النص المفهرس

صفحات 321-340

- ٣٢١ -
الجُرْجائىّ، حدَّثنا أبو أحمد بن عيسى الَّخْمِىّ، حدَّثنا عمرو بن أبى سَلَمة(١)، حدَّئنا
عبدُ الرحيم بن زَيد العَمِّى، عن أبيه، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عبّاس، عن النبىّ
صَلّى الله عليه وسلم، قال: ((خَمْسُ دَعَوَاتٍ يُسْتَجَابُ لَهُنَّ: دَعْوَةُ المَظْلُومِ حَتَّى بَنْتَصِرَ،
وَدَعْوَةُ الحَاجِّ حَتَّى يُصْدِرَ ، وَدَعْوَةُ المُجَاهِدِ حَتَّى يَفْعُلَ ، وَدَعْوَةُ الْعَرِضِ حَتَّى يَبْرَأَ ،
وَدَعْوَةُ الرَّجُلِ لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ)).
وشَرْحُ أشواقٍ بِها العَيْنَانِ عَيْنان(٢) تَنْهَلْ، والقَابُ نَفَاقَمَ سَقَّمُه فاضْمَحَلَ، والِجِسمُ
ما غيّه التَّايُ بل غيّرُ، وكاد يَنْحَلُ وما يَنْحَلّ:
شَوْقُ الغَزالِ إلى مَلاءِبِ مِنْبِهِ
شَوْقی إلیك وإن ناتْ دارٌ بِنا
أو شَوْقُ ظَامِ النّفْسِ صَادَفَ مَنْهَلًا
مَنَتْهُ أطرافُ القَنَا مِنِ عُرْيِهِ
إذا غَيّر النأىُ المحبّين(٣) فقد غيّره، وإذا غَيّرِ (٤) الهوَى ساكِنَ الدَّمْعِ فما حَرَّك
إلّا ماتَقاضاه مِن عَبْنِهِ وما غيره، بل أنشد لنفسه مضمِّناً فى عَبْتِهِ الْمُعَبِّة:
وصَبَّ مِنِّ دُمُوعِى مِن مَآفِيهاَ
إِنْ غَيّرَ النَّأْىُ سَبَّا فَهْوَ غَيْرِنِى
وقَطْرَةُ الدَّمِّ مَكْرُوهٌ تَقَاضِيهَاَ
فَوَيْحَهُ بَتَقَاضَانِى بِحَارَ دِما
(١) فى المطبوعة: ((بن مسلمة)). والتصحيح من: ج، ك، وميزان الاعتدال ٢٦٢/٣)
والعبر ٢٦٥/١.
(٢) فى المطبوعة: ((بها العينان عينا منهل))، والمثبت من: ج، ك، وهو ضعيف. والمصنف
كما يظهر يضمن رسالته أشياء من الشعر، والذى نحفظه من هذا قول امرئ القيس:
* بها الدينانِ نْهَلٌ*
انظر ملحقات ديوانه ٤٧٢، وسيأتي فى رد القيراطى إشارة إلى صدر هذا البيت ، وهو:
* لِمَنْ زُحْلُوقَةٌ زُلُّ »
(٢) أخذ هذا من قول ذى الرمة فى ديوانه ٧٨ :
إذا غَيِّ النَّأَىُ المُحِبِين لم يَكَدْ
رَسِيسُ المَوَى من حُبِّ مَيّةَ يَبْرَحُ
(٤) هكذا فى الأصول.
(٢١ / ٩ - طبقات الشافعية)
a

- ٣٢٢ -:
لِلكِ الألفاظ التى عَذَّبَت، فهى - وحاشاها من التّغُر - ماء الغَيلِ، وَرَأْتْ فهى- وحُوْشِيَتْ
مِنِ السَّقَّم - النَّسِيمُ العَلِيل، وراقَتْ، فهى - وحاشاها(١) مِنِ الّلُوُّن - الرَّهْرُ الحَقِيل
وعندَ ذِكرِها يُنشِدٍ ويقول(٣).
مِنّاً ويَبْعُدُ نَيْلُهُ فِى قُرْبِهِ(؟)
بالَفْظِ يَقْرُبُ فَهْمُهُ فِى بُعْدِهِ
فَضَّالَّةٌ وَقَدِيُها فى قَلِهِ(٤)
حِكُمْ سحَائِبُها خِلالَ بَائِهِ
قالَّوضُ مُخْتَلِفُ بِحُمْرةِ نَورِهِ
وَكْنّهَا وَالسَّعُ مَّعقودٍ
وبَيْ ضِ زَهْرتِهِ وِخُضْرَةِ عُشْبِهِ (٥)
وَجْهُ الجَبِيبِ بِدَا لِمَيْنِ مُحِبِّهِ (٦)
م يَزْدادُ طَرَباً ويَهِمُّ أنْ يَطِير إلى ذلك الدَّار، ولكن أين الجناح، وأن يَسْرِىّ
فى ليل الفِراق، ولكن مَن (٧) له تِلْقَاءَ الصَّباحِ، وأن يُقابلَ(٨) الدَّهر، ولكنه أعْزَّلُ
والدَّهرُ شاكِى السِّلاح، وينشد (٩).
لم يَجْنِ قْلَ المُسلِمِ المُتَجرِّزِ
وحَدِيثُهَا السِّحْرُ الْحَلالُ لَوَ أَنَّهُ
وَدَّ المُحدِّثُ أنَّها لم تَوِجِزٍ
(إن طالَ لم يُمْلَلْ وَإِنِ هِىَّ أَوْجَزَتْ
للمُطْمَئِنِّ وَعُقْلَةُ السُتَوْفِرِ
شَرَكُ النُّفُوسِ ونُزْهَةٌ مَا مِثْلُها
فلقدٍ شَرِب بعدَ كَم كأسَ فِراقىِ ذَهب بُلِّه كلَّ مَذْهَب، وسَقاء سَوطَ عَذَابٍ،
(١) فى المطبوعة: ((وجاسباها))، والمثبت من: ج، ك.
(٢) الأبيات من قصيدة للجرى، فى ديواته ١٦٥/١، وأنشد الصنف، شيئا منها، فى
١٠ /٠٢١٢: ٠٢٨٢/٨
(٣) فى الأصول: ((بالمفظ)، وأتيتا ما في الديوان. وراجع الموضعين المذكورين من الطبقات.
. متدفق وقليها)). وزاجم حواشى الديوان.
(٤) رواية الديوان: ( حكم فائحها
(٥) رواية الديوان: «كالروض مؤتلنا)». وراجع حواعيه ..
(٦) رواية الديوان: ((شخص الحبيب))
(٢) كذا فى المطبوعة، وفى ك: «ماله بلقاء. والعبارة غير واضحة فى : ج
(٨) كذا فى الأصول. ولل ضوابه: ((يقاتل)).
(٩) الأبيات لابن الرومى : زهر الآداب ٩/١:

۔
- ٣٢٢ -
الشَّيْبُ أطيبُ منه وأعذَب، وأورث شيه الشيب، فلو قلَّد مَن قال: فانْثَنَى(١) بلاعينين،
أقال(٢) : ضَرَ بَغِى (٣) بِشَيْبَين، ولا لَعِبَآَ مِنِّى أَوَذُوِ الشَّيب بَلْب (٤) ؟
إنّه سَطِّرها والقلبُ يُعلى علىَّ أشواقاً أُضرَم البُعدُ سعيرَها، وماء العين يتفجَّر ◌ُوناً،
فلولا تلك النارُ لَمحا ذلك الماءُ سُطورَها، فلله ماء ونارٌ لو لم يَتَعالَجا لأسمعت الأشواقُ
والأقلامُ مَن بمِصِرَ (٥) صَلِيلَها وصَرِيرَها (٦):
أَجْرِيْتَ دَمْعِى وَأَضْرَمْتَ الحَتَ لَبَّاً كالمُودٍ يَقْطُرُ مَاءَ وَهُوَ يَحْتَرِقُ
يَذْ كَّرْ ماءِضَى بينَ يديكمٍ؛ مِنِ عَدْشٍ مو المَنْيَةَ، فلا غَرْ وَ أَنْ يُهْزَى(٧) إلى خَصِيب (٨)،
ووَقْتٍ ضَحِكُ إلىَّ فَغْفِرْتُ ذَنْبَ كلِّ ضاحكٍ وإِنْ شِيبَ(٩) بِضَحِكِ المَشِيب، وأيّامٍ
ناسَبَ مولاناً غُرْ بَتِى فيها؛ لغَرِيب (١٠) فَضْلِه الْمُرْسَل، وإحسانه المُلاء، وكلُّ تَغَرِيبٍ
للغَرِيبِ نَسِيبٍ(١١).
(١) فى المطبوعة: ((قاسى)). وبهذا الرسم من غير فقط، فى: ج، ك، وأنبتنا الصواب مما تقدم
فى الجزء الخامس٢٧٤، وهو من شعر الحريرى، انظر المقامة العاشرة الرحبية، صفحة ٥٨، وسيشير
الصنف إلى شعر الحريرى هذا، فى ترجمة صلاح الدين الصفدى.
(٢) فى المطبوعة: ((لقد)). والتصحيح من: ج ، ك .
(٣) فى المطبوعة: ((ضربتنى))، والمثبت من: ج، ك.
(٤) هذا من قول الكميت، فى الهاشمات ٣٦:
طَرِبتُ وما شوقاً إلى البيضِ أطربُ ولا لَمِيّاً مِنِّى وذو الشَّيب يلعبُ
(٥) فى المطبوعة: ((مصر))، وأثبتنا الصواب من: ج ، ك .
(٦) فى المطبوعة: ((وصرورها)). والتصحيح من: ج، د.
(٧) فى المطبوعة: ((بعزكى)). والتصحيح من : ج ، ك.
(٨) قوله: ((خصيب)، و«النية»: استخدام الموضع المسمى: منية أبي الخصيب، صعيد مصر،
على شاطئ النيل ، معجم البلدان ٦٧٥/٤ .
(٩: فى المطبوعة: ((وإن شئت يضحك)). والصحيح من : ج ، ك .
(١٠) فى: ج، ك: ((بغريب))، وأنبتنا ما فى المطبوعة، ويدل عليه الاستشهاد الذكور بعد.
( ١١) هذا من فول امرى ءالقيس، فى زيادات ديوانه ٣٥٧:
أُجارتَنَا إنّا غريبانِ هاهنا وكلُّ غَرِيبٍ الْغَريبِ نَسِيبُ

-٣٢٤ -
هذا وإن كان مولانا إذ ذلك يُواصِلُ هَجَرَه بالإفراط، ولا يُمَتَّعُ مَن يتطلَّب اكتِيالَ
محاسِهِ مِن ميزان عَدلِهِ إلَّ بِقيراطٍ بعدَ قِيراط، ولا يَرَى إلّا أن يُحقِّقَ نِسبتَه(١) أَمْلًا،
ثم مَرَّ بى إلى بلدٍ يُسعَى فيها القيراطُ من الأقباط.
أخبرنا محمّدُ بن إسماعيل بن إبراهيم بن الخَبَّاز، إذناً خاصًّا، أخبرنا المسلِم بن محمد
ابن عَلّان، سماءا، أخبرنا خليلُ بن عبد الله الرُّصافِيّ، أخبر ناهِبةُ الله بن محمد الشَّيَانِىّ،
أخبرنا أبو علىّ الحسن بن علىّ بن محمد التَّعِيمىّ، أخبرنا أبو بكر أحمد بن جعفر بن حمدان
الفَطِيعِىُّ، حدَّتنا عبد الله بن الإمام أحمدَ بن [ محمد بن](٢) حَقْبل، حدّثنا أبى، حدّثنا
وَهْب بن جَرِير، حدّثنا أبى، سمعت حَرْمَلّة بحدِّث عن عبد الرحمن بن شِماسة(٢)، عن
أبى بَعْرة، عن أبى ذَرَّ، قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّ: ((إِنَّكُمْ سَقَفْتَحُونَ
أَرْضَ مِصْرَ وَهِىَ أَرْضٌ يُسَمَّى فِيهَاَ القِيرَاطُ فَإِذَا فَتَحْتُمُوهَا فَأَحْسِنُوا إِلَى أَهْلِهَا فَإنّ
لَهُمْ زِيَّةً وَرَحِماً)» أو قال: (( ذِمَّةً وَصِهْراً)).
رواه مُلٍ(٤)، عَنْ زُهَير، ومُبيدِ الله بن سعيد، كلاهما، عن وَهْب بن جرير، به،
فوقَع لناَ بَدَلّاً عالِياً، ولله الحمد.
كُلَّما أردْتُ [ مِنْهُ}(٥) صَحِيحَ الوصل، جاءَ بالهَجْرِ المُعْرِض، وكُلَّما حاولتُ إيماضَ
بَرْقِهِ، أَرْعَدَ (٦) ولم يُونِض، وكُلَّمَا تَطلَّبْتُ إقبالَهُ قَالَتَ طِباعُه: يا إبرَاهِيمُ أَعْرِض (٧)
مِن حُبِّا نارٌ يَزِيدُ وَقَوْدُها
ذاتٌ لَها هذِى الصَّفَاتُ وفى الحَسَا
(١) وذلك لأن نبته «القيراطى)).
(٢) زيادة من : ج، د، على ما فى المطبوعة.
(٣) بكسر الشين المعجمة، كما نص عليه ابن حجر، فى تقريب التهذيب ١ /٤٨٤، وأفاد صاحب
القاموس أنه بالضم، ويفتح، قال فى (شمس): ((وشماعة، كثمامة، ويفتح: اسم)).
(٤) صحيحه (باب وصية النبي صلى الله عليه وسلم بأهل مصر. من كتاب فضائل الصحابة)
١٩٧٠، وروايته من هذا الطريق: «إنكم ستفتحون مصر
(٥) ساقط من : 4 ، وأثبتناه من : المطبوعة، ج .
(٦) فى المطبوعة: ((أوعد)). والتصحيح من: ج، ك.
(٧) اقتباس من الآية الكريمة ٧٦ من سورة هود.

- ٣٢٥ -
طُبِعَتْ عَلَى كَدَرٍ وأنت تُرِيدُها(١)
إن لم يُسَلِّ الْقَلبَ قولُ عَذُولِهِ
وكيف يَرِجِعُ قَلْبٌ عَلِقَ فلا يَصُدُّه الصَّدّ، وهامَ فإذا رأى رَسْمَ الدِّيَارِ بَدَّلَ لفظاً
[ بلَفْظِ ](٢) وتجاوز الحَدْ (٣)، واستوى الأمران عندَه، فلم يقل: إنّ قُرْبَ الدارِ خَيْرٌ
من البُعْد (٤)، بل أنشد :
غرامٌ عَلَى بأسِ الهَوَى ورَجَائِهِ وحُبٌّ على قُرْبِ المَزَارِ وبُدْدِهِ (٥)
وأستشهد بما أخبرنا به محمّدُ بن إسماعيل بن إبراهيم، بقراءتى عليه، أخبرنا أبو الفداء
إسماعيل بن أبى عبد الله بن حَمَّاد العَقَلانِيّ، سَماعاً، أخبرنا أبو حفص عمرُ بن محمد
ابن مَعْمر بن طَبَرْزَد، أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمّد بن عبد الواحد القَزّاز،
أخبرنا الخطيبُ أبو بكر أحمدُ بن علىّ بن ثابت، حدَّتنا أبو الحسن علىُّ بن أحمد بن نُعَيم
ابن الجارُود البَصْرِىّ، قال: سمعتُ علىَّ بن أحمد بن عبد الرحمن الفِهْرِىّ الأصبهانيّ، يقول:
سمعت أحمد بن عبد الجبار المالكىّ، يقول : سمعت يحيى بن معاذ الرازىّ يقول: حقيقةُ
الَحَبّةِ أنها لا تَزِيد بالِرِّ ولا تَنْقُص بالجَفَاءِ(٦) .
وأخبرنا أبو العباس بن المُظفَّر الحافظ ، بقراءتى عليه، أخبرنا أحمد بن هبة الله
ابن عساكر ، بقراءتى، عن إسماعيل بن عثمان القارِئُ، أخبرنا أبو الأسد هِبة الرحمن
ابن الإمام أبى سعيد عبد الواحد بن الأستاذ أبى القاسم القُشّيْرىّ، أخبرنا أبو الفضل
(١) عجز البيت من مرئية التهامى الشهيرة لابته. والبيت بتمامه:
صَّفْواً من الأقذاء والأكدارِ
◌ُبِمَتْ على كَدَرٍ وأنت تريدُها
ديوانه ٤٧
(٢) سقط من المطبوعة، وأثبتناه من: ج، ك .
(٣) فى المطبوعة: ((الحق)). والتصحيح من: ج، ك.
(٤) هذا من قول ابن الدمينة، فى ديوانه ٨٣ :
بكُلِّ نَدَاوَيْنَا فلم يُشْفَ ماِنا
على أنَّ قُرْبَ الدارِ خيرٌ من الْبُعْدِ
(٥) البيت للخياط ، على ما يذكره المصنف بعد.
(٦) ذكره صاحب الرسالة القشيرية، ٦١٦ ( باب المحبة).

- ٣٢٦ -
الطِّبَسِىّ(١)، أخبرنا أبو عبد الله بن باكُويَه، حدّثنا أبو الحسن محمد بن أحمد، حدّثنا
العباس بن يوسف، حدثنا سعيد بن عثمان، حدّثنا إبراهيم بن محمد النّاج، قال: قال الأسودُ:
ابن سالم: رَكْعَتَانٍ أُصلِّيُهما أحَبُّ إلىَّ من الجَنَّة بما فيها. فقيل له: هذا خطأ، فقال:
دَهُوِنا مِن كلامِكم، رأيت الجَنَّةَ رِضِى نفسى وركمتين رِضِى رَبّ، ورِضِى رَبِّ أحَبُّ إِلىّ
مِن رِضى نفسى .
: لكنى سمعت الشيخ الإمام الوالد رحمه الله تعالى يجيب وسُئل عن رجلين تنازعا،
هل دخولُ الجَّةِ أفضلُ مِن العبادة، أو العكس، أيُّهما المصيب؟ أنّ الصَّوابَ قولُ من قال :.
دخولُ الجَنَّةِ أَفْضَلُ، واستدلَّ عليه بُوُجوهٍ يطولُ شَرحُها هنا.
وعلى قول الخَيّاط(٢).
* غَرَامٌ على يَأْسِ الهَوَى وَرَجَائِهِ *
البيت. أقول: وُدِّى مُتَّحَدٌ فى البِلَدِينِ(٣)، ولمُساوَرةٍ (٤) الهَمَّ باقٍ لنفسى الشَّالِ (٤).
ذات النَّكّدين، ومما زادها قلقاً قطعها اليأس عن زيارتكم هذا المَرْبَع الخَضِرِ، فكان
قَطْعُ اليأسِ عندَه إحدى التّسبين، لا إحدى الراحتَيْن، وأنشد:
وفى يَدَيْكَ مِنْ الْبَلْوَى سَلامَتُهُ(٦)
لو شئتَ داويتَ قلباً أنتَ مُنْقِمُهُ
وإنما أصدرها المملوكُ تَعَلًَّا، وأرسلها مُستَدةً عن نَفْسٍ مُنقَطعٍ لهذا الأمر المْضِل
تَبَتَّلا، وكتبها استِرواجاً(٧) لضَمَّة النهائِك حُبَّ ماسلاً العاشقُ بها مجبوبَه ولكنَّ
قَلْبَهِ سَلا .
(١) فى المطبوعة: ((الطبى))؛ وأعمل النقط فى: ح، ك .. والصواب ما أثبتنا. راجع ماسبق
فى ١٧٩/٤، ٥٠،٥٤/٢، والباب ٨١/٢.
(٢) تقدم قريبا .
(٣) فى المطبوعة: ((اليدين)). والمثبت من: ج ، ك.
(٤) كذا فى المطبوعة، وفى: ج، ك: «ومشاورة »
(٥) فى المطبوعة: ((الصبية)). وأثبتنا ما أمكن قراءته من: ج.، ك والمارة قلقة.
(٦) راجع الجزء الثامن: ٢٨٨
(٢) فى المطبوعة: ((استدرابا،، وأثبتنا ما فى: ج، ك :

- ٣٢٧ -
أخبرنا أبو العباس أحمد بن علىّ بن الحسن بن داود الجَزَرِىّ ، سماعاً عليه ، أخبرنا
عبد الحميد بن عبد الهادى، حضوراً، أخبرنا إسماعيل بن علىّ الجَنْزَوِىّ(١)، أخبرنا ياقوت
ابن عبد الله، أخبرنا عبد الله بن محمد الصَّرِيفِينِىّ، أخبرنا أبو طاهِرِ المخلِّص، أخبرنا أحمد
ابن سليمان(٣) الطُّوسِىّ، أخبرنا الرُّبير بن بكّار، حدثنى إبراهيم بن المنذر، عن مَعْن
ابن عيسى، قال: جاء ابن سَرْحُون السَُّمىّ إلى مالك بن أنس وأنا عنده، فقال: يا أبا عبدِ الله،
إنى قد قلت أبياناً مِن شِعر وذكرتُك فيها، فأنا أسألُك(٣) أن تجعلنى فى سَمَّةٍ، فقال له مالِك:
أنت فى حِلّ مَمّا ذَكَرتَغَى، وتغيَّر وجهه وظَنَّ أنه هجاه، قال: إنى أُحِبُّ أن تصممَها،
فقال له مالِك: أنشِدْنى، فقال:
وحُبِّ الحِيمانِ المُعْجِباتِ الفَوارِهِ (٤)
سَلُوا مَالِكَ الُغْفِى عن اللَّهِ والصِّبَا
أُسَلّى هُموَمَ الَنَّفْسِ عَنِّى بذلكِ(٥)
يُنَبِّكُمُ أَنّى مُصِيبٌ وإنَّما
أَقَامٌّ وهل فى ضَمَةِ التّهالِكِ
فَهَل فى مُحِبّ بَكْتُمُ الحُبَّ وَالْحَوَى
قال : قال لى مَعْنْ؛ فسُرَّىَ عن مالك وضَحِك.
• قلت: فى هذا مِن مالِك دايلٌ على جواز الإراء عن الكلام فى العرض وإن كان مجهولاً؛
وأنه كان يرى التَّحليلَ من هذا أولى من عدمِه .
ونقل أبو الوليد بن رُشْد فى ((شرح الكُتْبِيّة)) أنّ مذهبَ الشافعىّ أنّ رَكَ التحليل
من الظُّلامات والتَّبِعات أولى، لأنّ صاحِبَها يستوفيها يومَ القيامة بحَناتٍ مَن هى عندَه،
وبِوَضْع سيّئاتِهِ على مَن مى عندَه، كما شَهِد به الحديث، وهو لا يدرى هل يكون أجرُ.
(١) فى المطبوعة: ((الجيروى)). والتصحيح من: ج، ك، ومما سبق فى ٢٦٦/١، ٥٢/٧.
(٢) تقدم فى ٢٦٧/١: ((سلمان)).
(٣) فى المطبوعة، والوضع المشار إليه من الجزء الأول: ((أحب))، وأثبتنا ما فى: ج، ك.
(٤) الأبيات فى تزيين الأسواق ٨/١، والرواية فيه: ((اللهو والفناء.
(٥) فى المطبوعة: ((يلبيك أتى ... عنه بذلك)). والتصحيح من: ج، ك، وما سبق فى
الجزء الأول، وتزيين الأسواق، وفيه: ((يقبلك أتى مصاب).

- ٣٢٨ -
على التَّحليل مُوازِياً مالَه من الحسنات فى الظَّلامات، أو يَزِيد أو يَنْقُص، وهو محتاج
إلى زيادة حسناتِهِ ونُصان سيئاته .
قال: ومذهبُ غَيرِهِ أنّ التَّحليلَ أفضلُ مطلقاً .
قال: ومذهبُ مالك: التفرقة بين الظَّلامات، فلا يُحَلَّل منها، والتِّعات فيُحَلَّل منها
عُقُوبةٌ لفاعل الظَّلامات. وهو تفصيلٌ عجيب.
وبسيِّدنا يعلم أنّ الملوك بارتياحِه لذكركم معذور، وأنه يتخيل تحاستكم خِلالَ
السُّطور، وأنه يَعَرُوه لذِ كراكَ هِزَّةٌ كما انتفض الْعُصْفُور(١). وكيف لا، وأوَّلُ ما حكم به
فى دمشق، وقد دخلها قاضياً وقوعُ البِعاد، وألبسه النّأىُ ثوباً من الحُزَن لا يَبَى وَيَبْلَى
الفُؤاد، وانتزَع ثيابَ صَبرِهِ، والبَيْنُ لِمِنٌّ لاَرْوَ أنْ يَزِعَ ثيابَ الفاضى
بجدال وجلاد .
كما أخبرنا الحافظ أبو العباس أحمد بن المُظفَّر بن أبى محمد النابُلُسىّ، بقراءتى عليه ،
أخبرنا الشيخان محمد بن علىّ بن أحمد الواسطىّ، وأحمد بن عبد الحميد بن عبد الهادى
الَقْدسِىّ ، سَماعاً عليهما، قالا: أخبرنا أبو المحاسن محمد بن السّيّد بن فارِسِ الصَّفَّار،
أخبرنا أبو القاسم الخَضِر بن عَبدان، أخبرنا سَهل بن بِشر الإسْفَرائِىّ، أخبرنا مُشَرّفه
ابن الُرَجَى المقدسِىّ، أخبرنا أبو عبد الله الحسن بن محبوب المنصورىّ النَّحوىّ، حدَّثها
أبو العباس أحمد بن الحسين القاضى بنَهاوَنْد، حدثنا محمد بن الحسین الرازى ، حدّثنی أبى،
عن جَدِّى، عن محمد بن مُقاتِل الماسقورى(٢)، قاضى الرَّىّ، قال: كان محمد بن الحسين
يُكثِرِ الإدلاجَ إلى بساتينه فُعَلَّى الصبحَ، ثم يعود إلى منزله إذا ارتفعت الشمسُ وعلا
(١) هذا من قول المجنون :
وإنّى لتعرُونى لذكراكِ هِزَّةٌ. كما انتفض العصفورُ بَّه القَطْرُ
ويروى « نفضة)» مكان «هزة)». ديوان المجنون ١٣٠، ويروى البيت لأبى سخر الهذلى
شرح أعمار الهذلبين ٩٥٧ .
(٢) لم نعرف هذه الذبة .

- ٣٢٩ -
النهار. قال محمد بن مُقاتِل، فسألته عن ذلك، قال: بلغنى فى حديثٍ عن النبيّ صلى الله
عليه وسلم أنه قال: ((حُبَِّ إلىَّ الصَّلاةُ فِ الحِيطانِ)) وذلك أنّ أهلَ اليمن يُسُون
البُستانَ الحائط .
قال محمد بن الحسين: خرجتُ إلى حائطِ [لى](١) لأصلَِّ فيه الفَجر، رَغبةً فى الثَّواب
والأجرٍ، فمارَضِى لِصِّ(٢) جرى + القَلب خفيفُ الوَتْبِ، فى يده خِنْجَرٌ كَلِان الكلب،
ماء المنايا يجولُ على فِرِنْدِهِ، والآجالُ تَلُوحُ(٣) فى حَدِّ، فضرب بيده إلى صدرى، ومَكَّن
الخِنْجِرِ (٤) مِن نَحْرِى، وقال لى بِفَصاحةِ لسان وجَراءة جَنان: أْزَع ◌ِيابكَ واحفَظ
إحابَك ، ولا تُكثِرِ كلامَك تُلاقِ حِمامَك، ودَعْ عنك الدِّلُوُّم(٥) وكثرةَ الخِطاب ◌ٌ
فلابُدَّ [لك](٦) من نَزَع الغِّياب.
فقلت له: ياسُبحانَ اللهِ، أنا شيخٌ من شيوخ البلد، وقاضٍ من قضاة المسلمين، يُسمَع
كلامى ولا تُرَدُّ أحكامى، ومع ذلك فإنى مِن نَقَلَةَ حديث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم منذ
أربعين سنة، أما تستَحِْىٍ مِن الله أن يَرَاك حيث نَهَاك؟
فقال لى: ياسُبحانَ الله، أنت أيضا أما ترانى شابًّا مِلءَ بَدَنِى، أرُوقُ الناظِرِ وأملا
المخاطِرِ، وآوِى الكُروفَ والغِيران، وأَشْرَبُ [ماء](٧) القِيمان والغُدْران، وأسُلك مَخُوفَ
المسالِك، وأُلْقِى بيدى فى المَمالِك، ومع ذلك فإنّى وَجِلٌّ من السُّلطان، مُشَرَّدٌ عن الأهل
والأوطان، وحشى (٨) أن أعثُرَ بواحدٍ مثلك وأتركَه يمشى إلى منزلٍ رَحْب وعَبِشِ رَطْب،
وأبقَى أنا هنا أكابدُ الثَّعَب وأُناصِب النَّعب، وأنشأ الاصرُّ يقول :
(١) زيادة من : ج ، ك، على ما فى المطبوعة.
(٢) أورد ابن الجوزى فى كتابه أخبار الأذكياء ١٩٤، قصة شبيهة بهذه ، وانظر حواشيه .
(٣) فى المطبوعة: ((تحول))، والمثبت من: ج ، ك.
(٤) فى المطبوعة: ((الخبر)). والتصحيح من: ج، ك.
(٥) فى المطبوعة: ((اللوم))، وأثبتنا ما فى: ج، ك. والتلوم: التمكث.
(٦) زيادة من : ج ، ك ، على ما فى المطبوعة .
(٧) ساقط من المطبوعة ، وأثبتناه من : ج، ك.
(٨) كذا فى المطبوعة، وفى: ج، ك: («وحتى)». ولم نعرف صوابه.

- ٣٢٠ :٤
كلانا عالِمٌ بالتَّرَّهات (١)
تُرِى عَيْنِكَ ما لم تَرَيَاهُ
قال القاضى: أراك شابًا فاضلا ولِصًّا عاقِلا، ذا وجهٍ صَبيح، ولسانٍ فَصيح، ومنظر
وشارة، وبراعةٍ وعِبارة
قال اللُّنُّ: هو كما تذكر وفوق ما تَنَشر.
قال القاضى: فهل لك إلى خَصْلَةُ تُعْقِبُكَ أَجْراً وتُكْسِك شُكْرا، ولا تَمْتِك مِنِى
سِترا، ومع ذلك فإنى مُسلِّمُ التّيامِبَ إليك، ومُتَوفِّرْ بعدَها عليك
قالِ الَّلصّ: وما هذه الخَصْلةِ؟.
قال القاضى: نَعْضِى إلى البستان معى فأنَوَارَى بالجُدْرانِ وأسلم إليكَ التَّيَّابِ،
وتمضى على المَارِّ والَحاب؟
قال الاصنّ: سُبحانَ الله، تشهد لى بالعقل وتخاطِبنى بالجهل! ويحك مَن يُؤْمِنَنى منك
أن يكون لك فى البستان غلامان جَلْدَانِ عِلْجانِذَوا سَواعدَ شَدِيدة، وقُلوبٍ غيرِ رِعْدِيدة،
يَشُدَّانِى وَثَاقًا، ويُسلِمانى إلى السُّلطان فيُحَكِّم فيَّ آراءَه، وَيَقِفِى علىَّ بما شاءِهِ.
قال له القاضى: لَمَغْرِى إنه مَن لم يفكّر فى العواقب، فليس له الذَّهُرُ يصاحب،
وخَلِيقُ بالوَجل (٢) مَن كان السُّلطان له مُراسِدا، وحَقِيقٌ بإعمال الحِيل مَن كان للسيئات(٣)
قاصِداً، وسَبِيلُ العاقل أن لا يَغَتَرَّ بِعَدُوِّه، بل يكون منه على حَذَرٍ، ولكن لاحَذَرَ من
قَدَر، ولكنْ أَحلِفِ لك أُلِيَّةَ مُسْلِمٍ وَجُهْدَ مُقْسِمٍ: أنى لا أُوقِعُ بِك مَكراً، ولا أُضْمِر
لك غَدْرا :
(١) البيت لسراقة البارقى. ديوانه ٧٨، وروايته: (أرى عينى)). وفيه وفى مطبوعة الطبقات:
((ما لم ترأياه))، وأثبتنا ما فى: ج، ك، وهو اختيار المأزنى. وهى مسألة صرفية تلخيصها ما ذكره
الزجاجى، فى أماليه ٨٨، قال: ((أما قوله: (( ما لم ترأياه)،، فإنه رده إلى أصله، والعرب لم تستعمل
أرى ويرى وترى ونرى، إلا بإسقاط الهمزة تخفيفا، فأما فى الماضى فالهمزة مثبتة. وكان المازبى يقول:
الاختيار عندى أن أروبه: ((لم ترياه)) ؛ لأن الزحاف أيسر من رد هذا إلى أصله »
وراجع الخصائص ١٥٣/٣، والان (رأى) ..
(٢) فى المطبوعة: ((بالرجل))، والمثبت من: ج، ك. وسبق نظيره قريبا.
(٣) فى المطبوعة: ((من كان لهذا الشأن)) والمثبت من: ج، ك.

- ٣٣١ -
قال له الَّصْ: أَمَعْرِى، لقد حسَّفْتَ عِبارتَكُ وَّقَهَا، وحَسَّنْتَ(١) إشارتَكُ وطَّقَتَها،
ونَرْت خَيرَك على فَخَ ضَيْرِكُ، وقد قِيل فى المثل السائر على ألسنة العرب: أنْجَزَ حُرٌ
ما وَعَد ، أدرِكُ الأسدَ قبلَ أن يَلْقِىَ على الفَرِيسة لَحْياء، ولا يُعْجِبْك من عَدُوِّ حُسنُ
مُحیّاء، وأنشد :
لاتُخْدِّشْ وَجْهَ الحَبِيبِ فإنَّا قَدِ كَشْفْناه قبلَ كَشْفِكَ عَنْهُ
واطِّلَمْنَا عَلَِهِ والمُتَوَلَى قَطَعَ أُذنِ العَبَّارِ أَغْيَّرُ مِنْهُ
ألم يزُم القاضى أنه كتب الحديثَ زمانا، ولقى فيه كُهُولا وشُبّانا، حتى فاز بَكْرِه
وعُونِهِ ، وحاز منه معنى(٢) مُتُونِهِ وُونه ؟
قال القاضى : أجَلْ.
قال اللصّ: فأىُّ شىءٍ كتبتَ فى هذا الَثَل الذى ضربتُ لك فيه المثل وأعمَلْت الحِيَل؟
قال القاضى: ما يحضُرُ فِى فى هذا الَّقَامِ الحَرِحِ حديثٌ أُسنِدُه ولا خَبَرْ أُورِدُ،، مند
قطَعَتْ هَيبَتُك كلامى، وصَدَّعت قَبَضَتُك عِظامى، فلِسانِى كَلِيل، وجَنَانِ عَزِيز،
وخاطرِى نافِرٍ ، ولُِى طائر .
قال اللصَ: فْلِيكُنْ لُبُّك، ولْيطمئنّ فِلُك، اسَمَعْ ما أقول وتَكَوَّنْ(٣) بنيابك حتى
لا تذهب ثيابك إلّا بالفوائد.
قال القاضي : هاتٍ.
قال اللصُّ: حَدَّثنى أبى عن جَدِّى، عن ثابت البُنائِيّ، عن أنس بن مالك، قال:
قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (َعِينُ الُكْرَهِ لا تُلْزِمُه فَإِنْ حَلَفَ وَحَنَت مَلائىء
عَلَيه)) وأنتَ إن حلفتَ حلفتَ مُكرَها، وإنْ حَقَّلْتَ فلا شىءَ عليك،
ازع ثيابك .
(١) فى المطبوعة: ((وخففت))، وأنبتنا ما فى: ج، ك.
(٢) كذا فى المطبوعة. والذى فى: ج، ك أقرب أن يكون «فقر)).
(٣) سيأتى مثل هذا التعبير قريبا.

- ٣٣٢ -
قال القاضى: ياهذا، قد أعْيَتْنى مَضاءَةُ جَانِك وذَرابةُ لِسانك، وأخذَك علىَّ الحُجِجَ
من كلِّ وَجه، وأنيتَ بألفاظِ كأنّها لَسعُ المقارِب، أقِمْ هاهنا حتى أمضِىَ إلى البستان
وأتوارى بالجُدْران، وأنزِعَ ثيابى هذه وأدفعها إلى سبيٍّ غيرٍ بالغ، تنتفع بها أنت،
ولا أنْهَتِكِ أنا، ولا تَجْرِى على الصبِىِّ حُكُومَةٌ لِصِغّر سِنَّهُ وضَعْفُ مُنَّتِهِ .
قالى الاصُّ: يا إنسان قد أَطَلْت المناظرة، وأكثرتَ المحاورة، ونحن على طريقٍ ذِى غَرَّر،
وَمَكانٍ صَعْب وَعِرٍ، وهذه المراوَغة لاتُنْتَجِ لك نَفَما، وأنت لا تستطيع لِما أرُومُه منك
دَوْما، ومع هذا فتزعم (١) أنك مِن أهل العلم والرِّواية والفهم والدِّرابة، ثم تبتدع،
وقد رُوِى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الشَّرِيِعَةُ شَرِبِعَتى والسُّهُ سُنَّتِى فَعَنَ
ابْتَدَعَ فى شَرِبِعَتِى وسُنَّتِى فَعَلَيْهِ لَمْنَةُ اللهِ)) .
قال القاضى: يارجُلُ وما هذا(٣) مِن البِدَع؟
قال اللصَ: الَّصوصِيَّة بِنَسيئةٍ(٣) بدعة، ازَع ثيابَك، فقد أوسمت مِن ساعة
مِحالِك(٤)، ولم أشْدُدْ عِقالَك حَياء من حُسن عبارتك وفقه بلاغتِك وَقَلَّبك فى المناظره،
وصَبْرك تحت المُخاطَرة.
فزع القاضِى ثيابه ، ودفعها إليه، وأبقى السَّراوبل .
فقال اللصُّ: ازَعِ السَِّاويلَ كَى ثَمَّ الخِلمة.
قال القاضى: ياهذا دَعْ عنك هذا الاغتِنام، وامضٍ بسَلام، فيما أخذتَ كِفاية،
وخّلِّ السَّراويل، فإنه لى سِتْر ووقاية، لاسِيَّما وهذه صلاةُ الفَجر قد أزِف حضورُها،
وأخاف تفوتُنَى فأصلِّيها فى غير وقتها، وقد قصدتُ أن أفوزَ بها فى مكانٍ يُخْبِط وِزْرِى
ويُضاعِف أجرى، ومتى منمتنى من ذلك كنت كما قال الشاعر:
(١) كذا فى المطبوعة، وفى: ج، ك: ( أَفْتزعم)).
(٢) فى المطبوعة: ((ومقا))، وأثبتنا ما فى : ج، ك.
(٣) فى المطبوعة: ((بنية)). والتصحيح من: ج، ك. والمسيئة: التأخير.
(٤) فى المطبوعة: ((مجالك))، وأثبتنا مافى: ج، ك. والمحال، بكسر اليم: المكر والخديعة.
وسيأتى نظيره قريبا .
:

- ٣٣٣ -
فيا مَضَى مِن سالفِ الأحوالِ
إنّ الغرابَ وكان يمشى مِنْيةٌ
فأصابَهٌُ ضَرْبٌ مِنِ المُقَّالِ(١)
حَسَّدَ القَّطاةَ هرامَ بِشِى مَشْيَهَا
فِذاك كَنَّه أبا المِرْقَالِ
فأضَلَّ مِشْيَتَه وأخطأْ مَنْهَا
قال اللصُّ : القاضى أيّده الله تعالى يرجع إلى خِلمةٍ غيرِ هذه أحسنَ منها منظراً وأجودَ.
خَطَرَاً، وأنا لا أملك سواها، ومتى لم تكن السَّراويل فى جُملتها ذَهب حُسنُها، وقَلَّ
"َنُهما، لاسِيَّمَا(٢) والَّّة مليحةٌ وَسِيمة، ولها مِقدارٌ وقِيمة، فدَعْ ضَرْبَ الأمثال،
وأَقْدِعْ(٣) عنْ تَرَدادِ المَقَال، فلستُ عَمَنْ بُرَّدُّ بالمِحالِ(٤)، مادامت الحاجةُ ماسَّةً
إلى السِّروال ، ثم أنشد :
واسمَعْ إذا ما شئتَ فَصْلَ مَقالٍ
دَعْ عنكَ ضَرْبَكَ سَائِرَ الأمثالِ
أُفْتِى متى ماِجِئْتَّى بِسُؤالٍ
لا تَطْلُبَنْ مِنِّى الْخَلَاصَ فَإِنَّنى
٠
كاملٍ وفعالٍ
وعلى
قولٍ
ولأنتَ إن أبصر تَنى أبصرتَ ذا
المعاشَ بصارِمٍ ونِصالٍ
یبغی
جَارَتْ عليهِ يدُ الّيَالِىِ فانَثْنَى
الرِّجالَ بَذِلَةِ الَّسْآلِ
فالموتُ فى ضَنْكِ المواقفِ دُونَ أن
والعِلْمُ ليس بنافعٍ أربابَهُ
أولا فَقَوِّنْهُ على البَقَّالِ(٥)
ثم قال : ألم يقل القاضى إنه يتفقَه فى الدِّين ويتصرَّف فى فتاوى المسلمين ؟
قال القاضى : أجَلْ.
قالى اللعنُّ: فمن صاحِبُك من أئمة الفُقهاء ؟
قال القاضى : صاحبى محمدُ بن إدريس الشافعىُّ.
(١) فى المطبوعة: ((العقال)). والتصحيح من: ج، ك. والعقال، بضم العين وتشديد القاف:
داء فى رجل الدابة ، إذا مشى ظلع ساعة ثم انبسط .
(٢) لم ترد الواو فى المطبوعة، وأثبتناها من: ج، ك.
(٣) فى المطبوعة: ((واقع))، والمثبت من: ج، ك.
(٤) بكسر اليم ، وشرحناه قريبا .
. (٥) فى المطبوعة: ((أولا فقد سه))، وأثبتنا ما فى: ج، ك.

- ٣٣٤ -
قال اللصُّ: اسَمَعْ عنِذا، وتَكَوَّنْ (١) البراويل حتى لا تذهب عنك الّراويل
إلّا بالفوائد .
قال القاضِى: أَجَلٍ، يالها من نادِرةٍ ما أُغَرَبها، وحكايةٍ ما أعجبها.
* قال: (٣[أىّ شىء قال صاحبُك فى صلاة الفجر وغيرِها وأنت عُريان؟ قال القاضى:
لا أدرى
قال انامنْ]٢): حدَّأنى أبى عن جَدِّى، عن محمد بن إدريس، يَرفَعه، قال: قال رسول الله
سلى اللّه عليه وسلم: ( سَلَاةُ الْعِرْ يانِ جَائِزَةٌ وَلاَ إعادَةَ عَلَيْه)» تأوَّل فى ذلك غَرْ قَى البَحرِ
إذا سَلِمُوا إلى الساحل(٣).
ونزع القاضى السَّراويل، وقال: خُذْه وأنت أشْبَهُ بالقَضاءِ مِنَّى، وأنا أشْبَهُ:
بالْلِصوصيّة منك، يامَنْ دَرَّس على أخذ ثيابى مُوطًا مالك وكتاب المُزَّفِىّ، ومَدَّ يدَه ليدفعه
إليه، فرأى الخاتَم فى إصبعه اليُمنى، فقال: ازَع الخانَم.
فقال القاضى: إنّ هذا اليومَ ما رأيتُ أنحسَ منه صباحاً ولا أثر نجاحاً، وبحك
ما أفْرَهَكَ وأرْغَبَك وَأَشَدَّ طَلَبَك وكُلَبَك! دَع هذا الخاتم فإنه عارِيةٌ معى، وأنا خَرجتُ
ونسيتُهُ فى إصبَعِى، فلا تُلْزِ مْنِى غَرامِتَه.
قال اللصُّ: العارِيةُ غيرُ مضمونة ما لم يقع فيها شَرْطٌ عِنْدِىٌّ، ومع ذلك أفلم يزهُم
القاضى أنه شافئٌ؟
قال : نعم
قال الاصَ: فلِمَ تُختَّمت فى اليمين ؟
قال القاضى: هو (٤) مذهبنا.
قال اللصُّ: صَدَقْتَ إلّا أنه صار من شِعار المُضَادِّين.
(١) تقدم مثل هذا التغير قريباً.
(٢) ما بين المحاصر تين سقط من المطبوعة، وأنبقاء من : ج،
(٢) راجع هذه المسألة فى الأم ٢٩/١ (باب صلاة العراة).
(٤) فى المطبوعة: ((هذا)))، والمثبت من: ح، ك.

- ٢٣٥ -
قال القاضي: فأنا أعتقدُ وَلاءَ أمير المؤمنين على بن أبى طالب، كرَّم الله وجهه،
وتفضيلَه على كلِّ المسلمين، من غير طَْنٍ على السَّلَف الراشِدين، وهذا فى الأصول اعتقادِى،
وعلى مذهب الشافعى فى الفُروع اعتمادِى.
فأخذ الّصُّ فِى رَدّ مذهب الرَّفْضِ، وجَرت بينَهما فى ذلك مناظرةٌ طويلةٌ رَويناها
بهذا الإسناد ، انقطع فيها القاضى، وقال بعدَ أن نزع الخاتم ليسلَّمَه إليه: خذ يافقيهُ
با متكلِّمُ يا أُصولِىُّ يا شاعِرُ بالمنُ.
وخَشيةُ الملوكِ من سارقِ المعانى علَى بَنَاتٍ فِكره، مثلُ خشيتِهِ مِنِ سَارِقِ البَيْنِ
على ◌ِياب صَبْره، وكلا الخَشيتين فوقَ خشية هذا القاضى على ثياب بَدَنِه مِن هذا السارِق
ومَكرِهِ، أمّا بناتُ الأفكار فقد رأيتُ من يجعلُها حُدودا، ويُنزِل الباطلَ على أوكارها،
ولا يخاف قولَ الحقِّ عَلَى زَهَقِهِ سُمُودا، ويَقَطَعُ القَلْب فكيف باليدِ والرّجل ثم لا يقما
قولا سديدا.
وأمّا تِبابُ الصَّبر فقدمَزَّتها فِراقُكم الذى جَرَى منه على المُلُوك مالا يجرى عَلَى السَّماء
من أرض مصر إذا انعقد غُبارُها ، وارتفع إليها مِن أصوات أبغَضِ (١) المُجْم ناطِقاً، وهو
الذّئابُ جُوارُها، وصَعَد إليها ممّا يَجْرِى بين لابَتَيْها على ألسنة الملائكة أخبارُها، ولا على
الأرض مِن السَّماء فى الشام من الأمطار التى ظّت بها الحُجُراتُ واقعة، وتَلَت الألسُنُ
عندَ قَرْعِها: ﴿الفارِعَةُ ما الفارِعَةُ﴾(٢) وأصابَتْ إلّا أنّها على كلِّ حالٍ رَحْمةُ أهلِها جميعاً
وإن ظَنُّوا أن حُصُونَهم مانِهْ(٣).
وكأنّى بحمولانا يقول: إنى مَرَّ نْتُ بمِصْر، فأعارِضُه بما قُلُهُ فى الشام (٤)، وأبيَّنُ لولانا
الإمام أنه ليس الكلامِى بذلك إلمام، وكيف أعرِّضُ بالبحر الصَّريح، والفُلْكُ تَجْرِى
(١) فى المطبوعة: ((بعض)). والتصحيح من : ج، ك :
(٢) أول سورة الفارعة .
(٣) راجع الآية الثانية من سورة الحشر .
(٤) فى المطبوعة: ((بالشام))، والمثبت من: ج ، ك.

- ٢٢٦ -
فيه مَوَاخِرٍ، وكلّ مَرْ كِبِ إذا زَحْزَ حتْها الرِّيحُ فَقَدفت متاعَها(١) غَيْمت الآتيةُ(٢)
بعدَها قائلةً :
كم تَرَك الأوَّلُ للآخِرِ (٣)
وكلّ جزيرةٍ حَكتَ أزهارُها تُغُورَ أفْحُوان الشام، وإن فاتها شَفَبُ البَواكِرِ، وإنما
سّ (٤) حالة
وَصَف الملوكُ ما انَّفْقِ لذاتِهِ اليومَ بَتَذْ كَارِ أَمْسِهِ، وشَرح بين مَخْدُومِهِ عمومَ مَسَّ(١)
ولم يُبِد خُوَيْصَّةَ (٥) نفسِهِ، وأبان ماعندَه من بُعد إبراهيم الذي اتخذه خليلاً، أبَدُه اله
برُوح قُدْسِه.
فكتب الشيخُ برهان الذين القِيراطِىّ جَوابه.
إلى شيخنا [شيخ الإسلام](٦) أو حدِ المجتهدين، تاج الدِّبن أبى نصر، أسبغ الله ظِلالَه،
مِن القاهرة المحروسة إلى الشام المحروسة، يُقَبّل(٧) الأرضَ المتطوَّلَةَ على ذَوِى التقصير ببرِّها،
المُعَابِلَة مِن بابها المفتوح بما لم يكن فى حسابٍ مِن خيرِها(٨)، المُعامِلَة لَبْدِها بالإحبنان،
ولولا استرقاقُها للجميع لِقُلْت: وحُرِّها، البابِّة النِّسْبةِ (٩) إذا سلبت رسائلُها العقولَ،
إمّا بخَمْرُها وإمّا بِسِحْرها، الشّفة (١٠) للأسماع مِن مَناصٍ (١١) بحرها" [بدُرِّها ](١٣)
(١) فى المطبوعة: ((فقدمت متاعا))، وأثبتنا ما فى: ج، ك.
(٢) فى المطبوعة: «عمت الانة))، وأثبتنا ما فى: ج، ك. (٣) مثل شعرى سبأتى تخريجه قريبا
(٤) كذا فى المطبوعة. وفى: ج، ك: ((متن)) ولم نعرف صوابه ..
(٥) هو تصغير ((خاصة)).
(٦) زيادة من: ج ، ك، على ما فى المطبوعة .
(٢) وردت هذه الرسالة فى ديوان القيراطى، المسمى: ((مطلع النبرين)). وقد راجعنا الرسالة
على نسخة منه مصورة بمعهد المخطوطات العربية، برقم ( ٧٧٠) أدب ، حيث تعذر علينا الحصول على
ذخته المطبوعة بمصر، سنة ١٢٩٦ هـ، على ما ذكر سركيس فى معجم المطبوعات . وتقع الرسالة فى
الورقة ٣١٦، من المصورة، وما بعدها .
(٨) كذا فى المطبوعة. وفى: ج، ك: ((جبرها)). وفى المطلع: ((خبرها)»، ولم نعرف صوابه.
(٩) فى المطبوعة: ((ألبنته)). والكلمة بهذا الرسم فى: ج، ك، من غير فقط، وأثبتنا
الصواب من المطلع. والكلام فيه: ((البابلية النسبة، فهى إما قلب العقول بخمرها وإنما يخرجا)).
(١٠) فى المطبوعة: ((المشتقة))، وأثبتنا الصواب من : ج، ك، والمطلع.
(١١) فى المطبوعة: ((غياض)). والتصحيح من: ج، ك، والمطلع.
· (١٢) ساقط من المطبوعة، وأثبتناه من : ج ، ك ، والمطلع.

- ٣٣٧ -
المُزُخْرِفَةَ رِياضِ البلاغة إذا أنشأتْ (١) سَحَابُ الإنشاء، لله دَرُّها، بَدَرِّها، حتى فَتَذَتْ(٢)
يُحُسْنِ تقاسِها الفَتِى، وجُلِيت عرائسُها التى:
خَرِجْنَ فى بهجةٍ كَالرَّوضِليس لها إلّا الخُلِىَّ عَلَى لَبَأْهَا زَهَرُ(٣)
ماء مِن الحُنِ ما فى صَفْوِهِ كَدَرُ
صَبَّ الشَّبابُ عليها وهو مُقْقَبَلْ
فأ بقى اللهُ حِماءاً حَرَماً (٤) للََّّجِى، وجَلّا(٥) سحابُ الفضل من كلّ الوجوه روضَها
الماحى (٦).
وحاكَ ماحكَ مِن وَشَى ودِيباج (٧)
فصاغَ ماصاغَ مِن ◌ِثِبْرٍ ومِن وَرِقٍ
ما يُمْقِعُ العينَ مِن حُسْنٍ وإيهاجٍ(٨)
وألبس الأرضَ مِن خَلَى ومِن حُلَلٍ
ورؤَّى جِهاِها (٩) التى يقع تُرابُها من الرّائِى مَواقعَ الماءُ مِنِ الصَّادِى، وروضَ
جَنابها (١٠) الذى أعدى زهرُهُ روائحَ الجِنان عند بَوَاكِرِ (١١) الغَوادِى، وطابَ وادِيه
فأين مِنه :
(١) فى: ج، ك: ((انساب))، وأثبتنا ما فى المطبوعة، والمطلع.
(٢) فى المطبوعة: ((شت نفائس حسن فائها)) وفى: ج، ك: ((شب حن نقائها)).
والتصحيح من المطلع .
(٣) جاء هذان البيتان فى الأصول، كلاما منثورا، متصلا بما قبله وبما بعده. وكتبناها شعرا من
المطلع، وعا لأبى مام ، من قصيدة يمدح بها عمر بن عبد العزيز الطائى. ديوانه ١٨٤/٢، ١٨٥،
وروايته: ((خرجن فى خضرة ... على أعناقها)).
(٤) فى المطبوعة: ((حراما)). والتصحيح من: ج، ك، والمطلع.
(٥) فى المطبوعة: ((وخلا)). وأثبتنا ما فى: ج، ك. وفى المطلع: ((وحلا)).
(٦) فى المطبوعة: ((الناجى))، والمثبت من: ج، ك، وفى المطلع: ((التاجى)).
(٢) فى المطبوعة: ((من صاغ ... وحال ما حال)). والتصحيح من: ج، ك، والمطلع.
(٨) فى الأصول: ((بمنع))، وأثبتنا الصواب من المطلع.
(٩) فى المطبوعة، ك: ((جهالتها)). وفى: ج: ((جهلاتها)). وأثبتنا الصواب من المطلع.
(١٠) فى المطبوعة: ((جنائها)). وأحمل الفقط فى: ج، ك، وأثبتنا ما فى المطلع.
(١١) كذا فى المطبوعة والمطلع، وفى: ج، ك: ((تراكيد)).
(٢٢ /٩ - طبقات الشافعية)

- ٣٣٨ -
أرضٌ مُخَيَّرها لِطِيبٍ فَقِيلِها كمبُ بنِ مَامَةً وابنُ أُمِّ دُؤادٍ (١)
وحَيََّها (٢) الحَيا مِن مَواطِنٍ، ولا رَحَل عنها مِنِ السُّرور قاطِن، ولا زالت بأزهارِها
حسَنَةَ الظاهر، وبأنهارِها صافيةَ الباطن.
إذا سُمَحَتْ بِالقَطْرِ ذَاتِ سَخَاءٍ (٣)
ولا بَرِحَتْ كَفُّ الُريَّ لَرَبْعها
.· حتى يَعْلَأْ سُحُونَ ديارِها قَطْرُ الأمطار، وتُصِحَ بِما (٤) صاغه الربيعُ تلك
. الأفطار:
تْضاحِكُ الشَّمْسُ أنوارَ الرِّيَاضِ بها كانما نثرت فيها الدنانيرُ
وأخذُ الرِّيحُ مِن رَبحانِها عَبَقَاً كأنّ ذاك الثَّرَى مِسْكٌ وكافُورُ
-(٦)
مُقطّاً بِطِيب ثراها، متمسِّكًا مِنْ محبّتها التى لا يَفُكُّ(٥) عِنْهَا إزارَ(
صَدْره بُعُراها .
شاعراً بأنه فى كلَّ وادٍ مِن وُدِّها بَهِيم، ناراً مِن دُرِّ لفظِه إذا سَمِر فى وَصْفهنا»
ما يُضَى﴾(٧) به سُنُحُ(٨) اللبل الجَظِيم، قائلا حين أجراه الأدبُ على المادة فى وقوفه تجاه كمبتها:"
هذا مقامُ إراهيم.
· (٩) خَطيبَ مَحَاسِيِها،
مُطِقاً فى مَدْح أبادِيها لِسانَ القَكم الذى أصبح بِشِعارِهِ العَّاسِىّ
(١) البيت الأسود بن يغفر، شرح الفضليات ٤٤٩، الشعر والشعراء ٢٥٦، وابن أم دؤاد:
هو أبو دؤاد الإيادى .
(٢) زدنا الواو من : ج ، ك، والمطلع.
(٣) جاء هذا البيت فى الأصول كلاما مشورا، وكتيناه شعرا من المطلع.
"(٤) فى المطبوعة: ((ما))، والمثبت من: ج، ك، والمطلع ..
(٥) فى المطبوعة: ((لانفك)) ولم يفقط فى: ج، ك، سوى الماء، والمثبت من العالم.
(٦) فى المطلع: ((أزرار:)).
(٧) فى المطبوعة: ((يضحى))، والتصحيح من: ج، ك، والمطلع.
(٨) النح ، بضمتين: جمع الفيح، وهو الخيط الذى ينظم فيه الدر،قبل أن ينظم فيه الدر، فإذا
نظم فهو عقد . الان ( سنح) والكلام هنا على التشبيه . وجاء في المقطع: ((سبح)
(٩) فى المطبوعة: ((بقاية المياس))، وأنيتنا ما ف: ج، لك، والمطلع.

- ٣٣٩ -
مخترفاً من بحرٍ (١) أدبها الحُلو ما لا ينبغى لصُبابة آدابِنا (٢) أن تُجارِيَه بآسِها.
مستعملاً عزائمَ شُكرِه التى نَفَّد قاضى الولاء أحكامَها وأمضاها، مُعِلًا ركائبَ مدحِه
التى أصحّها حين أضناها فى ذلك وأنضاها، تالياً عليه لسانُ أُمِنِه حين قَلَّبِ طَرْفَهِ فِى سمائها:
لُذْ بهذا البيت ﴿فَلَنُوَلَّمِنَّكَ فِيْلَةٌ تَرْضَاهَا﴾(٣)، فروَّاها اللهُ أرضاً سقت السماء رياضَها،
ولو نطق العبدُ بها شامِيَّةَ لأصاب حين يقول غِياضَها، إِى واللهِ أهواها، وأتحصَّب لها
وإن تَقْنَعت بسِواها، وترتاحِ رُوحِى لِنَسِيمها (٤) العليل الذى صَحَّ فيه هواها، وأستشِفِى
بَعَلِيل هوائها، وأستعذِبُ على النِّيل المُراتِ من مائها.
وما ذاك إلا حينَ أيقنتُ أنَّه يكونُ بِوادٍ أنتِ منه قَرِيبُ(٥)
إليكم تَقَّى طِبَكُمْ فَيَطِيبُ
يكونُ أُجاجاً دُونَكُمْ فإذا انتهى
وكذلك(٦) أنشَد أوطانَها، وسكَّانَ تلك البِقاعِ وقُطَّأَها:
إلى القَلبِ مِن أجلِ الحبيبِ حَيبٌ(٧)
أيا ساكِنِى أ كنافَ جِلَّقَ كُلُُّم
وكيف لا وهى بمولانا(٨) مَغَارِسُ أشجارِ الأدب، ومعادِنُ ذَهبِ المانى الذى يفوقُ
على الذَّهَب، وباعِثَةُ مَيِّتِ الفضائلِ مِن كُتُب (٩)، ومُنَفْسَةُ ما تَجِدُه النفوسُ مِن كُرَّب،
ومُرَنِّحَةُ (١٠) أعطافِ الأرواح بالطَّرَب.
(١) فى المطلع: ((من بحرها الحلو)).
(٢) فى المطبوعة: ((ما لا يقبغى لماد أن يحاربه بآسنها)). ولم يوضح الرسم فى: ج، ك. وأثبتنا.
ما فى المطلع. والصبابة، بضم الصاد: بقية الماء فى الإناء .
(٣) سورة البقرة : ١٤.
(٤) فى المطبوعة: ((بنيمها))، والمثبت من: ج، ك، والطلع.
(٥) البيتان مجنون بني عامر. ديوانه ٥٢. والبيت الأول هنا هو الثاني فى الديوان.
(٦) فى المطلع: «فلذلك».
(٧) المجنون أيضا، فى الوضع الذكور من الديوان. وروايته: ((أكناف نخلة)). وراجع حواشيه.
(٨) كذا فى المطبوعة، والطلع، وفى: ج، ك: «بعادن)).
(٩) كذا فى الأصول ، وأعمل النقط فى المطلع .
(١٠) فى المطبوعة: ((ومزعجة)). والتصحيح من: ج، ك، والمطلع.

- ٣٤٠ -
وجِنان قال الإلهُ لها: كُو فِ فكانتْ رَوْحاً ورُوحاً وراجا
بل هى مَجَرَى بحارِ العُلوم، ومسرّى الكواكِب (١) السَّيِّارة مِنِ الفَهُوَم(٢)، ومَنْشأ
الغُيوت التى لها بالمكارِم سُجُوم، والحَرَمُ الذى مالمختطف الحوادثِ على جارِهِ هُجُوم،
ومُكَاظُ أدَبِّ إذا نطق خطيبُهُ فَلِمُسّ(٣) منه وُجُوم، (٤وحَرِيمُ الخلافة البلاغيّة٤) فما
الخارجىٌّ الأدبِ اللَّخِيل فيه خروجٌ على شُمُوسَ أْقِهِ ولا نُجُوم، ومَطالِعُ النجوم التى
مِنها مَعَالِمُ لِلُهُدِى ومَصابِخْ تُجلُ الدُّجاء وَالأُخْرَيَتُ رُجُومُ(٥
ز .(٥)
ومَغاصُ دُرُّ(٦) الفَصاحة الثَّمين، وبابِلَّ سِخر البيان الْمُبِين، ومَجِلٌّ إذَا رُفِيَت
رايةُ مَجْدِ تلقّاها عَرابَّةُ باليمين(٧)، ومَقَرُّ فَضْلٍ إذا أقسم الزمانُ بَيَعِينَ، لَيَأْتِينَّ
بمثله يمين (٨).
وبيتُ رأس خَصْرٍ (٩) البلاغة التى لاتُداس (١٠) بَقَدَم، ولا يقال لمُتعاطى كؤوسها نَدَامَى؟
(١) فى المطبوعة: ((الكواشب)). والتصحيح من: ج، ك، والمطلع.
(٢) فى المطبوعة: ((المفهوم)). والمثبت من : ج، ك، والمطلع.
(٣) فى الأصول: ((فلنفس))، وأتبتنا الصواب من المطلع. وهو قس بن ساعدة الإيادى، من
خطياء الغرب المعدودين .
(٤) كذا فى المطبوعة، ومكانه فى: ج، ك: ((خلافة البلاغة)). وحريم الشىء: ما حوله من
حقوقه ومرافقه ، سمى بذلك لأنه يحرم على غير مالكه أن يستبد بالانتفاع به .. وجاءت العبارة فى المطلع:
(: وحرم خلافة البلاغة»
(٥) جاء هذا البيت فى الأصول كلاما منشورا، وكتبناه شعراً من المطلع. وفى الأصول: ((معالم
الهدى ومصابيح)) والمثبت من المطلع .
والبيت لابن الرومی؛ وهو فى ترجمته من وفيات الأعيان ٤٢/٣
(٦) فى المطبوعة: ((درر))، والمثبت من: ج، ك، والمطلع.
(٧) هذا من قول المناخ ، فى ديوانه ٣٣٦:
تَكَقَّهَا عَرابةُ باليمين
إذا ما رايةٌ رُفِمَتْ لِمَجْدٍ
(٨) من المين: وهو الكذب.
(٩) فى المطبوعة: ((جر)). وأهمل النقط فى: ج، ك. والصواب ما أثبتنا من المطلع. قال
ياقوت: ((بيت رأس: اسم القريتين فى كل واحدة منهما كروم كثيرة، ينسب إليهما الخمر، إحداهما
بالبيت المقدس ... والأخرى من نواحى حلب». معجم البلدان ٧٧٦/١.
(١٠) فى المطبوعة والمطلع: ((الذى لا يداي))، وأثبتنا ما فى: ج، ك