النص المفهرس

صفحات 1-20

طَبَة الشَّافِعِيَةُكَرُى
◌َاج الذِين أبِ نَصْرِ عَبْد الوَهَابِ بن على بن عَبْدِالكافِى الْسُبْكِنِ
٧٢٧ - ٨٧٧١
تحقيق
محمود محمدّ الطناحى
عبد الفتاح محمد الجلو
الجزء السابع

[ جميع الحقوق محفوظة ]
فيصل عيسى البابى الحلبى
واد إحياء الكتب العربية

مِاللهِ الرَّحْمِ الرَّمَ
بتْـ
بقيّة
الطبقة الخامسة
فيمن تُؤُنَّ بين الخمسمائة والستمائة

٧٠٨
محمد بن منصور بن محمد بن عبد الجبار بن أحمد بن محمد بن جعفر بن أحمد
ابن عبد الجبار بن الفضل بن الربيع بن مسلم بن عبد الله بن عبد المجيد
[ الإمام الكبير أبو بكر بن الإمام أبى المظفر بن الإمام أبى منصور بن السَّمْعَانِىّ]*
الفقيه، الأديب، المحدِّث، الحافظ ، الواعظ، الخطيب، المُبرِّز فى علم الحديث،
رجالًا، وأسانيد، ومتونا ، وغير ذلك، جامعٌ الأشتات العلوم .
وهو أبو الحافظ الكبير، تاج الإسلام أبى سعد عبد الكريم بن محمد ، وكان هو أيضا
يُلَفَّب تاجَ الإِسلام .
مولِدُه فى سنة ست وستين وأربعمائة .
سمع (١) والدَه أبا الظَفَّر، وعبد الواحد بن أبى القاسم القُشَيْرِىّ، ونصر الله بن أحمد
اُلْنَمِىّ، وأسعد بن مسعود الُشْسِىّ، وأبا الحسن علىّ بن محمد العَلَّاف، ومحمد بن
عبد الكريم بن خُشَيش الحافظ، وأبا الغنائم التَرْسِىّ(٢) الحافظ، وغيرهم، بَرْو،
ونَيْسابُور ، والرَّىّ، وهَمَذان، وبغداد ، والكوفة، وأصْبَهان، ومكة، وغيرِها.
رَوَى عنه السِّلَفىّ، وأبو الفتوح الطَّانِىّ، وغيرُهما.
ذكره عبد الغافر فى (( السياق))، وقال فيه: الإمام، ابنُ الإمام، ابنِ الإِمام ،
شابٌّ نشأ فى عبادة الله، وفى التَّحْصيل من صِباء، إلى أن أرْضَى أباه، حَظِىَ من العربيَّة،
والأدب، والنحو، ومرتِها، نظماً ونثراً، بأعْلَى المراتب.
* له ترجمة فى: الأنساب ١٣٠٨، البداية والنهاية ١٨٠/١٢، شذرات الذهب ٢٩/٤،
طبقات ابن هداية الله ٢٢، السبر ٢٢/٤، الكامل ٢٢١/١٠، الباب ٠٦٣/١، المنتظم ١٨٨/٩
وما بين الحاصرتين سقط من المطبوعة. وهو فى ص، س، والطبقات الوسطى.
(١) فى الطبقات الوسطى: «وذكره ولده فى الذيل، وعدد جما كثيرا من أشياخه، منهم والده
أبو المظفر ...... (٢) فى المطبوعة: ((الزينى)) وكذا في ص، س، مع تقط الزاى فقط .
وأثبتناه على الصواب من الطبقات الوسطى ، وقد تقدم فى الجزء السادس ٣٨.

- ٦ -٠
ينفُث (١) إذا خَطَّ بأقلامه عُقَد السِّحْر، وينظم من معانى كلامِه عقودَ الدُّرّ، متصرّفَاً
فى الفنون بما يشاء (٢) كيف يشاء ، مطيعاً له على البديهة الإنشاء، ثم برع فى الفقه،
مستَدِرًّا أخْلَافَه(٣) من أبيه، بالغاً فى الذهب والخلاف أقصى حراميه (٤)، وزاد على أقْرابِهِ،
وأهلِ عصره ، بالتبتُّر فى على الحديث، ومعرفة الرِّجال والأسانيد، وما يتعلّق به من
اَلَجَرْح والتّعدِيل، والتَّحريف(٥)، والتَّبْديل، وضبط(٦) التون، والمشكلات من(٧)
المعانى، مع الإحاطة بالتواريخ، والأنساب .
وطرَّزَ أُ كْمام فضلِه ◌ِمِجالس (٨) تَذْكِيره، الذى تتصدَّعَ(٤) صُمُّ الصُّخورِ عند
تُخْذيره، وتتجمَّع أشْتات العِظام النَّخِرة عند تَبْشيره، وتُصْفِى آذانُ اَلَحفَظَةَ لجارِى
نُكَتِهِ، وتختطف الملائكةُ لُفاظة(١٠) إشاراته من شَفَتِهِ، ويخترقَ حُجُبَ الشُّداد السَّبْعِ
سواعدُ دعواتِهِ، ويُطفِىء أطباق الجحيم سوابقُ عَبَّرَاته، وهو مع ذلك متخلَّقُ بأحسن
الأخلاق، متمكِّن بتواضُِه وتوجُّده(١١) من الأحْدَاق، رافلٌ فى حلايب أهلِ الصَّا،
مُراعٍ لعهود الأسْلاف بحُسْنَ الوَفاء مجموع له الأخلاق الحميدة، ثابت له الحقوقُ الأكيدة.
خَلَفَ أباه ببلدته، فى مجالس التّدريس، والنظر، والتذكير، وزاد عليه فى الخطابة (١٢)،
والقَبول التامّ بين الخاصِّ والعام، وصبر على مكابدة الخصومِ اللَّدّ، [ ومقاومة] (١٣) المعاندين،
(١) ضبحات الفاء فى ص بالضم والكسر، وفوقها كلمة (( مما)). وهو الصواب كما فى القاموس
(٢) فى المطبوعة: ((كيف يشاء بمايشاء)»، وأثبتناه على الفسق الذى فى من، من،
( ن ف ث ).
(٣) فى المطبوعة: ((أخلاقه)) بالقاف، وأثبتناه بالفاء على الصواب من
والطبقات الوسطى .
(٤) فى المطبوعة: ((مراتبه)) وأثبتنا الصواب من ص، عن،
ض ، س ، والطبقات الوسطى .
والطبقات الوسطى .
(٦) فى س وحدها: « وحفظ»
(٥) فى س وحدها : والتجرير .
(٧) فى المطبوعة: ((فى)) والثبت من ش،
وفى الطبقات الوسطى : وضبط المتون والغرائب .
(٨) فى المطبوعة، ز: «بمجاس)) وأثبتنا ما فى س ، والطبقات
ز ، والطبقات الوسطى .
(٩) فى المطبوعة: ((يتصدع صم الصخر)). وأثبتنا ما فى س، ز .
الوسطى .
(١٠) فى المطبوعة، ز: «فظ)). والثيت من س، والطبقات الوسطى.
(١١) فى المطبوعة، ز: ((وتؤدته)). وأثبتنا ما فى س، والطبقات الوسطى. (١٢): فى المطبوعة:
(١٣) ساقط من المطبوعة، وهو فى سن ،از.
(( في الخطاب )). وأثبتنا ما فى س ، ز .

- ٧ -
والمخالفين، ونفَق سوقُ نَقْواه وورعُه عند الملوك والأكابر، حتى عظّمُوا خِدْمَته
وتبرّ كوا به، وبنُصْحِهِ، وكلامه، وصار قُطْبَ قَطره، حشمةً، وحرمةً، وجاهاً، ومنزلةً،
مستغنياً بكَفافِهِ، وما آتاه الله، من غير مِنَّةِ مخلوق، عن التعرُّض ◌ِمَنالٍ شىء من أُلحطام،
قاصراً همَّه وأيامَه على الإفادة، ونَشْرِ العلم، مدَّ الله فى عزيز أنفاسه، وأبقاه حُجَّةً على العلماء.
هذا كلام عبد الغافر .
وقال الحافظ أبو سعد، رحمه الله: أمْلَى والدى مائةً وأربعين مجلساً، فى غاية الحسن.
والفوائد، بجامع مَرْو، واعْتُرِفٍ(١) بأنه لم يُسْبَق إلى مثلها، وصنَفَ تصانيفَ فى الحديث.
قلتُ: ووقفتُ على كثيرٍ من إملائه، وهو دَالٌّ على غُلُرِّ شأنه ، فى الفقه ، والحديث،
واللغة .
قال ولدُهُ: وكان يُمْلِى فى مجلسِ وعِظِه الأحاديثَ بأسانيدها، فاعترض عليه بعضُ
المنازعين، وقال: محمد السَّمْعَانِيّ يصعد المنبرَ، ويَعُدُّ الأسامِىّ، ونحن لا نعرف (٢)،
ولعله يضعها فى الحال، وكتب هذا الكلامَ فى رقة، وأُعْطِيَتْ له ، بعد أن صعد المنبر ،
فنظر فيها، ورَوَى حديث: ( مَنْ كَذَبَ عَلَىَّ مُتَعَمِّدًا فَلَيَنَبَوَّأْ مَقْمَدَهُ مِنَ النَّارِ))
بنِّف وتسعين طريقا ، ثم قال : إن لم يكن فى هذا البلد أحدٌ يعرِف الحديثَ، فنعوذ بالله
من المقام بيدٍ ما فيها مَن يعرف الحديث ، وإن كان فَلْيَكْتُب عشرةَ أحاديث بأسانيدها ،
ويترك اسماً (٣) أو اسمين من كل إسناد، ويخلطِ الأسانيد بعضها ببعض، فإن لم أُمَبِّ بينها،
وأضعْ كلَّ اسْمِ مِنها مكانَه، فهو كما بدَّعِيه .
وفعلوا ذلك امتحانًاً، فردّ كل اسم إلى موضعه، وطلب القرّاء الذين يقرءون فى مجلسه،
فى ذلك اليوم شيئاً ، فأعطاهم الحاضرون ألف دينار .
قال أبو سعد: سمعتُ هذا كلَّه من محمد بن أبى بكر السِِّجِىّ.
(١) جاء فى الطبقات الوسطى: ((بجامع مرو كل من رآها اعترف بأنه لم يسبق إلى مثلها)).
(٢) فى المطبوعة: ((لا نعرفه)). وأثبتنا ما فى س، ز، والطبقات الوسطى.
(٣) فى المطبوعة، ز: ((اسم)). وأثبتنا ما فى س، والطبقات الوسطى.

- ٨ -
. قال: وكان ذلك اليومُ عيداً لأهل السنة .
وكان والدُّه الإمام أبو المظفَّر، إذا جرى شىء يتعلّق بالأدب أو اللغة، أو سُئل عن
شىء من ذلك، يقول: سَلُوا ابنى محمداً؛ فإنه أعرفُ باللغة منّ.
قال صاحب (الكافي)): سمعت أبا عبد الله محمد بن الحسن(١) المرداخوانى، وكان
من تلامذة الإمام أبى المُظُفَّر بن السَّمْعَانِىّ يقول: كنتُ شريكَ ابنهِ أبى بكر محمد:
ومُعِيدُنا(٢) [أبو] عبد الله النَّيْابُورِىّ، فتأخَّر حضورُ محمد يوماً، ثم جاء، وقد احمرَّت
عيناه من البكاء ، فقال له أبو عبد الله: ما الذى خلّفَك، وما شأنك؟
فقال: رأيتُ النبيَّ صلَى الله عليه وسلَّم فى المنام، فناوانى قدحاً مملوءا ماء، وقال لى:
اشْرَبْ، فأخذتُه وشربتُهُ كلَّه، وانتبهتُ وقد أثَّر ذلك فى عروقى وسائر جَسَدِى.
فنهض الإمام أبو عبد الله مُسِرِعا إلى الصُّفَّة، التى فيها الإمام أبو المظفَّر، وهو يقول:
البشارةَ، البشارةَ، وأخبره بالمنام، فقال الإمام أبو المُظْفَر: الحمد لله. وقال: إنى رأيتُ
مثلَ هذا المنام، ولكنى ما شريتُ جميعَ الماء، بل بعضه، وهو شرب جميعه، فيجتمعُ
عنده جميعُ أحَدِيثِ النبيِّ، صلَّى الله عليه وسلَّم .
وللإمام أبى بكر شعرٌ كثير، ويُحكَى أنه عسَل قبل موته جميعَ الْمُسَوَّدات التى فيها
شعرُه، فلم يُوجّد له إلا ما كان على ظهور الدفاتر من الأجزاء.
وَيُحكَى أن شخصاً كتب إليه رقمةً، وفيها أبياتُ شعرٍ، وأراد جوابها ، فقال:
أما الأبياتُ فقد أسلم شيطانُ شِعرِى ، فلا جواب لها .
ومن مليح شعره :
وأظَلُّ أنتظرُ الظلامَ الدامَِا
أقْلِى النهارَ إذا أضاء صباحُه
والليلُ بِرْنِي لَى فُيْدِيِرُ عابَا
فالصبحُ يشمَتُ بى فُيُقِبِل صاحِكًا ..
(١) في س وحدها: ((الحين،". و((الرد اخوانى)) وردت هكذا فى المطبوعة، ز.
وفى س: ((المزد احنافى)» ولم تعرف هاتين النسبتين.
ومى فى المطبوعة ، ز .
. (٢) سقطت من ش ، هنا وفيما يأتى.

- ٩ -
وله أيضاً :
بينهمِ اللحظِ قلبَ الصَّبِّ طَرْفُهْ
وَظَهْىٍ فوق طِرْفٍ ظَلَّ يَرْمِى
يؤثِّرٍ فى الحصَى والتُّرْبِ طِرْفُهْ
يُؤَّثِر طَرْفُهُ فِى القلبِ ما لا
وله، ما أورده ولدُه أبو سعد، فى كتاب ((التحبير)) فى ترجمة أبى حامد أحمد بن عبدالله
الْغَزِىّ، الصُّوفِيّ، المعروف بالأوحد، وذكر أنه قال فى قرية فاز، إحدى غُرَى طُوس:
فكان ألذَّ مِن نَيْلِ المَغَازِ
نزَلْنا "بُشْةً تُدْعَى بِغَزٍ
فكانت كالحقيقةِ فى المجازِ (١)
وقِسْتُ إلى تَراها كلَّ أرضٍ
وفى أبى بكر بن السَّمْعَانِىّ، يقول الشيخ الحافظ أبو طاهر السُّلَفِىّ:
وفى علم الحديث الأِّمِذِىُّ
هو الْزَنِىُّ إِيَّانَ الفتاوى
وفى وقتِ التَّشَاءُرِ بُحْتُرِئُّ
وجاحظُ عصرِه فى النْرِ صِدْقاً
وفى حِفْظِ اللغاتِ الأسْمَعِىُّ
وفى النحو الخليلُ بلاخلافٍ
قلتُ: ودِّدِتُ لو قال :
* وفى الشعر الأديبُ البُخْتُرِىّ *
وسلم من لفظ الَّشاعر ، ومن تفكير البُحتُرِىّ.
وقال آخَر ، فيما ذكر السِّذَّفِىّ(٢):
وعا لِمِ العصرِ لَدَى الأَعْيانِ(٣)
ياسائِى عن عَلَِّ الزمانِ
كابن أبى المظفَّر السَّمْعَانِى
لستَ رَى فِى عَالَمَ الِيانِ
وقدم القاضى يحيى بن صاعد بن سَيَّر الهَرَوِىّ نَيْابُور، وكان أبو بكر بن السَّمْعَافِىّ
بها، فدخل عليه زائرًا، فأطرق يحيى بن صاعد رأسَه ساعة، ثم رفعه(٤)، وأنشد يقول :
قُلْ للإمامِ بن الإمام محمدٍ بْ نِ مظفر بن محمدِ السَّمْعَانِى
(١) فى س: ((تسمى بغاز)). والمثبت فى ز، والمطبوعة. (٢) بعد هذا فى المطبوعة زيادة:
(٣) فى المطبوعة، ز: ((لذى)) بالذال المعجمة، وأثبتناء بالمهملة
«یقول»، و ليست فى س ، ز .
(٤) فى المطبوعة، ز: (( ثم رقم رأسه)). وأثبتنا ما فى س ، والطبقات الوسطى.
من س ۔

- ١٠ -
قبلِ اللقاء يُحِبُّكِ السَّمْعَانِ(١)
عشِقَتْكَ عَيْنِ مُذْ رأْتُك وكان مِن
فأجابه أبو بكر ، على البديهة:
ونِذْتُ به جَدًّا لأمْرِى مُساعِدًا.
حَيِيتُ بيحيى إذْ رُزِقِتُ لِقَاءَه
وكاسمِ أبيه نجمُه دام صاعدًا
فلا زال يحنى وانْمُه قَالُ عمرٍ.
والد أبى بكر اسمه منصور، وكنيته أبو المظفَّر، محذف القاضى يحيى الفظا الأب(٢)
إ كان الوزن .
قال الحافظ أبو سعد: من عجيب ما اتَفَق، أن آخرَ مجلسٍ أمْلاه، كان افتتاحُه بقوّه
صلَّى الله عليه وسلم: ((إِنَّ أَمَامَكُمْ عَقْبَةً كَثُودًا، لَا يَجُوزُهَا الْمُثَقَّلُونَ، فَأَنَا أُحِبُ أَنْ
أَتَخَفَّفَ لِلْكَ الْعَقْبَةِ» .
وكان قد وصل فى التفسير، الذى يذكره فى مجلس الوعظ، إلا قوله(٣): (الْيَوْمَ
أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) الآية .
وتُوُنِّىَ عَقِيب ذلك، أبنَ ثلاث وأربعين سنة، فى يوم الجمعة، ثانى صفر، سنة
عشر (٤) وخسمائة (٥).
﴿ ومن الفوائد، والمسائل عن تاج الإسلام أبي بكر)
(٦)
(١) فى ز، والمطبوعة: (( إذا رأتك)) وأنبتنا مافى س، والطبقات الوسطى. وجاء فى س، 3:
((يحبك الأذنان)). وأثبتنا ما فى المطبوعة، والطبقات الوسطى، وبه يتحقق الجناس فى البيتين.
(٢) فى المطبوعة؛ ((الأداة)» .. وفى ز: ((الأدب)). وأثبتنا الصواب من س، والطبقات
(٤) فى المطبوعة، ز: ((فى عشرة». وأثنا
(٣) سورة المائدة ٣.
الوسطى ..
(٥) بعد هذا: فى الطبقات الوسعنى :
الصواب من س، والطبقات الوسطى ، ومراجع الترجمة.
((أعندنا حديثه فى الطبقات الكبرى)). (٦) هكذا بياض فى أصول الطبقات الكبرى. وقد ذكر
المصنف رحمه الله فى الطبقات الوسطى بعض الفوائد عن المترجم ، قال:
· « من كلام أبى بكر بن السمعانى فى دخول الحقَّام، قال: جملة القول فيه أنه مباح للرجال،
بشرط التستّر وغضِّ البصر، ومكروه النساء؛ لما بنى أمرهنّ عليه من المبالغة فى الستر، =

٠٠
- ١١ -
= ولما فى وضع ثيابهنّ فى غير بيوت الأزواج من الهتك ، ولما فى خروجهنّ واجتماعهنّ
من الفتنة والشرّ .
وذكر للداخل آدابا ، منها : أن يتذكر بحرٍّ، النارَ، ويستعيذ بالله تعالى من حرِّها،
ويسألَه الجنة ، وأن يكون قصده التنظّف والتطهر ، دون التنعم والترفّه، وألّا يدخله
إذا رأى فيه عاريا، بل يرجع ، وألّا يقرأ فيه القرآن، ولا يسلِّم، ويستغفر الله تعالى إذا خرج.
ويصلّى ركعتين، فقد كانوا يقولون: يوم الحمّام يوم إنم . ورَوَى لكلّ أدب منها خبرا.
وما ذكره من أن الداخل لا يسلّم قد ذكره الغزَّالى أيضا فى (« الإحياء))، ووافقهما
عليه صاحب ((التتمة))، فقال: لا يستحب لداخله على من فيه ؛ لأنه بيت الشيطان؛
ولأن الناس يكونون مشتغلين بالتنظف .
وأما ترك القراءة فقد ذكرها الغزالى أيضا فى الإحياء، إلا أن الغَزَّالى قال : لا يقرأ
القرآن إلا سرًّا، وابن السمعانى أطلق ولم يستثن،، ولعل مرادهما أن الأولى ترك القراءة،
لا أنها مكروهة، فقد نقل صاحب ((البيان)) و((العُدَّة)) وغيرها من أصحابنا أنها
لا تُكره فى الحمّام. وقال الصَّيْرىّ فى ((شرح الكفاية)): ولا ينبغى لأحد إذا كان
على غائط أو بول أو فى حمّام أن يقرأ. وليس هذا مريحاً فى الكراهة ، ولكن كلام
الحليمىّ فى ((المنهاج)) يقتضى الكراهة، كما قال ابن السمعانى. والذى أفتى به والدى
رضى الله عنه أنه إن كان فى مكان نظيف وليس فيه كشف عورة لم يُكره ، وإلا فيُكره.
• وقال ابن السمعانى: لم يرد فى استحباب صوم رجب على التخصيص سُنّةٌ ثابتة،
والأحاديث التى تُروى فيه واهية لا يفرح بها عالم .
وهذا كلام صحيح ، ولكن لا يوجب التزهيد فى صومه ، ففضل الصوم من حيث
الإطلاق ثابت. وفى ((سنن أبى داود)) وغيره فى صوم الأشهر الحرم ما يكفى فى قيام السُّنّة
على الترغيب فى صومه .
• قال أبو سعد السمعانى فى ترجمة أبى الغنائم - أى التَّرْسِىّ الحافظ - من «الذيل)»:
قرأت بخط الإِمام والدى : سمعت أبا الغنائم محمد بن ميمون النَّرْسِىّ، يقول فى قول =

- ١٢ -
٧٠٩
محمد بن مكّى بن الحسن الفامِىّ
أبو بكر البَابْشَامِىّ(١)، يعرف بابن(٢) دوست
قال ابن السمعانى: فقيه فاضل، تفته على الشيخ أبى إسحاق الشِّيرازِىّ، وسمع أبا بكر
محمد بن عبد الملك بن بِشْران، وأبا محمد الحسن بن على الجوهرىّ(٣).
فلت: والقاضى أبا الطيِّب الطبرىّ، وغيرهم.
روى عنه أبو طاهر السِّلَفِىّ، وأبو المُعَمّر الأنصارى، وغيرهما، وأجاز لابن كُلّيب .
مات فى شهر ربيع الأول سنة سبع وخمسمائة.
= النبيّ صلى الله عليه وسلم: (( وَمَنْ يَرْعَ حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَجْسُرَ)) قال: هو:
((يَحْر)» بالشين المعجمة، من قولهم: جشر: إذا رعى.
· قال: وسمعته يقول فى قوله عليه السلام: ((أَيَّامُ مِنَّى أَيَّامُ أَكْلٍ وَتُرْبٍ ))
قال: هو ((شَرْب)) بفتح الشين، واستشهد بقوله تعالى: ﴿فَشَارِبُونَ شَرْبَ الْهِيمِ﴾ .
انتهى ما حكاه المصنف. ونقول: الشرب بفتح الشين وضمها سواء: مصدر شَرِب.
وقيل: بالفتح المصدر، والضم الاسم. وقد قرأ نافع وعاصم وحمزة وأبو جعفر بضم الثين،
ووافقهم الحسن والأعمش، وقرأ باقى القراء بالفتح، إنظر إتحاف فضلاء النشر ٤٠٨
والآية الكريمة المستشهد بها فى سورة الواقعة ٥٥.
* له ترجمة فى المنتظم ١٧٩/٩ . وهو فيه : محمد بن مكن بن عمر بن محمد
(١) فى المطبوعة، ز: ((الباشانى)). والمثبت من س، والطبقات الوسطى. وهذه النسبة إلى
باب الشام: إحدى احال المشهورة بالجانب الغربى من بغداد . اللباب ٨٠/١، ومعجم البلدان ٤٤٥/١
(٢) ضبدت الدال فى الطبقات الوسطى بالفتح، وهى بالضم فى المشتبه ٢٨٤.
(٣) فى المطبوعة: ((وأبا محمد بن الحسن الجوهرى .ن على)). وأثبتنا الصواب من سائر الأصول.

- ١٣ -
٧١٠
محمد بن موسى بن عثمان بن موسى بن عثمان بن حازم.
الحافظ أبو بكر الحازيّ الهمذاني*
إمام متقن مُبرِّز.
ولد سنة ثمان وأربعين وخمسائة، وقيل: سنة تسع وأربعين .
وسمع بَعَذان من أبى الوقت خُضورا، ومن شهردار بن شِيرُوه، وأبى زرعة(١)
طاهر، وأنى العلاء العطار، ومَعْمَر بن الفاخر ، وغيرهم.
ورحل إلى بغداد والموصل وواسط والبصرة وأصبهان والجزيرة والحجاز(٢)، فسمع من
خلق، منهم خطيب الموصل أبو الفضل (٣)، وأبو موسى المدينىّ الحافظ، وله إجازة من
السِّفِىّ، وابن السَّمْعانىّ، وأبى عبد الله الرُّسْتُممّ.
روى منه أبوعبد الله الدُّبَيْىّ، وابن أبى جعفر، والتقىّ على بن ماسُوَيه المقرئ، وغيرهم.
قال ابن اللُّبَيْىّ(٤): قدم بغداد عندَ بلوغه، واستوطنها، وتفقه بها على مذهب الشافعىّ،
وجالس علماءها ، وتميز وفهم، وصار من أحفظ الناس للحديث وأسانيده ورجاله ، مع زهد
وتعبّد ورياضة وذِكْر، صَنَّف فى علم الحديث مصنََّاتٍ ، وأعلى عِدَّةً مجالس .
قال: وكان يغلب عليه معرفةُ أحاديث الأحكام، وأملى طُرُق الأحاديث التى فى كتاب
(المهذب)) للشيخ أبى إسحاق، وأسْنّدَها، ولمُ بِنَّه.
* له ترجمة فى البداية والنهاية ٢٣٢/١٢، تذكرة الحفاظ ١٣٦٣/٤، تهذيب الأسماء واللغات
١٩٢/٢، الروضتين ١٣٧/٢، شذرات الذهب ٢٨٢/٤، طبقات ابن هداية الله ٨٠، العبد
٢٥٤/٤، النجوم الزاهرة ١٠٩/٦، وفيات الأعيان ٤٢١/٣.
(١) فى أصول الطبقات الكبرى والوسطى: ((وأبى زرعة بن طاهر)). والصواب حذف ((ابن))
كما جاء فى الوفيات. وهو أبو زرعة طاهر بن محمد المقدسى. ويلاحظ أنه من شيوخ علماء هذه الطبقة،
(٢) بعد هذا فى الطبقات الوسطى: ((والشام)).
انظر صفحة ١٥٠ من الجزء السادس.
(٣) الطوسى ، كما فى تذكرة الحفاظ .
(٤) فى المطبوعة: ((الزينى)) وهو خطأ، أنبتنا صوابه من تذكرة الحفاظ، وهو كذلك فى س ،
ز، ولكن من غير فقط، ويلاحظ أن سياق الترجمة عندنا متفق مع ما فى التذكرة.

- ١٤ -
وقال ابن النجار: كان من الأئمة الحُفّاظ، العالمين بفقه الحديث ومعانيه ورجاله، ألَّفَ
(الناسخ والمنسوخ))، وكتاب ((عجالة المبتدى))، فى الأنساب، ((والمؤتلف والمختلف))،
فى أسماء البلدان.
قال: وكان ثقة حُجَّة نبيلا زاهدا ورعا، ملازما للخلوة والتصنيف ونشر العلم، أدركه
أجلُه شابا، توفى ثامن عشرى جمادى الأولى، سنة أربع وثمانين وخمسمائة .
٧١١
محمد بن الموفق بن سعيد بن على بن الحسن بن عبد الله الخُبُوشا فِىّ
الفقيه ، الصوفى .
أحد الأمة ، علما ودينا وورغا وزهدا .
وخُبُوشان بضم (١) الخاء المعجمة والباء الموحدة وفتح الشين المعجمة وفى آخرها نون:
بُلَيْدة بناحية نيسابور ، ولد بها فى رجب سنة عشر وخمسمائة .
وتفقه بنيسابور على محمد بن يحيى، ثم قيل: إنه كان يستحضر كتابه (٢) (( المحيط)
وأنه ◌ُدِمِ الكتاب فأملاه من خاطره .
وقدم مصر سنة خمس وستين ، فأقام بمسجده بالقاهرة مدة ، ثم تحول إلى تربة الشافعى
رضى الله عنه ، وتبتَّل لعمارة التربة الذكورة والمدرسة، ودرَّس بها مدة.
وكان إماما جليلا، كبير المَحَلّ فى الورع، قلَّ أن ترى العيون مثلَه، زهدا وعلما، وأمرا
بالمعروف وتصميما على الحق:
ومن تصانيفه كتاب (( تحقيق المحيط))، فى ستة عشر مجادا(٣).
* له ترجمة فى: البداية والنهاية : ١٢/ ٣٤٧، حسن المحاضرة ٤٠٦/١، عذرات الذهب
٢٨٨/٤، العبر ٢٦٢/٤، مفتاح السعادة ٢٥٠/٢، النجوم الزاهرة ١١٥/٦، وفيات الأعيان
وقد ذكر المصنف فى الطبقات الوسطى ثقب المترجم وكنيته: نجم الدين أبو البركات.
٠٢٧٤/٢
(١) قبدها ياقوت بالفتح. إنظر معجم البلدان ٤٠٠/٣. (٢) فى المطبوعة: ((كتاب)).
وأثبتنا الصواب من س، ز .. وسيأتى فى ترجمة محمد بن يحي ، فى هذا الجزء. (٣) بعد هذا فى الطبقات
الوسطى : ولد بخبوشان . قال الحافظ عبد العظيم: وذلك فى رجب سنة عشر وخمسمائة.

- ١٥ -
وحدّث بالقاهرة عن أبى الأسعد هِبة الرحمن بن القُشَيْرىّ.
وكان السلطان صلاح الدين رضى الله عنه حَسَنَ المقيدة فى الشيخ الخُبُوشانىّ ..
وكان الخُبُوشَائِيّ(١) له حالٌ غريبة ومَحْلُّ مَكين ومَتام فى الدين، وكان يقول بملء
فيه: أصعد إلى مصر وأزيل ملك بنى عُبَيد اليهودى، فصعدها وصَرَّح بلعنهم (٢)، وحاروا
فى أمره وأرسلوا إليه بمال عظيم، قيل: مبلغه أربعة آلاف دينار، فلما وقع نظره على
رَسولهم وهو بالزِّى المعروف -هض إليه بأشدّ الغضب، وقال: ويلك، ما هذه البدعة!
وكان الرجل قد زَوَّرِ (٣) فى نفسه كلاما يلاطفه به ، فأعجله عن ذلك، فرمى الدنانير بين يديه ،
فضربه على رأسه فصارت عمامته حِلَقاً فى عنقه، وأنزله من السّلّم وهو يرمى بالدنانير على
رأسه (٤)، ويسببُّ أهل القصر.
ثم إن العاضد تُوُفِىَ، وَهَيْب (٥) سلاح الدين، خوفًا(٦) من الخُطْبة لبنى العباس، وحَذّرًا
من الشيعة(٧)، فوقف الخُبُوشائِيّ أمام المِثبر بعداد، وأمر الخطيب أن يذكر بنى العباس،
ففعل، ولم يكن (٨) إلا الخير، ووصل إلى بغداد الخبرُ، فزَّينوها وأظهروا من الفرح
فوق الوصف .
وأخذ الخُبُوشائِيّ فى بناء الضريح الشريف(4)، وكان ابن الكِيزَانىّ ، رجلٌ من
الْمَشَبِهَةَ، مدفونا عند الشافعىّ رضى الله عنه، فقال الخُبُوشَائِيّ: لا يكون صِدِّيق وزِنْديق
فى موضع واحد، وجعل ينبِش ويرمى عظامه، وعظام الموتى الذين حوله من أتباعه ،
وتعصبت المُشَيِّة عليه ، ولم يبالِ بهم، وما زال حتى بنى القبر والمدرسة ، ودرَّس بها .
(١) كذا جاء الكلام فى المطبوعة، ز، وفى س: ((وكان للخبوشانى حال غريبة)».
(٤) فى المطبوعة ، ز :
(٢) فى س وحدها: ((ببهم)). (٣) أى هيأ وأعدّ.
(« وسب)» وأثبتنا ما فى م ، والطبقات الوسطى.
(٥) فى المطبوعة: ((وبهت))، وأثبتنا
(٦) جاء الكلام فى الطبقات الوسطى على هذا النحو: ((وتهيب صلاح الدين
مافى سائر الأصول .
من الخطبة لبنى العباس خوفا من عود دولة العبيديين وخذرا من الشيعة». وهذا أتم وأبين .
(٧) فى المطبوعة: ((الشنعة)). والمثبت من سائر الأصول. (٨) فى س وحدها: ((يذكر».
(٩) يقصد ضرع الإمام الشافعى رضى الله عنه، كما سرح فى الطبقات الوسطى

- ١٦ -
ولعل الناظرَ يقف على كلام شيخنا الذهبىّ فى هذا الموضع من ترجمة الخبُوشاتِيّ فلا يحفل
به، وبقوله فى ابن الكيزانى : إنه من أهل السنة . فلذهبی رحمه الله متعصِّب ◌َلْد، وهو
شيخُنا وله علينا حقوق، إلا أن حَقَّ الله مقدَّم على حقه، والذى نقوله: إنه لا ينبغى أن
يُدْمَع كلامه فى حنفى ولاشافعىّ، ولا تُؤْخَذ تراجهم من كتبه، فإنه يتعصَّب عليهم كثيرا.
﴿وَمِن وَرَعَ الْخُونَانِى)
أنه كان يركب الحمار ويجعل تخته أ كسيةً لئلّايصل إليه عرفه.
وجاء الملك العزيز إلى زيارته وصافحه، فاستدعى بماء وغسل يديه وقال : يا ولدى أنت
تُمسك العنان ولا يَتَوقّى(١) الغلمان عليه، فقال: اغسل وجهك، فإنك بعد المصافحة الست
وجهك . فقال : نعم ، وغسل وجهه .
ولما خرج صلاح الدين إلى الإِفْرِنْجِ نَوْبةَ الرَّمْلة جاء الشيخ الخُبُوشانِىّ إلى وَداعِهِ،
والتمس منه أمورا من المُكُوسِ يُسقطها عن الناس، فلم يفعل، فقال له الشيخ: قم لا نَصَرِك
الله، ووكّزه بعصاه(٢)، فوقعت قَلَفْسُوهُ السلطان عن رأسه، فوَجَمَ لها، ثم توجه (٣) إلى
الحرب فكُسِر ، وعاد إلى الشيخ، فَقبَّل يده، وعرف أن ذلك بسبب دعوته .
وانظر إلى كلام الذهبى هنا فى ((تاريخه)) وقوله: ظن السلطان أن ذلك بدعوته.
ولو كانت هذه الحكاية لمن هو على مُعْتقَدِهِ من المبتدعة لَبَّول أمرَها ، وقال : جرى على
صلاح الدين بدعائه ما جرى، واسْتَفْرٍ كلامه يثْبُتْ عندك ما نقوله .
وكان تقىُّ الدين عمر بن أخى السلطان له مواضع يُباع فيها المِزْر(٤)، فكتب الشيخ
ورقة إلى صلاح الدين: إن هذا عمرَ، لا حَبَرَه الله، يبيع المِزْرِ، فسيّرها صلاح الدين إلى
عمر، وقال: لا طاقةً لنا بهذا الشيخ، فأرْضِهْ. فركب إليه، فقال له حاجبه: قُف بباب
(٢) فى المطبوعة ، ز :
(١) فى المطبوعة. ((ولا توق)). والمثبت من سائر الأصول.
(٣) كذا فى المطبوعة، ز. وفى س ، والطبقات الوسطى:
((بعضاً)). وزدنا الهاء من س.
(ثم نهض متوجها)). (٤) المزر، بكر اليم: نبيذ يتخذمن الذرة. وقيل: من الشعير أو الحنطة
النهاية ٣٢٤/٤.

- ١٧ -
المدرسة حتى أسبقَك إليه فأوطِّىَّ لك، فدخل وقال: [ إنّ](١) تقيّ الدين يُسَلّم عليك.
فقال {الشيخ](١): بل شَقِىُّ الدين لا سَلَّم الله عليه .
فقال: إنه يعتذر ويقول: ليس لى موضعٌ يباع فيه المِزْر.
فقال : يكذب .
فقال : إن كان هناك موضع مِزْرٍ فأرِناء.
فقال الشيخ : ادْنُ ، وأمسك ذُؤابتيه وجعل يلطِم على وجهه وخدّيه ، ويقول: لستُ
مَزَّارا فأعرفَ مواضع المِزْر، نخلّصوه من يده، وخرج إلى تقيّ الدين ، وقال :
فديتُك بنفسى .
وعاش الشيخ نجم الدين عمرَه لم يأكل من وقف المدرسة لقمة ، ولا أخذ من مال
الملوك درهما، ودُفن فى الكِساء الذى صحبه من خُبُوشان، وكان بمصر رجلٌ تاجر من بلده
یأ کل من ماله .
ودخل يوما القاضى الفاضل وزيرُ السلطان لزيارة الشافعىّ، فوجده يلقى الدرس على كرسى
ضّق، فجلس على طَرَفه وجَنْبه إلى القبر، فصاح الشيخ فيه: قُم قُم ، ظهرك إلى الإمام!
فقال الفاضل: إن كنتُ مُسْتديرَه بقالى فأنا مستقبله بقلبى، فصاح فيه أخرى وقال:
ما تُعُبِّدْنا بهذا. نخرج، وهو لا يَعْقِل.
توفى الشيخ مجم اندین فی ذى القعدة سنة سبع وثمانين و خمسمائة ، وعلى يده کان خراب
بيت الْعُبَيدِيَّيْن الرَّفَضة الذين يزعمون أنهم فاطميون، وإنما هم مُنْتسبون(٢) إلى شخص اسمه
◌ُبَيد، قيل: إنه يهودى، وقيل: مجوسى من أهل سَنْمية(٣)، دخل المغرب ومَلّكها
وبنى الْمَهْدِيَّةَ وتلقَّب با لمَهْدِىّ ، وكان زِنْديقا خبيثا عدوًّا للإسلام، قتل من الفقهاء
والمحدِّثين أُمْماً، وبقى هذا البلاء على الإسلام من أول دولتهم إلى آخرها ، وذلك من
ذى الحجة سنة تسع وتسعين ومائتين إلى سنة سبع وستين وخمسمائة .
(١) زيادة من س، والطبقات الوسطى. (٢) فى المطبوعة: ((ينسبون)). والمثبت فى س)، ز.
(٣) بليدة من أعمال حماة. انظر معجم البلدان ١٢٣/٣.
(٢ - طبقات - ٧ )

٠ ٠
- ١٨ -
وقد بيَّن نسجَهم جماعةٍ ، منهم القاضى أبو بكر الباقلانى ، فإنه كشف فى أول كتابه
المسمى بـ(( كشف أسرار الباطنية))، بطلانَ(١) نسب هؤلاء إلى الإمام على كرم الله وجهه.
وهم أربعة عشر رجلاً ، منهم ثلاثة بإفريقية، وهم الملقّون بالمهدىّ والقائم والمنصور.
وأحد عشر بمصر، وهم: الُعِزّ والعزيز والحاكم والظاهر والمستنصر والمستعلى والآمى
والحافظ والظافر والقائم والعاضد، وهو آخرم .
ولقد حُكِى أن العاصِد رأى فى منامه أن حَيَّةٌ خرجت من مسجد معروف بمصر،
ولبنعتْه(٢)، فأرسل جماعة فى صبيحة ليلته إلى ذلك المسجد فما رأوا فيه إلا شخصا أعجميا
فقيرا، فردّوا إليه وقالوا: لم تر إلا فقيرا أعجمياً، وتكررت الرؤيا وهو يرسل فلا يرون(٣).
إلا ذلك الأعجمى ، فقيل له: هذه أضغاث أحلام. وكان الأعجمى هو الخُبُوشائِّ.
وكان للعاضد وزير يُسَعَّى بالملك الصالح، على عادة وزراء الفاطميين أخيرا يُسمون أنفسهم
بالملوك، وهو أبو الغارات طلائع بن رُزِّيك(٤)، فقتله العاضد، ثم استوزَر شاوَر، ثم قتله،
وذلك أن أسدالدين شيركوه دخل القاهرة ، وقام شاور بضيافته وضيافة عسكره، وتردّد إلى
خدمته، فطلب منه أسد الدين مالا ينفقه على جيشه فاطله، فأرسل إليه يقول: قد ماطلتَ
بنفقات الجيش وهم يطالبون ، فإذا أتيتنى فكن على حذر منهم ، فلم يؤثِّر هذا عند شاوَر
وركب على عادته ، وأتى أسد الدين مسترسلا، وقيل إنه تمارَض، فجاء شاوَر يعوده،
فاعترضه صلاحُ الدين يوسف بن أيوب وجماعة من الأمراء النَّورية، فقبضوا عليه فجاء ثم.
رسول العاضد يطلب رأسن شاوَر، فذُبح وحُمِل رأسه إليه، واستقلّ(٥) أسد الدين،
ولم يلبث أن حضرته المنيَّةُ بعد خمسة وستين يوما من ولايته ، فقدَّد العاضد صلاح الدين
(١) فى س وحدها: ((عن بطلان)). (٢) فى المطبوعة: ((لعته)) وزدنا الواو من س، ز ..
: (٤) فى المطبوعة: ((أبو الطلائع
(٣) فى المطبوعة، ز: (( يرى)). والمثبت من سن .
زريك)) وكذا فى ز، مع تقديم الراء على الزاى . وفى س: ((أبو الضلام بن رزيك)). والصواب فى
كنيته واسمه ما أثبتناه. انظر الكامل ١٢٣/١١، ووفيات الأعيان ٢٠٨/٢.
"(٥) فى المطبوعة، ز: ( واستقبل)) وأثبتنا ما فى س .

- ١٩ -
يوسف ولقبه الملك الناصر، وكتب تقليده القاضى الفاضل، وبدت سعادة صلاح الدين ،
وضعُفَ أمر العاضد.
وكان مبدأ ضعفه أن الفِرِنْج، خذلهم الله، قصدوا مصر فى جمعٍ عظيم وجَحْفَلٍ كبير
واستباحوا بُلْبَيْس، وأناخوا على مصر، وأحرق شاوَر مصر خوفاً عليها منهم، وبقيت
النار تعمل فيها أربعة وخمسين يوما، ثم عرف العجز وشَرع فى الحِيل، وأرسل إليهم
يصالحهم على ألف ألف دينار [ مصرية](١)، نصفها خمسمائة ألف دينار، ليرحلوا عنه ،
وأرسل إليهم مائة ألف دينار حِيلةً وخِداءا، وواصل بَكُتِبِه الملك(٢) نور الدين من حيث
لا يعلم الفريج ، يطلب منه الغَوْث، ويقول: إن الفِرِنْج قد استحكم [طلبهم و](٣) طمعهم
فى البلاد المصرية، فجهزَ(٤) نور الدين [ أسدَ الدين](٥) فى عسكر عظيم، فرحلت الفرنج
لَمَّا سمعت بخبر العسكر .
ودخل أسد الدين مِصْر وتأكدت الصداقة بينه وبين شاوَر، واستمر الحال إلى جين
ولاية صلاح الدين واستمراره إلى مستهَلّ سنة سبع وستين وخمسمائة ، مخطب لبنى العباس
بالقاهرة وسائر بلادها ، وكانت خطبهم منقطعة منها هذه المدة المديدة والدول السخيفة(٦)،
بعد أن كان جَبُنَ عن ذلك واستعظم خَطبه .
وكان العاضِد لما تَضْعُف أمره وتنسَّم المحمول أرسل كتاباً إلى نور الدين يطلب الاستقالة
من الأتراك فى مصر خوفاًمنهم، والاقتصار على صلاح الدين ، فكتب إليه نور الدين: الخادم
-بنِّ (٧) بما سَنَّاً. (٨) الله من الظَّفَرِ الذى أضحك سِنّ الإيمان. يشير إلى نُصْرة المسلمين
على الفِرِنْج فى نَوْبة دمياط ، ويقول: إن الفِرِنْج لا تؤمَن غائلتُهُم ، والرأى إبقاء التُّرك
(١) زيادة فى المطبوعة على ما فى س، ز، وستأتى مرة أخرى فى كل الأصول.
(٢) فى المطبوعة: ((إنى الملك)). والمثبت من س ز. (٣) زيادة فى المطبوعة على ما فى س، ز.
(٥) ساقط من المطبوعة. وأثبتناه
(٤) فى المطبوعة: ((فتجهز)). وأثبتنا ما فى س ، ز .
(٧) فى المطبوعة: (( يهنه)).
من س، ز. (٦) كذا فى الأصول . ولعل صوابها : السحيقة .
والمثبت من س، ز. (٨) فى المطبوعة: ((حباه))، وفى س: ((سباه)). وأثبتنا الصواب من ز،
ويقال: سَنَّى اللّه الأمر : أى سهله ويسره .

-
بديار مصر ، فبقيت الترك إلى المستهلّ من السنة المذكورة، فقطعت خطبة الفاطميين ،
وخُطِب لأمير المؤمنين المستضىء، وأرسل إلى بغداد بالخبر.
وتوفى العاضد بعد ذلك فى يوم عاشوراء بالقصر، وجلس السلطان صلاح الدين بعد ذلك
للعزاء، وأَغرب فى الحزن والبكاء، وتسلّم القصر بما فيه من خزائن ودفائن وأموال،
لا تُعَدُّ ولا تُحْصَى، وأمتعة، استمر البيع فيها بعد ما أهدَى ووهب وأطلق وادّخْر
عشر سنين .
وَيُحكَى أن صلاح الدين قال: لو علمت أن العاِد يموت بعد عشرة أيام ما قطعتُ
خُطْبته، وأنه قال: ما رأيت أكرم من الماضِد، أرسلت إليه مدة مقام الإفرنج على دمياط
أطلب منه نفقة ، فأرسل إلىَّ ألف ألف دينار مصرية، نصفها خمسمائة ألف دينار، غير
الثياب والأمتعة .
ثم أودع صلاح الدين أقارب العارضِد السجن، وقرر لهم النفقات وزائدَ(١) الصلات.
واستفحل أمره ، وكان على يده فتح بيت المقدس ، وهو الفتح الذى اشتهر به شرقاً.
ص'
وغرباً، وحَصَّل من الجَنَّةِ (٢) والقلوب قرباً، وأبقى له إلى يوم الدين ثناء حسناً، رحمه الله
ورضى عنه .
وكتب فى سنة سبعين وخمسمائة إلى أمير المؤمنين المستضىء بأمر الله كتاباً من إنشاء.
القاضى الفاضل ، يُعَدِّد ما له من الفتوحات، ومن جهاد الفرنج مع نور الدين وفعالهم الحسنة
وإقامتهم الخطبة لأمير المؤمنين، ولا عَهِدْنا(٢) قيامها منذ دهر، واستيلاءه على البلاد
الكثيرة من أطراف المغرب إلى أقصى اليمين، وأن فى هذه السنة كان عندنا وقد نحو
سبعين راكبا، [ كلّهم ](٤) يطلب لسلطان بلده تقليدا، ويرجو منا وعدا ويخاف وعيدا.
وأكثرَ من ذلك إلى أن قال: والمراد الآن تقليد جامعٌ بمصر واليمن والمغرب والشام،"
وكل ما تشتمل عليه الولاية النَّورية، يعنى ولاية نور الدين محمود، وكل ما يفتحه الله للدولة
(١) فى المطبوعة، ز: ((وتزايد)) وأثبتنا مافى س. (٢) فى المطبوعة، ز. «المحبة»، والمثبت فى س.
(٤) سقط من س .
(٣) فى س وحدها: ((ولاعهد بإقامتها)).