النص المفهرس

صفحات 341-360

- ٣٤١ -
لأَنَّهِم لا يُعْقِبُ سُكْرَم بِسُلَافِها نَدَم، ومَناهِلُ بُشُرَب سَلسالُ لفِظِها الحُلو بالشُّهد إذا
عَرَب حاسِدُها ماءَ جُفُونِهِ بِدَم .
مُهْدِياً سلاماً يُنشرُ طِيبُه، ويُحاكِيهِ مِن مِسْك دارِينَ رَطِيبُه.
ويَخْفِقُ فى الحاِقَين من طائره الميمون الجَنَاحِ، ويَحَمَّدُ الدَّهَرَ السَارِى فى ليل نَفْسِهِ(١)
إذا أطلَع عليه فجرُ معانيه الصَّباحِ، ويُضىء فى مِشكاة الصَّدرِ منه مِصباح والقَّلبُ
ذاك الصباح.
ويخضِبُ شَبابُ نَفَسِهِ لِمَمَ الدُّروج البِيض فلايكون له منها نُصول، ويصبُو الصَّابِى(٢)
إلى معملٍ رسائِله ويقلقَّه مِن ذلك الجَنَاب(٣) فَيُولُ القَبول.
إلى هذا البيت الأنصارىّ الذى لازِحافَ فيه، ولا سِنادَ فى قَوافِه، ولا إقواء
إلّا فى أبياتٍ (٤) أعادِيه، ولا إيطاء إلّا على رِقاب حُتّاده، ولا إكفاإلَ ى الْوَجه
لأضدادِه .
فثبَّت اللهُ أوتادَ هذا البيتِ وأقطابَه، ووصَل بأسباب السَّماء أسبابَه، وأعلاه مِن جهاته
السَّتّ على السَّبع الطِّاق، وأبقاه لتختاسَ أقوالُنا المُستَرَفَّةُ(٥) مِن معانيه وبَيَانِه، ما يُعْلِهِ(٦)
فى البَدِيع مِن طِباق .
وُنْهِى، والألْيقُ به أن يَنْهَى، عن المُجاراة فى هذا الموقف نفسَه الأمّارة، ويتأخّرَ
عن المُحال الذى قال سَهلُه المُمتنِعُ المُيُون الكلامِ المتدَّةُ لُنَاظِرِيه(٧): ما أهونَ الحَربَ
(١) فى المطبوعة: ((نفسه، وفى المطلع: ((النفس)) بالفاء، وأتبتناه بالقاف من: ج، ك. وهو
بفتح النون: العيب والسخرية . واسنا على اطمئنان لملاءمة هذا المعنى اسياق الكلام!
(٢) الصابى هو : أبو إسحاق إبراهيم بن هلال. ورسائله معروفة.
(٣) فى المطبوعة: ((الجنان)). والتصحيح من: ج، ك، والمطلع.
(٤) فى المطلع: ((بيت)).
(٥) فى المطبوعة: ((المشرفة))، وأثبتنا الصواب من: ج، ك، والمطلع.
(٦) فى المطبوعة: ((ما فعله)). وأثبتنا الصواب من : ج، ث، والمطلع.
(٢) فى المطلع: (لمناظرته)).

- ٣٤٢ -
عندَ النَّظّارة، ويتكلَّمَ بالميزانِ بِينِ يَدَىْ سَيَرَ فِّ نُقُودِ الأدب، فلا يُقابِلُ بِقِيِرَاطِهِ قِطَارَءَ،
ويُعْلِمَ فِكَرتَه التى هِى لَمَنْلِ المُعَارَضِةِ وَرَّادة(١)، أنّها فى الأخطارِ خَطَّرة، وُرُودَ(٢)
تَشَرِيفِ مُشْرّفه، فإذا هو خِلْمة، وبَشِيرٌ(٣) صبَيحُ الوجهِ مُبَارَك الطَّمة، وحِصنٌ حَكَّمت
ملوكُ الكلامِ مِنه فى قَلْعة، ورسولٌ أرى المملوكَ(٤) بِسَمِعِه(٥) ديارَ أحبابه، كما رأى
الرَّضِىُّ سَذْعَهَ(٦). فشاهدتُ ◌ُهْدَةَ رِقِّى، ووَثِقْت بأنها وثيقةُ فَكَاكِ (٧) عُنُقِى مِن الخُطُوبِ
وعِتْقِى، وأرجمتُ(٨) بَنَاتِ (٩) الفِكْر فى وصفه بعدَ الطَّلاق، وزَنَّت إلىَّ بقدومِهِ عروس
الثّهانى، فكان ذلك الكتابُ نسخةَ الصَّداق.
وتسلّ المملوكُ تلك الرَّسَالَ، فإذا هى مُدَوَّنَهُ مَالِكٍ، والُشُرَّبة التى فَعَدَلَهُ(١٠) عُنواتها.
فى جميع المسالك.
فقرأْ عُنوانَهَا قبلَ أنْ يَقُكَّ صِوانَها، فوقَفَ مِن ذلك المُنوان على صِنوانٍ وغيرِ صِنوان،
وسَمَّاه قيدَ الأوابدِ وصَيْدِ الشَّوارِدِ، وإذا هو كأنّما عُنون (١١) لأبرزيد، أو نُصِب شبكة
(١) فى المطبوعة: (( وراد))، وفى المطلع: ((واردة))، وأثبتنا ما فى: ج)، ف
(٢) هذا مفعول الفعل السابق: ((وينهى)). وجاء فى المضلع: ((ورد)).
(٣) فى المطبوعة: ((وبضر)، والثبت من: ج، ك، والمطلع.
(٤) فى الأصول: ((الملوك))، وأثبتنا الصواب من المطلع.
(٥) فى المطبوعة: ((إتسمعه)). وأهمل النقط فى : ج، ك. وأثبتنا ما فى المطلع
(٦) يشير إلى قول الشريف الرضى :
. ثُلُ متى عَهْدُهُ بِسُكَانٍ سَلْعِ
عارِضَا فِ رَكْبَ الحِجازِ أُسا
فلعلّى أرى الدِّيَارَ بِسَمْعِى
فاتَّنِى أن أرى الدِّيَارَ بِطَرْفِى
ديوانه ١ /٥٠٠ ٠
(٧) فى: ج، ك: ((فكان))، والمثبت من المطبوعة، والمطلع.
(٨) فى الطلع: ((وراجعت)). وهو أقرب.
(٩) فى المطبوعة: ((ياب)). وأحمل النقط فى ج، ك. وأتبعنا ما فى المطلع.
(١٠) فى المطبوعة: ( يعدلها)). والتصحيح من: ج، ك، والمطلع.
(١١) فى المطبوعة، الذى: ((عيون))، والمثبت من: ج، والمطلع. والمراد: ((أبو زيد البروجى)»
الذى أجرى الحريرى ((مقاماته)) على لسانه؛ وكان كثير التنقل والأسفار، والأشكال

- ٣٤٣ -
السَيْد، أو أُطلِقٍ فى(١) إِذْر مَن لايتقيّد، لكونه فى عالَم الإطلاق تقيّد(٢) أو كُويب به
إلى عمران(٣) بن حِطَّن، أو توجّه إلى بدَوِيٌّ لا يألف الحيطان(٤)، أو أُصدِر إلى مجنون(٥)،
أو قُصِد به مَن هو دائرٌ على قَلبِهِ كَأنه مَنْجُنُون(٦)، أو مَن أمسَى وبيتُه على كتفه كأنه
حَلَزُون، أو رُوسِلَ به الغَلَكُ الدَّوَّار أو الكوكبُ السَّيَّار، أو مسافرٌ لا يَخْلَع سَيْرَ فَمِلِهِ
مِن رجْله ولا يُلقى مِن يده ◌َصا النَّسيار، أو خُوطِب به العاشقُ الحار، أو سُيِّر إلى المثل
السائر، أو إلى الشمس التى لا تنفكُ فى شُروقٍ وأُقُول، أو إلى عَوْف بن مُحلَّ
الذى يقول :
أفى كُلِّ يومٍ غُرْبَةٌ ونُزُوحُ. أما النَّوَى مِن وَفْفَةٍ شُرِعُ(٧)
أو إلى ساكنٍ فى ذات السماد، أو إلى الطَّوَّاف الذى بلغ طوافُهُ وسَعْيُهُ أُمَّ الغُرَى
وأقصى البلاد، حتى كأنّ الملوكَ الَعْنِىُّ فى الملا بقولِ [ الشيخِ](٨) أبى العَلا(٤):
فلا تَضَعُون فى أرضٍ وٍسادا(١٠)
أبالإسكندرِ الملكِ اقتديتمْ
لأوَّلِ ماسحٍ مَسَح البِلادا
أمَلَّك ياجَلِيدَ القَلْبِ ثانٍ
أو كأنه فى هذه المقامات على رأى الحريرىّ، من الذين لا يتّخذون أو طانً، ولا يَهَا بُون
سلطاناً:
أَقْصى وطَوراً مَغرِباً للمَغْرِبِ
فيكونُ طَوْراً مَشْرِقاً للمَشرِقِ الْ
(١) فى المطبوعة: ((فى الزمان لا يتغير لكونه ... ))، وأثبتنا الصواب من: ج، ك، والمطلع.
(٢) فى المطبوعة: ((بعيدا وكوتب)). والتصحيح من: ج، ك، والمطلع.
(٣) أمل ذكر («عمران)) هنا ،لأنه كان كثير الانتقال فى القبائل. راجع الكامل، للمبرد ٠١٦٨/٣
(٤) الحيطان هنا: البساتين . لغة يمانية ، أشار إليها الصنف فى صفحة ٣٢٩.
(٥) كذا فى المطبوعة ، والمطلع . وأهمل النقط فى : ج ، ك .
(٦) فى الأصول: ((مجنون))، وأثبتنا الصواب من المطلع. والمتجنون: الدولاب التى يستقى عليها.
(٧) راجع معجم الأدباء ١٤٢/١٦.
(٨) زيادة من المطلع .
(٩) شروح سقط الزند ٧٨٣ .
(١٠) الرواية فى السقط: ((فما تضعون فى بلد».

- ٣٤٤ -
أُخْرَى بِشَخْصِ قريبٍ عَزْمُهُ نَاءِ(١)
لا يستقرُّ بأرضٍ أو يسيرَ إلى
مَاً: بالتُذَّيبِ ويوماً بالخُلَيْضَاءِ(٣)
يوماً بحُزْ وَى ويوماً بالمَقِيق ويو
وَارَةً يَنْتَحِى نَجْداً وآوِنَةٌ
شِعْبَ الشَّهُوبِ وطَوراً قَصْرَ تَيْمَاءٍ(٢)
كأنّ به ضِنْناً على كلِّ جانبٍ
مِن الأرضِّ أو شوقاً إلى كلِّ جانِبٍ (٤)
وغَرَّبْ حَتَّى ليسِ لِلْغَرْبِ مَغْرِبِ (٥)
شَرَّق حتّى ليس الشّرقِ مَشْرِق
قد أَلِفَ قلبُهَ النَّوى، وجَرى جَرْىَ النّسيم مع الهوى، فهو يسعَى بِرِجْليه
فى مَنَاكِيهَا، ويجولُ(٦) بأسْغَريْه فى مَوَاكِيها، ويِهِيم فى كلِّ واد، وُيُنْشِد قولَ حَبِذْبٍ
فی ابن أبی دُؤاد(٧) :
(٨)
وإن قَلِقَتْ رٍكَابِى فِى الْبِلادِ
مُقِيمُ الظَّنِّ عِندَك والأمانِ
ومِنْ جَدْواكَ راحِلتى وِزَادِى
وما سافَرَتُ فى الآفاقِ إلَّا
(١) الأبيات الثلاثة فى معجم البلدان ٤٦٧/٢، فى رسم (الخليصاء) ونسبها ياقوت لعبد الله بن
أحمد بن الحارث، شاعر بنى عباد. والرواية هناك: تستقر ... تسير». وجاء فى مطبوعة الطيفات:
(( إشخص))، والثبت من: ج،.ك، والمطلع، والمعجم
(٢) فى معجم البلدان: ((يوم)) بالرفع، فى المواضع الأربعة.
(٣) فى المطبوعة: ((ينتعى بحذاء)). والتصحيح من: ج، ك، ومعجم البلدان، والمطلع. وجاء
فى مطبوعة الطبقات، والمطلع: ((شعب الحجون)). وفى معجم البلدان: ((شعب العقيق)، والمثبت
من: ج، ك قل ياقوت فى ٣٠٠/٣: «شعوب يفتح أوله، وآخره باء موحدة، قصر شعوب:
قصر بالمن، معروف بالارتفاع . وقيل: شعوب: بساتين بظاهر صنعاء» ..
(٤) البيت من قصيدة لأبى تمام، يمدح بها أبا ذلف المجلى. ديوانه ٢٠٣/١. وجاء فى مطبوعة
الطبقات: ((صعبا)). وأعمل النقط فى: ج، ك، وأثبتنا الصواب من الديوان. قال شارحه: ((يقول:
من حبه النقر والذهاب فى البلاد، كأنه ضغن على المكان الذى هوبه حتى يتركه، أو كأنه مشتاق إلى الجانب
الذى لم يمض بعد إليه حتى يبلغه؟
(٥) البيت لأبى الطيب المثنى، من قصيدة مدح بها كافورا. ديوانه ١ /٠١٨٧
(٦) كذا فى المطبوعة، والمطلع. وفى: ج،ك: ((محور)) من غير فقط. والأصغران: القلب واللسان.
(٧) ديوان أبى تمام ١ / ٣٢٤، والبيت الأول فى الطبقات هو الثانى فى الديوان:
(٨) فى أصول الطبقات: ((ركابك))، وأثبتنا ما فى الديوان، والمطلع. ويؤكده ضمائر التكلم
فى البيت الثانى .

- ٣٤٥ -
أو قولَ أبى الطَّيّب(١):
وضَيْفُكَ حيث كنتُ مِن البِلادِ
مُحَبِّكُ حيث ما أنَّجهَتْ رِكِاِبِى
وحيث ما كنتُ مِن مكانٍ فِىِ إلى وجهِك التِفاتُ(٣)
ويترثَّم حين (٣) تركَ قَرَارَه، بقول عُمارة (٤):
ودَوَّرْتُ أقطارَ البِلادِ كَأنَِّى إلى الرِّبحِ أُعْزَى أو إلى الخِضْرِ أَنْسَبُ(٥)
ويُنشِدِ حينَ سَارِ سَيْرَ الْبَدْرِ (٦)، وتنقَّل تفقُلَ ليلةِ القَدر:
تَنْقُلْ فِلذَّاتُ الهَوَى فِى النَّقُّلِ.
وِرْدْ كُلَّ صافٍ لا تَرِدْ فَرْدَ مَنْهَلِ
ويتأيَّد بقول المؤيّد(٧):
فيا تُحدِّثُ أن العِزَّ فِى النُّقُلِ
إنّ الْمُلا حدَّثْنِى وَهْىَ صادِقَةٌ.
لم تبرَحِ الشَّمسُ يوماً دارَةَ الحَمَلِ
لو كان فى شَرَف الأْوَىبُلُوغُنّی
فركتُهُ المستديرة كالحلقة، تَفْتَح بآخرِها أوَّلَها، (٨) وكالشمس فى قراءة مَن قرأ:
﴿لَا مُسْتَقَرَّ لَمَا﴾(٩) لكنه يُقسم بِالمَثَانِى، أنه الأحَقُّ بقولِ الأَرْجانِى:
:
سَيْرِى إليكُم فى الحقيقةِ والذى تَجِدُون مَنَّى فَهْوَ سيرُ الدَّهْرِبِ (١٠)".
(١) ديوانه ٣٦٥/١، من قصيدة، يمدح بها على بن إبراهيم التنوخى.
(٢) فى المطبوعة: ((فما إلى غير وجهك))، وأتيتنا ما فى: ج، ك، والمطلع، وروايته: ((كنت
من بلاد)). وقد جاء البيت فى الأصول منشورا، ولم نعرف قائله .
(٣) فى المطبوعة: ((حيث))، والمثبت من: ج، ك، والمطلع.
(٤) ديوانه ١٧٥، النشور ضمن كتابه: ((النكت العصرية فى أخبار الوزراء المصرية)).
(٥) رواية الديوان: ((ودوخت أقطار)).
(٦) فى الأصول: ((ويفتد حتى سار سير الليل))، وأثبتنا الصواب من المطلع.
(٧) الحسين بن على الطغرائى ، والبيتان من قصيدته المعروفة بلامية العجم . راجع وفيات الأعيان
(٨) فى المطلع: (( أو)).
١ /٠٥٠٨
(٩) سورة يس ٠٢٨ وهذه القراءة لابن مسعود وابن عباس، وغيرها. راجع المحتسب ٢١٢/٢.
(١٠) فى المطبوعة: ((الدهر يسرى فى الحقيقة ... )). والتصحيح من: ج، ك، والمطلع.
والرواية فی دیوان الأرجانى ٠٧ :
تجدون عنكم فهو سعى الدمر بى
سعي إليكم بالحقيقة والذى

- ٣٤٦ -
وقد كان الملوكُ مِن قَبْلُ يتردّد وَيَذهَب، ويأخذُ فى كلِّ مَذْهَب:
سَدَدْتُمْ عَلَى قَلِى جميعَ السَالِكِ
ولها ملائم فاظِی مِن جَمالِكُمْ
ثم فضَّ عن مِسْك نفسِهِ المَخْتُوم(١) خِتَامَه، وأماطَ عن ◌َغْر سيئاته(٢) لِيَامَه، ونَصَب
تحارِيب نوناته(٣) قبلَ(٤) إمامه، وبايع منه إماماً لَيْسِ مِن خزائن المحابرِ (٥) خِلْمَةَ الإمامَه،
ورأى بعينه أدباً يتأدَّ مِنْ خَلْفِ أُذُنِهِ(٦) قُدامَةُ (٢) قُدَّامه، فأحجم باعُه القصيرُ عنه طويلا.
وطلب من المعارضةُ(٨) والمطاولة لهذا اللفظ مَقِيلاً:
وطائرَ أُجِّىَ إذ ◌َينَتُهُ فَرَحاً ومَن ◌َلْ غايةً لم بَرْجُهَا وَيِشِ
ثم أَطَرَفْتُ مَلِيًّا، وقلت خَيِّيًا:
يَسْمُو على الدُّرِّ وَهْوَ مَنْظُومُ
مَنثورُ هذا الكتابِ حِينَ أَى
أهدى أنا غَرْقُهُ بمقْدِمِه
تَأْرُجَ الِكِ وَهْوَ مَخْتَومُ
لقد فاح مِن طَىِّ تلك المَهَارِقِ نَشْرُها قبلَ نَشْرِها، وقلت حين قرأتُ مِن تلك الرّسالة
ترجمةَ معروفِها وٍبِشْرِها(٩) :.
له أَلْقّ [قبلَ] الظَّلاَمِ عَلَى حَرْفٍ (١٠).
وقفتُ وِقَدْ وافَى مُشَرَّفُ سِيِّدِى
غَرَامِىَ زِدْهُ واضْرِ بِ الألف فى الألفِ
وقَُّهُ ألفاً وألفاً فقال لي
(١) فى المطبوعة: ((المحترم)). والتصحيح من: ج، ك، والمطلع.
(٢) فى المطبوعة: ((سباته))؛ والمثبت من: ج، ك، والمطلع.
(٣) فى المطبوعة: ((نوماته)). وفى: ج، ك: ((نوباته)). وبهذا الرسم فى المطلع، ٠
المع فقط
الباء الموحدة قبل الواو، والنون بعدها، لا غير. ولعل الصواب ما أثبتنا ..
(٤) فى الطلع: ((قبله).
(٥) فى المطبوعة: ((المجامن)). والمثبت من: ج، 4، والطلع، وفيه: «خلع
(٦) فى المطبوعة: ((أدبه))، وأثبتنا ما فى: ج، ك، والمطلع.
(٧) كذا بالتكرير فى الأصول، والطلع. و((قدامة)» هو: قدامة بن جعفر، الكاتب البغدادى،
يضرب المثل بفصاحته وبلاغته. ومن تعبيرات الحريرى فى مقدمة المقامات صفحة ٦: (( ولو أوتي بلاغة:
قدامة » .
(٨) فى المطبوعة: ((المعاوضة))، والمثبت من: ج، !د.
(٩) فى المطبوعة: ((ونشرها))، والمثبت من : ج، ك، والمطلع.
: (١٠) ما بين الخاصرتين ليس فى المطبوعة، وأثبتناه من: ج، ك، والمطلع.

- ٣٤٧ -
فإذا هو كتاب عِلم، وكلامٌ إذا تُجرَّد سيفُ لسان البليغ لحرب خَصمه ألقى الفصاحته
السِّلْم، فأقسم مِن كتاب مولانا [الكريم](١) بالمختوم، لقد أظهر تهافُتَ الفلاسفة بحكمة
درجة(٢) الَرْقُوم، وشاهدتْ أصحابُ المطالِب الأدبيّة كيف القِيت(٣) لمنشئه مفاتيحُ
الكُفوز(٤)، ووصل العبدُ لكِيمياء السعادة حين اهتدى لحُمن التَّدبير من تلك الشُّذور
والرُّموز(٥)، تُوِّذ بألم (٦) ذلِكَ الكِتاب، ودخلَتْ(٧) عليه حين دخل جَنَّتَه ملائكةُ
السَّلام من كلِّ باب، ونُثِرٍ (٨) مِيْتُ الحَظّ بِفُثُورِهِ، وخرج الْلبُّ فى وصِهِ من تُوره،
وأخذ من الزمان توقيعَ الأمان بعُدوم مَنشُورِه:
كان المُلطّفُ كَانَقْمِيصِ أما تَرَى أبصارَنَا رُدَّتْ لنا بِمُلَطَّفِ (*)
أسِعْتُ ناراً بغارٍ تَنْطَفِى(١٠)
واَفَى فسَكَّن نارَ قلِى رَمزُهُ
أو جَرْىَ عادتها فقلتُ لَهَا قِفِى(١١)
وأرادت الأجفانُ عادةَ جَرْيها
كُفِّى فقد جاء الحبيبُ بما كَفَى وَصْلًا وعاشِقُه المُعَنَّى قد كُفِى.
(١) زيادة من المطبوعة، والطلع ، على ما فى: ج ، ك.
(٢) كذا فى الأصول. وواضح أن صاحب الرسالة يستخدم عنوانات كتب الإمام الغزالى. والذى
وجدناه من كتبه: كتاب الدرج المرقوم بالجداول. راجع مؤلفات الغزالى ١٠٦، الكتاب رقم ٤١.
(٣) فى المطبوعة، والطلع: ((ألقت))، والمثبت من: ج، ك.
(٤) فى المطلع : ((مفاتيح كنوزه)).
(٥) فى المطلع : «الجذور إلى رموزه».
(٦) يعنى أول سورة البقرة.
(٧) فى المطبوعة: ((ودخل))، والمثبت من : ج، ك، والمطلم.
(٨) فى المطبوعة: ((وبشر)). والتصحيح من: ج، ك ، والمطلع.
(٩) فى المطبوعة: ((كان التلطف))، والمثبت من: ج، ك، والمطلع، والمراد بالقميص هنا :
قميص يوسف عليه السلام .
(١٠) قوله: ((رمزه)) هو هكذا فى المطبوعة، والمطلع. وجاء فى: ج، ك: ((ومزه)). ولم تأت
هذه المادة فى السان، وذكر لهما صاحب القاموس معانى لا تناسب السياق الشعرى هنا.
(١١) فى المطبوعة: ((فقلت له)). والتصحيح من: ج، ك، والمطلع.
!
٠ -٠
٠

- ٣٤٨ -
وفَتَحِه المملوك، فرأى من بلاغته بمصر فَتْحَ العزيز، ولفظاً أطْرَب(١) ببسيطه(٢) أقواله
لأنه وَجيز، وتنبيهاً يتبقّظ به ذو التميز، ومُهَذَّبَ عبارةٍ فيها لكلِّ فقيهٍ فى البراعة تعجيز،
وسِحْراً يعرِف(٣) النّغَائات فى المُقَدِ بُخُلُوّ.(٤) مِن التعقيد ، وكتاباً فيه لكلِّ بابٍ من
[أبوابٍ] (٥) الأدب إِفْلِيد، ومَلِكَ فصاحةٍ طالِعُ سعدِه فى كلِّ وقت سعيد، وفَلَكَاً
كلّما لاح لى هلالُ نونِهِ عادَنِى من السُّرور عِيد .
قد استعبدَ رِقَّ الكلام المحرَّر، وأهدى عِقْداً كلّه جوهر، وقلادةً إلا أنها بالنفس
عَنْبَرَ، وحُلِلًا إذا رَفَلَ القَلَمُ فيما حاكه منها يَتَحيّ(٦)، ومقامَ أنس إذا تَخْتَّرَ (٧) بسُلافة
الخاطر تمايلَ عِطفُهُ وتَخْطَّر
جلستُ مِن طِرْسِه ولفظهِ بين سالِفٍ ومُلاف، واعتنقت منه قُدُودَ ألِفَاتٍ فإقتَّ
الخِلافَ(٨) بلا خلاف، ولَئِمتُ منه مِيماتٍ حميت نفسى النُّونات منها التُّغُور، وَرصَدْتُ
مِن نُقْطَّه نُجوماً إلّا أنها لا تَنُورِ، ورأيتُ حروفاً ترتاحِ الرُّوحُ إلى شَكْلها(٩) الحَسَنِ،
وتفرَّغت لأنظُرَ منها كلَّ عين أحلى من عين الحبيب الملأى مِن الوَسَن، واستنطق الأنواة
(١) فى المطبوعة: ((أضرب))، والتصحيح من: ج، ك، والمطلع. والكاتب هنا يتخدم
أسماء كتب الشافعية.
(٢) فى المطلع: ((بسيط)).
(٣) فى المطلع: ((يغترف
(٤) فى المطبوعة: ((خلوه فى))، والمثبت من: ج، ك، والمطلع.
(٥) زيادة من المطلع .
(٦) فى المطبوعة: ((يتبختر))، والمثبت من: ج، ك. وفى المطلع: ((تبخر)).
(٧) فى المطبوعة: ((إذ الخر)، وأثبتنا رسم ما فى: ج، ك، ولم ينقط فيهما سوى التاء الأولى
وكذا فى المطلع، بنقط التاء الثانية فقط. والتختر: التفتر والاسترخاء، من شرب دواء أو سم. وبقال:
ختره الشراب تختيرا: أفد نفسه:
(٨) الخلاف، بكسر الخاء: صنف من الصفصاف، سمى خلافا لأن السيل مجىء به سببا، فينبت
من خلاف أصله. النبات للأصمعنى ٢٠، والقاموس (خلف).
(٩) ف المطلع: «سلكها).

- ٣٤٩ -
٠٠
ليلُ خيرِه(١) بالنَّبيح، وتدرّع شاهدُ حسنِهِ بِدُرُوع(٣) الإجادة فهو لا يخشى التجريح،
وقات [ مضمِّناً](٣) فى تلويح إشارته الأدبية فى مقام التصريح:
ومُشَرَّفٍ إن زاد تشريفاً فقَدْ خَلَمَتْ عليه جمالَهَا الْأَيَّامُ(٤)
قَصْرٌ عليه تحيّةٌ وسَلَامُ
هو جامعٌ للحُنِ إلّا أنّه
رَصَدَان ضَوء الصُّبحِ والإِظلامُ
وعَلَى الِدا مِنْ طِرْسِهِ وبِقَوْسِهِ
وبدأت يبسم الله فى قراءته، فإذا عليه من التيسبر عُنُوَان، ورأيت من شُمَب معانيه،
يا مالِكَ الأدب، ما لم يره أحدُ(٥) فى شِعب بَوَّان، وقطفَّلتُ بعد المَشِيب مِن حُروفِهِ الُعرّفة(٦)
وسُتطوره المحَمَّرة، على مائدةٍ ذَاتٍ ألوان (٧).
وعجز قِيراطِى عن حُمر دنانير سُطورِه(٨) التى تجرى على حُروفها، وعَلِمٍ أن تلك
الدَّنَاغير لم تُبَّقِ عندَه الأيّامُ منها غيرَ صُروِفِها.
.
وغِيضَ ماء فكرته حين(٩) رأى نِيلَ بلاغةِ مولانا قد احمرّ من الزّيادة، وكَمر قَصَبة
(١) فى المطبوعة: ((لمثل حده)) وأثبتنا رسم ما فى: ج، ك، من غير نقط. وفى المطنم،
(« ليل جبه».
(٢) فى المطبوعة: ((بدرع))، والمثبت من: ج.، ك ، والمطلع.
(٣) لم يرد فى المطلع. وانظر التعليق التالى.
(٤) الأعجاز الثلاثة، الأشجع اللى، من قصيدة يمدح بها الرشيد. الأغانى ٢١٤/١٨.
(٥) فى المطبوعة: ((أحد)). والتصحيح من: ج، ك، والمطلع. و« أحد)) هو أبو الطيب
المنفى . وقصيدته فى شعب بوان ذائعة شهيرة . ومطلعها :
مضاني الشعب طيبا فى المغافى
ديوانه ٢٥١/٤. وشعب بوان: بأرض فارس، بين أرجان والتوبندجان، وكان أحد متنزهات
الدنيا . معجم البلدان ٧٥١/١ .
ھـ
بمنزلة الربيع من الزمان
(٦) فى المطبوعة: ((المعروفة)). والتصحيح من: ج، ك، والمطلع. وهو من : عرق العظم
عربا: أكل ما عليه من اللحم ، كتعرقه.
(٢) فى المطبوعة: ((إيوان)). والتصحيح من: ج، ك، والمطلع.
(٨) فى المطبوعة: ((سوره))، والمثبت من: ج، ك ، والمطلع.
(٩) فى الأصول: ((حتى))، وأنيتنا الصواب من المظلم.

- ٣٥٠ - .
قلمه حين رآها لقِنادِيل ذِهنِه على رأى العامّة طفاية(١)، وجَمْرةَ](٢) حُمرةً ذلك
الصُّدور(٣) وَمَّادة.
وارتاح لأشكالِها التى له بها على سُلُوك طريقٍ الوصف قُصْره(٤)، وتخلّص من ◌ُقْلَة
الحَصَر عند الاجتماع بشارِد(٥) الفِكرة، وعَلِمٍ أنّ سيفَ الفصاحة فَتَلِ المِىَّ فاخرٌّ صَفِيجُ»،
وأن شَبَح النفس(٦) الأسود يَحسُن بالباقوت الأحمر تَوَشِيحُه، وأن إنسانَ هذه البلاغة
خُلِقِ مِنِ عَلَق، وأنّ ليلَ النفس(٦) لا يحلو من شَفَق، وظَنَّ أن الغَسَق والشَّفْق قد الحلًّا(٧)
فأجواهما مِدادا، أو (٨) أن الرَّمْلَ عَشِق [شكل] (٩) سطورِها هما اختارِ عنه (١) انفرادا،
أو أنّ حمَمته الساجِعة خَضَبت كفَّها، أو أن رَوضته المُزْعِرِة أُحدَق بها الشّفْقُ وحفها،
لقد قامت مَقامَ الوجنات لوجُوه الطُّروس البِيض حُمرتُها، وتوقّدت فى فَحْمة(١١) ليل
النفس(٦) جَمرتُها، وتَشْشَعَتَ فى كُؤُوس البلاغة خّصرتُها.
فناهيك بألفاظها كُؤوساً أبصرت حمتُها فى عين القرطاس وخَدِّه، وفصول ربيع
[بلاغتها](١٣) وتلك الحُْرة(١٣) ماء وَرْدٍ مِن وَرْدِهِ، ثَبت بها أنّ الحُسْنَ(١٤) أَحْمَر،
(١) فى المطبوعة: ((كالغابة)). والمثبت من: ج، ك، والمطلع.
(٢) ساقط من المطبوعة ، وأثبتناه من : ج، ثـ، والمطلع.
(٣) فى المطبوعة: ((التطور))، والمثبت من: ج، ك، والمطلع.
(٤) فى المطبوعة، والمطلع: (نصره)).أ والتصحيح من: ج)، ك. قال صاحب القاموس:
((( والنصرة، بالضم: أى أن يقصر)).
(٥) فى المطبوعة: ((ادارد)). والتصحيح من : ج، ك، والمطلع.
(٦) كذا بالأصول فى المواضع الثلاثة. والنق ، بكسر النون : الحداد الذى يكتب به، وبالفتح:
العيب والمخرية من الناس . فهل يلائم شىء من هذه التفاسير سياق الكلام؟ وفى المطلع: ((النفس)).
(٧) فى المطبوعة: ((انحلا))، والمثبت من: ج، ك ، والمطلع.
(٨) فى المطبوعة، والمعلم: ((وأن))، والمثبت من: ج، ك.
(٩) م يرد فى المطلع.
(١٠) فى المطبوعة: ((عنها))، وأثبتنا ما فى: ج، ك، والمطلع
(١١) فى المطبوعة: ((عمر))، وأثبتنا ما فى: ج، ك، والمطلع.
(١٢) ليس فى المطلع .
. (١٣) فى المطبوعة: ((المحمرة))، والمثبت من: ج، ك، والمطلع.
(١٤) يقولون: الحمن أجر: أى شاق، أى من أحب الحمن احتمل المشقة. وذلك أن المرء باقى
منه المثقة والشدة، كما يلقى من القتال. وهم يقولون: الحمرة فى الدم والقتال. السان (حر).

- ٢٥١ -
وأنّ ربيعَ بلاغتها الخَصِيب أخضر، وأن جامعَ روضِها الذى قام فيه شَخْرُورُ البلاغة(١)
خطيباً أزْهَر .
وتكتبت جيوشُ الكَلام مِن سُطورها فى دُهْمِها(٢) وحُمرها وحَمَلَتْ(٣)، وهَزَ مت
جيوشَ المتأدِّبين وحْرتُها مِن دماء مَنْ قَتَلَت، وأصبح الأسودُ والأحمرُ طوعَ أقلامِها،
وزَار أسدُها الوَرْدُ عندَ اهتزازها (٤) مِن آجامها، وأصبحتْ ذات عين على المعارِضِين حَمْرا،
وأقرَّ لِحياد ألفاظِها [بالسّبْق](٥) مَنْ أظلَّتْه الخضراءُ وأقلَّته الغَبْرا، وقالت مفاخِرُها
الدمشقيّة للمُبارِزِ: هذا الميدانُ والشَّقْوا(٩).
وجُلِيت كاِنُها التى اعتدل قَدُّها وتفتَّح وَرَدُها، وجَّدت(٧) أجنادُها، وكثّرت
الحمرة سوادها، وعَصْفَرَتْ للرِّفاق أرادَها، واشتملَتْ بُمُلاءتها الَسجديّة، وحَلَتْ
فى الأفواه(٨) حلاوتها الوردية.
وحاصلُهُ أن هذا الكتابَ مُخَلَّقٌ (٥) تملأ الدنيا بشائرُهُ، وأن أحمَرَ رَمِزِه قد أصبح
والأحامِرةُ الثلاثة(١٠) ضَرائرُه.
( أُقد عاقَدَه مُنشِئُهُ أن يَنَظِمِ جواهرَ البلاغة عقوداً لجبدِ، فأوَفَى بالعُقُود ، ونَفَحَ عنبرَ
نَفْسه، فالضائعُ مِن المِمك عندَه مفقود، ودام وَرْدُ رِياضه على العَهد خلافاً لما هو مِن (١١)
الرَرْد مَعُود.
(١) فى المطبوعة: ((البلاغ خطيب))، والمثبت من: ج، ك. وفى المطلع: ((بلاغته)».
(٢) فى المطبوعة: ((همها)). والتصحيح من : ج، ك، والطلع.
(٣) فى المطبوعة: ((وحكمت))، والمثيت من: ج، ك، والمطلع.
(٤) فى المطبوعة: ((اهزازما))، والمثبت من: ج، ك ، والطلع.
(٥) زيادة من المطلع.
(٦) الشقراء: اسم لمدة أفراس. انظر أسماءها وأصحابها فى التاج (شقر).
(٧) فى المطبوعة: ((وتجندت))، وأثبتنا ما فى: ج، ك ، والمطلع.
(٨) فى الأصول: ((وحلت فى الأفق له حلاوتها ... ))، وأنيتنا ما فى المطلع.
(٩) من الخلوى، بفتح الماء وضم اللام: وهو الطيب، بكر الطاء. وفى المطلع: ((محلق)).
(١٠) الأحامرة الثلاثة: اللحم، والشراب، والخلوق، وقد فسرناه فى التعليق السابق.
(١١) فى المطبوعة: ((فى))، والمثبت من: ج، ك، والمطلع.

- ٣٥٢ -
فلاحَ الملوك مِن كَتِيبة براعتِهِ الخضراء بَطَلٌ بعدَ بَطَل، وهامَ القلبُ بوابلٍ سَجابه
السَّحبائِيّ هُيَامَ عُلَيَّةَ (١) بِطَل، وانطلق فى وصفه الجَنان، ورأى به رِياضاً لو رآها.
أبونُواسِ لسَلَا بها(٢) عن جنان(٣)، وثَى عِنانه عن عِنانَ (٤)، والجِم مُلشِئُهُ(٥) المتأدِّبين(٦)
حين أطلق فيه العنان، فإذا هو مُفَتَتَحْ يبديع أغلق على صاحب (المفتاح)) بابَ الكلام
وخَطٍ أصبح ابنُ البَوَّابِ له كالغُلام ، وقال المُنْصِفِ:
مَنْ عَامَ فى هذا يُعَا نُ ولاَ يُعَابُ ولا يُلام"(٧
فَاشْتَغَلَ به عن كَيْبَّ وَكَْتَ، وعَظَّمْ(٨) قَدْرَ معانيه الأصليّهُ(٩) حينَ وجَدَ كلَّ معَّى
مَنْها فى بيت، فرأى الجِنَانَ وحُوَرِها، وعقودَ الحِسانِ ونُحوزَها، ودُرِرَ الألفاظُ وبُجُورَها،
وسوَاخِرَ البيان وكيف أصبح القلبُ مسحورَها .
وأَوَى بِينَ أَبيانه [ الأدبيّة] (١٠) إلى دارٍ حديث (١١)، وأسانيدَ يحصل بها من ميراث
النبوّة التوريث.
(١) هى علية بنت المهدى، أخت هارون الرشيد. و(( طل)): كان من خدم الرشيد، اختصته
علية ، وكانت تراسله بالشعر. انظر الأغانى ١٦٢/١٠.
(٢) فى المطلع: ((لأهته)).
(٣) فى الأصول: ((حان)). ومو خطأ، أثبتنا صوابه من الأغانى ٦١/٢٠. و((وجنان))
هذه: كانت جارية آل عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفى.
(٤) هى عنان جارية التاطفى. راجع أخبار أبى نواس ، لأبى مفان ٧٩.
(٥) فى المطبوعة: ((متنبه)). ولا معنى له، وأهمل النقط فى درج، ك وفى المطلع: ( مننسبة)
ولعل ما أثبتناه صواب ، وقد سبق نظيره قريبا.
(٦) فى المطبوعة: (( الناديين حتى))، وأثبتنا ما فى: ج، ك، والمطلع، وسبق نظيره قريبا
(٧) جاء هذا البيت فى الأصول كلاما منثورا، وكتبناه شرا من المطلع.
(٨) فى الأصول: (( وعظيم))، وأثبتنا ما فى المطلع
(٩) فى الطلع: «الأصيلة).
(١٠) زيادة من المطلع
(١١) لعله أخذ هذا من قول تقى الدين اليكى فى الإمام النووى:
وفى دارِ الحَديثِ لطيفٌ مَعْتَّى
علىَ بُسُطِ لَهَا أَصْبُوْ وَأَوِى
راجع الجزء الثامن ٦ ٢٠٩

- ٣٥٣ -
وقال: سُبحانَ مَنْ تَوَّج [ بهذا](١) التاج لهذا الشأن مَفَارِقَ طُرُقِهِ، وأطلع به بعدَ
الأُفول بَدْرَهِ مِن أَنتُه.
ورَغِب إلى الوَهَّاب أن يديمَ على عَبده ما وَهَب، ويحفظ هذا الحافِظَ لتتجلّى الأسانيدُ
منه، سِيَّما إذا رَوى عن الذَّهِىّ بسلسلة الذَّهَب.
فالله دَرُّه حافِظً أنْسَى(٢) الناسىَ إِذَا رَبِّل المَثْنَ مَنْ دَرَج، ومُحدِّثًا تبخَّر فى (٣ علم
الحديث٣) حدِّثْ عنه ولا حَرَج .
فاق على مشايخ العصر القديم فى الحديث، ووصَل بأسانيده المالية إلى مَدَّى لا يُوصَل
إليه بالسير الحثيث .
وتمسَّك الطالبُ من أسانيده المتّصلة بحَبَلٍ وَثِيق، وأسكره ما سَمِع مِن حُلو الحديث،
فلا كرامةَ لِمُرّ المَقِيقِ.
(٤[ وأملى الأمالى التى ليس لها قالى (٥)، وطعن الخَصْمَ فى ٠مترَك الجدال من أحاديثه
بالمَوالِى]٤) فالحديثُ لايعرفه إلا من هذا الوجه طالِبُه، ولا تأتى له إلّا مِن هذا البيتِ
غَرائِبُه.
ورأيتُ من الفوائد الحديثيَّة ماذَهَل كثيرٌ من الحفّاظ عنها، ووَرد على الملوك منها:
لأصبحَ حَيَّاً بعدَ ماضَمّه القبر(٩)
حديثٌ لوَأَنّ الميْتَ نُوِجِی ببعضِه
(١) زيادة من المطاع. ويلاحظ أن لقب السبكى المصنف: ((تاج الدين)).
(٢) فى المطبوعة: ((أسنى)). والتصحيح من: ج، ك، والمطلع. والعبارة فيه: «أنسى الناس
يحفظ الأسانيد والمتون من درج» .
۔
(٣) مكان هذا فى المطلع: (( قنه)).
(٤) ما بين المحاصرتين ليس فى المحذلع .
(٥) استخدام لكتاب الأمالى ، لأبى على الفالى .
(٦) جاء هذا البيت فى المطبوعة، ك، كلاما منشورا. وهو فى: ج، والمطلع شعر. وفى البيت
نفس المذريين ، لكنا لم تجده فيما بين أيدينا من دواوينهم .
(٢٣ / ٩ - طبقات الشافعية)

- ٣٥٤ -
وأملت أحاديث أحلى فى النفوس من المُفَى، وأسماء إذا وصفتها على سبيل الاكتفاء
قلت(١): أحَلَى مِنِ الكُتَّى(٣) .
(٣)
فعلمتُ أنّ هذا المحدَّثَ قد أُرْضِع بِبان هذا الفَنّ وَغُذِى، وتحدّث الناسُ بانفرادِ.
فيه ، فهو الذى:
هذا إذا غابَ أو هذا إذا حَفَراً
حديثُه أو حديثٌ عنه بُيجُبنى
لكنَّ أحلاهُما ما وافَقَ النَّظَرا
كِلاهُمَا حَسَنٌ عَندِى أُسَرُّ بِهِ
غرس اللهُ سِينَ أسانيدِهِ بقاف (٥)، وحاء تحويله، بِجَمَ الأحقاف، فقد أحيا السُّنّة
المحمديَّةَ حتى أسفر صبحُها فى هذا العصر، وأورَد، إذْ هو جَوْهرىُّ هذا العلم، صِجاحَه،
ولا يُنكّرِ الصِّحَاحُ لأبى نَصر(٦).
فهو إمامُ الْعُلوم على الأبَدَ، والسابقُ للَعَلياءِ سَبْقَ الجوادِ إذا استولى على الأَمَدِ(٧).
والسيّدُ الحافظ الذى دارُه لادارَ مَّةً بين العَلياءُ والسَّنَّد (٨).
(١) فى المطبوعة: ((نقل))، والمثبت من: ج، ك، والمطلع.
.(٢) فى الأصول: ((البكفا))، وأثبتنا مافى المطلع، وهو الصواب، ليناسب قوله: ((أسماء
وليتم السجع مع ((المنى)).
(٣) فى الأصول: ((وتحدث فى انفراده فهو الذى)). وأثبتنا مافى المطلع.
(٤) البيتان العمر بن الفارض. ديوانه ١٠٦، وروايته: ((عنه يطربنى)).
(٥) يعنى سورة فی .
(٦) أبو نصر: كنية السبكى المصنف، والمعنى الثاني هنا فى التورية: هو أبو نصر الجوهرى.
صاحب ((الصحاح)) فى اللغة .. وهو ما قصده القيراطى بقوله: ((جوهرى .... الصحاح)).
(٧) تضمين من قول النابغة الذبياني - ديوانه ١٤ :
سبق الجواد إذا استولى على الأمد
إلا لذلك أو من أنت سابقه
(٨) وهذا أيضا من قول النابغة - ديوانه ٢ :
أقوت وطال عليها سالف الأبد
بالمياه السند
بإدار مية

- ٣٥٥ -
(١) [والشَّيخُ الذى اختُصَّ بُلُوَّ (٢) الإسناد والمحَل، والرُّحَلَةُ الذى(٣) يُنْشِد الطالبُ(٤)
إذا حَثَّ ركائبَه إليه ورَحَل :
وعنكَ وإلَّ فالمحدِّثُ كَاذِبُ]١)
إليكَ وإلَّ لاتُساقُ الرَّكَائِبُ
على أنه عالِمٌ مناظِرٍ، وحافِظٌ مُذاكِرِ، وأديبٌ مُحاضِرٍ، (٥[ وذو الطِّلاع يُنشِد:
* كَم تَرَكَ الأوَّلُ للآخِرِ *]°)
فهو بين العلماء إمامُ مِّهم، ومُصَلَّ قِبِلتهم، ومُجَلِّ حَلَهم، والمُنُشِد عنهَ
طلوع أهلَّتِهِم :
أُخذْنا بآفاقِ السَّاء عليكُمُو لَذَا قَمواها والنُّجُومُ الطَّوالعُ(٦)
عُدنا إلى اجتلاءِ تلك العَروس، واجتناء تلك الغُرُوس، فأكرِمْ بها عروسًا تَرَفُلُ
من الطّروس فى خُلَل، وتسير مِن(٢) خَفَرِها فى كِلَل، وأعظِمْ بها غريبةً(٨) يَطِيب
◌ِبَيتِ (٩) شِْرِها لا بَيْتٍ (١٠) شَعْرِها الخُلَّل، أنصارِيَّةُ [النِّجار](١١) لا خَوَرَ(١٣)
فى مُودِها إذا انتَى إلى بنى النَّجَّار ولا خَلَل.
(١) ما بين الحاصر تين لم يرد فى المطلع.
(٣) فى الأصول: ((التى)).
(٢) فى المطبوعة: ((بعلوم)). والتصحيح من: ج ، ك .
(٤) فى المطبوعة: ((الطلاب)). وأثبتنا الصواب من: ج، ك.
(٥) ما بين الحاصرتين لم يرد فى المطلع. ومعجز البيت لأبى تمام ديوانه ٢ / ١٦١ وصدره:
* يقولُ مَن تَقْرعُ أسماءَهُ*
وانظر: الفلك الدائر . المنشور ضمن المثل السائر ١٥٢/٤.
(٦) البيت الفرزدق. ديوانه ٠٥١٩ (٧) كذا فى المطبوعة والمطلع وفى: ج، كـ: ((فى)).
(٨) بعد هذا فى المطبوعة زيادة: ((عربية)). وأسقطناما كما فى: ج، ك، والمطلع.
(٩) فى المطبوعة: ((بطيب بيت)). وأثيتنا الصواب من: ج، ك، والمطلع.
(١٠) فى المطبوعة: ((بيت)). وفى: ج، ك: ((بنبت)) والفقط غير واضح فى المطلع. وال
الصواب ما أثبتناه. وهو من التجنيس، وقد جاء فى شعر أبى العلاء المعرى ، قال :
بيتٍ من الشِّعْرِ أو بيتٍ من الشِّعرِ
فالحُسْنُ يظهرُ فى شيئين رَوْنَتُهُ
شروح سقط الزند ٠١٢٩/١
(١١) زيادة من المطلع.
(١٢) فى الأصول: ((جور، بالجيم، وأثبتناه بالخاء المعجمة من المطلع.

- ٣٥٦ -
عمار(١) ذِكرُ بيِها الطَّيِّب فى الأمصار، وعُلِمٍ أنّ مِن الإيمان الاعترافَ بحقِّ الأنصار،
لِما أخبرناه البَبِلُ أبو الحسن عليّ بن مسعود بن بهتك (٢) العجمىُّ، قراءةً عليه وأنا أسمع،
قيل له: أخبرك الشيخُ أبو العِزّ بِنِ الصَّيْقَلِ [ فَأقرَّ به](٣) أخبرنا أبو علىّ ضياء بن أبى القاسم،
أخبرنا القاضى أبو بكر [الأنصارىّ](4) أخبرنا أبو القاسم بن عُلوان، أخبرنا أبو القاسم
الخَرَقِىّ(٥)، حدثنا أبو بكر النَّجَاء (٦)، حدَّأَنى محمد بن عبد الله، حدَّانِى عيسى بن سَيْرة،
عن أبيه، عن أبى سَبْرة، قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:« أَلَا لَّا صَلَاةَ إِلَّ
بِوُضُوءِ، وَلَا وُضُوءٍ لِمَنْ لَمْ (٧) يَذْكُرِ الْمَ اللهِ عَزْ وَجَلَّ، أَلَّا لَا يُؤْمِنُ بِاللهِ مَنْ
إلا(١٨) يُؤْمِنُ بِى، وَلَّا يُؤْمِنُ بِ مَنْ لَا يَعْرِفُ حَقَّ الأَنْصَارِ)).
اكتفى المملوكُ بهذا الحديث الذى أفرده على سبيل التوصُّل به إلى البركه والتوسل،
وتَرَكْ الكلامَ عليه لئلا بخرجَ(٩) به الرّسالةُ عن حدِّ التّربسُل، وعَلِمٍ أنَّ هذه الطَّرِقَ
لا يسلكها جَوادُه الوَجِى(١٠)، وأنه إذا طار بهذا الطار يقال له: ليس [هذا] (١١) بُعَقِّك
(١) فى المطلع مكان هذا: «نوه الملوك بذكر يتها الأنصارى فى الأمصار)).
(٢) كذا فى المطبوعة. وأعمل النقط فى : ج، كـ ، والمطاع ..
(٣) سقط من المطبوعة، وأثبتناء من: ج، ك، والمعالع.
(٤) زيادة من المطلع.
(٥) راجع الجزء الخامس: ١٥
(٦) فى المطبوعة: ((النجار))، وأثبتنا الصواب من: ج، ك، والمطلع، وراجع الجزء الرابع ١٠٣.
(٧) فى المطبوعة: ((ولا وضوء إلا لمن يذكر))، والمثبت من: ج، ك، والمطلع. وست
الترمذى ( باب القمية فى الوضوء، من كتاب الطهارة) ٤٢/١، وسنن أبي داود (باب فى القمية
على الوضوء. من كتاب الطهارة) ٥٩/١، وسنن ابن ماجه (باب ما جاء فى القسمية في الوضوء. من
كتاب الطهارة) ١٤٠/١.
(٨) فى المطبوعة: ((من لم))، وأثبتنا ما فى: ج، ك، والمطلع، ومسند أحمد بن حنبل
٤١٨/٢٠: ٤١/٣، ٣٨٢/٥، ٣٨٢/٦، وجاء فى ٠٢٠/٤ ٠ من ٠١٢
(٩) بحاشية ج، ك: (قوله: «لئلا تخرج الرسالة عن حد الترسل)) تنبكيت لطيف على القاضى
تاج الدين فى ما ضمنه من إبراد الأسانيد الكثيرة فى رسالته).
(١٠) الفرس الوجى: هو الذى يجد وجبا فى حافزه ..
(١١) ليس فى الأصول. وانظر صفحة ٨٢.

٠
- ٣٥٧ -
فادْرُجِى، فلستَ مِن رِجالِ هذه الحاِل، ولا مِن فُرسان هذه الجَحاِ، أما علمتَ
أنّ الخارِجَ عن لنته لحَّان، وأنّ الداخِلَ فى غير فَنْهُ يفضَحُه الامتحان، غير أنه تجاسَر
على هذه الصُّناعة، واستكثر على نفسِهِ ما أورده منها لقِلَّةُ المِضاعة، وأَطَق بين يَدَى مَلِكها،
وقاَ بالإِصْباحِ شَمسَ فَلَكِها، وانتقل إلى مقام حدّثنا بعدَ مقام أمَّا بعد، وقابل بالذى
أُسْنَده ما أسنده مولانا، وكيف يُقابلُ مُستَدُ سَيِّدٍ بمسنَد عَبْد(١)، وقال عند قراءة ما أورده
سيِّدِى مِن أحاديثه: زِذْنِى من حديثك ياسَعْد، وقال مضمّناً:
مِن دُونِ أُعلِ العَصْرِ حَقًّا يُسْتَهُ
عِلْمُ الحَديثِ إلى أبى أَصْرٍ غَدَا
ويَدُ الخِلافِةِ لا تُطاوِلُها بِدُ (٢)
أضْحَى أميرَ المؤمنينَ بِقُدَّةٍ
فلذلك تَجَّل الملوكُ إلى فَنَّهُ الأدبىّ مَنْجاء، وتركَ الكلامَ فى الحديث، قائلًا كما قال غيرُه:
إِضاعَتْنَا(٣) فى الحديث مُزْجاه.
ثم انتهى المملوكُ إلى (٤) ما وصفه سيِّدى من حُبِّه لعبده، وخَصَّه به مِن فَضله ووُدِّه،
ونظر إلى حُبّه اسيِّدى فإذا هو كئوسٌ :
* لها فى عِظام الشارِبين(٥) دَبِيبُ *
(١) المعنى الثاني فى التورية هو: عبد بن حميد. من حفاظ الحديث. و((منده)) معروف.
(٢) عجز البيت لعلى بن الجهم، من قصيدته التى قالها وهو فى السجن، ومدح بها المتوكل. والبيت
فى ديوانه ٤٥ :
صَبْراً فإنّ الصَّبْرَ يُعْقِبُ راحةً ويدُ الخليفةِ لاتُطاوِلُها يدُ
وجاء فى مطبوعة الطبقات: ((أمير المؤمنين يعنه)). وفى الطلع: ((بقنه)). وبهذا الرسم فى :
ج ، ك، ولم يظهر النقط فيهما. ونرى الصواب ما أثبتنا. و((القبة)» تستعمل مضافة إلى الملك والخلافة.
راجع الأغانى ٢٣٣/١٠. ترجمة على بن الجهم .
(٣) فى الطلع: ((فيه مزجاه)».
(٤) فى المطبوعة والمطلع: ((ما))، والثبت من: ج، ك.
(٥) فى المطبوعة: ((السرائر))، وأنبتنا الصواب من: ج، ك، والمطلع، والبيت بتمامه:
كُمَيْتٌ إذاسُبَّتْ وفى الكَأْسِ وَرْدَةٌ لَهَا فِى عِظامِ الشاربين دَبِيبُ
وقد اختلف فى نسبته، فذكره أبو الفرج فى الأغانى ١٧١/١٣، من قصيدة لعبدالله بن الحجاج، =

- ٣٥٨ -
وعَروسٌ :
لها بهجةٌ بينَ الملاحِ وطِيبُ ﴾(١)
وَغُرُوسٌ:
* يَلَذُّ جَنَاهَا فِى فَمِى وَيَطِبُ﴾(١)
وأصلٌ كريمُ النّتاج، وَمَلِكٌ لا يَلِيق أن يرتفعَ على رأسِه إلا هذا التاجِ، فليس الحُبّ.
إلَّا ما نشأ عليه القلبُ ونَمَا، ورُبِّىَ فى أرضٍ من الَودَّة وَمَا :
ولكنّه ما خالَطَ اللَّحْمَ والدَّمَا(٢)
وليس بتَّْوِيقِ الَّمَانِ وَصَوْفِهِ
وحقًّا ما أقول:
أُحُبِّكَ حُبَّا ما عليهِ زِيادةٌ ولا فِيهِ نَقْصَانٌ وَلا فِيهَ مِنْ مَنْ
بل أقول :
لها مَثَلًا فى سائرِ الناسِ يُعَرَفُ
أُحِبِّك أصنافاً مِن الحُبِّ لم أجد .
عَلَى الرُّوحِ إِلَّا كادت الرُّوحُ تَعَلَفُ
فلا أَمْتَرِى فِيهِ وَلا أَنْكَلَّمُ
وحُبٌّ لدَى تفسِى من الرُّوحِ أَلَطَفَبُ
فَهُنَّ أن لا يعرِضَ الدهرَ ذِكرُ كُمْ
ومنهنَّ حُبٌّ لِلْفُؤَادِ يَخُصُّهُ
وحُبٌّ بَدًا للجِسمِ والأَّونِ ظاهِراً
. وأقول :
أُحِّك ياشمسَ الزّمانِ وبَدْرَهُ وإن لامَنِى فيك السُّهَا والفَراقِدُ
لقد رُفِتْ لهذا الحُبِّ فى القَاب قِباب، ونُصِبت له خِيامٌ لها من خِبال الوَصَلٍ(٣)
= لكنه ذكر البيت مع بيت آخر، ونبهما الأقيصر، وقد قال له عبد الملك بن مروان: أنشدفي
أبياتك فى الخمر . راجع الأغانى ٢٦٩/١١.
والبيتان فى العقد الفريد ٣٥/٤، ٣٦، منوبين لعدى بن الرفاع. وفى عيون الأخبار ٢١٥/٢
منوبين لأعرابي، استوصفه عبد الملك بن مروان الخمر .
(١) أعل مذين الشطرين من قصيدة ابن الحجاج المشار إليها ، فقد ذكر أبو الفرج أنها طويلة.
(٢) فى المطبوعة: ((وضوعه))، وأحمل النقط فى ك، وأثبتنا ما فى: ج، والمطلع.
(٣) فى المطلع: ((جال الحب والود أوتاد" ... )

- ٣٥٩ -
وسَماء الوُدِّ أوتادٌ وأسْباب، وأصبح كذوات(١) مولانا التى كلَّما عَمَّرَتْ(٢) زادت شباباً
على شباب، وتميّت أعدادُه على أعداد مَنْ جَعَل لحبوبِه (٣) الواحد ثلاثةَ أحباب.
لقد انّحدا(٤) بِرُوح العَبد حتى النبس عليه أيّهما الرُّوح، وامتزجاها أدرِى بأيهما
يَغْدو الجسم وبَرُوح(٥) .
وسَرى كلُّ واحدٍ منهما فى صاحبه سَرَيَانَ الأعراض فى الجَواهر، وسارا ذاتاً واحدةً
فما أولاهما بقول الشاعر:
دَعاها بيافَيُْ أجابَتْ نِدَاءَهُ ونادَتْهُ بِالَيَلَى أجاب نِداءها
أو بقولِ ابن سَناء المُلْك(٦):
وإلّا كَحَرْفٍ فى الكَلامِ مُشَدِّرٍ (٧)
وبِتْنا كِجِسْمٍ واحدٍ مِن عِناقِا
فأحبّ اللهُ ذاتَ مولانا البديعةَ الصِّفات، وحَرَس جَنَابَها مِنِ الآفات، فلا يزال العَبدُ
يُقرِّبِها للقَلبِ بَتَذْ كاره، ويُصوّرُها نُصْبَ عيفيه بأفكاره، حتى كاد القلبُ لايشكو النَّوَى،
ويسير فى حالتى الغُرُب والبُعد على حالٍ(٨) سوَى.
وأمّا أشواقُ الملوكِ فَقَويت وتضاعفت وتزايدت وترادات، وتجنَّدَت أجنادُها
فائتلفّت وقعارَفَت، ورَوى الصَّبُّ(٩) عنها حديثَى الزَّغِيرِ والدّمع بُلُوٍّ ونُزول، وأنشد
مُقِيمُها (١٠) الذى لا يَحُول عن عهدِه ولا يَزُول:
(١) فى المطلع: ((كدولة)).
(٢) فى المطلع: ((غمرت)).
(٣) فى المطبوعة: ((المحبوب))، والمثبت من : ج، ك، والمطلع.
(٤) فى الأصول، والمطلع: ((أتحد)).
(٥) كذا فى المطبوعة والمطلع، وفى: ج، ك: ((بايهما عد الجسم الروح، من غير فقط للعرف
(٦) ديوانه ٨٢ .
الذى قبل العين .
(٢) فى المطبوعة، والمطلع: ((المشدد)). والتصحيح من: ج، ك، والديوان.
(٨) فى المطلع : ( حد)) .
(٩) فى المطبوعة: ((الصعب))، والمثبت من: ج ، ك ، والمطلع.
. (١٠) فى المطبوعة: ((والند سقمها)). وفى: ج، ك: ((واشتد سقيمها))، وأنبتنا الصواب
من المطلع .

-
- ٣٦٠
كم نظرةٍ لى حِيالَ الشام لو وَصَلتْ رَوَتْ غَلِيلَ فُؤادٍ منكِ مُلْتَاحٍ(١)
ويُفشِد (٢):
فكان ياسَيِّدِى أَحَلَى مِنِ السَّعَرِ (٣)
نادَمْتُ ذِكِرَك والَّهَاءِ مَا كِفَةٌ
لما التفّتَّ إلى شىء مِن الَطَرِ
فلو تَرَى عَبْتِى وَالشَّوِقُ يَسفَحُها
ورامَ أنْ يتَشبَّثَ بِشَوقِ مولانا ويتَعَلَق، وَيَرْقَى لفَتْح الصراع الثانى مِنِ بِيتِ الزُّحْلُوقَةِ(٤)
فَرَحْلَقِ، فَنَظَمَ بَدِينها وفى ضلوعِه ما فيها:
١لتر(ه)
شَوِقِ لَوَجْهِك شَوْقٌ لاأزال أَرَى أَجَدَّه ياشَقِيقَ الرُّوحِ أَقْدَمَهُ
ولِ فَمْ كاد ذِكرُ الشَّهِفِ يَحْرِفُهُ
ثم قلتُ مضّمِّنًا(٦).
رُوحِى تقولُ وقد جاءتْ رسائُلُكُمْ
ولم أكُنْ قَبْلَها بالشّوقِ المُثُلُها
ولِ دُمُوعُ بِسِرِّى الوَرَى نَطَقَتْ
كالمارِ لَوْنَاً وإجراقاً فَوَرْدَتُها
نوكان مَنْ قال فازاً أحرَقَتْ فَمَهُ
حلالِ إلى الوَصْلِ مِن عُقْسَى أَرَجَّيها
إلّا لِلْمِى بأنَّ الشَّوقَ يُحْيِها(٧)
فأطلعتْ قَلْبَها للناسِ مِن فيها (٨)
تَجْنِى على السَكَفِّ إن أُعْوَ إِتَ تَجْتِها (٩)
(١) البيت للبحترى، من قصيدة مدح بها الفتح بن خافان، ديوانه ٤٤٣/١. وجاء فى أصول
الطبقات: ((ردت عليك فؤاد)). والصحيح من الديوان والمطلع. وقوله: ((ملتاح»: يمنى الذى
أصابه اللواح - بضم اللام - وهو العطش.
(٢) فى المطلع: « بل ينشد المملوك».
(٣) فى المطبوعة: ((مادمت ذكرك))، وأتيتنا الصواب من : ج، ك، والمطلع.
(٤) الزحلوقة: آثار تراج الصبيان من فوق إلى أسفل. والقيراطى بدير هنا إلى قول امرئ القيس:
بهنا: العينانِ
زُلُ
زُحْلُوقَةٌ ..
لِمِنْ
وقد ضمنه السبكى من قبل . راجع صفحة ٣٢١
(٥) فى الأصول: ((لوجهك شوتا)،، وأنعاما فى المطلع.
(٦) مضمنا قصيدة الأرجانى المعروفة بالشمعية، التى يمدح بها عماد الدين طاهر بن محمد، ماضى
قضاة فارس وهى فى ديوانه ٤٢٥ - ٠٤٣٠
(٧) فى المطبوعة والمطلع: ((أقبلها)). والتصحيح من : ج ، ك.
(٨) فى المطبوعة: ((بسرى المدى))، وأثبتنا ما فى : ج، ك، والمطلع.
(٩) فى المطبوعة: (( إذ هويت)). والتصحيح من: ج، ك، والمطلع. وديوان الأرجانى ..