النص المفهرس
صفحات 221-240
- ٢٢١ - الجميع إلى الِحَفَّة، وكان قصْدُهنّ أن يلَمَسَها؛ فتحصل(١) لهمن البركةُ، فجعل يمرّها على يديه، وجده، ويتبرَّكُ بِهِنّ، ويقصُد فى حقِِّن ما قصدْن فى حَقّه، وكان هذا الحال بِساوة (٣) من بلاد العجم. ولما بلغ بِسْطام قيل للشيخ: قد أتَى فلان الصُّوفيّ، فنهض الشيخُ من مكانه، وعَدًا(٣) إليه، وإذا به شيخ كبيرٌ هِمّ، وهو راكب بَهِيمة، وخلفه خلقٌ من السُّوفية، بُرْقَّات جميلة، فقيل له: قد أتاك الشيخُ أبو إسحاق، فرَمَى نفسَه عن البهيمة، وقَبَّل يده ، وقَبَّل الشيخُ أبو إسحاق رِجْلَه، وقال له الصُّوفِيّ: فَتْتَفِى يا سيّدى، فما يمكننى أمشى معك، ولكن تتقدَّم إلى مجلسك(٤)، ولما وصل جلس الشيخ أبو إسحاق بين يديْه، وأظهر كلُّ واحد منهما مِن تعظيم صاحبه ما جاوز الحدّ ، ثم أخرج الصُّوقِيّ خِرْفتين (٥)، فى إحداهما(٦) حِفْطة، وقال: هذَه حِقْطة (٢) نَتَوارثُها عن أبى يزيد البَسْطانِيِّ ، وفى الأخرى مِلِح ، فأعجَب الشيخَ أبا إسحاق ذلك ، وودَّعه ، وانصرف. قال ابن الْهَمَذَاِ: وحَدَّثنى (٨) الشيخ أبو الفضائل [أن](٩) ابن بَيَّن مُدرَّس البصرة، قال : هذا الشیخ الصُّوفی ، الذى فهد الشیخ أبا إسحاق ◌ُعرف بالسهلكى، وحَلَى فى ذلك المجلس أن هذه البلدة، يعنى بلدة بِسْطام لا تخلو من وَلِيّ له، فكانوا يرَوْن(١٠) أن الولاية انتهتْ إليه . (١) فى المطبوعة، د: ((ليحصل))، والمثبت من: ز، والطبقات الوسطى. (٢) فى الطبقات الكبرى: ((شاوه)) والمثبت من الطبقات الوسطى. وساوه: مدينة بين الرى وهمذان (٣) فى المطبوعة، والطبقات الوسطى: ((وعدا))، والمثبت من: د، ز. معجم البلدان ٢٤/٣. (٤) فى الطبقات الوسطى: ((مخيمك)). (٥) فى المطبوعة، د: ((خرجين))، والمثبت فى ز، (٦) فى المطبوعة: ((أحدهما))، والمثبت من: د، ز، والطبقات الوسطى. والطبقات الوسطى . (٢) فى المطبوعة: ((الخخطة))، والمثبت من: د، ز، والطبقات الوسطى. (٨) فى المطبوعة: ((وجدى))، وفى د: ((وحدى))، والمثبت من: ز، والطبقات الوسطى. (١٠) ضبطت هذه الكامة فى الطبقات الوسطى هكذا : (٩) ساقط من الطبقات الوسطى . ((حُرّون)). - ٢٢٢ - ثم إن الشيخ دخل نَيْسابور ، وتلقًا، أهلُها على المادة المألوفة ممَّن وراءهم من بلاد خُراسان، وحل شيخُ البلد إمامُ الحرمين أبو المعالى اُلْجُوَّبِىّ غَشِيتَهُ(١)، ومشى بين يديه كالْخُدَيم(٢)، وقال: أفْتخِر بهذا. وتناظر هو وإياه فى مسائل ، انتهى إلينا بعضها. وكان الشيخ أبو إسحاق غَضَفْفَرَأ فى المناظرة لا يُصطَلى له بنارٍ . وقد قيل: إنه كان يحفظ مسائل الخلاف كما يحفظ أحدُ كم الفاتحة. وقيل: إن سبب تصنيفه ((المهذَّب)) أنه بلغه أن ابن الصَّبَّاغ، قال: ((إذا اصطلح الشّافئُّ وأبو حنيفة ذهبَ على أبى إسحاق الشَّرَازِيّ)) يعنى أن علمه هو مسائل الخلاف بينهما، فإذا اتفقا ارتفع، فصنف الشيخ حينئذ ((المهذب)). حكى ذلك ابن سَمرة فى ((طبقات التَّمييز)» وذكر أن الشيخ صنف ( المهذب» مرارا، فلما لم يوافق مقصودَه رَتَى به فى دِّجْلة، وأجمع رأيه على هذه النسخة المجمع عليها. ثم عاد الشيخ إلى بغداد، وصُحْبتُه كتب السلطان الأعظم مَلِكْشَاء بن السلطان ألب رسلان السَّلْجُوقِىّ، والوزير نِظام المُلْك(٣). قلتُ : وأظنُّ الشيخَ فى هذه السَّفْرة خطبٍ للخليفة بنت السلطان، وكان السَّغيرَ فى ذلك، وما أُراء ، إلا فى هذه السَّفرة، فتزوج بها الخليفة، وأولدها جعفراً، وكان قصده بهذا التقرُّبَ إلى خاطرٍ مَلِكْشاء، فلم يزِدْهُ ذلك إلَّا بُعْدًا، وتغيَّر عليه خاطر السلطان مَلِكْشاء بعد زمن قريب، وكان قد جعل ولدَه المُستظهِر بالله وَلِيَّ العهد، فألزمه أن يعزلَه، ويجمل ابن بِنْتِهِ جمفراً ولىَّ العهد، وأن يُسلّم بغدادَ إلى السلطان ، ويخرج إلى البصرة، فَشَقَّ ذلك على الخليفة، وبالغ فى استزال السُّلطان مَلِكْشَاه عن هذا الرَّأى ، فأبى ، (١) فى أصول الطبقات الكبرى: ((غاشية))، والمثبت من الطبقات الوسطى. ومن معانى الغاشية السرج، والسيف)، وحديدة فوق مؤجرة الرجل . القاموس ( غ ش ى) . (٣) فى الطبقات الوسطى بعد هذا زيادة : (٢) فى الطبقات الوسطى: ((كالخدم)). ((بما قصده الخليفة، وأحضر العميد إلى باب الفردوس، وقرئت كتب السلطان والوزير). - ٢٢٣ - فاستْهَله عشرة أيام؛ ليتجهّز، فقيل: إنه جعل يصوم ويطوى، وإذا أفطر جلس على الرَّماد، ويدعو على مَلِكْماء، فلم يُفْلِح مَلِكْشاء، بل مات بعد أيام بسيرة، ولم يتمَّ له شىء مما أراده. وكان هذا الخليفةُ المقتدى بأمر الله كبيرَ الإجلال للشيخ أبى إسحاق، وكان الشيخ أبو إسحاق سبباً فى جعله خليفةً . قال ابن ثَمُرة: قال القاضى طاهربن يحيى - قلتُ: هو ابن صاحب ((البيان)) -: وكان مع الرُّهد المتين ، والورع الشديد، طَلْقَ الوجه، دائمَ الِشْر، حسَن المُجالة، مليحَ المحاورة، يحكى الحكايات الحسنة، والأشعار المليحة، ويحفظ منها كثيرا، وربما أنشد على البَدِيهة لنفسه، مثل قوله مَرَّةٌ لخادِمِهِ فى المدرسة النِّظَامِيَّة، أبى طاهر (١) بن شَيْبان ابن محمد الدِّمَشْقِىّ: وشيخنا الشيخُ أبو طاهرٍ جمالُنا فى السِّرِّ والظَّاهِرٍ ومنه، قوله وهو ماشٍ فى الوَحْل يوما ، وقد أكثر الإنشاد من الأشعار ، فقال : إنشادُنا الأشعارَ فى الوحْلِ هذا لَعَمْرِى غايَةُ الْجَمْلِ قال تلميذه علىّ بن حسكُويَهْ"(٢)، وكان معه: يا سيدى، بل هذا لَعَمْرِى غايةُ الفضل. وقال علىّ بن حسكُويَةُ: اجتمع(٣) الشيخ أبو إسحاق، والرئيس أبو الخطّاب علىّ ابن عبد الرحمن، فأتيا بثلْجيّة فيها ماء بارد، فأنشأ(٤) الشيخ أبو إسحاق ، قوله: فكيف لو كان فى الرُّجاجِ (٥) ◌ُمنَّعٌ وهو فى الثَّلَاجِ فأجابه الرئيس أبو الخطّاب: ليس مِلْحِ ولا أُجاجِ ماا صفاً رٍفَّةٌ وطِباً (١) فى الطبقات الوسطى بعد هذا زيادة: ((إبراهيم)) .. (٢) فى المطبوعة: ((مسكويه)»، والمثبت من: د، ز، والطبقات الوسطى، وسيترجمه المصنف فى الطبقة الخامسة . (٣) فى المطبوعة: ((ختم)، والمثبت فى: د، ز، والطبقات الوسطى. (٤) فى المطبوعة: ((فأنشد))، والمثبت فى د.، ز، والطبقات الوسطى. (٥) فى أصول الطبقات الكبرى: ((فى الثلاجى»، والمثبت من الطبقات الوسطى. - ٢٢٤ - : وحكى أبو نصر أحمد بن محمد بن عبد القاهر (١ خطيبُ المَوْصل١)، قال: لما جئتُ إلى بغداد، قاصداً الشيخَ أبا إسحاق، رحّب بى، وقال: مِن أَىِّ البلاد أنْتَ ؟ فقلتُ: من الَوْصِل فقال: مرحباً أنت بَلَدِنِّى. فقلت: ياسيدنا أنا من المَوْصِل، وأنت من ڤيُر وزاباد. فقال: يا ولَدِى ، أما جمعتْنا سفينة نوح . وله أدب أْذَب من الثْلال مازجتْه المُدام، وأزْهَر (٢) من الرَّوْضِ بَاكَرَهُ [ماء] (٣) الغَمام، وأبْهى من الْمَنْتُور، هذا مع أنه لا يتلَوَّن، وأزْهى من صفحات الحدُود، وإن كان آسُ العِذار على جوانب ورده تكوَّن، لو سمعَه دِيكُ الجِنِّ لصاح كأنه مصروع ، ولو تأمل مقاطِيعَه ابنُ فَلَافِسٍ(٤)، لأصبح وهو ذُو قَنْبِ مقطُوعٍ فته(٥) : سألتُ النَّاسَ عن خِلٍ وِفِيّ فقالوا ما إلى هذا سبيل١٧: فإن الحرَّ فى الدنيا قليلُ(٧ تمسَّكْ إن ظِفِرِتَ بُودِّ حُرٍ ومنه (٨): إذا تخلَّفْتَ عن صديقِ ولم يُماتِبْكَ فىِ التَّخْلُّفْ فإنَّمَا وُدُّه تكلُّفْ (٩) فلا تعُدْ بعدها إليهِ (١) فى المطبوعة: ((الخطيب الموصلى))، والمثبت من: د، ز، والطبقات الوسطى (٢) فى د، ز: ((وأزهى)»، والمثبت فى المطبوعة، والطبقات الوسطى. (٣) ساقط من المطبوعة، وهو فى: د، ز، والطبقات الوسطى. (٤) فى أصول الطبقات الكبرى: ((قلافسن)»، والتصويب من الطبقات الوسطى، وهو نصر (٥) البيتان فى: تبين كذب المفترى ٢٧٨، شذرات الذهب ابن عبد الله بن عبد القوى اللخمى ٢٥١/٣، طبقات ابن حداية الله ٥٠ المنتظم ٨/٩، النجوم الزاهرة ١١٨/٥، وفيات الأعيان ١٠/١. (٦) فى المضبوعة: ((ما إلى سبيل))، والتصويب من: د، ز،" والطبقات الوسطى، والمصادر السابقة. (٧) فى وفيات الأعيان: (بذيل حر)). (٨) نسب الثعالبى هذين البيتين إلى منصور الفقيه فى: التمثيل والمحاضرة ١٠٥، خاص الخاص ١٠٧، كما نسبهما إليه ياقوت فى معجم الأدباء ١٨٩/١٩. (٩) فى الطبقات الوسطى: « بعد ذا إليه»، والمثبت فى أصول الطبقات الكبرى، والمصادر السابقة. - ٢٢٥ - ومنه فى غَرِيق(١): غريقٌ كأن الموتَ رَقَّ الفَقْدِهِ أبَى اللهُ أن أَنْاهُ دهرِى لأنَّهُ ومنه أيضا : فلان له فى سُورةِ الماءِ جانبُهْ(٢) توقَّاه فى الماء الذى أنا شاربه(٣) وقتُ أشكُو إلى مولاىَ ما أجدُ (٤) لبستُ ثوبَ الرَّجا والنَّاسُ قد وقدُوا ومَن عليه لِكَشْفِ الفُرِّ أعتِدُ وقلتُ يا عُدَّتِ فى كلٌّ نائبـةٍ مَالِ على حَمْلِها صبرٌ ولا جَدُ(٥) أشكو إليك أموراً أنت تعلمُها إليك يا خيرَ مَن مُدَّتْ إليه يَدُ(٦) وقد مدَدتُ بدِى بالضُّرِّ مُبتهلًا فلا تَرُدَّنَّها يا ربِّ خالبةً فبحرُ جُودِك ◌ُرْوِى كُلِّ مَن يَرِدُ قال الحافظ أبو بكر الخطيب، فى كتابه فى (( القول فى النجوم)): أنشدنا أبو إسحاق إبراهيم بن على الفِيرُوزَابَادِىّ لنفسه: ويذهبُ فى أحكامِها كلَّ مَذْهَبٍ حكيمٌ رأى أن النجومَ حَقیقةٌ وما عنده علمْ بما فى المُغَيِِّ بُخبِرُ عن أفلاكِها وبُرُوِجِها وحُكِيَ أن الشيخ، قال: كنت نائما، فرأيتُ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلم فى المنام، ومعه صاحباه : أبو بكر، وعمر ، رضى الله عنهما، فقلت: يا رسولَ الله، بلغني عنك أحاديثُ كثيرة، عن فاقِلى الأخبار، فأُريد أن أسمع منك خبراً أتشرٌّف به فى الدنيا ، وأجعله ذَخيرةً فى الآخرة . (١) البيتان فى: المنتظم ٧/٩، ضمن قصة أوردها ابن الجوزى، النجوم الزاهرة ٥ / ١١٨. (٣) فى المنتظم والجوم: ((دهرى فإنه)). (٢) فى المنتظم والنجوم: «رق لأخذه». (٤) فى الطبقات الوسطى: ((توب الدجى)). (٥) هذا البيت ساقط من الطبقات الوسطى. (٦) فى المطبوعة: ((بالذل مبتهلا))، وفى الطبقات الوسطى وهامش ز: «والض مشتمل؟، والمثبت من : د، ز . (٤/١٥ طبقات). - ٢٢٦ + فقال لى : يا شيخُ، وممَّافى شيخاً، وخاطَبنى به ، وكان الشيخ يفرح بهذا، ويقول: سَمَانِى رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّ شيخاً . قال الشيخ: ثم قال لى صلَّى الله عليه وسلم: مَن أراد السَّلامَة فَلْيَطلُبْها فى سلامةِ غيرِهِ. قلتُ : ومثل هذه الحكاية، حكايةُ شيخِه القاضى أبى الطَّيِّب، فى رُؤياء النِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فى المنام، وبَسميتِه إيَّاء فقيهاً، وكان القاضى أيضا يفتخر بذلك وكان الشيخ أبو إسحاق، يقول: مَن قرأ علىَّ مسألةً فهو وَلَدِى. ويقول: العوامُّ يُنسَبون بالأولاد، والأغنياء بالأموال، والعلماء بالعلم. وكان يقول: العلمُ الذى لا ينتفع به صاحبُه، أن يكون الرجلُ عالماً ولا يكون عاملاً وينشِدِ لنفسه : علمتَ ما حلَّل المولى وحرَّمَه فاعمَلْ بعلمِك إن العلم بالعمل: وكان يقول: الجاهلُ بالعالِمِ يَقْتَدِى، فإذا كان العالِمُ لا يعملُ بِعِلِمِهِ، فالجاهلِ ما يرجُو مِن نفسه! فاللهَ اللهَ يا أولادِى، نعوذ بالله من علمٍ بصير(١) حُجَّةً علينا. وكان يمشى بعض أصحابه معه فى طريقٍ، فعرض لهما كلبٌ ، فقال الفقيه لذلك الكلب: اخْسَأْ، وزجره، فنهاء الشيخ، وقال: لِمَ طَرَدْتَه عن الطريق، أما علمتَ أن الطّرِيق بيْتِى وبِينَهَ مُشترك ؟ ومَنامُ الشيخ أبى محمد عبد الله بن محمد بن نصر بن كاكا المؤَّيَّدِىّ مشهور، وهو ما ذكره، فقال: رأيت فى العشْر الأوسط من المحرم، سنة ثمان وستين وأربعمائة، ليلة الجمعة، الشيخَ أبا إسحاق طَوَّلَ اللهُ عُمرَه فى منامى، يطيرُ مع أصحابه فى السماء الثالثة ، أو الرابعة، فتخيَّرتُ فى نفسى ، وقلت: هذا هو الشيخ الإمام مع أصحابه يطير ، وأنا معهم، اسْتِعْظَاماً (٢) لتلك الحال والرؤية(٣)، فكنتُ فى (٤هذه الفكرة٤)، إذا تلقَّى الشيخ (١) فى المطبوعة: ((يكون))، والمثبت فى: د،ز، والطبقات الوسطى. (٢) فى المطبوعة: ((استفظاعا))، والمثبت فى: د، ز، والطبقات الوسطى. (٣) بعد هذا فى المطبوعة زيادة: ((فى))، والمثبت فى: د، ز، والطبقات الوسطى. (٤) فى الطبقات الوسطى: «هذه الحالة والفكرة)). - ٢٢٧ - الإمامَ ملكٌ ، وسلَّم عليه عن الله تبارك وتعالى، وقال له : إن الله تبارك وتعالى يقرأ عليك السلامَ، ويقول: ماذا تُدَرِّس لأصحابك؟ فقال الشيخ: أُدرِّسِ ما نُقِل عن صاحب الشرع. فقال له الملك: فافْرَأْ علىَّ شيئاً من ذلك؛ لأسمعه. فقرأ عليه الشيخ مسألةً ، لا أذكرها .. فاستمع له الملك ، وانصرف .. وأخذ الشيخُ يطير، وأصحابه معه، فرجع الملك بعد ساعةٍ، وقال للشيخ: إن الله تعالى يقول : الحقُّ ما أنت عليه وأصحابُك، فادخل الجنّةَ معهم. وكان الإمام أبو بكر محمد بن على بن حامِدِ الشَّاشِّ، يقول: الشيخ الشِّرَازِىّ حُجَّةُ اللهِ على أْمَّةِ العصرِ. وقال الإمام أبو الحسن الماَوَرْدِىّ، صاحب (( الحاوى)) وقد اجتمع بالشيخ، وسمع كلامَه فى مسألة: ما رأيتُ كأبى إسحاق، لو رآء الشّافعى لتجمَّل به. وقال المُوفَّق الحنَفَىّ إمام أصحاب الرأى: أبو إسحاق إمام (١) المؤمنين فى الفقهاء. وكان عميدُ الدولة بن جَهِير الوزير، يقول: هو وحيد عصره، وفريد دهره، مُتَجَاب الدَّعوة . وقال القاضى محمد بن محمد المَاهَانِىّ(٢): إمامان ما اتّفق لهما الحجُّ، الشيخ أبو إسحاق الشِّيرازِىّ، وقاضى القضاة أبو عبد الله الدَّامَغَنىّ. فقال : الشيخ أبو إسحاق ما كان له استطاعةُ الَّادِ والرَّاحلة، ولكن لو أراد الحجَّ الحلوه على الأحداق إلى مكة، والدَّامَغَانِىّ لو أراد أن يحجَّ على الشُّنْدُسِ والإِسَتَبَرَق لأمكنه ذلك . (١) فى الطبقات الوسطى: ((أمير))، وهذه اللفظة هى المعهودة فى مثل هذا المقام. (٢) بفتح الميم وسكون الألفين بينهما ماء مفتوحة وفى آخرها نون، نسبة إلى ماهان ، وتوجد المنقسب إليه . الباب ٣ / ٠٩١ - ٢٢٨ - وكان الشيخ إذا أخطأ بين يديه الُباحِثُ فى كلمة، قال: أىُّ سَكْتَةٍ فَاتَّتْك! وربما تكلٍّ فى مسألة، (١ فسأله السائلُ(١) سؤالاً غيرَ مُتَوجِّه، فيقول : سارت مُشْرِّقَةٌ وسِرْتُ مُغَرَّباً شَكَّنَ بين مُشْرِّقٍ ومُغُرِّبٍ قال أبو البَرَّكات عبد الوهَّاب بن المبارك الأنماطِىّ: كان الشيخ يتوضأ فى الشَّطّ، فنزل الَشْرَعةِ(٣) يوماً وكان يشُكَ في غسل وجهه، ويُكرِّر حتى غسل نُوَبَّ عِدَّةٍ، فوصل إليه بعض العوام، وقال [له](٣): ياشيخُ، أما تستحى، تغل وجَهَك كذا وكذا نَوْبة، وقد قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلَّ: ((مَنْ زَادَ عَلَى الثَّلاثِ فَقْد أَسْرَفَ))؟. فقال له الشيخ : لو صحَّ لِّ الثلاثُ ما زدتُ عليها. فضى ، وخلّاء، فقال له واحد: أيش قلتَ لذلك الشيخ الذى كان يتوضَّا ؟ فقال الرجل: ذاك شيخ مُوَسْوَس ، قلت له: كذا على كذا. فقال له : يارجل ، أما تعرفُهُ ؟ فقال : لا . قال: ذاك إمام الدنيا، وشيخ المسلمين، ومُفْسِى أصحاب الشَّافعىّ. فرجع ذلك الرجل خَجِلًا إلى الشيخ، وقال: باسيِّدِّى، تعذُرُِّى، فإنى قد أخطأتُ. وما تمَرفُتُك . فقال الشيخ : الذى قَلْتَ صحيحٌ ، فإنه لا يجوز الزيادة على الثَّلاث ، والذى أجبتُك به أيضاً صحيحٌ، لو صحَّ لِيَ الثلاثُ مازدتُ عليها. كتب إلىَّ أحمد بن أبى طالب، عن محمد بن محمود الحافظ أَنّ(٤) عبد الوهَّاب بن علىّ، أنباء عن أبى صالح عبد الصَّد بن على الفقيه، أن أبا بكر محمد بن أحمد بن الخاضبة، قال: (١) فى المطبوعة: ((قبئل))، والمثبت فى: د، زى، والطبقات الوسطى. (٢) المشرعة: شريعة الماء، أى مورد الناس للاستقاء: المصباح المنير (شرع) (٣) ساقط من المطبوعة، وهو فى: ذمز، والطبقات الوسطى. (٤) فى المطبوعة، د: ((إن)، والمثبت فى : ز .. - ٢٢٩ - سمعتُ الشيخَ أبا إسحاق، يقول: لو عُرِض هذا الكتاب الذى صنّفْتُهُ وهو (المهذَّب)) على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلّم، لقال: هذا شريعتى التى أَمرتُ بها [ أُمَّى](١) . أخبرنا أبو العباس بن الشُّحْنَة إذنا، أنَّ الحافظ أبا عبد الله البَغْدَادِىّ، قال : سمعتُ محمد بن جعفر بن محمد بن على النَّسَائِيّ (٢)، بأصْبَهَان، يقول: سمعتُ محمد بن عبد الرّشيد بن محمد، يقول: سمعتُ الحسن بن العباس الرُّسْتُمِىّ(٣) يقول: سمعتُ الحسن الطَّرِىّ الإمام، يقول: سمعتُ(٤) صوتاً من الكعبة ، أو من جوف الكعبة : من أراد أن يتنبَّه فى الدِّين ، فعليه «بالتنبيه» . توفى فى الليلة التى صبيحتها يوم الأربعاء(٥)، الحادى والعشرين من جمادى الآخرة، سنة ست وسبعين وأربعمائة ٦٧ وغسّله أبو الوفاء بن عَقِيل الحنبلى. ودُفِنٍ من الغد ، بمقبرة باب حَرْب(٢). ﴿ ومن الروايات، والفوائد عنه) . أخبرنا أبو العباس الأشْعَرِىّ الحافظ، قراءةً عليه وأنا أسمع ، أخبرنا يوسف بن محمد بن عبد الله بن المِهِتَارة سماعا، أخبرنا الشيخ أبو الحسن على بن المبارك بن ماسُويه، أخبرنا أبو الخير مسعودبن على بن صدقة بن مُطِّز(٢) الخبَّاز، قراءة عليه، أخبرنا أبو الكَرَم(٨) خَمِيس (١) ساقط من الطبقات الوسطى. (٢) فرد: ((الناوى))، وفى ز: ((الارى)) ،. والمثبت فى المطبوعة. (٣) فى المطبوعة، د: ((الرسمى))، والتصويب من: ز، واللباب ٤٦٦/١. (٥) فى الطبقات الوسطى: ((الأحد)). (٤) فى ز: ((سمع))، والمثبت فى المطبوعة، د. (٦) فى د، ز: ((مرز))، وفى الطبقات الوسطى: ((برر))، والمثبت فى المطبوعة. (٧) فى د: ((مطرون))، وفى ز: ((فطرون))، والمثبت فى المطبوعة. (٨) فى المطبوعة، د: ((أبوبكر))، والتصويب من: ز، والباب ٢٢٨/١. - ٢٣٠ - ابن علىّ بن أحمد الحوْزِىّ(١) (٢) إملاء بواسط٣) أخبر ناأبو إسحاق إبراهيم بن على بن يوسف، شيخ الشافعِيِّين ببغداد ، حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن غالب التَرْفَاني، حدثنا أبو العباس محمد بن أحمد بن حَمْدان النَّيْسَابُورِىّ الحافظ، حدثنا محمد بن إبراهيم البُوشَنِجِىّ، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بُكَير، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن الإِسْكَنْدَرَانيّ(٣) عن موسى بن عُقبة ، عن عبد الله بن دِينار، عن ابن عمر، قال: كان مِن دُعاء رسولِ الله. صلَّى الله عليه وسلَّ: ((اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ، وَمِنْ فَجْأَةٍ نِقْمَتِكَ، وَمِنْ جَمِيعِ سَخَطِكَ وَغَضَبِكَ)) .. صحيح انفرِد مُسلم بإخراجه فى (صحيحه)) (٤) عن أبى زُرْعة الرَّازِى الحافظ، عن يحيى بن عبد الله بن يُكَير، كما أخرجناء، وليس لمسلم عن أبى زُرَعة فى ((صحيحه)) سوى هذا الحديث . والبُوشَنْجِىّ، هو الإمام أبو عبد الله، تقدم فى الطبقة الثانية(٥) أخبرنا أحمد بن المظفَر الحافظ، بقراءتى عليه، أخبرنا القاضى أبو الفضل سليمان. ابن أحمد المَقْدِسِىّ، بقراءتى، أخبرنا الحافظ الضّياء محمد بن عبد الواحد، أخبرنا أبو القاسم الفَضْل بن القاسم، أنبأنا (٦) الإمام أبو سعد إسماعيل بن الحافظ أبى صالح أحمد بن عبد الملك (١) فى المطبوعة: ((الجوزى))، والكلمة فى: د، ز بدون نقط، والمثبت من الباب ٣٢٨/١، والموزى بفتح الحاء المهملة وسكون الواو وفى آخرها زاى، هذه النسبة إلى الحويزة يتنواحى البصرة، وبينها وبين سوق الأهواز هكذا ذكر ان السمعانى، وقد تمقيه ابن الأثير فقال : هذا الذي ذكره فى نسبة خي ليس بصحيح فإنه ينسب إلى الموز ، وهى قرية بالقرب من واسط. (٢) فى المطبوعة: (((ليلا بواسطة))، وفى د: ((إملاء بواسطة))، والمثبت من: ز. (٣) بكسر الألف وسكون الين المهملة وفتح السكاف وسكون النون وفتح الدال المهملة والزاء وفى آخرها نون، نسبة إلى إسكندرية، على طرف مجر المغرب من آخر حد ديار مصر الباب ٤٦/١. (٤) صحيحه فى ( باب أكثر أهل الجنة الفقراء، من كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار:) ٤ /٢٠٩٧، ولفظه: (اللَّهُمَّ إِنِى أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالٍ إِسْمَتِكَ، وَتَحَوُّلٍ عَافِيَتِكَ، وَنُجَاءٍ نقمتك ، وجمیع سخطِكَ )» .. (٥) الجزء الثانى، ضفعات ١٨٩ -٠٢٠٧ (٦) فى المطبوعة: «خدتنا))، والمثبت من: - ٢٣١ - النَّيْسَابُورِىّ، نزيل كَرْمان، أخبرنا الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن علىْ الشِّيرَازِىّ، أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد بن غالب الحافظ ، أخبرنا أبو العباس محمد بن أحمد بن حمدان، حدثنا محمد بن أيوب، حدثنا أبو الوليد، حدثنا حَمَّام ، قال: سمعت إسحاق بن عبد الله ابن أبى طلحة، يقول: سمعتُ عبدالرحمن بن أبى عَمْرَة، يقول: سمعتُ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلم، يقول: ((إِنَّ عَبْدًا أَذْنَبَ ذَنْباً، فَقَالَ: أَىْ رَبِّ، أَذْنَبْتُ ذَنْبًا فَاغْفِرْ لِ، فَقَالَ اللهُ تَعَلَى: عَلَمَ عَبْدِى أَنَّ لَهُ رَبَّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِهِ، قَدْ غَفَرْتُ لِمَبْدِى ، تُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْباً آخَرَ، ثُمَّ قَالَ: أَىْ رَبِّ، أَذْنَبْتُ ذَنْبَاً، فَغْفِرْ لِ فَقَالَ رَبُّهُ: عَلَ عَبْدِى أَنَّ لَهُ رَبَّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِهِ، قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِى)). حديث صحيح، أخرجه البخارىّ(١)، ومُسْلٍ(٢). أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، إذنا، عن أحمد بن عِبَة الله بن عساكر(٣)، أَنّ أبا المظفر ابن السَّمْعَائِّ أنباء، قال: أخبرنا أبى الحافظ أبو سعد، أخبرنا أبو الحسن محمد بن مَرْزُوق ابن عبد الرزّاق الزَّعْفَرَانِىّ، إجازة، وأنشدنا عنه أبو الحسن على بن أحمد بن الحسين الإصْطَخْرِىّ الفقيه، قال: أنشدنا الإمام أبو إسحاق الشِّيرَازِىّ ببغداد، ولم يُسمَّ قائلا: وألزمتُ نفسِى صبرَها فاستقرَّتِ صبرتُ على بعض الأذى خوفَ كُلٌِّ ولو ◌ُحُمَّلَتْهُ جملةً لاضْأَزَّتِ وجَرَّعتُها المكروه حتى تدرَّبتْ. ويارُبَّ نفسٍ بالتذلُّلِ عَزَّتِ فِيَارُبَّ عِزْ جَرَّ للنفسِ زِلَّةٌ ومَن خاف منه خافَهُ ما أقلَّتِ وما العزّ إلا خيفةُ اللهِ وحدَه فَأَرْضَى بِدُنياىَ وإن هىَ فَلَّتِ فيا صِدْقَ نفسِى إِنَّ فى الصدقِ حاجتى أرى الحِرْصَ جَلَّاباً لكلِّ مَذَلَّةٍ وأمجرُ أبوابَ الملوكِ فإِنَّنِى (١) صحيحه فى (باب قول الله تعالى: يريدون أن يبدلوا كلام الله، من كتاب التوحيد) ١٧٨/٩، باختلاف فى بعض ألفاظه وسياقه . (٢) صحيحه فى (باب قبول التوبة من الذنوب، وإن تكررت الذنوب والتوبة ، من كتاب النوبة ٢١١٢/٤، باختلاف فى بعض ألفاظه وسياقه . .(٣) فى المطبوعة بعد هذا زيادة: ((أخبرنا))، والمثبت فى : د، ز. - ٢٣٢ - إلى غيرِ مَن قال اسْألونِى فِثَلَّتْهِ إذا ما مَدَدْتُ الكُفَّ التمسُ الفِى إذا طرفْى الحادثاتُ بنكْبةٍ وما نكبةٌ إلَّا وشر مِنَّةٌ كُلِّا تباركَ رزَّاقُ البريّةِ فكم عاقلٍ لا يستمِيت وجاهل. وكم مِن جليلٍ لا يُرامُ حِجَابُهُ تشوبُ القَذَى بِالصَّفْوِ وَالصَّفْوَ بِالقذى قلتُ: قوله: ((تبارك رزَّاق البرية)) البيتين، أصدقُ من قول أبى العلاءِ الْمَعَرَّىَُّ تذكَّرِتُ ما عُوقِبتُ منه فَقَلَّت إذا قَابلْتها أدبرتْ واضْمَحلَّتِ على ما أراد لاعلى ما استحقَّتِ ترقَّتْ به أحسوالُهُ وَتَعَلَّتْ (١): بدارٍ غُرورٍ أدبرتْ وتولتٍ ولو أحسنتْ فى كلِّ حالٍ لَمُأَّتِ (٢) كم عاقلٍ عاقلٍ أُعيَتْ مذاهبه. وجاهلٍ جاهلٍ تَلْقَاهُ مرزوفاً هذا الذى ترك الأوهامَ حائرةً وسيَّرَ العالِمَ النَّحْرِيرَ زِنْدِيقًا فقبّحه الله، ما أجْرَاء على الله عزَّ وجلّ! وقد أحسن الذى قال نقْضاً عليه: كم عاقلٍ عاقلٍ أعيَتْ مذاهبه وجاهلٍ جاهلٍ شَبْمانَ ريَّانا كُفِراً وزاد أُولِى الإيمان إيماناً(٤) هذا الذى زاد أهل الكُفْرِلَاسَلِمُوا أخبرنا أبو العباس النَّابُلْسِىّ الحافظ، إذنا خاصا، عن أحمد بن عِبَة الله، عن عبد الرحيم» وعبد الكريم بن محمد بن منصور، أن أباه أخبره، قال: أنشدنا أبو المظفر شبيب بن الحسن القاضى، إملاء يِبرُ وجِرْد، أنشدنا الإمام الكبير أبو إسحاق الفِيرُوزَابَدِيّ، أنشدفى الُطرِّرِ(٥) البُغْدادِىّ لنفسِهِ(٦): (١) فى الأصول ((لا يكتفيب))، والمثبت مارجهته لجنة آثار أبى العلاء. انظر تعريف القدماء بأبى العلاء ٤٠٩، وفلان لا يستبيت ليلة، أى ليس له بيت ليلة من القوت، وبيت ليلة، بكسر الياء: (٢) فى المطبوعة، د: ((بشرب))، وفي ز: ((يثوب)» فوت لبنة . اللسان (ب ی ت) ٠١٧/٢ ولعل الصواب ما أثبتناه. (٣) نسب العامى هذين البيتين إلى ابن الراوندى. معاهد التصيف ٠٥٣/١ (٤) فى الأصول: ((أهل الإيمان))، والتيت: ما رجعته لجنة أبى العلاء . انظر تعريف القدماء بأبى العلاء: ٤١٠. (٥) بضم الميم وفتح الطاء وكسر الراء المشددة وفى آخرها زاى، يقال هذا لمن طرز الثياب. وهو أبو القاسم عبد الواحد بن محمد بن يحي المطرز . اللباب ١٤٩/٣ (٦) الأبيات فى الباب، لابن الأثير. - ٢٣٣ - حَيَارَى لتَوْدِيعِ وردِّ سلامٍ(١) ولما وقفْناً بالضِّراب عِشِيَّةً نقُضُّ عن الأنْوابِ كُلَّ خِتَمِ(٢). وقفْنا على رَغْمِ الحَسُودِ وكَلَّنَا فلما رأَى وجْدِى به وغَرامِى(٢) وسَوَّغنى عند الوداعِ عِنَاقَهُ فقلتُ هِلالٌ بعد بَدْرٍ تَامٍ تلتَّمَ مُرتاباً بِفَضْلِ رِدائِهِ هىَ الحمرُ إلا أنها بغِدامٍ(٤) وفَبَّلْتُهُ فوقَ اللَّامِ فقال لى أخبرنا أبو عبد الله، وأبو العباس الحافظان، فى(٥) كتابهما، عن أبى الفضل المَسَاكِرِىّ، أن عبد الرّحيم بن أبى سعد أنباء، أن والده الحافظ، قال [له](٦): سمعتُ سيدنا القاضى، يقول عَقِب هذا: ثم قال لى الشيخُ أبو إسحاق: يا بُنَّىّ، قد رويتُ عن هذا الرجل فى النَّسيب (٧) شيئاً، فأوْدَعَنى ما يمحُو ذلكَ، وأنشَدنى لنفسِه(٨): إن كنتَ ناسيَهَا فاللهُ أحصاها يا عبدُ كم لك مِن ذنبٍ ومعصية ووقفةِ منك تُدْمِى الكفَّذِ كْراما(٩) يا عبدُ لا بُدَّ مِن ذِنْسٍ تقومُ له وساء ظنَِّ قلتُ اُستغفرُ اللهَ(١٠) إذا عرضْتُ على نفسِى تذكُّرَها أخبرنا أحمد بن المُظفَّر الحافظ، رحمه الله، إذناً خاصًّا، عن أحمد بن عِبَة الله، عن أبى المُظَفَّرِ السَّمْعَانِىّ: أن والده الحافظ أبا سعد أخبره ، قال: أنشدنا شَبيب بن أبى الحسن، (٢) فى اللباب: ((يقض عن الأشواق)». (١) فى اللباب: ((ولما وقفنا بالصراة)). (٣) فى المطبوعة: ((وسوغ لى))، وفى اللباب: ((وشوقنى)»، والمثبت فى : د، ز . (٤) فى الباب: ((فقبلته فوق اللئام)). وفى المطبوعة: ((إلاأنها بقرام»، والمثبت من : د، ز ، والباب ، والفدام : شىء قشده العجم والمجوس على أنواعها عند السقى، والمصفاة. القاموس (ف دم ) (٥) فى المطبوعة: ((من))، والمثبت فى: د، ز. (٦) ساقط من المطبوعة، وهو فى: د، ز (٧) فى المطبوعة: ((القشيب))، وفي د: ((التسبب))، والمثبت فى : ز. (٩) فى تاريخ بغداد : (٨) الأبيات فى تاريخ بغداد ١٦/١١. ووقفة لك يدمى القلب ذكراها يا عبد لا بد من يوم تقوم له وفى المطبوعة: ((قدمى الجفن))، والمثبت فى : د ، ز . (١٠) فى تاريخ بغداد: ((إذا عرضت على قلبى)). - ٢٣٤ - قاضٍ (١) بِبَرُو ◌ِجِرْد، قال: أنشدنى أبو إسحاق الشِّيرَازِىّ، وأظنه قال: هى المُطُرِّز(٢): لم يُجْنِ قَتْلَ المسلمِ المُتحرِّزِ(٣) وحديثُها السَّجَرُ الحلالُ لَوَ أَنّهُ وَدَّ المُحَدَّثُ أنها لم تُوجِزٍ إن طالَ لم يُلَلْ وإن هىَ أَوْجَزَتْ للمُطُمِنّ وعُقْبِلةُ المُسْتَوْفِرِ(٤) شَرفُ النفوسِ ونُزْهَةٌ ما مثلُهَا • ذكر الشيخ أبو إسحاق فى (( النكت)) احتمالا لنفسه، فيما إذا نذر صلاةً مُؤْقَّتَهُ، وأخرجها عن وقتها ، أنه يُقبَلُ(٥)، وهو وجه مُصرَّح بحكايته فى بعض نسخ (الذخائر)، عن «روضة المَنَاظِرِ)) وكان الشيخ أبو إسحاق مجمعاً عليه من أهل عصره، علما، ودينا، رفيعَ الجام، بسبب ذلك، ◌ُحبَّبًا إلى غالب الخلق، لا يقدر أحد أن يرميه بسوء؛ لحُسن سيرته، وشهرتها عند الخلق . وزعمت الحنابلةُ فى واقعة ابن القُشَيْرِىّ(٦)، أن الشيخ أبا إسحاق أراد أن يُبطِل مذهبهم ، لَمَّ وقعت الفتنة بين الحنابلة والأشْعَرِيّة، وقام الشيخ أبو إسحاق فى نَصْر أبى نَصْرِ نِ القُشَيْرِىَ، لَنَصْرِه(٧) لِمِذهب الأشْغَرِىّ، وكاتبَ نِظامَ المُلْك فى ذلك . وكان مِن ذلك، أن الشيخ أبا إسحاق اشتدَّ غضبُه على الحنابلة، وعزم على الرِّحلة من بغداد؛ لما قال الأشْعَرِىَّ من سبَّالحنابلة إياه، وما فال أبا نَصْر بن الغُشَيْرِىّ مِن أذاهم، فأرسل الخليفةُ إلى الشيخ أبى إسحاقٍ يُسَكِّمُه، ويخفُِّ ما عنده. (١) فى المطبوعة، د: ((قاضى)»، والمثبت من: ز . (٢) هذه الأبيات ليست المطرز، وإنما هى لان الرومى فى ديوانه ٤٠٩، زهر الآداب ٩/١ (٣) ورد هذا البيت مضطربا فى الأصول على أنه من سياق الكلام، المختار من شعر بشار ٤١. وليس بيتاً قائما بنفسه، وفى الأصول: ((لو يجن قتل المسلم المتجرز)). (٤) فى الديوان، وزهر الآداب، والمختار من شعر بشار: ((شرك العقول))، وفى الأصول: ((وغفلة المتوفر)) وفى الديوان: ((وعلقة المستوفر))، والمثبت من زهر الآداب، والمختار من شعر بشار واستوفر فى قعدته: «انتصب فيها غير مطمئن. القاموس (وف ز)، يريد أن حديثها يقيد العجل؟ فيطمئن ولا يبرح .. (٥) فى المطبوعة، د: ((يقتل))، وفى ز: ((يقل))، وامل الصواب ما أثبتناه. (٦) انظر الجزء الثالث، صفحة ٣٧٦، وترجمة عبد الرحيم بن عبد الكريم بن هوازن القشبرى، أبى نصر، فى الطبقة الخاصة. (٧) فى ز: ((مصره)) بدون فقط على النون، والمثبت فى المطبوعة، د. - ٢٣٥ - ثم كتب الشيخ أبو إسحاق رسالةً إلى نِظام المُلْك، يشكو الحنابلةَ، ويذكر مافعلوه من الفتن، وأن ذلك من عادتهم ، ويسأله المعونةَ، فعاد جواب نظام المُلْك إلى خر الدولة ، [ وله](١)، بإنكار ما وقع، والتَّشْديد على خُصوم ابن القُشَيْرِىّ، وذلك فى سنة تسع وستين وأربعمائة ، فسكن الحال قليلا . ثم أخذ الشريف أبو جعفر بن أبى موسى، وهو شيخ الحنابلة إذ ذاك، وجماعته، يتكلمون فى الشيخ أبى إسحاق، ويبَلُّغُونه الأذى بألسنتهم، فأمر الخليفة بجَمْعِهِم، والصلح بينهم بعد ما ثارت بينهم (٢ فى ذلك٢) فتنة هائلة، قتل فيها نحو من عشرين قتيلا. فلما وقع الصُّلحُ، وسكَن الأمر ، أخذ الحنابلة يُشِيعون أن الشيخ أبا إسحاق تبرَّأ من مذهب الأشْعَرِىّ، فغضِب الشيخُ لذلك غضباً لم يصِل أحدٌ إلى تَسْكينه، وكانَب ◌ِنِظامَ المُلكُ ، فقالت الحنابلهُ: إنه كتب يسألُه فى إبطال مذهبهم، ولم يكن الأمر على هذه الصورة، وإنما كتب يشكُو أهلَ الفِتن، فعاد جواب نظام المُلك، فى سنة سبعين وأربعمائة إلى الشيخ، باستجلاب خاطره وتعظيمه، والأمرِ بالانتقام من الذين أثاروا الفتنة، وبأن يُسجَن الشريف أبو جعفر، وكان الخليفة قد حبّه بدار الخلافة، عند ما شكاه الشيخ أبو إسحاق. قالوا: ومن كتاب نِظام المُلك إلى الشيخ: (( وأنه لا يمكن تَغْيِير (٣) المذاهب، ولا نقْلُ أهلها عنها ، والغالب على تلك الناحية مذهبُ أحمد، ومحلُّه معروف عند الأمَّة، وقدرُه معلوم فى السُّنَّة)) فى كلام طويل ، سكَن به جأشُ الشيخ . وأنا لا أعتقد أن الشيخ(٤) أراد إبطال مذهب الإمام أحمد، وليس الشيخ ممَّن يُنكِر مقدار هذا الإمام الجليل، المجمع على عُلوِّ محلّه من (٥) العلم والدِّين، ولا مقدارَ الأمَّة مِن أصحابه، أهلِ السنة والورع، وإنما أنكر على قومٍ عَزَوا أنفسهم إليه، وهو منهم برىء، (١) ساقط من: د، ز ، وهو فى المطبوعة. (٣) فى د، ز: ((تغير)»، والمثبت فى المطبوعة ولا محل له هنا ، والمثبت فى : د ، ز . (٢) ساقط من المطبوعة، وهو فى : د ، ز . (٤) بعد هذا فى المطبوعة: ((أبا حامد)»، (٥) فى المطبوعة: ((فى))، والمثبت فى : د ، ز . - ٢٣٦ - وأطالوا ألسنتَهم فى سبِّ الشيخ أبى الحسن الأشْعَرِىّ. وهو كبير أهل السُّنة بعدَ. وعقيدته وعقيدة الإمام أحمد رحمه الله واحدة ، لا شك فى ذلك ، ولا ارتیاب ، وبه صرّح الأشْعَرىّ فى تصانيفه، وكرَّر(١) غيرَ [ما](٢) مرَّةٍ (٢)، ((أن عقيدتي هى عقيدة الإمام المُجَّل، أحمدبن حنبل) هذه عبارة الشيخ أبى الحسن فى غير موضِع من كلامه قال الفقيه أبو يَعْلى محمد بن محمد بن صالح العبَّاسِىّ المعروف بابن الهَبَّارِيَّةِ(٤) فى كتابه (( فَلَك المعالى(٥))) وهو كتاب عمله للوزير أبى نصر سعيد بن المؤمَّل، رتّبه على اثنى عشر بابا، على ترَقيب الْبُرُوجِ، ومن خط ابن الصَّلاح، فقلتُ: لما تُوفِّىَ قاضى القضاة أبو عبدالله الحسين بن جعفر بن مَا كُولا، ببغداد، أكْرَه القائمُ بأمر الله الشيخَ [الإمام](٦) أبا إسحاق الغِيرُوزَابَدِىّ على أن يتقلَّ له النَّظر فى الأحكام والمظالم ، شرقا وغربا ، فامتنعَ ، فوكَّل به، فكتب إليه: ((ألم يكفِك أن هَلَكْتَ حتى تُفْلِكِى مبك)) فبكى القائمُ بأمر الله، وقال: هكذا فلْمكن العلماء، إنما أردْناً أن يقال: إنه كان فى عصرنا من وُكَّل به ، وأكرٍ. على القضاء فامْتَنَع، وقد أُعفيْنَاء. قال الخطيبُ أبو بكر (١) فى المطبوعة: (( وذكرها))، وفى د: ((وكره))، والمثبت فى: ز. (٢) ساقط من المطبوعة، وهو فى : د، ز . (٣) بعد هذا فى المطبوعة زيادة: ((من))، والمثبت في : د، ز . (٤) ضبط ابن الأثير الكلمة هكذا: بفتح الهاء والباء المحددة وفى آخرها الراء، نسبة إلى هبار، جد. ثم ذكر محمد بن محمد بن صالح بن الهبارية هذا. اللاب ٢٨٤/٣. (٥) فى الأصول: ((تملك المعانى))، والمثبت من كشف الظنون ١٢٩١/٢ (٦) ساقط من المطبوعة، وهو فى: د، ز. (٧) بياس بالأصول. - ٢٣٧ - (مناطرة بين الشيخ أبى إسحاق الشِّيرَازِىّ والشيخ أبى عبد الله الدَّامَنَائِيّ﴾ وكانا قد اجتمعا فى عزاء ، ببغداد . • سُئِلِ الشيخ أبو إسحاق الشِّيرَازِىّ الشّافِعِىّ، عن الذَّمِّى" (١ إذا أسلم١)، هل تسقط عنه الجزية لما مضى؟ تمنع من ذلك، وهو مذهب الشافعى، فُسُئِل الدليلَ، فاستدلَّ على ذلك بأنه(٢) أحدُ الخراجَيْن، فإذا(٣) وجب فى حال الكفر، لم يسقُط بالإسلام، أصلُه خَراج الأرض . فقال الشيخ أبو عبد الله محمد بن على بن محمد الدَّامَغَات: لا يمتنع أن يكون نَوْعان من الخراج، ثم يُشْتَرِط فى أحدهما ما لا يُشترط فى الآخر، كما أن زكاة الفِطر، وزكاة المال نوعان من الزكاة، ثم يُشترط فى أحدهما النِّصاب ولا يشترط فى الآخر. والسؤال الثانى: لا يمنع أن يكون حقَّان متعلَّان بالكفر. [ثم](٤) أحدهما يسقط، بالإِسلام، والآخر لا يسقُط، ألا ترى أن الاسْتِفاق والقتلَ حقَّن متعلّان بالكُفر، ثم أحدهما يسقُط بالإِسلام، وهو القتل، والآخر لا يسقُط بالإِسلام، وهو الاسْتِفاق. والسؤال الثالث: المعنى فى الأصل، أن الخراج يجب بسببِ التَّمكّن من الانْتِفاع. بالأرض، ويجوز أن يجب بمثل هذا السّبب حقٌّ عليه فى حال الإسلام، وهو المُشر، فلهذا جاز أن يبقى ما وجب عليه منه حال الكُفْرِ، وليس ذلك هاهنا؛ لأنه ليس يجب بِثْل نِسْمَتِهِ(٥) حقٌّ فى حال الإِسلام؛ فلهذا سقَط ما وجب فى حالِ الكُفر . فقال الشيخ أبو إسحاق: على الفصل الأول ، وهو اعتبار نصابٍ فى زكاة المال. دون زكاة الفطر ، ثلاثة أشياء : (١) ساقط من: ز، وهو فى المطبوعة، د. (٢) فى المطبوعة: « بأن))، والمثبت فى : د، ز. (٣) فى المطبوعة: ((إذا))، والمثبت فى: د، ز. (٤) ساقط من المطبوعة، وهو فى: د، ز . (٥) فى المطبوعة: ((سيبه))، والمثبت فى : د، ف . - ٢٣٨ - أحدها: أن ما ذكرتَ حُجَّةٌ لنا؛ لأن زكاةَ الفِطر وزكاة المال لَّا كان سببُ إيجابِها الإسلام، والكفرُ ينافيهما، كان تأثير النَّكُفْرِ فى إسقاطِهما مُؤْثِّراً واحداً، حتى إنه إذا وجبتْ عليه زكاةُ الفِطر، وارتدَّ عندهم، سقط عنه ذلك، كما إذا وجبتْ عليه زكاةُ المال ، ثم ارتدَّ ، سقطتْ عنه الزكاةُ، فكان تأثيرُ الباقى فى إسقاطهِما على وجهٍ واحدٍ، فكذلك لههناء لَّا كان سببُ الخراجين هو الكفر، والإسلامُ ينافيهما، فيجب أن يكون تأثيرُ الإسلام فى إسقاطهما واحداً، وقد ثبت أن أحدهما لا يسقُط بالإسلام، فكذلك الآخر. جوابٌ ثانٍ ، أن الز كانيْن افترفقاً؛ لأن زكاةَ الفِطر فارقتْ سائرَ الزَّكَوات ، فى تعلَّقِها بالذَّمَّة، ففآرِقُها فى اعتبار النِّصاب، وليس كذلك الخراجان؛ فإنهما سواء فى اعتبار الكُفر فى وجوبهما، ومُنافاةِ الإسلام لهما، فلو سقط أحدُهما بالإسلام سقط الآخر. جوابٌ ثالث، وهو أن زكاةَ الفِطر لا تزداد بزيادةٍ المال، فلهذا لم يُعتَبر فيها (١) النَّصاب، وليس كذلك سائر الزَّكَواتِ ، فإنها تختلف باختلافِ المال، وتزداد بزيادتِهِ ؛ فلهذا اعْتِرٍ فيها (١) النِّصاب، وأما حال الخراجَيْن، فإنهما على ما ذكرتَ سواء، موجب أن يتساوياً فى الإسلام . وأما الفصلُ الثَّانِى، وهو القتلُ والاسْتِقاق، فالجواب عنه مِن وجهين: أجدهما ، أن الفتْلَ والاسْتِرقاق جنسان مختلفان ، ومع اختلاف الأجناس يجوز أن تختلف ٢ الأحكامُ، فأنا فى مسألتِنا فالخراجان من جنْسٍ واحد، يجبان بسبب الكفر، فلا يجوز أن يختلف٢) حكمهما. والثانى، الاسترقاقُ إذا حصل فى حال الكُفر، كان ما بعدَ الإِسلام استدامةً الرِّقّ، وبقاء عليه، وليس كذلك القتلُ، فإنه ابتداء عقوبةٌ، نجاز أن يختلِفا، وأما فى مسألتنا (٣ غال الخراجَيْن واحدٌ، من٣) اسْتِيفاء ما تقدَّم وجوبُه، فإذا لم يسقَطِ أحدُهما لم يسقط الآخر . (١) فى د، ز: ((فيه))، والمثبت فى المطبوعة. (٢) ساقط من المطبوعة، وهو فى : د، ز. (٣) فى د، ز: ((فى حال واحدة من الخراجين))، والمثبت فى المطبوعة : = ٢٣٩ - وأما الفصل الثالث، وهو المعاوضة(١) ، فالجواب عنه من وجهين: أحدهما، إن قال: لا أسلِّم (٢أنّ يمثل سبب٢) الخراج يجب على المسلم حقٌّ، فإن الخراج إنما وجب بسبب التَّمُّن من الانتفاع مع الكفر، والمُشر إنما لزم للأرض بحقِّ الله، وهو الإسلام . والثانى، أنه إن كان هناك حقٌّ يجبُ بمثل سببِ الخراج، (٣ فيحسُن أن يجرِىَ(٣) عليه الذى فى حال الإسلام؛ فلهذا جاز أن يبقى ما تقدَّم وجوبُه فى حال الكفر، فكذلك فى مسألتنا، يجب بمثل سبب الجزية حقّ، حتى يجرى عليه فى حال الإسلام، وهو زكاة الفطر، فإن [الزكاة و](٤) زكاة الفطر تجب عن الرَّقبة، فيجب أن الجزية تجب عن الرَّقبة، وأن يبقى ما وجب من ذلك فى حال الكفر ، فلا فرقَ بينهما . فقال أبو عبد الله الدَّامَغَنِّ، على فصل الزكاة، على الجواب الأول، وهو قال فيه إن ذلك حُجَّة، فإنهما يستويان فى اعتبار الإسلام فى حال واحد من الزكانين ، فقال: لا يمتنع أن يكون الكفر يُعتبر فى كل واحدٍ من الخراجَيْن، ثم يختلف حكمُهُما بعد ذلك فى الاستيفاء ، كما أن زكاةَ الفِطر، وزكاةَ المال يستويان فى أن المال مُعتَبر فى حال واحدة فيهما، ثم يختلفان فى كيفيَّة الاعتبار، فالمعقبَر فى زكاة الفطر أن معه ما يُؤْدَّى، فاضلا عن كفايته عندكم ، والمعتبر فى سائر الزَّ كوات أن يكون مالكا لنصابٍ ، فكذلك هاهنا يجوز أن يستوى الخراجان فى اعتبار الكفر فى كل واحد منهما، ثم(٥) يختلف حكمهما عند الاستيفاء، فُعتبر البقاء على الكفر فى أحدهما دون الآخر . وجوابٌ ثان، أن الزّ كاَتَيْن إنما أثَّر الكفر فيهما على وجه واحد ؛ لأنهما يجبان على (٢) فى المطبوعة: ((هل بسبب)) (١) فى المطبوعة: ((المعارضة))، والمثبت من : د، ز . وفى د، ز: ((أن يدل السبب))، ولعل الصواب ما أثبتناه، وانظر ما فى الجواب الثانى بعده . (٣) فى ز: ((فنحن نجرى))، والمثبت فى المطبوعة، د. (٤) ساقط من المطبوعة، وهو من: ز، وفى د: ((الزكاة فـ)). (٥) فى الأصول: ((منها لم)) ولعل الصواب ما أثبتناه. - ٢٤٠ - سبيل العبادة، فلا يجوز استيفاؤها بعد الكفر، لأن الكافر لا تثبت فى حقه العبادات ، وليس كذلك فى مسألتنا؛ فإن الجزية تجب على سبيلِ الصَّفار؛ (١لأن الله تعالى قال: ﴿حَى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾(٢) وبعد الإسلام لم يوجد الصَّغَار١)، فلا يصح استيفاؤها، وكذلك (٣الخراجُ فى الأرض٣) لا(٤) يجب على سبيل الصَّغَار، ولهذا يجوز أن يُوجَد باسْمِه من المسلمين، وهو الذى ضَربه عمرُ رضى الله عنه على أرض السَّوادِ . وتكلَّم على الجواب الثانى(٥) عن هذا الفصل، وهو أن زكاةَ الفِطر تتعلَّق بالدِّمّة، فقال: لا يمتَنِع أن يكون أحدهما فى الدَّمَّة، والآخَر فى المال، ثم يستويان فى النَّصاب، كما أن أَرْش الجناية يتعلَّق بعين الجانى، وزكاة الفِطر تتعلَّق بالذَّمَّة، ثم لا يُعتَبرِ النَّصاب فى واحدٍ منهما، وأيضا فقد اختلف قولُ الشَّافعيّ فى أن الزكاةَ تتعلَّق بالمَيْن أو الذَّمَّة، فدل على أنه ليس العلّة فيه ما ذكرتَ . وتكلَّم على الجواب الثالث فى هذا الفصل، وهو أن زكاة الفطر لا تزداد بزيادة المال، فقال: لمَّا جاز أن لا تزداد بزيادة المال، ثم لا يُعتَبر فيه النِّاب، ثم هذا يبطُل. بما زاد على نصاب الدَّنانير والدراهم عندك؛ فإنه يزداد بزيادة المال، ثم لا يُعتَبر فيها النِّابِ . وتكلَّم على الفصل الثانى، وهو الاسترقاق والقتل، حيث قال: إنهما جنسان يختلفان، وها هنا جنسٌ واحد، فقال: إنهما (٦) وإن كانا جنسين إلا أنهما يجبان بسبب الكفر، وكان يجب أن يكون تأثيرُ الإسلام فيهما واحدا، كما قلنا فى الخراجين، والثانى أن الخراجين وإن كانا جنساً واحداً، فإنه يجب أن يُستَوفيا فى حال الإسلام، كالخراج (١) ساقط من : د، وهو فى المطبوعة، زى . (٢) سورة التوبة ٢٩. (٢) فى المطبوعة: ((خرجوا من))، والمثبت فى: د، ز. (٤) فى المطبوعة : (٥) فى د، ز: ((الثافى))، وهو خطأ صوابه فى المطبوعة، والنظر الجواب والمثبت فى : د، ز . (٦) فى الأصول: ((إنها)). الثانى فيما تقدم .