النص المفهرس

صفحات 281-300

- ٢٨٢ -
• سألت الشيخَ الإمام الوالد رحمه الله: لِمَ يقولُ المُعلِّى فى الاعتدال: ((كُلُّنَا لَكَ
عَبْدٌ))(١)، ولا يقول: عَبِيدٌ، مع عَوْد الضَّغِير فى ((كُلّنا» على جَمْع؟
فقال: لأنه قَصَد أن يكون الخلق أجمعون بمنزلة عبدٍ واحِدٍ ، وقَلْبٍ واحدٍ (٢)
، سألت الشيخ الوالد: لِمَ لاَ يَفتْرِقُ الحالُ عندَ العُّوفّة بينَ إبداء الصَّدَقَة وإخفائها،
وقد نَصَّ القُرآنُ على تفضيل الإخفاء ؟
فقال: المرادُ أن قلبَ الصّوفِيّ لا يتأثَّرُ بالإعلان، لأنه لا يَرَى غيرَ الله، فكانا بالنسبة
إليه سواء، وإن كان السَّتْرُ من حيث هو أفضلَ من الجَهْر، من حيث هو.
· سألت الشيخ الإمام: ما الحِنْتُ العظيمُ المُشار إليه فى قوله تعالى: {وَ كَانُوا يُصِرُّونَ
عَلَى الحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾(٣).
فقال: هو القَسَمُ على إنكار البعث(٤)، المشارُ إليه فى قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ
جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾(٥).
• سئل الشيخُ الإمام الوالد، رضى الله عنه، عن قول الشَّرِيف الرَّضِىّ:
فَلَعَلِّى: أَرَى الدِّيارَ بِسَمْمِى(٦)
فَتَفِى أَنْ أُرَى الدِّيَارَ بِطَرْفِى
(١) بعض حديث، أخرجه الإمام مسلم، فى صحيحه ( باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع.
من كتاب الصلاة) ٣٤٧، والرواية فيه: ((وكلنا)» وحول هذه الواو كلام، أورده الإمام النووى،
فى شرحه على مسلم ١٩٤/٤
(٢) فى هامش ت: ((أقول: وفى الحديث: وكلنا فارس)). انتهى، وتقول: هو بعض حديث
أخرجه الإمام البخارى فى صحيحه، فى ثلاثة مواضع: ( باب فضل من شهد بدرا ، من كتاب المغازى)
٩٩/٥، (باب من نظر فى كتاب من يحذر على المسلمين ليتبين أمره. من كتاب الاستئذان) ٧١/٨،
حدثنا موسى بن إسماعيل - من كتاب استجابة المرتدين) ٢٣/٩
(باب ما جاء فى المتأولين .
(٣) سورة الواقعة ٤٦
(٤) هذا فى تغير القرضى ٢١٣/١٧
(٥) سورة النحل ٣٨
(٦) ديوانه ٥٠٠/١

- ٢٨٣ -
وقولِ القاضى الفاضل (١):
أتَمَتَّى هُناكَ بِالأَحْذَاقِ
مَثَّلْهِ الذِّ كْرَى لِسَمْعِى أَنَّى
فقال، وكتبته(٣) من خَطّه: قولُ الشريف يَحْتَمِلُ ثلاثَ مَعَانٍ، بعد فَهْمِ ثَلاثِ قواعِدَ،
إحداها : قال الغَزّالِيُّ وغيرُه: الوُجوداتُ أربعة: وجودٌ فى الأعيان، ووجودٌ فى الأذهان،
وُوجودٌ فى البيان، ووجودٌ فى البنان(٣) .
وأنا أقول: هذه الوجودات الأربعة فى كُلِّ موجودٍ، معقولًا كَان أو محسوساً، فإن
كان محسوساً فيُراد خامساً، وهو الوجودُ فى الحِسِّ، والأمثلةُ معروفةٌ، ولا(1) حاجة إلى
التَّطويل بها .
القاعِدةُ الثانية: أن الرُّؤية، تكلّم الحُكاء فيها، هل هى بالانطباع، أو بأتُّمال الشُّعاع،
وبَسْطُ هذا معروفٌ فى مَحَلّه، فلا حاجةً إلى التَّطويل به.
القاعدة الثالثة: أن الحوَاسَّ هل هى كالحِجاب، أو كالطاقات؟ وفيه خلافٌ.
[ إذا](٥) عرفتَ هذه القواعدَ الثَّلاثِ، رَجْنا إلى الاحتمالاتِ الثَّلاثَةَ، وهى فى قوله:
((أُرَى الدِّيّارَ بِطَرْفِى)) أحدها: أن ((أرى الدِّيَّرَ)» فى مَحَلُّهَا بطَرْ فى المُتَّصلِ ثُمَاتُه إليها،
فتكون الرؤيةُ حقيقةً ، والباء للاستعانة حقيقةً .
والثانى: أن ((أَرَى الدِّارَ)) بانطباعِها فى ناظِرِى، فالرؤيةُ حقيقةً، والباء فى
(بطَرْفِى)) للمظرفيّة، بمعنى [فى](٦) وهى أيضاً حقيقةٌ، وإن كان مجيئُها لذلك أقلّ من
مجيتها للاستعانة.
(١) ليس فى ديوانه المطبوع، وهو مع بيت الشريف فى ريحانة الألبا ١٧٧/١، وانظر ما تقدم
فى الفبنات ٣١٤/٩
(٢) فى المطبوعة: ((وكتبت)). وأثينا ما فى: ج، ك، ن.
(٢) فى المطبوعة: ((البنان ... . البيان)). وأثبتنا ما فى: ج، 2، ت ..
(٤) فى : ت : ((فلا » .
(٥) ساقط من المطبوعة ، وأثبتناه من : ج، ك ، ت .
(٦) ساقط من: ج، ك، ت ، وأثبتناه من المطبوعة.

- ٢٨٤ :-
والثالث: أن «أرى الدِّيارَ )) فى قْلِى بطَرْفى الذى هو کالطّاقِ فی الگشْف لی عنها،
فالرؤيةُ على هذا على قولٍ من يجعلُ الحَواسِّ كالطاقاتِ ، حقيقةٌ ، وعلى قولٍ من مجملها
كالحِجَابِ، مَجازٌ، والياء فى ((يطَرْفِى)) للاستعانة على القَولَين.
هذه الاحتمالات الثلاثة فى ((أَرَى الدِّيَارَ بِطَرْفِ)).
وأمّا ((أَرَى الدَّيَارَ بَمْعِى)) ففيه ثلاثةُ(١) احتمالاتٍ أيضاً: أُحدُها الأوّلُ، وعلى
هذا يكون ((أَرَى)) مجازاً عن أسْمَعَ، والدِّيارُ حقيقةً، وأوقع الرؤيةَ عليها لإرادة السَّمْعِ
المتعلَّق بلفظها، فهو من مَجاز التركيب، فقد اجتمع فيه مَجازَ الإفراد، ومَجازُ التركيب
[فى](٢) تَفظها، والباء للاستعانة.
الثانى الثانى، ويكون ((أرى)) مَجازاً عن أسْمَعَ، والدِّيارُ مجازٌ فى الإفراد عن لفظِها
الحاصلِ فى الخِسِّ، تنزيلًا لِلَّفَظ منزلةَ المعنَى، والباء للظرفّة، والمجازُ فى الفِعل والمفعول،
مِن مجاز الإفراد .
الثالثُ الثالثُ، فعَلَى قولٍ مَن يجعلُ الحواسَِّ كالطاقات، يكون ((أَرَى)) يمكن أن
يكونَ حقيقةً، ويمكن أن يكون مجازاً، وكذا الدّيار، أمّا الحقيقةُ فيهما، فلأن الدِّيارَ تتمثَّلُ
فى قَلْبِ السامع، بسبَب سَماعٍ لفظِها، فيكون السمعُ استعارته(٣) فى حصولِ معناها فى القلب،
وأمّا الَجازُ فلأنّ الحاصلَّ فى القَلْبِ عِلْمٌ عندَ قومٍ، وسَمْعُ عندَ آخَرین ، فوصْفُه بالرؤية ،
ولم يحصُل (٤) من حاسّةِ الرُّؤية(٥)، نجوُّزٌ (٦).
إذا عرفتَ هذه الاحتمالاتِ فى بيت الشَّرِيفِ الرَّضِىّ، فَالْأبلغُ إرادةُ المعنى الثالث،
وهو : فاتَنِى أن يشهدَها قلى بسَبَبِ رؤيتى بطَرْفى، فلعلَّ أن يشهدَها قلبى، بسبب سماع
لفظها ..
(١) فى الأصول، ت: ((ثلاث)).
(٢) زيادة من المطبوعة ، على ما فى : ج.، ك ، ت .
(٣) فى المطبوعة: ((استعارة)). والمثبت من: ج، ك، ت.
(٤) فى المطبوعة: ((يجعل)). وأثبتنا الصواب من: ج، ك، ت.
(٥) فى هامش: ت: ((صوابه البصر).
(٦) فى: ت: ((يجوز)). وأهمل النقط فى: ج، ك، وأثبتنا ما فى المطبوعة.

- ٢٨٥ -
وهذا المعنى كشفه القاضى الفاضلُ بقوله: ((مَثَّلْهِ الذِّ كْرَى))، وقال: ((لِسَمْعِى)) لأنه
طريقٌ؛ إمّا حاجبٌ أو طاقٌ، والأبلَغُ أنه جعله كالطاق، وأشار إليه وإلى حُضورِه فى قلبه،
بقوله: ((كَأَنِّى أَتَشَّى هناك)) وقال: ((بالأحْداقِ)) ليُعَ أن السَّاعَ لم يَنتُمْ عن الرؤية،
ولأجل الطَّباق، ولِما فى المشى بالأحداق من الخُضُوعِ والذُّلَّةَ والَحبَّة، ولِمَا فِى مَدُّ(١)
الأحداق إلى مَواضِعِ المَنظُور، وتَنَقْلِها مِن مكانٍ إلى مكانٍ مِن زيادة التّمتع والنعيم، وهو
المراد بالتَّمْشِّى، والله أعلم.
• ذكر الوالدُ رضى الله عنه مرَّةً ماقاله السَُّيْلِىّ، فى قوله صلى الله عليه وسلم:
(«أُوَمُخْرِجِىَّ هُمْ)) وأنّ فيه دليلًا على حُبِّ الوطَن، ثم قال: أخْسَنُ من حُبِّ الوَطَن أن
يقال: نحرَّ كَتْ نفسُه لما فى الإخراج من قَوات ماتُدِب إليه من إيمانهم وهدايتهم ، فإن ذلك
مع التكذيب والإيذاء مُتَرقَّبٌ، ومع الإخراج مُنقطِعٌ، وذلك هو الذى لاشىءٍ عندَ الأنبياء
عليهم السلام أعظَمُ منه؛ لأنه امتثالُ أمرٍ الله تعالى، وأمّا مُفَارَقَةُ الوَطَنِ فهو أمْرٌ جِيِلِىٌّ،
والنّىّ صلى الله عليه وسلم أجَلُّ وأعلَى مَقاماً من الوُقُوفِ عندَه فى هذا الموطِنِ العظيم.
• حضرتُ الوالد رحمه الله مرَّةً فى خَتْمةٍ، وقد وصل القُرَّاء إلى سُورة الإخلاص
فقرءوها ثلاثَ مَرّاتٍ على العادة، وكان عَلَى يمينهِ نماضى القضاة عِمادُ الدّين على بن أحمد
الطَّرَ سُوسِيّ الحنفيّ، فالتفتَ إلى الشيخ الإمام وقال: فى خاطرى دائماً أن أسأل عن الحِكمة
فى إطباق الناسٍ على تكريرها ثلاثاً .
فقال [له](٢) الشيخ الإمام: لأنه قد ورَد أنها تَعَدِلُ ثُلتَ القرآن، فتحصُلُ بذلك
ختمةٌ .
فقال القاضى عِمادُ الدين: فِلِمَ لايقرءونها ثلاثاً بعد الواحِدة التى تضمَّنْها الختمة،
لَيَحْصُلَ خَتْمتان؟
(١) فى المطبوعة: ((سفر". وفى: ج، !: (مقر)). وأثبتنا ما فى: ت.
(٢) لم يرد فى المطبوعة، وأثبناه من: ج، 2، ت :.

- ٢٨٦ -
فقال الشيخ الإمام : مقصودُ الناسِ تحقيقُ ختمةٍ واحدة، فإن القارئَّ إذا وصل إليها
فقرأها (١) ثم أعادها مرَّتين، كان على يقينٍ من حُصولٍ خَتْمة(٢) ، إمّا التى قرأها من الفاتحة
إلى آخرِ القرآن، وإمّا ثَوابُها بقراءةٍ(٣) الإخلاص ثلاثاً، وليس المقصودُ ختمةً أخرى.
وهذا معنَى مليحٌ.
، سمعتُ الشيخَ يقول فى الدَّرْسِ: تقل الشيخُ أبو حامد(٤)، مذهبَ الرُّهْرِىّ(٥)
أن الجِلدَ بَحِلُّ الانتفاعُ به قبلَ الدَّاخِ(٦)، ونقلَه صاحبُ ((التَّتِمَّة)) وقال: إنه ليس
بَنَجِس، وهو صحيح، وزاد فقال: إنه وَجْهٌ لأصحابنا عن (٧) ابن القَطّان: أن الزُّهومةَ التى
فيه مجسّةٌ ، فهو كثَوْبٍ مُتُنجِّس، وهذا خلاف (٨) مذهب الزُّهرىّ، فجَعْلُهُ إِيّاً. [مِثْلَه](٩)
ليس بجيِّد.
ونقل(١٠) الرافعىُّ ما فى (١١) ((التَّتِمَّة)) بدون ذكرٍ كون الزُّهومة نَجِسةٌ، وَجَعَله كالثوبِ
النَّجِسِ ، فِأوْهَمِ أَبْه طاهِرٌ ، يَحِلُّ الانتفاعُ به مطلقاً، وليس بجِيِّد ، وزاد بعضُهم، فنقل
الوجْهَ أنه(١٢) يجوز أكلُهُ قبلَ الدِّبال وهذا لِما أوهمه كلامُ الراضعىِّ، وليس يجيِّد، وإنما
يأتى ذلك على مذهب الزهرىّ، أمّا (١٣) عِندَنا فلا.
(١) فى: ت: (( قرأما».
(٢) فى: ت زيادة: (( له)).
(٣) فى : ت: «سورة الإخلاص».
(٤) فى فتاوى السبكي ١٣٩/١: ((أبو محمد».
(٥) راجع ما تقدم فى ٩١/٢
(٦) في المطبوعة: ((الدبغ)). والمثبت من: ج، ك ، ت، والفتاوى.
(٧) في المطبوعة: ((وعن)). وأثبتنا ما في: ج، ك، ت، والفتاوى.
(٨) فى: ت: ((بخلاف)). وما فى أصول الطبقات مثله فى الفتاوى.
(٩) زيادة من الفتاوى .
(١٠) فى المطبوعة: ((وثقله)). وأثبتنا ما فى: ج، كـ، ت، والفتاوى.
(١١) سقطت ((ما)) من المطبوعة، وأثبتناها من: ج، ك، ت، والفتاوى.
(١٢) فى: ت: ((الذى)). وما فى أصول الطبقات مثله فى الفتاوى.
(١٣) فى المطبوعة: ((وأما)). وأثجنا ما فى: ج، ك، ت، والفتاوى.

٠ = ٢٨٧ =
وجدت بخط الشيخ الوالد، رضى الله عنه: فَّتُ عندَ الاضطجاع فى قول
المضطِجِع: ((باسمِك الَّهُمَّ وضعتُ جَنْسِى، وباسمك أرفعه))(١) فأردت أن أقول:
إن شاء الله تعالى، فى ((أرفعه)) لقوله تعالى: ﴿وَلَّا تَهُولَنَّ لِشَىْءٍ إِنِّى فَعِلْ ذلِكَ غَداً ..
إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ﴾(٢) ثمقلت فى نفسى: إن ذلك لم يَرِدْ فى الحديث، فى هذا الذّكرِ المنقول(٢)
عندَ النومِ، ولو كان مشروعاً لذَ كَره النبيُّ صلى الله عليه وسلم، الذى أُوِّ جَوامِعَ الكَلِمِ،
فتطلَّبْتُ فَرْقاً بينَه وبينَ كلِّ مايُجريه الإنسانُ من الأمور المستقبلة، المُستحبِّ فيها ذِكرٌ
المشيئة .
ولا يقال: إن «أَرْفَعَهَ)) حالٌ ليس بمستَقْبَل، لأمرين: أحدهما: أن لفظَه وإن كان كذلك،
لَكنّا نعلَمُ أن رَفْعَ جنبِ المضطجع ليس حالَ اضطجاعِهِ.
والثانى: أن استحبابَ المشيئةِ عامٌ فيا ليس بمعلوم الحال أو المُضِىّ .
وظَهَر لى أن الأوْلَى الاقتصارُ على الوارِدِ فى الحديث فى (٤) الذّ کر عند النوم، بغير زيادة،
وأن ذلك يُنَّبِّه على قاعدة، يفرَّقُ بها بينَ تقدُّمِ الفِعل على الجارِّ والمجرور، وتأخَّرِه عنه ،
فإنك إذا قلت: أرفع جَنْسِى باسم الله، كان المعنى الإخبارَ بالرَّفع، وهو عمدةُ الكلام،
وجاء الجارّ والمجرور بعدَ ذلك تكملةً، وإذا قلت: باسم الله أرفَعُ جنبى، كان المعنى الإخبارَ
بأنّ الرفعَ كائنٌ باسم الله، وهو عُمدةُ الكلام .
فافهم هذا السّرَّ اللطيفَ، وتأمَّلْه فى جميع مَوارِدٍ كلام العربية تَجِدْءٍ يَظْهِرْ لك به شَرفُ
كلامِ المصطفى(٥) صلى الله عليه وسلم، ومُلازَمَةُ المحافظة على الأذكار المأثورةِ عنه، عليه
أفضلُ الصلاة والسلام .
(١) راجع صحيح مسلم ( باب ما يقول عند النوم! وأخذ المضجع. من كتاب الذكر والدعاء
والتوبة والاستغفار ) ٢٠٨٥
(٢) سورة الكهف ٢٤،٢٣
(٣) فى المطبوعة: ((المقول)). وأثبتنا ما فى: ج، ك، ن.
(٤) فى: ت: ((من)).
(٥) فى المطبوعة: ((التى)). وأثبتنا ما فى: ج، ك، ت.

- ٢٨٨ -
وإيّاكَ [ ثم إِيَّاك](١) أن تنظُرَ إلى إطلاق أن الجارَّ والمجرورَ فَضْلَةٌ فى الكلام،
وتأخُذَه على الإطلاق، بل تأمَّلْ مَوارِدَ تقدُّمِه وتأخُّره فى الكتاب العزيزِ والسُّنَّةِ وكَلامِ
الفُصحاء، وتَفَهَّمْ هذه القاعدةَ الجليلة، التى يُفْهَم منها(٢) اللفظُ والمعنى، واعلم أنه لابدَّ
من المحافظة على قواعدِ العربِّيّة، وعلى فهم [ معنى](٣) كلام العرب، ومقاصدِها.
وقواعِدُ العربّةِ تَقَتِضِى أن الجارَّ والمجرورَ فَضْلَةٌ فى الكلام، لا ◌ُمدة له، وأن الفِعْل
هو المُخْبَرُ به، والاسمَ هو المخبَرُ عنه، فهذا أصلُ الكلام، ووَضْمُهِ، ثم قد يكون ذلك
مقصودَ المتكلّم ، وقد لا يكون على هذه الصورة، فإنه قد يكون المُخْبَرُ عنه والمُخبرُ به
معلومين، أو كالعلومين، ويكون مَحَطُّ الفائدة فى كونه على الصَّة المستفادةِ من الجارِّ والمجرور،
كما نحن فيه، فإن المُضطجعَ ووَضْعَ جئبهِ معلوم، ورَفْعَه كالعلوم، وإنما قلنا: كالعلوم، ولم نقل:
معلوم ، لأنه قد يموت .
• حضرت الشيخَ رضى الله عنه، وقد جاءه بَرِيدِيٌّ مِن جهة أُرغُون نائب الشام ،
يقول له عنه : قال (٤) لك مَلِكُ الأمراء: بأيِّ مُستَقَدٍ تكتبُ على كِتَابِ بَعْلَبَكَّ، وهو
مِلْكُ غيرِك، بغير إذن صاحبه؟ وقد أفسدتَه بكتابتك [عليه](٥). ١ كتُبْ لنا جَوابَك.
وكان الوالدُ قد كتب على مكتوبٍ قرية حَريثا(٦) ، من بعلبكّ أنه إثباتُ باطِلٍ
فلا يُفَُّْ به، وكان قَصْدُ الحَقَّ والخشيةَ من الاغترار بالكتاب .
(١) زيادة من : ت.
(٣) لم يرد فى: ت.
(٢) فى: ت: ((بها)).
(٤) فى: ت: ((قد قال».
(٥) زيادة من هامش ت، وكتب فوقها: (صح)).
(٦) فى المطبوعة: ((خريا)). وبهذا الرسم فى: ج، ك، مع نقط الخاء المعجمة لا غير، وأثبتنا
ما فى: ت، وقداوى البيكى ٤٤٢/٢، وقد ضبط ناسخ ت الحاء بالفتح، ثم وضع تحتها حاء صغيرة
علامة الإهمال. ولم تجد هذه القرية فى معجم ياقوت، ومراصد الاطلاع، وتاج العروس ( حر ث )
وقد وصفت هذه القرية فى فتاوى السميكى بأنها ضيعة. جاء فى الموضع المذكور من الفتاوى: ((مسألة فى
الكتابة على المكاتيب التى يظهر بطلانها بأنها باطلة بغير إذن مالكها ، وقد كان الشيخ الإمام يفعله رجمه
اللّه، فعوتب مرة فى واقعة كتاب متعلق بضيعة من قرى بعلبك، وهى حرينا ... )) وراجع ما تقدم
فى صفحة ٢٠٨ من هذا الجزء .

- ٢٨٩ -
فأخذ الوالدُ ورَقاً، وكتب من رأس العلم ما أعطاه للبريدِىّ لُيُوصِّلَه إلى ملك الأمراء.
ونَهُّه ، إن قيل: مامُستَقَدُ كم فى الكِتابة على كتابٍ بَعْلَبَكَ؟ فالجواب: أن مُستندَنا
كِتابُ الله وسُنّةُ رسولهِ (١) صلى الله عليه وسلم، وإجماع المسلمين والقياس.
أمّا كِتابُ اللهِ فقوله: ﴿لِيُحِقِّ الْحَقِّ وَ يُبْطِلَ الْبَاطِلَ}(٢) فإِيطَالُ(٣) الباطلِ من
سُنّةِ الله ، فكِتابتى عليه بالإبطال لذلك (٤).
وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَراً فَلُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ )) و كتابتى
عليه تغييرٌ بيدِى(٥) ، وفى الحديث الصَّحيح: ((أمَرَنا رسولُ الله صلّى الله عليه وسلم أن
قولَ أَو تَقُومَ بالحقِّ(٦) حيث ما كُنّا لانَخافُ فى اللهِلَوْمَةً لأمر)» فيكتابتى عليه مِن القِيام
بالحق .
وقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا
يَكْتُمُونَهُ﴾(٧) فكتابتى عليه من البيان الناس.
(١) فى المطبوعة: ((رسول الله)). والثبت من: ج، ك، ت، والفتاوى.
(٢) سورة الأنفال ٨
(٣) فى المطبوعة: ((وإبطال)). وأثبتناه بالفاء من: ج، ك، ت، والفتاوى.
(٤) فى: ت: ((كذلك)). وما فى أصول الطبقات جاء مثله فى الفتاوى.
(٥) بحاشية ت: ((فيه نظر)).
(٦) فى أصول الطبقات: ((أن تقول الحق أو نتفهم بالحق ... )). وأثبتنا الصواب من : ت،
والفتاوى، وموطأ مالك (باب الترغيب فى الجهاد. من كتاب الجهاد ) ٤٤٦، وصحيح البخارى
(باب كيف يبايع الإمام الناس . من كتاب الأحكام) ٩٦/٩. وهو من حديث عبادة بن الصامت،
رضى الله عنه، قال: ((بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة، فى اليسر والعمر،
والنشط والمكره، وأن لا تنازع الأمر أهله، وأن تقول أو تقوم بالحق حيثاكنا ، لا نخاف فى الله
لومة لائم)). وفى رواية البخارى: ((وأن تقوم أو تول بالحق)).
(٧) سورة آل عمران ١٨٧. وجاء فى المطبوعة، والفتاوى: ((لتبيته ... ولا تكتمونه)).
بالتاء الفوقية، وأثبتناه بالياء التحتية من: ج، ك ، ت. وهى قراءة ابن كثير وأبى بكر شعبة بن عياش.
راجع إتحاف فضلاء البشر ١٨٣، والبحر المحيط ١٣٦/٣
(١٩ / ١٠ - طبقات الشافعية)

- ٢٩٠ -
وقال صلّى الله عليه وسلم: ((لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِرٍ حَقٌّ))(١) والكتابُ الزُّورُ عِرْقٌ
باطلٌ، فيجب إزالته.
وقال صلى الله عليه وسلم: (( إِذَا رَأَيْتَ أُمَّتِى تَهَبُ الظَّالِمِ أَنْ تَقُولَ لَهُ أَنْتَ ظَالِمٌ.
فَقَدْ تُوُدِّعَ(٢) مِنْهُمْ)) والآياتُ والأحاديثُ فى ذلك أكثرُ من هذا، فهذا من الكتاب
والسُّنّة .
وأما الإجماعُ فإجماعُ الصَّحابة مع عثمان رضى الله عنهم، عَلَى تحريق المصاحفِ الباطلة ،
لِما فيها من زيادةٍ أو نقص، على المُصحَفِ المُجمَعِ عليه؛ فإذا جاز تحريقُ الكتابِ لباطلٍ(٣)
فيه ، فالكتابةُ عليه بالإبطال أَوْلَى.
وأمّا القِياسُ فعَلَى خَصْمِ الكُتُبِ فى الابتِياءات والأوقاف وغيرِها، حتى لا يَغْتَرَّ الناسُ
بها إذا لم يُكْتَبْ عليها، فكان الواجبُ فى هذا الكتاب بَيَانَ ما فيه ، وهو عندى فى هذا
الوَقْتِ أُولَى مِن إعدامِهِ، لأنه (٤) عندَ إعدامه قد يقول قائل: كان مافيه حقًّا(٥)، وأمّا عندَ:
وجودِهِ فالفاضِلُ(٦) بتأَمَّلُه، فيفهم بُطلانَه.
(١) جاء فى النهاية ٢١٩/٣، فى شرح هذا الحديث: ((هو أن يجىء الرجل إلى أرض قد أحياهاً
رجل قبله فيغرس فيها غرسا غصباً ليتوجب به الأرض ..
والرواية ((لعرق)) بالتنوين، وهو على حذف المضاف: أى لذى عرق ظالم، في مل العرق نهه.
ظالما والحق لصاحبه، أو يكون الظالم من صفة صاحب العرق، وإن روى: ((عرقوِ)) بالإضافة، فيكون
الظالم صاحب العرق ، والحق العرق ، وهو أحد عروق الشجرة ».
(٢) أى أسلموا إلى ما استحقوه من النكير عليهم، وتركوا وما استحبوه من المعاصى حتى يكثروا
منها فيتوجبوا العقوبة.
وهو من المجاز؛ لأن المعنى بإصلاح شأن الرجل إذا يئس من صلاحه تركه واستراح من معاناة
النصب معه .
ويجوز أن یکون من قولهم : "ودعت الشىء : إذا منته فی میدع - صوان - يعنى قد ساروا بحيث
يتحفظ منهم ويتصون ، كما بتوقى شرار الناس. النهاية ١٦٦/٥
(٣) فى المطبوعة: ((الباطل)). وأثبتنا ما فى: ج، ك، ت، والفتاوى.
(٤) فى: ت: ((لأن)). وكذلك فى الفتاوى.
(٥) فى: ج، ك، ت: ((حق)). وأثبتنا ما فى المطبوعة، والفتاوى.
(٦) فى المطبوعة: ((والفاضل)). وأثبتنا الصواب من: ج، ك، ت، والفتاوى.

- ٢٩١ -
ولا ينبغى أن يُعْطَى لَمَن كان فى يده، لأمرين: أحدهما: أنه(١) يتعلَّقُ به، وقد يحصلُ
منه إزالةُ ما كُتِب عليه، وتلبيسٌ يُوصِّلُ(٣) إلى الباطل، ولكن يُحفَظُ فِى سَلَّةُ(٣) الحُكْمِ،
فيراه كلُّ قَاضٍ يَأتَى، فيعتمدُ الحَقَّ ويجتنب الباطلَ .
والثانى: أن الكُتبَ إنما يَعْلِكُها مَن له فيها حَقْىٌّ ، فإذا(٤) بِيعت الدارُ فكّتْها ينتقلُ
ملكُها بانتقال الدار إلى المُشْترِى ، لَنَشْهِدَ (٥) له مِلْكها.
وهذا الكتابُ لاحَقَّ فيه لمن هو فى يده ، لتزويره وبطلانِه ، فلم يجب تسليمه إليه،
بل ولا يجوز إلّا أن يُغُسلَ ويُمحَى مافيه، ويُدُفعَ له الرَّقُّ مضولا، فلا يُمنع (٦) ذلك،
وتوهُّمُ مَن نظر بعد ذلك فيه(٢) مُندفعٌ بيله بفعلٍ ولاة الأمور لذلك (٨)، الذين هم مُنتصِبون
لتحقيق الحَقِّ وإبطالِ الباطل.
• وقد أزال النبيُّ صلى الله عليه وسلم الأصنامَ التى كانت على الكمية بيده، ونَصَّ الفُتهاء
على جواز إتلاف ما يُوجَدُ من التَّوراة والإنجيل، وإن كان لَوَرَقها مالِيَّةٌ، وقد كانت مِلْكَ
شخصٍ مُعَّن أو أشخاصٍ أو المسلمين، فإذهابُ ما لِّها عليهم إنما هو لا نطوائها على الباطل،
فهذا مِثْلُهُ لو كانت له قيمةٌ، فكيف ولا قِيمةً له، [لأنه](٩) إنما يُنْتَفَع به لشهادته بما
فيه ، وما فيه باطلٌ فلا منفعةً له، وما لامنفعةً له لاقيمةً له .
وأيضاً: فإن الذى فى يده هذا الكتابُ قد دفع إلينا(١٠) هذا الكتابَ وهو مع غريمه
(١) فى المطبوعة: ((أن)). وصححناه من: ج، ك، ت، والفتاوى.
(٢) فى ت: ((ويوصل)) بغير فقط. وفى الفتاوى: ((ويلتبس ويوصل)).
(٣) فى المطبوعة: ((مسألة)). وصححاه من: ج، لك، ت، والفتاوى.
(٤) فى المطبوعة: ((وإذا)). والمثبت من: ج، ك، ت، والفتاوى.
(٥) فى الفتاوى: ((ليشهد)).
(٦) فى المطبوعة: ((يمنتم)) وأثبتنا ما فى: ج، ك، ت، والفتاوى.
(٢) سقط (( فيه)) من الفتاوى .
(٨) فى المطبوعة: ((بترك)). وفى: ج، ك: ((بذلك)). وأثبتنا ما فى: ت، والفتاوى.
(٩) سقط من المطبوعة، وأثبتناه من: ج، ك، ت، والفتاوى.
(١٠) فى الفتاوى: ((فإن الذى فى يده الكتاب قد دفعه إلينا)).

- ٢٩٢ -
مُتداعيان فى حُكْم الشَّرع، وقد تَبَّن فى حُكم (١) الشَّرع أنه لاحَقَّ له فيه، فوجب علينا.
بحكْمِ الشَّرع أن نُبِطِلَهَ ورِفَعَ يدَه عنه، ويصيرَ فى يد الشَّرع، لِيَتَمِزُّ عَمَلُ(٢) الحَقِّ فيه
وفى مُقَابِله(٣) .
وما بَرِحَ الناسُ مِن العلماء والقُضاة والشُّهُودِ والكُتَّاب، فى الدِّيار المِصريّة وغيرها ،
يكتبون على المكاتِيب ما نجب كتابتُهُ، من انتقالٍ أو خَصْمٍ أو غيره، فكذلك هذا.
والقولُ بأن هذا مِلْكُ الْغَيرِ، فلا يجوز إمساكُهِ، جَهْلٌ مِن قَائِلِهِ (٤) أو عَدَمُ تأمُّلٍ.
(١) فى المطبوعة: ((حق)). والتصحيح من: ج، ك، ت، والفتاوى.
(٢) فى المطبوعة: ((على)). وأثبتنا ما فى: ج ، ك ، ت، والفتاوى.
(٣) فى: ت: ((مقابلته)» . وما فى أصول الطبقات مثله فى الفتاوى.
(٤) فى ٦ ت، والفتاوى: ((وعدم علم بالشرع)). هذا وقد وقف الكلام فى أطول الطبقات
بعد قوله: (( تأمل)). وكتب بعده فى: ج: ((ياض)). وجاء تمام المألة فى: ت، والفتاوى
حکذا:
( : .. جهل من قائله وعدم على بالشرع، بل وبأحوال الناس، فما زالت الجافاء والملوك
مع القضاة وجميع ولاة الأمور، إذا رأوا توقيعاً باطلا أمسكوه ومنعوه عن صاحبه، وقال
صلى الله عليه وسلم: ((لَتَأْمُرُنَّ بِلْمَعْرُوفِ وَلَتْهُوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ وَلَتَأْخُذُنَّ عَلَى يَدِ
الَّالِمِ وَلَتَأْطِرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا))، وإمساك كتابِ الظالم من جملة الأخذ على يده.
وقال صلى الله عليه وسلم: «أَنْصُرْ أَخَاكَ ظَالَّا أَوْ مَظُلُوماً)» قيل: يا رسولَ الله، نصِرْتُهُ
مظلوماً فكيف أنصُرُه ظالما؟ قال: (( تَمْتَمُهُ مِنَ الْغُلْرِ فَذَلِكَ نَصْرُكَّ إِيَّاهُ)). وأنخْذ.
كتاب الظالم منعٌ له من ظلمه، لأن المفعَ من الظلم قد يكون فى الوقت الحاضر ، فيعود إليه،
وأخْذ كتاب الظالم منعٌ مستمرٌ ، فإنه لا يبقى يجد طريقا إلى الظلم به، فكان واجبًا .
وهذا لا يتردّد فيه فقيه، ولا يرتاب فيه ذو مسألة، ولا ينكره إلّا مَن فى قلبه مرض
وفاسِدْ عَرَض. [ فى الفتاوى: ولا يرتاب فيه ذو مسكه].
وإذا كنا نُرَسِّمُ على المُبِطِلِ ونحبُهُ ونعاقبه حتى نُخلِّسَ الحقَّ منه، ونترُدَّه عن ظُله
وباطله بكلّ ما تقدر عليه، فكيفَ بكتابةٍ على ورقٍ أو رَقَّ فيها اتّباع أمر الشّرع، والانقياد =

- ٢٩٣ -
= لحكم الله، والشهادة لله. قال الله تعالى: ﴿ وَأَفِيُوا النَّهَادَةَ لِلِهِ﴾ [سورة الطلاق ٢]
والله أعلى)) . انتهى ما وجدناه من تمام المسألة فى: ت، والفتاوى. وجاء عقب انتهاء المسألة
فى الفتاوى كلام لأبى نصر السبكى المصنّف، يُقوِّى به كلامَ والده، فمن أراده فلينظرْه فى
الفتاوى ٢ / ٠٤٤٤
ومن زيادات النسخة : ت هنا قوله :
● « تقلت من خط الشيخ الإمام ورحمه الله تعالى: قوله صلى الله عليه وسلم، لعلىّ رضی
الله عنه: ((لَأَنْ يَهْدِىَ اللهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ)) لمّا وجَهه
إلى خَيْر: يؤخذ منه أن المقصودَ بالقتال إنما هو الهداية، وما سواها من الشهادة وقتل
الكافر ليس بمقصود، ولكنه إذا لم تحصُل الهدايةُ، يدوم القتال، فيؤدِّى بضرورة الحال
إلى أحد أمرين: إمّا قتلُ المسلم الذى بذل نفسَه لهذا المقصود، وهو أعظمهما، وهو الشهادة،
وفضلهُ لبذلِهِ نفسَه فى رِضا الله تعالى، ومقصودُه، وإن لم يصل إليه فيشكر الله له ذلك.
وإمّا قتلُ الكافر ، وليس بمقصودٍ أصلا، لأنّ فيه إعدامَ نفسٍ يُرْجَى إسلامُها
وإسلامُ ذرِّيتها، فاتقطع هذا الرجاء بمونها على الكُفر ، وليس ذلك بمقصود ،
ولا وسيلة إلى المقصود بخلاف الشهادة . وإنما هو ضرورةٌ أدّى إليه الحال ، والكافر هو
الذى قتل نفسه بإضراره على الكفر، ومقابلته عليه، فليس فيه من المصلحة إلّا ما يحصُل
لمن بقى من الكفّار من الرُّعب فى قلوبهم، لعلهم يرجعون إلى الإسلام وإعلاء كلمة الله تعالى.
والله أعلم.
ومن هذا يظهر أن وجوبَ الجهاد وجوبُ الوسائل لا وجوبُ المقاصد، وأن التومثُّلَ
إلى الهداية بغير الجهاد لو أمكن أفضلْ، حتى لو فُرض جماعةٌ من الكفار يمكن إبانةُ الحقّ
لهم بالدليل والبحث حتى يرجعوا عن كفرثم ويُسلموا، كان أفضلَ من جهادهم .
ومن هنا يُعلم أن مِدادَ العلماء أفضلُ من دم الشهداء، وحَسْبُك بهذا فائدةً، والله أعلم.
[ انظر تفصيل هذه المسألة فى فتاوى السبكى ٢ /٣٤٠].
=

- ٢٩٤ -
ذكر شىء من مقالاته فى أصُولِ الدِّيانات
ذهب إلى أن الكلامَ النَّفْسيَّ يُسْمَعُ، وهو أحد قَوَلَىِ الأشعرىّ.
• وأن التَّلُقَ قديمٌ، وهو أيضاً رأى الأشعرىّ.
• نقلت من خطّه رحمه الله: قوله صلى الله عليه وسلم: ((لَا هِجْرَةً بَعْدَ الْفَتْحِ)): رواه
=
البخارىّ عن ابن المَدِينِىّ، عن يحيى بن سعيد وهو القَطّان - عن سفيان- وهو الثَّورِىّ،
عن منصور - وهو ابن المعتمر - عن مجاهد، عن طاوس ، عن ابن عباس. وهؤلاء سبعة
أثّة ، قلّ أن يتّفقَ اجتماعُ مثلهم فى سَنَّدٍ .
وقد تكلّم الناسُ فى معنى هذا الحديث ، وقيل: إنّ المرادَ : لا هجرةَ من مَّة .
وعندى: يَحْتَمِلُ أن يكون المراد : لا هجرةَ من مكان مُعَيِّنٍ فَتَحه ، فتدخل مكةُ فى هذا
العموم ، ويُستغنى عن التخصيص والتقييد، نعم الهجرةُ من مكةَ قبل الفتح كانت مطلوبةً
بأمرين: أحدهما: كما يُطلب من غيرها مِن محالّ الكُفر، والثانى لخُصوصها، تأسِّياً بالنبىّ
صلى الله عليه وسلم والمهاجرين الأوَّلين.
وهذا الثانی انقطع بفتحها ، ولا يوجد فى غيرها ، والأوّل انقطع فيها بنتحها، ويوجد
فى غيرها فيمكن أن يقال: (( لا هجرةَ)) نفىٌ للهجرتين، وقوله: (بعدَ الفتحِ)) يُراد بالألف
واللام معنيان: أحدهما: العهد بالنسبة إلى المعنى الأول فقط، وهذا سهلٌ عند من يجوِّز
استعمال اللفظ الواحد فى معنفيه .
وأمّا هجرةُ ما نهى اللهُ عنه، فليست مُرادً من الحديث؛ لأنّ المرادَ الهجرةُ من أرضٍ!
إلى أرض .
.وأمّا هجرةُ أرضٍ يُعمل بالمعصية فيها ولا يمكن التغييرُ ولا الإنكارُ، فالظاهرُ أنه
لم يُرَدْ من الحديث أيضًا، والقولُ بوجوبه أو عدمٍ وجوبه فيه تفصيلٌ طويلٌ، لا يُسَمُه هذا
المكان. والله أعلم)». انتهى. والحديث بالطريق الذى ذكره المصنف، فى صحيح البخارى
( الحديث الثانى. من كتاب الجهاد والسير) ٤ / ١٧، ١٨.

- ٢٩٥ -
وتردَّد فى فَنَاء الرُّوحِ(١) عندَ قيامِ القيامة، قال: والأظهرُ أنها لا تَفْتَى أبداً.
• ورأى انحصارَ اللذَّاتِ فى العُلوم والَعَارِفِ، وهو رأى الإمام فخر الدين الرازِىّ،
قال : وما عداها دَفْعُ آلام .
· وذهب إلى امتناع المعاصِى صغيرِها وكبيرِها ، عَمْدِها وسَهْوِها، على الأنبياء عليهم
السلام قبلَ النبوّة وبعدَها، كما نَصَّ عليه فى تفسيره ، فى سورة الزُّمَر .
• وقال: البَشَرُ أفضلُ مِنِ المَلَّك، ولكن لا يجب على المُكَلَّمَ اعتقادُ ذلك، ولو
لَفِىَ اللهَ ساذجاً من هذه المسألة لم يُبَالِ.
• وقال: إن الرِّضا غيرُ الإرادة، ذكره فى التفسير، فى سورة الزُّمَر(٢) ، وحَكَى فيه
أقوالا : أحدُها: أنه نَفْسُها، والثانى: غيرُها، وهو صِفَةُ فْلٍ ، والثالث: غيرُها ، وهو
صِفَةُ ذاتٍ ، وعَزا هذين القولين إلى ابن كُلَّاب(٣)، ولم يُرجِّح منهما شيئاً.
ومن كلامه فى التّصوُّف والمواعظ والحِكم
وهذا(٤) بحرٌ واسعٌ يَسَعُ مُجِلَّدَاتٍ، وقد تضمّن الكثيرَ منه تصانيفُ له لِطاف،
ونحن نشير إلى يسيرٍ ممّا لم يُخُصَّه بالتصنيف:
سمعت الشيخَ الإِمامَ يقول: الصُّوِىُّ مَن لَزِمِ الصِّدْقَ مع الحقِّ والحاُقَ مع الخَلْقِ.
نقلت من خَطّ الشيخ الإِمام: فكّرتُ وجدتُ(٥) منشأَ الفسادِ (٦) كَلَّهُ من الكِيْ،
(١) فى: ت: ((الأرواح)».
(٢) قوله: (( سورة الزمر)). كتب فى: ت، ثم ضرب عليه، وكتب مكانه فى الهامش:
(( مواضع)).
(٣) بضم الكاف وتشديد اللام، وهو: عبد الله بن سعيد التميمى البصرى المتكلم، وهو رأس
الطائفة الكلابية من أهل السنة، وكانت بينه وبين المعتزلة مناظرات فى زمن المأمون . ولقب بابن كلاب؛
إعدة مجادلته فى مجلس المناظرة . المشتبه ٥٥٥، وتاج العروس (ك ل ب) ١٧٣/٤
(٤) فى المطبوعة: ((وهو)). وأثبتنا ما فى: ج، ك، ت، وتقدم له كلام عن الصوفى، فى صفحة ٢١٩
(٥) فى: ت: (فوجدت)).
(٦) فى المطبوعة: ((الخلاف)). وأثبتنا الصواب من: ج، كـ، ت.

- ٢٩٦ -
وهو أوَّلُ المعاصِىِ، لَمَا اسْتَكْبِرَ إبليسُ ، وذلك أن القَلْبَ إذا كَبِرَ استَعَلَى واحتقر غيرَه ،
فيمنعه ذلك مِن قَبُول الموعظة، ومِن الانقياد، وإذا صَغُر وحَقُر انقاد واستسلم وانطاع لِمَنْ
هو أكبرُ منه، فيؤتِرُ فيه كلامُه ووَعْظُه، ویعرفُ به الحقَّ ، فیحصل له كلُّ خَير .
ووجدت الصَّلاحَ كُلَّه فى كلمتين من الحديث النبوىّ: قوله صلى الله عليه وسلم :
((وَعَلَيْكَ بِخُوَيْصَّةٍ(١) نَفْسِكَ وَلْيَسَمْكَ بَيْتُكَ)) أماقولُه: « وَعَلَيْكَ بِخُوَيْصَّةٍ نَفْسِكَ »
فإن فى (٢) الاشتغالِ بنفسه تهذيبَهَا وتنقيَها من الدَّنَس، ونَكَتُبَهَا الصِّاتِ الحميدة التى
تُجَاوِرُ بِها رَبَّ العَالَمين، والاشتغالُ بالناسِ لا خيرَ فيه .
وأما قوله: ((وَلْيَسَنْكَ بَيْتُكَ)) فالسَّلامَةُ فِى الْعُزْلَة، ومتى خَرج الإنسانُ من ◌ِهِ،
تعرَّض للشَّقاء، وانظر إلى قوله تعالى: ﴿ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَاَ مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْغَى﴾(٣) وقد
نظمتُ هذا المعنى فى قولى :
كِبْرُ القَلْبِ مَانِعٌ مِن قَبُولٍ
لَرَشادٍ فَكُنْ صَغِيراً حَقِيرًا(٤)
تَلْقَ عِندَ الخُرُوجِفَرًّا كَثِرَا
والْزَمِ الْبَيْتَ لا تُغَارِقْه شِيراً
انتهى .
قلت: رأيتُ(٥) بخَطِّ الشيخ الإمام رضى الله عنه فى حائطِ خَلُونِهِ تِجاهَ وَجْهُه، ماذَصُّه:
«كُنْ حِلْسَ (٦) بَيْتِك)). ((انْصُرْ أَخَكَ)). ((كُلُّ الْمُسْلِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ)).
(١) تصغير خاصة. وتقرأ بسكون الياء وتشديد العاد. وهى مما جاز فيه التقاء الساكنين.
راجع الكلام عليها ، وعلى نظائرها فى الفائق ٣٧٥/١
(٢) فى: ت: ((بالاشتغال)).
(٣) سورةطه ١١٧، وجاء فى أصول الطبقات، و: ت: ((ولا يخرجنكما)) بالواو، وصوابه
بالفاء ، كما هو نص الآية الكريمة:
(٤) فى المطبوعة : ((قبول الرشاد
(٥) فى: ت: « ورأيت)».
.. )). وصححاه من : ج.، ك ، ت .
(٦) فى أصول الطبقات: ((جليس)). وفى: ت: ((حليس)). والصواب ما أثبتنا. وهو من
كلام أبى بكر الصديق، رضى الله عنه، وتمامه: «كن حلس بيتك حتى تأتيك يد خاطئة ، أو منية
قاضية)). والحاس، بكسر الحاء وسكون اللام: كاء يكون على ظهر البعير تحت البرذعة، ويشبه به
الذى لا يبرح منزله، فيقال: هو جلس بيته. الفائق ٣٠٤/١، ٣٠٥:

- ٢٩٧ -
(دَعْ مَا يَرِيُبُكَ)). ((عَلَيْكَ بِغُوَيْصَّةِ نَفْسِكَ وَلْيَسَنْكَ بَيْتُكَ)) انتهى ، كأنه كتبه
تذكرةً لنفسه، كلّما أراد (١) أن يخرُجَ من البيت، رحمه الله ما كان أكثرَ مُجاهَدتَه
للنّفْس.
نقلت من خَطّه قدّس اللهُ روحَه: كُلُّ عَملِ العبدِ الصالحِ ينبغى [له](٣) أن يُخْفِيَه
عن كلِّ أحدٍ حتّى يُلاقِيَ به اللهَ تعالى يومَ القيامة، فهو أعلَمُ به ويُجازِيه به، وإذا تكلّم
مع أحدٍ بِقَدْر الضَّرورة فى علمٍ أو نحوه، فَيَنْوِى به، إمّا إفادتَه أو الاستفادةَ(٣) ، فهذان
الأمران ينبغى للعاقلِ أنْ يلزَمهما، ولا يَغْفُلَ عنهما، والتَّجربةُ تفيدُها، وتُقِيد(٤) أن
الناسَ عَدَمٌ بالَكُلّية، لا ينفعون شيئاً، وإذا تَحقَّق العبدُ ذلك انتفى عنه الرِّياء، وخرج من
قَلِه محَّتُه، ولَزِم الأمرين المذكورين، والله أعلم(٥) .
(١) هكذا فى المطبوعة. والذى فى: ج، ك، ت: ((أرادت أنمخرج
٠
(٢) ساقط من المطبوعة ، وأثبتناه من : ج، ك ، ت .
(٣) فى: ت: ((إفادة أو استفادة)).
(٤) فى المطبوعة: ((ويعتقد)). والتصحيح من: ج ، ك، ت.
(٥) بعد هذا فى : ت :
● «قلتُ من خعلِّه وصيّةَ: ينبغى للعبد أنّ كلَّ حالةٍ أقامه الله فيها يتَّخذها عبادةً، فإنّ
العمر قصير، ويذهب منه فى الصِّغْر وأحوالٍ فى الكِيَرَ ؛ من النّوم وخاصَّةِ البدن التى لأ بدَّ
منها، شىء كثير، وممّا يعرِض من أمراضٍ وأعذارٍ ، وضروراتٍ واشتغالٍ بالناس ،
كتدبير المعاش والعاد، شىء كثير. فما يصفُوله من وقته إلّ الزْرُ اليسير.
فإمّا أن ينتهزَ فرصته فى طاعةٍ يصل بها إلى الرحمن وسَكنِ الجِنان، وإمّا أن يضيعَ
عليه وذلك غايةُ الخسران، وإما أن يصرفها، والعياذُ بالله، فى الإثم والعدوان، فيكونَ
من أحزاب الشيطان ، يَصلَى معه النِّيران .
وما من وقتٍ يمرُّ عليه إلّا وهو فيه بين هذه الخصال الثلاث .
وما من حالةٍ من الأحوال يقيمه اللهُ فيها إلّا ويقدر أن يجعلها عوناً على ذلك، ولا تُواتيه
المقاديرُ على ما يُريد فى كلّ وقت، فمتى قعد ينتظر وقتًا كما يريد، فاتَهُ خيرٌ كثير .=

- ٢٩٨ -
= ﴿ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُمَا كَانَ لُّهُمُ الْخِيَرَةُ (١)).
وغالبا يأتى للإنسان الشَّرُّ مِمّا يختاره لنفسه، فينبغى أن لا يختارَ ، بل يُفْوِّض أمرَه
إلى الله تعالى ليختار له .
وأيّ وظيفةٍ أقامه فيها، يجتهد أن يصرفَها فى طاعة الله تعالى؛ ليكونَ دائما عاملًا
بطاعة الله، متثلًا أوامرَه، مراقباً له.
مِثاله: إذا قُدِّر له أن يكونَ فى وظيفةٍ من الوظائف الخطيرة، كالقضاء مثلاً، ولم يُؤمَّ
للغْسِهِ فى الأوّل، وقد تورّط فيه، فلا يختار الخروجَ منه؛ لثلا يخرجَ فيقعَ فما هو شرٌّ منه؟
فإنه لا يدرى عواقبَ الأمور ، ولا ما يكون ، بل يستمرّ فيه حريصاً على أمور: أحدها:
اهتمامه فی خاص نفسِه ، بما يلزمه من أمر الله تعالى ، فلا يشتغل عنه بما هو فيه .
الثانى: أن ينوىَ ببقائه فيه صيانته عن أن يتولّاء مَن هو شَرٌّ منه، فيكون بقاؤه
فيه فى كلِّ زمان دفْعاً لمن لا يصلح ، فيكون دائما فى عبادةٍ بهذا ..
وإذا اتَّفقت قضيّةٌ ينصر فيها مظلوماً، أو يُقيم حقًّا، أو يدفع باظلاً، كان زيادةً على
ذلك ، ويحمى المسلمين ممّا يقدر عليه من خلاف ذلك، ويحمى الشريعةَ أن يدخلها ماليس
منها، ويرى نفسَه بمثابة عبدٍ وضعه سيّدُه فى دارٍ له، فيها عيالٌ لسّده، وتلك الدار لا تليق
به، إمّا لعجزه عنها، وإمّا لعجز ذلك، فلا يسأله الخروجَ منها؛ لأنّ الأمرَ أمرُ.، ولكن
يجتهد فى مصالح عياله ، وابتغاء مرضاته فيهم وفى غيرهم، وقد يكون سيّدُه قصد امتحانَه .
بذلك ، فلا يزال فى عبادة ما دام ناوياً عاملا بما وصيّته به ، فعن قريبٍ يموت ، إمّا على ذلك،
وإمّا على غيره .
والمقصودُ الوصول إلى الله تعالى على أيّ حالٍ كان. سِيرُوا إلى الله عُرْجاً ومَكاسِيرَ ،
فإن انتظارَ الصحَّةِ بطالةٌ ..
نقلت من خطّه، رضى الله عنه: هذه كلماتٌ لنفسى ولنيرى ممّا أرجو النّفعَ بها
إن شاء الله تعالى:
=
(١) سورة القصص ٦٨

- - ٢٩٩ -
= مَجامعُ السعادة فى سبعة أشياء : الدِّين والعلم والعقل والأدب، وحسن السمعة،
والتَّودُد إلى الناس ، ورَفع الكُلفة عنهم .
أمّا الدِّين: فهو أصل سعادة الدنيا والآخرة، والهدايةُ من الله تعالى وتوفيقه، والعبدُ
مأمورٌ باكتساب ذلك من أسبابه. (( وإنّ لربّكم فى أيّام دهركم نَفَحَاتٍ، ألا فتعرَّ ضُوا
لها )» . وبالدِّين يصلُح القلبُ، بالإيمان والمعارف الإلهية، والأحوال السنيّة، ويصلح اللسانُ
بالإِسلام والصَّدق، وقولِ الحقِّ، والأمرٍ بالمعروف والنَّسِى عن المنكر، والعقود الصَّحيحة،
وحفظه عمّا سوى ذلك، وعن الغِيبة والنَّميمة، وتَصُلُح بقيَّةُ الجوارح بالقيام بالطاعات ،
واجتنابِ المحرَّمات من الصغائر والكبائر ، المُوبقات وغير الموبقات ، وكلُّ أحدٍ مطلوبٌ
بذلك ، وإنما يحصل بهداية الله تعالى .
وأمّا العلم: فمن الناسِ من لا ذهنَ له ، فلا يكلَّفُ بذلك، ويكفيه العلمُ بما يُصلحه من أمر
الدِّين ، وتعاطيه أسباب الزّيادة على ذلك كضَرْبٍ فى حديدٍ بارد .
ومِن الناس من له ذهنٌ ، فحقّ عليه أن يستعمله فى علم ينتفع به فى الدنيا والآخرة ،
بقَدْرِ ما يحتمله ذهنُهُ، فِن مُقِلٌّ ومِن مُكثِرٍ ، على حسب احتمال ذهنِهِ .
ومَن كان له ذهنٌ وضَّّع وقتّه بلا اشتغال بعلم، فقد خَسِرِ خُسراناً مُبينا، ويَندم حيث
.لا ينفعه النَّدم .
إذا أنت لم تزرعْ وأبصرت حاصِدًا ندمتَ على التفريط فى زمن البَذْرِ (١)
فن له ذهنٌ وهو شابٌ يفتْم ذهنَه وشبابَه وصحَّتَه وفراغَه، فى عِلٍ بحيا به فى الدُّنيا
والآخرة ، فعن قريبٍ يَكِلُّ ذهنُه ويشيخ ويمرض، ويشتغل بَعَوارِضَ تصدُّه، ويقول:
بالیتنى'.
وفى الأمرين: الدِّين والعِلم يحتاج إلى شيخ يُسلِكه ويُرَبِّيْه، والحاجةُ إلى شيخ
فى الدِّين فى كثيرٍ من الناس، وقد يُستغنى عنه فى بعضهم ممّ يتولىّ الله هدايته. وأمّا
العِلمِ فالذى دلَّت التجربةُ عليه أن الشيخَ ضرورىٌّ فيه، لا بُدّ منه، وانتفاع الطالب به =
(١) البيت لخالد بن معدان. كما فى عيون الأخبار ٣٦٩/٢، والعقد الفريد ١٨٣/٣

٠ ٣٠٠ -
= بحسب استعداده وقبوله، فمن لا استعدادً له لا ينتفع به، ومن له استعداد وأقبل بقلبه عليه
انتفع به ، بقدر استعداده وقبولِهِ ، فإنّ قلبَ الطالب كالمرآة، وكلام الشيخ كالصورة ، فبقدر
ضِقال المرأة ومقابلتها للصورة ينطبع ويظهر مثالُها فيها .
وإذا وُجد الاستعدادُ والقبولُ من الطالب، بقى الانطباعُ على قدْر إلقاء الشيخ، وهو
متقاربٌ أيضا تقارُباً ظاهرا فى أمرين : أحدهما بحسب زيادة علمه ونقصه، فكم بين تعليم
الشافعىّ وتعليم الواحد منّا. والثانى بحسَب نُصح الشيخ ومحبَّته للطالب، وحُنُوِّه عليه
حتى يأخذَه بكلتا يديه، وكلَّما أحب الشيخُ الطالبَ أقبل عليه بمجامع قلبه ، وألقى إليه
أفلاذ علمه، وربّاه بصغاره قبل كِباره .
والشيخُ كالأب ، يُرِبِّى الطالبَ كما يُرِّى الأبُ ابنَه، فإن الَّفَقَ أن يكونَ الشيخُ أباً ،
فيجتمع فيه أُبَّوَةُ الرُّوحِ وأبُوَّة الجسم ، فتكمل المحبَّةُ والنَّصيحةُ والاجتهاد .
• والنجباء من أولاد العلماء قليلٌ فى الصحابة : عبد الله بن عمر، وعبد اللهبنعباس،
وعبد الله بن عمروبن العاص، وعبد الله بن الزُّبير، والحسن والحسين ابنا علىّ بن أبى طالب،
والنّعمان بن بشير، وغيرُهم .
وفى التابعين: سعيد بن المسيّب، وعُروة بن الزُّبير، وعبيد الله بن عبد الله بن مُتبة،
وخارِجة بن زيد بن ثابت ، وغيرُم .
ويليهم : عبد الرحمن بن القاسم ، وابن طاوُس.، وغيرُهُما.
: وبعد الأئمة: ابن الشافعىّ، وعبد الله بن أحمد، والصُّعْلُوكِىّ من أصحابنا، وإمام الحرمين،
والرُّويانىّ ، وغيرُهم.
وإنما لم تكثرُ النَّجباء من أبناء العُلماء؛ لأنّ العلماء مشتغلون بعلمهم وتكميل أنفسهم،
فلا يتفرَّغون لتكميل أولادهم ، فمَن كان من أولادهم فيه فِطنةٌ وذكلا، ورُزِق توفيقاً
حتى يُقبلَ بقلبه على والده، حصل له خيرٌ كثير، كهؤلاء الذين عَددناهم، وكان ذلك أسهل
عليه وأبسرَ ، فكم بين مَن يأتى إلى باب شيخٍ يتوسَّده حتى يخرجَ فيسأل منه مسألةً، ـ

-
- ٣٠١ -
= وبين مَن هو عنده صباحاً ومساءً، وفى حجره ومعه حال يقظته ونومِه، ويودّ له الخير
أكثرَ من نفسه، ولكنه يحتاج إلى محرّكٍ ، كماقيل :
سَلِمَا فِى يديك بالراحتينِ
أعْنِتِ الشیخ بالسؤال نجدهُ.
رُحتَعنهُ وأنت صِفْرُ اليدينِ
وإذا لم تَصِحْ صِياحَالنَّكَالَى
وأمّا العقلُ: فيه تُنال سعادةُ الدنيا والآخرة.
والعقل نوعان: مطبوعٌ ومُكَتَّسب، فَمَن سُلِب المطبوعَ، والعِياذُ بالله، لا كلام معه،
ومن رُزِقِ المطبوعَ وبَصيرةً يميّ بها، فحقّ عليه أن يكتسبَ كلَّ يومٍ، بل كُلِّ لحظةٍ ،
عقلًا جديدًا مِن مِثْلِهِ ومن أكبرَ منه ومِن أصغرَ، ففى كل رأسٍ حكمةٌ، وعند كلِّ أحدٍ
رأى وفائدة، ويتولَّد مِن الرأيين رأىٌ أعلا منهما، كما تتولَّد النقيجةُ من مُقدِّمتين.
ويتفاوت الناسُ فى العقول تفاوتاً لا نهايةَ له ، والعاقل دائماً فى زيادة، وبالعقل تُنال
الدنيا والآخرة، فإن العاقلَ لا يسعى إلّا فى مَرَمَّةٍ لَمَعاشٍ، أو صلاحٍ لَمَعاد، ولا خيرَ
فيما سِوى هذين، فحِفِظُ دُنياه لَمَرَمَّةِ مَعَاشِهِ، وحِفِظُ دِينه لصلاح مَعادِهِ .
وإذا سَمِع كلمةًّ يميزٍ بعقله فى مَعناها، وعاقيةِ العمل بها، فإن مَّ بعقله تمييزاً صحيحاً أنها
صواب، قَبِلها ، وإن مَّ بعقله تمييزاً صحيحاً أنها خطأ، ردَّها، وإن تردّد نأَمَّلَ وتَأنَّ
على نفسه، ولا يستعجل بردَّ أو قبولٍ حتى يتبيَّنَ له، وإن أبهمَ عليه الجالُ، وتحقَّق نُصْحَ
المُلِى إليه تلك الكلمة، وعِلَمَهُ ودِينَه، قَبِلها مع التَّردُّد ، ولأنَ حالَه يقتضى تقليدَه فيها ،
لدِينه وعلمه ونصيحته ومحبّته، وإن شكَّ فى ذلكَ توقََّ .
وأمّا الأدبُ: فيه ينال العلم والدين والسعادة. والأدب مع الله تعالى، ومع رُسله وملائكته
والعلماء والأولياء والنوك وولاة الأمور، والأكابر والأقران، والصغير، والكبير، والحُرّ
والعبد، فى القول والفعل ، والجلوس والقيام، والإنصات والاستماع، وجُن المخاطبة،
واستصغار نفسِه ، واستعظام غيره .
وأمّا حُسنُ السُّمعة: فإنّ بها حِفِظَ دنياه وآخرتِهِ، ومتى ساءت حمتُه فدتْ عليه دُنياه،
وقد يكون ذلك سبباً فى فساد آخرته .
=