النص المفهرس

صفحات 381-400

- ٣٨١ -
إقبالُ الدِّيوان العزيز عليه؟ فقال ذاك الفقيه: ما أنصفُوه على قدر استحقاقه. فقال الأثير:
ما هذا إلّ ◌َجَبٌ ، واللهِ مادخل بغدادَ مثلُ الشيخ. فاستعظمتُ منه هذا الكلام، وقات:
ياسيِّدَنا كيف تقول كذا؟ فقال: ياولدى، ما دخل بغدادَ مثلُ أبى حامد الغَزّالىّ، وواللهِ
مابينه وبين الشيخ نِسْبة (١).
وكان الأثير على جلالة قَدْرِهِ فى (٢) العلوم يأخذ الكتابَ ويَجلس بينَ يديه، يقرأ عليه،
والناس يومَ ذلك يشتغلون فى تصانيف الأثير ، ولقد شَهِدتُ هذا بعينى، وهو يقرأ عليه
كتاب الَجَسْطِىّ .
ولقد حَكى (٣) بعضُ الفقهاء أنه سأل الشيخَ كمالَ الدِّين عن الأثير، ومنزلتِه فى العلوم،
فقال: ما أَعْلَ. فقال: وكيف هذا يامولانا، وهو فى خدمتك منذ سنين عديدة، يشتغل(٤)
عليك؟ فقال: لأنّنى مهما قلتُ له تلقَّه بالقَبُول، وقال: نعم يامولانا. فما جادَلَئِ فى مَبْحثٍ
قطُّ حَتّى أُعْلَّ حقيقةَ فضِلِهِ .
(١) عقب المصنف على هذا فى الطبقات الوسطى فقال:
«قلت: وهذه مجازَفَةٌ مُعرِطة، وما ابن يونُس والغَزّالىّ إلا كما قيل:
هو فى الُرَيّ والمُمَ نِدُ تحت أطباقِ الثَّرَى))
وجاء بإزاء هذا فى الطبقات الوسطى حاشية :
أَحْسَنْتَ يا عَلَمَ الُدا ةِ وبالإصابةِ قد نَطَقْاَ
الُبَيَّنِ فى تراجمِ مَن ذَكَرْنَاَ
وأنيتَ بالحقِّ
وخُصُوصاً الرَّجُلانِ ها ذانِ اللذانِ هِنا وَصَفْتَ
أُحْسَى بِكَ اللهُ الْعُلُو ◌َ فِكُلَّ العَالَمِينَ فُقْتَ
وكتب العبد الفقير محمد بن الشهر زورى)) .
وعجز البيت الأخير مضطرب الوزن.
(٢) فى المطبوعة: ((فى))، والثبت من: ج، ز، والطبقات الوسطى، والوفيات.
(٣) فى الوفيات: (حكى لى ... )).
(٤) فى المطبوعة: ((وكان يشتغل ... )) وحذفنا هذه الزيادة، كما هو فى: ج، ز، والوفيات،.
لكن فيها: ((ويشتغل».

- ٣٨٢ -
ولا شكَّ أنه كان يعتمد هذا القَدْرَ مع الشيخ تأذُبًا، وكان مُعِيدًا عِندَه فى المدرسة
الْبَدْرِيّة ، وكان يقول: ماتركتُهُ بِلادى وقصدت الَوْصِلَ إلّا للاشتغالِ على الشيخ.
(١) وكان شيخُنا تقىُّ الدِّين أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن، المعروف بابن الصَّلاحِ،
المتقدِّم(٢) ذِكرُه، يبالغ فى الثناء على فضائله وتعظيم شأنه وتوخُّدِه فى العلوم، فذكره يوماً ،
وشَرع فى وصفه على عادته، فقال له بعضُ الحاضرين: ياسِّدَنا علَى مَن اشتغل، ومن كان
شيخَه؟ فقال: هذا الرجلُ خلقه الله إماماً عالِماً فى فنونه، لايقال: عَلَى مَن اشتغل،
ولا من كان شيخّه ، فإنه أكبرُ من هذا ..
وحَكى [لى](٣) بعضُ الفقهاءُ بالَوْصِل أن ابنَ الصَّلاح المذكورَ سَألِهِ أن يقرأ عليه.
شيئاً من المنطق سِرًّا، فأجابه إلى ذلك، وتردّد إليه مدّةً، فلم يُفتح عليه بشىء ، فقال له:
يافقيهُ، المصلحة عندى أن تتركَ الاشتغالَ بهذا الفنّ. فقال له: ولِمَ ذلك يامولانا؟ فقال:
لأن الناسنَ يعتقدون فيك الخيرَ، وهم ينسبون كلَّ مَن اشتغل بهذا الفنّ إلى فساد الاعتقاد،
فكأنك تُفْسِدِ عقائدهم فيك، ولا يحصل لك من هذا الفنّ شىء. فقَبِلِ إشارته
وزك قراءته .
: ومَن(٤) يقف على هذه الترجمة فلا(٥) يفسُبنى إلى المغالاة فى حقِّ الشيخ، ومَنِ كان
من أهل تلك البلاد، وتَرف ما كان عليه الشيخ، عَرف أنى ما أعَرْتُه وصفاً، ونعوذ بالله
من الغُلُوّ والتَّساهُلِ فِى النَّقْل (٦) .
(١) من هنا إلى قوله: ((وترك قراءته)) ليس فى وفيات الأعيان، ونرى أنه مما سقط منها،
ذلك لأن قوله: ((وكان شيخنا .... المعروف بابن الصلاح)) مما ينصرف إلى ابن خلكان، فقد
ذكر فى ترجمته فى الوفيات ٤٠٨/٣، قال: ((وهو أحد أشياخى الذين انتفعت بهم)). ويؤكد هذا
سياق الكلام فى الطبقات الوسطى، فقد جاء فيها: ((قال: وكان شيخنا ابن الصلاح)) فرجع الضمير
فى (( قال)) إلى ابن خلكان.
(٢) انظر الحاشية السابقة، وتقدمت ترجمته عندنا أيضا فى صفحة ٣٢٦ من هذا الجزء.
(٣) زيادة من: ج، ز، على ما فى المطبوعة.
(٤) من هنا فى وفيات الأعيان.
(٥) فى الوفيات: ((فقد)).
(٦) بعد هذا فى الطبقات الوسطى: «وقال ابن أبى أصيبعة فى تارخ الأطباء: هو علامة زمانه
وأوحد أوانه، وقدوة العلماء وسيد الحكماء، وأطنب فى وصفه». اهـ وقوله: (( أوانه)) كنا
تظنها: ((أقرانه)) ولكنا وجدناها كذلك فى عيون الأنباء لابن أبى أصيبعة.

- ٣٨٣ -
وقد(١) ذكره أبو البركات ابن المُسْتَوْفِى المتقدِّم(٢) ذَكُرُه، فى «تاريخ إِرْبِل)» ، فقال:
هو عالِمْ)(٣) مُقَدَّمْ، ضَرَب فى كلِّ عِلْم، وهو فى على الأوائل، كالهندسة والمنطق وغيرِ ها،
◌ِمِّنْ يُشار إليه، حَلّ أَقْلِيدسَ والمَجَسْطِىّ، على الشيخ حرف الدِّين المظفَّر بن محمد بن المظفَّر
العُّوسِىّ الفَارِبِىّ(٤) ، يعنى صاحب الاسْطِرْلاب الخَطّىّ، المعروف بالعصا(٥).
قال ابن المُسْتَوْفِى: ووردت عليه مَسائلُ من بغدادَ، فى مشكلات هذا العِلْ، خلّها
واستصغرها ، ونَبَّه على براهينها بعد أن احتقرها، وهو فى الفقه والعلوم الإسلامية نَسِيجُ
وَحْدِهِ، ودَرَّس فى عدَّةٌ مَدارِسَ بالَوْصِل، وتُخرَّج عليه خلق كثيرٌ فى كلٍّ من.
ثم قال: أنْشدَنا لنفسه، وأنْذها إلى صاحب الَوْصِلِ، يشفع(٦) عندَه:
فَمَعْلَكَةُ الدُّنْيَا بِكُمْ تَرَّفُ
لَيْنْ ثَرَفَتْ أَرْضْ بمالِكِ رِقُّهَاَ
◌َكَّنَ فِى أَمْصارٍ فِرْ عَوْنَ يوسُفُ(٧)
ومُكِّئْتَ مِنْ حِفْظِ البَسِيطَةِ مِثْلَ مَاَ
وسَعْيُكَ مَشْهُورٌ وَحُكْمُكَ مُنْصِفُ (٨)
بَقِيتَ بَقَاءَ الدَّهْرِ أمْرُكَ نافِذٍ
قلت أنا: ولقد أنشدَ فى هذه الأبياتَ عنه أحدٌ أصحابِهِ(٩) بمدينة حَلَب، وكنت بدِ مَشْقَ،
سنةَ ثلاث وثلاثين وسمائة، وبها رجلٌ فاضلٌ فى عُلوم (١٠) الرِّياضة، فأشكل عليه مَواضِعُ
من مَسائِلٍ (١١) الحساب والجَبْر والمقابلة والمساحة وأُقْلِيدِسَ، فكتبَ جميعها فى دَرْجٍ
(١) فى المطبوعة: ((فقد))، وأثبتنا ما فى: ج، ز، وفى الوفيات: ((ولقد)).
(٣) فى الوفيات ٢٩٨/٤: ((علم ))
(٢) فى الوفيات ٢٩٤/٣
(٤) فى الوفيات ٣٩٩: ((القارى)).
(٥) فى الأصول: ((بالعصائم))، وهو خطأ، واسطرلاب ((العصا)» معروف. انظر مفتاح
السعادة ٣٨٩/١، ولاشك أن هذه الزيادة عندنا تصحيف للحرف ((ثم))، فقدجاء فى الوفيات: ((المعروف
بالعصا، ثم قال ابن المتوفى ٠٠٠٠» .
(٦) فى المطبوعة: ((ليشفع))، وأنبتنا ما فى: ج، ز، والوفيات. والشعر فيها وفى کثیر من
(٢) جاء هذا البيت فى الوفيات ثالث الآيات، وهو الأولى.
مصادر الترجمة . .
(٨) فى المطبوعة: ((بقيت بقايا))، والتصحيح من: ج، ز، والوفيات.
(٩) فى الوفيات ٣٩٩: ((أصحابنا)).
(١٠) فى المطبوعة: ((علم))، والمثبت من: ج، ز، والوفيات.
(١١) فى المطبوعة: ((فى الحساب))، وأسقطنا (( فى)، كما فى: ج، ز، والوفيات .

- ٣٨٤ -
وسيَّها إلى الَوْصِل، ثم بعد أعْهُر عاد جوابُه، وقد كشفَ عن خَفِيِها، وأوضح غامِضها،
وذكر ما يَعْجِز الإنسانُ عِن وصفه، ثم كتب(١) فى آخر الجواب: فْلُمَهِّدِ الْعُذْرُ فى التقصير
فى(٢) الأجوبة؛ فإن القَريحةَ جامِدةٌ، والغِطْنةَ خامِدةٌ ، قد استولى عليها كثرةُ النِّسيان،
وشغلها حوادثُ الزّمانِ، وكثيرٌ ممّا استخرجْنَاه وعرَفْناه نَسِيِناء، بحيث صِرْفًا
كأنا ماعرفناه .
وقال لى صاحب الَبائل المذكورة: ماسمعتُ [مِثْلَ](٣) هذا الكلام إلا للأوائل
المُتْقِنِين(٤) لهذه العُلوم ، ماهذا من كلام أبناء هذا(٥) الزّمان.
وحَكى (٦) لى الشيخُ الفقيه الرِّيَاضِىُّ عَلَمُ الدِّين قَيْصَر بن أبى القاسم بن عبد الغنىّ
ابن مسافر الحدفىّ المقرى(٢)، المعروف بتعاسيفَ، وكان إماماً فى علوم الرِّياضة، قال:
لمّا أتقنت علوم الرَّياضة بالدِّيَارِ المِصِريّة وبدِ مَثْقَ، تَاقَتْ نفسى إلى الاجتماع بالشيخ كمال الدِّين،
لما كنت أسمع من تفرّده(٨) بهذه العلوم، فسافرت إلى المَوْصِل قصْداً للاجتماع، فلمّا حضرت
فى مجلسه وخّدَمْتُه، وجدته على حِلية الحكاء المتقدِّمين، وكنت قد طالعت أخبارَهم
وحُلاهُمٍ، فسلَّمتُ عليه، وعرَّفْتُه قصدى له للقراءةِ عليه ، فقال لى: فى أىّ العلوم تريد
تَشْرَع؟ فقلت: فى الموسيقى، فقال: مَصْلَحةٌ هُوَ، فِلِى زمانٌ ماقرأه علىَّ أحدٌ، فأنا أُوير
(١) فى المطبوعة: ((ذكر))، وأنبتنا ما فى : ج، ز، والوفيات .
(٢) كذا فى المطبوعة، والوفيات، وفى : ج ، ز: (( عن)).
(٣) زيادة من المطبوعة ، على ما فى: ج، ز، والوفيات ٤٠٠,
(٤) فى المطبوعة: ((المتقدمين بهذه))، وأثبتنا ما فى: ج، ز، والوفيات.
(٥) فى الوفيات: ((زماننا)).
(٦) من هنا إلى قوله: ((وقد أطلت الشرح)» ليس فى الوفيات، ولا نشك أنه سقط منها، فقد
رأينا هذا النقل فى ترجمة (( علم الدين قيصر) من الطالع السعيد ٢٥٩، وصرح الأدفوى بالنقل عن ابن
خلكان، ثم ذكر أيضا فى صفحة ٢٦٠ أن ابن خلكان ذكر علم الدين فى ترجمة ابن يونس.
(٧) فى المطبوعة: ((المغربى))، وأثبتنا الصواب من: ج، ز، والطالع العيد، وحسن المحاضرة
٥٤٢/١، وذكرا أنه كان عاما بالقراءات، لكنا لم نجد له ترجمة فى طبقات القراء لابن الجزرى
(٨) فى المطبوعة: ((بتفرده)). والمثبت من : ج، ز.

- ٣٨٥ -
مُذاكرتَه وتجديدَ العَهْد، فشرعت فيه ، ثم فى غيره، حتى شققتُ عليه أكثرَ من أربعين
كتاباً، فى مقدار ستة(١) أشهر، وكنت عارِفاً بهذا الفنّ، لكن كان غرضِى الانتساب
فى القراءة إليه (٢)، وكان إذا لم أعرف المسألة أو ضَحها لى، وما كنت أجِدُ مَن يقوم مَقامَه
فى ذلك .
(٣) وقد أطلتُ الشَّرح فى نَشَرِ علومه، ولَمَمْرِى لقد اختصرتُ.
ولمّا تُوَّ أخوه الشيخ عماد الدِّين محمد، المتقدِّمُ(٤) ذِكْرُه، تولّى الشيخ المدرسة
العَلائِيَة مَوضِعَ أخيه، ولمَا فُتِحت المدرسة القاهريّة تولّاها، ثم تولّى المدرسة البَدْرِيّة
فى ذى الحِجّة، سنةَ عشرين وستمائة، وكان مُواظِباً على إلقاء الدُّروس والإفادة.
وحضر فى بعض الأيام دُرُوسَه(٥) جماعةٌ من المدرِّسين أرباب الطَّيَالِى، وكان العماد
أبو علىّ معمر بن عبد النور بن يوسُف الصَّنهاِجِىّ النّحْوِىّ [[البَجانِىّ](٦) حاضِرًا، فأنشد
على البديهة :
فَهَيهَاتَ ساعٍ فى مَسَاعِكَ يَطْمَعُ(٢)
كمالُ كمالَ الدِّين لِلْعِلْمِ والعُلَى
فتابةُ كُلٍّ أَن تَقُولَ ويَسْمَعُوا
إذا اجْتَمعَ الْنَظّارُ فى كُلِّ مَوْطِنِ
ولكِنْ حَياء واعْتِرافاً تَقَنَّمُوا(٨)
فلا تَحْسَبُوهُمْ مِن غِنَاءِ تَطَيْلَسُوا
والعماد المذكور فيه أيضاً (٩):
تَجُرُّ الَوْصِلُ الأَذْيَالَ فَخْراً عَلَى كُلِّ لَنَازِلِ وَالرُّسُومِ
(١) فى الطالح العيد: (( سنة)).
(٢) هنا وقف النقل عن ابن خلكان فى الطالع السعيد.
(٣) من هنا فى وفيات الأعيان .
(٤) فى الوفيات ٣٨٥/٣. وتقدم أيضا عندنا فى صفحة ١٠٩.
(٥) فىالمطبوعة: ((درسه)) وأثبتنا ما فى: ج، ز، والوفيات.
(٦) ساقط من المطبوعة، وأثبتناه من: ج، ز، والوفيات وانظر لهذه النبة الصحاح (ب ج ١).
(٨) فى الوفيات: ((فلا تحسيوم من عناء)).
(٧) الأبيات فى الوفيات .
(٩) الأبيات فى الوفيات .
(٨/٢٥ - طبقات)

- ٣٨٦ -
(١)
لِهِيمٍ أو لِذِى فَهْمٍ سَقِيمِ
بِدِجْنَةَ والكَمالِ هُما شِفاء
هذا بَحْرٌ تَدَقَّقَ وَهْوَ عَذْبُ وذا بَحْرٌ ولَكِنْ مِنْ عُلَمٍ
وكان الشيخ - سامحه(٢) اللهُ - يَّمُ فى دِينِهِ، لكون العُلومِ العقلّة غالبةً عليه،
وكانت تعتريه غَفْلةُ فى بعض الأحيان، لاستيلاء الفِكْرة عليه، بسبب هذه العلوم،
فَعَمِل فيه العِمادُ المذكور(٣):
غَزَالْ بِوَصْلٍ لِىِ وأصْبَحَ مُوْنِسِى
أَجِدَّكَ أَنْ قَدْ جَاءَ بَعْدَ التّعَدُّسِ
كَرِقَةِ شِعْرِى أَوْ كَدِينِ ابْنِ يُونس.
وأَغْطَيْتُه صَهْيَاءَ مِنْ فِيهِ مَزْجُهَاَ.
انتهى كلامُ ابنِ خَلْكان.
ورأيت بخطّ الشيخ كمال الدّين بن يونس، على الجزء الأول من أقلِيدِس إصلاح
ثابت بن قُرّة، مانَصُّه: قرأت على الشيخ الإمام العالم الزاهد الوَرِعِ شَرفِ الدِّين نفخر العلماء
تاجِ الحُكاء أبى (٤) المظفَرَ أدام الله أيّامَه، بعد عَوْدِهِ مِن مُوسَ هذا الجزء، وكنت
حَلَتْه عليه نفسى مع كتاب الَجَسْطِىّ، وشى من المَخْرُوطات، واستنجزتُهُ ما كانَ
وَعَدَنا به من كتاب الشُّكُوك، فأحضره واستنسختُه، وكتبه: موسى بن يونُس بن محمد
ابن مَنَعَةَ، فى تاريخه، هذا صورة خَطّه، وتاريخ الكتاب المشار إليه: تاسع عشر ربيع الأول،
سنة ست وسبعين وخمسمائة هجرية(٥).
(١) الحميم: واجده أهيم، والأنى هيماء، والهيم: الإبل يصيبها داء تعطش منه عطشاً شديدا،
وقوم هيم أيضاً: أى عناش؛ انظر تغير الفرطي ٢١٥/١٧
(٢) فى المطبوعة: ((رحمه الله))، والمثبت من: ج، ز، والوفيات، ومفتاح السعادة.
(٣) البيتان فى الوفيات وكثير من مصادر الترجمة.
(٤) سبق قريبا أن اسمه ((المظفر)).
(٥) كذا تنتهى الترجمة من غير ذكر لوفاة المترجم ، وقد جاءت فى الطبقات الوسطى ومصادر الترجمة
هكذا: ((توفى بالموصل فى رابع عشر شعبان سنة تسع وثلاثين وسمائة)).

- ٣٨٧ -
١٢٧٩
موهُوب بن عمر بن موهوب بن إبراهيم الجَزَرِىّ
القاضى صدر الدِّين
مَوْلِّدِه بالجُزِيرة، فى جمادى الآخرة، سنةً سبعين(١) وخمسمائة، وقَدِمِ الشام،
وتفقّه على شيخ الإسلام عِزّ الدّين بن عبدِ السّلام، وقرأ على السَّخاوِىّ.
وكان (٢) فقيهاً بارِعاً أُصوليًّا أديباً، قَدِمِ الدّيارَ المصرية، ووَلِيَ بها القضاء.
وسار سِيرةٌ مَرْضِيَة، ويقال: إن الصاحبَ بباءَ الدّين كان يُحُطَّ عليه، فرأى قاضى القضاة
صدرُ الدِّين رسولَ الله صلّى اله عليه وسلّ فى النوم، وهو يقول له: قل المصاحب بهاء الدين
بأمارة ما استَشْفَعْتَ بى فى قضيّة كذا، لا تتعرَّفْ لى. حكاه له، فقال: م كذا جَرَى.
ثم ترك التعرُّضَ له، وأحسن إليه.
تُوََّ بالقاهرة فجأةً فى تاسع رجب، سنةً خمير وستين(٢) وستمائة.
١٢٨٠
نجم(1) بن أبي الفرج بن سالم الكنا فِيّ المِصْرِئِ (٥)
وليد سنةَ تسعٍ وخمسين وخمسمائة (٦)، وسَمِع من عبد الله بن يَرِّىّ النحوىّ،
* له ترجمة فى: بغية الوعاة ٣٠٩/٢، حسن المحاضرة ٤١٥/١، ١٦٤/٢، ذيل الروضتين ٢٤٠
وجاء فى المطبوعة: ((موهوب بن عمرو))، وأثبتنا ما فى: ج، ز، وحسن المحاضرة. ويجاء فى بغية
الوعاة: ((موهوب بن موهوب بن عمر الجزرى)).
وكنية المترجم فى الطبقات الوسطى، والبغية: ((أبو منصور)).
(١) كذا فى أصول الطبقات الكبرى ، وفى الطبقات الوسطى، وبقية الوعاة، وحسن المحاضرة:
"(تسعين)). ولم يذكر تاريخ المولد فى ذيل الروضتين.
(٢) فى الطبقات الوسطى: (( وبرع فى الذهب والأصول والنحو)).
(٢) فى الطبقات الوسطى: ((سبعين))، وهو مخالف نا فى مصادر الترجمة.
(٤) فى المطبوعة: ((أم))، وأثبتا الصواب من: ج، ز، والطبقات الوسطى. وفيها: ((الفرح»
بحاء مبملة .
(٥) سقطت هذه النسبة من الطبقات الوسطى.
(٦) أفاد المصنف فى الطبقات الوسطى أن الحافظ عبد العظيم المنذرى قال فى الوفيات إنه سأل المترجم
عن مولده ، فذكر التاريخ المذكور .

ت ٣٨٨ -
وصَحِبِه مدّةٌ، ومن عشير(١) بن علىّ المزارع، وفارِسِ بنِ تُرْكِىّ الضّرِير.
روى عنه الحافِظُ زَكِىُّ الدِّينِ الْنْذِرِىّ، وغيرُه.
وكان فقيهاً حسناً، من أهل الخير والعفاف، تصدَّر بالجامع العَقِيق بمِصْرَ، مدّة،
وأعاد بالمدرسة [السَّيْفيّة](٢)، وَجَع تجامِيعَ فى الفقه وغيرِه.
توفّىَ فى شهر ربيع الأول ، سنةً أربع(٣) وستمائة
١٢٨١
نصر بن عقيل بن (٤نصر بن عَقِيل بن) نصر
أبو القاسم الإِذْ بِلِى*
تفقّهِ بِإِرْبِلَ على عمه أبى العباس الخَضِر، ثم توجّه إلى بغداد، فتفقَّه بالنّظاميّة على الأمير
أبى نصر بن نظام الملك، ثم عاد إلى إرْبِلَ، ودرَّس بها وأفتى، ثم قَدِمِ الَوْصِلَ(٥)
ومات بها رادعَ عشر(٦) ربيع الْآخِرِ، سنةً تسع عشرة وستمائةٍ.
(١) فى المطبوعة: ((عيسى))، والمثبت من: ج، ز. ووجدنا فى العبر ٢٦٥/٥: عشير
الجبلى )) فلبه هو .
(٢) سقط من المطبوعة، وأثبتناه من: ج، ز، والطبقات الوسطى. وانظر خطط المقريزى
٠:٣٢٢/٣
طبقات الوسطى: ((أربع وثلاثين وستمائة
: (٤) ساقط من: ج، ز، وهو فى المطبوعة، والطبقات الوسطى. وسبق فى ترجمة عم المذكور،
صفحة ٨٣ من الجزء السابع .:
* ترجم له ابن خلكان ترجمة طبية، فى وفيات الأعيان ١١/٢، ١٢، أثناء ترجمة عمه ((الخضر
ابن نصر؟.
(٥) ذكر ابن خلكان أنه ولد باربل سنة أربع وثلاثين وخمسمائة
(٦) كذا فى المطبوعة، وفى ز: «رابع عشر شهر))، وفى: ج، والطبقات الوسطى: «رابع
شهر)). وفى وفيات الأعيان ١٢/٢: ((توفى يوم الجمعة ثالث عشر شهر ربيع الآخر، أو جمادى الآخرة)).

- ٣٨٩ =
١٢٨٢
نصر بن محمد بن مُقَلّد
أبو الفتح الْقُضَاعِىّ الشَّيرازِىّ اللَّب بالُرْتَضَى
من علماء الدِّيار المِصرِيّة.
تفقّه على أبى حامد محمد بن محمد البُزُورِىّ، وأبى سعد عبد الله بن أبى عَصْرُون،
وسَمِع بدِ مَشْق من الحافظ ابنِ عساكر، وسكَن مِصْرَ، ودرَّس بقَّة الشافعىّ.
ولم تُقْيِّدَ وفاتُهُ .
١٢٨٣
نصر [الله](١) بن يوسف بن مَكِّىّ بن علىّ
الفقيه أبو الفتح بن الفقيه أبى (٢) الحَجّاج، الحارِىّ الدِّمَشْفِىّ، المعروف بابن الإمام
تفقّه على والده، وعلى أبى البركات الخَضِر بن شِبْل بن عَبْد، وسَمِع من أبى الفتح
نصر الله المِصِّيِّصِىّ، وهبة الله بن طاوُس، ورَحل، فسمع ببغداد من أبى الوقت، وغيرِهِ ،
وألز له أبو عبد الله الفُرَادِىّ، وزاهِرِ بن طاهِرٍ، وغيرُهَا .
وكان يُدْعَى « نصر»(٣) غيرَ مضاف [أيضا](٤).
روى عنه يوسُف بن خليل الدِّمَشْقِىّ، والزَّبن خالد، والتَّقِىُّ الِّادانِيّ(٥)، وأجاز للْمُنْذِرِىّ،
ولأبى العباس بن أبى الخير .
توقّىَ بدِ مَشْقَ ، فى منتصف جمادى الآخرة سنةً إحدى وسمائة.
(١) زيادة من: ج، ز، على ما فى المطبوعة، ويؤكدها ما يأتى. ولم ترد الترجمة فى الطبقات الوسطى.
(٢) فى المطبوعة: ((بن))، والتصحيح من: ج. ز.
(٣) كذا فى المطبوعة، على الحكاية، وفى: ج، ز: ((نصرا)» على ما يقتضيه الإعراب.
(٤) زيادة من: ج، ز، على ما فى المطبوعة. وانظر الحاشية رقم ١ من هذه الصفحة.
(٥) فى المطبوعة: ((البلدانى)) بياء موحدة، وأعمل النقط فى ز، وأثبتناه بالياء التحتية على الصواب
من: ج، وطبقات القراء ٢٥٩/٢، قال ياقوت فى معجم البلدان ١٠٢٥/٥: (بلدان: من قرى دمشق)).

- ٣٩٠ -
١٢٨٤
هبة الله بن عبد الله بن سَيِّدِ الكَلْ
القاضى أبو القاسم بهاء الدِّين القِفْطِىّ*
أحدُ المشاهير مِن علماءِ الصَّعِيد.
كان إماماً عالماً عاملاً.
. وقد اختلف فى مَوْلِده، فقيل: سنة سبعٍ وتسعين وخمسمائة، وقيل: سنة ستمائة،
وقيل : سنة إحدى وستمائة ، وأمله الأقرب .
قدِمِ قُوصَ، فتفقَّه على الشيخ بجد الدِّين القُشَيْرِىّ، وقرأ الأصولَ(١) على قاضيها
الإمام شمس الدِّين الأسْبَهَانِيّ، ورع فى الفقه والأصلين، والنّحو والفرائض، والجبر
والْتَابَلة، وسَمِع الحديثَ من الفقيه أبى الحسن علىّ بن هبة الله بن سَلامة، والشيخ
مجد الدِّين القُشَيْرِىّ ، وغيرِها .
حدَّث عنه طَاحةُ بن شيخِ الإسلام تقىِّ الدِّين القُشَيْرِىّ، وغيرُه.
وكان فيِّما بالمدرسة النَّحِيّة بقُوصَ، مع براعةٍ فى العلم، وكان يُعَلِّق القَنَادِيلَ ،
والطّلبة تقرأ عليه، ثم انتهت إليه رِياسةُ الَّذْهب، ووَلِيَ أمانة الحُكْم بقُوْصَ.
وَالَّفَق أنه عَمِل حسابَ الأيتام، فوقف عليه ثمانمائة دِرْهم، فلم يَعْرِف وَجْهَ المصروفِ،
فبات على أنه يبيع مَنْزِلَه وَيَغْرَم منه فى ذلك، فقال لهأحدُ الشُّهود الذين معه: النَّقْدِة الغُلَانِيّة.
فَتذكَّرِها، ثم قَصَد التََّصُّلَ من الْباهرة، فقيل له: متى تنصَّلْتَ لم تُجَبْ، ولكن اجتمع
٤٤
* له ترجمة فى : بغية الوعاظ ٣٢٥/٢، حسن المحاضرة ٤٢٠/١، شذرات الذهب ٤٣٩/٥،
الطالع السعيد ٣٩٦ - ٤٠١ ترجة مبوطة. وتر جه الزبيدى فى تاج العروس (قف ط) ٢١١/٥
وقالع المصنف فى الطبقات الوسطى ((من أهل فقط، بالقاف المفتوحة ثم الغاء النا كنة ثم العناء الجملة:
إحدى بلاد الصعيد. كان مقيما بإسنا)).
وقول الصنف: ((بالقاف المفتوحة)) لم تجده، ففى القاموس المحيط ومعجم ياقوت ١٥٢/٤ أنه
بكسر القاف، وكذلك نص عليه صاحب الشذرات .
(١) فى أصول الطبقات الكبرى: ((الأصولين))، والمثبت من الطبقات الوسطى، والطالع السعيد
٣٩٢، وسمى شمس الدين: ((إحمدا)) ..

- ٣٩١ -
بفلان، وقل له: إن القاضِىَ فيما بَلَغِ يُريد عَزْلِ، وأظهِرُ التألَّمَ من ذلك، واسأله
الحديثَ معه فى الاستمرار. فَفَعَل، فقال القاضى: قد أورثَنِى هذا الحِرْصُ رِيبةً، فعزّله،
ثم توجّه إلى إسْنا حاكِماً ومُعيداً بالمدرسة العِزَّيَّةُ(١)، عند النُّجِيب ابن مُفْلِح،
أحدٍ تلامِذة القُشَيْرِىّ(٢) أيضاً، ثم مات النَّجِيب، فأُضِيف إليه التدريسُ، فصار
حاكِماً مدرِّساً.
ونشر الشُنَّة يإِسْنا، بعدما كان التشُّعُ بها فاشِياً، وصنف كتاباً فى ذلك،
سَّه: ((النَّصائح المُفْتَرَضة فى فضائح الرَّفَضَة»، وهُوا بقَتْله، حماه الله تعالى منهم ،
وتاب على بدِ. خلْقٌ .
وأخذ العِلْمَ عنه(٣) خَلْقٌ كثيرٌ، منهم شيخ الإسلام تقىّ الدّين بن دَقِيق العيد ،
والشيخ الضُّياء(٤) بن عبد الرَّحيم .
-٠
وصنَّف فى التفسير كتاباً ، وصل [ فيه](٥) إلى سورة كهمص، وله ((شرح الهادِى))
فى الفقه، خمس مجلَّدات، ثم شرح ((ُمْدَة الطَّبَرِىّ))، وشرح (ُمُخْتَصر أبى شُجاع))،
وشرح ((مُقَدِّمة الُطَرِّزِىّ)) (٦) فى النَّحو، وكتاب («الأنباء المُسْتطابة فى فضائل الصَّحابة
والقرابة)) ، وغير ذلك .
وكان الشيخ تَقَّىُّ الدِّين بِنْ دَقِيق العِيد ◌ُجِلّه، وسافر إلى الصَّعِيد سنةً تسعين
وستمائة، لمُجرَّد زيارتِهِ، وممّا حُفِظ من عِبارته: لولا البَهَاءُ بالصَّعِيد لتَحَرَّجَ(٧) أهلُه،
بسبب الفُتِيا .
(١) فى المطبوعة: ((المعزية))، والمثبت من: ج، ز، والطبقات الوسطى، والطالع السعيد.
(٣) فى المطبوعة: ((عن))، والتصحيح من : ج، ز،
(٢) مجد الدين. كما صرح الأدقوى.
والطالع السعيد ٣٩٨ (٤) هو ضياء الدين جعفر بن محمد بن عبد الرحيم القنائى. كما صرح الأدفوى.
(٥) تكملة من الطالع السعيد، وبغية الوعاة.
(٦) فى: ج، ز، والطالع السعيد: ((المطرز))، وأثبتنا الصواب من المطبوعة، وبغية الوعاة،
الموضع السابق، وأيضا ٣١١/٢، فى ترجمة المطرزى، وهو: ناصر بن عبد السيد بن على بن المطرز.
(٧) فى المطبوعة: ((لتخرج)» بجاء معجمة قبل الراء، وأهمل النقط فى ز، وأثبتناه بجاء مهملة من:
ج. والمعنى ظاهر: أى وقعوا فى الحرج والشدة. وجاء فى الطالع السعيد ٤٠١: ((ما تخرج أهله)) بالخاء
المعجمة .

- ٣٩٢ -
وعن الشيخ بَهَاءِ الدِّين: أعرِفُ عِشرين عِلْماً، أَنْسِيتُ بعضَنها لعدم المذاكرة.
وكان يستوعب الزّمانَ فى العبادة والعلم والحُتْكُومة، ثم ترك القضاء أخيراً، واستمرّ
على العبادة والعلم، إلى أن تُؤَّىَ، ورأى راءٍ (١) فى منامه قائلًا يقول [له](٣): لقد مات
الشافعىُّ. فانتبه، فإذا بقائلٍ يقول: مات الشيخ بهاء الدِّين القِفْطِىّ.
ومَنَاقِبُه كثيرةٌ ، وبالجملة كان مِن رجال العلم والدّين.
توفَّ بإِسْناء سنة سبع وتسعين وسمائة، فعلى القول بأن مَوْلِدَه سنةِ سبع وتسعين
وخمسمائة ، يكون من أهل المائة .
١٢٨٥
هبة الله بن علىّ بن أبى الفضل بن سهل
أبو جعفر الواسطى
تفقّه على أبى جعفر بن البُوقِيّ، ومات فى حُدود سنة إحدى وستمائة.
١٢٨٦
حمام - يضم الهاء بن زاجى الله بن سرايا بن ناصر بن داود*
الفقيه الأصولىّ ، جَلالُ الدِّين أبو العَزائِمِ (٣) المِصْرِىّ
إمام الجامع الصالحىّ بظاهر القاهرة، وخَطِيبُه.
(١) الرائى امرأة، كما فى الطالع السعيد، قال: «حكت أم قاضى أسوان ابنة القاضى الوجبه المربائى،
وهى امرأة صالحة، فقالت: رأيت فى النوم قائلا يقول لى .
(٢) زيادة من: ج، ز، على ما فى المطبوعة.
* ترجم له السيوطى فى : حسن المحاضرة ٤١٢،٤١١/١
(٣) فى المطبوعة، وحسن المحاضرة: ((أبو الغنائم))، وأثبتنا ما فى: ج، ز، والطبقات الوسطى،
والأعلام الأستاذ الزركلى ١٦/٩، نقلا عن التكملة للمنذرى، وفى الأعلام: ((راجى الله سرايا))
بحذف ((بن )).

- ٣٩٣ -
وُلِدِ يبلاد الصَّعِيد، سنةً تسع وخمسين وخمسمائة، وقدم القاهرة، وقرأ العربيَّة على
ابن بَرِّىّ، وار تحل إلى العراق، فتفقَّه على المُجِيرِ البَغدادِىّ، وابن فَضْلان، وسَمِع
من عبد المنعم بن كُلَيب ، وغيرِه .
روى عنه ابن النّجّار، والحافظ زَكِىُّ الدِّين المُنْذِرِىّ، وغيرها.
وله مصنَّفات فى المذهب والأصول، وتوََّ فى شهر ربيع الأول، سنةً ثلاثين وستمائة .
وله شِعْرٌ كثير، وله من قصيدة:
◌ِزُمُوَّدٍ لَمَّا تَوَشَّحَ جَوْهَرَا
ياقُوتُ تَغْرِكَ قَدْ غَدًا مُتَقَمِّعاً
مِنْ شأنها ماء الحَيَا مَن يَقْطُرَا
وحَبَابُ رِيِقِكَ كَالنَّجُومِ إِذَا بَدَتْ
١٢٨٧
يحي بن الرَّبيع بن سُليمان بن حراز بن سُلَيمان العَدَوِىّ العُمَرِىّ*
الإمام فَخْر الدِّين أبو علىّ الواسطىّ ، ابن الفقيه أبى الفضل
وُلِدِ بواسِطَ فى شهر رمضان، سنةً ثمان وعشرين وخمسمائة، وقَدِمِ بغداد ، فتفتَّه
بالنّظاميّة، على مدرِّسها الإمام أبى النَّجِيب الشُّهْرَ وَرْدِىّ، وكان قد تفقَّه قبلَه على والده،
وعلى أبى جعفر بن البُوقِيّ، ثم رحل إلى نيسابور، فتفقَّه على الإمام محمد بن يحيى ، صاحب
الغَزّالِيّ، ومكث عِنْدَه أكثرَ من سنتين .
وسَمِع الكثيرَ من أبى الكَرم نصر الله بن مخلد بن الجَلَخْت(١)، وعبد الخالق
اليُوسُفِىّ، وابن ناصر، وأبى الوقت، وشيخِه محمد بن يحيى، وعبد الله بن الفُرَاوِىّ ،
وعبد الخالق بن زاهِرٍ، وغيرِهم، بواسِطَ وبغدادَ ونيسابورَ، وله إجازةٌ من زاهِر
* له ترجمة فى: البداية والنهاية ٥٣/١٣، ٥٤، ذيل الروضتين ٦٩، شذرات الذهب ٢٣/٥،
٢٤، طبقات القراء لابن الجزرى ٣٧٠/٢، طبقات المفسرين السيوطى ٤٣، العبر ٢٠/٥، الكامل لابن
الأثير ١٣٣/١٢، النجوم الزاهرة ١٩٩/٦.
(١) بفتح الجيم واللام وسكون الخاء المعجمة وفى آخرها التاء المثناة من فوقها: اسم جد .
كما فى اللباب ٢٣٢/١، وسمتى أبا الكريم: نصر الله بن محمد بن محمد بن مخلد.

- ٣٩٤ -
الشَّحَّامِىّ، وحَدَّث بالكثير، ببغدادَ وجِهَرَاةَ وبَغَزْنَة لمّا توجّه إليها رسولا من
الدِّيوان العزيز .
روى عنه ابن الُّبَيْتِيّ، والضََّاءِ الَقْدِسِىّ، وابنُ خليل، وآخَرُون.
ووَلِيَ تدريس النِّظاميّة، وكانت بينَه وبينَ ابن فَضْلان صحبةٌ أكيدة، قال الموفّق
عبد اللطيف: لم أرَ مثلَها بينَ اثنين قَطُ (١)، وترافقا فى الرّحلة إلى محمد بن يحنى، وكانا
یتناظران بين يديه .
قال ابن الدُّبَيْشِيّ: كان - يعنى ابنَ الرَّبيع - ثقةً صحيحَ السَّاعِ، عالِماً بمذهب الشافعىّ،
وبالخِلاف من الحديث والتفسير، كثيرَ الفُنون، قرأ بالَشْر على ابن تُرْ كان(٢)، وكان
أبوه من الصالحين، ويقال: إنهم مِن وَلَد عمر بن الخطّاب ، رضى الله عنه .
وقال أبو شامة: كان عالماً عارفاً بالتفسير والمذهب والأصولين والخلاف، (٣دَيِّناً
صَدُوقا٢) .
وقال ابن النّجّار: كانَّ إماماً كبيراً، وَقُوراً نبيلًا، حسنَ المعرفة بمذهب الشافعىّ،
مُقِّقاً مدقِّقًاً، مليحَ الكلام فى المناظرة والجدل، مجوِّداً فى علم الأصول وعلم الكلام
والحساب وقِئْمة(٤) الَِّكات، وله معرفةٌ حَسنةٌ بالحديث. انتهى.
ثم قال: إنه توَّ فى يوم الأحد، السابع والعشرين من ذى القَّعْدةَ سنةً ستُّ وسمائة،
وصُلَّى عليه يومَ الاثنين بالمدرسة النّظامية .
قلت: هذا هو الصَّواب فى تاريخ وفاته، وذكر غيرُه أنه توَّىَ فى طريق خُراسانَ ،
(١) بعد هذا فى الطبقات الوسطى: «ثم إن ابن الربيع قدم بغداد ودرس وأعاد وتولى القضاء نيابة،
ودرس بالنظامية ».
(٢) فى الأصول: ((بركات))، وأثبتنا الصواب من طبقات المفسرين، وطبقات القراء، واحمه فيها:
((أبو يعلى محمد بن سعد بن تركان))، وقال صاحب القاموس فى (ترك): ((وينو تركان، بالضم :
أهل بيت من واسط».
(٣) ليس فى ذيل الروضتين.
(٤) فى المطبوعة: ((وقهم))، والثبت من: ج، ز، والطبقات الوسطى.

- ٣٩٥ -
لمّا توجّه رسولًا إلى السلطان شِباب الدِّين الغُورِىّ إلى غَزْنة، وهو وَهَمْ"، فإنه عاد من
عند السلطان المذكور إلى بغداد فى سنة ثلاث وسمائة، وأقام بها إلى أن توفَّىَ فى سنة
ست وستمائة(١).
١٢٨٨
يحيى بن شَرِف بن مِرَى(٣) بن حسن بن حُسين بن حِزام
ابن محمد بن جمعة النَّوَوِىّ ** ، الشيخ الإمام العلامة محيى الدِّين أبو زكريا
شيخ الإسلام، أستاذ المتأخِّرين، وحُجّة اللهِ على اللَّاحِقِين، والداعى إلى سبيل
السالفين .
كان يَحيى رحمه الله سيِّد أو حَصُورا، ولَيْئاً على النّفْسِ هَصُورا(٣)، وزاهدا لم يُبَالِ
بَخَرَابِ الدُّنيا إذا صَيَّر دينَه رَبْعًا مَعْمُورا، له الزُّهْدُ والقَناعة، ومُتابعةُ السالِين من أهل
السُّنّة والجماعة، والمصابرة على أنواع الخير، لا يصرفُ ساعةً فى غير طاعة، هذا مع التفتّن
فى أصناف العلوم، فِهاً ومُتُونَ أحاديثَ، وأسماءَ رِجال، ولغةً، وتصوُّفَا(٤)،
وغير ذلك .
وأنا إذا أردت أن أُجْمِل تفاصيلَ فَضْلِهِ، وأدُلَّ الخَلْقَ على مَبلغ مقدارِهِ بمُختصر
القول وفَصْلِه، لم أزد على بيتَين، أنشدنيهما من لفظه لنفسه الشيخُ الإمام، وكان من حديثهما
(١) بعد هذا فى الطبقات الوسطى: ((ودفن بالوردية من بغداد)).
(٢) ضبطه الزبيدى فى تاج العروس (مرى) بكسر اليم والقصر، ونقل الأستاذ الزركلى فى الأعلام
١٨٥/٩، عن الفتوحات الوهبية بشرح الأربعين حديثا النووية، لإبراهيم بن مرعى، قوله: ((مرى،
بضم الميم وكسر الراء، كما وجد مضبوطا بخنه)).
* له ترجمة فى: البداية والنهاية ٢٧٨/١٣، ٢٧٩، تذكرة الحفاظ ١٤٧٠/٤ - ١٤٨٦،١٤٧٤،
الدارس فى أخبار المدارس ٢٤/١، شذرات الذهب ٣٥٤/٥ - ٣٥٦، طبقات ابن هداية الله ٨٦،
٨٧، العبر ٣١٢/٥، ٣١٣، مفتاح السعادة ١٤٦/٢، ١٤٧، النجوم الزاهرة ٢٧٨/٧، وانظر
حواشى الأعلام ، الوضع السابق.
(٣) فى المطبوعة: ((ولينا على النفس حصورا)) والتصحيح من: ج، ز.
(٤) فى المطبوعة: ((وصرف))، والمثبت من: ج، ز، وسيأتى بعد أسطر أن له شيخا فى الطريقة،
لكن ذكر صاحب الشفرات أن النووى كان يأخذ درسا فى التصريف.
:

- ٣٩٦ -
أنه -أعنى الوالد رحمه الله - لما سكن فى قاعة دار الحديث الأشرفيّة فى سنة اثنتين وأربعين
وسبعمائة، كان يخرُج فى الليل إلى إيوانها، ليتهجَّدَ تِجَاهَ الأر الشريف، ويُمرِّغَ وجهَه
على البساط، وهذا البساط مِن زمان الأشرف الواقِفِ، وعليه اسمُهُ، وكان [النَّووىّ](١)
يجلس عليه وقتَ الدَّرْس، فأنشدنى الوالدُ النفسِه:
: على بُطٍ لَهَا أَصْبُو وآوَى(٢)
وفى دارِ الحَدِيثِ لَطِيفُهُ مَعْنِّى
مَكَانًا مَنَّهُ قَدَمُ النَّواوِى
عنى أنِى أَمَّسُّ بِحُرِّ وَجْعَى
وُلِدِ النَّوِىُّ فى المحرَّم، سنةَ إحدى وثلاثين وستمائة، بِتَوَى(٣)، وكان أبوه من أهلها
المستوطنين بها، وذكر أبوه أن الشيخ كان ناتماً إلى جنبه، وقد بلغ من العمر سبعَ سنين،
ليلةَ السابع والعشرين من شهر رمضان، فانتبه نحوَ نِصف الليل، وقال: ياأبتِ ، ما هذا
الضوء الذى ملأ الدار؟ فاستيقظ الأهلُ جميعاً، قال: فلم تز كلُّنا شيئاً. قال والده: فعرفتُ
أنها ليلةُ القَدْر .
وقال شيخُه فى الطّريقة، الشيخ ياسين بن يوسف الزَّرْ كَشِىّ(٤): رأيت الشيخ
محي الدين، وهو ابن عشر سنين [بِنَوَى](٥) والصِّبيان يُكْرِهونه على الَّعب معهم،
وهو يَهْرُب منهم ويبكى، لإكراههم، ويقرأ القرآن فى تلك الحال ، فوقع فى قلبى حُه،
وجَعله أبوه فى دُكّان، جمل لا يشتغل بالبيع والشّراء عن القرآن؛ [قال](١) : فأتيت
الذى يُغْرِئُه القرآن، فوصَّيْتُه به، وقلت [له](٢): هذا الصِىُّ يُرْجَى أن يكونَ أَعْلَمَ
أهلِ زمانِهِ وأزْهَدَهم، وينتفعَ الناسُ به. فقال لى: مُنَجِّمٌ أنت؟ فقلت: لا، وإنما أنطقنى
(١) ساقط من المطبوعة، وأثبتاه من : ج، ز .
(٢) فى: ج، ز: ((بسط بها))، والمثبت من المطبوعة
(٣) نوى: بليدة من أعمال حوران، بينها وبين دمشق منزلان. معجم البلدان ٨١٥/٤.
(٤) فى الطبقات الوسطى : «المراكشي).
(٥) زيادة فى المطبوعة، على ما فى: ج، ز، والطبقات الوسطى.
(٦) زيادة فى المطبوعة على ما فى : ج، ز .
(٧) زيادة من : ج، ز ، على ما فى المطبوعة .

- ٣٩٧ -
اللهُ بذلك، فذكر ذلك لوالده، فحَرَص عليه، إلى أن ختم القرآنَ وقد ناعَزِ الاحتلام(١).
(١) كذا أنهى السبكى الكلام عن حياة النووى دون أن يتحدث عن مصنفاته وتاريخ وفاته، وخلص.
إلى الكلام عن سائله وفتاواه ، لكن سياق المترجمة جاء فى الطبقات الوسطى موصولا هكذا:
((فلما كان ابنَ تسعَ عشرةَ سنةً قدم به والدُه إلى دمشق، فسكن بالمدرسة الرَّواحيّة،
وحفظ ((التنبيه)) فى نحو أربعة أشهر ونصف، وحفظ رُبع (( الهذّب))، ولازم الشيخ
كمال الدين إسحاق بن أحمد المغربىّ ، ثم حجّ مع والده، ثم عاد لا
وكان يقرأ كلَّ يومٍ اثنى عشر درساً على المشايخ، فرحاً وتصحيحاً، فقهاً وحديثاً
وأصولا ونحوًّا ولغةً، إلى أن برع، وبارك اللهُ له فى العمر اليسير، ووهبه العِلمَ الكثير .
وسمع من الحافظ زينٍ خالدٍ النابلسىّ، والرضىّ بن البرهان، وابن عبد الدائم ،
وأبى محمد إسماعيل بن أبى اليُسر ، وجماعة .
وتفقّه على كمال الدين إسحاق المغربى، والشيخ كمال الدين سَلَار الإرْيِىّ، وعز الدين
عمر بن أسعد الإربلىّ. وكان النووىّ يتأدّب مع الإربلىّ ويملأ الإبريق [كذا وامل الصواب:
ثلاً له الإبريق] ويخدمه فى الأشياء التافهة.
روى عنه شيخنا المِزّىّ - قرأتُ عليه عنه جميع ((الأربعين)) التى له، وشرح مشكلها -
وأبو الحسن العطّار، وغيرُهما .
وكان لا يأكلُ فى اليوم والليلة إلا أكلةً واحدة، وقُونُهُ مِن قِبَلِ والده، يجرِى
عليه فى الشهر الشىء الطفيف .
ودرَّس بدار الحديث الأشرفية وغيرها، ولم يتناول فَلْسًا واحدًا ، ولا انتقل من بيته
الذى فى الرَّوَاحِيَّة، وهو بيتٌ لطيفٌ عجيب الحال، وكان لا يشرب إلا مَرَّةً عند السَّحَر،
وما أكل شيئاً من فاكهة دمشق ، ولا قَبِل من أحدٍ شيئاً .
وبالجملة كان قطبَ زمانه وسيّدَ وقته، وسِرَّ الله بينَ خَلْقه، والتطويل بذكر كراماته
تطويلٌ فى مَشْهُور، وإسهابٌ فى مَعْروفٍ .
وأمّا أمْرُه بالمعروف ونهُه عن المنكر فأشهرُ من أن يُذْكَر. وحكاياته مع الملك الظاهر
ومُواجهته له غيرَ مرّةٍ ، ومُكاتباتُه التى أرسلها إليه معروفةٌ مشهورة .

- ٣٩٨ -
( فصل)
لا يَخْفَى على ذِى بَصِيرةٌ أن الله تبارك وتعالى عِنايةً بالنَّوَوِىّ، وبمصنفاته
وأسْتَدِلُ (١) على ذلك بما يقع فى ضِمنه فوائدُ، حتى لاتخلو ترجمته عن الفوائد، فنقول :
ربّما غيَّر لفظًا من ألفاظ الرافعىّ، إذا تأمله المتأمِّلُ استدركه عليه، وقال: لم يَفِ
بالاختصار، ولا جاء بالُراد. ثم نجده عند التَّشْقيب قد وافق الصواب، ونَطق بفَصْلِ الخِطاب،
وما يكون من ذلك عن قَصْدٍ منه لايُعْجَبُ منه، فإن المُخْتَصِرَ رُبّما غيَّر كلامٌ مَن يختصِرُ
كلامه لمثل ذلك، وإنما العَجَبُ من تغييرٍ يشهد العقلُ بأنه لم يَقْصِد إليه، ثم وقع فيهِ
على الصَّواب ، وله أمثلةٌ منها :
قال الرافعىُّ فى كتاب الشَّهادات، فى فصل التّوبة عن المعاصى الفِعْلية، فى التائب:
إنه يُخْتَبَرُ مِدَّةً يَغْلِب على الظّنّ فيها أنه أصلَحَ عملَه وسريرتَه، وأنه صادِقٌ فى توبته،
وهل تتقدَّر تلك المُدّة؟ قال قائلون: لا، إنما المُعتَبَرُ حصولُ غَلَبَة الظّنَّ بصِدْقه، ويختلف
الأمرُ فيه بالأشخاص وأمارات الصِّدق. هذا ما اختاره الإمام(٢) والعبّادِىّ، وإليه أشار
صاحب الكتاب بقوله: حتى يستبرى مُدَّةً، فيُعْلَم إلى آخره. وذهب آخرون إلى تقديرها،
= وقد جمع أبو الحسن بن العطار تلميذُه، له ترجمةً حسنةً، فليطلبها من أراد الزيادة
على ما ذكرناه.
وصنَّف فى العُمْرُ اليسير التصانيف الكثيرةَ النافعةَ: ((شرح مسلمٍ))، و(الأذكار)) )،
و ((الرِّيّاضُ))، و(الرَّوضة)، و((مفرح المهذَّب))، الذى لم يكمّله، و((الإرشاد)» فى علوم الحديث؛
و((لنات التنبيه))، و((تصحيحه))، و((التبيان))، و((المناسك))، و(المنهاج)»، مختصر المحرر،
ودقائقه، وقطعة من تحقيق الذهب، و((تهذيب الأسماء واللغات))، و((طبقات الفقهاء»،
مُسوَّدة، وشَرَ حقطعةً من (الوسيط))، ومن (التنبيه))، وصنّف قطعةً فى الأحكام، وغير ذلك.
ولما دنا أجلُهُ ودعاه الحقُّ رَدَّ الكُتُبَ المستعارةَ عندَه من الأوقافِ جميعِها، وجْرَج
إلى نَوَى، فتمرَّض أيّاماً، ووِفَيَ بها رحمه الله فى رجب سنة ستّ وسبعين وستمائة؛
أعاد اللهُ علينا من بركته. وقد سافرتُ لزيارة قبره خِها، وزُرْتُه)).
(١) فى المطبوعة: ((ويعدل))، والثبت فى : ج ، ز .
(٢) يعنى إمام الحرمين الجوية
..

- ٣٩٩ -
وفيه وجهان، قال أكثرُه: يُسْتَبرأْ سَنةً(١). انتهى بلفظه .
فإذا تَأَمَّات قولَه ((قال أكثرهم)) وحدتَ الضَّميرَ فيه مُسْتَحِقَّ العَوْدِ على الآخَرين
الذاهبين إلى تقديرها، لا إلى مُطْلَق الأصحاب، فلا يلزم أن يكون أكثرُ الأصحاب على التقدير،
فضلًا عن التقدير بسَنَّةٍ، بل المُقَدِّرُ بعضُهم، واختلف المُقَدِّرون فى الُدّة، وأكثرهم على
أنها سنة، فهذا (٢) ما يُعْطِيه لفظُ الرافعىّ، فى (الشرح الكبير))، وصرَّحِ النَّووِىُّ فى ((الرَّوْضنة)»
بأن الأكثرين على تقدير المُدَّة بنة، فَمَن عارَض بينها وبينَ الرافعىّ بتأمُّلٍ فَضَى بمخالفت هاله،
لأن عبارةَ الشّرح لا تقتضى أن أكثَر الأصحابِ على التقدير، وأنه سنة ، بل إن أكثر
المقدّرين الذين هم من الأصحاب على ذلك، ثم يتأيَّ هذا القاضى بالمخالفة بأن عِبارةَ الشافعىّ
رضى الله عنه ليس فيها تقديرُ بسَنَةٍ، ولا بستّة أشْهُر، وإنما قال: أثْهُر، وأطلق الأشْهُرَ
رضى الله عنه إطلاقاً، إلّا أن هذا إذا عاوَدَ كُتُب المذهب وَجد الصَّوابَ مافعله النّوِىّ،
فقد عَزَى التقديرَ، وأن مِقداره سنةُ" إلى أصحابنا قاطبةً، فضلًا عن أكثرهم، الشيخُ
أبو حامد الإِسْفَرايِنِىّ فى ((تعليقه)) وهذه عبارته: ((قال الشافعىّ؛ ويُخْتَبَرُ مُدّةَ أَشْهُرٍ،
يَنْتْقِلُ فيها من السّيّئة إلى الحسنة، ويَعِفِتُّ عن العَصِى. وقال أصحابُنَا: يُخْتَبَرُ سَنَّةً)) انتهى.
وكذلك قال القاضى الحُسَين فى ((تعليقته))، ولفظه: ((قال الشافعىُّ: مُدَّةٌ من المُدَدَ.
قال أصحابنا: سَنَّةً. انتهى» .
وكذلك الماوَرْدِىّ، ولفظه: ((وصَلَاحُ عَمَلِهِ مُعْتٌَ بزمانٍ اختلف الفقهاء فى حَدِّه،
فاعتبره بعضُهم بستّة أشهر، واعتبره أصحابنا بسَنةٍ كاملة)). انتهى.
وكذلك الشيخ أبو إسحاق، فإنه قال فى (الُهَذّب)): ((وَقَدَّرَ أصحابُنَا المدّةَ بسنة)).
وكذلك البَغَوِىّ فى (التهذيب))، وجماعاتْ كَأُمم ◌َزَوا التقديرَ بالسَّنَة إلى الأصحاب،
فضلا عن أكثرهم، ولم يقل: ((بعض الأصحاب)) إلّا القاضى. أبو الطَّيِّب، والإمام ،
ومَن تَبِعهما، فإنهم قالوا: قال بعضُ أصحابنا تقدَّرُ بسنةٍ، وقال بعضُهم (٣): زاد الإمام
أن المحقّقين على عدم التقدير .
(١) فى المطبوعة: ((ستة أشهر))، والمثبت من: ج، ز، وما يأتى يشهد له.
(٢) فى المطبوعة: ((هذا)) وزدنا الماء من: ج، ز.
(٣) لعل هنا - قطا تقديره: ((تقدر بنة أشهر)).

- ٤٠٠ -
ومَن تأمَّل مانقلناه، أيقن بأن الأكثرين على التقدير بسنةٍ، وبه صرّحَ الرَّافِىُّ(١).
فى ( المحرَّر))، ولوَّح إليه تلويحاً فى ((الشرح الصغير))، فظهر حُسْنُ صُنْعِ الْنّووِىّ، وإن
لم يَقْصِدِهُ(٢)، عنايةٌ من الله تعالى به(٢) .
١٢٨٩
يحيى بن عبد الرحمن بن عبد المنعم
الإمام فَخْر الدِّين أبوزكريا القَيْسِىّ الواعِظِ المَغْربى
(٤ المعروف بالأصبهاني " عُرِف بذلك لد خوله بأصبهان
وُلِدِ بدِ مَشْقَ، ودخل أصْبَهان، وتفقَّهِها، وقرأ الخِلافيّات وبرع، وسَمِع الحديثَ من
أبى بكر بن ماشاده، وعبد الله بن عمر بن عبدالله المُعَدِّل(٥)، وسمع بالتّغْر من أبى الطاهر السُّلِفِىّ.
حدَّث عنه أبو جعفر بن عميرة الضَّسِىّ، وأبو بكر بن مَسْدِىّ الحافظ، وغيرُها:
.. ودخل بلادَ الَغْرِب، وأخذ بيِجَايةَ(٦) عن الحافظ عبد الحقّ الإسْبِيلِيّ، وجال فى بلاد
الأَنْدَلُسن، واستوطَن غَرْ ناطة.
وكان فقيهاً فاضلاً، زاهدا عابداً، مُجْمَعاً على دينه وورعه، مشهورًا بالكرامات والأحوال.
صنّفِ كِتابَ: ((الرَّوضة الأنيقة))، وكتاباً فى الخِلافيّات بينَ الشافعىّ وأبى حنيفة .
توفّى فى سادس شوّال، سنةً ثمان وسمائة، بِغَرْ ناطة.
قال ابنُ مَسْدِىّ: قُحِطْنا بِغَرْناطة، فنزل أميرُها إلى شيخنا أبى زكريا، فقال:
تُذَكَّرُ الناسَ، فَلعل اللهَ يُفرِّجُ عن المسلمين، فوعَظ، فورَد عليه واردٌ؛ سَقَط وحُمِلُ
ومات بعدساعة، فلمّا كُفْنٍ وأُدْخِلِ حُفْرَتَه، انفتحت أبوابُ السَّماء، وسالت الأودية زمانا(٧).
(١) فى المطبوعة: ((الشافعى)، والتصحيح من : ج، ز . .
(٢) جاء بها مش ج حاخية: « فى الحكم على الشيخ رحمه الله تعالى بأنه لم يقصد الـ
(٣) كتب فى ج: ((بياض)»، وأنظر التعليق رقم ١ فى صفحة ٣٩٧
(٤) سقط من المطبوعة ، وأنبتاء من : ج، ز .
(٥) كذا فى المطبوعة، وفى: ج، ز: ((العدل)».
(٦) بجابة. مدينة على ساحل البحر بين أفريقية والغرب، معجم البلدان ١٩٥/١
(٧) مكان هذه الكلمة، فى الأعلام ١٨٩/٩: («أمامنا))، وتله الأستاذ الزركلى من الإعلام
المخطوط ، لابن فاضى شهبة .