النص المفهرس

صفحات 1-20

القَوَائِلُ الَاءُ
مِنْ هَذِيب
سِيرُ عَلَامِ النََّلَاءِ
قدمله
الدّكتور ◌ُجُمَّد مُوسَى الشَِّيْف
جَمْعْ وَتَرَتِيبُ
الشّرْفِ فَهَذِّبْ أَ حْمَدَ بْ عَبَدْ اللّهِالمَهَدَلِيّ
سَاهَمَ في الطّبْع
الشّيخُ مُحمّد عَائِضْ غَرَمَة الْأَسْمَرِيّ
غفَر اللّلَهُ ولوالديّه ولجميع المسلمينَ

الطبعة الأولى
١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧م
جميع الحقوق محفوظة

الْقَوَائِلُ الَّءُ
مِنْ تَذِب
شِيَا عَلَامِ التََّلَاءِ

الا هداء
إلى كل من يبحث جاهداً لمعرفة تاريخ سلفه العظيم ...
إلى والدي العزيز ووالدتي الفاضلة اللذين أرجو رضاءهما ...
إلى إخواني وأخواتي ...
إلى أساتذتي وشيوخي الأفاضل ...
إلىْ طُلابي ، عسى أن يقتدوا بأعلام أمة الإسلام ...
أهدي إليهم هذا العمل المتواضع ...
.
٥

٦

تَقْدِيرٌ
فضيلة الشيخ الدكتور
محمد بن حسن بن موسى الشريف
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه
أجمعين ، وبعد :
فقد اختصرت كتاب (( سِيَرَ أعْلام النُّبَلاء)) من أكثر من عشر سنوات ، وسمّيته
(( نُزْهَة الفُضَلاء تَهذيب سِيَر أعْلام التُّبَلاء )) ، وقد وضع الله له من القبول في صدور
الناس ما وضع ، وطُبع عدّة طبعات ، ولكن كثيراً من الناس كان يَودُّ لو أن فَهارس
الفَوائد تُبسّط بحيث توضع الفائدة تحت عنوانها، وذلك أخْصَر وأحسن لعين
القارىء ، وأجمع لوقته ، وقد كنتُ أرى أن هذا عمل نافع ، لكن عندي من الأعمال
ما يشغلني عنه ، ومرت السنون دون أن يتحقق شيء ، حتى جاءني الأخ في الله تعالى
فَهْد المهْدلي بعمل مماثل لما طُلِبَ منِّي عمله ، وألفَيْتُه كافياً ، ووافياً بالمُراد ، سهلاً
على القارىء المُطالِعِ ، والباحِث الجامع ، والمُبتَغي فائدةً ما ، وأسألُ الله تعالى أن
ينفع بههذا الكتاب كما نفع بأصليه (« نُزهَة الفُضَلاء تَهذيب سِيَر أعْلام التُّبَلاء ))، وأصله
(( سِيَر أعْلام التُّبَلاء)) .. إنه على ذلك قدير، وبالإجابة حقيق وجدير ، وصلى الله
وسلَّم على سيدنا محمَّد وآله وصحبه أجمعين .
والحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمين
وكتبه
محمد بن موسى الشريف
جدة : ١٤٢٥/٦/١ هـ
٧

مقدمة
الحمد لله جعل لكل عصر رجالاً يقومون بإعزاز دينه ونشر علومه ، وأشهد ألاَّ إلله
إلاَّ الله وحده لا شريكَ له، وأنَّ مُحمَّداً عبدُه ورَسولُه ، وبعد
فلا يَخفى على عاقل أن كتب التاريخ هي تراث للأمم ، فيها تجاربهم وعظمتهم
وعزتهم .
وها نحن أمام كتاب من أهم كتب التاريخ المَعْني بالسِّيَر والتَّراجِم ، وهو « سِيَرَ
أعْلام النُّبَلاء )) لمؤلفه الإمام مؤرِّخ الإسلام ، ناقِد المُحدِّثين ، أبي عبد الله الحافِظ
الذَّهَبِيّ ، غَفرَ الله له ، ووسَّعَ في ضَریحه .
وهذا الكتاب لا يَخفَى على طالب العلم حجمه وقوته ، حتى غدا هذا الكتاب من
أهم مراجع أهل الحديث ، ومع أهمية هذا الكتاب فإن شَريحة من الدارسين الذين
استفادوا منه ممَّا جعل شيخنا الموفَّق الدكتور محمد موسى الشَّريف يقوم بتهذيب هذه
المجلَّدات حتى غَدت سهلة مُيسَّرة ، ولم يَكتَفِ بذلك ، بل قام بتذييل هذا التهذيب
بِفَهْرَسة فوائد مُرتَّبَة على نَسق عقلي ومنطقي مناسب للقارىء الباحث عن الفائدة ،
وأهمية هذا الفهرس ظاهرة ، فهو على طوله وتشعُّبه مفيد في استيفاء العناصر
للموضوعات والدروس والخطب ، وفيه مئات من الأبيات الشعرية المختلفة التي
تُضْفي على الموضوعات المطروحة حلاوة وطلاوة ، وفيه ما تَفَتَّقت عنه قَرائحُ الأئمّة
في كلامهم عن مختلف الجوانب الإيمانية والعلمية والأدبية والأخلاقية بي مدى ثمانية
قرون هي المدَّة الزمنية التي تكفَّل هذا الكتاب بإبرازها ، والذي أريدُ أن أصلَ إليه هو
أن هذه الفوائد التي وضعها الدكتور الشَّريف كانت عناوين ، وكل عنوان له رقم
بالصحفة ورقم للفقرة أو الفقرات التي تحتويه ، ثم إنني قمت بإلحاق العنوان بالفائدة
وجمعت هذه الفوائد ورتبتها فأصبحت متناسقة مترابطة تُعطي موضوعاً متكاملاً متواصلاً .
٩

وأخيراً فهذا عمل متواضع أسأل الله أن ينفع به إخواني المسلمين في كل مكان ،
وأن يجعله من العلم النافع الذي يبلغنا أجره بعد الممات .
وآخرُ دَعْوانا أن الحمدُ لله رَبِّ العَالَمين.
کتبه
الشّريف/ فهد بن أحمد بن عبد الله المهْدَلي
ص . ب . ٥٢٧٠ - الخَفجي - السعودية
Email: fahad1395@hotmail.com
١٠

تَرْجَمَةُ الإِمَامِ الذَّهَبِيّ
هو محمد بن أحمد بن عُثمان بن قَائِمَاز ابن الشيخ عبد الله التُّرْكمانيّ ، الفَارقيّ ،
ثم الدِّمَشْقَيّ ، الشَّافعيّ، شَمسُ الدين أبو عبدُ الله الذَّهَبِيّ.
والفَارقيُّ نسبةً إلى ((مَيَّافارقين))(١) أشهر مدن ديار بكر ، فهو تُركُمانيٌّ فارقيُّ
الأصل ، دِمَشْقيُّ المَوْلِد والوفاة .
قال تلميذه تاج الدِّين عبد الوهّاب الشُّبكي: ((شيخُنا وأستاذُنا الإمام الحافظ
شمس الدين أبو عبد الله التركماني الذهبي محدِّث العصر ، بصرٌ لا نظير له ، وكنزٌ هو
الملجأ إذا نزلت المعضلة ، إمام الجود حفظاً ، وذهب العصر معنىّ ولفظاً ، وشيخ
الجرح والتعديل ، ورجل الرجال في كل سبيل ، كأنَّما جُمعت الأمَّة في صعيد واحد
فنظرها ثم أخَذَ يُخبِرُ عنها إخْبارَ مَنْ حَضرَها .
مولده ثالث شهر ربيع الآخر ، سنة ثلاث وسبعين وستمائة في قرية كَفْر بَطْنا (٢)،
وطلب الحديث وله ثماني عشرة سنة ، فسمع بدمشق ، وببَعْلَكَّ ، وبمصر ،
والإسكندرية ، وبمكة ، وبحلب ، وبنابلس ... وفي شيوخه كثرة ، وسمع منه الجمع
الغفير ، وما زال يخدم هذا الفن إلى أن رسخت فيه قدمه ، وأقام بدمشق يُرحَلُ إليه
من سائر البلاد ، صنَّف التاريخ الكبير ، والتاريخ الأوسط المسمَّى بالعِبَر ، وهو حسن
جداً، والصغير المسمَّى دول الإسلام ، وكتاب النُّبَلاء ، والميزان في الضُّعَفاء ، وهو
من أجَلِّ الكُتب ، ومختصر سنن البيهقي ، وهو حسن ، وطبقات الحُفَّاظ ، وطبقات
القُرَّاء ... ومختصرات كثيرة، وقرأ القرآن بالروايات وأقرأه . تُوفِّيَ سنة ثمانٍ وأربعين
وسبعمائة ، وكان قد أضرّ قبل موته بمدَّة يسيرة))(٣).
(١) مكانها الآن قرية صغيرة في تركيا تُسمَّى (( سافا)).
(٢) قرية من قُرى غوطة دمشق الشرقية، وهي عامرة إلى الآن ، وتبعد عن دمشق بضعة كيلو مترات .
(٣) طبقات الشافعية الكبرى: ١٠٠/٩-٠٠١٢٣
١١

الإيمان
١ - يَجِبُ قَرْنُ الإِيمَان بالعَمَلِ الصَّالِحِ :
عن وَهب بن مُنبّه قال: ((الإيمانُ عُريان، ولباسُه التَّقْوَىُ، وزينَتُه الحَياء ، ومالُه
الفِقه))(١) .
٢ - الإِيمَانُ قَوْلٌ وعَمَلٌ يَزِيدُ ويَنْقُصُ :
قال الرّبيع سمعتُ الشافعي يقول: ((الإيمان قَولٌ وعَمَلٌ، يَزِيدُ ويَنقُص))(٢).
وجاءَ في تَرَجَمَةِ أبي عبد الله البُخاريّ، قال الذهَبِيُّ: وقال وَرَّاقُه ، محمدُ بنُ
أبي حاتم: سَمعتُه قبلَ مَوته بشهر يقولُ: « كَتبتُ عن ألفٍ وثمانين رجلاً ، ليس فيهم
إلاَّ صاحبُ حَديث، كانوا يقولون: الإيمانُ قَوْلٌ وعَمَلٌ، يَزِيدُ ويَنقُص)) (٣).
٣- اسْتِعْلَاءُ الإِيمَانِ:
قال الإمامُ الذهبي في ترجمته للإمام نصر بن عبد الرزّاق ابن شيخ الإسْلام
عبد القادر قال ابن النجار كان مِقداماً رجلاً من الرجال سمعته يقول : كنتُ في دار
الوزير القُمِّي وهناك جماعة ، إذ دخلَ رجلٌ ذو هيئة ، فقاموا له وخَدموه ، فقمتُ
وظنتُه بعضَ الفُقهاء ، فقيلَ : هذا ابنُ كرمِ اليَهوديُّ عامِلُ دار الضَّرْب ، فقلتُ له :
تعالَ إلى هنا، فجاءَ ووقفَ ، فقلتُ له : وَيْلَك توَهمتُك فقيهاً فقُمتُ إكراماً لك ،
ولستَ - وَيْلَك - عندي بهذه الصِّفة، ثم كرَّرتُ ذلك عليه وهو قائمٌ يقولُ : اللهُ
(١) انظر السير: (وهب بن منبه) ٤/ ٥٤٤ - ٥٥٧، وانظر النزهة : ٥/٥٥٤
(٢) انظر السير: ( الإمام الشافعي) ٥/١٠-٩٩، وانظر النزهة: ٣/٨٤٧
(٣) انظر السير: ( أبو عبد الله البخاري) ٣٩١/١٢ -٤٧١، وانظر النزهة: ١/١٠١١
١٣

يَحفظُك! الله يبقيك!، ثم قلت له: اخسأ هناك بعيداً عنَّا، فذهب(١).
وقال : حدَّثني أبو صالح أنه رُسِمَ له برزقٍ من الخَليفَة ، وأنَّه زارَ يومئذ قبرَ الإمام
أحمد فِقِيلَ لي : دُفِعَ رَسمُك إلى ابن توما النَّصْرانيّ فامضٍ إليه فخُذْهُ ، فقلتُ : والله
لا أمضي ولا أطلبُه فبقيَ ذلك الذهبُ عنده إلى أن قُتِلَ لَعنَه الله في السّنة الأخرى ،
وأُخِذَ الذهبُ من داره فنُفِذَ إليَّ(٢) .
٤- قِصَّةٌ تُقَوِّي الإِيمَانَ بالله عَزَّ وجَلّ :
قال يوسُفُ بنُ الحُسين الرَّازيّ : حَضرْتُ ذا النُّونِ فقيل له : يا أبا الفيض ، ماكان
سَببُ تَوَبَتِكَ؟ قال : نِمتُ في الصحراء ، ففتحت عَينَيَّ فإذا قُنْبُرَةٌ(٣) . عَمياءُ سقطتْ
من وكْر ، فانشقت الأرضُ ، فخرجَ سُكُرُّجَتان فأَكَلَت وشَربَت فقلتُ : حَسبي ، فتُبتُ
ولَزِمتُ البابَ إلى أن قَبِلَني(٤) .
٥ - مَعْرِفَةُ الله :
(أ) هَل الكُفَّارُ يَعْرِفُونَ الله ؟
( ب) مَعْرِفَةُ المُؤمِنين لرَبِّهِم ولنَبِيِّهم مُتَفَاوِتَةٌ :
حكَى القاضي عياضُ قال: حَدَثَ في القَيْروان مسألةٌ في الكفَّار ، هل يَعرفون اللهَ
تعالى أم لا ؟ فوقع فيها اختلافُ العلماء ، ووقعتْ في ألسِنَةِ العامَّة وكثُر المِراءُ ،
واقْتَتلوا في الأسْواق إلى أن ذهبوا إلى أبي عِمْرانَ الفاسي ، فقال: إنْ أنصَثُم عَلَّمْتُكُم
قالوا: نعم قال : لا يُكَلِّمُني إلاَّ رجلٌ ، ويَسْمع الباقون فَنَصَبوا واحداً ، فقال له :
أرأيتَ لو لَقِيتَ رجلاً، فقلت له : أتعرفُ أبا عِمْرانَ الفاسي ؟ قال : نعم، فقلتُ له :
صِفْه لي، قال : هو بَقَّالٌ في سُوق كَذا، ويَسكُنُ سَبْتَة ، أكانَ يعرفُني ؟ فقال :
انظر السير: ( نصر بن عبد الرزاق) ٣٩٦/٢٢ -٣٩٩، وانظر النزهة: ٢/١٧٠٧.
(١)
(٢)
انظر السير: ( نصر بن عبد الرزاق) ٣٩٦/٢٢ -٣٩٩، وانظر النزهة: ١/١٧٠٨.
القُنْبُرة والقُنْبَرة والقُبَّرَة والقُنْبُراء والقُنْبَراء : عصفورة من فصيلة القُبَّريات ، ورتبة الجواثم المخروطية
(٣)
المناقير ، سُمر في أعلاها ضاربة إلى بياض في أسفلها ، وعلى صدرها بقعة سوداء ، دائمة التغريد.
(٤) انظر السير: (ذو النون المصري) ٥٣٢/١١ -٥٣٦، وانظر النزهة: ٣/٩٦٧.
١٤

لا فقال : لو لقيتَ آخر فسألتَه كما سألتَ الأول، فقال : أعْرِفُهُ، يُدَرِّسُ العلمَ ،
ويُفْتِي ، ويسكن بغرب الشمّاط أكان يعرفني ؟ قال : نعم قال : فكذلك الكافرُ قال :
لربّه صاحبةٌ وولدٌ، وأنَّه جسمٌ، فلم يَعرفْ الله ولا وصَفَهُ بصفته بخلاف المؤمن
فقالوا : شَفَيْتنا ودَعَوْا له ولم يَخُوضوا بعدُ في المَسألَة .
قال الإمامُ الذهبيُّ : المشركون والكتابيون وغيرُهم عَرَفوا اللهَ تعالى بمعنى أنهم لَم
يَجْحَدوه، وعَرَفوا أنه خالقُهم، قال تعالى: ﴿ وَلَيِنِ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى
يُؤْفَكُونَ﴾(١) .
وقال تعالى: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِ اَللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾(٢) ، فهؤلاء لم
يُنكروا البارىء، ولا جَحَدوا الصَّانع ، بل عرفوه، وإنَّمَا جَهِلُوا نُعُوتَه المقدَّسة ،
وقالوا عليه ما لا يعلمون ، والمؤمن عَرفَ ربّه بصفات الكمال ، ونفى عنه سمات
النَّقْص في الجُملة ، وَآمَنَ بربِّه، وكفَّ عمَّا لا يعلم فبهذا يتبين لك أنَّ الكافرَ عَرَفَ اللهَ
من وجهٍ وجهلَه من وجوه ، والنَّيُّون عرفوا اللهَ تعالى، وبعضُهم أكمَلُ معرفةً لله ،
والأولياء عرفوه معرفة جيدة ، ولكنها دون معرفة الأنبياء ، ثم المؤمنون العالمون
بعدهم ثم الصالحون دُونهم فالنَّاسُ في مَعرِفَة ربّهم مُتَفَاوتون ، كما أنَّ إيمانَهُم يزيد
وينقص ، بل وكذلك الأمة في الإيمانِ بنبيِّهم والمعرفةِ له مَراتبُ أربعة ، فأرفعُهُم في
ذلك أبو بكر الصِّدِّيق مَثلاً ، ثم عددٌ من السَّابقين، ثم سائرُ الصَّحابَة ، ثم علماءُ
التابعين ، إلى أن تنتهي المعرفة به والإيمان به إلى أعرابيٍّ جاهل وامرأةٍ من نساء
القُرىُ، ودون ذلك ، وكذلك القولُ في مَعْرفَة النَّاسِ لدينِ الإسلام(٣).
(١) سورة الزخرف ، الآية ( ٨٧)
(٢) سورة إبراهيم ، الآية (١٠ )
(٣) انظر السير: (أبو عمران الفاسي) ٥٤٥/١٧-٥٤٨، وانظر النزهة: ١/١٣٦٠
١٥

من الدَّلائِل علىْ قُوَّةِ الإِيمَان
أولاً : الدَّعْوَةُ إلى الله
١ - الاهْتِمامُ بأحْوالِ المُسلِمِين ومُشَارَكَتِهِم هُمُومَهُم :
عن سعيد بن عبد العزيز ، أنَّ أبا مسلم الخولاني استبطأ خبرَ جيشٍ كان بأرض
الرُّوم ، فدخل طائرٌ فوقع ، فقال : أنا رتبابيل مُسلي الحُزن من صدور المؤمنين ،
فأخبرهُ خبرَ الجيش فقال : ما جئتَ حتى استبطأتُك ؟(١) .
وعن أصبع بن زيد ، قال : كان أُوَيس القَرني إذا أمسى يقول : هذه ليلةُ الرُّكوع ،
فيركع حتى يُصبح ، وكان إذا أمسى يقول هذه ليلةُ السُّجود ، فيسْجُد حتى يُصبح ،
وكان إذا أمسى تصَدَّق بما في بيته من الفَضْل من الطَّعام والشَّراب ثم قال: اللهُمَّ مَنْ
ماتَ جُوعاً فلا تُؤَاخِذْني به ، ومَنْ مات عُرياً فلا تُؤَاخِذْني به(٢) .
ومن محاسن الإمام ابن نُجَيْد أنَّ شَيخَه الزَّاهد أبا عثمان الحِيريَّ طلبَ في مجلسه
مالاً لبعض الثُّغور ، فتأخَّرَ ، فتألمَ وبكى على رؤوس النَّاس فجاءَهُ ابنُ نُجَيْد بأَلْفَي
درهم ، فدعا له ، ثمَّ إنَّه نوَّهَ به ، وقال : قد رَجَوتُ لأبي عمرو بما فعل ، فإنَّه نابَ
عن الجماعة ، وحمل كذا وكذا ، فقام ابنُ نُجَيْد، وقال: لكن إنَّما حملتُ من مال
أمي وهي كارهة ، فينبغي أن تردّه لترضى، فأمر أبو عثمان بالكيس فَرُدَّ إليه ، فلمَّا جَنَّ
الليلُ جاءَ بالكيسِ ، والتَمَسَ من الشيخ سترَ ذلك ، فبكى ، وكان بعد ذلك يقول : أنا
أخشى من هِمَّة أبي عمرو (٣).
(١) انظر السير: ( أبو مسلم الخولاني) ٤/ ٧ - ١٤، وانظر النزهة: ٣/٤٣٢
(٢) انظر السير: ( أويس القرني) ١٩/٤ -٣٣، وانظر النزهة: ٥/٤٣٥
(٣) انظر السير: (ابن نجيد) ١٤٦/١٦-١٤٨، وانظر النزهة: ٢/١٢٧٥
١٦

٢ - هدايةُ فَرِد قد تكونُ عِزاً لأمَّة :
عن ابنِ عُمرَ وغيره - من وجوه جيدة - أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: ((اللَّهمَّ
أَعِزَّ الإسلامَ بِعُمرَ بنِ الخطَّب)»(١).
قال ◌ِكْرِمَة : لَمْ يَزل الإسلام في اختفاءٍ حتى أسلَمَ عُمرُ(٢).
قال ابنُ مَسْعود : ما زلنا أعِزَّةً منذ أسْلمَ عُمر (٣).
٣- الدُّعاةُ الصَّالِحُونَ بِهِم يَنْشُرُ اللهُ دِينَه :
قال إبراهيمُ بنُ بشَّار : سَمعتُ إبراهيمَ بنَ أدهم يقول : وأيُّ دينٍ لو كان له
رجال!(٤) .
٤ - رِجَالُ العامَّة :
وقال إبراهيم بن سعيد الجَوْهري : قلتُ لأبي أسامة : أيُّهما أفضلُ : فُضَيل ابنُ
عِيَاض ، أو أبو إسحاقَ الفَزاري ؟ فقال : كان فُضَيلُ رجلَ نفسه ، وكان أبو إسحاق
رجلَ عامَّة (٥) .
قال الجُبَّائي: قال لي الشيخُ عبد القادر الجيلاني: أتمنَّى أن أكون في الصَّحاري
والبراري كما كُنتُ في الأول لا أرى الخَلقَ ولا يَرَوني ، ثم قال: أرادَ اللهُ منِّي منفعةً
الخَلق فقد أسلمَ على يديَّ أكثرُ من خمس مئة ، وتابَ على يديَّ أكثرُ من مئة ألف ،
وهذا خيرٌ كثير(٦) .
(١) انظر السير: (عُمر بن الخطاب)، وانظر النزهة: ٢/٤٤.
(٢) انظر السير: ( عُمر بن الخطاب)، وانظر النزهة: ٣/٤٤.
(٣)
انظر السير: ( عُمر بن الخطاب )، وانظر النزهة : ١/٤٥.
انظر السير: (إبراهيم بن أدهم ) ٧/ ٣٨٧ -٣٩٦، وانظر النزهة: ٩/٧٠٨.
(٤)
انظر السير: ( أبو إسحاق الفزاري) ٥٣٩/٨ -٥٤٣، وانظر النزهة : ١/٧٩١.
(٥)
(٦) انظر السير: (الشيخ عبد القادر) ٤٣٩/٢٠-٤٥١، وانظر النزهة: ٣/١٥٧٥.
١٧

٥- انتِقالُ الدَّاعِيَةِ من بَلَدٍ لآخَرَ إِذا تَطَلَّبَ الأمْرُ ذلكَ :
عن أبي بكر بن جابر خادم أبي داود السِّجسْتاني - رحمه الله - قال : كنتُ مع
أبي داود ببغداد ، فصلَّيْنا المغرب ، فجاءه الأميرُ أبو أحمدَ المُوَفَّق - يعني وليَّ العَهد -
فدخل ، ثم أقبل عليه أبو داود ، فقال : ما جاء بالأمير في مثل هذا الوقت ؟ قال :
خِلالٌ ثلاث قال : وما هي ؟ قال : تنتقلُ إلى البَصرة فتتَّخذَها وطناً ليرحلَ إليك طلبةٌ
العلم، فتعمُّر بك، فإنها قد خَرِبَتْ، وانقطَعَ عنها النَّاسُ، لِمَا جَرَى عليها من مِحْنَةً
الزِّنج فقال: هذه واحدة قال: وتَرْوي لأولادي ((السُّنَن)) قال: نعم ، هاتِ الثالثة
قال : وتُفْرِد لهم مَجْلساً ، فإن أولاد الخلفاء لا يَقعُدون مع العامَّة قال : أمَّا هذه فلا
سبيلَ إليها ، لأنَّ النَّاسَ في العِلم سَواء .
قال ابنُ جابر : فكانوا يحضُرُون ويقعُدون في کمِّ حِيرِي ، عليه سِتْر ويسمعون مع
العامَّة(١) .
٦ - قَاعِدَةٌ في الدَّعْوَةِ :
قال ابنُ عُيَيْنَة : قال عَمرو بنُ العاص : ليس العاقلُ من يعرفُ الخيرَ من الشَّرِ ،
ولكنْ هو الذي يعرفُ خَيرَ الشَّرَّيْن(٢).
٧ - مِنْ وَسَائِلِ الدَّعْوَةِ :
(أ) التَّالُفُ :
عن المغيرة بن شبل ، قال : قال جَرير بنُ عبد الله : لما دَنَوتُ من المدينة ، أنَخْتُ
راحلتي ، وحَلَلْتُ عيبتي ، ولبستُ حُلتي ، ثم دخلتُ المسجد ، فإذا برسول الله
صلى الله عليه وسلم يخطبُ ، فرماني النَّاسُ بالحدق فقلتُ لجليسي : يا عبد الله ، هل
ذكرَ رسولُ الله من أمري شيئاً؟ قال: نعم ، ذكَرَكَ بأحسنِ الذِّكر ، بينما هو يخطُبُ إذ
(١) انظر السير: (أبو داود السجستاني) ٢٠٣/١٣ -٢٢١، وانظر النزهة: ٢/١٠٧١.
(٢) انظر السير: (عمرو بن العاص) ٢/ ٥٤ - ٧٧، وانظر النزهة: ٢/٣٣٦.
١٨

عرضَ له في خُطبته ، فقال: (( إنَّه سَيدخُلُ عليكم من هذا الفَجِّ من خير ذي يَمَن ، ألا
وإنَّ على وَجهه مسحةَ مَلَك)) قال: حَمدتُ اللهَ .
قال الذهبيُّ : كان بَديعَ الحُسْنِ ، كاملَ الجَمَال .
وعن عديٍّ بن حاتم قال : لمَّا دخلَ - يعني جريراً - على النبي صلى الله عليه
وسلم ، ألقى له وسادةً فجلسَ على الأرض فقال النبي صلى الله عليه وسلم (( أشهدُ أنَّك
لا تبغِي عُلُواً في الأرض ولا فساداً)) فأسلمَ ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم ((إذا
أتاكم كریمُ قومٍ فأكرِمُوه )»(١) .
وعن صَفوانٍ قال : أتيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فأعطاني ، فما زال
يُعطيني ، حتى إنَّه لأَحَبُّ الخَلقِ إليَّ (٢) .
وعن ابن إسحاق قال : حدثنا عبدُ الله بن أبي بكر وغيرُه ، قالوا: أعْطَى رسولُ الله
صلى الله عليه وسلم المؤلّفَةَ قلوبُهم فأعْطِى جُبَيْرَ بن مُطعم مئةً من الإبل(٣).
٠
وعن حُصَين ، قال ابنُ عُمر : إنِّي لأَخْرُجُ وما لي حاجةٌ إلاَّ أنْ أُسَلِّم على النَّاس ،
ويُسَلِّمون عليَّ(٤) .
وعن وَهب بن منبه قال : احتمالُ الذُّلِّ خيرٌ من انتصار يَزِيدُ صاحبَه قَمْأةً(٥).
وقال يونس بن محمد المؤدِّب أخْبَرني زياد ، قال : كان زُبيدُ بن الحارث مؤذِّنَ
مسجدِه ، فكان يقولُ للصِّبيان : تَعالوا فَصَلُّوا، أهَبْ لكم جَوزاً فكانوا يُصلون ثم
يُحيطونَ به ، فقلتُ له في ذلك، فقال: وما عليَّ أن أشْتري لهم جَوزاً بخَمسَة
دَراهم، ويتَعَوَّدون على الصَّلاة(٦).
(١) انظر السير: (جرير بن عبد الله) ٢/ ٥٣٠ -٥٣٧، وانظر النزهة: ٣/٣٠٢.
(٢)
انظر السير: (صفوان بن أمية) ٢/ ٥٦٢ - ٥٦٧، وانظر النزهة: ٣/٣٠٥.
(٣)
انظر السير: ( جبير بن مطعم) ٩٥/٣-٩٩، وانظر النزهة: ٣/٣٤١.
انظر السير: ( عبد الله بن عمر) ٢٠٣/٣-٢٣٩، وانظر النزهة : ٧/٣٦٩.
(٤)
انظر السير: (وهب بن منبه) ٥٤٤/٤ - ٥٥٧، وانظر النزهة : ١/٥٥٧.
(٥)
(٦) انظر السير: (زبيد بن الحارث) ٢٩٦/٥-٢٩٨، وانظر النزهة: ٢/٦٠٥.
١٩

وقيل : دَخَلَ على مالك بن دينار لصٌّ، فما وَجَدَ ما يأخُذُه ، فناداه مالك : لم
تجد شيئاً من الدنيا ، فترغَبُ في شيءٍ من الآخرة ؟ قال : نعم، قال : توضأ وصَلِّ
ركعتين ، ففعل ثم جلسَ وخَرِجَ إلى المسجد فسُئلَ مَنْ ذا؟ قال : جاءَ ليسْرق ،
فسَرَقناه(١) .
وقال أحمد بن أبي خيثمة : سمعتُ ابنَ معين يقول : كان علي ابن المَديني إذا قَدِم
علينا ، أَظْهَرَ السُّنة ، وإذا ذهبَ إلى البَصرة أظْهَرَ التَشَتُعَ .
قال الذهبيُّ : كان إظهارُه لمناقب الإمام عليٍّ بالبصرة ، لمكان أنَّهم عُثمانيّة ،
فيهم انحرافٌ على عليّ(٢).
وقال عبدُ الصمد بن سعيد القاضي : سَمعتُ محمّدَ بن عوف يقولُ : كُنتُ ألعبُ
في الكنيسة بالكرةِ وأنا حَدَثٌ ، فدخلت الكرةُ ، فوقعت قُربَ المُعَافَى بن عِمْران
الحِمصيِّ، فدخلتُ لأَخْذها، فقال : ابنُ مَنْ أنتَ ؟ قلتُ : ابنُ عَوف بنُ سُفيان ، أمَا
إِنَّ أباكَ كان من إخْواننا فكان ممَّن يَكتُبُ معنا الحديثَ والعلمَ ، والذي كان يُشْبهُك أن
تَتَّبَعَ ما كان عليه والدُك فصِرتُ إلى أمِّي فأخبرتُها فقالت : صَدَقَ ، هو صَديقٌ لأبيك ،
فألبَسَتني ثوباً وإزاراً ، ثم جِئتُ إلى المُعَافَى ومعي مِخْبَرةٌ ووَرَقٌ ، فقالَ لي : اكتُب :
حَدَّثَنَا إسماعيلُ ابن عيَّاش بن عبد ربِّه بن سُليمَان(٣).
( ب) مَعْرِفَةُ أسْبابٍ فَسَادِ النَّاسِ :
قال أبو العتاهية (٤) :
مَفْسَدةٌ للمَرِ أيُّ مَفْسَدَة
إِنَّ الشَّبَابَ والفَرَاغَ والجِدَة
ما أكثَرَ القُوتَ لمن يَمُوتُ
حَسْبُكَ ممَّا تَبْتَغِيه القُوتُ
إنْ كُنتُ أخطأتُ فما أخطَا القَدَرْ
هيَ المَقَادِيرُ فَلُمْني أو فَذَرْ
(١) انظر السير: (مالك بن دينار) ٣٦٢/٥ -٣٦٤، وانظر النزهة: ٨/٦٠٩.
(٢) انظر السير: (علي بن المديني) ٤١/١١- ٦٠، وانظر النزهة: ٩٠٧ /٦.
(٣) انظر السير: (محمد بن عوف) ٦١٣/١٢ -٦١٦، وانظر النزهة: ٢/١٠٤٠.
(٤) انظر السير: ( أبو العتاهية) ١٩٥/١٠-١٩٨، وانظر النزهة: ٥/٨٦٦.
٢٠
١