النص المفهرس
صفحات 61-80
- ٦١ - الكرسىَّ فى العرشِ كحَيْةٍ مُلْقَاةٍ بأرضٍ (١) فَلَاةٍ. (٢ فليت شِعْرِى، إِذا كان حديثُ الأَوْعَال يدلُّك عَلَى أنّ اللهَ فوَقَ العرش، فكيف يُجْمَع بينه وبين طَلوع الملائكةِ إلى السماء التى فيها اللهُ؟ وكيف يكونُ مع ذلك فى السماء حقيقةً؟ ولعلَّك تقولُ: إنّ المرادَ بهما(٢) جِهَةُ الْعُلُوِّ توفيقا٢) ، فليت شِعْرِى أُيمكن أن تقولَ بعد هذا التَّوْفيق العارِى عن التَّوْقِيفِ والتَّوفيق ، إِنَّ اللهَ فى السماء حقيقةً، وعلى السماءِ حقيقةً، وفى الرشِ حقيقةً ، وعلى العرشِ حقيقةً؟ ثم حقيقةُ السماءِ هى هذه المُشاهَدَةُ لَحْسوسةُ يُطْلِقٍ عليها هذا الاسم مَن لم يخطر ببالِهِ التُّمُوُّ، وأمَّا أَصلُ الإِشْتفاق فذلك لا مَزِيَّةً لها فيه على السَّقْف والسحابِ، فتبارَكُ اللهُ خَالْقُ الْعُقول ! ثم قولُك بعد ذلك : العرشُ من مخلوقاتِ الله تعالى، لا نِسْبَةَ نه إِلَّا قدرةُ اللهِ وعظمتُه. وقَع إلينا (( إلا قدرةُ الله)) فإن كانتْ بألف لام ألف، كما وقَع إلينا فقد نفيْتَ العرشَ، وجعلتَ الجِهَةَ هى العظمة والقدرةَ، وصار معنى كلامِك: جِمَةُ اللهِ عظمتُه وقدرٍّ. والآن قلتَ ما لا يُفْهم ، ولا قالَهُ أحدٌ؛ وإن كان كلامك بألف لام ياء، فقد صدَقْتَ وقلتَ الحقَّ، ومن قال خلافَ ذلك(٤)؟ ولَعَمْرِى لقد زَعَمْنَاً لك هذا المكانَ، ولَقَنَّاك إصْلاحَه. ثم قلتَ: كيف يُتَوَهَّ بعد هذا أنَّ خَلْقًا بحصُره أو يَحْوِيه. قُلْنا: نعم، ومِن أىِّ شىءٍ بلاؤُنَا إِلَّا ممَّنَ يدَّعِىِ الحَصْرَ أو بُوهِمُه! ثم قلتَ: وقد قال اللهُ تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِ جُذُوعِ اَلنَّخْلِ﴾(٥) أوَما علمتَ أنَّ التَّمَكُّنَ الاِسْتِقْرَارِىَّ(٦) حاصلٌ فِ الحِذْعِ، فإنَّ تَمَكُّنَ(٢) المصلوبِ فِى الِجِذْعِ. (١) فى المطبوعة: ((فى أرض))، والمثبت من : ج، ز . (٢) ساقط من: ز، وهو من المطبوعة ، ج . (٣) فى المطبوعة: ((بها))، والمثبت من: ج . (٤) بعد هذا فى المطبوعة زيادة: ((لعمرى))، والمثبت من : ج، ز . (٥) سورة طه ٧١ . (٦) فى المطبوعة: ((والاستقرار))، والتصويب من: ج، ز. (٧) فى المطبوعة: ((تمكين))، والتصويب من: ج، ز. - ٦٢ - كَتَمَكُن (١) الكائنِ فىِ الظَّرْفِ، وكذلك الحُكْمُ فى قولِه تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِى الْأَرْضِ﴾(٢) وهذا الذى ذكر ناه هو الجوابُ عن حديثِ الأَوْعَال، وحديثٍ قَْضٍ الرُّوح، وحديثٍ عبد الله بن رَوَاحَةَ رضى الله عنه، وحديثِ أُمَّيَّةَ بن أبى الصَّلْتِ ، وما قال من قوله(٣). مَجِّدُوا اللهَ فَهْو أهلٌ لِجِدٍ ربُّنَا فى السماءِ أمسى كبيرًا. فُيُقال للمُدَّعِى: إن كنتَ تَرْوِيه ((فى السماء)) فقط، ولا تُتْبعها (( أمسى كبيرًا)) فربما يُوهِمِ مَا تدَّعِيه، لكن لا يُبْقَى شِعْرًا ولا قافيةً، وإن كان قال: (( ربنا فى السماء. أمسى كبيرا)) فقُل مثلَ ما قال أُمَيَّةُ، وعند ذلك لا يُدْرَى: هل هو كاقلتَ: (أو قال): إنَّ الله كبيرٌ فى السماء. فإن قلتَ: وهو كبيرٌ فى الأرض فلِمَ خُصَّت السماء؟ قلنا: التَّخْصِيصُ بما أثرْنا إليه من أنَّ تعظيمَ أهلِ السمواتِ أكثرُ مِن تَعْظِيمٍ أهلِ الأرضِ له، فليس فى الملائكةِ مَن يَنْحَتُ حَجَرًا ويعبدُه، ولا فيهم دَهْرِىٌّ ولا مُعَطٌَّ ولا مُشَبِّهٌ، وخِطابُ أُمَيَّةَ لكُفَّارِ العربِ الذين أنَّخذوا هُبَلَ ومَناة والَلاتَ والُزَّى وغيرَ ذلك من الأنْداد، وقد عَلِمت العربُ أنَّ أهلَ السماءِ أعلمُ منهم، حتى كانوا يتمسَّكون بحديثِ الكاهنِ الذى كان يتَلَقَّفُ(٥) من الجِنِّىِّ الذى يسْتَرِقُ الكلمةَ مِن المَلَكِ، فيُضِيف إليها مائةَ كِذْبَة، فكيف اعْتقادُهم فى الملائكة !! فلذلك احْتَجَّ عليهم أُمَّيَّةُ بالملائكة، هذا ليس بَبَعِيدٍ ولا خِلافُه (٦) قَطْعِىٌّ. (١) فى المطبوعة: ((كتمكين))، والتصويب من: ج)، ز. (٢) سورة الأنعام ١١، وسورة النمل ٦٩، وسورة العنكبوت ٢٠، وسورة الروم ٤٢. (٣) ديوانه ٣٣، والرواية فيه: ((فهو المجد أهل » (٤) ساقط من المطبوعة ، وهو من : ج، فـ . (٥) فى المطبوعة: ( يتلقى))، والمثبت من : ج، ز .. (٦) فى المطبوعة: ((خلاف))، والتصويب من : ج، ز . - ٦٣ - ثم قال: مِن المعلومِ بالضرورةِ أنَّ الرسولَ المُبلَّغَ عن اللهِ الْقَى إلى أُمَّتِهِ المَدْعُوِّين (١) أنَّ اللهَ تعالى على العرش، وأنَّه فوقَ السماءِ، فتقولُ له: هذا ليس بصحيحٍ بالصريح، بل ألْقَى إِليهم أَنَّ اله اسْتَوَى على العرشِ، هذا الذى تَوَاتَرَ مِن تَبْليغ هذا الَّبِىِّ صلَّى الله عليه وسلَّ، وما ذكره المُدَّعِى مِن هذا الإِخْبار، فأخْبارُ آحادٍ لا يصدُق عليها جَمْعُ كَثْرةٍ، ولا حُجَّةَ له فيها، وذلك واضحٌ لمن سمِع كلامَ الرسولِ صلَّى الله عليه وسلَّ، ونَزَّله على استعمالِ العربِ وإِطْلاقاتها، ولم يُدْخِلْ عليها غيرَ لُِّها. ثم قلتَ: كما فطَر اللهُ جميعَ الأُمَم؛ عَرَبِهِم وعَجَمِهم فى الجاهليَّةِ والإِسْلامِ، إِلَّ مَن اجْتَالَتْهُ الشَّيَاطِينُ عن فِطْرِتِهِ. هذا كلامٌ من أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ مُعارَضٌ بالَيْلِ والتَّرْجِيحِ معنا. ثم قلتَ عن السَّلَفَِ فى ذلك مِنِ الأَفْوال ما لو جمعتُه(٢) لبلنتْ مائتين أُوفً. فنقولُ: إن أردتَ بِالسَّلَفِ سَلَفَ الْمُشَبَّةِ كما سيأتى فى كلامك، فربَّما قاربْتَ(٣)، وإِن أردْتَ سَلَفَ الأُمَّةِ الصالحين فلا حَرْناً(٤) ولا شَطْرَ حرفٍ ، وها نحن معك فى مَقامٍ مَقامٍ ومِضمّارٍ مضمارٍ بحولِ الله وقُوَّتِهِ . ثم قلتَ : ليس فى كتابِ الله تعالى، ولا سُنّةِ رسولِهِ، ولا عن أحدٍ من سَلَفِ الأُمَّةِ؛ لامِن الصحابةِ ولا من التابعين، حَرْفٌ واحد يُخالف ذلك؛ لاأَصَرٌّ ولا ظاهرٌ. قُلْنا: ولا عنهم، كما أدَّعَيْت أنتَ، ولا نَصَرٌّ ولا ظاهرٌ، وقد صَدَّرتَ أوَّلا أنَّك تقولُ ما قِ له(٥) اللهُ ورسولُه والسابقون الأوَّلون من المهاجرين والأنصار، ثم دارت الدائرةُ على أنَّ المرادَ بالسا بِقِين الأَوَّين من المهاجرين والأنْصار مَشائخُ عقيدتِك، وعَزَلْتَ العَشرَةَ وأهلَ بَدْر (١) فى المطبوعة: ((المذعنين))، وفى ز: ((المدعين))، والتصويب من: ج. (٢) فى المطبوعة: ((جمعت))، والمثبت من: ج، ز. (٣) فى المطبوعة: ((قارب))، والمثبت من: ج، ز. (٤) فى المطبوعة: ((حرف))، والتصويب من : ج، ز . (٥) فى المطبوعة: ((قال))، والمثبت من : ج، ز. ٠ - ٦٤ - والحُدَيبِيَة عن السَّبْقَ(١)، والَّابِعِين عن المُتَابَعَة، وتَوَلَّى هؤلاءِ لاَغَيْرِ (٢) ﴿اللّهُ أَعْلَمُ حَيْتُ يَجْعَلُ رِسَالَاتِهِ﴾(٢) .: ثم قولك: لم يقلْ أحدٌ مبهم: إِنَّ ليس فى غيرِ السماء، ولا إِنَّه ليس على العرشِ، ولا إِنَّه فى كلِّ مكان، ولا إِنَّ جميعَ الأَمْكنةِ بالنِّسْبة إليه سَواء، ولا إِنَّه داخِلَ العالَمِ ولا خارجَه، ولا مُتَّصِلْ ولا مُنْفَصِل. فُلْنَا: لقد عَمَّمْتَ الدَّعْوَى، فذكرتَ مالم تُحِطْ بِهِ عِلما، وقد ذكَرْنا لك عن جعفرِ الصَّادِقِ والجُنَيْد والشِّبْلِىِّ وجعفر بن نُصَيرٍ، وأبى عثمان. الَغْرِبِيِّ، رضِىَ الله عنهم، مافيه كفايةٌ، فإن ◌َعَنْتَ فى نَقْلِنا، أو فى هذه السَّدةِ، طَعَنًا فى نَقْلِك، وفيمن أَسْنَدْتَ إِليه من أهلِ عقيدتك خاصَّةً، ﴿ يُوافِقْك على ما (٤) الدَّعَيْتَه غیرُم .. ثم إِنَّك أنت الذى قد قلتَ ما لم يَقُلْه اللهُ، ولا رسولُه، ولا السابقون الأوَّلون من المهاجرين والأنصار، ولا من التابعين، ولا من مشابخِ الأُمَّةِ الذين لم يُدْرِكوا الأَهْواء(٥) هما نطَق أحدٌ منهم بحرفٍ فى أنَّ اللهَ تعالى فى جِهَةِ الُلُوِّ، وقد قلتَ وصرَّحتَ وبَحَثْتَ وفِهِمْتَ بأنَّ مَا ورَد مِن أنَّه فى السماء، وفوقَ السماء، وفى العرشِ، وفوقَ الرشِ، المرادُ به جِهَةُ العُلُوِّ، فَقُلْ لنا: مَن قال هذا؟ هل قالَه اللهُ، أو رسولُه، أو السابقون الأوَّلون من المهاجرين والأنصار، أو التَّابِعِين(٦) لهم بإِحْسانٍ، فلِمَ رُوِّلُ علينا بالأُمورِ المُغَمْفَمَةِ (٧)، وباللهِ المُسْتعان . ثم اسْتَدَلَّ على جوازِ الإِشارة الحِسِّيَّة إليه بالأصابعِ ونحوها، بما صَحَّ أنَّه صَلَّى الله عليه وسلم فى خُطْبةِ عَرَفَاتَ جَعَل يقولُ: ((أَلَا هَلْ بَلَّمْتُ))؟ فيقولون: نعم، فَيَرْ فع (١) فى المطبوعة: ((السلف))، وفى ج: ((السابق))، والمثبت من : ز .. (٢) فى المطبوعة: (( وتولى هؤلاء غير الله والله أعلم حيث .. ))، والتصويب من: ج، ز . (٣) سورة الأنعام ١٢٤. و ((رسالاته)» بالجمع قراءة غير ابن كثير وحفص وابن بحيصن. الإتعاف ٢١٦. . (٤) فى المطبوعة: ((من))، والتصحيح من: ج، ز. (٥) فى المطبوعة: ((إلا هؤلاء))، والتصويب من: ج، ز . (٦) فى الطبوعة: ((والتابعين))، والتصويب من: ح)، ز . (٧) فى المطبوعة: « المغمضة))، والمثبت من: ج، ز . - ٦٥ - أُصْبُعَه إِلى السماءِ ويَنْكُنُها(١) إليهم، ويقول: ((اللَّهُمَّ اْهَدْ)) غيرَ مَرَّة. ومن أَىِّ دَلالةٍ بدُلُّ هذا على جَوازِ الإِشارة إليه؟ هل صدَر منه صلَّى الله عليه وسلَّ إِلَّا أنَّه رَفَع أُصْبَعَه ثم نَكّها(٢) إليهم؟ هل فى ذلك دلالةٌ على أنَّ رفْعَه كان يُشِير به إلى جِهَةِ اللهِ تعالى؟ ولكن هذا من عظيمِ ما رسّخ فى ذِهْنِ هذا المُدَّعِى من حديثِ الجِهَةِ، حتى إنه لوسَمِيع مسألةً من عَوِيص الفَرائِضِ والوَصايا وأحْكام الحيض، لَقَال: هذه دَالَةٌ على الجِهَةِ . ثم أتى بالطَّامَّةِ الكبرى والدَّاهِيَةِ الدَّهْياء، وقال: فَإن كان الحَقُّ مايقوله هؤلاء الساِقون النَّافُون، من هذه العباراتِ ونحِوِها، دون ما يُفْهَم من الكتابِ والسُّنَّةِ، إمَّا(٣) نَصَّا أو ظاهِراً، كيف يجوزُ عَلَى اللهِ تعالى، ثمَّ على رسولِهِ صلَّى الله عليه وسلَّ، ثم على خَيْرٍ (٤) الأُمّة: أنَّهم يتكلَّمون دائماً بما هو نَصٌّ أو ظاهرٌ فى خلافِ الحقِّ، ثم الحقُّ الذى يجب اعتقادُه لا يبوحُون به قَطُّ، ولا يدُلُّون عليه؛ لا نَصًّا ولا ظاهراً، حتى يجىء أنْباطُ الغُرُس والرُّومِ وأفراخُ الُنُودِ(٥) يُبَيِّنون للأُمَّة العقيدةَ الصحيحةَ، التى يجب على كل مؤلّفٍ أو فاضلٍ أن يعتقدَها، لئن كان ما يقولُه هؤلاء [ المتكلِّمون](٦) المتكلِّفون، هو الاعتقادُ الواجب، وهم مع ذلك أُحِيلوا على مُجَرَّد ◌ُقولهم، وأن يَدَفَعُوا لِمِقْتَضَى(٧) قياسٍ عقولِهِم مادَلَّ عليه الكتابُ والسُّنَّةُ، نَصًّا أو ظاهراً، لقد كان تَرْكُ الناسِ بلا كتاب ولا سُنَّةٍ أُهْدَى لهم وأنفعَ على هذا التَّقرير (٨)، بل كان وجودُ الكتابِ والسُّنَّةِ ضَرَراً (١) فى المطبوعة: ((ويلكثها))، والتصويب من: ج، ز، وصحيح مسلم (باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم، من كتاب الحج)، ٨٩٠/٢ . (٢) فى المطبوعة: (( نكثها))، والتصويب من: ج، ز . (٣) من هنا إلى قوله ((عظيم ما وصف من نفسه)» ص ٧٥ ساقط من ج . (٤) فى المطبوعة: ((حبر))، والمثبت من : ز ، ك. (٥) فى المطبوعة: ((اليهود))، والمثبت من ز، ك . (٦) زيادة من : ز، ك ، على ما فى المطبوعة. (٧) فى الأصول: ((المفقضى))، ونرى الصواب حذف الألف. (٨) فى المطبوعة: ((التقدير))، والمثبت من: ز، ك. : (٥ / ٩ - طبقات الشافعية) -٦٦ - تَحْضّاً فى أُصول الدِّين؛ فإنَّ حقيقة الأمر على ما يقولُه هؤلاء: أنكم يامعشرَ العِباد لا تطلُبُوا(١) معرفةَ اللهِ سبحانه وتعالى، وما يُسْتَحِقُّ مِن الصفاتِ نَفْياً ولا إِقْبَاتاً، لامن الكتابِ ولا من السُّنَّةِ، ولا من طريقٍ سَلَفِ الأُمَّةِ ، ولكن انْظِرِوا أنتم؛ فا وجدعوه مُسْتَحِقًّا له من الصِّفَاتِ فَصِفُوه به، سواءا كان موجودًا فى الكتابِ والسُّنَّةِ أو لم يكنِ، وما لم تجدُوهُ مُسْتَحِقًّا له فى عقولكم فلا تصِفُوه بها. ثم قال: هما فريقان، أكثرُهم يقولُ: ما لم تُثْبِتْهُ عقولُكم فانْفُوه(٣)، ومنهم من يقول: بل تَوقَُّوا فيه. وما نَفَاءُ قياسُ عقولكم الذى أنتم فيه مُخْتَلِفُون ومُضْطَرِبُونَ، اختلافاً أكثرَ من جميعِ اخْتلافٍ على وَجْهِ الأرضِ فانْفُوه، وإليه عند الشارِعُ فارجعُوا، فإنه الحقُّ الذى تعبَّدْتُكم به، وما كان مذكوراً فى الكتاب والسُّنَّةِ مَّا يُخالِفِ قياسَكم . هذا، أو يُقْبِتُ ما لم تُدْرِكُه عقولُكم، على طريقةٍ أكثرِهم، فاعلموا أنََّى الْتَحْتِيكُم بتَنْزِيلِه، لا لتأخُذُوا الهدى منه؛ لكن لتجتهدوا في تخريجِه على شَوادٌ اللُّغَةِ وَحْشِيِّ الألفاظ وغرائبِ الكلام، أو تسكتُوا عنه(٣) مُفَوِّضين عِلْمَه إلىَّ. هذا حقيقةُ الأمر على رأى المتكلمين . هذا ماقاله، وهو الموضع(٤) الذى صُرِع(٥) فيه وتخبَّطِه الشيطانُ من الَسِّ، فنقولُ له: ما تقول (٦) فيما ورَد من ذكر العُيونِ بصفة الجمعِ، وذكْرِ الجَنْب، وذِكْرِ السَّاقِ الواحد، وذكرِ الأيْدِى؟ فإن أخذْنا بظاهرٍ هذا يلزمْنَا إِثْباتُ شخصٍ له وَجْهٌ واحدٌ عليه عيونٌ كثيرة، وله جَنْبٌ واحد (٢) وعليه أَبْدٍ كثيرة، وله ساق واحد، فأىّ (٨) شخص يكون (١) فى المطبوعة: ((لا تطلبون))، وأثبتناه بصيغة النهى من: ز، ك، ويقويه ما بعده. (٢) فى المطبوعة: ((فابقوه))، والتويب من: ز، ك. (٣) كذا فى المطبوعة، وفى ز، كـ: ((غير مفوضين». (٤) فى المطبوعة: ((الموضح))، والمثبت من: ز، ك. (٥) فى المطبوعة: ((صرخ))، والمثبت من: ز، ك. (٦) فى ز، ك: ((ما تقوله))، وأثبتنا ما فى المطبوعة. (٧) زدنا الواو من : ز ، ك. (٨) فى المطبوعة: ((وأى))، والمثبت من : ز، ك. - ٦٧ - فى الدنيا أبْتَحَ من هذا، وإن تصرَّفْتَ فى هذا بجَمْعٍ وتَفْرِيقٍ بِالتَّأويل، فلمَ لا ذكّره اللهُ ورسولُهُ وسَلَفُ الأُمَّةِ؟ وقوله تعالى فى الكتاب العزيز: ﴿اللهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾(١) فكلُّ عاقلٍ(٢) يعلم أنَّ النُّورَ الذى على الحيطانِ والسُّقوف وفِى الطَّرُقِ والحُشُوشِ ليس هو اللهَ تعالى، ولا قالتِ الَجُوسُ بذلك، فإن قلتَ بأنَّه هادِى السَّمَواتِ والأرض ومُنَوِّرُها ، فِمَ لاقالَه اللهُ تعالى ولا رسولُه ولا سَلَفُ الأُمَّةِ؟ وورَد قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾(٣) وذلك يقتضى أن يكونَ اللهُ داخلَ الزَّرْدَمَةِ (٤)، فلِمَ لا بَيَّه(٥) اللهُ ولا رسولُه ولا سَلَفُ الأُمَّة؟ وقال تعالى: ﴿وَأُسْجُدْ وَأَقْتَرِبْ﴾(٦) ومعلومٌ أن التقرُّبَ فى الجِهَةِ ليس إلَّ بالمسافةِ، فِلِمَ لا بَيِّنَّهَ اللهُ تعالى ولا رسولُه صلَّى الله عليه وسلَّم ولا سَلَفُ الأُمَّة؟ وقال تعالى: ﴿فَأَيْتَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾(٧)، وقال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾(٨)، وقال تعالى: ﴿فَأَنَى اللهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ اَلْفَوَاعِدِ}(٩)، وقال تعالى: ﴿مَا بَأْتِيهِمْ مِنْ ذِ كْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ)(١٠). (١) سورة النور ٣٥. (٢) فى المطبوعة: ((عالم))، وأثبتنا ما فى : ز ، ك . (٣) سورة ق ١٦. (٤) فى المطبوعة: ((الرزدمة)) بتقديم الراء على الزاى، والصواب بتقديم الزاى، كما فى : ز، ك . والزردمة : الغلصمة أو موضع الابتلاع. ويقال: زردمه: إذا عصر حلقه . القاموس، والمعرب للجواليفى ١٧٣. (٥) فى المطبوعة: ((يبينه))، والمثبت من: ز، ك. ويأتى نظيره. (٦) الآية الأخيرة من سورة العلق . (٧) سورة البقرة ١١٥. (٨) سورة الفجر ٢٢. (٩) سورة النحل ٢٦ . (١٠) الآية الثانية من سورة الأنبياء. وجاء فى الأصول: ((وما يأتيهم)) وليست الواو فى آية الأنبياء هذه. إنما جاءت فى آية الشعراء ٥: ( وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث). ٠ - ٦٨ - وقال صلَّى الله عليه وسلَّ، حكايةً عن ربِّه عَزَّ وجَلَّ: ((مَنْ تَقَرَّبَ إِلَىَّ شِبْرًا تَفَرَّْتُ إِلَيْهِ ذِرَاءً، وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَىَّ ذِرَاءً تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَعاً، وَمَنْ أَثَانِى يَمْشِى أَنَبْتُهُ مَرْوَلَةٌ)) وما صَحَّ فى الحديثِ: ((أَجِدُ نَفَسَ الرَّحْمَنِ مِنْ قِبَلِ الْيَمَنِ))، ومِن قولِهِ صلَّى الله عليه وسلَّ: ((الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ مِنُ اللهِ فِى الْأَرْضِ))، ومِن قولِهِ صلَّى الله عليه وسلّ، حكايةً عن ربِّه سبحانه وتعالى: ((أنّا جَلِيسُ مَنْ ذَكَرَ فِ)). وكلُّ هذه هل تأمَنُ مِن المُجَِّّم أن يقول لك: ظواهرُ هذه كثرةٌ (١) تقوتُ (٢) الحَصْرَ أضعاف أحاديثِ الْجِهَةِ، فإن كان الأمرُ كما يقولُ(٣) فِى نَفْى الجِسْمِيَّةِ، مع أنّه لم يَأْتِ فى شىءٍ من هذهما ◌ُيُبَيِّن (٤) خِلافَ ظَواهرِها، لا عن اللهِ تعالى ، ولا عن رسولِهِ صلَّى الله عليه وسلَّ، ولا عن سَلَفِ الأُمَّة، حينئذٍ يَكِيلُ لك الجَسِّمُ بصَاعِك، ويقول لك: لو كان الأمرُ كمافلتَ، لَكَان تَرْكُ الناسِ بلا كتابٍ ولا سُنَّةٍ أَهْدَىلهم وإن قلتَ : إِن العُمُومَاتِ قد بيَّنَتْ خلافَ ظواهرٍ هذه، لم يجد(٥) منها نافياً للجِسْمِيّة إِلَّا وهو نافٍ (٦) للجِمَةِ. ثم ما يُؤمنك من تَسِبُخِىٍّ يفهم من قولِهِ: ﴿فِ أَىِّ صُورَةٍ مَاشَاءَ رَّكَّبَكَ﴾(٧) مذهبه، ومن مُعَطَّلِ يفهم من قولِه تعالى: ﴿مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ﴾(٨) مُرادَهِ، فحينئذٍ لا تجِدُ مسَاغاً لما تَغَصُّ(٩) به من ذلك إلا الأدِلَّةَ الخارجةَ عن هذه الألفاظ ، ثم صار (١) فى المطبوعة: ((كثيرة))، والمثبت من: ز، ك. (٢) فى المطبوعة: ((تعدت))، والمثبت من : ز، ك . (٣) فى المطبوعة: ((يقولون))، والمثبت من: ز، ك . (٤) فى المطبوعة: ((بين))، وأنبتنا ما فى: ز، ك. (٥). كذا بالنون فى المطبوعة، وأهمل النقط فى: ز، ك. وامل الصواب: ((يجد)) بالياء التحتية، ويكون الفاعل المضمر عائدا إلى المجسم. (٦) فى: ز، ك: ((باق))، وأنبتنا ما فى المطبوعة. (٧) الآية الثامنة من سورة الانفطار . (٨) سورة البقرة ٦١، ويس ٣٦. (٩) فى المطبوعة: ((نقص))، وأنبتنا الصواب من: ز، ك. - ٦٩ - حاصلُ كلامِك أن مَقالةَ الشافعية والحنفية والمالكّة، يلزمُها أن يكون تَرْكُ الناسِ بلا كتابٍ ولا سُنَّةِ أَهْدَى لهم، أَمَتُراهم يُكفِّرُونَك بذلك أم لا ؟ ثم جملتَ أنَّ مُقْتضَى كلامِ التكلِّمِين، أنَّ اللهَ تعالى ورسولَه وسَلَفَ الأُمَّةِ تركوا المقيدةَ حتى بَيْنَها هؤلاء، فقُلْ لنا: إنَّ اللهَ ورسولَهِ وسَلَفَ الأمَّةُ بَيُِّوها، ثم (١) انقُلْ عنهم أنَّهم قالوا كما تقولُ: إنَّ اللهَ تعالى فى جِهَةِ المُلُوِّ لافى جِهَةِ السُّغْل، وإن الإشارةَ الحِسِّةَ جْرةٌ إليه، فإذا لم تَجِدْ ذلك فى كتابِ اللهِ تعالى، ولا كلامِ رسولِهِ صلّى الله عليه وسلّ، ولا كلامٍ أحدٍ من العَشّرةِ، ولا كلامٍ أحدٍ من السّابقين الأَوَّلبن من المهاجرين والأنصار رضى الله عنهم، فُدْ على نفسِك بِاللَائَةِ، وقل: لقد ألزمتُ(٣) القومَ بما لا يلزمُهم ، ولو لَزِمَهِم لَكان عليك اللَّوْمُ. ثم قلتَ عن المُتُكلِّمين: إنهم يقولون: ما يكونُ على وَفْقِ قياسِ العُقول فقولُوه ، وإِلَّا فانْفُوه . والقومُ لم يقولُو؛ ذلك، بل قالوا: صِفَةُ الكالِ يجبُ ثُبوتُها لِ، وصفةٌ النَّقْصِ يجِب نَفْعُها عنه. كما قالَه الإمامُ أحمدُ رضى الله عنه، قالوا: وما ورَد من اللهِ تعالى ومن رسولِهِ صلَّى الله عليه وسلَّ فَلْيُمْرَض على لُغَةِ العرب، التى أرسل اللهُ تعالى محمداً بلُغْتِها، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾(٣) فا فهمتِ العربُ فافْهَمْه، ومن (٤) جاءك بما يُخالفه فانِذْ كلامَه نَبْذَ الحِذَاءِ الْمُرَقَّع، واضْرِبِ بقولِهِ حائطَ الحُفىِّ . ثم نعقد فصلاً إن شاء اللهُ تعالى بعد إِنْساد ما نَزَغَ به، فى سبب وُرودِ هذه الآياتِ على هذا الوَجْهِ، فإِنه إنَّما تلقَّف ما نَزَع به فى مخالفةِ الجماعةِ، وأساء القَوْلَ على الِلَّهِ (٥) مِن خُثالة الملاحدةِ الطَّاعِنِين فى القرآنَ، وسَنُبَيِّن إن شاء اللهُ تعالى ضلالَهم، ويُعْلَم إذ ذاك (١) فى المطبوعة: ((نقل))، والتصويب من: ز، ك . (٢) فى: ز، ك: ((لزمت))، والمثبت من المطبوعة . (٣) الآية الرابعة من سورة إبراهيم. (٤) فى: ز، ك: (( ما))، وأثبتنا ما فى المطبوعة . (٥) فى المطبوعة: ((المسألة))، وأنبتنا ما فى: د. ولم نستطع ابتداء من هذا الموضع الإفادة من الفخة ((ز)» المحفوظة بدار الكتب المصرية لأسباب خارجة عن إرادتنا. - ٧٠ - مَن هو من فراخ الفلاسفة والُهُنُود (١)، ثم لو اسْتَحْسَى الفافل(٢) لعَرف مقدارَ عُلماءِ الأمّة رحمهم اللهُ تعالى، ثم هل رأَى مَن رَدَّ على الفلاسفةِ والُنُودِ(١) والرُّومِ والفُرْسِ غِيرَ هؤلاء الذين جعلهم فراخَهم، وهل النَّكلوا فى الرَّدِّ على هذه الطَّوائفِ على قومٍ لا عقل لهم ولا بصيرةَ ولا إدراك، ثم يَذَرُونِهِم يستدلُّون على إثباتِ اللهِ تعالى فى الحِجَاجِ (٣) على مُشْكَرِه بالنّقْل، وعلى مُنْكَرِى النُّبُوَّةِ بالنَّقْلِ حتى يعيرَ مُضْنَةٌ الماضِع، وضُجْمِكَةَ للمُسَزِئِ، وعَانَةً لِلعَدُوِّ، وفَرَحاً للحَسُودِ، وفى قصة الحسن بن زيادِ اللَّوْاُؤْىِّ(٤) عبرةٌ لمعتبر. ثم أخذ بعدَ هذا فى أنَّ الأمورَ العامَّةَ إذا نفيت عنها إنَّما يكون ولالها على: سبيلِ الإِلْغاز، قلنا : وكذلك المُجَسِّم يقولُ لك: دلالةُ الأُمور العامَّةِ على نَفْى الْجِسْمِيَّةِ إِلْغَازَ. ثم قال بعد هذا: ياسبحانَ اللهِ، كيف لم يقُل الرَّسُولُ صلَّى الله عليه وسلَّم يوماً مِن الدهرِ ، ولا أحدٌ مِنِ سَلَفِ الأُمَّة: هذه الآياتُ والأحاديثُ لا تعتقدُوا مَا دَأَتْ عليه؟ فيُقالُ له: ما الذى دَأَّتْ عليه حتى يقولُوا إِنَّه لا يُعْتَقَدُ؟ هذا تشفيعٌ(٥) بَحْتٌ . ثم يقولُ لك المُجَسِّمُ: ياسبحانَ اللهِ، لِمَ لَمْ يَقُل رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّ، ولا أحدٌ من سَلّف الأُمَّة: إِنَّ اللهَ تعالى ليس بحِسْمٍ، ولا قالوا: لا تعتقِدُوا(٦) من الأحاديثِ المُوهِمَةِ لِلِجِسْمِيَّةِ ظَرَاهِرَها؟ (١) فى المطبوعة: ((اليهود))، وأثبتنا ما فى : ه. وسبق نظيره قريبا: (٢) فى ك: ((العاقل))، والمثبت من المطبوعة. (٣) فى المطبوعة: ((الحجاب))، والتصحيح من : ك. (٤) راجع تاريخ بغداد ٣١٤/٧، ميزان الاعتدال ٤٩١/١ (٥) فى المطبوعة: ((تشيع))، وأثبتنا ما فى : د. (٦) فى المطبوعة: ( لا يفتقدون ))، وأثبتنا ما فى : ك . - ٧١ - ثم اسْتَدَلَّ بقولِهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَم فى صِفَةِ الْفِرْقَةِ النَّاجِيَة: ((هو مَنْ كَانَ عَلَى (١) مِثْلِ مَ أنا عَلَيْهِ الْيَوْمَ وأصْحابى))، قال المُدَّعِى: فَهَلَّ قال: مَن تمسَّك بظاهرِ القرآنِ فى آيَاتِ الاعْتقادِ فهو ضَالٌّ، وإِنما الهُدَى رُجوعُكم إلى مَقاييس عُقولِكم. فَلَعْلِ الناظرُ أنه ها هنا باهَتَ (٢) وزَخْرَفَ(٣) وتَتَبَّع بما لم يُعْطَه، فإنه قد ثبتَ أن طريقَ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلم وأصحابه رضى الله عنهم: الكَفُّ عن ذلك، فما نحن(٤) الآمِرون به، وأنه هو ليس بساكتٍ ، بل طريقُه الكلامُ، وأَمْرُ الدَّهَاءِ بَوَصْفِ اللهِ تعالى بحِهَةِ الُلُوِّ، وتَجْوِيرُ الإشارةِ الحِسِّيَّةِ إليه، فلبت شِعْرِى، مَنَ الُوافِقُ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّ وأصحابَه! ولكنْ صدَق القائلُ: رَمَنْنِى(٥) بدأيُها وانْسَلَتْ. ثم المُجَسِّمُ يقولُ له، حَذْوَ النَّعْلِ بالفعلِ ما قالَه لنا، ونقول له: لِمَ لا قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: النَّاجِيَةُ مَن قال: إنَّ اللهَ فى جِهَةِ الْعُلُوِّ، وإنَّ الإِشارةَ الحِسِّيَّةَ إليه جائزةٌ؟ فإن قال: هذه طريقةُ السَّلَفِ وطريقةُ (٦) الصَّحابة. فانا: مِن أنَ لك هذا؟ ثم لا تأمن(٧) مِن كلِّ مُبْتَدِعٍ أن يدَّعِىَ ذلك. ثم أفاد الُدَّعِى وأسْنَدَ أنَّ هذه المقالةَ مأخوذةٌ مِن تلامذة اليهود والمشركين وضلال الصَّابِئين. قال: فإنَّ أوَّلَ مَن حُفِظ عنه هذه المقالةُ: الجَعْدُ بنُ دِرْهَمٍ، وأخذَها عنه جَهُمُ (١) فى المطبوعة: ((ومن كان عليه مثل ... ))، وأثبتنا الصواب من: د. وانظر الحديث كاملا فى عارضة الأحوذى، شرح سنن الترمذى (باب افتراق هذه الأمة) ٣٧٩/٧، ٤٠٠، وتيسير الوصول لابن الدييع ( كتاب الفتن والأهواء) ١٥٦/٣. (٢) فى المطبوعة: ((باهى))، وأثبتا ما ق: د. (٣) فى المطبوعة: «تزخرف))، وأثبتنا ما فى: ك. (٤) فى ك: ((وأنا نحن))، والمثبت من المطبوعة. (٥) هو مثل، من كلام إحدى ضرائر رثم بنت الخزرج بن قيم اللّه بن رفيدة. راجع قصته فى اللسان (ع فل)، وجمع الأمثال ١٠٢/١، ٢٨٦ (حرف الباء ، والراء). (٦) كذا فى المطبوعة، وفى: ك: ((طريق» . (٧) كذا فى المطبوعة ، وفى : 4: « يأمن» . ع - ٧٢ - ابنُ صَفْوانِ، وأظهرها منُسِبِتِ مَقَالهُ الجَهْمِيَّةِ إليه، [قال](١): والجمدُ أخّذها عن أَبَانِ بنِ سِمْعان، وأخذها أَبَانُ مِن طَالُوتَ بنِ أُخْتِ كَبِيدِ بنِ الأعْصَمِ(٢)، وأخذها. طالوتُ من ◌َبِيدِ اليَهُودِىِّ الذى سحَر النبيَّ صلَّى الله عليه وسلّم. قال: وكان الحمدُ هذا فيما يُقالُ من أهلِ حَرَّانَ. فيُقال له: أيها المُدَّعِى أنَّ هذه المقالةَ مأخوذةٌ من تلامذة اليهود، قد خالفْتَ الضَّرُورةً فى ذلك، فإنه ما يخفَى على جميعِ الخَواصِّ وكثيرٍ من المَوامِّ أنَّاليهودَ مَجَسِّةٌ مُشَيِّاتٌ (٢)، فكيف يكونُ ضِدُّ التجْسِيمِ والتَّشْبِيهِ مأخوذاً عنهم؟ وأمَّا المشركون فكانوا عُبََّدَ أَوْثَانِ» وقد بَيَّتِ الأَمَةُ أَنَّ عَبَدَةَ الْأصْنامِ تلامذةُ المُشَيِّةِ، وأنَّ أصلَ عبادةِالصََّمِ النَّشْبِيهُ، فكيف يكون نَغْيُهُ مَأخوذاً عنهم؟ وأمَّا الصابئةُ فيلدُهم معروفٌ وإِفْلِيمُهم مشهور، وهل نحن منه أو خُصومُنا؟ وأمَّا كَوْنُ الجَعْدِ بنِ دِرْهَمِ من أهلِ حَرَّانَ فالنِّسْبَةُ مجِيحَةٌ، وترتيبُ هذا السََّدِ الذى ذكَرَه سيساًلُه الله تعالى عنه، واللهُ مِن ورائِهِ بالِمِنْصاد، ونس لو أتْبَعَهُ أَنَّ سندَ دَعْواه وعقيدتِهِ أنَّ فِرْءَونَ ظنَّ أنَّ إِلهَ موسى فى السماء! ثم أضاف المتَالَةَ إِلى ◌ِشْرِ المَرِيسِيِّ(٤)، وذكر أنَّ هذه التَّأويلاتِ هى التى أَبْطَلَتْهَا الأَمْهُ، ورَدَّ بِها علىِ بِشْرٍ، وأنَّ ما ذَكرِه الأستاذ أبو بكر بنُ فُورَك، والإمامُ نفخر الدين الرَّازِىُّ، قدَّس الله رُوحَهما، هو ما ذكره بِشْرٌ، وهذا يَهْرَجٌ لا يثبُت على مِحَكِّ النَّظَر القويمِ، ولا يُعْيارِ الفكرِ المُسْتقيم، فإِنه من المُحال أن تُشْكِرِ الأئمةُ على ◌ِشْرٍ أن يقولَ ما تقولُه العربُ، وهذان الإمامان ما قالاً إِلَّ ماقالتْه العربُ، وما الإنْكارُ على بِشْرٍ إِلَّ فيما ◌ِخالِفُ فيه لُغَةَ العربِ ، وأن يقُولَ عنها ما لم تقُلْه . ٠٠ (١) زيادة من: ك ، على ما فى المطبوعة. (٢) فى ك: ((أعظم))، والمثبت من المطبوعة، وهو المعروف، راجع أسباب نزول القرآن الكريم، الواحدى ٥١٣ فى قصة سحر النبي صلى الله عليه وسلم. (٣) كذا فى المطبوعة، وفى : ك : «مشبهة)). (٤) فى المطبوعة: ((المزنى)، وهو خطأ، أثبتنا صوابه من: ك، وراجع ما سبق فى ٤٤/٢ ١٤٧/٢، وانظر ترجمة ( بشر)» فى الأعلام ٢٨/٢. - ٧٣ - ثم أخذ بعدَ ذلك فى تصْدِيقٍ عَزْوَته إلى المهاجرين والأنصار رضىَ اله عنهم، وشرّع فى النَّقْل عنهم ، فقال: قال الأوْزاعِىُّ: كُنَّا، والنَّا بِعون مُتَوافِرون، نقول: إنَّ الله - تعالى ذِكْرُه - فوقَ عرشِهِ . فنقول له : أوَّلَ ما بدأَتَ به الأَوْزاعِىُّ وطبقْتُه ومَن بعدَهم، فأينَ الساِقون الأَوَّلُون من المهاجرين والأنْصار؟ وأما قولُ الأَوْزاعِىِّ فأنتَ قد خالفْتَه، ولم تقُلْ به؛ لأنَّك قاتَ : إِن الله [ليس)](١) فوق عَرْشِه، لأَنَّكَ قَرَّرْت أن العرشَ والسماء ليس المُرادُ بهما إِلَّا جِهَةَ العُلُوِّ، وقلت: المُرادُ من فوق عرشِه، والسماء ذلك، فقد خالفْتَ قولَ الأَوْزاعِيِّ صريحاً، مع أنَّك لم تقُلْ قَطُّ مَا يُفْهَم، فإن (٣) قَرَّرْتَ أن السماءَ فى العرشِ كَحَلْقَةٍ مُلْاةٍ فِى فَلاةٍ، فكيف تكونُ هى هو (٣)؟ ثُمَّ مِن أَنَ لك صِحَّةُ هذا النَّقْلِ عن الأَوْزاعِىِّ؟ وبعدَ مُسامحِتِك فى كلِّ ذلك، ما قال الأَوْزاعِىُّ: اللهُ فوقَ العرشِ حقيقةً، فمن أين لكَ هذه الزّيادة؟! ونقل عن مالكِ بنِ أَنّس ◌ِ والتَّوْرِىِّ واللَّيْثِ والأَوْزاعِىِّ، أَنَّهم قالوا فى أحاديثٍ الصِّفاتِ: أمِّرُّوها (٤) كما جاءتْ. فيُقال له: لِمَ لا أَمْسَكْتَ على ما أَمَرَتْ به الأَمةُ؟ بل وَصَفْتَ اللهَ بِحِمَةِ المُلُوِّ! ولم يرِدْ بذلك خبرٌ، ولو بذَلْتَ قِرابَ الأرْضِ ذَهَباً على أن تسمعَها من عالمٍ رَبَّافِيّ لم تفْرَحْ بذلك، بل تصرَّفْتَ ونَقَلْتَ على ماخطَر لك، وما أمْرَرْتَ ولا أفْرَرْتَ ولا امْتتلْتَ مانقلتَه عن الأَّمَةِ . وروَى قولٌ رَبِيعَةَ ومالكٍ: الاِسْتواءُ غيرُ مجهولٍ. فليت شِعْرِى! مَن قال إنَّه مجهولٌ؟ بل أنتَ زَعَمْتَ أْه ◌ِمَعْنَى عَيَّنْتَه وأرَدْتَ أَن تَعْزُوَهُ إلى الإمامَين، ونحن لا نَسْمَحُ لك بذلك . (١) سقط من : ك، وأتيتناه من المطبوعة. (٢) كذا فى المطبوعة، وفى : ك: «فإنك قررت». (٣) فى المطبوعة: ((تكون هى بعد)). وأثبتنا الصواب من : ك. (٤) فى المطبوعة: ((أفروها)). والمثبت من: ك ، وسيأتى نظيره. - ٧٤ - ثم نقَل عن مالكِ أنه قال للسائلِ: الإيمانُ به واجبٌ، والسُّؤْالُ عِنْهِ بِدْعَةٌ وما أَرَاكَ إِلَّ مُبْتَدِعاً. فأمَر به فَأُخْرِج. فيُقال له: ليت شِعْرِى! مَن امتثَل مِنّا قول مالك؟ هل امتثلْناه نحن، حيث أمَرْنا بالإمساك، والْجَمْنا العوامَّ عن الخَوض فى ذلك، أو الذى جَعَبِله دِراسَتَهَ(١)، ◌ُلْقِهِ وَبَقِّته [وَيَلَقِّنه](٢) وَمَكُتُبِه ويُدَرِّسه، وبأمر العَوامَّ بالخَوْضِ فيه؟ وهل أَنكَرِ على المُسْتَفْتِى فى هذه المسألة بَعَينها، وأُخْرَجه، كما فَل مالكٌ رضى الله عنه فيها بَيْنها؟ وعند ذلك يَعلم أن مانَقْلَه(٣) عن مالكِ حُجَّةٌ عليه لا له :ثم نقَلِ عن عبدِ العزيز بن عبد الله بن أبى سَلَمَة الماِجِشُون، أنه قال وقد سُئِلِ عمّا جَحَدَت بِهِ الجَهْمِيَّةُ: (( أما بعد، فقد فهمتُ فيما سألتَ فيما بسامعت (٥) الْجَهْمَيّة]٤). ومَن خالفها فى صِفةِ الرّبّ العظيم الذى فاقَتْ عظمته الوصفَ والتَّقدير، وَكَلَّت الألسنُ: عن تفسير صِفته، وانحَرَت (٦) العقولُ دُونَ معرفةٍ قُدْرَتِهِ، رَدَّت عظمتُه العقولَ فلم يجد مَاغً فَرَجَعت خاسِئةً وهى حَسِيرَة، وإنما أُمِروا بالنظر والتفكّر فيما خَلَق بالتقدير، وإنما يقال: ((كَيْفَ)) لمن لم يكن مَرَّةً ثم كان، فأما الذى لاَ يُحُول ولا يَزُول، ولم يَزَلْ، وليس له مِثْل، فإنه لا يَعَلَمُ كِفَ هو إلّا هو، وكيف يُعْرَفُ قَدْرُ مَن لم يَبْدًا وَمَن لا يموت ولا يَبْلَى؟ وكيف يكون لِصِفةٍ(٧) شىء منه حدٌ أو منتهى يعرفُهُ عَارِفٍ، أو يَحُدّ قَدْرَه واصِفِ؟ على أنه الحَقُّ المُبِينَ، لا حَقَّ أَحَقُّ منه، ولا شىءَ أَ بَيَنُ منه. والدليلُ على عَجْزِ الْعُقُول عن تحقيقِ صِفته عَجْزُها عن تحقيق صِفةٍ أصغرٍ خَلْقِه، فلا تكاد تراه صغيرًا يَحُول ويَزُول، ولا بُرَى له سَمعٌ ولا بَصرٌ، بل (٨) مَا يَتَقلَّب به (١) كذا فى المطبوعة، وفى: ك : («داسته)). (٢) زيادة من المطبوعة، على ما قى : ك . (٣) فى المطبوعة: ((قاله))، والمثبت من : ك. (٤) ما بين المحاصرتين ، سقط من المطبوعة، ومكانه فيها بياض، وأثبتناه من: ك (٥) هكذا وردت الكلمة فى: ك ، ولم نعرف صوابها . .(٦) فى المطبوعة: ((اخصرت))، وأثبتناه بالسبن من: ك. (٧) فى المطبوعة: ((لصفته لشىء منه جداً ومنتهى))، والتصحيح من: إن. (٨) كذا فى المطبوعة، وفى : ك ( !! )). - ٧٥ - ويحتال مِنْ عقلِهِ أَعْضَلُ بك وأُخْفَى عليك ◌ِمّا ظَهَر مِن سمعه وبصره، فتبارك اللهُ أحسنُ الخالقين وخالِقُهم، وسيِّدُ الساداتِ ورَبُّهم . ثم نقل عنه الأحاديث الواردة فى الصُّات، وذكر قوله: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتْهُ بَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمُواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾(١) قال: فواللهِ ما دَأَّهُم على (٢) عظيم ما وَصَف مِن نفسِهِ، وما تُحِيط به قَبْضَتْه إِلّا صغر نظرها (٢) منهم عندهم أن ذلك الذى أُلْقِىَ فى رُوعِهِم وخلق على معرفة قلوبهم، فما وَصَف مِن نفسِهِ فَسَمّه على لسانِ رسولِهِ صلى الله عليه وسلم، سَمَّيناه كما سَمَاه، ولم تَتَكلَّفْ(٤) منه صِفَةً مَا سِواه، لا هذا ولا هذا، لا نَجْحَدُ ما وَصَفَ، ولا نَتَكَلَّفُ مَعرِفَةً ما لم يصِفِْ(٥) .. وبَسَط الماِجِشُون كلامَه فى تقرير هذا . ٤ فنقول لهذا الحاكِى: نِعْمَ الحُجَّةُ أتيتَ بها، ولكن لَنَا، ونِعْمِ السِّلَاحُ حَلْتَ ، ولكن لِلْدَى. أمّا كلامُ عبدِ العزيز رضى الله عنه، وما ذَكر من كبرياء الله وعظمتِهِ، وأنها تُحَبِر المقولَ، وَتَشْدَهُ(٦) الفُهُوم، فهذا قاله العُلماءِ نَظْماً ونَثْرا، وأنت أزْرَيْتَ على سادات الأثّة وأعلامِ الأمّة فى ثانى صفحة نَزَغْتَ(٧) بها، حيث اعترفوا بالعَجْز والتقصير، ونَعَيْتَ(٨) عليهم ذلك، وَعَدَدْته عليهم ذَنْبا، وأنت معذورٌ وهم معذورون، وجعلتَ قولَ عبدِ العزيز حُجَّتَك(٩)، وقد ذكر (١٠) فى القَبْضَة ما يقوله المُتُكلِّمون فى كلِّ مَوضِع، (١) سورة الزمر ٦٧ . (٢) هنا انتهى سقط النسخة ((ج)) السابق فى صفحة ٦٥ (٣) هكذا فى الأصول، وسياق الكلام غير ظاهر. (٤) فى المطبوعة: ((ولا لم يتكلم منه))، وأثبتنا ما فى: ج، ك. (٥) فى المطبوعة: ((يتصف))، والمثبت من: ج ، ك. (٦) فى المطبوعة: ((وتبر))، وأثبتنا ما فى: ج، ك. (٧) فى المطبوعة: ((ترغب))، وأثبتنا ما فى: ج، ك. وسبق هذا الفعل قريبا. (٨) فى المطبوعة: ((وتعيب))، والمثبت من: ج، ك . (٩) فى المطبوعة: ((حجة))، والمثبت من: ج، ك. (١٠) فى المطبوعة: ((وقد ذكرنا فى القضية))، وأثبتنا ما فى: ج ، ك. : - ٧٦ - وأَمْرُ عبدِ العزيزِ أن يَصِفِنَ الرَّ بما وَصَف به نفسَه، وأن يسكتَ عمّ وراء ذلك، وذلك قولُنَا وفِعْلُنَا وعَقْدُنا(١) وأنت وصَفْتَه بجهة الغُلُوّ، وما وصَفَ (٣) بها نفسَه، وجَوَّزْتَ الإشارةَ الحِسِّيّةَ إليه، وما ذَكرها، ونحن أمْرَرْنا(٣) الصِّفاتِ كما جاءت، وأنت جمعت بين العرشِ والسماء بُحِيهَهُ(٤) العُلُوّ، وقلت: فى السماء حقيقة، وفى العرش حقيقة، فسُبحان واهب العقولٍ ، ولكن كان ذلك فى الكتاب مَسْطُوراً . ثم ذكر عن محمد بن الحسن اتّفاقَ الفقهاء على وَصْفِ الربّ بما جاء فى القرآن وأحاديثِ الصَّفَاتِ. فنقول له: نحن لا نترُكُ مِن هذا حرفاً، وأنت قلت: أَصِفُ الربَّ تعالى بحِهِةِ الْعُلُوّ، وأُجَوِّز الإشارةَ الحِسِّيّةَ إليه، فأين هذا فى القرآن وأخبارِ النَّقات؟ ما أنَدْتَنَا فِى الفُقْيا من ذلك شيئاً . ونَقَل عن أبى عبيد القاسم بن سلام رضى الله عنه، أنه قال: إذا سُئِلْنا عن تفسيرها لا نُفُسِّرُها، وأنه قال: ما أدْرَ كْنا أحداً بُفّسِّرها. فنقول له: الحمدُ لله، حصَل المقصودُ، ليت شِعْرِى! مَن فَسَّر السماء والعرشَ وقال: معناهما جِهَةُ العُلُوّ، ومَن ترك تفسيرَهما وأمَرَّهما كما جاءا؟ ثم نقل عن ابن المُبَارَكُ رضى الله عنه، أنه قال: يُعْرَف ربًُّا بأنه فوقَ سمائِه على عرشِهِ، بائنٌ مِن خَلْقِه، ولا نقول كما تقول الجَهْمِيّة إنه هاهنا فى الأرض. فنقول له : قد نَصَ عبدُ الله أنه فوقَ سمائِهِ على عَرْشِه، فهل قال عبدُ الله: إن السماء والعرشَ واحدٌ ، وهى جِهَة الْمُلُوّ؟ (١) فى المطبوعة: ((عقيدتنا))، والمثبت من: ج ، ك. (٢) فى المطبوعة: (( به))، والمثبت من: ج، ك. (٣) فى المطبوعة: (أقررنا))، وأنبتنا ما فى: ج، ك. وسبق نظير هذا الفعل قريبا، ويأتى أيضا . (٤) فى المطبوعة: ((بصفة))، والمثبت من: ج، كـ، وسيأتى كثيرا. - ٧٧ - ونقل عن حَمّاد بن زيد أنه قال: هؤلاء الجَهْمِيَّةُ إنما يُحاوِلون أن يقولوا: ليس فى السماء شىء. فنقول له أيضاً: أنت قلتَ بمقالتهم، فإنك صرَّحتَ بأن السماء ليس هي ذاتها، بل المعنى الذى اسْتَقَّتْ منه، وهو السُّمُوّ، وفَّرَتَه بحِهِةِ الْعُلُوَ، فالأولى لك أن تَنْعَى على نفسِك مانَعَاه حمادٌ على الجَهْمِيّة. ونقّل عن ابن خُزيمةَ أن من لم يقُلْ إن اللّهَ فوقَ سمواته على عرشه، بأنٌ مِن خَلْقِهِ، وجَب أن يُسْتقابَ، فإن تاب وإلّا ضُرِبتْ مُنُقه، ثم أُلْقِىَ على مَرْبَلَةَ، لئلّا بِتَأْذِّى به أهلُ القِيْلة وأهلُ الدِّمة. فيقال له : الجوابُ عن مثل هذا قد تقدَّم، على أنّ ابنَ خُزَيمةَ قد عَلِمِ الخاصُّ والعالم حديثَه فى العقائد، والكتابُ الذى صَنَّفه فى التشبيه، وسَمّاه بالتوحيد، ورَدُّ الأمةِ عليه: أكْثَرُ من أن يُذْ كَرَ، وقولُهم فيه ما قاله(١) هو (٢) فى غيرِهِ، معروفٌ. ونَقَل عن عبّاد الواسطِىّ، وعبد الرحمن بن مَّهْدِىّ، وعاصم بن على بن عاصم، نَحْواً ممّا نَقَلِه عن حَمّاد، وقد بَيَّنَاه . ثم ذكر بعد ذلك ما صَحَّ عن أنس بن مالك رضى الله عنه، قال: كانت زينبُ تفتخر على أزواجِ اثْنِىِّ صلى الله عليه وسلم، تقول: زَوَّجَكُنَّ أمالِيكُنّ، وَزَوَّجَيِ اللهُ مِن فوقٍ سبعِ سموات(٣) . فنقول : ليس فى هذا الحديثِ أنّ زينبَ قالت: إن اللهَ فوقَ سبعٍ سموات، بل إن تَزْويجَ اللهِ إيّاها كان من فوقٍ -بعِ سموات . 4 (١) فى المطبوعة، ك: ((ما قالوه))، وأثينا ما فى: ج . (٢) فى المطبوعة: ((له هو))، وحذفنا ((له)» كما فى: ج، ك. (٣) فى: ج، ك: ((سمواته))، وأثبتنا ما فى المطبوعة، ومثله فى الاستيعاب ١٨٥٠، والعقد الثمين ٢٢٧/٨. - ٧٨ = ثم نَقَلَ عن أبى سُليمان الخَطّابىّ ما نقله عن عبدِ العزيز الماِجِشُون، وقد بَيّبًا مُواعقَتنا له، وُخالَفَتْه لذلك. وحكاه أيضاً عن الخطيب، وأبى بكر الإسماعيلىّ، ويحيى بن عمار، وأبى إسماعيل الهَرَوِىّ، وأبى عثمانَ الصابُونِيّ. وحَكَى عن أبى نَعَيْمِ الْأصْبَهانىّ أن الأحاديثَ الثابتةَ فى الاستواء يقولون بها، وُيُثبتونها من غير تكييف ولا تمثيلٍ ولا تشبيه، وهو مُسْتَوِ على عرشِه فى سمائه دُونَ أرضِهِ .. وحكاه عن مَعْمَر الْأصْبَهَافِىّ، وقد بَيّا لك غيرَ مَا مَرَّةٍ أَنَّهِمُخالِفٌِ لهذا، وأنه ما قال به. طَرْفَةَ عَينٍ إلَّا ونقَضَه؛ لأنّ السماء عندَه ليست هى المعروفةَ، وأن السماءِ والعَرْشَ لا معنى لهما إلّ جِهَةُ الْعُلُوّ. وحكى عن عبد القادر الجيلِىّ أنه قال: اللهُ بجهة العُلوّ مُسْتَوِ على عَرشِهِ. فليت شِعْرِى! لِمَ احْتَجَّ بِكلامِهِ وَتَرَكْ مِثلَ جعفر الصادِقِ والشِّبْلىّ والجُنَيْد وذى النُّون المِصْرِىّ وجعفر بن نُصَير، وأضرابِهِم رضى الله عنهم؟ وأمّا ما حكاه عن أبى عمر بن عبد البرّ، فقد عَلِمِ الخاصُّ والعامّ مَذْهَبَ الرِّجُلِ ومُخالفَةَ الناسِ له، ونَكِيرُ المالكيّة عليه، أوَّلًا وآخِرًا مَشْهور، ومُخالفَتُه لإمام الغرب أبى الوليد الباحِىّ معروفة، حتى إنّ فُضَلاء المغرب يقولون: لم يكن أحدٌ بالمغرب يَرَى هذه الَقَالَةَ غيرَه وغيرَ ابن أبى زيد، عَلَى (١) أن العلماء: منهم مَن قد اعتذر عن ابن أبى زيد، بما هو موجودٌ فى كلام القاضى الأجَلِّ أبى محمد عبد الوهاب البغداديّ المالكى ، رحمه الله . ثم إنه قال: إنّ اللهَ فى (٢) السماء على العرش، مِن فوقٍ سبع سموات، ولم يَعْقِلْ ما معنى فى السَّاء على العرش من فوق سبع سموات . (١) فى المطبوعة: ((غير))، وأثبتنا ما فى: ج، ك. (٢) فى المطبوعة: ((إن الله فوق فى السماء)). وأثبتنا ما فى: ج ، L - ٧٩ - ثم إنّ ابنَ عبدِ البَرّ ما تأوَّلَ هذا الكلامَ، ولا قال كمقالَةٍ (١) المُدَّمِى إن المرادَ بالمَرْش والسماء جِمَةُ الْعُلُوّ. ثم نَقَل عن البَيْهَقِىّ رحمه الله، ما لا تعلُّقَ له بالمسألة، وأعاد كلامَ مَن سَبق ذِكرُ .. ثم ذكر بعدَ ذلك شيخنا أبا الحسن علىَّ بن إسماعيل الأشعرىَّ، وأنه يقول: الرحمنُ على العرش اسْتَوَى، ولا نتَقدّمُ بين يَدَى اللهِ تعالى فى القول، بل نقول: اسْتَوَى بلا كَيف. وهذا الذى نَقَله عن شيخنا هو نِحْلَتُنا وعقيدتُنا، لكنْ نقلُه لـ كلامِه ما أراه(٢) إلا قَصْدَ الإيهام أنَّ الشيخَ يقول بالجهة، فإن كان كذلك فلقد(٣) بالَغَ فِى الَهْت. وكلامُ الشيخِ فى هذا أنه قال: كان ولا مَكمان، فخَلَقِ العَرْشَ والكُرسِيَّ، فلم يَحْتَجْ إلى مكان، وهو بَعْدَ خَلْقِ المكانِ كما كان قبلَ خَلْقِهِ. وكلامُه وكلامُ أصحا به رحمهم الله يَصْمُب حَصرُه فى إبطالِها . ثم حكى ذلك عن القاضى أبى بكر ، وإمام الحرَمَيْن. ثم ◌َسَّك بِرَفْعِ الأَيْدِى إلى السماء، وذلك إنما كان لأجْلٍ أن السماءَ مَنْزِلُ البركاتِ والخيرات، فإنّ(٤) الأنوارَ إنما نَنْزِلُ منها والأمطار، وإذا ألِفَ الإنسانُ حُصولَ الخيراتِ من جانبٍ مالَ طَبْعُه إليه، فهذا المعنى الذى أُوْجَب رَفْعَ الأيدِى إلى السماء، وقال الله تعالى: ﴿ وَفِىِ السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ)(٥) . ثم [إن](٦) اكتفَى بمِثْل هذه الدّلالةِ فى مَطالِبِ أُصولِ الَقائد، فما يُؤْمِّله مِن (١) فى المطبوعة: ((بمقالة))، والمثبت من: ج، ك. (٢) فى المطبوعة: ((ما أراد به))، وأنبتنا ما فى : ج، ك. (٣) فى المطبوعة: ((فقد))، والمثبت من: ج، ك . (٤) فى المطبوعة: ((لأن))، والثبت من: ج، ك. (٥) سورة الذاريات ٢٢. (٦) ساقط من المطبوعة، وأثبتناه من: ج، ك. - ٨٠ - مُدَّعٍ يقول: اللهُ تعالى فى الكَعْبة؛ لأن كُلَّ مُصَلّ بُوجِّه وَجْهَه إليها ، ويقول: ﴿وَجُّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِىِ نَظَرَ السَّمُواتِ وَالْأَرْضَ﴾(١). أو يقول: اللهُ فى الأرض، فإن الله تعالى قال: ﴿كَلَّا لَا تُطِمْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾(٢). والاقترابُ بالسُّجود فى المسافة إنما هو فى الأرض. وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم ( أَقْرَبُ مَا يَكُونُ العَبْدُ فِى سُجُودِهٍ)) . ثم ذكر بعد ذلك ما أجّبْنا عنه مِن حديثِ الأوعال. وذكر بعدَ ذلك ما لا تَعَلَّقَ له بالمسئلة، وأخذ يقول: إنه حَكَى عن السَّلَفِ مِثْلَ مَذْهِبِه، وإلى الآن ماحَكَّى مَذْهَبَه عن أحدٍ ، لامِنِ سَلَفٍ ولا مِنِ خَلَفٍ ، غَيْرَ عبد القادر الجيلىّ، وفى كلام ابن عبد البرّ بَعْضه، وأمّا العشرة وباقى الصحابة رضى الله عنهم، فانبس (٣) عنهم بحرفٍ. ثم أخذ بعدَ ذلك فى مَوَاعِظَ وأدعيةٍ، لا تَعَلَّقَ لها بهذا. ثم أخذ فى سَبِّ أهلِ الكلام ورَجْمِهِم، وما ضَرَّ القَمَرَ مَن نَبَحَه. وقد تبيَّنَ بما ذكرناه أن هذا الحَبْرَ الحُجَّةَ يُرَجِّمَ فُتَياه أنه يقول ما قاله الله ورسوله والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، ولم ينقُلْ مَقالَتَه عن أحدٍ من الصحابة. وإذ قد أنينا على إنْسادٍ كلامِهِ ، وإيضاح إبهامه ، وإزالةِ إبهامه، ونَقْض إبْراءِهِ، وتَنْكَبِسِ أعلامِهِ، فلنأْخُذْ بعدَ هذا فيما يتعلَّقُ بِغَرَضِها وإيضاحٍ نِحْلِنا، فنقول وبالله التوقیق : على سامعِ هذه الآياتِ والأخبار المُتعلِّقة بالصَّفات ما قدَّمناه(٤) من الوظائفِ، وهى التقديسُ والإيمانُ والتصديقُ، والاعترافُ بالعَجْز، والسُّكُوتِ والإمساك عن التصرُّفِ فى الألفاظ الوارِدَة، وَكَفُّ الباطِنِ عن التَّفكُّر فى ذلك، واعتقادُه أنّ مَا خَفِىَّ عنه (١) سورة الأنعام ٧٩ . (٢) الآية الأخيرة من سورة العلق. " (٣) فى المطبوعة: ((نبت)»، والمثبت من: ج ، ك : (٤) فى المطبوعة: ((قررناه))، والمثبت من: ج ، ك ..