النص المفهرس
صفحات 241-260
- ٢٤١ -
جوابُه: أنه ولو كان الأمرُ كما قال، إلا أن الشَّرع كذَّبه، فهو كاذب عند الله، سواء
طابق ما فى نفس الأمر ، أم لا ...
سمعت الشيخ الإمام غير مرَّة يقول، فى قوله تعالى: ﴿فَأُوْلَبِكَ عِنْدَ اللهِ هُمْ
الْكَذِبُونَ)(١) هذا كذب شَرْعِىّ، لا يُطلَق فيه عدمُ مطابقة مافى نفس الأمر.
لكن صَدَّنى عن الأخذ بظاهر النَِّّ، أن الشافعى رضى الله عنه ذكر فى أثنائِهِ،
ما يعرَف به أنه ليس مُرادهُ لفظَ الكذب، لأنه رضى الله عنه، قال فى (( المختصر)):
((والتوبة ! كذابُه نفسَه، لأنه أذنب بأن نطقَ بالقَذْف [والتوبةُ منه أن يقول: القذفُ
باطل )) انتهى . قال الرُّوبانِيّ. وفى نسخة أخرى: والتوبةُ إ كذابهُ نفسَه بأنه بأن نطق
بالقذف](٢) ...
قال: « وهما متقاربان فى المعنى )).
قلتُ : المعنى على النسخة الأولى ! كذابه نفسه فقط ، وعلى الثانية ! كذابه نفسه بأن
نطَقَتْ بالقذف ، ففيها تأييد لقول أبى إسحاق كما ستعرفه؛ فإنه يقول: الكذبُ فى أنه
قَدّف، لا فى أن المقذوفَ زنا. وفى هذه النسخة دلالة على تأويل لإمام الحرمين ، سنحكيه
عنه، فلولا قوله: ((التَّوبةُ منه أن يقول: القذف باطل)) الرجَّحت رأى الإصْطَخْرِىّ،
لكن هذا الفظ يقتضى الاكتفاء بهذه الصِّيفة، ومن ثَمَّ أقول: ما وقع فى (الرّافعىّ))
(والمحرَّر)) ((والمنهاج)) من أنه يُشتَرط أن يقول: (قِذْفى باطل، وأنا نادمٌ عليه
[ ولا أعود إليه]))(٣) انتهى. لست أقبلُ منه إلا قولَه ((قذْفى باطل)) أما ما زاد عليه،
فزيادات ليست فى النَّصّ، ولا يَدَلُّ لها دليلٌ، فعم لا بد من النَّدم، وعَزْم ألاّ يعودَ
بكلِّ(٤) توبة، أما التَّنْفُّظ بهما فمن أين؟ لا دليل يدل عليه، ولا نصَّ يُرشِد إليه .
(٢) ساقط من المطبوعة ،
(١) سورة النور ١٣. وفى الأصول: ((وأولئك)) وهو خطأ.
وهو فى: ج، ز، د. (٣) زيادة من: ج، ز على ما فى المطبوعة. (٤) فى المطبوعة: ((الكل))
والابت من : ج ، ز.
(١٦/ ٣ - طبقات)
- ٢٤٢ -
وقد يقع فى الذهن أنه لم يقصد بهما حقيقتهما ، بل المقصود لفظ يدل على إبطال
القذْف، ويجبُر ما كان من فُحْشِه من غير اختصاص بهذه(١) الصِّيَغ، ولذلك قال الرافعىّ:
(( وما أشبه ذلك)) فلا يكون ذكر هذه الألفاظ لتعينها فى نَفْسِها(٢)، ولا للتَّعْبُّدُ بصيغها،
بل المقصود لفظ يقوم مقام لفظٍ حصل الأذى به، فكما أذى وقدَف بلسانه. كذلك
يَجِبُر ما كان منه بلسانه، ليَنُوبَ(٣) قولٌ عن قول، ثم ضرب الشافعى لذلك مثلا قوله:
((القذفُ باطل)) وهو صحيح، أما ( إِنَّى نادم)) فلفظٌ غير مُعيَنَ(٤)، وقَلَّ مَن ذَكَره،
وأما (( لا أعود)) ففيه ما عرفتَ من الوجهين.
وهذا ما حضر نى الآن من كلام الأصحاب :
قال الشيخ أبو حامد، شيخ العراقيين، فى ((تعليقه)) ما نصه: وإن كان قدفاً،
فإمَّا أن يكون قاذفاً من طريق السَّبِّ والشَّتْ، أو كان قاذفاً من طريق الشَّهادة، فإن كان
قاذفاً من طريق السَّبّ والشَّم، فإن الشافعىّ قال: ((توبتُه إكذابه نفسه)) واختلف
أصحابُنا فيه، فقال أبو سعيد الإِصْطَخْرِىّ: يقول: ((كذبتُ فيما قلتُ)) أو ((أبطلْتُ
فيما أخبرتُ)). قال: لأنه إذا أ كَذَب نفسَه فيما قذفَها به ، فقد تاب .
وقال أبو إسحاق، وعامةُ أصحابنا: يقول فى تَوْبَتِهِ(٥): ((القذفُ باطِلٌ جرامٌ،
ولا أعودُ إلى مثلِه أبداً)» ؛ لأنه قد استباح هذا القولَ لَمَّا فذفَها، وتوبتُهُ أن يأتىَ بضدِّ
الاسْتباحة، وهو التحريمُ والإبطال، بأن يقول: ((كذبتُ فيما قلتُ))؛ لجواز(٦).
أن يكون صادقاً فى القذف باطناً، فإذا قال: ((كذبتُ)) وهو كان صادقاً فيه فقد عَضَى.
فإن قيل: ما الفرقُ بين القاذف والمرتَدّ، حتى قلتُم : القاذف يُطالَب بأن يقول :
(( القذفُ باطلْ حرامٌ))، والمرتدُّ لا يُطالَب بأن يقول: ((الكفرُ بالْ حراءٍ».
.(١) فى المطبوعة: ((هذا)» والتصويب من: ج، ز. (٢) فى الطبوعة: ((لفضها)» والتصويب
(٣) فى المطبوعة: ((لثبوت)) والتصويب من : ج، ز .
من : ج ، ز .
(٤). فى المطبوعة :
(٥) فى المطبوعة: «قوبة)» والتصويب من: ج.
((متعين)) والثبت من: ج، ز .
.(٦) فى ج، ز: ((بجواز)) والمثبت فى المطبوعة.
- ٢٤٣ -
فالجواب عنه: أنه لافرقَ بينهما فى المعنى؛ وذلك أن القاذفَ مردودُ الشَّهادة، لاستباحة
القذف، ولا يكون من أهل الشهادة إلا بإثيانه بضدّه، وضِدُّه أن يُحرِّم(١) القذف، والمرتد
مردود الشهادة لكُفره ، ولا يعود إلى حال الشهادة، إلا أن يأتىَ بضدِّ الكفر، وضدُّه أن
يأتى بلفظةِ(٢) الإيمان. انتهى.
وفيه فوائد :
منها ، أن أبا سعيد لا يعِّن لفظ الكذب، بل يقول: (( كذبتُ)) أو ((أَبْطَلتُ فيما
أخبرتٌ)) وهى فائدة لم أجد التّصريح بها فى كلام الشيخ أبى حامد.
ومنها أن الكلام مخصوص بقذْفِ السَّبِّ والإيذاء؛ وهو الصواب، وسنتكلم عليه.
وقال أبو الحسن الجوزى فى ((كتاب المرشد)): واختلف أصحابنا فى توبة القاذف ،
فقال بعضهم: هى قوله: (( القذفُ باطل)) ولا يقول: ((إنى كاذب))؛ لأنه إذا قال هذا
فهو فاسق [ به](٣) الساعة؛ لكذبه .
وقال بعضهم: لا فصل بين قوله: (( القذفُ باطل)). وبين قوله: ((كذبتُ)) وقد
قال الشافعي: ((التوبة إ كذاً به نفسه)) انتهى.
وفيه دلالة على أن أبا سعيد إن كان هو المشار إليه بقوله(٤): ((وقال بعضهم)) لا
يعيّن لفظ ((الكذب)) بل يخيّ بينه وبين ((القذف باطل)) وغيره يمين لفظ ((القذف باطل»
ولا يخيرِّ لفظ ((الكذب)).
ويخرج من هذا إن خرَج على ظاهره ثلاثة أوجه: تعيينُ لفظ الكذب، وتعيينُ عدمه،
وتفريع كلٍّ منهما .
وقال القاضى أبو الطّيِّب فى ((تعليقته)) فى كلامه على قول الشافعى: ((والتوبة
إكذابه نفسه)) ما نتُّه: ثم ذكر بعد ذلك أن التوبة قوله: ((القذف باطل)) واختلف
(١) فى ج، ز: ((خريم)» والمثبت فى المطبوعة .
(٢) فى المطبوعة: ((بلفظ)» والمثبت من: ج ، ز.
(٤) فى ج، ز: «فقوله)) وهو خفاً ، صوابه
(٣) زيادة من : ج ، ز على ما فى المطبوعة .
فى المطبوعة .
- ٢٤٤ -
أصحابنا فيها (١)، فقال أبو سعيد الإصْطَخْرِىّ: توبته أن يكذِّب نفسه، فيقول:
((كذيتُ فى هذا القذف))؛ لأن الشافعىّ قال: (( إ كذابُه نفسَه)).
.وقال أبو إسحاق: التوبة أن يقول: ((القذفُ باطل فى جميع الأحوال). كان صادقاً
فيه ، أو كاذباً؛ لأنه لا يجوز لأحدٍ أن يقذف أحداً ، وإن كان صادقاً فى قَدْفه إيّاه ؛ لأن
الله عزَّ وجلَّ نهىَ عن ذلك على الإطلاق . وهو الصحيح .
وأبى أصحابُنا ما قاله أبو سعيد، وقالوا: هذا يؤدِّى إلى أن ينكلِّمه الكذب؛ لأنه
ربما كان صادقاً فى القَذْف، فإذا كَلَّفْناه أن يقول: (( كذبتُ فى القذف)) كان كاذباً؛ لأنه
ربما كان صادقاً فى قَدْفه، وإذا قال: ((القذف باطل)) لم يكذب؛ لأنه باطل سواء كان
صادقاً فيه ، أم كاذباً؛ لأنه لا يجوز أن يقدِف أحداً بحال. انتهى.
وقال القاضى الحسين: توبة القاذف أن يقول: ((القذفُ باطل)) أو (( ما كان ينبغى
لى أن أقذف)) أو ((لم أكن ◌ُحقًّا فيما قلتُ)) ولا يكلّف أن يقول: (كذبت فيما
قلتُ))، لاحتمال أنَّ المقذوف قدزنا، وأنه صدق فيما نسبَه إليه، غير أن المسلم مأمور
بحِفْظ السُّبْر على أخيه المسلم، فلهذا صار مُؤَاخَذاً بالقذف، ومعنى قول الشافعى: ((التَّوبةُ
! كذابُه نفسَه)) أىْ(٢) يكذِّب نفسه فيما أخبر، ويقول: (( ما كنتُ مُحِقًّا فى ذلك
الخبر» ، لأنه يتخيَّل للسامع من قوله أنه صادق، فيقطعُ ذلك التَّوهُم بالتَّوبة، فلهذا
سماه ! كذاباً.
وقال الإِصْطَخْرِىّ: توبتُه أن يقول: ((كذبتُ فيما قلتُ))، لظاهر لفظ الشَّافِعِىّ:
(( إكذابُه ــه)).
وقال أبو إسحاق: يقول: (قَدْ فى جرام" باطل)).
وقال الفقَّل: ((القذفُ باطل، ما كان ينبغى لى أن أقدِفِه)) انتهى.
(١) فى المطبوعة، ((فيما) وهو خطأ، صوابه من: ج.، ز".
والمثبت من : ج ، ز .
(٢) فى المطبوعة : (( أن ))
- ٢,٤,٥ -
فانظر كيف ختم كلامه ، بقوله : وقال أبو إسحاق، وقال القفَّال، وذكر صيغَتيْن
عنده(١)، أن فى كل منهما كفاية، ولذلك خَيَّر فى أول كلامه بين كل منهما. وزاد ((أو لم
أكن ◌ُحقًّا)» فدلَّ أن المرادَ أحدُ هذه الألفاظ، أو ما يشبهها، وأنه ليس المقصودُ واحداً
بعينه ، ولا أظن أصحابَنَا يختلفون فى ذلك، ولا يُعيِّئُون(٢) لفظ (( إنى نادم)» كما أوهمته
عبارةُ الرافعىّ، ومن يَتَّبعه(٣)؛ وليس موضعَ اختلافهم إلا شيآن:
أحدهما لفظ ((البكذب)) قاله أبو سعيد، ولا يصدُّفِى عنه إلا قول الشافعيّ: ((والتوبةُ.
قولُهُ: القذفُ باطل)) ...
والثانى: لفظ (( لا أعود)» لتصريح المَوَرْدِىّ فيه بحكاية الوجهين.
أما لفظ: ((إِى نادم )» فلا أعرفُه، ولا وجه له .
وقال المَوَرْدِىّ رحمه الله: أما القذف(٤) بالزنا فلا يكون بعد(٥) النَّدم والعزم؛
إلا بالقول؛ لأنه معصية" بالقول. كالرِّدَة، فيُعتبر فى صحة توبته ثلاثةُ شروط: أحدها
الندمُ على قذفه، والثانى العزمُ على ترْك مثله، والثالث ! كذابُ نفسِهِ، على ما قاله
الشافعىّ ؛ فاختلف أصحابنا فى تأويله على وجهين .
أحدُهما، وهو قول أبى سعيد الإصْاَخْرِىّ: أنه محمول على ظاهره ، وهو أن يقول :
(( وإنى كاذبٌ فى قدْفى له بالزّنا)) وقد روَى عمر أن النبيَّ صلَّى الله عليه وسلم، قال.
تَوْبَةُ الْقَاذِفِِ إِ كْذَّاُ بِهُ نَفْسَهُ)).
والوجهُ الثانى، وهو قول أبى إسحاق الْمَرْوَزِىّ، وأبى علىّ بن أبى هُرَيرة، أن
إكذابَ نفسِهِ أن يقول: ((قذْفى له بالزِّنا كان باطلًا)) ولا يقول: ((كنتُ كاذباً فى
قدْفى))؛ لجواز(٦) أن يكون صادقا ، فيصير عاصياً بكذبه ، كما كان عاصياً بقَدْفه.
(١) كذا فى الأصول، ولعل المعنى: وذكر صيغتين عنده دليل أن فى كل منهما كفاية.
(٢) فى المطبوعة: ((يعنون)) وفى ز: ((يعتنون)) والمثبت من: ج ..
(٣) فى المطبوعة: ((تبعه)) والمثبت من: ج، ز. (٤) لعله يعنى: أما التوبة عن القذف بالزنا.
(٦) فى ج، ز: (( بجواز)) والمثبت
.
(٥) فى المطبوعة: (( بعدم)) والصواب من : ج، ز.
فى المنوعة .
- ٢.٤٦ -
وهل يحتاج أن يقول فى التوبة. ((ولا أعودُ إلى مثله)) أولا ؟ فيه وجهان:
أحدهما ؛ لا يحتاج إليه ؛ لأن العزمَ على ترْكِ مثله يُغنِى عنه.
والوجه الثانى: لا بد أن يقول: ((لا أعود إلى مثله)) لأن القول فى هذه التَّوبة
مُعتبَرَ، والعزم ليس بقولٍ . انتهى .
وهو كالنَّص على أن لفظَ النَّدم لا يُشتَرط، إنما الشُتَرط معناه.
وقال النُورَانِيّ فى (العَمْد)»: اختلف أصحابُنا فى التَّوبة، منهم من قال: هو أن
"يُكذِّب نفسه، فيقول: ((كذبتُ فيما قلت"))، ومنهم من قال، وهو الأصحّ: هذا:
لا يكون توبة، لاحتمال صِدْقِه فى القذْف، لكن التوبة أن يقول: (القذْفُ باطل))
أى قذفُ الناس باطل، و (( ما كان لى أن أقذف» و ((وقد رجعتُ عما قلتُ، وتُلتُ عنه.
فلا أعود إليه)» .
وقال الشيخ أبو إسحاق فى (المُهذَّب)) قبل ((باب عدد الشهود)) (١) فى التوبة
من المعصية ما نصُّه: وإن كان قدْفا فقد قال الشافعىّ رضى الله عنه: (( التوبةُ منه ! كذابُهُ.
نفسه )) .
واخلتف أصحابنا فيه، فقال أبو سعيد الإصْطَخْرِىّ: هو أن يقول: ((كذبت فيما قلتُ).
ولا أعود إلى مثله». ووجهُه ما رُوِىَ [عن](٣) عمر رضى الله عنه، أن النبيَّ صلىَّ الله عليه
وسلَّ، قال: ((تَوْبَةُ الْغَازِفِ إِ كْذَا بِهَ نَفْسَهُ)).
وقال أبو إسحاق، وأبو علىّ ابن أبى هريرة: هو أن يقول: ((قدْفى له كان باطلا))
ولا يقول: ((إنىٌّ كنت كاذباً)) لجواز أن يكون صادقاً، فيصير بكذبه عاصياً، كما كان
بقدْفِهِ عاصياً . انتهى .
وفيه موافقة الرّافعىّ على نقله عن أبى سعيد، أنه يقول: ((ولا أعودُ إلى مثله »
لكنه قصَر هذه اللفظة على مقالة أبى سعيد، ولم يذكرْها على مقالة أبى إسحاق، وأبى علىّ.
(١) فى المطبوعة: ((الشهور)) والتصويب من: ج، والمهذب ٢ / ٣٣١.
(٢) زيادة من المهذب .
- ٢٤٧ -
وقال ابن الصَّبَّاغ [المذهب](١) ما ذهب إليه أبو إسحاق، وهو أن يقول: ((القذف
باطل حرام، ولا أعود إلى ما قلتُ)).
وقال الإِسْطَخْرِىّ: يقول: (( كذبتُ فيما قلتُ )) انتهى.
وهو فى أغْظَة: « ولا أعودُ إلى ما قلتُ)) عَكْس «المُهذَّب)» فإنه جعلها على قول أبى
إسحاق، فإذا أجمَعَ (٢) (المهذب)) و((الشامل)» كان فيهما تأييد لنقل الرَّافىّ، فكأنه أخذ
من مجموعها أنه لا بُدَّ أن يقول: (( ولا أعود))، لأن الشيخ أبا إسحاق نقلها على قول أبى
سعيد، وابن الصَّبَّاغ نقلها على قول أبى إسحاق ، فكانت على القولين جميعا، وعلى ذلك
جرى صاحب ((التهذيب)) كما ستراء فاتَّبَعَه الرّافعىّ.
وقال الإمام رضى الله عنه فى ((النهاية)): قال الشافعى رضى الله عنه: ((توبة القاذف
بإ كذا به نفسه)» وهذا لفظ فى ظاهره(٣) إشكال، وفى بيان المذهب يحصل الغرض ، فالذى
ذهب إليه جماهيرُ الأصحاب: أن القاذفَ لا يُكلَّف أن يُكَذِّب نفسَه، إذْ ربَّما يكون
صادقاً فى نِسْبته المقذوفَ إلى الزِّنا، فلو كلَّفناء أن يُكَذِّب نفسَه، لكان ذلك تكليفاً منَّا
إياء أن يكذِب، وهذا مُحال، فالوجه أن يقول: ((أسأتُ فيما قلت، وما كنتُ محقًّا، وقد
تبتُ عن الرجوع إلى مثله أبدا)) وهذا يُصرَّح بتكذيب نفسِهِ، إلا أن يُعلم أنه كان كاذباً ،
وهذا يَبَعُدُ عِلْمِه، وهؤلاء حملُوا قولَ الشَّافعىّ على ما سنصِفُه، فقالوا: (( القاذفُ فى الغالب
يَصِفِ، ويَرَى من نفسِهِ أَنَّه قال حقًّا، وأظَهَر ماله إظهارُه، فيرجع ما ذكره الشافعىّ من
الإكذاب إلى هذا، فيقول: (( قد كنتَ قلتَ لى أن أقولَ ما قلتُهُ، وقد كذبتُ وأبطَلتُ
فيما قدَّمتُ)).
وقال الإِصْطَخْرِىّ: لا بُدَّ أن يُكَذِّب نفسَه، وإن كان صادقًا؛ فإنه عزَّ من قائل قال:
﴿فَإِذْلم يَأْتُوا بِالشُّهَدَآءِ فَأُوْ لَبِكَ عِنْدَاللهِ هُمْ الْكَّذِبُونَ﴾ (٤) فهذا لقب أثبتَه الشرعُ، فَيُكَّذِب
القاذفُ على هذا التَّأويل نفسَه، فإن الشرع سمَّاء كاذباً .
(١) ساقطة من : ج ، ز .
(٢) فى المطبوعة: ((اجتمع)) والمثبت من: ج، ز .
(٣) زيادة من: ج، ز على ما فى المطبوعة (٤) سورة النور ١٣، وفى الأصول: ((فإن لم يأتوا))
وهو خفّ ، وقدتقدم الاستدلال بالآية فى صفحة ٢٤١
۔۔
- ٢٤٨ -
وهذا بعيد لا أصل له، وهذه الآية مع آى أُخّر وردت فى قصة الإفك، وتَثْرِئة عائشة
رضى اللهعنها، وكانت مُبَرّأة عما قذفها به المنافقون. انتهى.
ولا مَزِيد على حسنه، فَلله دَرُّ، من خطيب مِصْفَع، مناضل عن الشريعة بقلبه
ولسانه .
ومن هنا ، والله أعلم، أخذ الشيخ الإمام رحمه الله ما كان يقوله لنا، من أن التأذف:
كاذب عند الله، لقد لقّبه الشرعُ، ووَسَمَه بسِيمَة الكذب، وإن كان الأمر على ما وصف،
من اقترافِ المقذوفِ معصيةَ الزّنا، وفى كلام الإمام ما يؤخد منه تفصيل، بين أن يَعْلَم من
نفسه الصِّدق، أولا ، وسيكون لى عليه كلام يدل على ميل متى إليه .
" وقال الغَزَالِيّ رحمه الله فى ((الوسيط)): أما القاذف فتوبته فى إ كذابه نفسه، كذلك
قال الشافعىّ، وهو مُشكِل؛ لأنه ربما كان صادقاً، والمعنى به تكذيبه(١) نفسهفى قوله:
(أنا ◌ُحِقّ فى الإْهار والمجاهرة دون الحجَّة))، فيكفى أن يقول: ((تبتُ، ولا أعود»
انتهى ، وقد لخَّصه من كلام الإمام .
ولقائل أن يقول: إذا كان المعنى بإكذابه نفسه كذبه فى قوله: ((أنا محِقٌّ فى
الإظهار والمجاهرة)) فلا مانع من أن يقول: ((كذبتُ)) ولا تَابَ(٢) فيه أيضا، ولم يكلّفَه
يكذِب (٣) ، فلم لا يقول ذلك، ويجرى على ظاهر النص؟
وقال صاحب ((التهذيب)): قال الشافعى رضى الله عنه: (( التوبةُ إكذابه نفسه»
فاختلف أصحابنا فيه، فقال الإِصْطَخْرِىّ: يقول: ((كذبتُ فيما قلتُ، ولا أعودُ إلى مثله).
وقال أبو إسحاق: لا يقول: ((كذبتُ))؛ لأنه ربما يكون صادقاً، بل يقول:
(( القذفُ باطل، ندمتُ على ما قلتُ، رجعتُ عنه، فلا أعود إليه» انتهى.
ومنه أخذ الرافعىّ لفظ ((الندم)) و ((أن لا أعود)) مقولةٌ على الوجْهين: وجهِ
أبی سعید ، ووجه أبى إسحاق .
:
(١) فى المطبوعة: ((والمعنى بتبكذيه)) والتصويب من: ج، ز .. (٢) فى المطبوعة:(( ولا عار)».
والمثبت من: ج، ز. والعاب، والعيب بمعنى. (٣) فى المطبوعة: ((أن يكذب)) والمثبت من: ج، زي.
:
- ٢٤٩ -
وقال صاحب (( البحر)): قال أبو إسحاق: ليس معنى قولِ الشافعىّ أن يقول:
((كذبتُ فيما قلتُ)) بل معناه أن يُكَذِّب نفسَه فى استباحةِ القذف، فيقول: ((القذفُ
باطل، وإنَّى لا أعودُ إليه، وأنا نادم عليه)) أو يقول: «قَذْفى له بالزِّنا كان كاذباً»
ولا يقول: (( كنتُ كاذباً))؛ لجواز أن يكون صادقاً، وبه قال ابن أبي هُرَيرة.
فإن قيل: فقد تُقُبَل توبةُ المُرُّتَدّ ، وإن لم يَقُلْ: ((الكفرُ باطل)) فلم شَرَطْتُمَ ها هنا
أن يقول: ((القذفُ باطل)»؟
قلنا: لا يَقبَلَ واحد منهما حتى يأتىَ بما يُضادُّ الْأَوَّل، والتوحيد يُضَادّ الكفر،
فاكْتُفِىَ به، وليس ما يُضَادُّ القذفَ إلا أن يقول: (( القذفُ باطل)) فافترقا .
وقال الإصْطَخْرِىّ، وبه قال أحمد رضى الله عنه: توبةُ القاذف أن يقول: (( كذبتُ
فيما قلتُ، وإنَّنَى كاذبٌ فِى قَذْفى له بالزّنا)) وهذا ظاهر قولِ الشافعىّ رضى الله عنه:
(والتوبةُ إ كذابُهُ نفسَه))، وقد رُوِىَ عن عمر رضى الله عنه أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم،
قال: (( تَوْبَةُ الْقَذِفِ إِكْذَابُهُ نَفْسَهُ)).
قال أصحابنا: ما قاله أبو إسحاق أصحَ، وهو المذهب. انتهى.
وقال القاضى يُحَلَّى(١) فى ((الذخائر)): وإن كانت المعصية قدفا، فقد قال الشافعى:
((القويةُ منها إكذابُهُ نفسَهِ)) واختلف أصحابُنا فى ذلك، فقال أبو إسحاق، وأبو على
ابن أبي هُرَيرة، وهو ظاهرُ المذهب: هو أن يقول: ((القذفُ باطلٌ حرامٌ، ولا أعودُ
إلى ما قلتُ)).
وقال أبو سعيد الإصْطَخْرِىّ: هو أن يقول: ((كذبتُ فيما قلتُ، ولا أعودُ إلى مثله؟
وتعلَّق بظاهر كلام الشافى رحمه الله، وبه قال أحمد؛ لِمَ رُويَ عن عمر رضى اللهعنهِ، أنه (٢)
قال: ((تَوْبَّةُ الْقَذِفِ إِ كْذَابُهُ نَفْسَهِ)).
(١) فى خ،" ز: «مكى)) والتصويب من المطبوعة"، وانظر حذرات الذهب ٤ ١ ١٥٧،
تذكرة الحفاظ ٥ / ٨٥. (٢) أى التى صلى اله عليه وسلم.
- ٢٥٠ -
قال الأولون : وهذا لا يصحُ ، لأنه يجوز أن يكون صادقاً فى القذْف ، فيصير بكذبه
عاصياً، كما كان بقذفه عاصياً.
وقال بعضهم: هو أن يقول: (( ما كنتُ مُحِقًّا فى القذْف، ولا أعودُ إليه)» وكلام
الشافعى رحمه الله محمول على تكذيب نفسِه فى قوله: ((أنا مُحِقٌّ فى إظهاره والمجاهرة بغير
حُجَّة)) انتهى.
وقوله: ((القذف باطِلْ حرام» ذِكْره لفظ ((حرام) مع (( باطل)) تَبِع فيه مَن قدّمنا
ذِكْرِه إياها ، وهى لفظةُ محمولة على التّوسُّع فى العبارةِ، وإلا فكل قذْف خرج مَخْرج الشَّمْمِ
فهو حرام، وإن خرج مَخْرج الشَّهادة، ولم يتم العددُ، وقد كان يحسَبه ثَهَّ (١) فليس
بحرام، فما لِلفظة مَوقعٌ .
فإن قلتَ: ما الذى استقرَّ عليه رأيكُم فى صيغة توبة القاذف، أيترجَّح عندك قولُ أبى
سعيد، أم قول الجمهور؟
قلتُ: إن كان القاذفُ يعلم أنه كاذب، فالأرجحُ (٢) عندى قول أبى سعيد؛ لأن مدارَ
التَّوبة على نحو ما مضى، ما أمكن، وتدارُك ما يمكن تدارُ كُه، ولا يُتدارَكَ تَلْبُهُ عِرضَ
أخيه، ونَيْلُه منه إلا بذلك، فهو نظيرُ وفاءِ الدَّيْنِ، ورَدِّ الظَّلامة، ولا يُغنى عن لفظ الكذب
لفظٌ مُمَجْمَج، ليس بصريح فى معناه، بل مَن نال مِن أخيه قَذْفً وهو يعلم أنه برىء ،
فتوبتُه بأن يُبَيِّن للناس أنه برىء، ولا يُبين ذلك إلا بتسجيله (٣) على نفسه بصريح الكذب
والْبُهْت، وإن عَلِمٍ أنه صادق، أوشكَ فالمسألة مُحتملة، يحتمِل. أن يكفيه (فِذْفى باطل).
كما قاله الجمهور، ويدُلّ له نصُّ الشافىّ دلالة واضحة، على رواية من روَى فى لفظ النص،
«بأنه أذنب بأن نطق بالقذف)) إلى آخره، فكأن الشافىّ رحمه الله فر إكذابه نفسه -هذا
ويحتمل أن يُشتَرط لفظ الكذب، لَيَجبُر ما كان منه، وما ذكروه من أنه قد يكون
صادقاً قد قدَّمنا جوابَه، وهو أن الصِّدق هنا ليس مطابقة ما فى نفس الأمر، بل كلٌّ فَاذفٍ
(٢) فى المطبوعة
(١) فى المطبوعة: ((شتم)) والتصويب من: ج، وفى ز: ((يتم)).
(٣) فى ج، ز. (بتنجيله)) والصواب فى المطبوعة
« فالراجح)) والمثبت من : ج ، ز .
- ٢٥١ -
إذا لم يتمَّ العددُ فهو كاذب، لَقَبٌ لَقّبه الرَّبُّ عَزَّ مِن قائل، به ، وَسَمه سِمة لا تَزِايله إلا بما
ذكرناه، وهذا فيمن أخْرَج قذفه مَخْرَجِ الشَّمَ والسَّبّ، أما مَن أَخْرَجَه (١) مَخْرَج
الشَّهادة، ولم يتمّ العددُ ، وقلنا بوجوب الحدِّ عليه، فلا يظهر لى أن يقول ذلك ولا أن(٣)
الإصْطَخْرِىّ يُوجبُ عليه هذا القولَ، وإنما يُوجب أبو سعيد لفظَ التّكذيب على من
أخرجه مَخْرَجَ السَّبِّ والإيذاء، هذا ما يدلُّ عليه نقل المَاورْدِىّ فى ((الحاوى)) صريحاً
وغيره تلويحاً، وإن كان كلام الرافعى، ومن تَبِه مطلقاً، فصارت الصُّور عندى ثلاثا:
قاذف یعلم گذبه ، فلےّاجح قول أبى سعيد .
وقاذِفَ لا يَعَلَمُ كَذِبَه، ولكنه أَخْرَجَ قذفَه مُخرَجِ الشَّم والإيذاء، ففيه تردُّدُ نَظَرَ
وفاذف يَظْن، (٣) أو يَعَلَم صدق نَفْسه، وما أَخْرَج قذفَه إلا مَخْرَج الشهادة، غير أنه
حُدَّ لُنقصان العدد، فالراجح فيه قول الجمهور، {بل لا أعتقد فيه خلافاً، ولا أحفظُ عن
الإِصْطَخْرِىّ فيه مُخالفة، بل صريخ كلام المَرْدِىّ يدلُّ على أنه لا يُخالفُ فيه](٤) بل لو
قال هذا، والحالةُ هذه: ((كذبتُ)) لم تُقُبَل شهادتُهُ فى الحال، أما إذا قال(٥): ((القذفُ
باطل )» فإن شهادته تقبل فى الحال إذا كان عَدْلا، لقول عمر رضى الله عنه لأبى بَكْرة: « تُب،
أُقْبَلُ شهادتَك)) فكيف نلجُثُه أن يقولَ: (( كذبتُ)) وهى لفظةٌ تُوجِب الحكم بردٌ
شهادته فيما يُستأنف؟
فإن قلتَ: من أين لك أنه إذا قال: (( كذبتُ)) تُرَد شهادته فيما يُستأنف، وإن كان
قذفُه إنَّما كان على وجه الشَّهادة، والذى قاله الرافعىّ، ومن تَبعه فى العدْل يُقذف على صورة
الشَّهادة ، ثم يُتُوب: أنه لا يُشتَرط الاسْتبراء على المذهب، وإن كان قَذْف سب أو إيذاء
(١) فى المطبوعة: ((أخرج)) والتصويب من: ج، ز. (٢) فى المطبوعة: ((لأن)) والتصويب
من: ج، ز. (٣) فى ج: ((وقاذف نظر أو)) وفى ز: «وفاذف نظر إذ)» والمثبت فى المطبوعة.
(٤) ما بين المعقوفتين ساقط من: ز، وهو أيضا لبى فى: ج ما عدا من قوله: ((بل صرح كلام
المارودى يدل على أنه لا يخالف فيه)) فإنه موجود ومضروب عليه، وقبلها عبارة غير واضحة، يمكن
أن تغيراً: ((سقط من هنا شىء)) والمثبت من المطبوعة ...
(٥) فى المطبوعة: ((بخلاف ما إذا قال، والمثبت من : ج.، ز.
- ٢٥٢ -
اشتَّطِ على المذهب، ولم يفصِّلُوا فى قدْف الشَّهادة، بين أن تكون التَّويةُ منه بلفظ
((كذبت)) أو غيره ؟
قلتُ: هو مُطَق يقيَّد بما إذا لم يكن بلفظ ((كذبتُ)) إذهو حين يقول: ((كذبتُ))
مُعترف يفِسْقه، وإقدامه على شهادة الزُّور، فى هذا الأمر الخطير، إلا أن يعنى بـ ((كذبت))
أبى ملقَّب من الشَّارع بلقب الكذب، كماقدمناه، فإن(١) هو عَسَى ذلك فلا كلام، وإلا فقد
اعترف بشهادة الزُّور، فهذا هو الذى يظهر، ثم هو المسطور (٢)، بل لم يجعله الإمام محلَّ
خلاف، إذ قال فى ((النهاية)»:
والوجه عندنا أن يقول: (( إذا صرَّح بتكْذيب نفسِهِ)) فهذا يخرج عن التفاصيل،
وتَرْدِيد الأقوال، ويقطَع فيه بالاستبراء.
وقال صاحب (( البحر)) فى القاذف إذا كان عدْلاً؛ لكن لم يتمّ العدد: إن أصحابها
قالوا إن هذا إذا قال: ((القذفُ باطل، وأنا لا أُود)) قُبِلتْ شهادتُه فى الجال، إلى أن
قال: والذى قال لاسْتبراء حاله، أراد إذا لم يَظُل الزّمان، أو أرادَ إن أكْذَبَ نفسَهُ فى القُدْفِ،
إلى أن قال: وإن لم يُكْذِب نفسَه، وأظهر النَّدامة على قوله، وكان عدلا من قبل، لا يُحْتَاج
إلى زمن الاستبراء. انتهى مُلخَّصاً ...
وإذا تأملت ما سطَّرَتُه لك فى هذه الجملة حصلتَ منه على فوائد:
إحداها: أن لفظ (( كذبتُ)) لا يشترط عند أبى سعيد إلا فى قدْفَ السَّبِّ والإيذاء،
دون المُخرَّج مَخْرَح الشهادة، على مادل عليه كلام كثير من النّقلة، وكلام المَاوَرْدِىّ كالصريح
فیه ، فَلینظَر (الحاوى)» وليس فی (الرافعى» شىء من ذلك ، بل قال بعد ما ذ کر خلاف
الإِصْطِخْرِىّ، والجمهور: ولا فرقَ فى ذلك بين القُذْف على سبيل السَّبِّ والإيذاء، وبين القُدْف
على صورة الشَّهادة، إذا لم يَتِمَّ عددُ الشهود، إن قلنا بوجوب الحدِّ على مَن شَهِدِ، فإن لم يُوجَب
فلاحاجة(٣) بالشاهد إلى التَّوبة. انتهى .
(١) فى ج، ز: «فإنه» والمثبت فى المطبوعة ... ٠ (٢) فى ج، زيادة ((الاخرى)) وفى ز :
(٣) فى المطبوعة: ((فلا حاجة أنا)) والمثبت من : ج، ز .
(( الاتراك».
- ٢٥٣ -
وهذا صريح فيما إذا لم يَتِمَّ العددُ، بأنَّه على القول بوجوب الحدِّ يطرقه خلافُ أبى سعيد،
فُيُوجب عليه أن يقول: (( كذبتُ))، وهذا بعيد، بل لا أشك فى بطلانه، فإن المصرَّح
به عن أبى سعيد خلاف ذلك، وقد قدّمنا كلام صاحب ( البحر)) ثم صرّح بعد ذلك، فقال
فيما إِذا نقص العددُ: إن(١) قلنا يُحَدُّون، يُحبكم بفسقهم وتجب التوبة، فيقول: ((قدفى
باطل)»، ولا يحتاج (٢) إلى الندم وترك العزم فى المستقبل؛ لأنها شهادة فى حق الله، ولا يعتبر أن
يقول: ((إنى كاذب))، ولا أن يقول: ((ولا أعود إلى مثله)) ، لأنه لو تم عدد الشهود لزمه
أن يشهد . انتهى ..
وهو صحيح لا شك فيه .
الثانى: أن لفظ ((حرام)) فى قوله ((قذفى باطل)) لم يقع إلا فى عبارة الشيخ أبى حامد
والقفَّل ومن تبعهما، وما أظنها(٣) على سبيل التعيين، فلا يغتر (٤) بها(٥) بل يكفى «قذفى باطل)).
الثالثة: أن لفظ (( إنى نادم)) وقع فى كلام من رأيته، وما أراه على سبيل التعيين ،
وإن كانت عبارة ((المحرَّر)) ((والمنهاج)) تَغُرّ وتُوهم أن ذلك يتعين.
والرابعة، أن لفظ ((ولا أعود)) وقع مستطردا فى كلام الرافعىّ يكاد يكون غير
مقصود، وهى مسألة ذات وجهين صرَّح بحكايتهما (٦) الماوَرْدِىّ فى ((الحاوى)) والرُّويانى
فى ((البحر)).
١٦٦
الحسن بن أحمد بن محمد الطَّبَرِىّ
أبو الحسين الجِلاَّبِيّ(*)
قدم بغداد، وكان يحضر مجلس الدّارَ كىّ ، ثم درس فى حياته، وكانت له معرفة الحديث.
(١) فى المطبوعة: ((وإن)) وأنبتنا مافى: ج، ز. (٢) فى الطبوعة: «ولا تحتاج)» بالنون.
(٣) فى المطبوعة: ((وما أظنهما)) والمثبت
والكلمة فى: ج، فيغير إعجام" وأنبتنامافى: ٥.
(٥) فى المطبوعة ".مما"
(٤) فى د: ((فلا يضر)» والمثبت فى باقى الأصول.
من : ج، ز .
(٦) فى المطبوعة: ((فى حكايتهما)) وأنبها . أى مار الأصول.
وأنبتنا ما فى سائر الأصول.
(*) له ترجمة فى طبقات الشيرازى ١٠٢، طبقات العبادى ٠٫٨٤
- ٢٥٤ -
حدّث عن أبى علىّ الحسن بن أحمد الفقيه، وأبى الحسن بن أبي عمران الجُرْجانىّ.
قال ابن النجار: وروى عنه عامر بن محمد البسطامىّ فى ((معجم شيوخه)) فى ((السكنى))
ولم يسمَهُ .
قال ابن النجار: وقدرأيت له كتابا سماه ((الْمَدْخَل فى الجدَل)) ورأيت عليه خطه، وقد
سمى نفسه الحسن بن أحمد بن محمد .
وذكره الشيخ أبو إسحاق فى ((الطبقات)) بكنيته، ولم يزد على أن قال: (( تفقه
فى بلده، وحضر مجلس الدّارَ كِىّ، ثم درّس فى حياته، ومات قبل الدّارَ ىّ بسبعة
عشَرَ يوما ، وكان فقيها فاضلا عارفا بالحديث)).
وكانت وفاة الدّارَ كِيّ فى الثالث عشر من شوال سنة خمس وسبعين وثلاثمائة، فتكون
وفاة الجلابىّ فى سادس عشرى(١) رمضان.
وقال أبو عاصم: أبو الحسين بن أحمد الجلّابىّ، كان فقيها جدٍلًا(٢) وَرعاً (٣)
﴿ومن الرواية عنه، ومن الغرائب عنه)(1)
• حكى القاضى أبو الطيِب فى ((التعليقة)) أن الشيخ أبا حامد كان يحكى أن الجلّابىّ
سئل عن البالغين من أهل الحرب إذا أسرهم الإمام، فقال: صاروا أرِقَاء بنفس الأسْر
كاللَّاء والصبيان. قال : وهذا غلط .
قال القاضى أبو الطيب: وأنا رأيت الجلابى وكنت صبياً.
قال ابن الرِّفعة(٥). ولا شك أن هذا غلط إن لم يثبت للإمام مخييرٌ فيهم ، نعم إن
(١) فى الأصول: ((سادس عشر)) وأثبتنا ما فى الطبقات الوسطى، وهو الصواب لأنه ذكر أن
الجلابى مات قبل الداركى بسبعة عشر يوما. وأن الداركى توفى فى الثالث عشر من شوال
(٢) فى الأصول: (جديا)) والمثبت من الطبقات الوسطى، وطبقات العبادى.
(٣) بعد هذا بياض فى: ج، ز، مكانه فى الطبقات الوسطى: «قلت: أستدنا حديثه فى الطبقات
الكبرى » .
(٤) فى المطبوعة: ((.ومن الرواية والفوائدعنه)). والمثبت من: ج ، ز
(٥) بعد هذا فى الطبقات الوسطى: زيادة: «فى الطلب؟
- ٢٥٥ -
قال بثبوت الخيار فيهم بعد ذلك بين(١) البقاء على الرِّق والمنّ والفداء (٢) والقتل، فلا
بُعْدَ فيه(٣) .
١٦٧
الحسن بن أحمد المعروف بالحدَّاد
البصرى القاضى أبو محمد(*)
وهو المذكور فى ((كتاب الأفضية)) من ((شرح الرافعىّ)).
قال فيه الشيخ أبو إسحاق: أحد فقهاء أصحابنا، لا أعلم على من دَرَس، ولا وقتَ
وفاته .
قال: ورأيت له كتابا فى ((أدب القضاء)) دلّ على فضل كبير (٤).
قلت : وقفت على الكتاب المذكور، وقد حدّث فيه عن مَن لحق أصحابَ الإمام
أحمد بن حنبل، وعن مَن لحق ابن سُريح، ووقفت له أيضا على كتاب فى ((الشهادات ))
وفهما فوائد .
١٦٨
الحسن بن حبيب بن عبد الملك الدِّمَشقىّ
الفقيه أبو على الحصائرى ( ** )
إمام مسجد باب الجابية بدمشق.
ولد سنة اثنتين وأربعين ومائتين .
(١) فى الطبقات الوسطى (( فى)).
(٢) فى الطبقات الوسطى: ((أو القتل)).
(٢) فى ج، ز: ((فلا يعد)) بالباء التحتية. والمثبت فى المطبوعة.
* له ترجمة فى : طبقات الشيرازى ٩٩، طبقات ابن حداية اللّه ٤٠.
(٤) فى طبقات الشيرازي: ((كثير)).
** له ترجمة فى: شذرات الذهب ٢ /٣٤٦، الغبر ٢٤٧/٢، المشتبه ٢٣٨، النجوم الزاهرة
٣ /٣٠٠. وهو فى الشذرات ((الخفائرى)» بالخاء والضاد العجمتين. وفى العبر ((الحضائرى)» بالحاء
المهملة، والضاد المعجمة. وفى أصل النجوم ((الخضيرى)) بالعجمتين. ويوافق ما عندنا المشتبه. ولم ترد
هذه النسب الأربع فى السمعانى وابن الأثير .
- ٢.٥٦ -
وحدّث بكتاب الإمام الشافعى"(١) عن أصحابه
سمع الرَّبيع بن سليمان، وبكّار بن قَتَيْبَة القاضى، والعباس بن الوليد البَيْرُويّ ،
وصالح بن أحمد بن حنبل، ومحمد بن عبد الله بن عيد الحكم، وأبا أميّة الطَّرَ سُوسِىّ، وخَلْقًا.
روى عنه عبد المنعم بن غَلْبُونَ، وابن جَيْع ، وابن المغْرِى، وأبو حفص ابن شاهين،
وَتَّام الرازِىّ، وأبو بكر بن أبى الحديد، وآخرون.
قال عبد العزيز الكِنافِىّ: هو ثقة نبيل حافظ لمذهب الشافعى.
مات فى ذى القعدةسنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة.
١٦٩
الحسن بن الحسين
الإمام الجليل القاضى أبو علىّ بن أبي هُريْرَةَ(*)
أحد عظماء الأصحاب ورُفعائهم، المشهور اسمه، الطائر فى الآفاق ذكره
قال فيه الخطيب وقد ذكره فى (( تاريخ بغداد)): الفقيه القاضى، كان أحد شيوخ
الشافعيين ، وله مسائل فى الفروع محفوظة ، وأقواله فيها مسطورة .
قلت: شرح (المختصر)) () ووقفت على الشرح المذكور؟».
وتفقّه على ابن سُرَيح، وأبى إسحاق المَرْوَزِىّ.
قال أبو سعيد الكَرائِىّ الحافظ: سمعت أبا بكر محمد بن عبد الله بن أبى جعفر
ناقله(٣) إلى القاضى الخوَارَزْمِّ يقول: تغيّب أبو الحسن الأوزاعيّ عن القاضى أبى علىّ
(١) فى المطبوعة: ((وحدث بكتاب الأم المشافعى)». والمثبت من سائر الأصول.
* له ترجمة فى البداية والنهاية ١١/ ٣٠٤، تاريخ بغداد ٧ / ٢٩٨ شذرات الذهب ٢ / ٣٧٠
طبقات الشيرازى ٩٢، طبقات العادى ٧٧، طبقات ابن هداية الله ٢١، المبر ٢ /٢٦٧، مرآة الجنان
٣٣٧/٢، النجوم الزاهرة ٣/ ٣١٦، وفيات الأعيان ١/ ٣٥٨:
.: (٢) الذى فى الطبقات الوسطى: ((وقفت على قطعة من شرحه المختصر، بدمشق))
(٣) هكذا فى المطبوعة. وقد رسمت فى: ج، ز بشكل لا يقرأ. غير أن (( نا)) من (( ناقله)» رسمت
فى : ج على شكل اختصار حدثنا .
- ٢٥٧ -
ابن أبى هريرة فى بغداد أياما ثم حضره، فقال: يا أبا الحسن ، أين كنت عنا؟ فقال:
كنت أيها القاضى شِبْه العليل، فقال له أبو على: وهبك الله شِئْهَ العافية.
قال الرافعىّ: إن ابن أبى هريرة زعيمٌ عظيم للفقهاء. وسنذكر فى أين قال هذا.
ومات فى شهر رجب سنة خمس وأربعين وثلاثمائة .
﴿ ومن الغرائب والفوائد عنه﴾.
قال فيمن طلّق واحدةً من نسائه لا بعينها، أو بعينها ثم نسيها طلاقاً رَجْمِيًّاً :
إن له وَطْء الجميع .
واختلف النقل عنه فى أن الوَطْءَ تعيين أو ليس بتعيين، فيخرج من كونه ليس تعييناً.
أنه يطأ كلا منهما، ولا يكون وَدْءٍ واحدةٍ مانعا من وطء الأخرى. ولا يمكنه أن يقول:
الطلاق واقعٌ من حين اللفظ ؛ لأن مَن أوقعه [ من](١) حين اللفظ جعل الوطء تعيينا،
كما أشار إليه الرافعى"، وحكى الخلاف فى ذلك بين أبى إسحاق وابن أبى هريرة ، فكأن
هذا اللفظ عند ابن أبى هريرة لا يُبَاشَر به(٢) المحلّ.
وهذا قد يتجه فى الطلاق المبهم، أما فيمن طلَّق معيَّنة ثم نسيها فلا إنِّجاه له ، وهو
آيلٌ إلى وطْء المحرَّمة قطعا ..
• ومنزلة هذا الذهب فى البُعد منزلة مقا بله الذى حكاه الحقَّاطِّ فيمن علّق الطلاق بالشهر،
وذلك أن الشاكَّ فى الباقى مِن الشهر لا يقع عليه الطلاق ؛ لأنه لا يقع إلا باليقين.
وحكى الخنَّاطِىُّ وجهين فى حِلّ الوطء فى حال الشك ...
وجْهُ التحريم أنه شاك فى استباحتها فأشْبه(٣) ما إذا اشتهت زوسطه بأجنبيّة ...
قال ابن الرِّفعة: وهذا التعليل يقتضى تحريمها عليه على هذا الوجه، فيما: إذا شك هل
طلّق أو لا (٤) . ولم تر من قال به .
(١) زيادة من: ج، ز على ما فى المطبوعة. (٢) ف ج، ز،د: « لا يفأثر فيه)) وأثبت فى المطبوعة.
(٢) فى ج، ز، ج : ". فاشتبه)) والمثبت فى المطبوعة.
٠٤.٦٠
( ٤) فى المطبوعة: ((أم لا)) والمثبت من سائر الأصول.
(١٧ / ٣ - طقات)
- ٢٥٨ -
إذا كان رأس الشاجّ أصغر استوعبناه وفتحمنا إليه أَرْعّ مابقى.
وقال ابن أبى هريرة تخريجا فيما حكاه عنه الماوَزْدِىّ: بل نَضُمّ إليه أَرْشَ الموضِحَة
كاملا .
قال فى ((الحاوى)) فى النَّعْى عن تلقَّى الرُّكْبان، وكذلك المدلِّس: قال الشافعى:
قد عصى الله تعالى، والبيعُ لازم والثمنُ حلال. يريد أن التدليس حرام واثمن حلال.
وقد كان أبو على بن أبى هريرة يقول: إن تمن التدليس حرام، لاثمن المبيع؛
ألا ترى أن المبيع إذا فات رجع على البائع بأرْش عيب التدليس ، فدل على أنه أُخذ منه.
بغیر استحقاق ، انتهى .
وما حكاه عن ابن أبى هريرة خريب، ومعناه أن الزيادة بسبب التدليس محرّمة (١).
لا جملةَ الثمن.
واعلم أن صاحب (البحر)) لم ينقل فيه هذا مع كثرة استقصائه لكلام (الحاوى)).
● رأيت فى (تعليق)) ابن أبى هريرة على ((المختصر)) فى ((الحدود)) بعدذكره الشيخ
والشيخة إذا زنيا فرجُوهما)) ما نصه: ألا ترى أن ابن مسعود قد أنكر المعوِّدتين!
وإنما أفكر رسمهما؛ لأنه ◌ُحال أن يُظَنّ بابن مسعود أن يُنكر أصلهما. انتهى.
قلت: وقد عقد القاضى أبو بكر فى كتابه ((الانتصار القرآن)) وهو الكتاب العظيم
الذى لا ينبغى العالِمٍ أن يخلوَ عن تحصيله، بابا كبيرا بين فيه خطأ الناقل لهذه المقالة عن
عبد الله بن مسعود، وأن الدليل القاطع قائم على كَذِبِه على عبد اله، وبراءةٍ عبد الله منها.
قال ابن أبى هريرة: البحث مع الفاسق لا يجوز، وفرّقَ الماوَرْدِىّ، جُوَّزه فى
المعقول دون المنقول .
قلت: وكلاهما مستدرَكِ، والصوابُ البحثُ معه، وأما قبول نَقْنه وأمر آخر.
• لابن أبى هريرة وجه أن بيع عقار اليتيم للغْطة لا يجوز، وإنما يجوز المضرورة
فقط . رأيته فى « تعليقه)» وحکیته عنه فى ((التوشيح )) بلفظه، فلينظر.
(١) فى: ج)).ز، ٥: ((لحرمه)، ووضعت عدة على الراء فى نسخة ج. وقد أثبتنا ما فى المطبوعة.
- ٢٥٩ -
• فصّل ابن أبى هريرة فى تقديم العشاء وتأخيرها فقال، كما نقله صاحب ((الحاوى)):
إن عَلِمٍ مِن نفسه أنه إذا أخْرها لا يغلبه نوم ولا كسل فالأفضل التأخيرُ، وإلا فالتقديم.
وقال الشاشِىّ : هذا التفصيل منتجه المتفرد دون الجماعة؛ لاختلاف أحوالهم .
قال الوالد رحمه الله: وما ذكره ابن أبى هريرة فى الحقيقة اختيار للتأخير؛ لأن مَن
خشى أن النوم يغلبه لا يمكن أن يقال: التأخير له أفضل .
· قال ابن أبى هريرة: إذا أُ كرِه المصلِّى على الحدَثَ بأن تُصر بطنُه حتى خرج بغير
اختياره لم تبطُل صلاته .
كذا نقله عنه الوالد رحمه الله فى ((شرح المنهاج)) وهو غريب.
قال الوالد : كأنه تفريع على القول بأنّ سبق الحدث لا يُبطل الصلاة .
· قلت: أو أنه على الجديد، وهو وجه صعب، شيه(١) الوجه الذاهب إلى أن مَن
مَسَّ ذِكرَه ناسيا لا ينتقض وضوؤه، وقد حكاه الرافعِىّ عن حكاية الحنّاطِىّ.
• نقل الماوَرْدِىّ فى ((الحاوى)) أن ابن أبى هريرة قال: إنه يُباح ولا بكره عَقْدُ
اليمين على مباح، اعتباراً بالمحلوف عليه .
وهذا مخالف لنص الشافعى حيث قال: ((وأكره الأيْمانَ على كل حال ، إلا قيا
كان طاعةً)).
ووجْه ابن أبى هريرة غريب، لم يحكُه الرافعِىّ، إنما حكى الرافعىّ الأوْجُه فى الحالف
على مباح: هل يُستحب له الحِنْث أو عَدَّمه، أو يتخيّ؟ أما نَفْس عَقْد اليمين فظاهر
كلامه الجزّم بأنه مكروه، كما هو ظاهر النص.
• حكى الدَّبِيلِىّ فى كتاب ((أدب القضاء)) أن ابن أبى هريرة قال فيما إذا أسلم
فى دراهم أو دنانيرَ ولم يصفها: إنه يجوز، ويحمل على نَقْد البلد، وأن أبا إسحاق قال:
لا يجوز؛ لأن السَّمَ يُحتاط فيه، وأن ابن مُرَّيح قال: إن كان حالًّا جاز، وإلا فلا، لأنه
قد يتغيّر النقّد .
(١) فى المطبوعة: ((وهو وجه ضعيف يشبه الوجه)، وأتبتنا ما فى سائر الأصول.
- ٢٦٠ -
قلت : أما ما حكاه عن ابن سُرَيح فغريبٌ حَسَن، وأما الوجهان الأولان فقد أشار
إليهما الإمام فى ((النهاية)) فى أوائل باب ((كتاب القاضى إلى القاضى)).
﴿مسألة إيقاع القُرْعة على العبد المبْهَم حتى يَعْقِ)
· أُنكر على الشيخ ابن أبى هريرة قوله فيما إذا قال الزوج : إن كان الطائر غُرابا
فمبدى حُرّ ، وإلا فزوجتى طالق. ومات قبل البيان، وقلنا لا يعيّن الوارث بل نُقُرِع،
فإن خرجت على المرأة لم تطلَّق. والأصح لا يَرِقّ العبد. وعلى هذا ففى وجهٍ أن القُرْعة تُعاد
إلى أن تخرج عليه .
قال الرفعى: قال الإمام : وعندى يجب أن يخرج القائل به عن أحزاب الفقهاء ،
ومن قال بهِ فْلَيَقْطع بِمْق العيد، ولْيترك (١) تضييعَ الزمان فى إخراج القرعة
وهذا قوىّ قويم ، لكن الخناطِىّ حكى الوجه عن ابن أبى هريرة، وهو زعيم عظيم
للفقهاء لا يتأتّى إخراجه من أحزابهم. انتهى.
قلت: أما كونه زعيما عظيما فلا شك فيه ، ولعل مِن أجل ذلك لم يَبُح الإمام باسمه،
بل ذكر الوجه(٢) مجرّ دًا(٢) غيرَ مَعْزُوٍ إلى قائل، وكأنه جعل الآفة فيه النَّقَلَةِ عن أبى على.
وعبارة الإمام فى ((النهاية)): وفى بعض التصانيف أن القُرْعة تُعاد مرّة أخرى،
عن بعض أصحابنا ، وعندى أن صاحب هذه المقالة يجب أن يخرج من أحزاب الفقهاء ؛
فإن القُرْعة إذا كانت تُعاد ثانيةً فقد تُعاد ثالثةً، ثم لا يزال الأمر كذلك حتى تقع على الأمّة،
فإن القُرْعة ستخرج (٤) عليها. وحقُّ صاحب هذا الذهب أن يقطع بمتْق الأمة. وهذا.
لا سبيل إليه . انتهى.
ولاشك أن الإمام لا يُطلق هذه(٥) العبارة فى حق ابن أبى هريرة، بل إما ألا يكون
: (١) ف ج : «واترك» بالتون. وما أقتناء من : ز، د، والمطبوعة.
(٢) فى ج، ز، د: ((بل ذكر الاسم)» والمثبت فى المطبوعة. (٣) فى: ز، داومحروا»
والمثبت فى: ج، والمطبوعة. (٤) فى المطبوعة: ((تخرج)) والمثبت من سائر الأصول
(٥) فى: ج، و:«على مذهاه والمثبت فى المطبوعة.