النص المفهرس

صفحات 401-420

- ٤٠١ -
وذكرٍ مهمٍّ مُومٍ ، وبيان خَطْب قادح، وشرّ سائح (١) للقلوب جارح، رفعها عبد الكريم
ابنِ هَوَازِن القُشَيْرِىّ، [رحمه الله](٣) إلى العلماء الأعلام، لجميع(٢) بلاد الإسلام.
أما بعد :
فإن الله تعالى إذا أراد أمرا قدَّره، فَمَن ذا الذي أمسك ماسَيَّر.(٤)، أو قدّم ما أخَّرَه،
أو عارض حكمه فغيره، أو غلبه على أمر فقهره، كلًّا، بل هو الله الواحد القهار، الماجد
الجَبَّار.
ومما ظهر ببلاد(٥) نَيْسَابور من قضايا التقدير فى مُفْتَتح سنة خمس وأربعين وأربعمائة
من الهجرة ما دعا أهلَ الدين إلى شقِّ صدور صبرهم، وكشْفٍ قِفاع ضَيْرِهم(٦)، بل ظلّت
اِلة الحنيفِيّة تشكو غليلها، وتُبدى عويلها، وتنصب (٧) مَزالَى (٨) رحمة الله على من يستمع
شكوها، وتصفِى ملائكة السماء حتى (٩) تَنَدُبِ شَجْوها. ذلك مما أُحدث مِن لَمْن إمام.
الدين، ومراج ذوى اليقين ، محى السنّة، وقامع البدعة، وناصر الحق، وناصحٍ الخلق،
الزكى الرضىِّ(١٠)، أبى الحسن الأشعرى، قدّس اللهُ روحَه، وسقى بالرحمة (١١) ضريحه،
وهو الذى ذَبَّ عن الدين بأوضح حُجَج ، وسلك فى قَمع المعتزلة ، وسائر أنواع المبتدعة
أُبينَ مَنْهَج: واستنفد عمره فى النَّضْحَ(١٢) عن الحق ، فأورت (١٣) المسلمين بعد وفاته كُتْبَه
الشاهدة(١٤) بالصدق .
،
(٢) زيادة من المطبوعة على مافى: ج ، ز .
(١) فى الأصول: ((ونشر)) والمثبت من التبيين.
(٣) فى التبيين: ((بجميع)). (٤) فى المطبوعة: ((يسيره)) وفى: ج، ز: ((يسره)) وأثبتنا
(٦) فى التبيين : «ضرم )).
(٥) فى التبين : «بلد » .
ما فى التبيين .
(٧) فى ج: ((وينصب)) وفى ز، د: ((ونصب)) والمثبت فى المطبوعة، والتيين.
(٨) فى التبين: ((غزائر)) والغزالى، بفتح اللام وكسرها: جمع العزلاء، وزان حمراء: فم
المزادة الأسفل، وأرسلت السماء عزاليها إشارة إلى شدة وقع المطر، على القشبيه بنزوله من أفواه المزادات
(١٠) فى ج وحدها: ((الوضى)).
(٩) فى التبين : ((جبن )).
الصباح ( ع زل ) .
(١١) فى التبين: ((بماء الرحمة)). (١٢) فى الأصول، والتبين: ((النصح)» بالصاد الجملة
وهو تصحيف . قال فى القاموس ( ن ض ح ) : واضح عنه : ذب ودفع .
(١٣) فى الحبين: ((وأورت».
(١٤) فى الأصول: ((المشاهدة)) وأنبيتا ما فى التيين.
(٢٦/ ٣ - طبقات)

:
- ٤٠٢ -
ولقد سمعت الأستاذ الشهيد أبا على الحسن بن على الدَّقَّاق (١رحمة الله عليه ١)،
يقول: سمعت أبا على زاهد بن أحمد الفقيه ، رحمة الله عليه يقول: مات أبو الحسن الأشعرىّ
رحمه الله، ورأسه فى حِجْرى. وكان يقول: متنا فى حال زعِه، من داخل حلقه ، فأدنيت إليه
رأسى، وأصغيت إلى ما كان يَقْرَع سمعى، وكان يقول: لمن الله المعتزلة، مَوَّهُوا وَمَخْرَقوا ..
وإنما كان أبو الحسن الأشعرىّ رحمه الله يتكلم فى أصول الدين على جهة الردّ على أهل
الزَّيغ والبِدَع، تأدَّياً بما أوجب الله سبحانه على العلماء، من النَّضْحَ(٣) عن الدين، وكشف
تمويه الملحدين والمبتدعين، بما(٣) زالوا عن النهج المستقيم.
ولقد سمعت الأستاذ أبا عبد الله محمد [بن عبد الله}(٤) بن عبيد الله الشِّيرَازِىّ الصوفىّ،
رحمه الله، يقول: سمعت [ بعض أصحاب أبى عبد الله بن خَفيف الشِّرازِىّ رحمة الله عليهم(٥)،
يقول: سمعت](٦) أبا عبد الله بن خَفيف، رحمه الله، يقول(٧): دخلت البصرةَ فى أيام
شبابى؛ لأرى أبا الحسن الأشعرىّ، رحمة الله عليه، لمّا بلغنى خبرُه ، فرأيت شيخا
بَهِيَّ المنظر، فقلت له: أين منزل أبى الحسن الأشعرىّ؟ فقال : وما الذى تريد منه؟
فقلت : أحب أن ألقاه، فقال: ابتكر غدا إلى هذا الموضع. قال: فابتكرت ، فلما رأيته
تبعته، فدخل دار بعض وجوه البلد، فلما أبصروه أكرموا محلّه، وكان هناك جمعٌ
من العلماء ، ومجلسُ نظر، فأقعدوه فى الصَّدْر، فلما شرع فى الكلام دخل هذا الشيخ
فأخذ يردّ عليه ويناظره ، حتى أخمه ، فقضيت العجبَ مِن علمه وفصاحته، فقلت لبعض
مَن كان عندى: مَن هذا الشيخ؟ فقال: أبو الحسن الأشعرىّ. فلما قاموا تبعته، فالتفت إلىّ،
وقال: يا فتى، كيف رأيتَ الأشعرىّ؟ خدمته وقلت: يا سيدى، كماهو فى مجلِّه،
(١) فى المطبوعة: ((رحمه الله)) والمثبت من: ج، ز. (٢) فى الأصول: («النصح» بالصاد المهملة
(٣) فى المطبوعة: (( ما)) والمثبت من: ج ، ز .
تصحيف . انظر الحاشية ١٢ في الصفحة السابقة.
(٤) زيادة من : ج، فى على ما فى المطبوعة. (٥) فى المطبوعة: ((عليه)) وما أثبتنا من: ج.
(٧) سبقت هذه الحكاية فى ترجمة ان خفيف: صفحة ١٥٩
(٦) ساقط من : ز ، د .
من هذا الجزء .

- ٤٠٣ -
ولكن مسألة، قال: قل يا بنىّ، فقلت: مثلك فى فضلك وعلوِّ منزلتك، كيف لم تُسأل
ويُسأل غيرُك؟ فقال: أنا لا أتكلم مع هؤلاء ابتداء، ولكن إذا خاضوا فى ذكر
ما لا يجوز فى دين الله ردَدْنا عليهم، بحكم ما فرض الله علينا من الرد على مخالفى الحق.
وعلى هذه الجملة سيرة السلف أصحاب الحديث المتكلَّمين منهم فى الرد على المخالفين،
وأهلِ الشُّبَه والزبغ .
ولمّا مَنّ الله الكريم على [أهل](١) الإسلام ببركات(٢) السلطان المعظّم المحكَّم
بالقوة السماوية، فى رقاب الأمم، الملك الأجلّ شاهنشاء، يمين خليفة الله، وغياث عباد الله
◌ُفْرُ لْبَك أبى طالب محمد بن ميكائيل، أطال الله عمره، موقتًا معصوما بقاه، وأدام بالتسديد
نُعماه، وقام بإحياء السنة، والمناضلة عن الِلّة، حتى لم يُبْقِ من أصناف المبتدعة حِزْ با
إلا سَلَّ لاستئصالهم سيفاً عَضْبًا، وأذاتهم ذُلّا وخَسْفا، وعقّب(٣) لآثارهم نسفا (٤)،
حَرِجَتْ(٥) صدورُ أهل الزيغ(٦) عن تحمُّل هذه النّقْمَ، وضاق صدرُم(٧) عن مقاساة
هذا الألم، ومُنُوا بلعن أنفسهم على رؤوس الأشهاد بألسنتهم ، وضاقت عليهم الأرضُ
بما رَحُبَت، بانفرادهم بالوقوع فى مَهواة محنتهم، فسوَّت لهم أنفسهم أمرا، وظَنُّوا أَنْهم
بنوع تلبيس(٨)، وضرب تدليس، يجدون لعُْرهم يُرا، فسَعَوْا إلى عالى مجلس(٩)
السلطان المعظّم [أعز اللهُ نَصره](١٠) بنوع نميمة، ونسبوا الأشعرىَّ إلى مذاهبَ ذميمة،
وحكَوا عنه مقالاتٍ ، لا يوجد فى كتبه منها حرف، ولم يُرَ فى المقالات المصنّفَة للمتكلِّمين
الموافقين والمخالفين، من وقت الأوائل إلى زماننا هذا ◌ِشىء منها حكايةٌ ولا وصف ،.
(٢) فى المطبوعة: ((بركاب)) وفى التبيين: ((بزمان))
. (١) سقط من التبيين ١١٠.
(٣) فى الأصول: ((وعقت)) والمثبت من التبين ١١١.
وما أثبتنا من : ج، ز ، د .
(٥) فى ج، ز، د: (( خرجت)) وما
(٤) فى الأصول: ((كفا)) والمثبت من التبيين.
(٧) فى المطبوعة: ((صدورم))
(٦) فى التبيين: ((البدع)».
أثبتنا من المطبوعة ، والتبين .
(٨) فى ج، ز، د: ((تلبس)» والمثبت من المطبوعة
وفى التبيين: ((صبرم)» والمثبت من: ج ، ز .
(٩) فى المطبوعة: ((مجالس)) وما أثبتنا من: ج، ز، والتبيين.
والتبيين .
(١٠) ساقط من التبيين .

- ٤٠٤ -
بل كل ذلك تصوير بتزوير(١)، وبُهتان بغير تقرير (٣)، (( وإِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ
النُّبُوَّةِ: إِذَا لَمْ تَسْتَحْىٍ (٣) فَصْنَعْ مَا شِئْتَ)).
ولَّمَّا رفعنا إلى المجلس العالى، زاده الله إشراقا، هذه الظّلامة، وكشفنا قناع هذه
الخطّة، وذكرنا أن هذه المقالات لم تُسمع من ألسنة هذه الزُّمْرة، ولم يوجد شىء فى كتبهم
من هذه الجملة، ولا حُكم فى الكتب المصنَفَة فى مقالات المتكلّمين حرف من هذه الأقاويل،
بل كان الجواب: إنا إنما نُوعز بلعن الأشعرى الذى قال هذه المقالات على هذه الصفة،
فإن لم يبينوا(٤) بها، ولم يقل الأشعرىّ شيئاً منها فلا عليك ما نقول(٥)، ولا يلحقكم ضرار
مما نصنع(٦)، فقلنا: الأشعرىّ الذى هو ما حكيم، وكان بما ذكرتم(٧)، لم يخلقه الله بَعْدُ،
وما محلّ هذا إلا محلّ مَن حكى عن أئمة السلف أنهم دانوا بالبدَع، ونَسَبهم إلى الضلال
والخطأ ، فإذا قيل له فى ذلك يقول : إنما أقول لفلان الذى قال ما نسبته إليه ، ودان بهذا.
الذى قلت، ومات عليه، الكَيِّى (٨) لا يرضى منه(٩) بذلك، ولا يُغضى(١١) على ذلك.
ثم أخذنا فى سبيل الاستعطاف ، جَرْياً فى دفع السيّئة بالتى هى أحسن ، فلم تُسمح لنا
حُجَّة، ولم تُقْضَ لنا حاجة، ولا حيلةَ(١١) لنا فى التوسّط بيننا(١٢) على مَن بعده
فى مذهب(١٣) واحد عصره، فأغضينا على قَذَى الاحتمال، واستَنَّمْنا (١٤) إلى معهود الموافقة
(١) فى المطبوعة: ((تزوير)) وما أثبتنا من: ج، ز، والتبين. (٢) فى التبين: «تقدير».
(٣) قال ابن الأثير: (يقال: استحيا يستحى، واستحى يستحى. والأول أعلى وأكثر)) النهاية
١ /٤٧٠. (٤) هكذا: فى المطبوعة. ولم ينقط فى ج، ز سوى تاء قبل الواو. (٥) فى المطبوعة :
٦ ((تقول)) ولم ينقط فى ج، ز سوى القاف. ولعل الصواب ما أثبتنا. وفى ز: « بما».
(٦) فى المطبوعة ((يصنع)) وفى ز نقطت النون فقط، وأنيتنا ما فى ج ... (٧) فى ج ، ز.، ١٥:
(٨) فى ج: ((الملبس)) وفى ز، ((( اللبى)) بدون:
((بماذكر)) والمثبت فى المطبوعة.
(٩) فى المطبوعة: ((عنه)» وأنيتنا ما فى ج، ز ..
والمثبت فى المطبوعة .
(١٠) فى المطبوعة: (يقضى)) والنقط غير واضح فى ز .. وأنيتنا ما قى ج.
(١١) فى المطبوعة: ((ولا حل، وأثبتنا ما فى ج، ز. (١٢) هكذا فى المطبوعة ولم ينقط فى ج سوى
النون .. (١٣) فى المطبوعة: «مذهبه)) وأثبتنا ما فى ح، ز، د. وفى الأخيرتين: (( واحد واحد »
(١٤) فى المطبوعة: ((واسمنا)) والمثبت من: ج، ز. واستنام إلى الشىء: سكن واطمأن.
القاموس ( ن وم ) .

- ٤٠٥ -
فى أصول الدين بين الفريقين، محضرنا مجلسه، ولم نشك أنا لا ننصرف إلا وشَمْلُ الدين
منتظم، وشَعْب الوفاق(١) فى الأصول ملتثم، وأنّ كُلَّنا على فْع المنزلة ، وقهر المبتدعة
يدٌ واحدة، وأنْ ليس بين الفريقين فى الأصول خلافٌ، فأول ماسألناه بأن قلنا: هل صح عنده
عن الأشعرىّ هذه المقالات التى تُحْكَى؟ فقال: لا، غير أنى(٢) لا أستجير الخوض فى هذه
المسائل الكلامية، وأمنع الناس عنها وأنغَى، ولا يجوز اللمنُ عندى على أهل القبلة ،
لشىء منها، وصرح بأنه ليس يعلم أنه قال هذه المسائل التى تُحْكَى عنه، أم لا. ثم قال
فى خلال كلامه : إن الأشعرىّ عندى مبتدع ، وأنه فى البدعة يزيد على المعتزلة ، فحين سمعنا
ذلك تحيّرنا ونفينا، ومعنا غير ما ظننا، وشاهدنا ما لو أُخبرنا به ما صَدَّقنا، ورأينا بالعِيان
ما لو رأيناه فى المنام لقلنا: أضغات أحلام ، فسبحان الله ! كيف صرّح بأنه لا يعرف
مذهب رجل على الحقيقة، وصَحَّ (٢) عنده مقالتُهُ ثم يُبَدِّعه من غير تحقق بمقالته(٤)؟
ثم انصرفنا .
وما نَقَموا من الأشعرى إلا أنه قال بائبات القَدَرلله، خيرٍ، وشرّه، ونفعِه(٥) وضَرّه،
وإثبات صفات الجلال لله، من قدرته، وعلمه، وإرادته، وحياته، وبقائه، وسمعه، وبصره،
وكلامه، ووجهه ، ويده، وأن القرآن كلام الله غيرُ مخلوق، وأنه تعالى موجود مجوز رؤيته،
وأن إرادته نافذة فى مراداته، ومالا يخفى من مسائل الأصول التى تخالف [طريقه ](٦) طريق
المعتزلة والجسِّمة(٧) فيها، وإذا لم يكن فى مسألةٍ لأهل القبلة غيرُ قول المنزلة، وقول(٨)
الأشعرىّ قول زائد، فإذا بطل قولُ الأشعرىّ فهل يتمَّن بالصحّة أقوالُ المعتزلة، وإذا
بطل القولان فهل هذا إلا تصريح بأن الحقَّ مع غير أهل القبلة، وإذا لمن المعتزلة(٩)
(١) هكذا فى المطبوعة. وفى ز، د: ((الزمان)» والإعجام غير واضح فى ج .
(٢) فى المطبوعة: ((وأنى لا أستجيز)) وما أثبتنا من: ج، ز." (٣) فى المطبوعة: ((ونصح))
(٥ ) فى التيين :
(٤) فى المطبوعة: ((لمقالته)» والمثبت من : ج، ز .
والمثبت من : ج ، ز .
(٦) ساقط من المطبوعة. وهو من ج، ز. وفى التبين: ((طرقه طرق المعتزلة.)).
(٧) فى ج، ز: ((الجسمية)) والمثبت فى المطبوعة، والتبيين. (٨) فى المطبوعة: ((وغير))
والمثبت من: ج، ز. (٩) فى المطبوعة: ((المعتزلى)) وما أنتنا من: ج، ز.

- ٤٠٦ -
والأشعرىّ فى مسألة لا يخرج قول الأمة عن قوليهما، فهل هذا إلا لمنُ جميع أهل القبلة؟.
معاشرَ المسلمين الغِياتَ الغِياتَ ! سَعَوا فى إبطال الدين، ورأوا(١) هدمَ قواعد المسلمين،
وهَيْهَاتَ هَيْهَاتَ! ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ، وَيَأْتَى اللهُ إِلََّ أَنَّ يُتِمَّ نُورَهُ﴾(٢)
وقد وعد الله للحقّ(٣) نصرَ، وظهورَه وللباطل تَحِقَّهَ وَتُبُورَه، إلا أن كُتَب الأشعرىّ
فى الآفاق مبثوثة ، ومذاهبه عند أهل السنة من الفريقين معروفة مشهورة(٤) فَمَن وصفه
بالبدعة عِلٍ أنه غيرُ محقٍ فى دعواه، وجميع أهل السنة خَصْمه فيما افتراء.
• فأما ما حكى عنه وعن أصحابه أنهم يقولون إن محمدا صلى الله عليه وسلم ليس بني
فى قبره، ولا رسولٍ بعد موته، فيُهتان عظيم، وكذب تَحْض، لم ينطق منهم أحد،
ولا ◌ُمع فى مجلس مناظرةٍ ذلك عنهم، ولا وُجد ذلك فى كتاب لهم، وكيف يصح ذلك وعندهم
محمد صلى الله عليه وسلم حىٌّ فى قبرة؟ قال الله تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِى سَبِيلِ اللهِ
أُمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء ◌ِعِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَفُونَ)(٥) فأخبر سبحانه بأن الشهداء أحياء عند ربهم ،
والأنبياء أولى بذلك، لتقاصر رتبة الشهيد(٦) عن درجة النبوة. قال الله تعالى ﴿فَأُوْالَكَ
مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّنَ وَالصُّدِِّقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾(٧) فرتبة(٨)
الشهداء ثالث درجة النبوّة
ولقد وردت الأخبار الصحيحة والآثار المروية بما تدل الشهادة على هذه الجملة .
فمن ذلك ما أخبرنا به أبو سعيد محمد بن إبراهيم بن عبد الله الأديب، حدثنا أبو إسحاق
إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن حاتم، حدثنا محمد بن إسحاق بن الصباح الصاغانى، حدثنا
ابن جُمْتُم(٩)، عن سفيان، عن عبد الله بن السائب، عن زادان ، عن ابن مسعود،
(١) فى التبين: ((وراءوا)). (٢) سورة التوبة ٣٢. وفى الأصول، والتبيين: بهليطفئوا»
خطأً .. (٣) فى ج، ز، د: «الحق)) والمثبت فى المطبوعة، والتبيين، وهو المناسب لما بعده.
(٥) سورة آل عمران ١٦٩.
(٤) فى التبيين ١١٢ : (( ومشهورة.)) ..
· (٦) فى ج، ز، د: ((الكافة)) والمثبت فى المطبوعة ..
(٧) سورة الناء ٦٩.
(٨) فى ج، ز: «أفرتبة)» والمثبت فى المطبوعة.
(٩) فى المطبوعة: ((خشعم)» والثبتأ من: ج ، ز .

- ٤٠٧ -
عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((إنَّلِلِهِ [تعالى](١) مَلاَئِكَةً سَيَّاحينَ فِى الأَرْضِ نُبَلَّغْسِنِى
عَنْ أُمَّعِىِ السَّلَامَ )) وَلاَ يُبَلَّغُ السَّلاَمَ إلا ويكون حيًّاً .
وأخبر ناإبراهيم بن أحمد(٢) الفقيه، أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن أحمد النَّسَوِىِّ، حدثنا (٣)
أبو العباس الحسن بن سفيان الشَّيْبانىّ النّسَوىّ، حدثنا هشام بن خالد، حدثنا الحسين
ابن يحيى، حدثنا سعيد بن عبد العزيز، عن يزيد بن مالك، عن أنس بن مالك ، قال : قال
ريدول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَا مِنْ فِىّ يَمُوتُ فَيُقِيمُ فى قَبْرِهِ إِلَّا أَرْبِعِينَ صَبَاحاً
حَتَّى تُرَّةَّ إِلَيْهِ رُوحُهُ)) .
وأخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمد بن الحسين التقفى، أخبرنا أبو الحسين هارون
ابن محمد بن هارون العطّار، حدثنا أبو على الحسن(٤) بن على بن عيسى المقْبُرِيّ(٥) أبو عبدالرحمن
القرى، حدثنا حَيْوَة بن شُرَيح، عن أبى صخرة(٦) المدنىّ، عن يزيد بن عبد الله
ابن قسيط(٧)، عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَمُ
◌َىَّ إِلَّا رَدَّ اللهُ عَنَّ وَجَلَّ عَلىَّ(٨) رُوحِى حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ)).
دل الخبر على أن الميّت لا يعلم حتى تُردّ إليه الروح، ودل على أن النبى صلى الله عليه
وسلم حىٌّ فى قبره .
وأخبرنا أبو الحسين على بن محمد بن عبد الله بن بشْران ، ببغداد ، أخبرنا أبو جعفر
(١) زيادة من : ج ، ز على ما فى المطبوعة.
(٢) فى المطبوعة: ((محمد)" والمثبت من: ج، ز.
(٣) فى المطبوعة: ((أخبرنا)) والمثبت من : ج، ز.
(٤) فى المطبوعة: ((الحسين)) والمثبت من: ج، ز. (٥) فى المطبوعة: ((القسوى)) وفى ز:
((المقرى)) والمثبت من: ج، د. والفقط من د. وفيها: ((أبو عبد الرحمن المقبرى)).
(٦) فى سنن أبي داود (باب زيارة القبور، من كتاب المناسك) ٢٠٢/١. ومسند أحمد ٥٢٧/٢
من حديث أبى هريرة: ((أبى صخر)). (٧) فى المطبوعة: ((قط)). وفى ج، ز بهذا الرسم،
ولكن بغير نقط، وأثبتنا ما فى سنن أبي داود، ومسندأحمد. وكذلك هو فى مشاهير علماء الأمصار ٤ ٧
والعبر ١ / ٠١٥٥ (٨) فى المطبوعة، ومسند أحمد: ((إلى)) وما أثبتنا من ج، ز، د وأبى داود.

- ٤٠٨ -
محمد بن عمرو البَخْتَرِىّ(١)، حدثنا عيسى بن عبد الله الطَّيَّا لِىّ، حدثنا العلاء(٣) بن عمرو الحنفى»
حدثنا أبو عبد الرحمن، عن الأعمش، عن أبى صالح ، عن أبى هريرة، عن النبيّ صلى الله
عليه وسلم قال: (( مَنْ صَلَّى عَلَىّ عِنْدَ قَبْرِى سَمِعْتُهُ، وَمَنْ صَلَّى عَلَىْ تَئِيَا أَبْلِمْتُهُ )).
وأخبرنا إبراهيم بن محمد الفقيه، أخبرنا (٢) أبو القاسم عبد الله بن أحمد النَّسَوِىّ، أخبرنا
الحسن بن سفيان، حدثنا شَيْبان بن فرُّوخ، حدثنا حماد بن سَلَمة، حدثنا أبو المعتمر،
وثابت البناني ، عن أنس بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( أَنَبْتُ
عَلَى مُوسَى لَيْلَةَ أُسْرِىَ بِى مِنْدَ الكَثِيَبِ الأَحْمَرِ، وَهُوَ قَائِمْ يُصَلِّى فى قَبْرِهِ)).
وأخبرنا أبو الحسن على بن أحمد الكاتب، حدثنا أحمد بن عَبْد(٤) الصَّفَّار، حدثنا
تَختام(٥) محمد بن غالب، حدثنا موسى، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت ، عن أنس ،
قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أتِيتُ وَأَنَا فِى أَهْلِى فَانْطَلَقُوا بِى إِلَى زَمْزَمَ
وَشُرِحَ صَدْرِى، ثُمَّ غُسِلَ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ أُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مِمْتَلِئَةٍ إِمَنَةً
وَحُكْمَاً فَحُشِىَ بِهِ صَدْرِى)). قال أنس: ورسول الله صلى الله عليه وسلم يُرِينَا أَرَهه
((فَعَرَجَ بِى الْمَلَكُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَ فَاسْتَفْتَحَ الْمَلَكُ، قَالَ : مَنْ ذَا؟
قَالَ : جِبْرِيلُ.
قَالَ : وَمَنْ مَعَّكَ؟
قَالَ: مُحَمَّقْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
قَالَ : وَقَدْ بُمِثَ ؟
قَالَ: نَعَمْ .
(١) فى المطبوعة: ((البحرى)، وفى د: ((البحيرى)) وبهذا الرسم فى ج، ز ولكن بغير فقط
والتصيح من المشتبه ٤٩، والعبر ٢ / ٠٢٥١ (٢) فى المطبوعة: ((علاء)) وأثبتنا ما فى ج، فى،
(٣) فى المطبوعة: ((حدثنا)» وأنتنا ما فى ج، ز. (٤) فى المطبوعة: ((عبيد)» والثبت من
ج، ز، د .. (٥) فى المطبوعة: (( عام)) والتصحيح من ح، ز، والعبر ٧١/٢.

- ٤٠٩ -
قَالَ: فَفَتَحَ، فَإِذَا آدَمُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، قَالَ (١): مَرْ حَباً بِكَ مِنْ وَلَدٍ، وَمَرْ حَبّاً بِكَ
مِنْ رَسُولٍ .
٠
ثُمَّ عَرَجَ بِى [ الْمَلَكُ](٣) إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ فَاسْتَفْتَحَ الْمَلَكُ، فَقَالَ: مَنْ ذَا؟
قَالَ : جِبْرِ بِلُ .
قَالَ : وَمَنْ سَمَكَ ؟
قَالَ: مُحَمَّدْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قَالَ : وَقَدْ بُمِثَ؟
قَالَ: لَعَمْ. {قَالَ ](٢): فَفَتَحَ فَإِذَا عِيسَى وَيَحْيَى عَنَّيْهِمَاَ السَّلَامُ، فَقَلًا: مَرْحَبًاً
◌ِكَ مِنْ أَخٍْ، وَمَرْ حَبّاً بِكَ مِنْ رَسُولٍ .
ثُمَّ عَرَجَ بِى الْمَلَكُ إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ، فَاسْتَفْتَحَ الْعَلَكُ، فَقَالَ: مَنْ ذَا؟
قَالَ : جِبْرِيلُ .
قَالَ : وَمَنْ مَعَكَ؟
قَالَ: مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
فَلَ : وَقَدْ بُعِثَ؟
قَالَ : نَعَمْ .
قَالَ: فَفَتَحَ فَإِذَا يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَلَ: مَرْحَبً بِكَ مِنَ أَخٍْ، وَمَرْ حَبّاً بِكَ
مِنْ رَسُولٍ .
ثُمَّ عَرَجَ بِى الْمَلَكُ إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ، فَاسْتَفَتَحَ (٤) الْمَلَكُ، فَقَالَ: مَنْ ذَا؟
قَالَ : جِبْرِيلُ.
قَالَ : وَمَنْ مَعَكَ؟
قَالَ: مُحَمَّدْ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
(١) فى العلوعة: ((فقال)) وأنبتنا ما فى ج، ز، د. (٢) زيادة فى المطبوعة على ما فى ج، ز،د .
(٤) فو ج، ز ، د: (واستفتح »
(٣) زيادة من ج ، زى ، د على ما فى المطبوعة.
والثبت في المطبوعة .

- ٤١٠ -
قَالَ: وَقَدْ بُمِثَ؟
قَالَ : نَعَمْ .
قَالَ: فَفَتَحَ، فَإِذَا إِدْرِيِسُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ: مَرْحَباً بِكَ مِنْ أَخٍ، وَمَرْ حَبّا بِكَ
مِنْ رَسُولٍ .
ثُمَّ ◌َرَجَ بِى الْمَلَكُ إلى السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ، فَاسْتَفْتَحَ، فَقَالَ: مَنْ ذَا؟
قَالَ : جِبْرِيلُ .
قَالَ: وَمَنْ مَعَكَ؟
قَالَ: مُحَمَّدْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
قَالَ : وَقَدْ بُمِثَ؟
قَالَ : نَعَمْ .
قَالَ: فَفَتَحَ، فَإِذَا هَارُونُ عَيْهِ السَّلَامُ، فَقَالَ: مَرْحَباً بِكَ مِنْ أَخٍ، وَمَرْحَباً بِكَ
مِنْ رَسُولٍ .
ثُمَّ ◌َرَجَ بِى اْمَلَكُ إلى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، فَاسْتَفْتَحَ الْمَلَكُ، فَقَالَ: مَنْ ذَا.
قالَ : جِبْرِيلُ ..
قَالَ : وَمَنْ مَعَكَ؟
قَالَ: مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قَالَ : وَقَدْ بُمِثْ ؟
قَالَ : نَعَمْ .
قَالَ: فَفَتَحَ، فَإِذَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَقَالَ: مَرْحَباً بِكَ مِنْ أَخٍ، وَمَرْ خَبًا بِكَ
مِنْ رَسُولٍ ..
ثَمَّ عَرَجَ بِى الْمَلَكُ إِلى النَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَاسْتَفْتَحْ [الملَكَ](١) قَالَ: مَنْ ذَا؟
قَالَ : جِبْرِيلُ.
قَالَ: وَمَنْ مَعَكَ ؟
(١) زيادة من ج، ز، د على باقى المطبوعة.

- ٤١١ -
قَالَ: ◌ُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قَالَ : وَقَدْ بُمِثَ؟
قَالَ. فَعَمْ، قَالَ: فَفَتَحَ. فَإِذَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ(١): مَرْحَبّاً بِكَ مِنْ
رَسُولٍ)) ... الخبر بطوله.
فدلَّ هذا الخبرُ على أنهم عليهم السلامُ أحياء .
ولقد روى الحسن بن قُتَيْبة المدائِنِّ، وَعَدّ ذلك فى إفراده ، عن المسلم بن سعيد
الثَّقَفِىّ، عن الحجّاج بن الأسود ، عن ثابت البناني، عن أنس، قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: ((الْأَنْبِيَاءُ أَحْيَ فِي قُبُورِهِمْ يُصَلُّونَ)).
فإذا ثبت أن نبينا صلى الله عليه وسلم حىٌّ فالحىّ لابد من أن يكون ؛ إمّا عالما
أو جاهلا ، ولا يجوز أن يكون النبيّ صلى الله عليه وسلم جاهلا، قال تعالى فى صفته:
﴿مَضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا تَحَوَى﴾(٢) وقال: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾(٣).
فتبت أنه مؤمن، ورتبة النبوة رقبة الشرف وعلوّ المنزلة، وهو صلى الله عليه وسلم
يزداد كلَّ يومٍ شَرفا ورتبةً إلى الأبد ، فكيف لا يكون عارفا ولا نبيا ؟
والرسول: فَعُول بمعنى المرسَل، ولا نظير له فى اللغة. والإرسال: كلام الله ، وكلامه
قديم ، وهو قبل أن خُلِق كان رسولا، بإرسال الله ، وفى حالة اليوم وإلى الأبد رسول ،
البقاء كلامه ، وقِدَم قولِه ، واستحالةِ البطلان على إرساله الذى هو كلامه ، ولقد سئل
رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل له: متى كنت نبيًّا؟ فقال: (( وَآدَمُ مُنْجَدِل (٤) فِى
طِنَتِهِ » ..
وأخبرنا أبو الحسن علىّ بن أحمد الكاتب، حدثنا أحمد بن عَبْد(4) الصَّفَّار ، حدثنا
يعقوب بن غيلان، حدثنا محمد بن عبد الرحمن، حدثنا عبد الرحمن بن مَهْدِىّ، حدثنا
(١) فى المطبوعة: ((قال)) وتثبت من ج ، ز ، د .
(٢) سورة النجم ٢.
(٣) سورة البقرة ٢٨٥. (٤) فى المطبوعة: ((مجندل)) والثبت من ج، ز والنهاية ٢٤٨/١.
(٥) فى المطبوعة: ((عبيد)) وانظر حواشى صفحة ٤٠٨.

: - ٤١٢ -
معاوية بن صالح، عن سعيد بن سُوَيد، عن عبد الأعلى بن هِلال السُّطْعِىّ، عن أمِرْ باض
ابن سارِية، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إِنِّى لَخَاتَمُ النَّبِيِّنَ، وَإِنَّ آدَمَ
مُنْجَدِلٌ فِ طِنَتِهِ)).
وأخبرنا أبو الحسن على بن أحمد ، حدثنا أحمد بن عبد، حدثنا محمد بن غالب
حدثنى محمد بن سِنان، حدثنا إبراهيم بن طَهْمان، عن بُدَيل بن مَبْسرة، وعن عبد الله
ابن شَقِيق، عن مَيْسَرَة الفَجْر (١)، قال: قلت يا رسول الله: متى كنت نبيًّا؟ قال:
(( وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ» ..
فإن قيل : ثمن ابنَ وقعت هذه المسألة، إن لم يكن لها أصل؟ قيل: إنّ يَعْضَ
الكَرَّامِيّة ملاِ اللهُ قبرَه نارا - وظفَّى أن الله قد فعل - ألزم بعض أصحابنا، وقال: إذا كان
عندكم الميت فى حال موته لا يُحِسّ ولا يعلم، فيجب أن يكون النبيّ صلى الله عليه وسلم فى
قبره غيرَ مؤمن، لأن الإيمان عندكم المعرفة والتصديق، والموت ينافى ذلك، فإذا لم يكن
له عِلٍ وتصديق، لا يكون له إيمان ، ومَن لا يكون مؤمنا لا يكون نبيًّا، ولأن عندهم
الإيمان الإقرارُ الفَرْد، وذلك قولهم لما قال الله لهم: ﴿أَلَمْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قالُوا: فَى﴾(٢)
وزعموا أن قولهم: ﴿بَلَى﴾ باقٍ، والإيمان ذلك، وفى حال الموت عندهم الميت يحس ويعلم؛
وقوله ﴿بَلَى﴾ باقٍ عينه.
وهذه المذاهب لهم، مع زَكاكتها وفسادها، غيرُ ملزمةٍ لنا ما ألزمونا؛ لأن عندنا
رسول الله صلى الله عليه وسلم حىٌّ يُحْسَ ويعلم وتُعْرَض عليه أعمالُ الأمّة، وَيُبَلَّغُ الصلاةَ
والسلامَ ، على ما يتنّ، ثم الأشعرىّ لا يختصّ بقوله إن الميت لا يحس ولا يعلم ، فإن أحدا
من المعتزلة وغيرهم من المتكلمين سوى الكَرّامية لم يقل: إن الميت يحس ويعلم، وتغير
الكَرّامَيّة لم يقل أحد: إن الإيمان هو الإقرار المجرَّد، وهو قولهم (إلى) ولم يقل أحدسواهم
إن ذلك الإقرار الذى هو: ﴿ بَلَى﴾ موجود، وإن قال كثير من الناس ببقاء بعض
(١) هو عبدالله بن أبى الجدعاء التميمى حواعى الاستيعاب ١٤٨٨. (٢) سورة الأعراف ١٧٢

- ٤١٣ -
الأعراض(١). وجواب الأشعرىّ جواب جميع الناس عن هذه المسألة، مع ركاكتها
وفساد قواعدها .
واعلموا رحمكم الله أن ما يُلْزِمه الخصم بدعواه، فيقول: هذا على أصلكم، ومقتضَى
عِلتكم يلزمكم، فلا يجوز أن يُنسَب ذلك إلى صاحب المذهب ، فيقال: هذا مذهب فلان،
وما عروض هذا إلا عروض مَن قال: إن مذهب الحنفيّ أن الوضوء بالخمر جائز فى السَّفَرَ؛
لأنه إذا جوّز التوضى بالنَّبيذ على وصْفٍ، يلزمه أن يحوِّز فى الخمر؛ لاشتراكهما فى العينة ،
وهو أن كل واحد منهما مُشْكِرٍ، فمثل هذا الإلزام لا يصح أن يَنسَب به الخنفى، أن (٢)
يقول : يجوز التوضى فى السفر بالخمر عند عدم الماء .
كذلك إذا قالوا: إن مذهب الأشعرىّ أن النبيّ صلى الله عليه وسلم ليس بنبيٍّ فى
قبره؛ لأنه يلزمه حين قال: إن الميت لا يُحس ولا يعلم، أن يقول: إنه ليس بعالم ،
ولا نيّ، ومَن قال هذا كان كاذبا ، وكان قوله بهتانا، فْلْيُعْم ذلك يَزُلِ الإيهام ، إن
شاء الله تعالى .
• وأما ما قالوه إن مذهبه أنه يقول: إن اللهلا يجازى المطيعين على إيمانهم وطاعاتهم(٣)،
ولا يعذِّب الكفّار والعُصاة، على كفرهم ومعاصيهم، فذلك أيضا بهتان وتَقَوُّل، وكيف
يصح مِن قول أحدٍ يُقر بالقرآن؟ والله تعالى يقول فى مُحَكَم كتابه: (جَزَاءٍ بِمَا كَانُوا
يَعْمَلُونَ﴾(٤) ويقول: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَهُمْ بِمَ كَفَرُوا﴾(٥) ويقول: (جَزَاءُ مِنْ رِبِّكَ
عَطَاءَ حِسَابًا﴾(٦) ويقول: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِى مَنْ شَكَرَ }(٢)وغير ذلك من الآيات ، ولیس
الخلاف فى ذلك، وإنما الخلاف فى أن المعتزلة ومن سلك سبيلهم، فى التعديل والتجور (٨)
زعموا أنه يجب على الله تعالى أن يثيب المطيعين، ويجب عليه أن يعذَّب العاصين،
(١) فى ج، ز، د: ((الأعراب)) والمثبت فى المضوعة. (٢) فى المطبوعة: ((أنه)) والمثبت
من ج، ز. (٣) فى المطبوعة: ((وطاعتهم)) والمثبت من ج، ز. (٤) سورة الأحقاف ١٤.
(٧) سورة القمر ٣٥° وفى الأصول:
(٦) سورة النبأ ٣٦.
(٥) سورة سبأ ١٧.
« وكذلك)) خطأ . "
(٨) فى الأصول: ((والتجويز) بالزاى. خطً.
=

- ٤١٤ -
[قطاعة المعطيمين عِّة فى استحقاقهم ثوابَه، وزَلَاتُ العاصين عِلّة فى استحقاقهم عقا به](١)
وقال أهل السنة من الأشعرية، ومِن جميع من خالف المعتزلة: إن الله سبحانه لا يجب عليه
شىء ، وقالوا: إن الخَلْقَ خَلْقُه، والُكَ مُلْكُه، والحكْمَ حُكْمُه، فله أن يتصرّف فى
العياد بما يشاء ، وله أن يوصل الألم إلى من يشاء، ويوصِل اللذّة إلى مَن يشاء، وأنه يثيب
المؤمنين، ووعد لهم الجنة، وقوله صِدْق، فلا محالةَ أنه يجازيهم ويثيبهم، ولو لم يَعِدْم عن
ضاعاتهم التواب، لم يكن يجب للعبد عليه شىء، فإنه توعّد العصاة بالعقوبة على معاصيهم على
ذلك، لأن وعيده حق ، ولو لم يعدّبهم ولم يتوعّدهم، لكان ذلك جائزًا، إلا أن الله سبحانه
قال فى صفة نفسه: (فَعّالْ لِمَا يُرِيدٌ﴾ (٣). فالمطيعون لا محالةَ لهم جزاء الطاعات، ولكن
بفضل الله عليهم، لا باستحقاقهم، والعاصون لا تحالة لهم على معاصيهم ما توعّدِهم به من العقاب،
لكن لحكمة، لا باستحقاقهم، فالطاعات والمعاصى علاماتٌ للثواب والعقاب، لا عِلِلٌ
ولا موجِبات، ومَن صرّح فى مخالفة هذا فقد أقر بالاعتزال والقَّدَر، ولقد أخبر الله سبجاه
عن أهل الجنة أنهم يقولون: ﴿الَّذِى أَحَلََّ دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾(٣).
وقال تعالى: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَ كَى مِنَكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾(٤).
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآ مَنَ مَنْ فِىِ الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ
حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾(٥) .
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآَ تَيْنَ كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّى لَأَمْلَأَنّ
جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَمِينَ﴾ (١).
وقال تعالى: ﴿فَ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَّهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلاَمِ﴾(٧).
: أخبرنا أبو نعيم عبد الملك بن الحسن بن محمد الإسْفَراينى، أخبرنا أبو عوانة يعقوب
(١) هكذا فى المطبوعة، ومكانه فى ج، ز، ه: ((عليه فى استحقاقهم عقابه، وق ج وضع فوق
(٢) سورة فاطر ٢٥ :.
((عقابه)): "نوابه)) ..
(٢) سورة البروج ١٦.
(٦) سورة السجدة ١٢
(٥) سورة يونس ٠٫٩٩
(٤) سورة النور ٢١ .
(٧) سورة الأنعام ١٢٥.

-
- ٤١٥ -
ابن إسحاق، حدثنا سعيد بن مسعود المَرْوَزِىّ السُّلَمِىّ، أخبرنا النَّصْر، عن شُهَيْل(١)،
أخبرنا أبو (٢) تمون، عن محمد، عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((لَيْبِىَ أَحَدْ مِنَكُمْ يُنْجِيهِ عَمَلُهُ)) قالوا: ولا أنت يارسولَ الله؟ قال: ((وَلَاَ أَنَا إِلَّا أَنْ
يَتَغَمَّدَ فَى اللهُ [مِنْهُ بِرَحْمَةٍ وَمَغْفِرَةٍ».
أخبرنا الإمام أبو بكر محمد بن الحسن بن فُورك رحمة الله عليه، أن عبد الله بن جعفر
أخبرهم: حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود الطيالِىّ، حدثنا ابن أبى ذئب ،
عن سعيد، عن أبى هريرة رضى الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
( مَا مِنْكُمْ أَحَدْ يُنْجِيهِ عَمَنُهُ)) قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ((ولا أنا إِلَّا
أَنْ يَتَغَمَّدَنِ اللهُ مِنْهُ](٣) بِرَحْمَةٍ)) (٤).
وهذه المسألة من شُعَب مسألة القَدَر ، وأهل الحق لا يقولون بوجوب شىء على الله ،
ويقولون: لله أن يحكم على عباده بما يريد، ويختصَ مَن يشاء بالرحمة، ويُخُص من يشاء
بالألم والشدة، ولو لم يَعِدْ أهلَ الطاعات بالثواب، لم يتوجّه لأحد عليه حقّ ، ولو ابتدأ
الخلق بالعذاب لم يلحقه فیه لوم .
ولقد روى ابنُ الدَّيْلَمِّ، رحمه الله، قال: أتيت أُبىّ بن كعب، رضى الله عنه،
فقلت: إنه وقع فى نفسى شىء من القَدَر، حدَّثنى بشىء لعل الله أن يُذهب(٥) من قلبى،
فقال: لو أن الله عزّ وجلّ عذّب أهل سماواته وأهل أرضه عدّبهم وهو غير ظالم لهم،
ولو رحمهم كانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم، ولو أنفقتَ مِثل أُحُدٍ ذهباً ما قبله الله عزّ
وجلّ منك، حتى تؤمن بالقَدَرِ، وتعلم أن ما أخطأك لم يكن ليُصِيبَك، وما أصابك لم يكن
ليُخْطِئَك، ولو مُتَّ على غير هذا دخلتَ النار .
(١) فى المطبوعة: ((سهيل)) وفى فى، د: ((سهل)) وأثبتنا ما فى ج ولعله سهيل بن نابى الجرمى.
انظر المشتبه ٣٧٨، والقاموس (ش . ل) وقد ذكر أنه من تبع التابعين. (٢) فى المطبوعة، ج: («ابن»
وأثبتنا ما فى ز، د.وهوأبوعون جعفر بن عون بن جعفر المخزومى العمرى الكوفى. العبر ٣٥١/١.
(٤) فى المطبوعة : « رحمته)
(٣) ساقط من المطبوعة. واستكمااه من ج، ز، د.
(٥) فى المطبوعة: ((يذهبه)) وأعبنا ما فى ج، ز، د.
وأثبتنا ما می ح، ز ، د .

- ٤١٦ - .
ثم لقيتُ عبد الله بن مسعود، فقال مثل ذلك ..
ثم لقيتُ حُذيفة بن اليمان ، فقال مثل ذلك ..
ثم لقيتُ زيد بن ثابت؛ فحدثنى عن النبى صلى الله عليه وسلم بمثل ذلك.
ولقد أخبرنا أبو الحسن على بن أحمد الأهْوازِىّ، أخبرنا أحمد بن عبد الصَّفَّار، حدثنا
بشر بن موسى، حدثنا حجّاج، حدثنا إسماعيل بن عَيّاش الجمعِىّ، حدثنا عمر بن
عبيد الله، مولى غُفرة(١)، عن رجل من الأنصار، عن حذيفة، قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: ((يَكُونُ قَوْمٌ يَقُولُونَ: لَا قَدَرَ، أُولَئِكَ مَجُوسُ هَذِهِ الْأَمَّةِ ،
فإِنْ مَرِضُوا فَلاَ تَمُودُوهُمْ، وَإِنْ مَتُوَا فَلَا تَتْهَدُوهُمْ؛ فَإِنَّهُمْ شِيعَةُ الدَّجَّالِ، وحُقَّ
عَلى اللهِ أن يلحقھُمْ بِهِ
وأخبرنا على بن أحمد ، أخبرنا أحمد بن عبد ، حدثنا محمد بن خلف بن هشام ، حدثنا
◌ُخْرِزِ بن ◌َون، عن حسّان بن إبراهيم الكِرْمَانِيّ، عن نَصْر، من فَتَادة، عن أبى حسّاز
الأعرج، عن ناجية بن كعب ، عن عبد اللهبن مسعود، رضى الله عنه، قال : قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: (خَلَقَ اللهُ يَحْبِى فِى بَطْنِ أُمٍِّ مُؤْمِناً، وَخَلَقَ اللهُ فِرْ عَوْنَ فِى
بَطْنِ أُمَّهِ كَافِراً)) ..
فالحمد لله الذى أوضح سبيل الدين بحُجَجه، وهدى للحق سالكى نَهْجه، وخذل أهل
البدِع حتى فَصَحوا أنفسهم بنصرة الباطل، وظهر لجميع أهل السنة ما كان ملتينا عليهم
من أحوالهم الجافية .
• وأما ما يقولون عن الأشعرىّ أن مذهبه أن موسى عليه السلام لم يسمع كلام الله
عز وجل، فسبحان الله !كيف لا يستحى من يأتى بمثل هذا البُهتان ، الذى يشهد بتكذيبه
كلُّ مخالفٍ وموافِق؟ إن حَدَّ ما يجوز أن يُسمع عند الأشعرىّ هو الموجود، وكلام الله
عنده قديم، فكيف يقول: لا يجوز أن يسمع كلام الله، وقد قال الله سبحانه: ﴿وَ كَلَّمَ
(١) هكذا بالضم فى ج.

- ٤١٧ -
اللّهُ مُوسَى تَكْلِيماً))(١) ومذهبه أن الله تعالى أفرد موسى فى وقته بأن أحمعه كلامَ نفْسه،
بغير واسطة، ولا على لسان رسول، وإنما لا يصح (٢) هذا على أصول القَدَرِيّة، الذين
يقولون: إن كلام الله مخلوق فى الشجرة(٣)، وموسى عليه السلام يسمع(٤) كلامه ، وقال
الأشعرىّ: لو كان كلامه سبحانه فى الشجرة ، لكان المتكلّم بذلك الكلام الشجرة ،
فالقَدَرِيّة قالوا : إن موسى عليه السلام سمع كلاما من الشجرة ، فلزمهم أن يقولوا إنه سمع
كلام الشجرة، لا كلامَ الله وهذا كما قيل فى المثل: رَمْنِى بدائها وانْسَلَّتْ. ومَن نَسب
إلى أحد قولا لم يسمعه يقوله ، ولا أحدحكى أنه سمعه يقول ذلك، ولا وُجد ذلك فى كتبه ،
ولم يقله أحد من أصحابه، ولم يناظر عليه أحدٌ ممن ينتحل مذهبه، ولا وُجد فى كُتِب
المقالات لموافِق ولا مخالف أن ذلك مذهبُه، عُلم أنه بُتان وكَذِب، وقد قال الله تعالى فى
قصة الإفك ﴿لَوْلًا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهِذَا سُبْحَانَكَ هَذَا
بُهْتَنٌ عَظِيمٌ )(٥) وهذه مضاهية لتلك، وأعوذ بالله من رِقّةَ الدِّين، وقلَّة الحياء.
• وأما ما قالوا إن مذهبه أن القرآن لم يكن بين الدَّنَّتين، وليس القرآن فى المصحف
عنده ، فهذا أيضا تشنيع فظيع، وتلبيس على العوامّ.
إن الأشعرىّ وكلَّ منهم غير مبتَدِع يقول: إن القرآن كلامُ الله ، وهو على الحقيقة
مكتوب فى المصاحف ، لا على المجاز، ومَن قال: إن القرآن ليس فى المصاحف، على هذا
الإطلاق ، فهو مخطىء، بل القرآن مكتوب فى المصحف على الحقيقة، والقرآن كلام الله،
وهو قديم غير مخلوق، ولم يزل القديمُ سبحانه به متكلِّمًا، ولا يزال به قائما ، ولا يجوز
الانفصال على (٦) القرآن عن ذات الله، ولا الحلول فى الحالِّ، وكون الكلام مكتوبا على
( ١) سورة النساء ٠:١٦٤ ...
(٢) فى المطبوعة: ((لا يجوز)» وأنيتا مائج
(٣) فى ج، ز، د: ((الشجر)) والمثبت فى المطبوعة، وهو موافق !! سيان.
(٤) في د فقط: «سمع))." (٥) سورة النور ١٦. وفى الأصول: ( لو)) خطاً ...
(٦) فى المطبوعة: (عن)) والمثبت من : ج، د،م).
( ٢٧ / ٣ _ فقات )

- ٤١٨ -
الحقيقة فى الكتاب لا يقتضى حلولَه فيه ، ولا انفصاله عن ذات المتكلّم ، قال الله سبحانه:
﴿النَِّيَّ الْأُمِّنَّالَّذِىِ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبً مِنْدَهُمْ فِ الثَّوْرَاةِ وَالْإِنِيلِ﴾(١) فالنبِىّ
صلى الله عليه وسلم على الحقيقة مكتوب(٣) فى التوراة والإنجيل، وكذلك القرآن على
الحقيقة مكتوب فى المصاحف، محفوظ فى قلوب المؤمنين، مقروء متلُوٌّ على الحقيقة، بألسنة
القارئين من المسلمين، كما أن الله تعالى على الحقيقة ، لا على المجاز، معبودٌ فى مساجدنا،
معلوم فى قلوبنا ، مذ كور بألسنتنا، وهذا واضح بحمد الله، ومن زاغ عن هذه الطريقة
فهو قَدَرِىٌّ معتزلىّ، يقول بخَلْق القرآن، وأنه حالٌّ فى الصحف ، نظير ما قالوا: إنه لما
أجمع موسى عليه السلام كلامه خَلَق كلامه فى الشجرة، وهذا من فضائح المعتزلة، التى لا يخفى
فسادُها على محصِّل، وذلك أن عند الجَبَائِيّ الذى هو رئيس القَدَرِيّة البَصْرِيّة أن القرآن:
يَحُلُّ [فى](٣) جميع المصاحف، ولا يزداد بزيادة المصاحف، ولا يَنْقُص بنْقُصَانِها، وهو.
حالٌ فى حالة واحدة، فى ألف ألف مصحف ، وإذا زيد فى المصاحف يحصل فيها، وإذا
نقصت المصاحف، ويطلب لم يبطل الكلام، ولَم يَنْقُصِ، ولئن لم يكن هذا قولا متباقضا
۔۔
فاسدا ، فلا مُحالَ فى الدنيا .
وأما البغدا يون من المعتزلة ، فعندهم كلام الله عز وجل كان أعراضا حين خلقه ،
والقرآن عندهم كان أعراضًا، ولا يجوز عندهم البقاء على الأعراض، فعلى مذهبهم ليس لله
إلا كلامٌ موجود على الحقيقة، والقرآن الذى أنزله الله عز وجل على محمد صلى الله عليه
وسلم ، ليس بباقٍ اليوم، ولا موجود، ومَن ينتحل مثل هذه البِدَع، ثم يرمى خَصْمَه
بما هو برىء منه، فالله سبحانه جَميبه، وجميع أهلِ التحصيل شهداء على ◌َهته.
• وأما ما قالوا إن الأشعرى يقول بتكفير العوام، فهو أيضا كَذِب وزور، وقصدُ.
مَن يتمنّت بذلك تخريشُ الجَهَلة، والذين لا تحصيلَ لهم عليه، كمادة من لا تحصيل له.
فى تقوُّله بما لا أصل له، وهذا أيضا من تلبيات الكَرّاميّة على العوام، ومن لا تحصيل له،
(١) سورة الأعراف ١٠٧. (٢) فى المطبوعة: ((مكتوب عندهم)) والفيت من ج، ز، د.
(٢) زيادة فى المطبوعة على ما فى ج، ز ، د.
٠٠

- ٤١٩ -
فإنهم يقولون: الإيمان هو الإقرار المجرّد، ومَن لا يقول: الإيمان هو الإقرار،
إنسَدَّ(١) عليه طريقُ التمييز بين المؤمن وبين الكافر؛ لأنه إنما نُفُرِّق بينهما بهذا الإقرار.
وغير الكَرّامية من [غير](٢) أهل القبلة لا يجوِّز هذا السؤال، وجميع أهل القبلة سوى
الكَرّامية فى الجواب عن هذا السؤال متساوُون.
وذلك أن الإيمان عند أصحاب الحديث: جميعُ الطاعات فَرْضِها ونَغْلِها ، والانتهاء عن
جميع ما نعى اللهُ عنه، تحريما وتنزيها.
وعند أبى الحسن الأشعرىّ رحمه الله الإيمان : هو التصديق. وهذا مذهب أبي حنيفة
رضى الله عنه (٣)، وأظن بجميع عوام المسلمين أنهم يصدّفون اللّه تعالى فى إخباره، وأنهم
عارفون بالله، مستدلّون عليه بآياته، فأما ما تنطوى عليه العقائد، ويستكِنّ فى القلوب
من اليقين والشك ، فالله تعالى أعلم به، وليس لأحد على ما فى قلب أحدٍ اطلاع، فنحن
بحكم لجميع عوام المسلمين بأنهم مؤمنون مسلمون فى الظاهر، ونُحسن الظنّ بهم، وأستقد
أن لهم نظرا واستدلالا، فى أفعال الله، وأنهم يعرفونه سبحانه، والله أعلم بما فى قلوبهم،
وليس كلّ ما يحكم به على الناس بأحكام المسلمين هو عين الإيمان ، فإن الدار إذا كانت
دارَ إسلام، ووجدنا شخصا ليس معه غيارُ(٤) الكفّارِ، فإنا نأكل ذبيحته ونصلَّى خلفه،
ولو وجدناه ميتا لغسلناه، وفعلّى عليه، وندفنه فى مقابر المسلمين، ونقد معه عقد المصاهرة،
وإن لم نسمع منه الإقرار ، وكونُه بزِىّ المسلمين بالاتفاق ليس بإيمان، وبذلك نُجرى عليه
أحكام المؤمنين [ وكذلك بالإفرار نُجرى عليه أحكام المؤمنين}(٥) وإن كان الإيمان
غير الإقرار.
(٢) زيادة من ج، ن، د على ما فى المطبوعة
(١) فى المطبوعة: ((أسنده والتصحيحمن ج، ز.
(٣) فى المطبوعة: ((رحمه الله)) والمثبت من ج ، ز.
(٤) ف المطبوعة : «عيار)» بالجملة .
والتصحيح بالمعجمة من ج، ز. وهو بالكسر: علامة أهل الذمة. القاموس (غ ی ر)
(٥) ساقط من المطبوعة، وهو من ج، ز ، د .

عن ٤٢٠ -
فإن قيل : فقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ.
وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِيْنَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾(١) وإذا أتى بالإقرار حكمنا بإيمانه، فُعلم
أن الإقرار هو الإيمان .
قيل: هذا كسؤال الكَرَامِيّة، ولا يختص الأشعرىّ بجوابه، فجميع من لا يقول
إن الإيمان هو الإقرار المجرَّد مشترٍكون فى الجواب عن هذا.
وجواب الجمهور: أنا بإقراره تحكم فى الظاهر بإيمانه، والله أعلم بحقيقة حاله،
فى صدقه وَكذبه، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَ بُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾(٢) ثم إذا قالت:
تقد طَْرْتُ، جاز قُرْ بَانُها، وإن جاز أن يكون حالها فى المغيَّب، بخلاف ما قالت؛
فكذلك هذا ..
فإن قالوا: فالأشعرىّ يقول إن العوامّ إذا لم يعلموا علىَ الكلام ، فهم أصحاب التقليد،
فليسوا بمؤمنين.
قيل : هذا أيضا تلبيس ، وتقول: إن الأشعريّ لا يشترط فى صحّة الإيمان ما قالوا.
من علم الكلام، بل هو وجميع أهل التحصيل ، من أهل القبلة يقولون: يجب على المبكاً:
أن يعرف الصانعَ المعبودَ بدلائلة التى نصبها على توحيده ، واستحقاق نغوت الرُّبوبية،
وليس المقصود استعمال ألفاظ المتكلّمين، مِن الجوهر والعرض، وإنما المقصود حضول
النظر والاستدلال المؤدّى إلى معرفة الله عز وجل، وإنما استعمل المتكلمون هذه الألفاظ
على سبيل التقريب والتسهيل على المتعلّمين، والسَّلَفَ الصالح وإن لم يستعملوا هذه الألفاظ،
لم يكن فى معارفهم خَلَل ، والخلَف الذين استعماوا هذه الألفاظ، لم يكن ذلك منهم
لطريق الجق مباينةً، ولا فى الدين بدعةً، كما أن التأخرين من الفقهاء عن (٣) زمان الصحابة
والتابعين استعملوا ألفاظ الفقهاء، من لفظ العلّة، والمعلول، والقياس، وغيره، ثم لم يكن
استم الهم بذلك بدعة، ولا خُلُوُّ السَّفَ عن ذلك كان لهم نقصا، وكذلك شأن النحويين،
والتصريفيين، ونَقَلة الأخبار، فى ألفاظ تختص كل فرقة منهم بها.
(٢) سورة البقرة ٠٢٢٢
(١) سورة البقرة ٢٢١.
(٢) ف ج، ز، د : ( من)) والتبت فى المطبوعة.