النص المفهرس
صفحات 221-240
- ٢٢١ -
فإن الأَلوهيَّةَ ترجع إلى استحقاق العبوديّة، ولا يستحقُّ الْعُبودِيَّة إلا مَن الَّصف بجميع
ماذكرناه، فما كان من أسمائه متضّناً للجميع على الإجمال، كالواحد والأحدِ وذى(١) الجلال
والإِكرام، فهو مُنْدَرِجْ تحت قولنا: ((لا إلهَ إلّا اللهُ)) وإنما استحقَّ العبوديّةَ لِما
وجب له من أوصاف الجلال ونُعُوتِ الكال الذى لا يصفه الواصِفون ولا يَعُدُّه العادُّون ،
حُسُْك لا تَنْقَضِى عَجَائِبُهُ؟ كالبَحْرٍ حَدِّثْ عنهُ بِلا حَرَجِ
فسُبْحانَ من عَظُمْ شأنُهُ وَزَّ سلطانُه، ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِ السَّمُواتِ وَالْأَرْضِ﴾(٢)
لافتقارِ هم إليه، ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأَنٍ﴾(٢)، لاقتداره عليه، له الخَلقُ والأمرُ والسلطانُ
والقَهْر، فالخلائق مقهورون فى قَبْضته ﴿وَالسَّمُواتُ مَطِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ (٤))، ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ
وَيَرْحَمُ مَنْ يَنْآَهُ وَ إِلَيْهِ ثُقْلَبُونَ﴾(٥)، فسُبْحان الأزلِيِّ الذاتِ والعَّفات، ومُحْبِى الأموات
وجامع الرُّفات ، العالِم بما كان وما هو آت .
ولو أُدْرِجَت الباقياتُ الصالحاتُ فى كلمةٍ منها على سبيلَ الإِجمال، وهى (الحمد لله))
لاندرجت فيها ، كما قال علىُّ بن أبى طالب رضى الله عنه: لو شِئْتُ أن أُوقِرَ بعيراً من
من قولك: ((الحمد لله)) لَغَعَلتُ. فإن الحمدَ هو الثِّناء، والشَّناء يكون بإثبات التكال تارةً
وبسْبِ النّقصِ أُخرى، وتارةً بالاعترافِ بالعجز عن دَرْكِ الإدراك، وتارةً بإثبات
التفرُّرِ (٦) بالكمال، والتفرُّدُ بالكال مِن أعلى مراتبٍ المدح والكمال، فقد اشتمات هذه
الكلمةُ على ما ذكرناه فى الباقيات الصالحات ؛ لأن الألف واللامَ فيها لاستِغْراقٍ جنْس
المدح والحمد، مِمّا علمناه وجَهِلناه، ولا خُرُوجَ للمدح عن شىء [ مما](٧) ذكرناه،
ولا يستحقّ الإلهيّة إلّا مَن اتّصف بجميع ما قرَّرناه، ولا يخرج عن هذا الاعتقاد مَلَكٌ
مُقَرَّبٌ، ولا نِيٌّ مُرْسَل، ولا أحدٌ مِن أهل المِلَل، إلّا مَن خذله الله فاتَّيع هواه وعَصَى
مولاه، أولئك قومٌ قد غَمرهم ذُلُّ الحجاب، وطُرِدُوا عن الباب، وبَعُدوا عن ذلك
(١) فى المطبوعة: ((كالواحد الأحد ذى)). والمثبت من: ج، ز .
(٢) سورة الرحمن ٢٩.
. (٤) سورة الزمر ٦٧ .
(٣) الآية السابقة .
(٥) سورة العنكبوت ٢١. (٦) كذا فى المطبوعة، وفى ج: ((المتفرد». وفى ز: ((المنفرد)).
(٧) زيادة فى المطبوعة على ما فى: ج ، ز .
- ٢٢٢ -
الجَناب، وحُقَّ لِمَنْ حُجِب فى الدنيا عن إجلاله ومعرفته، أن يُحْجَبَ فى الآخرة عن
إ كرامه ورؤيته ،
ارْضَ لَمَنْ غَابِ عِنكُ غَيْمَتَهُ فذاك ذَنْبُ عِقَابُهُ فِيهِ
فهذا إجمالٌ مِن اعتقاد الأشعرى رحمه الله تعالى واعتقادِ السَّلَف وأهلِ الطريقة
والحقيقة، نِسْبَتُه إلى التفصيل الواضح كنسبة القطرة إلى البحر الطافح،
وسائرُ النّاسِ نَهُ مُنكِرُ
يَعْرِفُهُ الباحِثُ مِنْ جِنْسِهِ
غيره :
لَقَدَ ظَبَرْتَ فَلا تَخْفَى على أحَدٍ إلّا عَلَى أَكْمَهٍ لا يَعْرِفُ الْقَمَرا
والحَشْوِيَة الُشَيّة الذين يُشَيُِّون الله بخَلْه ضريان: أحدهما لا يَتْحالى من إظهار
الحَشْوِ ﴿وَيَجْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى عَىْءٍ أَلَّا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾(١)، وَالْآَخْرُ بِتستَّر
بمذهب السَّلَف، لِسُحْتٍ يأكله أو حُطامٍ يأخذه،
أَظْهَرُوا لِلنَّاسِ: نُسْكً وعَلَى المَنْقُوشِ دَارُوا(٣).
﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوَكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾(٢)، ومذهب السَّلَّفِ إنما هو التوحيدُ
والتَّنزيه، دُونَ التَجسيم والتشبيه، ولذلك جميعُ المبتدعة يزعمون أنهم على مذهب السَّلَّفِ، فهم
كما قال القائل :
وَكُلٌّ يَدَّعُونَ وِصَالَ لَيْلَى وَلَيْلَى لِأُمِرُّ لَهُمْ بِذَا كا(٤)
وكيف يُدّعَى على السَّلَفِ أنهم يعتقدون التجسيم والتشبيه، أو يسكتون عند ظهورالبدع،
ويخالفون قولَه تعالى: ﴿وَّلَا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْثُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}(٥)
(١) سورة المجادلة ١٨. (٣) البيت مع بيتين آخرين لمحمود الوراق، كما فى العقد الفريد ٢١٦/٣.
والرواية فيه :
أظهروا للناس دينا وعلى الدينار داروا
(٣) سورة النساء ٩١:
(٤) يروى صدر البيت كما فى ديوان الصبابة صفحة ٣
* وكل بدعنى وصلاً بليلى*
والبيت من الشواهد التكثيرة الدوران .
(٥) سورة البقرة ٤٢.
- ٢٢٣ :-
وقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّئُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾(١)،
وقوله: ﴿لِتُبَّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾(٢).
والعلماء وَرَثة الأنبياء، فيجب عليهم من البيان ما وجب على الأنبياء.
وقال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
وَ يَنْهُوْنَ مَنِ المُنْكَرِ﴾(٣)، ومِنْ انْكَرِ المُنكَرَاتِ الَّجسيمُ والنشبيهُ، ومِنْ أَفْضَلِ
المعروفِ التوحيدُ والتنزيهُ، وإنما سكت السَّلَف قبلَ ظُهورِ البِدَعَ، فورَبِّ السماءِ ذاتٍ
الرَّجْعِ والأرضِ ذاتِ الصَّدْعِ، لقد تَشَمَّرِ السََُّّ لِبِدَعِ أَمَّا ظَهرت، فقمَعوِها أنَّمَّ الَّمْعِ
ورَدَعُوا أهلَهَا أَشدَّ الزَّدْعِ، فردُوا على القَدَرِيَّةَ والجَّهْمِيّة والجَبْرِيّة، وغيرِم من أهل
البِدَع ، فجاهدوا فى الله حَقَّ جهاده ..
والجِهادُ ضربان: ضَرْبٌ بالجَدَلِ والبيان، وضَرْبٌ بالسيف والسِّنان ، فليت شِعْرِى،
فما الفرقُ بينَ مُجَادِلِ الحَشْوِيَةِ وغيرِهم من أهلِ البِدَع! ولولا خُبْ فى الضمائر وسُوء
اعتقادٍ فى الَّرائر: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَّا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ
مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾(٤)، وإذاسُئل أحدُهم عن مسألةٍ مِن مسائل الحَشْو أَمَرَ بِالسُّكُوت
عن ذلك، وإذا سئل عن غير الحَشْرِ من البِدَع أجاب فيه بالحَقِّ ، ولولا ما انطوى عليه
باطنُه مِن التجسيم والتشبيه لأجاب فى مسائل الحَشْوِ بالتوحيد والتنزيه، ولم تزل هذه الطائفةُ
المبتدعةُ قد ضُرِبِتْ عليهم الذَّلَّهُ أَيْنما تُقِفُوا، ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا فَارَاً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَاَ اللهُ
وَيَسْعَوْنَ فِى الأَرْضِ فَسَادًا وَاللهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾(٥) لاتلوح لهم فُرْصةٌ إلّا طاروا
إليها، ولا فتنةٌ إلّا أَكَبُوا عليها، وأحمدُ بنُ حَنْبَلٍ وفضلاء أصحابه وسائرُ علماء السَّلّف
بُرَآءَ إلى الله ممّا نَسَبُوه إليهم، واختلقوه عليهم، وكيف يُظَنُّ بأحمدَ بنِ حَنْبلٍ وغيره من
العلماء، أن يعتقدوا أن وَصْفَ اللهِ القديمَ القائمَ بذاته هو غيرمُ لفظِ اللّافِظِين، ومِدادِ
(١) سورة آل عمران ١٨٧. (٢) سورة النحل ٤٤. (٣) سورة آل عمران ١٠٤
(٥) سورة المائدة ٦٤ .
(٤) سورة الناء ١٠٨.
- ٢٢٤ -
الكاتبين، مع أنّ وصفَ اللهِ قديم، وهذه الأشكال والألفاظ حادثة بضرورة العقل.
وصريحِ النَّقْل، وقد أخبر اللهُ تعالى عن حُدوِها فى ثلاثةِ مَواضِعَ مِن كتابه:
أجدها، قولُه: ﴿مَا يَأْتِيهِم مِنْ ذِكْرٍ مِن رَّبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾(١) جمل الآلِىَ مُحْدَثَ،
فَمَن زعم أنه قديمٌ فقد رَدَّ على الله سبحانه وتعالى، وإنما هذا الحادثُ دليلٌ على القديم،
كما أنّا إذا كتبْنا اسمَ اللهِ تعالى فى ورقة لم يكن الرَّبُّ القديمُ(٢) حالًا فى تلك الورقة)،
فكذلك إذا كُتِبَ الوصفُ القديمُ فى شىء لم يَحُلَّالوصفُ المكتوبُ حيث حَت الكتابةُ .
الموضع الثانى، قوله: ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لَا تُبْصِرُونَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ
رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾(٢) وقول الرَّسولِ صفةٌ للرسول، ووصفُ الحادِث حادِثٌ يدل على الكلامِ
القديم، فمن زعم أن قول الرسول قديمٌ فقد رَدَّ على ربِّ العالمين، ولم يقتصر سبحانه وتعالى
على الإخبار بذلك حتى أقسم على ذلك بأتَمِّ الأقسام، فقال تعالى: ﴿ فَلَا أَقْيِمُ بِماَ
تُبْصِرُونَ﴾ أى تُشاهِدون ﴿ وَمَ لَا تُبْصِرُونَ﴾ أى مالم تَرَوْه، فاندرج فى هذا الصَّسَمِ ذاتُ
وصِفاتُهُ ، وغيرُ ذلك من مخلوقاته .
الموضع الثالث، قوله تعالى: ﴿فَلَا أَفْسِمْ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ* وَالَّيْلِ إِذَا
تَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفْسَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾(٤).
والمَجَبُ ممن يقول: القرآن مركَّبٌ من حَرْفٍ وصوت، ثم يزعم أنه فى الصحف،
وليس فى المصحف إلّا حَرْفٌ مجرَّدٌ لاصوتَ ، مه، إذ ليس فيه حرفٌ مكتوبٌ عن صوت،
فإن الحرفَ اللفظىِّ ليس هو الشكلَ الكتابِىَّ، ولذلك يُدْرَك الحرفُ اللفظىُّ بالآذان ولا
يُشاهَد بالعِيان، ويُشَاهَدُ الشكلُ الكتابِىُّ بالعِيانِ وَلاَ يُسْمَع بالآذان، ومن توقَّ فى
ذلك فلا يُعَدُّ مِنِ الْعُقْلَاءَ فَضْلًا عن العلماء، فلا أكثر اللهُ فى المسلمين مِن أهل البِدَع
والأهواء، والإضلال والإغواء.
(١) الآية الثانية من سورة الأنبياء.
(٢) فى المطبوعة: ((قديما)). وأثبتنا ما فى: ج، ز. وفرق كبير هنا بين ((فدنا)) و((القديم».
(٤) سورة التكوير ١٥ - ٢٠.
(٣) سورة الحاقة ٣٨ - ٤٠.
- ٢٢٥ -
ومن قال بأن الوصفَ القديمَ حالٌّ فى الصحف، لَزِمه إذا احترق المصحفُ أن يقول بأن
وصفَ اللهِ القديمَ احترق ، سبحانه وتعالى عمَّا يقولون عُلُوًّا كبيراً، ومن شأن القديم أن
لا يلحقَه تغيُرْ ولا عَدَمْ، فَإِن ذلك مُنافٍ لِقِدَمِ.
فإن زعموا أن القرآنَ مكتوب فى المصحف غيرُ حالٌّ فيه، كما يقوله الأشعرىُّ، فلِمَ
يلعنون الأشعرىّ رحمه الله؟ وإن قالوا بخلاف ذلك، فانظر ﴿ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ
الكَذِبَ، وَكَفَى بِهِ إِثْمَاًمُّبِينًا﴾(١) {وَيَوْمَ القِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَّبُوا عَلَى اللهِ وُجُوهُهُمْ
مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوَى لِلْمُتَكَِِّّينَ﴾(٢).
وأما قولُه سبحانه وتعالى: ﴿ إِنَّهُ لَغُرْآنْ كَرِيمٌ ﴾ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾(٣) فلا خِلاف
بين أئمة العربية أنه لابُدَّ مِن كلمةٍ محذوفة يتعلَّق بها قولُه ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ ويجب
القطع بأن ذلك المحذوف تقديره: (( مكتوب فى كتابٍ مكنون» لما ذكرناه، وما دلَّ عليه
العقلُ الشاهِدُ بالوحدانيَّة وبصحَّةِ الرسالة، وهو مَناطُ التكليف بإجماع المسلمين، وإنما لم
يُسْتدلَّ بالعقل على القِدَم(٤) وكفى به شاهِدًا، لأنهم لا يسمعون شهادته، مع أن المشرعَ قد
عَدَّلِ العقلَ وَقَبِلَ شهادَته، واستدلَّ به فى مواضعَ من كتابه، كالاستدلال بالإنشاء على
الإعادة، وكقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلَةٌ إِلَّ اللهُ لَفَسَدَتَ﴾(٥) وقوله: ﴿وَمَا كَانَ
مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذَّا لَذَهَبَ كُلُّ إِلْهٍ بِمَ خَلَقَ وَأَمَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾(٦) وقوله:
﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِى مَلَّكُوتِ السَّمَواتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللهُ مِنْ نَىْءٍ﴾(٧) .
فيا خَيْبةَ مَن رَدَّ شاهِدًا قَبِله اللهُ، وأسقط دليلًا نَصَبه الله، فهم يرجعون إلى المنقول.
فلذلك استدللنا بالمنقول وتركنا المعقول كَمِيناً إن احتجنا إليه أبرزناه، وإن لم يحتَجْ إليه
(١) الآية الثمون من سورة القاء. وصدر الآية الكريمة: ﴿أَنْظُرْ﴾
(٢) الآية الستون من سورة الزمر. (٣) سورة الواقعة ٧٧، ٧٨.
(٤) كذا فى المطبوعة ، ز ، وفى ج: ((القوم)».
(٥) سورة الأنبياء ٢٢.
(٦) سورة المؤمنون ٩١.
(٧) سورة الأعراف ١٨٥.
( ٨/١٥ - طبقات )
- ٢٢٦ -
أُخْرْ زه، وقد جاء فى الحديث الصحيح: (( مَنْ قَرَأْ القُرْآنَ وَأَعْرَبَّهُ كَانَ لَهُ بِكُلِّ جَرْفٍ
عَشْرُ حَسَنَاتٍ، ومَنْ قَرِّ أَهُ وَلَمْ يُعْرِبُهُ فَلَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ مِنْهُ حَسَنَةٌ)) والقديم لا يكون
مَعِيباً بِالَّحْن وكاملا بالإِعِراب، وقد قال تعالى: ﴿وَمَاتُجْزَوْنَ إِلَّ مَا كُنْتُمْ تَجْمَلُونَ﴾(١)
فإذا أخبر رسوله صلى الله عليه وسلم بأنا نُجْزى على قراءة القرآن، دَلَّ على أنه من أعمالنا،
وليست أعمالُنا قديمةً، وإنما أُفِىَ القومُ مِن قِبَلِ جَهْلِهِم بكتاب الله وسُنّةِ رَسُولِهِ صَلَى الله
عليه وسلم، وسَخافةِ العقلِ وبَلادةِ الدِّهن، فإنّ لفظَ القرآنَ يُطْلَق فى الشَّرع واللسان
على الوصفِ القديم، ويُطْلَق على القراءة الحادثة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَاَ جَمْعَهُ:
وَقُرْآنَهُ﴾(٢) أراد بقُرْ آنَه: قِراءَتَه، إذ ليس للقرآن قرآن" آخْرُ ﴿فَإِذَا فَرَ أَنَهُ فَّبِعْ
قُرْآَنَهُ﴾(٢) أى قِراءته، فالقراءةُ غيرُ المقروء، والقراءة حادِثَةٌ والمقروء قديمٌ، كما أنا إذا
ذكرنا الله عزّ وجل كان الذِّكَرُّ حادِئاً والمذكورُ قديماً، فهذه نُبْذَة من مذهب الأشعرىّ
رحمه الله .
إذا قالتْ خَذامٍ فَصَدِّقُوهَاَ فإنَّ القولَ ما قالَتْ حَذامٍ (٤).
والكلامُ فى مثل هذا يطول ، ولولا ما وجب على العلماء من إعزاز الدّين وإخمال
المبتدِعين، وما طَوَّلَت به الحَشْوِيَّة ألفَّهم فى هذا الزمان، مِن الطَّعن فى أعراض الموجِّدين،
والإزراء على كلام المنزِّمين، لما أطلتُ النَّفَسَ فى مثل هذا مع إيضاحه، ولكن قد أمَرنا
اللهُ بالجِهاد فى نُصْرةِ دِينِهِ، إلّا أنّ سلاحَ العالِمِ عِلْمُه (٥) ولسانُهُ، كما أنّ سلاحَ المِكِ
سَيُه وسنانُه، فكما لا يجوز الملوك إغمادُ أسلحتهم عن اللحدين والمشركين ، لا يجوز
العلماء إغمادُ السنِّم عن الزائنين والمبتدِعين، فمَنْ ناضل عن الله وأظهر دِينَ الله كان
جديراً أن يحرُسَه الله بعينهِ التى لا تنام، ويُعِزَّه بعزِّه الذى لايُضَام، ويَحُولَه بَرُ كْنِهِ الذى
(١) سورة الصافات ٣٩ ..
. (٣) سورة القيامة ١٨
(٢) سورة القيامة ١٧.
(٤) البيت من الشواهد النحوية المعروفة، وهو فى معنى اللبيب ٢٤٣، وينسب للجيم بن صعب، أو
ديم بن طارق، كما فى القان (رق ش، ح ذ م)، وانظر العقد الفريد ٠٣٦٣/٣
(٥) ضبطت السين فى ج بالفتح، ضبط فلم .
- ٢٢٧ -
لا يُرام، ويحفظَه مِن جميع الأنام ﴿ وَلَوْ يَشَاءُ اللهُ لَا نُتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلَوَ بَعْضَكُمْ
بِبَعْضٍ﴾(١) وما زال المنزِّهون والموخِّدون يُفْتُون بذلك على رءوس الأشهاد فى المحافلِ
وِالمَشَاعِد، ويَجْهَرون به فى الدارِسِ والمساجد، وبِدْعَةُ الحَشْوِيَّة كامنةٌ خفيَّةٌ لا يتمَّنون
من المجاهرة بها، بل يَدُسُّونها إلى جَهَلَةِ العَوامّ، وقد جَهَروا بها فى هذا الأوان، فنسأل
الله تعالى أن يُعَجِّلَ بإخالها (٢) كمادته، ويَقْضِىَ بإذلالها على ما سبق من سُنَّته، وعلى(٢)
طريقة المنزِّهين والموحِّدين دَرَج الخَلَفُ والسَّلْفُ، رضى الله عنهم أجمعين.
والعَجَبْ أنْهم يَذُقُون الأشعرىَّ بقوله: إن الخُبْزَ لايُشْبِع، والماءَ ايُرْوِى، والنارَ
لاَتَحْرِقِ، وهذا كلامْ أنزل الله معناه فى كتابه؛ فإن الشُّبَعَ والرِّىَّ والإحراقَ حوادثُ
انفرد الربُ بَخَلْها، فلم يَخْلُقِ الخبرُ الصَّبَعَ، ولم يخلُق الماء الرِّىَّ، ولم تَخْلُق النارُ
الإحراقّ، وإن كانت أسباباً فى ذلك، فالخالق هو المسيِّب دون السَّبَب، كما قال تعالى:
﴿ وَمَا رَمَيْنَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى﴾(٤) نَفى أن يكون رسولُه خالِقاً لَّمْى، وإن
كان سبباً فيه، وقد قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَمَتَ وَأَحْيَا﴾(٥)
فاقتطع الإضحاكَ والإبكاءَ والإماتةَ والإحياء عن أسبابها وأضافها إليه، فكذلك اقتطع
الأشعرىُّ رحمه الله الشِّبَعَ والرِّئَّ والإحراقَ عن أسبابها وأضافها إلى خالقها ، فقوله تعالى:
﴿ذَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾(٦) وقوله: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍِ غَيْرُ اللهِ﴾(٢) ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَ أَمْ
يُحِيطُوا بِعِلِهِ وَلَمَا يَأْنِمْ تَأْوِيُلُ﴾(٨) (أَكَذَّبْتُمْ بَِانِى وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْماً أَمَّاذَا
كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾(٩) .
(١) الآية الرابعة من سورة محمد عليه الصلاة والسلام. وفى الأصول: ((شاء)). وهو خصناً.
(٢) فى المطبوعة: ((إخادما)). والثبت من: ج، ز.
(٣) سقطت واو العطف من: ج، ز. وأثبتناها من المطبوعة.
(٥) سورة النجم ٤٣، ٤٤.
(٤) سورة الأنفال ١٧ .
(٦) سورة الأنعام ١٠٢، ومواضع أخرى من الكتاب الكريم.
(٧) الآية الثالثة من سورة فاطر .
(٩) سورة النمل ٨٤ .
(٨) سورة يونس ٢٩ .
- ٢٢٨ -
وكم مِنْ غائبٍ قولًا صَحِيحًاً وَآَنَتُهُ مِنِ الفَهْمُ السَّقِيمِ(١)
فسُبجانَ مَنْ رَضِىَ عن قومٍ فأدناهم، وسَخطَ على آخَرِين فأقصاهم ﴿لَا يُسْثَلُ عَمَّا يَفْعَلُ
وَهُمْ يُسْتَذُونَ﴾(٢) .
وعلى الجملة ينبغى لكلِّ عالمٍ إِذَا أُذِلَّ الحقُّ وأُخْمِلَ (٣) الصّوابُ أن يبذُلَ جُهْدَه فى
نصْرهما، وأن يجعلَ نَفْسَهُ بِالذُّلِّ والخُمُولِ أولَى منهما، وإن عَزَّ الحقُّ فَظَهر الصوابُ أن
يستظِلَّ بظلِّهما، وأن يَكْتَفِىَ بالَسِيرٍ مِن رَشَاشِ غيرِها،
قليلٌ مِنْك يَنْفَعَنِى وِلْكِنْ قَلِيلُك لايُقالُ لَه قَلِيلٌ
والخاطرةُ بالنفوس مشروعةً فى إعزاز الدِّين، ولذلك يجوز للبطل من المسلمين أن يَتْغَمِّرَ
فى صفوف المشركين، وكذلك المخاطرةُ بالأمر بالمعروفِ والنَّهىِ عن المُنْكَّرِ ونُصْرَةِ
قواعد الدِّين بالحُجَجِ والبراعين [ مشروعةٌ"](٤)، فى خَشِىَ على نفسه سقط عنه الوجوبُ
وَقِىَ الاستحبابُ، ومن قال بأنَ التَّغريرَ بالنفوس لا يجوز، فقد بعد عن الحقّ ونأى
عن الصواب .
وعلى الجملة، فَمَن آثر الله على نفسه آثره اللهُ، ومَن طاب رضا اللهِ بما يُسْخِط الناسَ
رضى الله عنه وأرضى عنه الناسَ، ومَن طلب إِضا الناسِ بما يُسْخِطُ اللهَ سَخِطِ الله عليه
وأسخط عليه الناسَ ، وفى رِضا الله كفايةُ عن رِضا كلِّ أحد،
وليتَكَ تَرْضَى وَالأَنَامُ غِضابِ(٥)
فليتَكَ نَحْلُو والحياةُ مَرِيرةٌ
غيره :
فى كلٍّ شىءٍ إذا ضَيَّعْتَه ◌ِوَضٌ وليس فى اللهِ إن ضَيَّعْتَه ◌ِوَضُ
.(١) البيت لأبي الطيب التقى، وهو فى ديوانه ١٢٠/٤. وجاء بحاشية ج: ((بعده
ولكن تأخذ الأذهان منه على قدر القراع والفهوم »
وهو فى ديوان المتنى برواية مختلفة .
(٢) سورة الأنبياء ٢٣.
(٣) فى المطبوعة: ((وأعمل)). وأثبتنا الصواب من: ج، ز، والمصدر الآتى يشهد
(٥) جاء فى حاشية ج: « بعده
.(٤) زيادة فى المطبوعة على ما فى : ج، ز.
وبينى وبين العالمين خراب»
ولیت الذی بینی ویبنك عامر
والبيتان لأبي فراس الحمداني، فى ديوانه ٢٤/١، من قصيدة طويلة .
:
- ٢٢٩ -
وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((أحْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ أَمَمَكَ)»
وجاء فى حديث: ((ذَكَّرُوا(١) اللهَ بِأَنْفُسِكُمْ فَإِنَّ اللهَ ◌ُنْزِلُ العَبْدَ مِنْ نَفْسِهِ حَيْثُ أَنْزَلَّهُ
مِنْ نَفْسِهِ» حتى قال بعضُ الأكارِ: مَن أراد أن يَنْظُرَ منزلتَه عِندَ الله فلينظرْ كيف
منزلةُ اللهِ عِنْدَه .
اللهُمَّ فانصُرِ الحقَّ، وأظهرِ الصوابَ، وأبْرِمْ لهذه الأمّةِ أمراً رشيداً، يَعِزُّ فيه وَلِيُّك،
وَيَذِلُّ فِيه عدوُّدُ ، وَيُعْعَلُ فيه بطاعتِك، ويُنْهَى فيه عن معصيتِك .
والحمد لله الذى إليه استِنادى وعليه اعتادِى، وهو حَسْسِى وَنِعْمْ الوَكِيلُ، وصلّى الله
على سيِّدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
فهذه الفتيا التى كتبها. قال ولدُه الشيخ شرفُ الدِّين عبدُ اللّطيف: فلمّا فرغ من
كتابة ما رامُوه رَماه إليهم وهو يضحك عليهم ، فطاروا بالجواب وهم يعتقدون أن الحصولَ
على ذلك من الفُرَّص العظيمة التى ظَفِرِوا بها ، ويقطّمون بهلاكه واستئصالِهِ واستباحةِ دمِه
ومالِهِ ، فَأَوصلوا الفُتْيا إلى الملك الأشرف رحمه الله، فلمّا وقف عليها استشاط غضباً، وقال:
صَحَّ عِندى ما قالوه عنه، وهذا رجلٌ كنا نعتقد أنه متوحِّدَ فى زمانِهِ فى العلم والدِّين،
فظهر بعدَ الاختبار أنه من الفُجّار، لابل من الكُفّار، وكان ذلك فى رمضانَ عِنْدَ الإفطار،
وعِنْدَه على سِاطِهِ عامَّةُ الفقهاء من جميع الأقطار، فلم يستطع أحدٌ منهم أن يَرُدَّ عليه،
بل قال بعضُ أعيانهم : السُّلطانُ أولَى بالعفو والصَّفح، ولا سِيَّما فى مثل هذا الشهر.
ومَوَّه آخَرُون بكلامٍ مُوَجَّه يُوهِمِ سَحَّةَ مَذهبِ الخَصْم، ويظهرون أنهم قد أفْتُوا بموافقته،
فلما انْفَصلُوا(٢) تلك اليلةَ مِن مجلسه بالقلعة اشتغل الناسُ فى البلد بما جَرى فى تلك الليلة.
عِندَ السلطان، وأقام الحقُّ سبحانه وتعالى الشيخ العلامةَ جمالَ الدّين أبا عمرو بن الحاجِب
المالكىَّ ، وكان عالِيمَ مذهبه فى زمانه، وقد جمع بين العلم والعمل ، رحمه الله تعالى، فى هذه
القضية، ومضى إلى القضاة والعلماء الأعيان الذين حضروا هذه القضيّةَ عِنْدَ السلطان،
(١) فى المطبوعة: ((اذكروا)). وأثبتنا ما فى: ج، ز. وقد ضبطت الكاف فى ج بالكسر.
(٢) فى المطبوعة: ((انفسوا)). والمثبت من: ج، ز.
- ٢٣٠ - -
وشدَّدٍ عليهم التَّكيرَ، وقال: العجبُ أنّكِ كُلّكم على الحقِّ وغيرَكم على الباطل،
وما فيكم مَن نطق بالحقِّ وَسَكتُّم، وما انْتَخْتُمُ (١) لله تعالى والشريعة المطهّرة، ولَمَا تَنَكاًّ
منكمٍ مَن تُكَّ قال: التَّاطانُ أولى بالضَّفح والعفو ولا شِيَّها فى [مثل](٢) هذا الشهر،
وهذا غَلَطْ يوهم الذَّنبَ، فإن العفوَ وِالصَّفَحَ لا يكونان(٣) إلّا عن جُرْم وذنب، أما كنه
: سكتم طريقَ التللَّف بإعلام السلطان بأن ما قاله ابنُ عبد الّلام بَذْهَبُكم، وهو مذهب
أهلِ الحقّ، وأن جمهورَ السَّلَف والخَلَف على ذلك ولم يُخالِفِهم فيه إلّا طائفة خذولة،
يُخْفُون مذهبهم ويَدْسُونه على تخوّف إلى مَن يستضعفون عِلْمَه وعقله، وقد قال تعالى:
﴿ وَلَا تَلْسِوا الحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾(٤) ولم يَزَّلْ يعْنَفَهِم
ويوبِّجُهم، إلى أن اصطلح معهم [على ](٥) أن يكتبَ فُتْيًا بصورة الحال، ويكتبوا فيها
بموافقة ابن عبد السّلام، فوافقوه على ذلك، وأخَذْخُطُوطَهم بموافقته، والتمس ابنُ عبد السَّلام
من السلطان أن يَعُقِدَ مجلساً الشافعية والحنابلة، ويحضره المالكية والحنفّة وغيرهم من
: علماء المسلمين، وذكر له أنه أخذ خُطوط الفقهاء الذين كانوا بمجلس الساطان لما قرأت
عليه النُّتيا بموافقتهم له، وأنهم لم يُمكنهم الكلامُ بحَفْرةِ السلطان فى ذلك الوقت لنضبه
وما ظهر من حِدَّته فى ذلك المجلس، وقال: الذى نعتقد فى السلطان أنه إذا ظهر له الحقُّ
يرجع(٦) إليه، وأنه يُعاقب مَنْ مَوَّه الباطلَ عليه، وهو أولَى الناسِ بموافقة والذِهِ السلطانِ
الملك العادل، تغمده اللهُ برحمته ورضوانه، فإنه عَزَّر جماعةً من أعيان الحنابلة المبتدعة
تَعْزِيرًا بليغاً رادِعاً، وبَدَّع(٢) بهم وأهانهم.
فلمّا اتصل ذلك بالسّلطان استدعى دواةً وورقةً، وكتب فيها:
بسم الله الرّحمن الرّحيم، وصل إلىَّ ما التمسِه الفقيهُ ابنُ عبدِ السلام. أماحه الله،
(١) كذا فى المطبوعة، ز. وفى ج: ((انتحتم». (٢) زيادة فى المطبوعة على ما فى: ج، ز.
(٤) سورة البقرة ٢
(٣) فى المطبوعة: ((لا يكون))، والمثبت من: ج، ز.
(٥) زيادة فى المطبوعة على ماقی : ح.، ز ..
(٦) فى المطبوعة: ((رجع)». والمثبت من: ج، ز.
(٧) أى نسبهم إلى البدعة:
- ٢٣١ -
مِن عَقْدِ مجلسٍ وجَمْعِ المُفْتِين والفقهاء ، وقد وقفنا على خَطّه وما أفتى به، وعلمنا مِن
عقيدته ما أغنى عن الاجتماع به، ونحن فَنقِبِع(١) ما عليه الخُلفاء الراشدون الذين قال
صلى الله عليه وسلم فى حقَّهم: ((عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِى وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِى)»
وعقائدُ الأمّةِ الأربعةِ فِيها كفايةٌ لكلّ مسلمٍ يَغْلِبُ هَواه ويقَبع الحقَّ ويتخلَّص من
البِدَعِ، اللهُمَّ إلّا إن كنتَ تدَّعِى الاجتهادَ، فعليك أن تُثْتَ، ليكونَ الجوابُ على قَدْرٍ
الدَّعْوى، لتكون صاحبَ مذهبٍ خامِس، وأمّا ما ذكرتَه عن الذى جَرى فى أيّام والدى
تفعَّده الله برحمته، فذلك الحال أنا أعْلَمُ به منك، وما كان له سبب إلّا فَتْحَ بابِ السّلامة
[ لا](٢) لأمْرٍ دِينِىٍ ،
فَحَلَّ بِغَيْرِ جَانِهِ العَذابُ(٣)
وُرْمِ جَرَّ سُفَهاه قَوْمِ
ومع هذا فقد(٤) ورد فى الحديث: ((الفِتْنَةُ ناِةٌ لَمَنَ اللهُ مُثِيرَها)» ومَن تعرَّض
إلى إثارتها قاتلْناه(٥) بما يُخَلِّصنا من الله تعالى، وما يَعْضُد كتابَ اللهِ تعالى وسُنَّةَ رسولِهِ
صَلّى الله عليه وسلّم. ثم استدعى رسولًا، وصيّ الرَّفْعَةَ معه إليه.
فلمّا وفَد بها عليه فضَّها وقرأها وطَواها، وقال الرسول: قد وصلتْ وقرأتُّها وفهمت
ما فيها، فاذهبْ بسَلام.
فقال: قد تقدَّمَت الأوامرُ المُطاعةُ السُّطانية إلىَّ بإحضار جَوابها.
فاستحضر الشيخُ دَواءً وورقةً ، وكتب فيها ما مِتأُه:
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿فَوَرَبِّكَ لَفَسْأَ لَّهُمْ أَجْمَعِينَ * ◌َمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾(٦)
أمّا بَعْدَ حَمْدِ اللهِ الذى جَلَّتْ قُدْرُهُ، وِعَلَتْ كَلُه، وعمَّتْ رحْتُه، وسَبَغت(٧) نِعِمتُه،
(١) فى المطبوعة: ((نتبع)). وزدنا الماء من: ج، ز، وهو من فصيح الكلام.
(٢) ساقط من المطبوعة، وأثبتناء من : ج، ز .
(٣) البيت لأبى الطيب المتنى، وهو فى ديوانه ٨١/١، برواية: وحل بغير جارمه ...
(٤) فى المطبوعة: ((قد))، وزدنا الفاء من : ج، ز.
(٥) كذا فى المطبوعة، وفى ج: ((قابلناه»، والكلمة مهملة فى : ز ..
(٦) سورة الحجر ٠٩٣،٩٢ (٢) فى المطبوعة: ((وسبقت)،، وأثبتنا الصواب من: ج، ز .
:
- ٢٣٢ -
فإن اللهَ تعالى قال لأحبٌّ خَلْقِه إليه وأكرمِهِم لديه: ﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَ كْثَرَ مَنْ فِ اْلْأَرْضِ
يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّ يَخْرُصُونَ﴾(١) وقد أنزل اللهُ.
كُتُبَه، وأرسل رُسَلَه لنصائح بخلقِهِ، فالسَّعيدُ مَن قَبِل نصائحَه وحَفِظ وصاياه، وكان فيما
أوصى به خَلْقَه أن قال: ﴿َأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِّبَأٍ فَتَبَيُّوا أَنْ تُصِيبُوا
قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾(٣) وهو سُبحانَهَ أَوْلَى مَنْ قُبِاتِ نصيحته،
وحُفِظت وصيَّتُه .
وأمّا طَلَبُّ الَجْلِس وجَمْعَ العُلماء، فما حملنى عليه إلّ النَّصِحُ للسلطان وعامَّةِ المسلمين،
وقد سُئل رسولُ الله صَلّى الله عليه وسلم عن الدِّين، فقال: ((الدِّينُ النَّصِيحَةُ)» فيل
لِمَنْ يارسولَ اللهِ؟ قال: ((لِّهِ ولِكِتَابِهِ وَرَسُولِهِ وَأْمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وغَامَّتِهِمْ)) فَلْنَصِحُ
لله بامتثال أوامره واجتنابِ نَواهِيه، ولكِتابه بالعملِ بمواجِبِه(٣)، ولرسوله باتّباعِ سُنَّتِهِ،
والأئمة بإرشادهم إلى أحكامه والوقوفِ عندَ أوامرِه ونَواحِيه، ولعامَّةِ المسلمين بدلا انهم على
ما يُقَرِّبُهم إليه ويُزْلِغُهُم لَدِيه، وقد أَدَّيْتُ ما علىَّ فى ذلك .
والفُتيا التى وقعت فى هذه القضيّة يُوافقُ عليها علماء المسلمين، من الشافعيّةِ والالكّةِ
والحنفيّةِ والفضلاء من الحنابلة، وما يخالف فى ذلك إلّا رَاعٌ لا يَعْبأ اللهُ بهم، وهو الحقُّ
الذى لا يجوز دَفْعُه، والصوابُ الذى لا يمكن رَفْعُه، ولو حضر العلماء مجلسَ السلطان لَمَلِمِ
صحّةَ ما أقول، والسلطان أقْدَرُ [الناس](؟) على تحقيق ذلك، ولقد (٥) كتب الجماعةُ
خُطُوطَهِم بمثل ما قلتُّه(٦) ، وإنما سكت مَنِ سَكّت فى أوّلِ الأمر لِما رأى مِن غَضَبٍ
السلطان، ولولا ما شاهدوه(٧) مِن غضب السلطان لَمَا أَفْتَوْا أوَّلًا إلّا بما رجعوا إليه آخِرًا،
(١) سورة الأنعام ١١٦.
(٢) الآية السادسة من سورة الحجرات ،
:
(٣) فى المطبوعة: ((بواجبه))!، والمثبت من : ج، ز.
(٤) زيادة فى المطبوعة على ما فى: ج، ز. (٥) كذا فى المطبوعة، وفى : ج، ز : (وقد»
(٦) فى المطبوعة: ((قلت))، والثبت من : ج، ز ..
(٢) فى المطبوعة: ((شاهدوا ))، والمثبت من: ج، ز.
- ٢٣٣ -
ومع ذلك فَتَكْتُب ماذكرتُهُ فِى الْفْيا، وما ذكره الغيرُ، وَتَبْعَثُ [به](١) إلى بلاد الإسلام؛
ليكتُبَ فيها كلٌّ مَن يجب الرُّجوعُ إليه ويُعتمدُ فِى الْفُتْيا عليه، ونحن نُحْفِر كُتُبَ
العلماء المعتبرين ، ليقفَ عليها السلطان .
وبلغنى أَنْهم ألْقَوْا إِلى سَمْعِ السلطان أنّ الأَشْعَرِىَّ يستهين بالمُصْحَف، ولا خِلافَ
بينَ الأشعريَّة وجميعٍ علماء المسلمين أن تعظيمَ المصحفِ واجبٌ، وعِندنا أنّ مَن استهان
بالُصْحَف أو بشيء منه فقد كفر، وانفسخ نِكاحُه، وصار ماله فَيْئاً للمسلمين، ويُضْرَب
عُنْقُه، ولا يَغَسَّلُ ولا يُكَفَّنُ ولا يُصَلَّى عنه ولا يُدْفَنُ فى مَقار المسلمين، بل يُتْرَك بالقاع
طُعْمَةً ناسِّبَاءِ .
ومَذْهَبُنا أن كلامَ اللهِ سبحانه قديم أزليّ قائم بذاته، لايُشْبه كلامَ الخَلْق، كما لايشبه
ذاتُه ذاتَ الخَاقِ، وَلا يُتَصَوَّرُ فى شىءٍ من صفاته أن تُفَارِقَ ذاتَه، إذلو فارَقْه(٢) اصار
ناقصاً، تعالى الله عمّا يقول الظالمون عُلُوًّا كبيرا، وهو مع ذلك مكتوب فى المصاحِف،
محفوظٌ فى الصُّدور ، مقروء بالألسنة ، وصِفةُ الله القديمةُ ليست بمِدادٍ للكاتبين، ولا ألفاظِ
اللَّ فِظِين، ومَن اعتقد ذلك فقد فارق الدِّين، وخرج عن عقائد المسلمين ، بل لا يعتقدُ ذلك
إلّا جاهلْ غِىٌّ ﴿وَرَبُّنَ الرَّحْمُنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَاتَصِفُونَ ﴾(٢).
وليس رَدُّ الِبِدَع وإبطالُها من باب إثارة الفِتَنَ، فإنّ اللهَ سُبحانَه أمر العلماءَ بذلك،
وأمرهم ببيان ما عَلُمُوه، ومَن امتثل أمْرَ اللهِ، ونَصر ◌ِينَ الله، لا يجوز أن يَلْمَنَه رسولُ الله
صلّى الله عليه وسلم .
وأمّا ما ذُكِر من أمر الاجتهاد، والَذْهبِ الخامس، فأصولُ الدِّين ليس فيها مَذاهِبُ،
فإن الأصْلَ واحدٌ، والخِلاف فى الفروع، ومِثْل هذا الكلام ممّا اعتمدتم فيه قولَ مَن
لا يجوز أن يُعْتَمَد قولُه، والله أعلمُ بَمَن يَعْرِف دينَه وَيَقِفُ عند حدودِهِ، وبعدَ ذلك
(١) زيادة فى المطبوعة على مافى: ج، ز. (٢) فى المطبوعة: ((فارقه))، وأثبتنا مافى: ج، ز .
(٣) الآية الأخيرة من سورة الأنبياء.
- ٢٣٤ -
بنفسه
فإنا نَزْعُم أنّا مِنْ جُمْلَةِ حِزْبِ الله، وأنصارٍ دينهِ وجُنْدِء، وكلُّ جُنْدِىِّ لايُخَاطِر بـ
فليس بجُنْدِىّ .
وأمّا ما ذُكِرٍ من أمرٍ بابِ السَّلامة، فنحن تكلّمنا فيه بما ظهر لنا، من أن السلطان
الملكَ العادِلَ رحمه الله تعالى، إنما فعل ذلك إعْزازاً لدِين اللهِ تعالى ونُصْرةً الحَقّ، ونحن
بحكم بالظَاهرِ، والله يتولَّى الشَّرار، والحمد لله وحده، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله
وصحبه وسلم(١).
وكان يكتبها وهو مسترسل من غير توقف ولا تردّد ولا تَلَعْثُم، فلما أَهَى (١) كتابتها
طواها وٍخَتَعها ودفعها إلى الرَّسِول .
وكان عِنْدَه حالةَ (٣) كتابتها رجلٌ مِن العلماء الفضلاء، وتمن يحضر مجلس السلطان،
فوقَفَه على الرُّقعة التى وردت من الملك الأشرف، فتغيّر لونه، واعتقد أن الشيخ يَعْجِز
عن الجواب، لما شاهد فى ورقة البلطان من شديد الخطاب، فلما خَطّ الشيخُ الكِتاب
مُسترسِلًا عَجِلًا، وهو يشاهد ما يكتبه، بَطَل عنده(٢) ما كان يحسبه، وقال له ذلك العالمُ.
لو كانت هذه الرُّقعةُ التى وصلت إليكِ وصلت إلى قُبِّ بن ساعِدَةَ أَمَجَز عن الجَوابِ وعَدِمَ
الصّواب، ولكن هذا تأييدٌ إلغِىٌّ.
فلمَّا عاد الرّسولُ إلى السُّلطان، رحمه الله، وأوصله الرُّقعة، فعندما بَمنَها وفرِئت عليه،
اشتدّت استشاطَتَهِ، وَظُمْ غَضْبُه، وتيقّن العدوُّ تَلَفَ الشيخِ وعَطَبه، ثم استدعى الغرز
خَليلًا، وكان إذ ذاك أستاذَ دَارِه، وكان من المحِّين للشيخ والمعتقدين فيه، مخَّله رسالةً
إلى الشيخ ، وقال له : تعود إلىّ سريعا بالجواب .
(١) فى المطبوعة: ((انتهى)))، وأثبتنا الصواب من : ج، ز ..
(٢) فى المطبوعة: ((. حال))، والمثبت من: ج، ز ..
(٣) فى المطبوعة، ز : « عنه»، وأثبتنا ما فى : ج .
- ٢٣٥ -
فذهب الغرز إليه، وجلس بينَ يديه، بُحُسْن تُودُّدٍ وتأدُّب وَتَأْنٍ ، ثم قال له:
أنا رسولُ(١) ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّ البَلَاغُ الْمُعِينُ﴾(٢) واللهِ لقد تعصَّبُوا عليك،
وأعَنّتهم أنت على نفسك بعدمِ اجتماعك فى مبدإ الأمر بالشُلطان، ولو كان رآك ولو مرَّةً
واحدةٌ لَما كان شىء من هذه الأمور أصلًا، وكنتَ أنت عنده الأعلى، فقال له: أدِّ الرِّسالَةَ
كما قِيات لك [ولا تسأل](٣). فقال: لا تسأل ماحصل عندَ الشُّلطان عِندَ وقوفِه على
ورقتِك، ولا سِيَّما أنه وجدفيها مالا يَعْهَدُه من مخاطبة الناسِ للُلوك ، مضافاً إلى
ماذكرتَه من مخالفة اعتقادِه ، فقال لى: اذهب إلى ابنٍ عبد السَّلام، وقل له: إنا قد شرطْنا
عليه ثلاثةً ◌ُروط، أحدها: أنه لا يُفْتِى، والثانية(٤): أنه لا يجتمع بأحدٍ، وَالثالثة(٤):
أنه يلزم بيته.
فقال له : ياغرز، إن هذه الشُّروطَ مِن نِعَمَ اللهِ الجزيلةِ علىّ ، الموجبة للشُّكر ◌ُّه تعالى
على الدَّوام، أما الفُتيا فإنى كنت واللهِ متبرِّماً بها(٥) وأكرهها، وأعتقد أن المُغْتِىَ على شَغِير
جَهَنَّمَ ، ولولا أنى أعتقد أن الله أوجبها علىَّ، لتعُِّها علىّ فى هذا الزمان، لما كنت
تلوّثْتُ بها ، والآن فقد عَذَرْنِ الحقُّ، وسقط عنّى الوجوبُ، وتَخَلَّصتْ زِمَّتِى، وللهِ الحمدُ
والمِنَّة؛ وأمّا تَرْكُ اجتماعِى بالناس، ولُزُومِى لبيتى، فما أنا فى بيتى الآن، وإنما أنا فى
بُستان. وكان فى تلك السنة استأجر بُستانً متطرّفاً عن البساتين، وكان تُخُوفًاً، فقال له
الغرز : البُستان هو الآنَ بِيتُك .
واتَّفقتْ(٦) له فيه أعجوبةٌ وهو أن جماعةٌ من المفسدين قصدوه فى ليلةٍ مُقْمِرة
وهو فى جَوْسَقٍ (٧) عالٍ، ودخلوا البستان واحتاطوا(٨) بالجَوْسَق، فاف أهله
خوفًا شديدًا، فعند ذلك نزل إليهم ، وفتح بابَ الجَوْسَق، وقال : أهْلًا بضيوفِنا.
(١) فى: ج، ز: ((الرسول))، وأنيتنا ما فى المطبوعة، وهو أوفق.
(٢) سورة النور ٥٤، والعنكبوت ١٨.
(٣) ساقط من المطبوعة ، وهو من : ج، ز .
(٤) كذا بالأصول. (٥) فى المطبوعة: ((منها)). والمثبت من: ج، ز. (٦) كذا فى المطبوعة،
(٧) الجوسق: قصر صغير، فارسى معرب. المعرب الجوالبقى ٩٦.
وق : ج، ز : ((واتفق)) .
(٨) فى المطبوعة: ((وأحاطوا))، والمثبت من: ج، ز.
- ٢٣٦ -
وأجلسهم فى مَقْعَدٍ حَسن، وكان مَهيباً مقبولَ الصُّورة، فها بوه، وسَخَّرهم الله له،
وأخرجوا لهم من الجَوْسَق ضِيافةً حسنة، فتناولوها وطلبوا منه الدّعاء، وعصم اللهُ أهْلَه
وجماعته منهم، بصدق نيّته وكرم طَوِيَّتِهِ (١) ، وانصرفوا عنه.
عُدْنا إلى مجاوبته للغرز خليل :
فقال له: ياغرز، مِن سعادتى لُزومى لبيتى، وتفرُّغِى لعبادةِ رَبِّ، والسّعيدُ مَن لَزِم
بيتَه، وبكى على خطيئته، واشتغل بطاعة الله تعالى، وهذا تَسْلِيكُ من الحَقّ، وهديّةٌ
من الله تعالى إلىّ ، أجراها على يدِ السُلطان وهو غضبانُ وأنا بها فرحانُ ، واللهِ ياغرز ،
لو كانت عندى خِلمةٌ تَصْلح لك (٢) على هذه الرسالة المتضّنة لهذه البشارة، لخَامتُ عليك،
ونحن على الفتوح، خُذْ هذه السَّجَّدَةَ صَلِّ عليها، فَقَبِلها وقَبَّلها، وودَّعه وانصرف إلى
السلطان، وذكر له ماجَرى بينَه وبينَه، فقال لِمَن حضره: قولوا لى ما أفعل به؟ هذا رجلٌ"
يرى العقوبةَ نِعمةً ، اتركوه، بيننا وبينَه الله .
ثم إن الشيخَ بَقِىَ على تلك الحالة ثلاثةً أيّام.
ثم إن الشيخ العلامة جمال الدين الحَصِيرِىّ(٣) شيخ الحنفية فى زمانه، وكان قد جمع
بين العلم والعمل، ركِب ◌ِحمارًا له، وحولَه أصحابُهُ، وقصد السلطان، فلما بلغ الملك الأشرفَ
دخولُ الحَصِيرىّ إلى القلعة، أرسل إليه خاصَّتَه يتلقّوْنه، وأمرهم أنْ يُدْخِوه إلى (٤دار
الإمارة٤) راكبًاً على حماره، فلما رآه السّلطانُ وتَب قائماً، ومشى إليه وأنزله عن حماره
(١) فى المطبوعة: ((طريقته))، وأنها الصواب من: ج ز .
(٢) كذا فى المطبوعة، وفى: ج، ز: ((تصلح لك لوهبتك ..
عليك )» يغنى عن هذه الزيادة
٠ ٤ . وقوله بعد : « أخليت
(٢) فى المطبوعة، ج ((الخضيرى)) بالخاء والضاد المعجمتين. وأثبتناه بالحاء والصاد المهملتين، وهو
الصواب، من: ز، والجواهر المضية ٢ / ١٥٥، والأعلام للزركلى ٨ / ٣٦. والنسبة إلى مجلة
يخارى كان يعمل بها الحصير ، وهو محمود بن أحمد بن عبد السيد ..
(٤) كذا فى المطبوعة . وفى : ج، ز : «داره)).
- ٢٣٧ -
وأجلسه على تَكْرِمته، واستبشر بوُفوده عليه، وكان فى رمضانَ قريبَ غُرُوبِ الشمس،
فلما دخل وقتُ المغرب(١)، وأَذّن المؤذِّن صَلَّوا صلاة المغرب، وأُحْضِر السلطان قَدحُ شَراب،
فتناوله وناوله للشيخ ، فقال له الشيخ: ماجئت إلى طعامك ولا إلى شرابك . فقال له
السلطان: يَرْ سِمُ الشيخُ ونحن نمتثل مَرْسُومَه. فقال له : أَيْشِ بِينَك وبينَ ابنِ عبد السّلام،
وهذا (٢) رجلٌ لو كان فى الهند أو فى أقصى الدنيا كان ينبغى للسلطان أن يسعى فى حُلوِلِه
فى بلاده، لتّمَّ بركتُه عليه وعلى بلاده، ويفتخرَ به على سائرٍ الملوك؟
قال السُّلطان: عندى خَطُّه باعتقاده، فى فُتْيا، وخَطُّه أيضا فى زُقْعة جوابٍ زُقْعَةٍ
سيّتُها إليه، فيقف الشيخُ عليهما، ويكونُ الحَكَّمَ بينى وبينَه. ثم أحضر السلطان
الورقتين فوقَفَ(٣) عليهما، وقرأها إلى آخرِهما، وقال: هذا اعتقادُ المسلمين، وشِعارُ الصالحين،
ويَقِينُ المؤمنين، وكلُّ مافيهما صحيحٌ، ومَن خالف مافيهما وذهب إلى ما قاله الخَصْمُ ،
من إثبات الحرفِ والصَّوت، فهو حمارٌ .
فقال السلطان رحمه الله : نحن نستغفر اللهَ ممّا جَرى، ويستدرك الفارِطَ فى حقِّه،
واللهِ لأجعلنَّهِ أغنى العلماء. وأرسل إلى الشيخ واسترضاه، وطلب مُحالَتَه وُخالَلَته .
. وكانت الحنابلة قد استنصروا(٤) على أهل السُّنّة، وعَلَتْ كلمنهم، بحيث إنهم صاروا
إِذَا خَلَوْا بهم فى المواضع الحالية يسُبُّونهم ويضربوتهم ويذمُّونهم، فعندما اجتمع الشيخ
جمال الدين الحَصِيرِىّ رحمه الله بالسلطان، وتحقّق ما عليه الجَمُّ الفَفِيرُ من اعتقاد أهلِ الحقّ،
تقدَّم إلى الفريقين بالإمساك عن الكلام فى مسألة الكلام، وأن لا يُفْسِىَ فيها أحدٌ بشىء،
سَدًّا لِباب الخِصام، فانكسرت المبتدعةُ بعضَ الانكسار، وفى النفوس مافيها .
(١) فى المطبوعة: ((الغروب))، والمثبت من: ج)، ز .
(٢) سقطت واو العطف من : ج، ز، وهى فى المطبوعة .
(٣) فى المطبوعة: ((فيوقف))، وفى ز: ((فوققه))، وأثبتنا ما فى : ج.
(٤) كذا فى المطبوعة، وفى: ج، ز : ((استضروا» وشددت الراء فى : ج .
-٢٣٨ -
ولم يزل الأمر مستمرًّا على ذلك، إلى أن التَّفْق وصولُ [ السلطان](١) الملك الكامل
رحمه الله إلى دمشق من الدَّار المصرية، وكان اعتقاده صحيحاً، وهو من المتعضِّبين لأهل
الحَقِّ ، قائلٌ بقول الأشعرىّ رحمه الله فى الاعتقاد، وكان وهو فى الدِّيار المصرية قدالع
ماجرى فى دمشق فى مسألة الكلام ، فرام الاجتماعَ بالشيخ ، فاعتذر إليه ، فطلب (منه](٢)
أن يكتبَ له ما جرى فى هذه القضّة مُسْتَقْصَى (٢) مُسْتَوفَّى، فأمر فى والدى رحمه الله بكتابة
ما سُقْتُه فى هذا الجزء من أوَّل القضيّة(٤) إلى آخرها.
فلما وصل ذلك إليه ووقف عليه، أسَرَّ ذلك فى نفسه، إلى أن اجتمع بالسلطان الملك
الأشرف رحمه الله، وقال له: ياخَوَنْد، كنتُ قد سمعتُ أنه جرى بين الشافعيّة والجذابِلة
خِصائمٌ فى مسألة الكلام، وأن القضيَّةَ اتصلت بالسلطان، فماذا صنعتَ فيها؟ فقال:
ياخَوَنْد ، منعت الطائفتين من الكلام فى مسألة الكلام ، وانقطع بذلك الخصام .
فقال السلطان الملك الكامل: واللهِ مَلِيحٌ، ما هذه إلّا سياسةُ وسَلْطنة! تُسَاوِى
بين أهل الحقّ والباطل، وتمنع أهلَ الحقِّ من الأمر بالمعروف والنَّىِ عن المنكر
وأن (٥] يكتموا ما أنزل الله عليهم (٦)، كان الطريقُ أن تمكِّنَ أهلَ الشُّة من أن
يلحَنوا]٥) بُحُجَجهم ، وأن يُظهروا دِينَ الله، وأن تَشْتُقَ من هؤلاء المبتدعة عشرين
نَفْسا، ليرتدِعَ غيرُهم، وأن تمكِّن الموحِّدين من إرشاد المسلمين، وأن يبِّنوا لهم
طريق المؤمنين .
فعند ذلك ذَلَّتْ رقابُ المبتدِعةِ، وانقلبوا خائبين، وعادوا خاسئين ﴿ وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ
كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَلُوا خَيْرًا وَكَغَى اللهُ أْمُؤْمِنِينَ أْفِقَالُ)(٧) وَكَانٍ ذلك على يد
(١) زيادة من : ج، ز على ما فى المطبوعة.
(٢) زيادة فى المطبوعة على ما فى : ج، ز ..
(٣) فى: ج، ز: ((منقصيا متوفا))، والمثبت فى المطبوعة.
(٤) كذا فى المطبوعة، وفى : ج، ز: «القصة»
(٥) ما بين الحاصرتين ساقط من، ز، وهو فى: المطبوعة، ج
(٦) كذا فى المطبوعة، وفى: ج: «إليهم))
(٧) سورة الأحزاب ٢٥
- ٢٣٩ -
السُلطان الملكِ الكامل، رحمه الله، وانقشعت المسألة للسُّلطان الملك الأشرف، وصرَّح
بخَجَله وحَيّائِهِ مز الشيخ، وقال: لند غَلِطْنا فى حَقِّ ابن عبد السَّلامِ نَخْلْطةً عظيمة.
وصار يترضّاه ويسمى بفتاءِ يه، وما أفتاه! ويطلب أن يُقرأ عليه تصانيفه الصِّغَارُ ، مثل
((الُلْحة فى اعتقاد أهل الحقّ)) التى ذكر بعضهافى الفتيا، وقُرئت عليه ((مَقاصِدُ الصلاة))
فى يومٍ ثلاثَ مَرات، تُقرأ عليه وكلما دخل عليه(١) أحد مِن خَواصَّه يقول القارئ:
اقرأ ((مَقَاصِدَ الصلاة)) لابن عبد السلام، حتى يسمعَها فلان، ينفعه الله بسماعها، حتى قال
والدى رحمه الله: لو قُرئتْ(٢) ((مقاصِدُ الصلاة)) على بعض مشايخ الزَّوايا أو على مترهِّد
أو مُريد أو متصوّف مرَّةً واحدة، فى مجلس، لَما أعادها فيه مرَّةً أخرى.
ولقد دخل على السلطانِ الملكِ الأشرف الشيخُ شمسُ الدّين سِبْطُ ابنِ الجَوْزِىّ، وكان واعِظَ
الزمان، وكان له قَبولْ عظيم، وشاهدتُ منه عجباً، كان يطلع على المنبر فى بعض الأيام، ويُحَدِّق
الناسُ إليه، وينتحب ويبكى ويَبْكِى الناسُ معه، ويقتلون أنفسهم، ويذهب هائما على وجهه،
ويذهب الناسُ مِن تَجلسه وهم سُكَارَى حَيَارَى، وكان يجلس الثلاثةَ الأشْهُ(٣)، وجبَ
وشعبانَ ورمضانَ، فى كل سبت، والناس يتأهَّبون لحضور مجلسه قبل السبت بثلاثة أيام ،
فلما دخل على الساطان ناوله ((مَقاصِدَ الصلاة)) وقال: اقرأها. فقرأها بين يديه واستحسنها،
وقال: لم يُصنّف أحدٌ مثلَها. فقال له: طَرِّزْ مجلسِكَ الآتى بذكرها، وحَرِّضِ الناسَ عليها.
فلما جاء الميعادُ صَعِد المنبر، وحَمِد الله وأثنى عليه، وصلَّى على نبيّه، صلى الله عليه وسلم ،
وقال: اعلموا أن أفضلَ العباداتِ البدنّةِ الصّلاةُ، وهى صِلَةٌ بين العبد وربِّه، فعليكم
بِمَقَاصِدِ الصلاة، تصفيف ابن عبد السلام، فاسْعَمُوها وُوها واحفظوها، وعَلِّموها أولادَ كم،
ومَنْ يَعِزّ عليكم. وكان لها وقعُ عظيم فى ذلك المجلس، وكُتِب منها من النَّخ
ما لا يُحْصَى عددُه.
(١) كذا فى المطبوعة، وفى: ج، ز: «إليه)).
(٢) فى المطبوعة: ((قرأت))، وأثبتنا ما فى : ج، ز .
(٢) كذا فى المطبوعة، وهو جائز، وفى: ج، ز: ((الثلاثة أشهر)) وهو غير مقبول،
والأفصح أن يقال : ثلاثة الأشهر . انظر درة الغواص الحريرى ٩٣، ٩٤.
- ٢٤٠ -
ولم يزل والدى معظًّها عند السلطان إلى أن مَرِض مَرْضةَ الموت، قال لأ كبر أصحابه:
اذهب إلى ابن عبد السلام، وقل له: ◌ُّك موسى ابن الملك العادل أبى بكر يُّم عليك،
ويسألك أن تعودَه وتدعوَّ له وتُوصِيَه بما ينتفع به غدًا عندَ الله. فلما وصل الرسولُ إليه
بهذه الرسالة، قال: نعم، إن هذه العيادةَ لِمَنْ أفضلِ العبادات، لما فيها من النّفع المتعدِّى
إن شاء الله تعالى. فتوجَّه إليه وسلَّم عليه، فبُنَّ برؤيته سرورًا عظيما، وقَّل يده ، وقال:
ياعِزَّ الدين، اجعلنى فى حِلٌّ، وادْعُ الله لى، وأوْصِنِى وانصحْنى، فقال له: أمّا معالْتُك
فإنى كلَّ ليلة أحاِلُ الحلقَ وأبيتُ وليس لى عند أحدٍ مَظْلَمَةْ، وأرى أن يكونَ أجرى
على الله ، ولا يكونَ على الناس، عملًا بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ﴾(١).
وأن يكونَ أجْرِى على الله، ولا يكونَ على خَلقِهِ أَحَبُّ إلىَّ، وأمّا دُعانى للسلطان، فإنى
أدعوله فى كثير من الأحيان، لِما فى صلاحه مِن صلاح المسلمين والإسلام، والله تعالى
يُبَصِّر السلطانَ فيما يَبْيَضُّ به وجهُه عِنْذَه يومَ يلقاه، وأمّاً وصيَّتِى ونصيحتى للسلطان،
فقد وجبت وتعيَّنْت لقَّبُولِهِ وتَقَاضِيه. وكان قُبَيْلَ مرضِه قد وقع بينه وبين أخيه السلطان
[الملك](٣) الكامل واقِعٌ ووحشةٌ"، وأمر وهو فى ذلك المرض بنَصْب دِهْلِيره إلى ضَوْب
مِصر، وضرب منزلة تُسَمَّى الَكُسْوَةَ(٣)، وكان فى ذلك الزمان قد ظهر التَّتَرُ بالشرق،
فقال الشيخ للسلطان الملك الكامل: أخوك الكبير ورَحِمُك، وأنت مشهورٌ بالنُّتوحات
والنَّصر على الأعداء، والنَّتَرُ قد خاضوا بلادَ المسلمين، تَتْركِ (٤) ضربَ دِهْليزك إلى أعداء
الله وأعداء المسلمين، وتضربه إلى جهة أخيك! فينقل السلطانُ دِهْليزه إلى جهة الَّتَار،
ولا تقطع رَحِمَك فى هذه الحالة، وتنوى مع الله نصرَ دِينه وإعزازَ كلته، فإن مَنَّ اللهُ
بعافيةِ السُّلطان رَجَوْنا من الله إدالتَه على الكفّار ، وكانت فى ميزانه هذه الحسنة العظيمة،
فإن قضى اللهُ تعالى بانتقاله إليه كان السلطانُ فى خَفَارةٍ(٥) نِيَّته .
(٢) زيادة من : ج ، ز على ما فى المطبوعة.
(١) الآية الأربعون من سورة الشورى .
(٣) قال ياقوت فى معجم البلدان ٢٧٥/٤: الكوة: قرية هى أول منزل تتزاء التوافل إذا
خرجت من دمشق إلى مصر .
(٤) فى الأصول: ((بترك))، ولعل الصواب ما أثبتناه، وواضح أن الأسلوب يجرى مجرى العتاب
(٥) الخفارة، بفتح الخاء وضمها : الاسم من خفره بمعنى أجاره ومنعه وأمنه.
واللوم .