النص المفهرس

صفحات 261-280

- ٢٦١ -
مَصْطّبة الحاوت، وكان الحانوت مُغْلَقاً، فقال [ فى الحال](١) وهو فى تلك الشدة:
بغير إذن صاحبه، كيف يكون؟ وما رَضِىَ .
وسمعت أبى رضى الله عنه أيضا يحكى أن شيخ الإسلام عِزَّ الدين بنَ عبد السلام كان
يُسْمِع الحديث قليلًا بدِمَشْق، فلمّا دخل القاهرة بَكَّل ذلك، وصار يحضر مجلس الشيخ
زكىٌّ الدِّين، ويسمع عليه فى جُملة مَن يَسْمَع ولا يُسْمِع، وأن الشيخ زكلَّ الدين أيضًا
ترك الفتيا، وقال: حيث دخل الشيخ عِزّ الدين لا حاجةَ بالناس إلىّ.
ومن شِعْره :
◌ِظُهُورِ فِيلٍ فى الأنامِ وقَالِ
اعْمَلْ لَنَّفْسِكَ صَالِحاً لاَنَحْتَفِلْ
الأُبُدَّ مِن مُعْنٍ عَلَيْكَ وقالٍ (٢)
فَأَخَلْقُ لا يُرْجَى اجْتِمَاعُ قُلُوبِهِمْ
تُوُفَِّ فى الرابع من ذى القَعدة، سنة ست وخمسين وسمائة، وهى السنة الصية
بأعظمِ المصائب ، المحيطة بما فعات من العائب، المقتحمة أعظمَ الجرائم ، الواثبة على أقبح
العظائم، الفاعلة بالمسلمين كلَّ قبيحٍ وعار، النازلة عليهم بالكُفّار المُسَمَّيْن بالتَّار.
ولابأسَ بشرح واقعة التَّتار على الاختصار، وحكاية(٣) كائنة بغداد، لِتعتبرَ بها البصائر،
وتَشْخّصَ عندها الأبصار، ولِيُجْرِىَ المسلمون على مَمَرّ الزَّمَان دُموعَهم دما، ولِيَدْرِىَ
المؤرُّخون بأنهم ما سَمِعوا بمثلها واقعةً جعلت السماء أرضا والأرضَ سما .
فنقول: استهلّت سنةُ أربع وخمسين وستمائة، وخليفة المسلمين إذ ذاك أمير المؤمنين
المستعصم (٤) { بالله الإمام] أبو أحمد عبد الله الشهيد بن المستنصر بالله أمير المؤمنين أبى جعفر
المنصور بن الظاهر بأمر الله أبى النصر محمد بن الناصر لدين الله أبى العباس أحمد بن المستضىء
بالله أبى محمد الحسن ابن الإمام المستنجد بالله أبى المظفَّر يوسف ابن الإمام المقتفِى لأمرٍ الله
(١) زيادة من: ج، ز على ما فى: المطبوعة، والطبقات الوسعنى.
(٢) القالى : المبغض .
(٣) ليست الواو فى المطبوعة، وأثبتناها من: ج، ز.
(٤) زيادة من : ج ، ز على ما فى المطبوعة .

- ٢٦٢ -
أبى عبد الله محمد ابن الإمام المستظهر بالله أحمد ابن الإمام المقتدى(١) بأمر الله أبى القاسم
عبد الله ابن الأمير ذخيرة الدِّين أبى العباس محمد ابن الإمام القائم بأمر الله: أبى جعفر
عبد الله ابن الإمام القادر بالله أبى العباس أحمد ابن ولى العهد الأمير إسحاق ابن الإمام
القندر بالله أبى الفضل جعفر ابن الإمام المعتضد بالله أبى العباس أحمد ابن ولى العهد أبى أحمد
خلحةَ الموقّق بالله ابن الإمام المتوكل على الله جعفر ابن الإمام المعتصم بالله أبى إسحاق محمد
ابن الإمام أمير المؤمنين هارون الرشيد ابن الإمام أمير المؤمنين الَّهْدِىّ بالله أبى عبد الله
محمدابن الإمام المنصور أبى جعفر عبد الله أمير المؤمنين أخى أوّلٍ خلفاء بنى العَبَّاس أمير المؤمنين
أبى العّس عبد اله السَّفَاح بن محمد بن عليّ بن عبد الله ابن العباس عمّ المصطفى صلى الله
عليه وسلّم، ورضى عنهم أجمعين.
وكان المستنصر والدُ المستعصِمِ ذا هِمّةٍ عاليةٍ، وشجاعةٍ وافرة، ونَفْس أَبِيَّةٍ ، وعندَه
إقدام عظيم، واستخدم جُيوشاً كثيرة، وعساكِرَ عظيمة، وكان له أخْ يُعْرَف بالخَفَاجِىّ،
يزيد عليه فى الشجاعة والثّبهامة، وكان يقول(٢): إن مَلَّكِى اللهُ الأرضَّ لأَعْبُرَنَّ
بالجيوش نهر جَيْحُونَ، وأَنتزع البلادَ من النَّارِ، وأستأسِلهم، فلما تُوفّى المستنصر كان
الدويدار والشَّرابِىّ أكبرَ الأمْرَاء وأعظمبم قَدْرًا، فلم يَرَيا تقاليدَ الخفَاَجِى الأَمْرَ خوفًا
منه، وآثروا المُسْتَعْصِم، عِلْماً منهما بلينِه وانقيادِه وضَعْفٍ رأيه، لتكونَ لهما الكبرياء،
فَأقاموه، واسْتَوْزَرَ (٣) مؤيّدَ الدِّين محمد بن محمد بن علىّ المَنْقَمِىّ، وكان فاضلا أديباً، وكان
شِيعًّاً رافِضِيًّا، فى قلبه غِلٌّ على الإسلام(٤) وأهلِه، وحَبَّب إلى الخليفةِ جَمْعَ المالِ والتقليلَ
من العساكر، فصار الجندُ يطلبون من يستخدمهم فى حمل القاذورات، ومنهم من يُكارِفى
على فَرَسِهِ، لِيصلوا إلى ما يتقوَّتُون به.
(١) فى المطبوعة: ((المقتدر))، وأثبتنا الصواب من: ج، ز، وتاريخ الخفاء ٢٣
(٢) انظر تاريخ الخلفاء السيوطى ٤٦٤، وذيل مرآة الزمان ٠٢٥٥/١
(٣) فى المطبوعة: ((واستوزروا))، وأثبتنا ما فى: ج، ز. والتوزر هو الخليفة إذ
كما فى تاريخ الخلفاء ٤٦٥، والفخرى لابن المفقطفى ٢٤٥.
(٤) فى المطبوعة: ((للاسلام))، والمثبت من: ج، ز.

- ٢٦٣ -
وكان ابنُ العَاقَعِىّ مُعادِياً للأمير أبى بكر بن الخليفة وللدويدار؛ لأنهما كانا من أهل
الشّة، وَهَبَا الكَرْغَ ببغداد حين سَمِعا عن الرّوافض أنهم تعرَّضوا لأهل السُّنَّة، وفَعَلا
بالرّ وافِضٍ أُمورًاً عظيمة، ولم يتمكَّنِ الوزيرُ مِن مُدافعتهما؛ لتمكَّنهما، فأضمر فى نفسه الغِلَّ،
وتحيَّلَ فى مكاتبة التَّتار وتهوين أمر العِراق عليهم، وتحريضهم على أخذها، ووصَل مِن
تَحَثُّنِه فى الكاتبة إليهم أنه حلق رأس شخص، وكتب عليه بالسَّواد، وعَمِل على ذلك
دواء(١) صار المكتوبُ فيه كلُّ حرف كالخُفْرة فى الرأس، ثم تركه عنده حتى طلع شعَرُه،
وأرسله إليهم ، وكان مما كتبه على رأسه: إذا قرأتم الكتاب فاقْلَمُوه، فوصل إليهم،
فخلقوا رأسه وقرءوا ما كتبه، ثم قطعوا رأس الرسول .
وكتب الوزيرُ إلى نائب الخليفة بإرْبِل، وهو تاج الدِّين محمد بن صلايا، وهو أيضا
شيعىٌّ رِسالَةً يقول فيها: نُهِبِ الكَرْعُ المُكَرَّم والِتْرة (٣) العَلَوِيَّةَ، وحَسُن التمثيلُ
بقول الشاعر :
أمورٌ تَضْحَكُ السَّفْهَاءُ مِنْا وَيَبْكِى مِنْ عَواقِها الَّلِيبُ(٣)
فلهم أُسْوَةٌ بالحُسّين، حيث نُهِبِ حريمُهُ، وأُرِيقَ دُه.
فلم يَسْتَبِينُوا الرُّشْدَ إِلاضْحَى الْغَدِ (٤)
أَمَرْتُهُمُ أمْرِى بِنْعَرَجِ الَّوَّمى
وقد عَزموا، لاأتمّ الله عَزْمَهم ولا أنفذ أمرَهُم، على نهب الحِلَّة والنِّيل(٥)، بل سوَّلَتْ
لهم أنْفُسُهم أمرًا فصْ جميلٌ، والحادِم قد أسلف الإنذار، وعَجَّل لهم الإعذار.
. (١) فى الطبوعة: ((وعمل على ذلك وأصار المسكتوب به ... ))، وأثبتنا الصواب من: ج، ز.
وفى فوات الوفيات ٣١٥/٢ أن ذلك الدواء كان كهلا. ذكر ابن شاكر ذلك فى ترجمة الوزير ابن العلقمى:
(٢) فى المطبوعة: ((العيرة))، وأتبتنا الصواب من: ج، وتاريخ ابن الوردى ١٩٥/٢.
والكلمة مهملة فى: ز .
(٣) البيت من غير نسبة فى تاريخ ابن الوردى ، الوضع السابق.
(٤) البيت لدريد بن الصمة من قصيدته المعروفة. انظرها فى الأصمعيات ١٠٧.
(٥) المثيل هنا : بليدة فى سواد الكوفة. معجم البلدان ٨٦١/٤.

- ٢٦٤ -
ويُوشِكُ أن يكونَ لها غِرام
أَرَى تَحْتَ الرَّمَادِ وَمِيضَ نارٍ"
يكونُ وَقُودَها جُثَثُ وهِامْ
وإن لم يُطْقِا غُقّلاَهُ قَوْمِ
أَيَقْظانْ أُمَيَّةُ أُم ◌ِنِيَامُ
فقلتُ مِنْ التََّجُّبِ لَيْتَ شِعْرِى
فَقُلْ هُتُوا لَقَدْ حانَ الحِمامُ
فإن يَكُ قَوْمُنَا أَضْحَوْا نِياماً
قلت: وهذه الأبيات كلّها فى غاية الحسن، خاطب بها علوان(١) بن المقنع
أمير المؤمنين ، وهى :
سَلامُ اللهِ ما ناحَ الحَمامُ
أميرَ الُؤْمِنِينَ عَلَيْكَ مِّى
تحيةً حافِظٍ لِلْنَهَذِ رَاعٍ
أرَى خَلَلَ الرَّمَادِوَ مِيضَ ◌َمْرٍ
فإِنّ النّارَ بِالْمُودَيْنْ تُذْكَى
وإن لم يُطْفِهِا ◌ُفَلَاء قَوْمِ
فقلُ لِبَنِى أُمَيَّةَ لَيْتَ شِعْرِى
وقد ظَهَرَ الخُراسانىُّ مَنْهُ.
فإنْلَمْ تَجْمَهُوا جَيْشاً يَضِيقُ !
فلاقُوهُمْ كَمَا لاَقَى عَلِيًّا
كَنَشْرِ الرَّوْضِ بَاكَرَهُ الَّعامُ
ويُوشِتُ أنْ يَكُونَ له ضِراءُ
وإنّ الحَرْبَ أوَّلْهُ كَلامُ
يكونُ وَقُوْدَها جُثْثٌ وهامُ
أَيَّقْظانَ أُمَّيَّةُ أَم ◌ِيامُ
بَنُوَ الْعَبَّاسِ والجَيْىُ الَّهامُ
مِراقُ بِهِ عليهِمْ والشَّامُ
بِصِفِّنٍ شَاوِيةُ الْهُمَامُ
(١) هكذا ينسب المصنف القصيدة إلى علوان، والذى وجدناه فى كتب التاريخ والأدب أن هذا
المعرانصر بن سيار يخاطب به مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية، وقيل: يخاطب به الخليفة الوليد
ابن يزيد، أو الوزير ابن هبيرة. انظر تاريخ الطبرى ٣٦٩/٧، والمكامل لابن الأثير ١٧٣/٥،
والأخبار الطوال ٣٥٧، والبيان والتبيين ١٥٨/١، والأغالى ٥٦/٧، وعيون الأخبار ١٢٨/١،
والعقد الفريد ٩٤/١، ٤٧٨،٢١٠/٤، ووفيات الأعيان ٣٢٧/٢ (ترجة أبى مام الخراساني)
ولم تذكر هذه المراجع القصيدة بأكملها كما فعل الصنف، وتبت الأيات إلى نصر بن سيار أيضا
فى بهجة المجالس ٤٦٨/١، ونقل محتقها عن محاضرات الأدباء ٧٥/٢ نسبة الأبيات إلى أعرابى يدعى
أبا مهم .

- ٢٦٥ -
وأعْلَى زُتْبَةً وهُوَ الإِمامُ(١)
وكان علىُّ أَقْوَى مِنْهُ عَزْماً
فا يُغْرِى إذا حامَ الِحِمامُ
فذاكَ القَصْدُوالْقَطَعِ الكَلامُ
لَكُمْ عَنْهُمْ وَلَا الَيْتُ الحَرَامُ
أمانًا مِنْهُمْ وَهُوَ الَقَامُ
كما قَدْماتَ قَبْنَكُمْ الكرامُ
وعاٍ قَدْ تَدَرَّعهاَ الََّامُ
لِمَنْ شَهِدَتْ بِسُؤَدَدِهِ الْأنامُ(٢)
ولا يأْخُذْ كُمُ حَذَرْ وخَوْفٌ
فإن كانت لسكُمْ يَوْماً عَلَيْهِمْ
وإن تَفِرُوالما تُحْمَى حَرِيمُ
وَلا بَقَّامِ إبراهِيمَ تُعْطَوْا
فَمُوتُوافِى ظُهُورِ الخَيْلِ صَبْرًا
ولا تَتَدَرَّعُوا أَنْوابَ ذُلِّ
فَإِنّ الضَّيْمَ لا صَبْ عَلَيْهِ
له فى حِفْظِ عَهْدِكُمُ ذِمامُ
وِنْكَ وَصِيَّةٌ مِنْ ذِى وَلَاءُ
ويُبِْكُ مَا لَدَيْكُمْ وَالسَّلَامُ
وإلّا فَهْوَ يَقْتُكُمْ جَمِيعاً
فكان جَواِبِى بعد خطابى: لابُدَّ من الشَّخِيعة بعد قَتْلِ جميعِ الشِّيعة، ومن إحراق
كِتَاب الوسيلة والذَّرِيعة، فكن لما نقول سميعا، وإلّا جَرَّعْنكُ الحِمامَ تجرِيما، إلى أن
يقول: فلأَفْعَلَنَّ بِلَّى كما قال المُتَفَّى(٣):
ثُمَّ اسْتَمرُّوا بِها مَاءَ الَنِيَّاتِ
قوم إذا أخَذُوا الأفْلامَ مِنْ غَضَبٍ
ما لا يُنالُ بِحَدِّ الَشْرَ فِيَّتِ (٤)
نالُوابِها مِن أعاديهم وإن بُدُوا
ولَآَ تِيَّمُ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لهم بها ولأخْرِجَّم منها أذِلَّةً وهم صائِرون(٥) ،
(١) تظن أن هذا البيت مدسوس على القصيدة، لما فيه من تجيد ظاهر لعلى بن أبى طالب رضى
الله عنه ، والقصيدة كلها أموية كما هو ظاهر.
(٢) فى المطبوعة: ((لن شهدت عليه ... ))، والصواب حذف ((عليه)» لتمام الوزن، كما فى: ج،ز.
(٣) لم نجد هذا الشعر فى ديوان أبي الطيب التقى المطبوع.
(٤) فى المطبوعة ((من عداتهم))، والمثبت من: ج، ز.
(٥) انظر الآية ٣٧ من سورة النمل .

- ٢٦٦ -
أُودِعْتَها إذا كُنْتَ مِنْ أُمَنَائٍ(١)
وَوَدِيعة مِنْ سِنِّ آلِ مُحَمَّدٍ
فى الجَدِ عِنْدَ صَباحِها وَمَسائِها (؟)
فإذا رأيتَ الكَوْ كَبَيْنِ تَقَارَبًا
لِطلابها بالتَّرْكِ مِن أَعْدأِها
فَهُنَاكَ يُؤْخَذُ وَارُ آلِ محمد
فكُن لهذا الأمر بالمرصاد، وترقَّبْ أوّلَ النَّحْلِ وَآخِرَ ماءٍ(٢).
﴿ذَكر أمور كانت مقدِّمات لهذه الواقعة)
لما كان الخامِسُ من جُهادى الآخرة من هذه السنة(٤)، كان ظهورُ النارِ بالمدينة النبوية،
وقبلَها بليلتين ظهر دَوِيٌّ عظيمٌ ثم زَلْزِلَةٌ عظيمة، ثم ظهرت تلك النارُ فِى الْحَرّةَ قريباً
من قُرَيْظَةَ، يُصرِها أهلُ المدينةِ مِنِ الدُّور، وسالت أوديةْ منها ([ بالنار إلى وادى
شظا]٥) سَيْلَ(٦) الماء، وسالت الجبال نيراناً، وسارت نحو طريق الحاجّ العِراقىّ؛
فوقفتْ وأخذت تأكل الأرض أكبلًا، ولها كلَّ يومٍ صوتٌ عظيم من آخِر الميل إلى ضَحْوة،
واستغاث الناسُ بدِهم، صلّى الله عليه وسلم، وأقلموا عن المعاصى، واستمرّت النارُ فوقَ
الشّهرِ، وهى مِمّا أخبر بها المصطفى صلوات الله عليه، حيث يقول: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَبََّى
(١) فى المطبوعة: ((ووديعة منى آل ... ))، وأثبتنا رواية ج، ز، وهى فى تاريخ ابن الوردى
(٢) فى تاريخ ان الوردى: ((تقارنا)» بالنون.
١٩٦/٢.
(٣) * فى أول سورة النحل، وهو قوله تعالى: ﴿أَنَى أَمْرُ اللهِ فَلاَ تَسْتَعْجِدُهُ)
وآخر سورةٍ صاد ، وهوٍ قوله تعالى: ﴿ وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأْهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ .
(٤) يعنى سنة أربع وخمسين وستمائة، كما فى ذيل الروضتين ١٩٠، والبداية والنهاية ١٨٧/١٣،
وتاريخ الخلفاء ٤٦٥، ٤٦٦ .
(٥) تكملة لازمة من الذيل على الروضتين، والبداية، وتاريخ الخلفاء، وانظر أيضا السلوك ٣٩٨/١.
(٦) كذا فى المطبوعة، ومثله فى النيل على الروضتين، وتاريخ الخلفاء. وفى : ج، ز ، والبداية:
((ميل)). ونبه هنا إلى أن عمدة المؤرخين فى أخبار هذه النار هو أبوشامة صاحب الديل على الروضتين.

- ٢٦٧ -
تَخْرُجَ نَزْ مِنْ أَرْضِ الحِجَازِ تُفِىءٍ(١) أُعْفَقَ الْإِبِلِ بْنُصْرَى)) وقد حَكَى غيرُ(٢)
واحدٍ مَّنْ كان يُبْصْرَى بالليل، ورأى أعناقَ الإبل في ضوئها .
﴿غَرَقَ بغداد)
زاد الدَّجْلَةُ زيادةً مَهُولَةً، فَتَرِقٍ خلق كثير من أهل بغداد، ومات خلق تحتَ
التهَدْم، وركب الناسُ فى المراكب، واستغائوا بالله، وعليَنُوا التَّلَفَ، ودخل الا من أسوارٍ
البار، والهدمت دائُ الوزير وثلثمائة وثمانون دارا، وافهدم مخزن الخليفة، وهلك دى؟
كثيرٌ من خِزانة السِّلاح.
(حريق المسجد النبوى الشريف)
وفى ليلة الجُمعة مُسْتَهَلَّ شهر رمضانَ احترق مسجد النبيِّ صلّى الله عليه وسلم، وكان
ابتداء حريقِهِ مِن زاويته الغربّة، فأُحْرِقت سُقُوفُه كأنها ، وذاب رَصاصُها، ووقع(٢) بعضُ
أساطينه، واحترق سَقْفُ الحُجرة النبويّة، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام(٤).
(١) فى الأصول: ((تضىء لها أعناق ... ))، وحذفا ((لها)) ونصبنا (( أعناق)» على المفعولية،
متابعة ما فى الذيل على الروضتين، والبداية. وكذلك جاءت الرواية فى صحيح البخارى (باب خروج
النار، من كتاب الفتن) ٧٣/٩، وصحيح مسلم (باب لا تقوم الساعة حتى تخرج ذار من أرض الحجاز،
من كتاب الفتن وأشراط الساعة) ٠٢٢٢٨/٤
وبصرى : مدينة معروفة بالشام ، وهى مدينة حوران ، قريبة من دمشق، شرح النووي على مسلم
٢٠/١٨، ومعجم البلدان ٠٦٥٤/١
(٢) فى المطبوعة: ((عن))، وأتبنا الصواب من: ج، ز، وتاريخ الخلفاء. وذكر هذا الكلام
عن الذهبى .
(٣) فى المطبوعة: ((ووقعت))، والثبت من: ج، ز، وقل الروضتين١٩٤.
(٤) بقية قصة الحريق فى الذيل على الروضتين .

- ٢٦٨ -
﴿ذَكر خُروجَ هُولاَ كُوبِن [قَانٍ](١) تُولِىِ بن ◌ِشْكِنْ خان)
اجتمع هو وعسا كرُهُ التى لايُحصَى عددُها، ولا يُدرَك مَدَدُها، ولا يُعَدَّدِ عُدَدُها ،
ولا يُدْرَك وإن تأمّل الطَّرْفُ أَمَدُها، فى مجلس المشورة، واتفقوا على الخروج فى يوم معلوم،
فسار فى المَغُول من الأُرْدُهُ على (٢) مَهَلِه، يقتطع القِلاعَ وَيَمْلِكُ الحُونَ، وأطاع الله له
البلاد والعبادَ، وصار لا يُصْبح يومٌ إلا وسَعْدُه فى ازدِياء، حتى إنه حلق فى يومٍ على صيد،
فاصطاد ثمانيةً من السُّباع، فأنشد بعضُهم إذ ذاك :
مَن كَانَ يَصْلادُ فى يومٍ ثمانِیةً
مِنَ الضَّرَاغِمِ هانَتْ عِنْدَه البَشَرُ
ومَلَكِ فِلاعَ الإسماعيليّة كلَّها، وجميعَ بِلاد الرُّوم، وصار لا يمرُّ بمدينةٍ إلاّ وصاحبها
بينَ أمرين: إمّا مطيعٌ فَيَقْدَمُ إلى ◌َيَمَ هُولا كُمٍ، وهو مُخَيَّمٌ عظيم المنظر كبير الحِشْمة(٣)،
معمولْ من الأطلس الأحمر ، تحتَوِشُه جنودُ القندس(٤) والقاقم، فيقِّلُ الأرضِ، وُْعِم
عليه بما يقتضيه رأيُهُ، ثم يُخرِّب بلاده التى كان فيها ويُصِّرها فاعاً صَفْصَفاً، على قاعدة
جَدِّهِ جِنْكِزْخان، ويكون(٥) المُتُولَى لحرابها هو ذلك الملك، وإمّا عاصٍ، وقَلّ وِجْدانٍ(٦)
ذلك، فلا يَعْصِى عليه غيرَ ساعات معدودة، ثم يحيط به القضاء المقْدور(٧)، ويحولُ بين
رأسه وعنقه الصارمُ المشهور .
(١) زيادة من: ج، ز، على مافى المطبوعة. هذا وقد ذكر المصنف أمر جنكزخان جد هولاكو،
فى الجزء الأول ٣٢٩-٠٣٤٢
(٢) فى المطبوعة: ((من الأزد وعلى ٣٠))، وأتبتنا الصواب من: ج، ز .
والأردو : كلمة تركية، معناها: المعكر أو الجيش. دائرة المعارف الإسلامية ٠٥٥/٢.
(٣) فى ج، ز: ((كثير الجئة))، وانثبت من المطبوعة.
(٤) فى المطبوعة: «القدس»، وأثبتنا ما فى : ج، ز .
(٥) فى المطبوعة: ((وكان))، والمثبت من: ج، ز .
(٦) فى المطبوعة: ((أن وجد)))) وأثبتنا ما فى : ج، ز.
(٧) فى المطبوعة: ((القدر))، وأثبتنا ما قى: ج، ز، وهو أوفق لتناسب الجمع

- ٢٦٩ -
وتوجَّهت الملوكُ على اختلاف ندائها(١) وامتناعِ سلطانها وعِظَمِ، كانها، إلى مَتَباته،
فمنهم من أمّنه وأعطاه فَرَماناً، ورَجَعه إلى بلده، ومنهم من فعل به غيرَ ذلك، على ما يقتضيه
البأساء التى أخبر عنها شيطانُ جَدِّه، وابتدعها مِن عِندِهِ، كلّ ذلك والخليفةُ غافِلْ
عمّا يُرادُ به .
ثم تواترت الأخبارُ بوصولٍ هُولا كُو إلى أذْرَ بِيجانَ، بقصد العِراق، وكانَب صاحبُ
المُوصِل لؤلؤ الخليفةَ، يستنهضه فى الباطن، وما وَسِعَه إلّا مُداراةُ هُولاكُوفى الظاهر،
وأرسل الخليفةُ نجمَ الدين البادَرائِيَّ رسولًا إلى الملك الناصر صاحبٍ دِمَشْقَ، يأمره بمصالحة
الملك الْمُعِزّ، وأن يتّفقا على حرب التَّتَار، فامتثلا أمرَ الحليفة، وفيما بين ذلك تأتى الكتبُ
إلى الخليفة، فإن وصات ابتداءً إلى الوزير لم يوصّلها إليه، وإن وصلت إلى الخليفة أطلع
الوزيرَ، فُقْبِّطُهُ وَيُغَنَّه حين يستنصِحُه .
ثم دخلت سنةُ خمس وخمسين وستمائة: وفيها مات الملك المعِزّ أَيْبَك التّرْ كُمَافِىّ
صاحبُ مصر، وتَسَلْطَنِ بعدَه ولدُه الملك المنصور علىٌّ بن أَيْبَك، وتردَّدت رسُلُ هُولا كُو
إلى بغداد، وكانت القَراِبِينُ(٢) منهم واصلةً إلى ناسٍ بعد ناسٍ، من غير تَحاشٍ منهم فى
ذلك ولا خُفْيَةٍ ، والناسُ فى غَفْلَةَ عَمّا يُرادُ بهم، لِيَقْضِىَ اللهُ أمرًا كان مفعولا .
.
ثم دخلت سنة ست وخمسين وستمائة: ذاتُ الداعِية الدَّهْياء والمصيبة الصَّاء، وكان
القان الأعظم هُولا كُرٍ قد قصد الألموت(٣)، وهو مَعْقِلُ الباطنية الأعظم، وبها المقدَّم
علاء الدِّين محمدُ بنُ جلالِ الدين(٤) حسن الباطِنِىّ، المنتسب فى مذهبه إلى الفاطميِّين
الْمُبَيْدِيِّن، فتُوفى علاء الدين، ونزل ولده إلى خدمة هُولا كُو، وسلَّ فِلاَعَه، فأمَّنه.
(١) فى المطبوعة: ((نوابها))، وأنيتنا ما فى : ج، ز .
(٢) كذا فى المطبوعة، وسقطت الكلمة من: ز، وفى ج: ((القراميس)) ولم نعرف معناه.
(٣) فى المطبوعة: ((الأيمون))، وفى: ج، ز: ((الأبموت))، والمثبت هو الصواب. انظر
الجزء السابع ٢٣٣.
(٤) فى المطبوعة: ((جلال الدين بن حن))، وأسقطنا ((بن)) كما فى: ج، ز.

- ٢٧٠ -
ثم وردت كتبُ هُولا كو إلى صاحب المَوْمِل لؤلؤ، فى جبيئة الإقامات والسُّلاحِ،
فأخذ يُكاتب الخليفةَ سِرًّا، ويهيّى، لهم مايريدون جَهْرًا، والخليفة لايتحر ◌ّك ولا يستيقظ،
فلمّا أَزِفَ اليومُ الموعودُ، وتحقّق أن العَدَمَ موجود، جهّز رسولَه يَعِدِهم بأموال عظيمة،
ثم سيَّ مائة رجلٍ إلى الدَّرْبَنْد، يكونون فيه ويطالبونه بالأخبار، فقتلهم التتار أجمعين،
وركب الشُّلطانِ هُواكُو إلى العِراق، وكان على مُقدّمته بايْجُونِوين(١)، وأقبلوا من جهة
البَرّ الغَربيّ عن (٢) دِجْلَة، مخرج عسكرُ بغداد، وعليهم ركن الدين الدويدار ، فالتقوا
على نحوٍ مرحلتين من بغداد، وانكس البغداديون، وأخذيتهم (٣) الشُّيُوف، وغَرِق بعضُهم
فى الماء ، وهرب الباقون، ثم ساق بايْجُونِوِين، فنزل القريةَ مُقابِلَ دارِ الخلافة، وبينَه
وبيَّهَا فِ جْلَةٌ، وقصد هُولاكوٍ بغدادٍ مِن جهة البَرّ الشَّرْقِيِ، ثم إنه ضرب سُورًا على عسكره،
وأحاط ببغداد، فأشار الوزير على الخليفة بمُصافعتهم، وقال: أخرج أنا إليهم فى تقرير الصَّاحِ،
تخرج وتوقَّقَ لنفسه من التَّتَّارِ، وردّ(٤) إلى المُسْتِعِصِم، وقال: إن السُلطانُ يا مولانا
أميرَ المؤمنين قد رَغِب فى أن يزوِّج بنتَه بابنك الأمير أبى بكر، ويُبْقِيَكُ فى مَنْصِبُ الخلافة،
كما أبقى صاحبَ الرُّوم فى سلطنه، ولا يُؤْثِرِ إلّا أن تكونَ الطاعةُ له، كما كان أجدادُك
مع السَّلاطين السَّاجوقيّة، وينصرِفَ عنك بجيوشه، فمولانا أميرُ المؤمنين يفعل هذا،
فإن فيه حَقْنَ دماء المسلمين، وبعد ذلك يمكننا أن نفعلَ ما نريد، والرأى أن تخرجَ إليه.
خرج أميرُ المؤمنينَ بنَفْسِهِ في طوائفَ من الأعيان إلى باب الطاغية هُولا كو، ولا حولَ
ولا قوَّةً إلا بالله العلىِّ العظيم، فأنزل الخليفة فى خَيْمة ، ثم دخل الوزيرُ فاستدعى الفقهاء
والأماثل لِيَحْصُرُوا اللَقْد، خرجوا من بغداد، فضربوا(٥) أعناقهم، وصار كذلك يخرجُ
طائفةٌ بعدَ طائفة فتُضْرَبُ أعناقهم، ثم شاب حاشية الخليفة، فضرب أعناقَ الجميع، ثم ذَب
(١) فى المطبوعة، هنا وفيما يأتى: ((ناخون توص)))، وفى: ج.، ز: ((ناحر بوس»، وأنبتنا
(أ) فى المطبوعة: ((على))، والثبت من: ج، ز، والنجوم .
ما فى النجوم الزاهرة ٠٤٩/٧
(٣) فى المطبوعة: «فأخذتهم »، وأثبتنا ما فى: ج، زي، والنجوم.
(٤) فى المطبوعة: ((ورجع))، والثبت من: ج، ز ، والنجوم.
(٥) فى المطبوعة: ((فضربت))، وأثبتنا ما فى : ج، ز .

-٢٧١٠ -
أولادَه، فَضَرب أعناقهم؛ وأمّا الخليفةُ، فقيل: إنه طلبه ليلًا، وسأله عن أشياء، ثم أمَر
به أيْدَ، فقيل لهُولا كُمٍ؛ إن هذا إن أُهَرِيق (١) وَمُه تُظْلِمِ (٢) الدنيا، ويكونُ سببَ
خَرابٍ يارِك، فإنه ابن عبّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وخليفةُ الله فى أرضه، فقام
الشيطانُ الْمُبين(٣) الحَكِيمُ (٤) نَصِيرُ الدِّين الطُّوسِىّ، وقال: يُقْتَلُ ولا يُراقُ دُه. وكان
النَّصيرُ من أشدِّ الناسِ على المسلمين، فقيل: إن الخليفةَ نُمَّ فى بِسماط. وقيل: زَفَسُّوه
حتّى مات. ولما جاءوا ليقتلوه صاح صيحةً عظيمة، وقَتاوا أمراءه عن آخرهم، ثم مَدُّوا
الجِْرِ، وبذلوا السيفَ ببغداد، واستمرٌ القتلُ ببغدادَ بِضْعًاً وثلاثين يوما، ولم يَنْحُ
إلّا مَن اختفى .
وقيل : إِن هُولا كَو أمر بعد ذلك بِعَدِّ القتلى، فكانوا ألف ألفٍ وثمانمائة ألف،
النِّصْفُ من ذلك تسعمائة ألف، غير مَن لم يُعَدّ ومَن غَرِقٍ، ثم نُودِىَ بعد ذلك بالأمان،
فرج مَن كان مختبئا، وقد مات الكثيرُ منهم تحتَ الأرض، بأنواع من البلايا، والذين خرجوا
ذاقوا أنواعَ الهوان والذَّلّ، ثم حُفِرت الدُّورُ، وأُخذت الدَّفَائنُ والأموال التى لا تُعَدّ
ولا تُحْصَى، وكانوا يدخلون الدارَ فيجدون الخبيئةَ فيها، وصاحبُ الدار يحلِف أن له السِّينَ
العديدةَ فيها ما عَلِمٍ أن بها خبيئةً، ثم طلبت النَّصارى أن يقعَ الجهرُ بِشُرْبِ الخمر وأكلٍ
لحم الخنزير، وأن يفعل معهم المسلمون ذلك فى شهر رمضانَ، فُلْزِم المسلمون بالفِطْر فى
رمضان ، وأكلِ الخِنْزِير، وشُربِ الخمر، ودخل هُولا كُو إلى دار الخليفة راكبًاً،
لعنه الله، واستمرّ على فرسه، إلى أن جاء إلى سُدَّة الخليفة، وهى التى تتضاءلُ عندَها الأسودُ
ويتناوله(٥) سَعْدُ التُّعود، كالمستهزئ بها، وانتهك الحُرَمَ مِن بيت الخليفة وغيرِه ،
(١) فى المطبوعة: ((أريق))، والثبت من : ج، ز .
(٢) كذا فى المطبوعة، وفى: ج، ز: ((أظلمت)).
(٣) كذا فى المطبوعة، وفى: ج، ز: ((السعر)) من غير تعد، وجائز أن تقرأ: ((المبير)»
(٤) فى المطبوعة: ((الحكم))، والثبت من: ج، ز.
.تعنى المبلك .
(٥) كذا فى المطبوعة، ز، وفى: ج : (وبنازل».

--
- ٢٧٢ -
وأعطى دارَ الخليفة لشخصٍ مِن النَّصارى، وأُرِيقت المحورُ فى المساجد والجوامع ، ومُنع
المسلمون مِن الإعلان بالأذان، فلا حول ولا قوَّةَ إلّا بالله العلىّ العظيم.
هذه بغدادُ، لم تكن دارَ كُفْرٍ قَطُّ، جَرَى(١) عليها هذا الذى لم يقع(٢) مُنْذُ فَّلمت البدنيا
مثلُهُ، وَقُتِل الخليفةُ، وإن كان وقع فى الدنيا أعظمُ منه إلا أنه أُضِيفَ لهُ هَوَانُ الدِّين
والبلاء الذى لم يختصّ بل جَمَّ سائر المسلمين، وهذا أمرٌ قدَّره الله تعالى، فَقَبَّط له عَزْمَ
هذا الخليفةِ، لِيَقْضِىَ اللهُ ما قدَّرِهِ.
ولقد حُكِىَّ أن الخليفةَ كان قاعدًا يقرأ القرآن وقت الإحاطة بسُورٍ بغداد، فَزَمى
شَخْصُ (٣) مِن الَّتار بسهْمٍ، فدخل من(٤) شُرُفات المكان الذى كان فيه، وكانت واحدة
من بناته بينَ يديه، فأصابِها السّهْمُ ، فوقعت مَيِّئَةً .
ويقال: كَتَبِ الدَّمُ على الأرض: إذا أراد الله أمْرًا سَلَب ذَوِى العقولِ عُولَهم ،
وإن الخليفةَ قرأ ذلك وبكى ، وإن هذا هو الحامل على أن أطاع الوزير فى الخروج إليهم.
ولله ما (٥) فعات زوجةُ أمير المؤمنين(٦)، قيل: إنّ هُولا كُودعاها لِيَواقِعَهَا، فَشرعت
تُقُدِّم له تُحَفَ الجواهر وأصنافَ النَّفَائْس، تَشْغُلُه عمّا يَرُومه، فلما عرفت تصميمه على
ماعزَم عليه، أنَّفَقت مع جاريةٍ من جَوارِيها على مكيدةٍ تَخَيَّلْها وحِيلةٍ عَقدتها، فقالت لها:
إذا نَزَعْتُ ثِيَابَك وأردت أنْ أَقُدَّكُ نِصْفَين بهذا السَّيف، فأظْهرِى جَزعاً عظيماً، فأنا إذ
ذاك أقول لك: افعلى أنت هذا بى، فإن هذا سيفٌ من ذَخائرٍ أمير المؤمنين، وهو لا يُؤَثِّر
إذا ضُرب به ولا يَجْرَح شيئا. فإذا أنت ضربتينِى فليكُن الضَّرِبُ بكلِّ قواكٍ على
نفس المَقْتِل .
(١) فى المطبوعة: ((وجرى))، وأسقطنا الواو كما فى : ج، ز.
(٢) فى المطبوعة: ((لم يقع قط من منذ))، وأثبتنا ما فى: ج، ز.
(٣) فى المطبوعة: ((شخصى))، واأثبت من : ج، ز .
(٤) فى المطبوعة: ((فى))، وأنيتنا ما فى ج، زي .
(٥) فى المطبوعة: ((وبته ذر ما فلت))، والمثبت من: ج، ز ..
(٦) كذا فى المطبوعة، وفى ج، ز: ((.الخليفة».

- ٢٧٣ -
ثم جاءت إلى هُوا كُو وقالت: هذا سيف الخليفة، وله خُصوصِيَّةٌ، وهى (١) أنه
يُضْرَب به الرجُلُ فلا يَجْرَحه إلّا إذا كان الضارِبُ الخليفةَ، ثم دعت الجاريةَ، وقالت:
أُجَرِّب بينَ يَدَىِ السُّاطان فيها، فلما عايفت الجاريةُ السيفَ مُصَلِتًاً والضَّربَ آَتَّياً(٢)،
صاحت صيحةٌ عظيمة، وأظهرت الجَزَع(٢) شديداً، فقالت السيِّدةُ رضى الله عنها:
وَيْلَكِ، أما علمتِ أنه سيفُ أمير المؤمنين ، مالك، أَتَخْشَيْنَه(٤)، أما تَعْرِفِينه؟ خُذِيه
واضربنى به، فأخذتّه فضربتها به، فقدَّتْها نِصِفِين، وماتت وما ألَمَّتْ بعار، ولا جعلت
فِراشَ ابن عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فِراشا للكفار، فتحسَّرَ هُولا كُوٍ،
وعَلِم أنها مَكِيدة.
وقد رأيتُ مثلَ هذه الحكاية جَرى فى الزّمن الماضى، لِبعض الصالحات ، راودها عن
نفسِها بعضُ الفاجرين، كما حكى ذلك الدَّبُوسِىُّ من الحنفيّة، فى كتابه (روضة العلماء).
ويُحْكَى أن شخصاً من أهل مِصْرَ قال: كنت نائماً حين بلغ خبرُ بغدادَ، وأنا متفكِّرٌ ،
كيف فعل الله ذلك، فرأيت فى المنام قائلا يقول: لاَْتَرِضْ على الله، فهو أعلمُ بما يفعل،
فاستيقظت واستغفرت الله تعالى .
وأمّا الوزير، فإنه لم يحصُلْ على ما أمَّلَ، وصار عندهم أُخَسَّ من الذَّباب، ونَدِمِ حيث
لا ينفعه النَّمُ، ويُحكى أنه طُلِب منه يوماً شعيرٌ فركب الفرسَ بنفسه ومضى ليُحصِّله(٥) لهم،
وهذا يَشْتُمه وهذا يأخُذ بيده، وهذا يصفعه، بعد أن كانت السَّلاطين تأتى فتقبّلُ عتبةَ دارِه،
(١) فى المطبوعة: ((وهو))، والمثبت من: ج، ز.
(٢) كذا فى المطبوعة، ز، وفى ج: ((أنيا)) بتشديد الياء. والأتى، بفتح الهمزة وكسر التاء
وتشديد الياء : يقال للماء يأتى إلى الأرض من جدول، والمنهر يسوقه الرجل إلى أرضه .
(٣) فى المطبوعة: ((جزءا))، والمثبت من : ج، ز.
(٤) فى المطبوعة: ((تخدينه)) وزدنا الهمزة من: ج، ز.
(٥) فى المطبوعة: ((يحمله))، والثبت من: ج، ز .
(٨/١٨ - طبقات)

- ٢٧٤ -
والعساكر تمشى فى خدمته حيث سار من (١) ليله ونهارِه، وأن امرأةٌ رأته من طاقٍ ،
فقالت له: يا ابنَ العُلْقَمِىّ، هكذا كنتَ [ تركب](٢) فى أيام أمير المؤمنين؟ فخجل وسكت
وقد مات غَبْناً بعد أشهرٍ يسيرة، ومضى إلى دار مَقْبرِه ووجد ما عَمِل حاضر !.
وأمّا ابنُ صَلايا نائبُ إِرْبِل، فإن هُولاَ كُوْ ضَرب عنقه .
ثم جاءت رسل هُولا كُو إلى الملك الناصر، صاحب الشام، وصورة كتابه إليه:
« يَعْلَمْ ساطانُ ملك(٢) نَاصِرِ [ أنه](٤) لما توجّهنا إلى العراق وخرج إليها جنودهم، فقتها؟
بسيف الله، ثم خرج إلينا رؤساء البلد ومقدَّموها، فأعدمنأهم أجمعين، ذلك بما قدَّمتِ
أيديهم وبما كانوا يكسِبُون، وأمّا ما كان من صاحب البلدة، فإنه خرج إلى خدمتنا ودخل.
تحت عبوديتنا، فألْناه عن أشياء كَذَب فيها، فاستحقّ الإعدام، أجِبْ مَلِكَ البسيطة،
ولا تقولنّ: فلاعِى المانعات ورِجالى المقاتلات(٥)، فماعةً وقوفِك على كتابنا يجعلُ [ قِلاغ
الشام](٦) مماءها أرضاً، وطُولَهَا مَرْضً)) وأرسَل غيرَ ما كتابٍ (٧) فى هذا المعنى.
ثم فى (٨) سنة سبع وخمسين وستمائة، نزل على آمِدَ، وبعث إلى صاحب ما رِدِينَ.
يُطالبه(٩)، فجعل صاحبُها يتمثّل بالمرض، وأرسل أولاده وهداياه جَهْرًا إلى هُولا كُوٍ،
وأرسل فى الباطن يستحثّ الملك الناصر على محاربة النَّار، ثم عَبر له حيث عظيم إلى الغُرات،
بعد أن استولى على حُرَّانَ والرُّها والجزيرة، فجاء الخبر إلى صاحب حاب، جَعَلَ الناسُ بها،
(١) فى المطبوعة: ((فى))، وأنبتنامنق: ج، ز. (٢) زيادة من: ج، ز، على مافى المطبوعة.
(٣) فى تاريخ الخلفاء السيوطى ٤٧٣: ((السلطان الملك الناصر)). وما عندنا أشبه بحكاية
(٤) ساقط من : ج، ز، وهو فى المطبوعة، وتاريخ الخلفاء.
لفظ الأعاجم.
(٥) اختلف سياق الكتاب هنا عما فى تاريخ الخلفاء.
(٦) ساقط من: ج، ز، وهو فى المطبوعة، وتاريخ الخلفاء ٤٧٤
فى تاريخ الخلفاء .
(٧) فى المطبوعة: ((وأرسل كتابا ... ))، وأثبتنا الصواب من ذج، ز. وبقية الكتب تراها.
(٨) فى المطبوعة: ((.ثم دخلت سنة ٠٠٠))، وأثبتنا ما فى : ج، ز. لكن
العبارة وردت هكذا فى تاريخ الخلفاء ٤٧٥: « ثم دخلت سنة سبع وخمسين والدنيا بلا خليفة)).
وبعد ذلك حكى اليوطى تزول اختار على آمد.
(٩) فى المطبوعة: ((يطلبه))، والثبت من : ج، ز.

- ٢٧٥ -
وعَظُمُ الخَطب، وَمّ البلاء، ثم قاربوا حَلَبٍ، فخرج إليهم جماعةٌ من عسكرها، فهزموهم(١)
ونازلوا البلدة، وقتلوا خلقاً كثيرا، ثم رحلوا عنها طالبين(٢) أعْزازَ، وكان القَدَّمُ على هذا
الجيش أسموط بن هُولا كُو، ثم ◌َبر هُولا كُو الفُراتَ بنفسه، فى المحرَّم سنة ثمان وخمسين
وستمائة، ونازلت(٣) عساكره حَاب، وركبوا الأسوار من كلِّ ناحية، بعد أن نَقَبُوا
وخَتْدَقوا، فبرب المسلمون إلى جهة القلمة، وبذلت التََّّارُ السيفَ فى العالَم، وامتلأت
الطرقاتُ بالقتلى، وَقِىَ القتلُ والَّب والحريقّ إلى رابع عشر صفر، ثم نودِىَ برفْع
السيف، وأَذَّن المؤذِّنون(٤) يومئذ بالجامع، وأقيمت الخُطْبة والصَّلاة، ثم أحاطوا بالقلعة
وحاصروها .
وأرسل صاحبُ حَلَبَ إلى الملك الناصر صاحب الشام يستحثّه، ووصل الخبرُ إلى دِمَشْقَ،
بأخْذِهم حَلَبَ، فهرب الملك الناصر، بعد أن كان جَبِى الأموالَ ، وجمع الجموع ، ونزل على
بَرْزَةَ(٥) بعساكِرَ عظيمةٍ، ثم رأى العجزَ فيِرَب، ووصات رُسلُ النََّار إلى دِمَثْقَ، وقُرِئْ
الفَرَمانُ بأمان أهلِ دِمَشْقَ وما حَوالِها .
وأمّا حَمَاة، فإن صاحبَها كان حضر إلى بَرْزَةً ليتجهّزَ مع الملك الناصر، فلمّا سمع أهلُ
البلد فى غَيْبته(٦) بأخذ حَلَب، أرسلوا إلى هُولا كُو، يسألون ◌َطْفَه، وسلَّموا البلد،
وهرب صاحِبُ حماة مع الملك الناصر، فسارا نحوَ مِصْر، فلما وصلا قَطْياً(٧)، تقدَّم صاحِبُ
حماة، وهو الملك المنصور، ودخل مِصْرَ، وبقى الناصرُ فى عسكرٍ قليل، فتوجَّهوا إلى قِيهِ
بنى إسرائيل ، خوفا من المصريين .
وأمّا الشََّّارُ فوصلوا إلى غَزَّةَ، واستولوا على ما خَلَفَهم، وتسلَّوا قلمةَ دِمَشْقَ،
وجعلوا بها نائبا، ثم تفرّقُوا فى بلاد الشام، يفعلون ما يختارون، وطافوا فى دِمَشْقَ برأس
(١) فى المطبوعة: ((فهزمهم ونازل))، وأثبتنا مافى: ج، ز.
(٢) فى: ج، ز: ((سالبين))، وأثبتنا مافى المطبوعة. وسبق التعريف بأعزاز فى الجزء السابق.
(٣) فى المطبوعة: ((ونزلت))، والمثبت من: ج، ز.
(٤) فى المطبوعة: ((المؤذن))، والمثبت من: ج، ز ..
(٥) برزة : قرية من غوطة دمشق . معجم البلدان ١ / ٥٦٣.
(٦) كذا فى المطبوعة، وفى: ج ، ز: ((عشيه» .
(٧) فى معجم البلدان ١٤٤/٤: ((قطية: قرية فى طريق مصر، قرب الفرما، فى وسط الزمل)».

- ٢٧٦ -
الملك الكامل (١) الشهيد، صاحب مَيَّ ارِقِينَ، وقد كانوا حاصروه سنةً ونصفاً، وما زال:
ظاهِرًا عليهم ، إلى أن فَنِىَ أهلُ البلد لقَنَاءَ الأقوات .
ثم سار الناصر وأخوه وحاشيته إلى هُولا كُوٍ، وكان جاء كتاب هُولا كُو، قبلَ وصوله
إلى دِمَشْقَ ، فَقُرِئْ بدمشق، وصورته (٢): أمّا بَعْدُ، فنحن جنودُ الله، بنا يَنْتِقِم مَّن
عَتا وتّجَبَّ، وطفَى وتكبّر، ونحن قد أهلكنا البلاد، وأبَدْنا العباد، وقتلنا النّساءَ
والأولاد ، فأيّها الباقون ، أنتم بمَن مضى لاحقون، وأيُّها الغافلون، أنّم إليهم(٣) تُنَاقُون،
ونحن جُيُوشُ الهَلَكَةُ (1) لاجُيُوشُ المَلَكة، مقصودُنا الانتقام، ومُلْكُنَا لَايُرام، ونَزِيلُنا.
لايُضام، وعَدْلُنا فى مُلِكِنا قدِ اشتهر، ومِن سُيوفِنا أين المَفَرُّ،
ولنا البَسِيطان ؛ الثَّرَى والماءِ(٥)
أين الَفَرُّ ولا مَفَرَّ لهاربٍ
ذَلَّتْ لهيتنا الأسودُ، وأَصْبَحَتْ فى قَبْضِنا الأمراء والخُلفَاءِ(٦)
ونحن إليْكم صائرون، ولكم العَرَبُ وعلينا الطََّب.
سَتَعْلَمُ قَبْلَى أَىَّ دَيٍْ تَدَايَتْ. وَأَىَّ غَرِيمِ بالتَّقَاضِىِ غَرِيعُهَا(١)
دَوَّرنا البلاد، وأيَتْمُنا الأولاد، وأهلكنا العباد، وأنقناهم العذاب.
وشَخت النَّصارى بِدِمَشْق، وصاروا يرفعون الصَّلِيب، وَيَمرُّون به فى الأسواق ،
والخر معهم يرشونه على المساجد والمصلِّن، ومن رأى الطَّيبَ ولا يقوم له عاقبوه .
(١) هو الملك الكامل محمد بن شهاب الدين غازى بين العادل، كما فى ذيل الروضتين ٣٠٥. وقد صدر
أبو شامة قصة الطواف برأس الكامل بقوله: ((زعموا)).
(٢) أورد السيوطى فى تاريخ الخلفاء ٤٧٤، ٤٧٥ صورة الكتاب أكمل مما عندنا.
(٣) فى: ج، ز: ((إليه))، والمثبت فى المطبوعة، وتاريخ الخلفاء.
(٤) فى المطبوعة: ((المهلكة ... المملكة))، وأثبتنا مافى: ج، ز، وتاريخ الخلفاء.
(٥) جاء هذا البيت والذى بعدهفى الأصول على هيئة النثر، وسقط من المطبوعة فى أول البيت الأول:
(((أين المفر)). والبيتان فى تاريخ الخلفاء ٤٧٤
(٦) فى المطبوعة، ز:«قبضتنا))، والمثبت من: ج، وبه يستقيم الوزن، والرواية فى تاريخ
الخلفاء: ((قبضتى)). (٧) فى المطبوعة: ((التقاضى))، والمثبت من: ج، ز، وتاريخ الخلفاء.

- ٢٧٧ -
وأما المصريُّون فإنهم سَلْطنوا الملك المظفَّرِ قُطُزَ، واجتمعوا وطلبوا شيخ الإسلام
عِزّ الدين بن عبد السلام، وحضر إليهم بَيْبَرْس الْبْدُ قْدارِىّ، يستحْمٍ(١) ويُهُوِّن
(٢)
عليهم(٢) ...
١١٨٨
عبد الغّار بن عبد الكريم بن عبد الغفار القَزْوينىّ*
الشيخ الإمام نَجْم الدِّين
صاحب ((الحاوى الصَّغير))، ((وَالّباب))، وشرح الَّباب، المسمَّى بـ ((الْعُجاب))،
وله أيضا: ((كتاب فى الحِساب)).
كان أحدَ الأَمّة الأعلام، له اليدُ الطُّولى فى الفقه والحساب وحسن الاختصار(٣).
(١) فى المطبوعة: ((يحثهم))، وأثبتنا مافى ج، ز .
(٢) كذا بياض بالأصول. وبقية الحديث، على ماجاء فى كتب التواريخ، أن سلطان العلماء الشيخ
عز الدين بن عبدالسلام استهضى العزائم للجهاد ورغَب الخاصة والعامة فى البذل والفداء، ثم
خرج المصريون فى شعبان سنة ثمان وخمسين وستمائة متجهين إلى الشام لسحق التتار، وفى يوم الجمعة
خامس عشر رمضان وعندعين جالوت بين بيسان ونابلس تقدم المصريون وعلى رأسهم قطز وبيبرس
إلى صفوف التتار، فزقوم شر ممزق وقتلوا منهم مقتلة عظيمة ، وعلى ثرى الشام اختلطت دماء
التتار الغزاة بدماء أسلافهم الصليبيين البغاة، وكانت صفحة مضيئة فى التاريخ الإسلامى مثل
تلك التى نقشها صلاح الدين الأيوبى، وصدق أحكم الحاكمين: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصْرُهُ
إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾.
* له ترجمة فى : مرآة الجنان ١٦٧/٤ - ١٦٩
(٣) قال الصنف فى الطبقات الوسعنى: ((وكتابه الحاوى عاهد معدّل بذلك».

- ٢٧٨ -
أجازت له عَفِيفةُ الفارِفَانيّة(١)، من أصبهان(٢).
وكان من الصّالحين أرباب الأحوال والكرامات، حكى لى الشيخ
قُطْبُ الدّين محمد بن أسفهد الأرْدُ بِيلِىّ، أعاد الله علينا من بركته، أنه أنَّفَق
حَجُّ الشيخ شِهاب الدِّينِ التُّبَهْرَوَزْدِىّ بعد ما أَضَرّ، فى العام الذى حَجّ فيه
عبد الغفار القَرْوينىّ، ولم يكن يعرفه، فقال الشيخ شهاب الدين لجماعته: أَجَمُّ همنا
رائحةً رجلٍ. ووصفه، فكشفوا خبره فوافَوه وهو يكتب فى (الحاوى))، وقد أضاء له
نُورٌ فى اليل يكتب عليه، فقالوا له: إن الشيخَ يطلبك. قال: فلما حضر إلى الشيخ
شيهاب الدِّين، قال له: ما تكتُب؟ قال: أصنّف هذا الكتاب، ووصف له (الحاوى))
فقال له الشيخ شهاب الدّين: أسرعُ وعَجِّلْ ونَجِّز هذا الكتاب. وفارَقه، فقيل للشيخ
فى هذا، فقال: إن أجَلَه قد دنا، فأحببت أن يفرُغَ من هذا الكتاب قبلَ أن يموت.
فكان كذلك ، مات بعد فراغه بيسير .
وحكى إلى](٣) أيضًا الشيخ قُطْبِ الدِّين أن عبد الغفار كان معروفاً بين أهلَ قَرْوين،
بأنه إذا كتب فى اللّيل تُضىء له أصائِمُه، فيكتب عليها.
قات: وإضاءة النُّورِ لأهل قُرْوينَ وقتَ التصفيف وغيرِهِ، كرامةٌ ذكرناها فى ترجمة
الرافعىّ ، وفى ترجمة والد الرافعىّ، وفى ترجمة هذا، رحمة الله عليهم أجمعين
توفى فى المحرَّم سنة خمس وستين وسمائة.
(١) فى المطبوعة: ((البارثانية))، وفى: ج)، ز، والطبقات الوسطى: ((الفارقائية»، بقاف
بعد الراء، وكل ذلك خضاً، والصواب كما فى العبر ١٧/٥، والنجوم الزاهرة ٢٠٠/٦: ((.الفارفانية»
وهى نسبة إلى فارفان. قال ياقوت فى معجمه ٨٣٩/٣: « بعد الراء المكورة فاء أخرى، وآخرهنون:
من قرى أصبهان ». وهى عنيفة بنت أحمد بن عبد الله.
(٢) بعد هذا فى الطبقات الوسطى: ((وسمع منه الشيخ عز الدين القارولى»
(٣) زيادة من ج، ز، على مافى المطبوعة .

- ٢٧٩ -
١١٨٩
عبد القادر بن داود بن أبى نصر
واسمه محمد بن النّقار، أبو محمد»
من أهل واسِط .
تفقّه على أبى العلاء بن البُوقِيّ، والمجير البغدادىّ، والشيخ نفر الدين النُّوقائىّ.
وكان خيِّراً ديِّنًا، أثنى عليه ابن النجّار كثيرا، وقال: كانت له معرفةٌ تَامَةٌ بمذهب.
الشافعىّ، أُمبولا وفُروعا، وله يدُ باسطة فى الفرائض والحساب، ومعرفةٌ حَسَنةٌ بالأدب،
وكان من الوَزَعِ والنَّاهة(١) والدِّيانة والمروءة والتواضع على طريقةٍ مُرِفبها واشتهرت عنه،
سمعت منه شيئا فى الحديث، وتَوَّى فى شهر ربيع الآخر، سنة تسعَ عشرةَ وستمائة.
١١٩٠
عبد القادر بن أبى عبد الله محمد بن الحسن
شرف الدين أبو محمد بن البغدادىّ المِصْرِىّ
رحل من الشام فى الصِّبا، وسكن القاهرة، وتفقّه بها على الشيخ شهاب الدين الطّوسِّ،
بعد أن تفقّه بدمشق على قُطْبِ الدِّين النَّيْسابورىّ، وسَمِع من الحافظ ابن عساكر،
ودرَّس بالتُطْبيّة بالقاهرة.
روى(٢) عنه الحافظ عبد العظيم، وقال: كان فقيهاً حسناً، من أهل الدِّين والعفاف ،
طارِحاً للتكلُّف، مُقْبِلا على ما يَعْنيه.
توفّى فى الثانى والعشرين من شعبان، سنةً أربع وثلاثين وستمائة.
* له ترجمة فى: البداية والنهاية ٩٨/١٣. وضبطنا ((النقار)) بالتشديد من الطبقات الوسطى،
ضبط قام.
(١) فى المطبوعة: ((والزهادة))، والمثبت من: ج، ز، والطبقات الوسطى.
(٢) فى المطبوعة: ((وروى))، وسقطت الواو من: ج، ز، والطبقات الوسطى.

- ٢٨٠ -
١١٩١
عبدالكافى بن عبدالملك بن عبد الكافى بن على*
القاضى الخطيب جمال الدين أبو محمد الرَّبِىّ الدِّمَشْقىّ
ولد سنة اثنتى عشرة وسمائة .
وجمع من ابن الصَّباحِ(١)، وابن الزَّبِيدِىّ(٢)، وابن الَّتَّىّ، وطائفة.
سمع منه الحافظ عَلَمُ الدّين البِرْزالىّ، والقاضى أبو (٣) مسلم الجيلىّ، وآخرون.
وكان فقيها فاضلا، ناب فى القضاء مدَّة، ثم ترك ذلك واقتصر على الخطابة بالجامع
الأموى والإمامة.
مات فى سنخ ◌ُمادى الأولى، سنةَ تسع وثمانين وستمائة .
* له ترجمة فى: البداية والنهاية ٣١٨/١٣، شذرات الذهب ٤٠٩/٥، العبر ٢٦٢/٥، النجوم
الزاهرة ٣٫٨٦/٧ -
(١) فى المطبوعة: ((ابن الصلاح))، وأثبتنا الصواب من: ج، ز، والعبر، والشذرات.
(٢) فى المطبوعة: ((الزبيرى))، وأنيتنا الصواب مما ذكرناه فى التعليق السابق.
(٣) كذا فى المطبوعة، وفى: ج، ز: ((ابن)).
-.