ - الاختِفَاء:
جاء في ترجمة الإمام أبي عبد الله أحمد بن حَنبل الشَّيْبانيّ في فتنة الواثق : قال
الإمامُ الذهبيُّ رَحمَه الله: قال حَنبلُ : لَم يَزِلْ أبو عبد الله بعد أن بَرِىءَ من الضرب
يَحضرُ الجُمُعة والجماعة ، ويُحدِّث ويُفتي، حتى مات المعتصم ووَلَيَ ابنُه الواثق
فَأَظهَرَ ما أظهَرَ من المخنة والميْل إلى أحمد ابن أبي دُوَاد وأصحابِه فلمَّا اشتدَّ الأمرُ على
أهل بغداد وأظْهَرت القُضاةُ المحنةَ بخَلْق القرآن ، وفُرِّق بين فَضلِ الأنماطيّ وبين
امرأتِه ، وبين أبي صالح وبين امرأتِه ، كان أبو عبد الله يَشْهَد الجُمُعة ويُعِيدُ الصَّلاةَ إذا
رَجَع، ويقولُ : تُؤْتِى الجُمُعة لفَضلِها والصلاةُ تُعادُ خَلف مَنْ قال بهذه المقالة(٢).
وجاء نفرٌ إلى أبي عبد الله وقالوا: هذا الأمرُ قد فَشا وتَفَاقَم ونحنُ نَخافُه على أكثرَ
من هذا ، وذَكروا ابن أبي دُوَاد ، وأنَّه على أن يأمرَ المعلِّمين بتعليم الصِّبيان في
المكاتب : القرآنُ كذا وكذا ، فنحن لا نَرضى بإمارتِهِ فمنَعَهُم من ذلك ، وناظَرَهم
وحكىُ أحمدُ قَصْدَه في مناظرَتِهِم ، وأمَرَهم بالصَّبر قال : فبَيْنا نحنُ في أيام الواثق إذ
(١) انظر السير: (الخُزاعيّ) ١٦٦/١١-١٦٩، وانظر النزهة: ٣/٩١٨.
(٢) انظر السير: (أحمد بن حنبل) ١١/ ١٧٧ -٣٥٨، وانظر النزهة: ١/٩٤١.
٢٣

جاءَ يعقوبُ ليلاً برسالةِ الأمير إسحاق بن إبراهيم إلى أبي عبد الله : يقول لك الأمير :
إنَّ أميرَ المؤمنين قد ذَكَرَكَ فلا يَجْتَمعَنَّ إليك أحدٌ ، ولا تُسَاكِنِي بأرضٍ ولا مدينةٍ أنا
فيها ، فاذهبْ حيثُ شِئْتَ من أرضِ الله قال : فاختفى أبو عبد الله بقيّة حياةِ الواثق
وكانت تلك الفتنة ، وقُتل أحمدُ بنُ نصر الخُزاعيّ ولَمْ يَزَلْ أبو عبد الله مختفياً في البيت
لا يَخرجُ إلى الصَّلاةِ ولا إلى غيرِها حتىْ هَلَكَ الواثقُ(١).
وعن إبراهيم بن هانىء قال : اختفى أبو عبد الله عندي ثلاثاً ثم قال : اطلبْ لي
مَوضِعاً، قُلتُ : لا آمَنُ عليكَ، قال : افعلْ، فإذا فعلتَ أفدتُكْ ، فطلبتُ له
موضعاً ، فلمَّا خَرجَ قال : اخْتَفى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في الغارِ ثلاثةَ أيام ثم
تحَوَّل(٢) .
(ز) الشِّعْر :
عن ابن المسَيِّب قال : كان حسَّانُ بن ثابت في حلقةٍ فيهم أبو هُريرة ، فقال :
أنشدُكَ الله يا أبا هريرة ، هل سمعتَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( أجِبْ
عَنِّي ، أيَّدَكَ الله برُوحِ القُدُس )) ؟ فقال: اللّهُمَّ نعم (٣).
وعن البَراء : أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال لحسَّان بن ثابت: (( اهْجُهُم
وهاجِهِم وجبريلُ معك))(٤) .
عن أبي سَلَمة ، أنَّ حسَّانَ بن ثابت قال : والذي بعثكَ بالحق لأفرينَّهم بلساني
هذا ، ثم أطلع لسانه كأنَّه حيّة .
فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ لي فيهم نَسَباً ، فائتِ أبا بكر ، فإنَّه
أُعلمُ قريشٍ بأنْسَابِها، فيُخَلِّص لك نَسَبِي))، قال: والذي بعثك بالحق لأسُلَنَّكَ منهم
انظر السير: ( أحمد بن حنبل ) ١٧٧/١١ - ٣٥٨، وانظر النزهة: ٢/٩٤١.
(١)
(٢)
انظر السير: ( أحمد بن حنبل ) ١١/ ١٧٧ -٣٥٨، وانظر النزهة : ٣/٩٤١.
انظر السير: ( حسّان بن ثابت) ٥١٢/٢-٥٢٣، وانظر النزهة: ٧/٢٩٨.
(٣)
(٤) انظر السير: (حسّان بن ثابت) ٢/ ٥١٢-٥٢٣، وانظر النزهة: ٨/٢٩٨.
٢٤

ونَسَبَكَ سَلَّ الشَّعْرة من العَجين فهجَاهم فقال له رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: (( لقد
شَفَيْتَ وَاشْتَفَيْتَ))(١).
وعن محمد بن السَّائب بن بركة ، عن أُمِّه أنها طافَت مع عائشة ومعها نِسْوةٌ فوقَعْنَ
في حَسَّان، فقالت: ((لا تسبُّوه، قد أصَابَه ما قاله الله: ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
وقد عَمي، والله إني لأرجو أن يُدخِلَه اللهُ الجَنَّةَ بكلماتٍ قالهنَّ لأبي سفيان بن
الحارث (٢):
وعند الله في ذاكَ الجَزَاءُ
هَجَوتَ محمَّداً فأجَبْتُ عنه
لِعِرضِ محمَّدٍ منكُم وِقَاءُ
فإنَّ أبي ووالِدَه وعِرْضِي
فَشَرُكُما لخَيْرِكُما الفِداءُ
أَتَهْجُوهُ ولَسْتَ له بكفٍ
وقال عبد الرحمن بن كعب ، عن أبيه أنَّه قال : يا رسولَ الله ، قد أنْزَل اللهُ في
الشُّعَرَاء ما أنزل قال صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ المُجَاهِدَ، مُجَاهِدٌ بسَيْفِه ولسَانِه
والذي نفسي بيده لكأنَّكما ترمونَهم به نُضح النَّبل))(٣).
قال ابنُ سيرين : أمَّا كعبٌ فكان يذكرُ الحربَ ويقول : فَعَلْنَا ونَفْعَلُ ويُهَدِّدُهم،
وأمَّا حسَّانُ فكان يذكرُ عُيوبهم وأيامَهم ، وأمَّا ابنُ رَوَاحَة فكان يُعَيُِّهم بالكُفر(٤) .
وقد أسْلَمَتْ دوسٌّ فرقاً من بيتٍ قاله کعب.
نُخَيِّرُها (٥) وَلَو نَطَقَتْ لَقَالَت
قَواطِعُهُنَّ دَوْساً أو ثقيفا(٦)
(١) انظر السير: (حسّان بن ثابت) ٥١٢/٢-٥٢٣، وانظر النزهة: ٢/٢٩٩.
(٢) انظر السير: (حسّان بن ثابت) ٥١٢/٢-٥٢٣، وانظر النزهة: ٣/٢٩٩
انظر السير: ( كعب بن مالك ) ٥٢٣/٢- ٥٣٠، وانظر النزهة : ٥/٢٩٩.
(٣)
انظر السير: ( كعب بن مالك) ٥٢٣/٢ - ٥٣٠، وانظر النزهة: ٢/٣٠٠.
(٤)
قوله ( نخيرها ) الضمير يعود إلى السيوف في البيت الذي قبله ، وهو :
(٥)
قضينا من تهامة كل ريب
وخيبر ثم أجمعنـا السيـوفـا
(٦) انظر السير: (كعب بن مالك) ٥٢٣/٢- ٥٣٠، وانظر النزهة: ٢/٣٠٠.
٢٥

٨- من صِفاتِ الدَّاعِيَة :
(أ) التَّوازُن :
قال حمَّادُ بنُ سَلَمَة : حدثنا حَجَّاجُ الأسْود أنَّ مُعاوية بن قرة قال : مَنْ يدُلُّني على
رجلٍ بِّاء بالليل ، بسَّام بالنهار(١) .
( ب ) تَشْجِيعُ الغَيْرِ :
قال ابن جُريج عن عَطَاء بن أبي رَبَاح : إنَّ الرَّجلَ ليُحَدِّثُني بالحديث ، فأنْصِتُ له
كأنِّي لم أسْمعْه، وقد سمعتُه قبلَ أن يُولَد(٢) .
(ج) حُبُّ الوَحْدَةِ وكَرَاهِيَةُ الفُرْقَةِ :
قال موسى بن عُقْبة في ((مَغازيه)) : غَزوةُ عمرو بن العاص هي غَزوةُ ذات
السلاسل من مَشارف الشّام فخاف عَمرو من جانبه ذلك فاسْتمدَّ رسولَ الله صلى الله
عليه وسلم فانتدب أبا بكر وعُمر في سراة من المهاجرين فأمَّر نبيُّ الله صلى الله عليه
وسلم عليهم أبا عُبَيْدَة ، فلمَّا قَدِموا على عمرو بن العاص قال : أنا أميرُكم فقال
المهاجرون : بل أنت أميرُ أصحابك ، وأميرُنا أبو عُبَيْدَة فقال عمرو : إنما أنتم مددٌ
أُمْدِدْتُ بكم فلمَّا رأى ذلك أبو عُبَيْدَة ابن الجَرَّاح، وكان رجلاً حَسَنَ الخُلُق ، ليّن
الشِّيمة، مُتَّبِعاً لأمرِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وعَهْدِهِ، فَسَلَّم الإمارةَ لعَمرو(٣) .
ولما تفرَّغ الصِّدّيقُ من حرب الرِّدة، وحرب مُسَيْلِمة الكذّاب جَهَّز أُمراءَ الأجناد
لفتح الشام فبعث أبا عُبَيْدَة ، ويزيدَ بنَ أبي سفيان ، وعَمرو بنَ العاص ، وشُرَحْبِيلَ بنَ
حَسنة ، فتمَّت وقعةُ أجْنادين بقُرب الرملة ، ونصَرَ اللهُ المؤمنين فجاءت البُشْرى
الصِّدّيقُ في مرض الموت ، ثم كانت وَقعةُ فِحْل ، ووقعةُ مرج الصُّفَّر ، وكان قد سَيَّر
أبو بكر خالداً لغَزو العراق ، ثم بعثَ إليه ليُنْجِدَ مَنْ بالشام ، فقطع المَفاوِزَ على برية
(١) انظر السير: (معاوية بن قرة) ١٥٣/٥ -١٥٥، وانظر النزهة: ٣/٥٩٤.
(٢) انظر السير: (عطاء بن أبي رباح) ٨٧/٥-٨٨، وانظر النزهة: ٣/٥٨٣.
(٣) انظر السير: (أبو عبيدة بن الجرّاح) ٥/١-٢٣، وانظر النزهة: ٢/١٢٢.
٢٦

السماوة ، فأمَّره الصِّدّيقُ على الأمراءِ كلِّهم وحاصَروا دِمَشْقَ ، وتُوفِّي أبو بكر فبادَرَ
عمرُ بعَزلِ خالدَ، واسْتعملَ على الكُلِّ أبا عُبَيْدَة، فجاءهُ التقليدُ، فكتَمَه مُدّة ، وكل
هذا من دينِه ولينِه وحلمِه ، فكان فتحُ دمشقَ على يده ، فعند ذلك أظهَرَ التقليدَ ،
ليَعِقِدَ الصُّلحَ للُّومِ، ففَتَحُوا له باب الجابية صُلحاً، وإذا بخالد قد افتَتَحَ البلدَ عُنوَةً من
الباب الشَّرقي ، فأمضى لهم أبو عُبَيْدَة الصُّلح .
فعن المغيرة : أنَّ أبا عُبَيْدَة صَالحَهُم على أنصَاف كنائسِهِم ومَنازِلِهم ، ثم كان
أبو عُبَيْدَة رأسُ الإسلام يومَ وَقعة اليرموك، والتي استأصَلَ الله فيها جُيُوشَ الرُّوم ،
وقُتْلَ منهم خلقٌ عظيم (١) .
ومن أفضل أعمال عبد الرحمن بن عَوْف عزلُ نفسِه من الأمر وقْتَ الشورى ،
واختيارُه للأمة مَنْ أشارَ به أهلُ الحِلِّ والعَقد ، فنهض في ذلك أتمَّ نُهوض على جَمع
الأُمة على عُثمان بن عَفَّن ، ولو كان مُحَابياً فيها ، لأَخَذَها لنفسه، أو لَوَلاَّها ابنَ عمِّه
وأقربَ الجماعة إليه سعدَ بن أَبِي وَقَّاص(٢).
٩ - من آدابِ الدَّعْوَةِ
(أ) عَدَمُ إِطَالَةِ المَجْلِس :
عن الزُّهري ، قال : إذا طَالَ المجلسُ كان للشَّيْطانِ فيه نصيب(٣).
(ب) خَتْمُهُ بالدُّعاءِ :
عن اللَّيث : كان ابنُ شِهاب الزهريّ يخْتِم حديثَه بدعاء جَامع ، يقول : اللَّهُمَّ
أسألك من كلِّ خيرٍ أَحَاطَ به علمُك في الدنيا والآخرة ، وأعُوذُ بك من كلِّ شرِّ أحَاطَ به
علمُك في الدنيا والآخرة وكان من أسخى مَنْ رأيتُ ، كان يُعطي ، فإذا فرغ ما معه
يَسْتَلِفُ من عَبِيده ، يقول : يا فلان أسْلِفِني كما تعرف ، وأضْعِفُ لك كما تَعلم ،
(١) انظر السير: (أبو عبيدة بن الجرّاح) ١/ ٥-٢٣، وانظر النزهة: ٥/١٢٣.
(٢) انظر السير: (عبد الرحمن بن عوف) ٦٨/١ -٩٢، وانظر النزهة: ٤/١٣١.
(٣) انظر السير: (أخبار الزهري) ٣٢٦/٥ -٣٥٠، وانظر النزهة: ٦٠٧ /٢.
٢٧

٦
وكان يُطْعِمُ النَّاس الثَّرِيدَ، ويسقيهم العَسلَ، وكان يَسْمُرُ على العَسلِ كما يَسْمُرُ أهلُ
الشَّرابِ علىْ شَرابهم ، ويقول : اسقُونا وحدِّثُونا وكان يُكثِرِ شُربَ العَسل ، وسمعتُه يبكي
على العِلْم بلسانه ، ويقول : يذهبُ العِلْمُ وكثيرٌ ممن كان يعملُ به فقلتُ له : لو وضَعتَ
من علمك عند مَنْ تَرجو أن يكونَ لك خلفاً قال: واللهِ ما نَشَرَ أحدٌ العلمَ نَشْري ، ولا صَبَرَ
عليه صَبْري ، ولقد كنّا نجلسُ إلى ابن المسَيِّب، فما يستطيعُ أحدٌ منَّا أن يسألَه عن شيء
نزل به إلاَّ أنْ يبتدىء الحديثَ، أو يأتي رجلٌ يسأله عن شيءٍ قد نزلَ به(١) .
(ج) العُزْلَةُ الشُّعُورِيَّة :
عن هشام بنِ عُروة بن الزبير قال : لمَّا اتَّخَذ عُروة قَصرَه بالعَقيق(٢) قال له النَّاسُ:
جَفَوتَ مسجدَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قال: رأيتُ مَساجدَهم لاهيةً ، وأسْوافَهم
لاغِيةً، والفاحِشَةَ في فِجَاجِهم عاليةً ، فكان فيما هنالك - عمَّا هم فيه - عافية .
وقيل : لمَّا فرغ من بنائه وبئاره(٣) دعا جماعةً، فَطَعِمَ النَّاسُ وجعلوا يُرِّكون
وينصرفون وبئرُ عُروة مَشهور بالعَقيق، طيِّبُ الماء(٤) .
وعن وُهَيب بن الوَرد ، قال : جاء رجلٌ إلى وَهْب بن مُنَبِّه فقال : قد حدَّثتُ نفسي
أن لا أُخالِطَ النَّاس، قال: لا تفعلْ إِنَّه لا بُدَّ لك من النَّاس، ولا بُدَّ لهم منك ، ولهم
إليك خَوَائج ولك نَحْوَها، ولكن كُنْ فيهم أَصَمَّ سَميعاً، أعمى بصيراً ، سَكُوتاً
نَطُوقً(٥) .
وقيل لابن المبارك : إذا أنتَ صَلَّيْتَ لِمَ لا تجلسُ مَعَنا ؟ قال : أجلسُ مع الصَّحَابة
والتابعين، أنظُرُ في كُتِهِم وآثارِهم، فما أصنعُ مَعَكُم ؟ أنتم تَغْتَابون النَّاس(٦).
(١) انظر السير: ( أخبار الزهري) ٣٢٦/٥ - ٣٥٠، وانظر النزهة: ٦/٦٠٦.
(٢)
العَقيق : موضع بناحية المدينة .
(٣) بئاره : حفر آباره .
انظر السير : ( عُروة) ٤٢١/٤ -٤٣٧، وانظر النزهة : ١/٥٢٧.
(٤)
(٥)
انظر السير: (وهب بن منبه ) ٤/ ٥٤٤ - ٥٥٧، وانظر النزهة : ٩/٥٥٤.
(٦) انظر السير: (عبد الله بن المبارك) ٨/ ٣٧٨-٤٢١، وانظر النزهة : ٦/٧٦٨ .
٢٨

(د) مُخَالَطَةُ النَّاسِ بِقَدَرْ :
قال يونُسُ بن عبد الأعلىُ: سَمِعْتُ الشَّافعيَّ يقولُ : يا يونُس ؛ الانقِبَاضُ عن
النَّاسِ مَكسَبَةٌ للعَدَاوة ، والانبساطُ إليهم مَجلَبةٌ لقُرَناءِ السُّوء، فكُن بين المُنقَبض
والمُنْبَسِطَ(١).
(هـ) إِقْلالُ مُخَالَطَة النَّاسِ إلَّ لغَرَضٍ صَحِيحٍ:
قال الحُميديُّ : (٢) .
سِوى الهَذَيَان من قِيلٍ وقالٍ
لِقَاءُ النَّاس لِيْسَ يُفِيِدُ شيئاً
لأَخِذِ العِلمِ أو إِصْلاحِ حالٍ
فأَقْلِلْ مِن لِقَاءِ النَّاس إلاَّ
( و) مُراعَاةُ العُرْفِ:
رَوَىُ سعيدُ بنُ عبد العزيز : عن أبي عبد رب: رأيتُ مُعاوية يخضِبُ بالصُّفرة كأنَّ
لِحْيَتَه الذَّهب .
قال الذهبي : كان لائقاً في ذلك الزمان ، واليوم لو فُعل ، لاستُهجن(٣).
وقال الذهبي : بلغَنا أنَّ يَحيى بن يحيىُ أَوْصَىْ بثياب بدنه لأحمدَ ابنِ حَنبل ، فلمَّا
قَدِمَت على أحمدَ ، أخذَ منها ثوباً واحداً للبركة ، وردَّ الباقي وقال : إنَّه لَيْس تفصيلَ
ثيابه من زِيِّ بَلَدِنا(٤) .
قال الحاكم : سمعتُ الأستاذ أبا الوليد يقول : قيل لأبي العبّاس الدَّغولي: لم
لا تَقْنُتُ في صلاة الفجر؟ فقال: لراحَة الجَسَد ، وسُنّة أهلِ البَلد ، ومداراةِ الأَهْلِ
والوَلَد .
وقال أبو بكر أحمد بن علي بن الحُسَين الحافظ : خَرَجْنا مع الإمام أبي بكر ابن
انظر السير: ( الإمام الشافعي) ١٠/ ٥-٩٩، وانظر النزهة: ٣/٨٥٣.
(١)
انظر السير: ( الحميدي) ١٢٠/١٩-١٢٧، وانظر النزهة: ٣/١٤٦٩.
(٢)
انظر السير: ( مُعاوية بن أبي سفيان) ١١٩/٣ -١٦٢، وانظر النزهة: ١/٣٤٨.
(٣)
انظر السير: ( يحيى بن يحيى) ١٠/ ٥١٢-٥١٩، وانظر النزهة: ٤/٨٨٩.
(٤)
٢٩

خُزيمة إلى سَمرقند لتهنئة الأمير الشَّهيد ، والتَعزية عن الأمير أبي إبراهيم الماضي ،
فلمَّا انصرفنا قلتُ لابن خُزيمة : ما رأينا في سفرنا مثل أبي العبَّاس الدَّغولي فقال
أبو بكر : ما رأيت أنا مثل أبي العبّاس .
قال الذهبي : ما أطلقَ ابن خُزيمة هذا القَول إلاَّ عن أمرٍ كبير من سَعةِ علم
أبي العبَّاس رحمه الله(١).
(ز) الصَّبْرُ على المُتَعَلِّمين:
قال أبو حاتم: عبد الله بن مَسلَمَة بن قَعْنَب، ثقةٌ حُجَّة لم أرَ أخشَع منه ، سألناه
أن يَقْرأ عَلينا ((المُوَطَّأ)) فقال: تعالَوا بالغَداة، فقُلنا: لنا مجلس عند حجَّاج بن
مِنْهال ، قال : فإذا فرغتم منه قلنا نأتي حينئذٍ مسلم بن إبراهيم قال : فإذا فرغتُم قلنا :
نأتي أبا حُذيفة النَّهْدي قال : فبعَد العَصْر قلنا : نأتي عارماً أبا التُّعمان ، قال : فبعد
المغرب فكان يأتينا بالليل فيخرج علينا وعليه كَبلٌ(٢) ما تَحْته شيءٌ في الصَّيف ، فكان
يقرأ علينا في الحر الشديد حينئذٍ .
قال عمرو بن علي بن الفلاَس : كان القَعْنَبِيُّ مُجَابَ الدَّعوَةِ(٣).
١٠ - القُدْواتُ لا يَأْخُذونَ بالَّقْيَّة:
قال محمد بن إبراهيم البُوشَنْجي : جعلوا يُذاكرون أبا عبد الله ( أحمدَ ابن حنبل )
بالرَّقة في التَّقيّة وما رُوي فيها ، فقال: كيف تصنعون بحديث خَبَّاب: ((إنَّ مَنْ كان
قَبلَكم كان يُنشَرُ أحدُهم بالمِنْشار، لا يَصُدُّه ذلكَ عن دينِهِ )) فأيسْنا منه (٤) .
قال أبو عبد الله : ما رأيتُ أحداً على حَدَاثة سِنِّه، وقدْرِ عِلمه أقومَ بأمر الله من
محمد بن نوح ، إني لأرجو أن يكون قد خُتم له بخير قال لي ذات يوم : يا أبا
انظر السير: ( الدَّغولي) ١٤ /٥٥٧ -٥٦٢، وانظر النزهة: ٦/١١٧٢.
(١)
(٢)
الكبل : الفرو الكبير .
انظر السير: ( القَعْنَي) ١٠/ ٢٥٧ -٢٦٤، وانظر النزهة: ٢/٨٧٥.
(٣)
انظر السير: ( أحمد ابن حنبل ) ١٧٧/١١ -٣٥٨، وانظر النزهة : ١/٩٣٤.
(٤)
٣٠

عبد الله ، اللهَ اللهَ ، إنَّك لستَ مثلي أنت رجلٌ يُقتَدى بك قد مَذَّ الخَلقُ أعناقَهم إليك ،
لِمَا يكون منك، فاتَّقِ اللهَ واثبُت لأمر الله ، أو نحو هذا فماتَ وصَلَّيتُ عليه ودفنتُه .
قال صالحُ : وصارَ أبي إلى بغداد مُقيّداً ، ثم حُبسَ في دارِ اكتُرِيت عند دار عُمارة
ثم حُوِّلَ إلى حَبسِ العامَّة في درب المَوْصِليَّة فقال : كنتُ أُصَلي بأهل السّجن وأنا مُقيّد
فلمَّا كان في رمضان سنة تسع عشر - قلتُ : وذلك بعد موت المأمون بأربعة عشر شهراً
- حُوِّلتُ إلى دار إسحاق بن إبراهيم ، يعني : نائب بغداد .
فلمَّا كان في الليلة الرابعة ، وَجَّه - يعني المعتصم - بِيُغا الكبير إلى إسحاقَ فأمَرَه
بحَملي إليه، فأُدخِلتُ على إسحاق فقال : يا أحمد إنَّها والله نفسُك، إنَّه لا يقتُلُك
بالسَّيف ، إنَّه قد آلى إنْ لمْ تُجِبْه أن يضربَك ضرباً بعد ضرب ، وأن يقتُلَك في موضع
لا يُرى فيه شمسٌ ولا قمر أليس قد قال الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْتَهُ قُرْءَنَا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ
تَعْقِلُونَ﴾ (١) أفَيَكُون مَجعُولاً إلاَّ مَخلُوقاً؟ فقلتُ: فقد قال تعالى: ﴿فَعَلَهُمْ
كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ﴾ (٢) أَفَخَلقَهم؟ قال: فسَكَتَ، فلمَّا صِرنا إلى المَوضِعِ المَعْروف
باب البُستان أُخْرِجتُ وجِيء بدابَة فأُركِبتُ وعليَّ الأقياد ، ما معي من يُمسِكُني ،
فكِدتُ غيرَ مرَّة أن أخِرَّ على وجهي لثِقَل القُود فجِيء بي إلى دار المعتصم ، فأُدخِلتُ
حُجرة ، ثم أُدخِلتُ بيتاً وأقفلَ البابُ عليَّ في جَوف الليل ولا سِرَاجِ ، فأردتُ
الوضوء ، فمددت يدي ، فإذا بإناءٍ فيه ماء ، وطست موضوع ، فَتَوضأتُ وصَليتُ .
فلمَّا كان من الغد ، أَخرَجتُ تَكَّتِي وشَددتُ بها الأقيادَ أحملها وعطفتُ سَراويلي
فجاءَ رسولُ المعتصم ، فقال أجِبْ ، فأخذَ بيدي وأُدخِلتُ عليه والتَّكَّة في يدي ،
أحملُ بها الأقياد ، وإذا هو جالسٌ وأحمدُ بنُ أبي دُوَاد حاضرٌ، وقد جَمَعَ خَلقاً كثيراً
من أصحابه فقال لي المعتصم : ادنُهُ ادنُهُ ، فلم يَزَل يُدنيني حتى قَربتُ منه ، ثم قال :
اجْلس فجَلستُ ، وقد أثقلَتني الأفْياد ، فمكثتُ قليلاً ثم قُلتُ : أتأذن في الكلام ؟
قال: تَكلَّم، فقُلتُ : إلى ما دعا اللهُ ورسولُه؟ فسكتَ هُنَيَّة ، ثم قال: إلى شَهادةِ أن
(١) سورة الزخرف، الآية (٣).
(٢) سورة الفيل ، الآية (٥).
٣١

لا إله إلاَّ الله، فقلتُ : فأنا أشهدُ ألاَّ إله إلاَّ الله ثم قلتُ: إنَّ جَدَّك ابنَ عبَّاس يقول :
لما قَدمَ وفدُ عبد القيس على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، سألوه عن الإيمان ،
فقال: ((أَتَدرُونَ ما الإيمان؟)) قالوا: اللهُ ورسولُه أعلم قال: ((شَهَادةُ أن لا إلهَ
إلاَّ اللهَ، وأنَّ محمداً رسولُ الله، وإقام الصَّلاة، وإيتاءِ الزَّكاة، وأن تُعطوا الخُمسَ
من المَغَم)) قال أبي : فقال - يعني المعتصم - : لولا أنِّي وجَدتُك في يد مَنْ كان
قَبلي ، ما عَرضتُ لك(١) .
عن الرَّبيعِ بنِ سُليمان قال : كان الإمام يوسُفِ بنُ يحيى البُوَيْطي حين مَرض
الشَّافعيُّ بمصر هو وابن عبد الحَكم والمُزني ، فتنازعوا الحلقة ، فبلغ ذلك الشَّافعي ،
فقال : الحلقة للبُوَيْطي فلهذا اعتزل ابن عبد الحكم الشَّافعيَّ وأصحابه ، وكانت أعظم
حلقة في المسجد فكان البُوَيْطي يصومُ ، ويتلو غالباً في اليوم والليلة خَتمَةً مع صنائع
المعروف إلى النَّاس(٢) .
فسُعِيَ بالبُوَيْطي حتىْ كَتَبَ فيه ابن أبي دُوَاد إلى والي مصر ، فامتَحَنَه فلم يُجِب ،
وكان الوَالِي حَسَنَ الرَّأي فيه ، فقالَ له : قل فيما بيني وبينك ، قال : إنَّه يَقتَدي بي مائة
ألف، ولا يَدرُون المعنى، قال: وقد كان أُمِرَ أن يُحمّل إلى بغداد في أربعين رِطل
حَديد(٣) .
١١ - قلّةُ الزِّيارةِ بين الدُّعاةِ لا تَعنِ وجُودَ جَفَاء:
قال أحمدُ بن محمد بن الصَّقْر، سمعتُ أبا الحَسَن بن قريش يقولُ : حَضرتُ
إبراهيمَ الحربي - وجاءَه يوسُفُ القاضي ، ومعه ابنُه أبو عُمَر - فقال له : يا أبا
إسحاق ، لو جئناك على مقدار واجب حقُّك، لكانت أوقاتُنا كُلُّها عندك فقال : ليس
كُّ غَيْبَة جَفْوَةً ، ولا كلُّ لقاءٍ مَوَدَةً ، وإنَّما هو تَقَارُب القُلوب (٤).
(١) انظر السير: (أحمد ابن حنبل) ١٧٧/١١ -٣٥٨، وانظر النزهة: ٤/٩٣٤.
(٢)
انظر السير: ( البُويطي) ٥٨/١٢-٦١، وانظر النزهة: ٤/٩٨١.
(٣) انظر السير: ( البُويطي) ٥٨/١٢-٦١، وانظر النزهة: ١/٩٨٢.
(٤) انظر السير: (إبراهيم الحربي) ٣٥٦/١٣ -٣٧٢، وانظر النزهة: ٤/١٠٩٤.
٣٢

١٢ - صُورٌ من الدَّعْوَةِ:
عن عِكرمة قال : قَدِمَ مُصعبُ بنُ عُمَير المدينة يُعَلِّمُ النَّاسَ فبعثَ إليه عَمرو ابن
الجَموح ، ما هذا الذي جِئْتُمونا؟ قالوا : إنْ شِئتَ جئناكَ ، فأسْمَعنَاكَ القُرآن قال :
نعم فَقَرَأَ صَدْراً من سُورة يُوسُف فقال عمرو : إنْ لنَا مؤامرةً في قومنا - وكان سَيِّد بني
سلمة - فخرجوا ، ودخلَ علىْ مَنَاف فقال: يا مَنَاف ، تعلمُ والله ما يُريدُ القومُ غيرَك ،
فهل عنك من نكير ؟ قال : فَقَلَّدَه السَّيفَ وخرجَ ، فقامَ أهلُه فأخذوا السَّيفَ ، فلمَّا
رجعَ قال: أين السَّيفُ يا مَنَاف؟ ويحَك! إنَّ العَنزَ لتمنعُ اسْتَها والله ما أرى في
أبي جعار غداً من خير ثم قال لهم : إنِّي ذاهبٌ إلى مالي فاسْتَوْصُوا بمَنَاف خيراً
فذهبَ ، فأخذوه فكَسَروه وربَطُوه مع كلبٍ ميِّت ألقَوه في بئر ، فلمَّا جاء قال : كيف
أنتم؟ قالوا: بخير يا سَيِّدَنا طَهَّرَ الله بُيُوتَنَا من الرِّجْس، قال: والله إني أراكم قد
أسأتم خِلافتي في مَنَاف قالوا : هو ذاك ، انظُر إليه في ذلك البئر فأشرَفَ فرآه ، فبعث
إلى قومه فجاؤوا فقالوا : ألستم على ما أنا عليه؟ قالوا : بلى أنت سَيِّدُنا قال :
فأُشهِدُكم أنِّي قد آمنت بما أُنزلَ على محمَّد(١) .
وأسلمَ سعدُ بن مُعاذ على يد مُصعب بن عمير فقال ابنُ إسحاق: لمَّا أسلَمَ وقفَ
على قومه ، فقال : يا بني عبد الأشْهَل كيف تعلمون أمري فيكم ؟ قالوا: سَيُّدُنا
فضلاً، وأيمَنُنا نقيبةً قال : فإنَّ كلامَكُم عليَّ حرام ، رجالُكم ونساؤكم حتى تُؤْمِنوا بالله
ورسُولِه قال : فوالله ما بقي في دار بني عبد الأشْهَل رجلٌ ولا امرأةٌ إلاَّ وأسلموا(٢).
وقال أبو الزَّاهِرِيَّة: كان أبو الدَّرداء من آخرِ الأنصار إسْلاماً ، وكان يَعبدُ صَنماً ،
فدخلَ ابنُ رواحة ، ومحمدُ بن مَسْلمة بيتَه فَكَسَرا صَنَمَه ، فرجعَ فجعلَ يجمع الصَّنَمَ
ويقولُ : ويُحَكَ! هلاّ امْتَنعتَ! ألا دَفَعْتَ عن نفسك!، فقالت أمُّ الدَّرداء : لو كان
يَنفعُ أو يَدفعُ عن أحدٍ لَدفعَ عن نفسه ونفعها !!
(١) انظر السير: (عَمرو بن الجموح) ٢٥٢/١ -٢٥٥، وانظر النزهة: ٢/١٥٧.
(٢) انظر السير: (سعد بن معاذ) ٢٧٩ - ٢٩٧، وانظر النزهة: ١/١٦٣.
٣٣

فقال أبو الدَّرداء : أعدِّي لي ماءً في المغتَسَل، فاغتَسَلَ ، ولبسَ حُلَّتَه ، ثم ذهب
إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فنظرَ إليه ابنُ رَوَاحة مُقبلاً ، فقال : يا رسولَ الله ، هذا
أبو الدّرداء، وما أراه إلا جاءَ في طلبنا فقال صلى الله عليه وسلم: ((إنمَّا جاءَ ليُسلِم ،
إِنَّ رَبِّي وَعَدَني بأبي الدَّرداءِ أن يُسلِم))(١) .
وقال مسلمُ بن إبراهيم : حدَّثنا إياسُ بن أبي تميمة : شهدتُ الحسنَ البَصْري في
جنازة أبي رجاء على بغلة ، والفَرَزْدقُ إلى جنبه على بَعِير ، فقال له الفَرَزْدقُ: قد
استشرفَنا النَّاس يقولون: خيرُ النَّاس وشَرُّ النَّاس ، قال : يا أبا فراس ، كم من أشعثَ
أغبَرَ ، ذي طِمرَين ، خيرٌ مِنِّي، وكم من شيخِ مُشرِكٍ أنتَ خيرٌ منه، ما أعدَدتَ
للموت ؟ قال : شهادةُ أن لا إله إلاَّ الله قالَ: إنَّ معها شُروطاً، فإِيَّاك وقَذْفُ
المُحْصَنَةَ ، قال : هل من توبةٍ قال: نعم (٢).
وقال أبو محمد الخَلاَّل: قال لي ابنُ سَمْعون: ما اسمُك ؟ قلتُ : حَسَن قال :
قد أعطاكَ الله الاسم فَسَلْهُ المعنى(٣).
١٣ - فِقْهُ الخِلافِ :
(أ) الاخْتِلافُ لا يمَنَعُ الحُبَّ في الله :
قال أبو بكر بن عياش عن عاصم: كان أبو وائل عُثمانياً وكان زِرُّ ابنُ حُبَيَش
عَلَويّاً ، وما رأيت واحداً منهما قطُّ تكلَّم في صاحبه حتى ماتا وكان زرٍّ أكبرُ من
أبي وائل ، فكانا إذا جلسا جميعاً لم يُحَدِّث أبو وائل مع زرِّ - يعني يتأدب معه
لسِنَّه(٤) .
وعن الأعمش قال : أدركتُ أشياخَنا زِراً وأبا وائل ، فمنهم مَنْ عثمانُ أحبُّ إليه
من عليٍّ، ومنهم مَنْ عليٍّ أحبُّ إليه من عثمان وكانوا أشَدَّ شيءٍ تحابّاً وتوادّاً .
انظر السير: ( أبو الدَّرداء) ٣٣٥/٢ -٣٥٣، وانظر النزهة : ٣/٢٦٩ .
(١)
(٢)
انظر السير: ( الحسن البصري) ٤/ ٥٦٣-٥٨٨، وانظر النزهة: ٣/٥٦٢.
(٣) انظر السير: (ابن سمعون) ٥٠٥/١٦-٥١١، وانظر النزهة: ٢/١٣١٠.
(٤) انظر السير: (زرُّ بن حُبيش) ١٦٦/٤ - ١٧٠، وانظر النزهة: ٥/٤٧٠.
٣٤

وعن عاصم قال : مرَّ رجلٌ على زرِّ وهو يؤذِّن فقال: يا أبا مريم قد كنتُ أُكرمُك
عن ذا ، قال : إذاً لا أكلمُك كلمةً حتى تلحقَ بالله .
وعن إسماعيل ، قلتُ لزرٍّ : كم أتى عليك ؟ قال : أنا ابن مائة وعشرين سنة .
وعن الشّعبي: أنَّ زرَّاً كتبَ إلى عبدِ الملك بن مَرْوان كتاباً يعظُه(١).
وقال يونس الصَّدَفيُّ : ما رأيت أعقلَ من الشَّافعي ، ناظرتُه يوماً في مسألة ، ثم
افترقنا ، ولَقيَني ، فأخذ بيدِي ، ثم قال : يا أبا موسى ، ألا يستقيمُ أن نكون إخواناً
وإنْ لمْ نَتَفقْ في مَسألة .
قال الذهبي : هذا يدل على كمال عقل هذا الإمام وفقهِ نَفَسِه ، فما زالَ النُّظَرَاء
يختلِفُون(٢) .
(ب ) تَركُ بعْضِ السُّنَن حِفاظاً على الوُدِّ ومَنْعاً للخِلافِ :
قال الحاكم : أخبَرَنا أبو عبد الله محمدُ بن يعقوب ، سمعتُ أبا عمرو المستملي ،
سمعتُ محمد بن رافع يقول : كنتُ مع أحمدَ ابنِ حَنبل وإسحاق عند عبد الرزَّاق ،
فجاءنا يوم الفطر ، فخرجنا مع عبد الرزّاق إلى المُصَلَّى ومعنا ناسٌ كثير فلمَّا رجعنا من
المُصَلَّى دعانا عبد الرزّاق إلى الغَداء ، فجعلنا نتغذى معه ، فقال لأحمد وإسحاق :
رأيتُ اليومَ منكما شيئاً عجيباً ، لم تُكبِّرا !! ، قالا: يا أبا بكر ، نحن ننظرُ إليك هل
تُكَبِّر، فلمَّا رأيناكَ لم تُكَبِّر أمْسَكنَا قال: وأنا كنتُ أنظرُ إليكما هل تُكَبِّران فأُكَبِّر(٣).
(ج ) الاخْتِلافُ رَحْمَةٌ :
قال يَحيى القطَّان: فُقْهَاءُ المدينة عَشرةٌ ، ذكر منهم القاسم ابن محمد رَوَى
أفلحُ بن حُميد عن القاسم قال : اختلافُ الصحابةِ رحمةٍ (٤).
(١) انظر السير: (زرُّ بن حُبيش) ١٦٦/٤ -١٧٠، وانظر النزهة: ٦/٤٧٠.
(٢)
انظر السير : ( الإمام الشافعي) ٥/١٠-٩٩، وانظر النزهة: ٢/٨٤٦.
انظر السير: ( محمد بن رافع) ٢١٤/١٢ -٢٢١، وانظر النزهة : ٩٩٥/ ٢.
(٣)
(٤) انظر السير: (القاسم بن محمد) ٥٣/٥ - ٦٠، وانظر النزهة: ٨/٥٧٩.
٣٥

عن أبي يزيد البَسطاميّ قال: ما وَجدتُ شيئاً أشَدَّ عليَّ من العِلم ومتابَعَته ، ولولا
اختلافُ العلماء لبقيتُ حائراً(١)،(٢).
(د) الاخْتِلافُ لا يَمْنَعُ قَولَ الحَقِّ وإِنْصَافَ المُخْتَلَفِ مَعَهُ :
قال أحمدُ بنُ حَفص السعدي ، شيخُ ابن عدي : سمعتُ أحمدَ ابنَ حَنبل يقول :
لَم يَعْبُر الجسرَ إلى خُراسان مثل إسحاق - يعني ابن راهَوَيْه - وإن كان يخالفُنا في
أشياءَ ، فإنَّ النَّاس لم يزلْ يُخَالِفُ بعضُهم بعضاً(٣) .
(١) حلية الأولياء: ٣٦/١٠، وتتمة الخبر: واختلاف العلماء رحمة إلا في تجريد التوحيد.
(٢) انظر السير: ( أبو يزيد البسطامي) ٨٦/١٣-٨٩، وانظر النزهة: ٣/١٠٥٤.
(٣) انظر السير: (إسحاق بن راهويه) ٣٥٨/١١ -٣٨٣، وانظر النزهة: ٤/٩٥٢.
٣٦

ثانياً : العبادة
١ - ضَابطٌ في الجَمْعِ بينَ أمُورِ الدُّنيا وأمُورِ الآخِرَةِ:
عن خَيثمة: قال أبو الدَّرداء : كنتُ تاجراً قبل المبعَث ، فلمَّا جاءَ الإسلامُ جمعتُ
التجارةَ والعبادةَ ، فلَم يَجتَمعا ، فتركتُ التجارةَ ولَزِمتُ العبادةِ (١).
قال الذهبي : الأفضلُ جمعُ الأمرين مع الجهاد ، وهذا الذي قاله هو طريقُ جماعة
من السَّلف والصُّوفية، ولا ريبَ أنَّ أمْزِجَةَ النَّاس تختلفُ في ذلك، فبعضُهم يَقوَى
على الجمع بين أمور الدنيا والآخرة كالصِّديق ، وعبد الرحمن بن عوف ، وكما كان
ابنُ المبارك ، وبعضُهم يَعجِزُ ويقتَصِرُ على العبادة ، وبعضُهم يَقوَى في بدايته ، ثم
يَعْجِزُ ، وبالعكس ، وكلٌّ سائغٌ ولكن لا بُدَّ من النهضة بحُقوق الزَّوجة والعيال .
وعن إسماعيلَ بنِ عُبيدِ الله قال: بينا أبو ثَعلبة الخُشَني وكعبٌ جالسَان ، إذ قال
أبو ثعلبة : يا أبا إسحاق ، ما من عبد تَفَرَّغَ لعبادة الله إلاَّ كَفَاهُ اللهُ مَؤُونة الدنيا قال
كعبٌّ : فإن في كتاب الله المُنزَّل: مَنْ جَعَلَ الهُمومَ هَماً واحداً ، فجَعَله في طاعة اللهِ ،
كفاهُ اللهُ ما هَمَّه ، وضمن السماوات والأرض ، فكان رزقُه على الله وعملُه لنفسه ومَنْ
فَرَّقَ هُمومَه ، فجَعَلَ في كلِّ وادٍ هَمَّاً ، لَمْ يُبَالِ اللهُ في أَيُّهَا هَلَك(٢).
قال الذهبيُّ : من التفرُّغ للعبادة السَّعيُّ في السَّبَب ، ولا سيما لمن له عِيال ، قال
النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ أفضَلَ ما أَكلَ الرَّجُلُ من كَسْبٍ يَمِينِهِ »
أُمَّا مَنْ يَعجِزُ عن السَّبب لضعفٍ، أو لِقِلَّةِ حِيلَةٍ ، فقد جَعَلَ اللهُ له حظاً في
الزَّكاة .
(١) انظر السير: (أبو الدّرداء) ٣٣٥/٢ -٣٥٣، وانظر النزهة: ٢/٢٦٩.
(٢) انظر السير: ( أبو ثعلبة الخشني) ٢/ ٥٦٧-٥٧١، وانظر النزهة: ٦/٣٠٥.
٣٧

٢ - تَوطينُ النَّفْسِ على الاسْتِعْدادِ للعِبَادَةِ :
قال سعيدُ بن عامر ، عن سَلام بن أبي مُطيع أو غيره قال : ما كان يونُس بن عُبيد
بأكثرِهم صَلاةً ولا صَوماً ، ولكن لا والله ما حَضَرَ حقٌّ لله إلاَّ وهو مُتَهَيِّىءٌ له (١) .
٣- العِبَادَةُ المِثَالِيَّة:
عن عبد الله بن عَمرو ، قال : جَمعتُ القرآنَ ، فقرأتُه كُلَّه في ليلة واحدة ، فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اقرَأْهُ في شَهْر)) قلتُ: يا رسولَ الله دَعني أسْتمتعُ
من قُوَّتي وشَبابي ، قال صلى الله عليه وسلم: (( اقرَأْهُ في عشرين )) قلتُ : دَعني
أسْتمتعُ قال صلى الله عليه وسلم: ((اقرَأْهُ في سَبع ليالٍ )) قلتُ : دَعني يا رسولَ الله
استمتعُ قال : فأبى .
وصَحَّ أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم نازَلَهُ إلى ثلاثٍ ليالٍ ، ونَهَاهُ أن يَقرَأه في
أقلّ من ثلاثٍ ، وهذا كان في الذي نَزَلَ من القرآن ، ثم بعد هذا القول نَزَلَ ما بقِيَ من
القرآن فأقلُّ مراتبِ النَّهي أن تُكرهَ تلاوةُ القرآن كلُّه في أقلَّ من ثلاثٍ، فما فَقُهَ ولا تَدَبَّرَ
من تَلا في أقلّ من ذلك ، ولو تَلا ورَتَّلَ في أُسْبُوع ولازَمَ ذلك لكان عملاً فاضلاً ،
فالدِّينُ يُسْر، فواللهِ إنَّ ترتيلَ سُبُع القرآن في تَهَجُّد قِيَّامِ اللَّيل مع المحافظةِ على النَّوافل
الراتبة ، والضُّحى ، وتحية المسجد ، مع الأذكار المأثورة الثابتة والقول عند النَّوم
واليقظة ، ودُبُرَ كلّ صلاة مكتوبة والسَّحر ، مع النَّظر في العِلم النَّافع والاشْتِغَال به
مُخلصاً لله، مع الأمر بالمعروف وإرشاد الجاهل وتَفهيمِه ، وزَجْر الفاسِقِ ، ونَحْو
ذلك ، مع أداء الفرائض في جماعة بخُشُوع وطُمأنينة وانكسارٍ وإيمان ، مع أداء
الواجب ، واجتناب الكبائر ، وكثرة الدعاء والاستغفار والصَّدقة وصِلة الرَّحم
والتَّواضُع والإخلاص في جميع ذلك، لشُغلٌ عظيم جَسيم ، ولَمَقَامُ أصحاب اليمين
وأولياء الله المُثَّقين ، فإنَّ سائر ذلك مطلُوب فمتى تَشَاغَلَ العابِد بخَتمَةٍ في كلِّ يوم ،
فقد خالفَ الحَنيفية السَّمحة ، ولم يَنهضْ بأكثرِ ما ذكرناه ولا تَدَبَّرَ ما يَتْلُوه .
(١) انظر السير: (يونس بن عُبيد) ٢٨٨/٦ -٢٩٦، وانظر النزهة: ١/٦٥٢.
٣٨

هذا السَّيدُ العَابِدُ الصَّاحبُ كان يقولُ لمَّا شَاخَ : ليتَنِي قَبلتُ رخصةَ رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، وكذلك قالَ عليه السلام في الصَّوم ، وما زالَ يُنَاقِصه حتى قال
صلى الله عليه وسلم له: (( صُمْ يَوماً وأَفْطِرِ يوماً ، صَومَ أخي داود عليه السلام)).
وكلُّ مَن لم يُلزِمْ نفسَه في تَعَبُّدِهِ وأَوَرَادِهِ بالسُّنة النَبَويّة الصحيحة ، يَندم ويَتَرَهَّب
ويَسوءُ مِزَاجُه ويَفُوتُه خيرٌ كثير من متابَعَة سُنَّ نَبِّهِ الرَّؤْوفِ الرَّحيمِ بالمؤمنين ، الحَرِيصِ
على نَفْعِهِم، وما زالَ صلى الله عليه وسلم مُعَلِّماً للأمة أفضَلَ الأعمال ، وَآمراً بهَجٍ
التبتُّل والرَّهبَانيَّة التي لَم يُبعَث بها، فنَهَى عن سَردِ الصَّوم ، ونَهَىُ عن الوِصَال ، وعن
قِيَام أكثر الليل إلاَّ في العَشر الأخير من رمضان ، ونَهَى عن العُزْبَة للمُستطيع ، ونَهَىُ
عن ترك اللَّحم إلى غير ذلك من الأوامر والنَّواهي ، فالعَابِدُ بلا مَعرِفَة لكثير من ذلك
مَعذُورٌ مَأْجُور، والعَابدُ العالِمُ بالآثار المحمَّدية ، المُتَجاوِز لها مَفضُول مَغرُور ،
وأَحَبُّ الأعمال إلى الله أَدَوَمُها وإن قَلَّ، أَلَهَمَنَا اللهُ وإيّاكم حُسن المُتَابَعَة وجَنََّنَا الهَوى
والمُخالَفةِ(١) .
وعن عبد الله بن عمرو قال: زَوَّجَني أبي امرأةً من قُريش، فلمَّا دخلَتْ عليَّ
جعلتُ لا أنحاشُ لها ممَّا بي من القُوَّة على العِبادة، فجاءَ أبي إلى كِنَّتِهِ(٢) فقال: كيف
وجدتِ بَعْلَكِ ؟ قالت : خيرُ رجلٍ لَم يُفَتِّش لها كنفاً ولم يقرب لها فِراشاً ، قال : فأقبلَ
عليَّ وعَضَّني بلسانه، ثم قال: أنكحتُكَ امرأةً ذاتَ حسبٍ فَعَضَلْتَها وفعلتَ ، ثم
انطلقَ، فَشَكَاني إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فطَلَبَني فأتيته، فقال لي: «أَتَصُومُ
النَّهَارَ وتقومُ الليل؟)) قلتُ: نعم قال صلى الله عليه وسلم: ((لكِنِّي أَصُومُ وأُفطِر ،
وأُصلِّي وأنام، وأَمَسُّ النِّساءَ، فمَن رَغِبَ عن سُنَِّي فَلَيْسَ مِنِّي))(٣).
وعن أحمد بن أبي الحَواري قال : قلتُ لراهبٍ في دَير حَرملَة ، وأشرَفَ من
صومعته : ما اسمُك؟ قال : جُرَيْج قلت : ما يَخْبسُك؟ قال : حَبَستُ نفسي عن
(١) انظر السير: (عبد الله بن عمرو بن العاص) ٧٩/٣ -٩٤، وانظر النزهة: ٤/٣٣٨.
(٢) الكِنَّة: زوج الولد، وقولها: ((لم يُفتِّش لها كنفاً)): الكنف الجانب ، أرادت أنه لم يَقربها.
(٣) انظر السير: (عبد الله بن عمرو بن العاص) ٧٩/٣ - ٩٤، وانظر النزهة: ٢/٣٤٠.
٣٩

الشَّهَوَات قلت : أَمَا كان يستقيمُ لك أنْ تذهبَ معنا هاهُنا وتجيءُ وتمنعَهَا الشَّهَوَات ؟
قال : هَيهَات !! هذا الذي تَصِفُهُ قوَّةٌ وأنا في ضعف ، قلت : ولِمَ تفعلُ هذا؟ قال :
نجدُ في كتبِنا أنَّ بَدَنَ ابنِ آدمَ خُلِقَ من الأرض ، ورُوحَهُ خُلِقَ من مَلَكوت السَّمَاء ، فإذا
أَجَاعَ بدنَه وأعْرَاه وأَسْهَرَه وأقمَأَه نازَع الرُّوح إلى الموضع الذي خَرج منه ، وإذا أطعَمه
وأراحَه أخلَدَ البدنُ إلى الموضع الذي خُلِقَ منه، فَأَحَبَّ الدُّنيا قلت : فإذا فعلَ هذا
يجعلُ له في الدُّنيا الثَّواب؟ قال: نعم نُورٌ يُوازيه قال: فحَدَّثتُ بهذا أبا سُليمانَ
الدَّارانِي ، فقال: قاتَلَه الله إنَّهُمْ يَصِفُون (١).
وقال الإمامُ الذهبيُّ : الطريقةُ المُثلى هي المُحَمَّدِيَّة، وهو الأخذُ من الطَّيِّبات
وتناول الشَّهَوَات المُبَاحة من غير إسرافٍ، كما قال تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ
الَِّّبَاتِ وَأَعْمَلُواْ صَلِحً إِنَى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾(٢).
وقد قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((لكنِّي أَصُومُ وأُفطِر، وأَقُومُ وأَنَامُ ، وآتي
النِّساءَ، وآكلُ اللَّحمَ فَمَن رَغِبَ عن سُنَّتِي فَلَيسَ مِنِّي)) فَلَم يَشْرَع لنا الرَّهبَانيَّةَ
ولا التَّمَزُّق ولا الوِصَال، بل ولا صَومَ الدَّهر ، ودينُ الإسلامِ يُسرٌ وحَنيفِيَّة سَمحَةٌ ،
فليَأكل المسلم من الطَّيِّب إذا أمكنَه، كما قال تعالى: ﴿لِيُفِقْ ذُوسَعَةٍ مِن سَعَتِهٍ﴾(٣).
وقد كانَ النِّسَاءُ أحَبَّ شيءٍ إلى نبينا صلى الله عليه وسلم ، وكذلك اللحمُ والحلواء
والعسلُ والشرابُ الخُلُ البارد ، والمِسْكُ، وهو أفضلُ الخلق وأَحَبُّهم إلى الله
تعالي (٤) .
ثمَّ العابدُ العَرِيُّ من العلم، متىْ زَهِدَ وتَبَّلَ وجَاعَ ، وخَلا بنفسِه، وترك اللَّحمَ
والثِّمارَ واقتصَرَ على الدُّقَّة والكِسرة ، صَفَتْ حَواتُّه ولَطُفَت، ولازَمَته خَطَرَاتُ
النَّفس ، سَمعَ خِطاباً يتولَّدُ من الجُوع والسَّهر ، ولا وُجُود لذلك الخطاب - والله - في
انظر السير : ( أحمد بن أبي الحواريّ) ٨٥/١٢ - ٩٤، وانظر النزهة : ٦/٩٨٥.
(١)
(٢)
سورة المؤمنون : الآية ( ٥١ ) .
(٣)
سورة الطلاق : الآية ٧ .
انظر السير: ( أحمد بن أبي الحواريّ) ١٢/ ٨٥-٩٤، وانظر النزهة: ١/٩٨٦.
(٤)
٤٠