النص المفهرس
صفحات 61-80
- ٦١ - (( مُصنََّا))، ردَّ به على الشيخ تقيّ الدين ابن دقيق العيد، فى دعواه خلافه، ولم يكن الوالد وقف على هذا النص ، فلما وقفت أنا عليه أريتُهُ له فأعجبه(١). • وقال ابن القاصّ فى ((المفتاح)» فى زكاة التجارة: إنها تجب فى الموروث والموهوب. ولا يُعْرَف مَن قال به فى الموروث مطلقا ، ولا فى الموهوب، إلا إذا كان شرَطَ الثواب، أو كان مُطلِقا، وقلنا المطلَقَة تقتضى الثواب ، وقد تكلمت على كلامه من(٢) أجوبة سؤالات وردت علىَّ من حلب(٣) أرسلها الشيخ شهاب الدين الأذْرَعِىّ، تتعلق بكتابى (التوشيح)) وغيره، وذكرت قول الأستاذ أبى منصور فى خطبة ((شرح المفتاح)): إن هذا لا يوافق المذهب . ﴿ تحليف المقذوف) • فى «الرافعىّ)) و((الروضة) حكاية قولين: فى أنه هل القاذف تحليف المقذوف أنه لم يَزْنِ ؟ وأن الموافق بجواب(٤) الأكثرين أن له ذلك، ولم يفصحا بكيفية الحلف على القول به، بل قولها: (( إنه لم يَزْنِ)) قد يشير إلى الاكتفاء بهذه العبارة فى الحلف، ولا يُكْتَفى بذلك فى المسألة؛ فإنه وقع استطرادا غير مقصود، ولم يكن مقصودها إلا أصل ثبوت الحلف ، لا تعريف صيغتِه ، والمسألة مسطورة . قال ابن القاصّ : يحلف بالله أنه عفيف . وقال أبو زيد المَرْوَزِىّ: يحلف بالله أنه ليس بزان(٥). قلتُ: ووجهُ(٦) قول أبى زيد، ولعله المُستَقِرّ فى نفس الرافعىّ؛ ولذلك عبَّر باللفظ الذى حكيناه أنه صورة جوابه؛ فإن المقذوف إنما يقول فى جواب ((أنت زان)): لست (١) فى هامش ج هذه الحاشية: ((هذا ينافى قولك فى ترجمة الوالد: إنه كان لا يخفى عليه شيء من نصوص الشافعى)) وبعد الحاشية هذا التعليق: ((تحجرت واسعا، فإن ماده أن والده لا يخفى عليه من نصوص الشافعى فى الغالب، وهو كذلك .. )). (٢) فى المطبوعة: ((فى)) والمثبت من: ج، ز . (٣) فى: ج، ز، د: «وردت على رجل أرسلها ... )): وأنبتنا ما فى المطبوعة. (٤) فى المطبوعة: (٥) فى المطبوعة: ((لم يزن)) والمثبت من: ج، ز . (((الجواب)) والمثبت من: ج، ز. (٦) فى المطبوعة: ((ووجهه)) والمثبت من: ج، ز. - ٦٢ - ـزان، أو نحوه ، وقد لا يكون زانيا ولا عفيفا، ألا ترى أن من وطىء محرما مملوكة له ليس بعفيف على المذهب، ومن ثَمَّ لا يُحَدُّ قاذفُه، وما هو زان الشُّبْهة، وبهذا يتوجه كلام ابن القاصّ؛ فإنه يقول: إنما يثبت الحد بوجود العفة، لا بانتفاء الزنا، فلْيخلف(١) على العفة . والخلاف بين ابن القاصٌ وأبى زيد حكاه شُرَيح فى ((أدب القضاء)) وغيره، ومن العجب أن القفَّال ذكر فى أوائل (( أدب القضاء)) من ((شرح التلخيص)» كلام أبى زيد مُقتصِرا عليه، ولم يذكر كلام ابن القاص". (فرع: هل يكفى فى الشهادة على الشهادة مطلق الاسترعاء، أو لابد من استرعاء الشاهد بخصوصه؟﴾ • هذه المسألة من ◌ُخرّجات أبى العباس بن القاص، ذكر فى كتاب ((أدب القضاء)) فى ((باب ذكر الشهادة على الشهادة)) أن الشافعى وأبا حنيفة اختلفا فيها: فقال الشافعىّ: يجوز لها أن يشهدا على شهادة مَن سمِعاه يسترعى شاهدا، وإن لم يسترعِهما. قال : قلتُهُ تخريجاً . وبهذا جزم الرافعىّ، فقال: وإذا حصل الاسترعاء لم يختص التَّحمُّل بمن اسْترعاه، بل لزيد (٣) التحمل والأداء باسترعاء عمرو، خلافا لأبى حنيفة. ولم يزد على هذا القدر، مع أن المسألة كبيرة خلافيَّة، وقد بسطها الإمام فى (( النهاية)) جزم بما جزم به الرّافعى، وبيَّن وجهَه ، فقال : ثم أجمع أصحابنا على أن الاسْتِرعاء فى عينه ليس شرطا، بل إذا جرى لفظ الشهادة من شاهد الأصل ، على وجه لا يحتمل إلا الشهادة، فيصير السامع فرعاً له ، وإن لم يُصدِر من جهته أمرا، وأذن فى تحمل الشهادة . إلى أن قال : ولو أشهد شاهد الأصل زيدا على (١) فى المطبوعة: ((فيحلف)) والمثبت من: ج، ز .. والمثبت فى المطبوعة . (٢) فى: ج، ز : « : - ٦٣ - شهادته، وكان عمرو بالحضرة، فلعمرو أن يتحمّل الشهادة، كما لزيد المُسترعَى ، فإنه لما استرعى زيدا فقد تبيَّن تجريد القصد فى الشهادة، وهو المطلوب ، فيتحمَّلُها عنه ، وإن لم يتعلق الاسترعاء به ؛ فإن الشهادة على الشهادة ليست استنابة مِن شاهد الأصل ، ولا توكيلا ، وإنما الغرض منه حصول الشهادة فى حقها، مقصودة مجردة، مرضاة(١) عن احتمال الكلام الذى قد يجريه الإنسان من غير ثَبْت. انتهى . وأقول: اقتصر صاحب (( البيان)) على عَزْو ذلك إلى ابن القاصّ، والمَسْعُودِىّ، ولكن جزم به أيضا القاضى أبو سمْد فى ((الإشراف)) وكلام طوائف من أصحابنه العراقيِّين وغيرهم كالصريح فى اشتراط استرعاء الشاهد بخصوصه ، وعلى ذلك تدل عبارة صاحب ((التنبيه))، وصرح القاضى شُرَيح فى (( أدب القضاء)) بالخلاف فيه . ﴿المحمدون من أهل هذه الطبقة) ١٠٦ محمد بن أحمد بن إبراهيم بن يوسف، أبو الحسن الكاتب من أجلِّ فقهائنا . قال ابن باطِيش: ولد سنة إحدى وثمانين ومائتين بالْحَسَنِيّة(٢). ١٠٧ محمد بن أحمد بن الأزْهر بن طلحة الهَرَوىّ، أبو منصور، الأزْهرِىّ، المَرَوِىّ(*) اللغوى، صاحب ((تهذيب اللغة)). ولد سنة اثنتين وثمانين ومائتين . (١) كذا فى المطبوعة، ج، ز، وفى د: ((مرواة)» (٢) الحسنية: بلد فى شرقى الموصل، بينها وبين جزيرة ابن عمر . مراصد الاطلاع ٤٠٣ : (#) له ترجمة فى بغية الوعاة ٨، شذرات الذهب ٢٢/٣، العبر ٣٥٦/٢، الزهر ٢ /٤٦٥، معجم الأدباء ١٦٤/١٧، النجوم الزاهرة ١٢٩/٤، وفيات الأعيان ٤٥٨/٣. - ٦٤ - وسمع ◌َهراة من الحسين بن إدريس، ومحمد بن عبد الرحمن السّامِىّ، وطائفة. ثم رحل إلى بغداد، فسمع أبا القاسم البَغَوِىّ، وأبا بكر ابن داود، وإبراهيم بن عرفة نِفْطَويْه، وإن السَّرَّاج، وأبا الفضل المُنْذِرِىّ، وعبد الله بن عُرْوة، وغيرهم. روَى عِنْه أبو يعقوب القَرّاب، وأبو ذَرّ عَبْد بن أحمد(١) وأبو عثمان سعيد القَرَشِىّ، والحسين الباشانىّ(٢)، وعلى بن أحمد بن خَمْرَ ويه، وغيرهم . وكان إماما فى اللغة، بصيرا بالفقه، عارفا بالمذهب ، عالىَ الإسناد ، تخين الورع، كثير العبادة والمراقبة ، شديد الانتصار لألفاظ الشافعى ، مُتحرِّياً فى دينه أدرك ابن دُرَيد ، وامتنع أن يأخذ عنه اللغة . وقد حمل اللغةَ عن الأزْهرىّ جماعة، منهم أبو عُبَيد الْهَرَوِىّ صاحب (الغريبين). ومن مصنفات الأزْهَرِىّ ((التهذيب)) عشرة مجارات(٣)، وكتاب ((التقريب ) فى التفسير، وكتاب ((تفسير ألفاظ الْمُزْنِىّ))، وكتاب ((علل القراءات)) وكتاب ((الرُّوح وما ورد فيها من الكتاب والسنة))؛ وكتاب ((تفسير الأسماء الحسنى)) و((تفسير إصلاح المنطق)) و((تفسير السبع الطُّوَل(٤))) و(( تفسير ديوان أبى تمام». وأُسِر مرة ، أسرتْه القرامطةُ، فحكى عن نفسه أنه وقع فى أسر عرب نشأوا فى البادية ؛ يتتبعون مساقط الغيثِ أيام النَّجْع، ويرجعون إلى أعداد(٥) المياه فى محاضرهم زمن القَيْظ، ويتكلمون بطبائعهم البدوية، ولا يكاد يوجد فى منطقهم لَحْن أو خطأ فاحش .. (١) فى المطبوعة: ((عبد بن حميد)) وهو خطأ صوابه من: ج، ز، وانظر العبر ١٨٤/٣، وقد أورده الصف فى الطبقات الوسطى بكنيته ولقبه، فقال: «وأبو ذر الهروى». (٢) بفتح الباء الموحدة والكين المعجمة بين الألفين وفى آخرها النون ، نسبة إلى بالخان، قرية من قرى هراة. اللباب ٠٨٨/١ (٣) بعد هذا فى الطبقات الوسطى زيادة: ((والانتصار الشافعى)). (٤) فى المطبوعة: ((الطوال)) والمثبت من: ج، ز. والسبع الطول من البقرة إلى الأعراف، والسابعة سورة يونس أو الأنفال وبراءة جميعا، لأنهما سورة واحدة عند الجوهرى. القاموس (طول). (٥) فى المطبوعة: ((عداد:)) والتصويب من: ج، ز، والماء العد (بكسر العين ) الجارى الذى له مادة لا تنقطع . القاموس (ع دد ) . ---- - ٦٥ - قال : فبقيتُ فى أشْرهم دهرا طويلا ، واستفدت منهم ألفاظا جمَّة، ثم توفى فى شهر ربيع الآخر سنة سبعين وثلاثمائة(١). (١) بعد هذا فى الطبقات الوسطى : قال الأزْهَرِىُّ فى كتابه ((الزاهر» فى شرح غريب ألفاظ (المختصر)» فى أواخر «باب قسم الصدقات)) ما نصه: ((وقولهم: وإذا استوى فى القُرب أهل نسبهم وعِدّى، قسمت على أهل نسبهم دون العِدَى . وإن كان العِدّى أقرب دارا، وكان أهل نسبهم منهم على سفر تقصر فيه الصلاة، قسمت على العِدَى. والعِدَى هم الذين لا قرابة بينهم وبين هؤلاء الذين جاوروم. وأهل نسبهم ذوو القرابات ؛ فإن جمع الجوار ذوى القرابات والعدى، قسمت على ذوى القرابة ؛ لأن لهم حقين : حق القرابة ، وحق الجوار . فإذا كان العِدَى ، الذين لا قرابة لهم، مجاورين لهم، وذوو القرابة لا يجاورونهم، فالعِدَى أحقُّ؛ لجوارهم)). هذا كلام الأزهرىّ. وقوله: ((وإذا كان العِدّى الذين لا قرابة لهم مجاورين)) إلى آخره، صريحه أن التصدق بسهم الزكاة على الجار ، أولى من القريب البعيد الدار . وهذا هو مقتضى نقل القاضى أبى الطيب، حيث قال: (( وإن كان الأجانب مجاورين لهم، والأقارب لا يخالطونهم، فصدقاتهم للأجانب)). وكذلك الماوَرْدِىّ فإنه قال فى ((الحاوى)) فى ((باب تفريق الصدقة)): ((فصل ، فأما إذا كان جيرانه أجانب ، وأقاربه أباعد ، جيرانه الأجانب أولى بزكاته من أقاربه الأباعد)) وحكى خلاف أبى حنيفة فى ذلك ، ثم استدل للمذهب. وعلى ذلك جرى الشيخ تاج الدين الفَزَارِيّ فى ((الإقليد)) فقال: « ولو كان جيرانه أجانب وأقاربه بعيدين عنه، فذهب الشافعى أن الجار أولى، وعن أبى حنيفة أن القريب أولى)». إلا أن المجزوم به فى ((الروضة)) فى ((باب صدقة التطوع)» أن صرف الزكاة والكفارة = وصدقة التطوُّع إلى الأقارب أولى من الجيران ، وهذا هو الذى لا يظهر سواه .. (٥ - ٣ - طبقات) - ٦٦ ٣ ﴿ومن الرواية والفوائد عن أبى منصور) وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ إذنا خاصا ، أخبرنا أبو على الخلال؛ أخبرنا عبد الله ابن عمر . = وينبغى حمل كلام هؤلاء على ما إذا كان الأقارب فى بلدة أخرى ، فإنه حينئذ يتعين ألّا يصرف إليهم ؛ لأن النقل فى الزكاة والكفارة لا يجوز. ولنتكلم على عبارة هؤلاء ليتحرر الموضع: أما الأزْهرِىّ فنقول: مرادُه من الجوار وعدمه البابُ، وكل من كان فى بلد مجاورٌ ، ومن لم يكن معه فيه فهو غيرُ جارٍ ؛ ويدل عليه ما سنذكره إن شاء الله فى كلام الماوَرْدِىّ. ولا يقال هو خلاف الظاهر ؛ لأنا نقول : يجب المصير إليه، إذا كان محتملًا، جمما بين المَقَّلْنَ . وأما القاضى، فعبارته المخالطة ، وقد يقال: كل من فى البلاد مخالط، سواء أكان جارا ملاصقاً ، أم لا . وأما الماوردىّ، فقد قال فی أثناء الاستدلال ما نصه: « ولأنه لما كان جیرانه فى دار الإسلام أولى زكاته ، من أقاربه فى دار الحرب ، كان جيران بلده أولى بها من أقاربه فى غير بلده)) انتهى، وهو تصريح منه بأنه إنما فرض المسألة فى البلدين، أعنى: ما إذا: كان القريب فى غير باء المزلِّى، والجار فى بلده. وقال قبل ذلك: (( إذا كان رب المال مُتولَّياً لِقَسْم زكاته، وهو من أهل الأمصار ، فإن كان مِصْرِه صغيراً، كان جميعُ أهله جيرانَه» وقال فى هذا القسم: « إن كان بعض أهله أقاربَ لرب المال ، وبعضهم أجانب منه ، كان أقاربه أولى بزكاته من الأجانب ؛ فإن عدَل بها عن أقاربه إلى الأجانب ، فقد أساء وأجْزَاء، وإن كان البلد كبيرا فوجهان: أحدهما، أن المَرْعِىَّ فيه الجوارُ الخاص ، فيكون جيرانه من أُضيف إلى مكانه من البلد ،. وقيل : إلى أربعين داراً من داره .. والوجه الثانى، أنه مُراعَى فيه الجوارُ العام، فعلى هذا يكون جميع أهل البلد» . = - ٦٧ - ح : وكتب إلىَّ أحمد بن أبى طالب؛ عن ابن عمر، أخبرنا عبد الأوَّل بن عيسى، = ثم قال: (( إن هذا أصح الوجهين)). والذى فيمته من كلامه كله: أن البار إن كان صغيرا جميع أهله جيرانه، وفى هذه الحالة لا يكون قَدَّم الجار على القريب ، لكونه جاراً، بل لأن القريب فى غير الباد، ونقل الزكاة لا يجوز ، وإن كان دون مسافة القصر على الصحيح . وإن کان کبیرا فهل يُراعى فيه الجوارُ العام؛ لیکون کالباد الصغير ، أو لا ؟ وجهان، صحح منهما الأول، وعلى هذا أيضا لا يكون قدّم الجار إلا لما يلزم من نقل الزكاة؛ وأما إذا قلنا بالوجه الآخر ، فى الباد الكبير ، وكان له جار مُلاصق ، وقریب بعید ، وهو فى الباد معه، ولكنه غيرُ جارٍ ، فلم يقل الماوَرْدِىّ هنا: إن الجارَ أولى. هذا ما ظهرلى، والموضع يحتاج إلى مزيد نظر، ولا يُشكل على هذا، إلا أن الماوَرْدِىّ قال فى أول الكلام الذى نقلناه عنه: ((فأما إذا كان جيرانه أجانب ، وأقاربه أباعد ، كان الصرف إلى الجيران الأجانب أولى)) فإن قوله: ((أولى)» يقتضى أن غيره بجوز ، وإذا كان المراد بالبعيد من هو فى غير البلد ، لم يكن الصرف إليه جائزاً أصلا: الا أنه قد يقال: المراد أولى وجوبا. ويُصار إلى هذا وإن كان خلافَ الظاهر، جما بين النَّلَيْن. وقد قال الشافعى فى ((المختصر)) فى ((باب كيف تفريق قَْ الصدقات)) وقال فى الجديد: « إذا استوى فى القُرْب أهْلُ نسبهم وعِدَى، قُسمت على أهل النسب دون العِدّى، وإن كان العِدَى أقرب بهم داراً، وكان أهل نسبهم منهم على سفر تقُصَر فيه الصلاةُ قسمت على الِدَى إذا كان دون ما تقصَر فيه الصلاةُ؛ لأنهم أولى باسم حضرتهم ، وإن كان أهل نسبهم دون ما تقصر فيه الصلاةُ ، والعِدَى أقرب منهم قسمت على أهل نسبهم ؛ لأنه بالبادية غير خارجين عن اسم الجوار، وكذلك هم فى المتعة حاضري المسجد الحرام)) انتهى. وهو صريح فى تقديم الأقارب ، وكأنه مُفرَّع على جواز النقل إلى مسافة لا تَقْصَر فيها الصلاةُ ، وجَعْل الساكن فيه من أهل الجوار . = - ٦٨ - أخبرنا أبو إسماعيل عبد الله بن محمد ؛ أخبرنا على بن أحمد بن خميرویه(١) ؛ حدثنا محمد بن أحمد بن الأزْهر إملاء، حدثنا مُبَيد الله(٢) بن مُرْوة، حدثنا محمد بن الوليد ، عن غُنْدَر، عن شعبة، عن الحكم، عن على بن الحسين، عن مَرْوان بن الحكم، قال: شهدتُ عِبْان وعلياً، فنهى عثمان عن المُتْعة، وأن يجمع بينهما، فلما رأى ذلك علىّ أهلَّ بهما ، فقال: لَّيْك بحَجَّةٍ وَعُمْرة. فقال عثمان: ترانى أنهى الناس، وأنت تفعله ؟ فقال: لم أكن لأدعَ سنةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم لقول(٢) أحدٍ من الناس. قال شيخنا أبو عبد الله الحافظ: إسناده صحيح. قال: وهو شىء غريب ، إذ فيه رواية على بن الحسين ، عن مروان ، وفيه تصويب مروان اجتهاد على رضى الله عنه على اجتهاد عثمان رضى الله عنه، مع كون مروان عثمانياً . قيل: وُجِد على أصل كتاب ( التهذيب)) بخط الأزْهَرَى: ويحسِبُ جَهْلًا أنه منكَ أَعْلِمُ وإنَّ عَنَاءَ أنْ تُعلِّمْ جَاهلاً · إذا كنت تبنيه وآخرُ يَهْدِمُ متى يبلغُ البنيانُ يوماً تَامَهُ وألفٌ وألفُ ثم ألفٌ وَأعْظَم فكيفَ بِناء خلفه ألفُ هادم. = · ومما يدل على تقديم الأقارب أيضا، أن الأصحاب قالوا: ((إذا صححنا الوقف المنقطِعَ الآخِرِ، وانقرض الوقوف عليه ، فالأظهر أنه يبقى وقفاً ، وفى مصرفه أوجه : أصجها ، إلى أقرب الناس إلى الواقف. والثانى، إلى المساكين. والثالث، إلى المصارف العامة ، مصارفٍ خمس اُلْخَمْس ، والرابع، إلى مُستحقّى الزكاة ». قالوا: (( وإن قلنا بالثانى، وهو الصرف إلى المساكين، ففى تقديم جيران الوقف وجهان: أصحهما المنع)) قالوا: «لأنا لو قدَّمْنا بالجوارِ لقدَّمْنا بالقرابة بطريق أوْلى)). فهذا يرشد إلى أن تقديم القرابة على الجوار أمرٌ مفروغ منه. (١) فى المطبوعة: ((خروبه)) والمثبت من: ج، ز، وهو فى ج مضبوط هكذا ضبط قلم، وقد تقدم ذكره فى الرواة عن الأزهرى على أنه (( خرويه » فى كل النخ . (٢) فى المطبوعة: ((عبد الله)) والمثبت من: ج، ز، وتقدم ذكره فى شيوخ الأزهرى على أنه (٣) فى ج: ((بقول)» والمثبت فى المطبوعة، ز. «عبد الله» فى كل النسخ. - ٦٩ - ١٠٨ محمد بن أحمد بن حمدان بن على بن عبد الله بن سنان، أبو عمرو، ابن الزاهد أبى جعفر الحِيرىّ النَّيْابُورِىّ(*) الزاهد، الُقْرِى، الفقيه، المُحدِّث ، النَّحوىّ. أدرك أبا عثمان الخيرِىّ، وسمع منه سنة خمس وتسعين ومائتين . سمع أبا بكر محمد بن زَنْجُويه بن الهَيْم، وأبا عمرو أحمد بن نصر ؛ وجعفر بن أحمد الحافظ . ورحل. فمع من الحسن بن سفيان سنة تسع وتسعين (( مُسنَدَه)) و(( مسندَ شيخه أبى بكر بن أبى شَيْبة)) وسمع من أبى يَعْلَى المَوْصِلِىّ ((مسنده» ومن عَبْدان الأهوازِىّ؛ وزكرياء السَّاحِىّ؛ ومحمد بن جرير الطَّرىّ، وأبى العباس بن السَّرَّاج، وابن خُزيمة ، وخلق . روَى عنه الحاكم أبو عبد الله، وأبو نُعَيم الحافظ، وأبو سعيد محمد بن على النَّقَّاش، وأبو العلاء ساعِد بن محمد الْهَرَوِىّ، وأبو حفص بن مسرور، وعبد القاهر بن محمد الفَرِسِىّ(١)، وأبو سعد النجرودىّ(٢)، وأبوعثمان بن سعيد بن محمد البَحِيرِىّ(٣)، وأبوسعد(٤)، وآخرون. وكان المسجد فراشَه نَيِّفًا وثلاثين سنة، ثم لما عمِىَ وضعُف نُقِل إلى بعض أقاربه بالحيرة من نيسابور، وصحب الزُّحَّاد. ٠٠ (*) له ترجمة فى: بغية الوعاة ٩، شذرات الذهب ٨٧/٣، العبر ٣/٣، لان الميزان ٥ / ٣٨، النجوم الزاهرة ٤ /١٥٠. وفى ج، ز: ((أبو عمرو بن الزاهرانى المفرى جعفر الحيرى)) والمثبت من المطبوعة.، ويعضده ما فى طبقات الصوفية ٣٣٢ فى ترجمة أبيه من أن اسمه: ((أبو جعفر بن سنان، أحمد ابن حمدان بن على بن سنان)». (١) فى المطبوعة: ((القارى)) وفى ز: ((عبد الظاهر بن محمد الفارسى، والمثبت من: ج، ولعله: (٣) فى المطبوعة: ((البجيرى)) (٢) كذا بالأصول . ((عبد الغافر بن محمد الفارسی)). والمتبت من : ج، ز، وهو فى المشتبه ٤٩ أبو عثمان سعيد بن محمد البحيرى. (٤) فى ج: ((وأبو سعيد الكنجرودى)) ومضروب على ((الكنجرودى)) وقد تقدم «أبو سعد النجرودى)) وهذا يدل على الخلط فى النسخ، وأملهما واحد، هو ((أبو سعيد محمد بن عبد الرحمن الكنجرودى « انظر الباب ٣ /٠٤٠ : - ٧٠ - ٠ قال الحاكم : وُلد له بنت وهو ابن تسعين سنة ، وتوفى وزوجته حُبلى ، فبلغنى أنها قالت له عند وفاته : قد قَرُّبت ولادتى، فقال: سلِّميه إلى الله، فقد جاءوا بِيرَاقى(١) من السماء، وتشهدّ، ومات فى الوقت ، رحمه الله . توفى فى الثامن والعشرين من ذى القعدة ، سنة ست(٢) وسبعين وثلاثمائة، وصلى عليه أبو أحمد الحاكم الحافظ. وقع لنا حديثُهُ بُعُوّ ١٠٩ محمد بن أحمد بن الربيع بن سليمان بن أبي مريم، أبو رجاء الأُسْوَانِىّ (*) أحد فقهائناً . ذكره أبو سعيد بن يونس، وقال : كتب عن على بن عبد العزيز ، وكان فقيها على مذهب الشافعىّ ، أديباً فصيح اللسان ، وله نظم، ومن نظمه قصيدة ذكر فيها أخبار العالم، وقصص الأنبياء عليهم السلام، وكتاب ((مختصر المُزَنِىّ)) والطب، والفلسفة، وغير ذلك. سُئل قبل موته : كم بلغتْ قصيدتك؟ قال: ثلاثين ألفا ومائة [ألف](٣) بيت، وبقى علىَّ أشياء تحتاجُ إلى زيادة . توفى فى ذى الحجة سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة . ، قلتُ: وقفت له على كتاب (( جمل الأصول الدالة على الفروع)» فى الفقه، فى مجارين لطيفين، وَقْف دار الحديث الأشْرَفيَّة بدمشق، ويعنى بالأصول نصوص الشافعى فيما أحسب، ذكر أنه اختصره من كتب الشافعى ، وقد أجاد فيه تلخيص النصوص، وربما اعترَض، أو نظّ، كقوله فى ((باب الوصية» منه: وإن أوصى له يجمَل أو بعير، لم يُعْطَ ناقة. وفيه نظر . انتهى . (١) فى المطبوعة: ((بترابى)) والمثبت من ج ، ز . (٢) فى الطبقات الوسطى: ((تع)). (*) له ترجمة فى: الطالم السعيد ٣٦٧، النجوم الزاهرة ٣ / ٢٩٤. (٣) ساقط من المطبوعة، وهو فى: ج، ز، د، والطبقات الوسطى، وأصل النجوم الزاهرة، وقد حذفها المشرفون على إخراج الكتاب اعتمادا على الطبعة السابقة من الطبقات، وهو خطأ ينبغى استدراكه - ٧١ - فإن أراد التنظير بالنسبة إلى البعير فقد قاله الأصحاب ، واستشكلوا النَّصّ على أن البعير لا يتناول الناقة ، وصححوا أنه يتناوله. وإن أراد بالنسبة إلى الجمل أيضا كما هو ظاهر إطلاقه، فغريب ، فالمعروف عند الأصحاب ما هو النصوص ، من أن الجمل لا يتناول الناقة وبالعكس. • وقال فى هذا الباب أيضا: وإن أوصى بثُلِه للغازى فى سبيل الله، أو للمساكين، فهم الذين من البار الذى فيه ماله . انتهى . وهذا وجه، والصحيح جواز النقل والصَّرف إلى مَن فى بلد أُخرى، وقد نبَّنَا قولُه (( البار الذى فيه ماله)) على أنه لو كان فى بلد وماله فى آخر، كانت العبرة عند من لا يرى النقل بيلد ماله، لا بلده هو ، وهى مسألة . ١١٠ محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد الفاشانىّ من قرية فاشان ، إحدى قرى مَرْو ، بناء مفتوحة ثم ألف ثم شين معجمة ثم ألف ثم نون هو الشيخ الإمام الجليل، شيخ الإسلام، أبو زيد المرْوَزِىّ، المنقطع القرين فليس من يُاجِله، والمنقطع القرين(١) يتركه مُصفرًّا أناملُه، والمنقطع إلى رب العالمين فلا يُعامِر سواه ، ولا يعاملهُ ، فرد الأمة فى عصره ، وواحد الزمان باتفاق أهل مِصْره وغير مِصْره ، أبو زيد فى العلم وعمرو وبكر وخالد، وشيخ كل صادِرٍ من المريدين ووارِد ، أحد الأفراد علما وورَعًا، وواحد الآحاد إفرادا وجمعًا. مولده سنة إحدى وثلاثمائة . حدَّث عن محمد بن يوسف الفَرَبْرِىّ، وعمر بن عَلَّكَ الَرْوَزِىّ، ومحمد بن عبد الله السَّعْدِىّ، وأبى العباس الدَّغَوْلِيّ، وأحمد بن محمد النْكَدِرِىّ، وغيرهم . (#) له ترجمة فى تاريخ بغداد ١ /٣١٤، تبين كذب المفترى ١٨٩، شذرات الذهب ٣/ ٧٦، طبقات الشيرازى ٩٤، طبقات العبادى ٩٣، العبر ٢ / ٣٦٠، العقد الثمين ٢٩٧/١، وفيات الأعيان ٣ /٠٣٤٥ (١) فى المطبوعة: ((العرين)» والمثبت من: ج، ز. - ٧٢ - روى عنه الهَيْثَم بن أحمد الصَّبَّاغ، وعبد الواحد بن مِشْمَس، وعبد الوهَّاب المِيدَانِيّ، وأبو عبد الله الحاكم، وأبو عبد الرحمن السُّلَمِىّ، وغيرهم من النَّيْسَابُورِيِّن. وأبو الحسن الدَّارَ فْطِنِىّ، كذا قال الدَّهِيُّ مع تقدُّمه، ولم يتقدم لا مولدا ولا وفاة، نعم هو أكثرِ الرواة عنه، وأبو بكر البَرْقَائِيّ، ومحمد بن أحمد الْمَحَامِلِىّ، وغيرهم من البغداديين. والفقيه أبو محمد عبد الله بن إبراهيم الأصيلِى"(١)، وآخرون. وكان ممن أجمع الناس على زهده ، وورعه ، وكثرة علمه ، وجلالته فى العلم والدين . قال الحاكم: كان أحد أئمة المسلمين، ومِن أحفظ الناس لمذهب الشافعيّ، وأحسنهم نظرا، وأزهدهم فى الدنيا، سمعت أبا بكر البزّار، يقول: عادلتُ(٢) الفقيه أبا زيد من نيسابور إلى مكة ، فما أعلى أن الملائكة كتبت عليه خطيئة . وقال الخطيب : كان أحد أئمة المسلمين، حافظا لمذهب الشافى، حسن النظر، مشهورا بالزهد والورع(٢). وقالُ الشيخ أبو إسحاق : كان حافظا للمذهب ، حسن النظر ، مشهوراً بالزهد وحدث ( بالجامع الصحيح)» البخارىّ. قال الحاكم : وهى من أجل الروايات ؛ لجلالة أبى زيد . وقال الخطيب: أبو زيد أجلٌ من روّى ذلك الكتاب. قلتُ: وعجبتُ من إغفال الحاكم سماع ((صحيح البخارى))(٤) منه، إن كان أغفله، ثم عجبت [مِن](٥) إغفال الناس أخْذَه عن الحاكم إن كان لم يغفله. وقد جاور أبو زيد بمكة على عُلُوِّ السِّن مدة ، حتى كاد يعرفه رُكْن الحطيم ، ويألفه مقام إبراهيم، ويشكر سعيَه الصَّفًا، ويذكر محامدَه إخوانُ الصَّفَا، ينشرُ العلم ويُشِيمُه، (١) نسبة إلى أصيل، بلد بالأندلس، قيل: ربما كانت من أعمال طليطلة. راجع مراصد الاطلاع ٨٨. (٢) عادله فى المحمل: ركب معه (القاموس ع ول). (٣) بعد هذا فى الطبقات الوسطى زيادة. ((قل أبو بكر بن فورك: إن أبا زيد استفاد من أبى الحسن الأشعرى . قلت : وأبو زيد أستاذ القفال المروزى » . (٤) فى ج: ((سماع البخارى)) والمثبت فى المطبوعة، ز. (٥) زيادة يقتضيها الياق. - ٧٣ - ويطوى الليل ولا يُضيعه، حتى تَفَوَّع منه مسكاً بطنُ نَعْمان، وترفَّع بحلوله قدراً ماهنالك من الأركان . قال الحاكم: سمعت أبا الحسن محمد بن أحمد الفقيه، يقول: سمعت أبا زيد الَرْوَزِىّ، يقول: لما عزمتُ على الرجوع إلى خُراسان من مكة، تقدَّم قلبى بذلك، وكنتُ أقول: متى يمكننى هذا ، والمسافة بعيدة، والمشقة لا أحتملها ، وقد طعنت فى السن ! فرأيت فى المنام كأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعدٌ فى صحن المسجد الحرام، وعن يمينه شاب، فقلت : يارسول الله : قد عزمتُ على الرجوع إلى خُراسان، والمسافة بعيدة، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الشاب(١)، وقال: ((يَرُوحَ اللهِ أَصْحَبْهُ(٣) إِلَى وَطَنِهِ)). قال أبو زيد: فأُرِيت أنه جبريل عليه السلام ، فانصرفت إلى مَرْو، ولم أُحسّ بشىء من مشقّة السفر. هذا أو نحوه؛ فإنى لم أراجع المكتوب(٣) عندى من لفظ أبى الحسن. انتهى كلام الحاكم . وفيه كما رأى(٤) (أبو الحسن محمد بن أحمد)) وحكاه كذلك عن الحاكم الحافظ ابن عساكر فى كتاب ((تبيين كذب المفترى))، وابن الصلاح فى (الطبقات))، وأبو الحسن تقدم فى الأحمدين(٥) . وتقدمت عنه هذه الحكاية، وتقدم قول الحاكم: أخبر نى الثقة أ. أحمد بن محمد، فلا تتوهَّمَن أنه (٦) اثنان، وإنما هو واحد فى اسمه اختلاف، وذكَر الحاكم ترجمته فى موضعين ، فلْيُضْبط ذلك . (١) فى نيين كذب المفترى ١٨٩، والطبقات الوسعلى: ((إلى الشاب بجنبه)). (٢) فى التبين: ((تصحبه))، وكذلك فى الطبقات الوسطى. (٢) كذا فى المطبوعة والطبقات الوسطى، وفى ج، ز: «للمكتوب)) وفى التبين: ((لم أرجع إلى المكتوب)). (٤) فى المطبوعة: ((روى)) والمثبت من: ج، ز، وفى الطبقات الوسطى: ((وقد وقع فيه)). (٥) ترجمه الحافظ ابن عاكر فى كتابه تبين كذب المفترى ١٨٨، وقد ذكره المصنف فى صفحة ٤٧،٤٦. ولكنه يترجمه فى النخ التى بين أيدينا من الطبقات الكبرى وترجمه فى الطبقات الوسطى، وقد أثبتنا الترجمة هناك. (٦) كذا بالأصول، وفى الطبقات الوسطى: (( أنهما)). - ٧٤ - ومما يذكر من ورع الشيخ أبى زيد، قال القاضى الحسين فى ((التعليقة)) قال الشيخ الفقَّال: سألت الشيخ أبا زيد، لِمَ جوَّز الشافعىُّ صلاةَ النقل فى السفر راكبا وماشياً ، غيرَ مُستقِل ؟ فقال: إن للناس أورادا كثيرة ، وربما يحتاج المرء إلى الخروج إلى السفر فى معاشه ومكاسبه، فلو قلنا إنه لا تجوز اه النافلة فى السفر؛ لأدَّى ذلك إلى أن يشتغل بالأوراد ، وينقطع عن معايشه . وقال أيضا: سألت أبا عبد الله الخضْرِىّ(١) عن هذا، فقال: ربما كان للإنسان أوراد كثيرة ، وخرج إلى السفر فى بعض حوائجه لأمر معاشه ، فلو قلنا: لا يجوز له النافلة فى السفر، لأدى ذلك إلى تركه الأوراد واشتغاله بمعاشه. قال الففَّل : انظروا إلى فضل ما بينهما؛ فإن أبا زيد كان رجلا زاهدا ؛ فقدم أمر الدين على الدنيا فى الجواب؛ وكان الخضْرِىّ(١) مشغولا بالدنيا، وصلاته كصلاة الفقهاء ، فقدَّم أمر الدنيا . ، قلتُ : ثم ما كان ورع الشيخ أبى زيد، بحيث يخرجه إلى الحد الذى ينتهى إليه أهل الوَسْوسة، من عوام المتورِّعين ، الذين إذا أعطوا يسيرا من الديانة(٢) مع الجهل تفطَّوا(٣) فى الجزئيات، يدل على ذلك أن أصحابنا يقولون فيما إذا تنجَّس أُنظفُ بخرْزِه بشعر الخنزير، ثم غل سبما إحداهن بالتراب»: أنه يطهرُ ظاهرُه دون باطنه، وهو موضع الدُّرُوز(٤). • وقال الرافعيّ فى أواخر ((باب الأطعمة)): ويقال: إن الشيخ أبا زيد كان يصلى مع اُلخفِّ النوافل، دون الفرائض، فراجعه القفّل فيه، فقال: إن الأمر إذا ضاق انَّع. (١) فى الأصول: ((الحضرمى)) وهو خطأ، صوابه من الطبقات الوسطى، وسيترجمه المصنف فى هذه الطبقة. (٢) فى المطبوعة: ((الدنيا)) والمثبت من: ج، ز . (٣) فى المطبوعة، ز: «تقطعوا)» والمثبت من: ج .. (٤) فى المطبوعة: ((الدور)) والتصويب من: ج، ز. والدروز جمع الدرز (بفتح الدال وسکون الراه) وهو الارتفاع الذى يحصل فى الثوب عند جمع طرفيه فى الخياطة. - ٧٥ = قال الرافىّ : أشار به إلى كثرة النوافل .. قال النََّوِىّ : بل الظاهر أنه أشار إلى أن هذا القَدْر مما تعمّ به البَلْوَى ويتعذَّر أو يشُق الاحْتراز منه، فُفى عنه مطلقا، وإنما كان لا يصَلّى فيه الفريضة احتياطا لها ، وإلا فمقتضى قوله العفوُ فيهما ، ولا فرق بين الفرض والنقل فى اجتناب النجاسة ، ويدل على صحة ما تأوَّلْتُهُ أن القفَّال قال: سألت أبا زيد عن جواز الصلاة فى الخفيِّ يَخْرَز بشعر الخنزير؟ فقال: الأمر إذا ضاق النَّسَع . قال القفَّل: مراده أن بالناس حاجةً إلى الحرْز به ، فلمضرورة جوَّزنا ذلك. قلتُ: لم يَتَضِحِ لى مخالفةُ كلام النَّوَوِىّ للرافعى ، بل قول الرافعىّ أن أبا زيد أشار به إلى كثرة النوافل ، معناه ما ذكره النَّوَوِىّ، من أن كثرتها اقتضتْ أَلا يحتاط لها ، كما يُحتاط الفريضة، من أجل المشقّة . وذكر ابن الرِّفْعة فى ((باب مسح الحق)) أن أبا زيد فى كلامه هذا مُتَّبِع الشافعىّ. قال: فإن الخطَّبِىّ حكاه عنه، عند الكلام فى الذباب يقع فى الماء القليل ، أن مبنى الشريعة على أن الأمر إذا ضاق انَّسع . · قال ابن الرِّفْعة: على أنه يمكن أن يُعلَّل ذلك، بأن الداخل من مواضع الحرز قد انْسَدَّ بالخيْط، فصار فى حكم البُطُون، والنجاسة فى الباطن لا تمنع الصحة ؛ بدليل أن ظاهر نصنِّ الشافعىّ صحةُ الصلاة فى جاد الميتة المدبوغ، وإن قلنا: الدِّباغ لا يُظهِّ باطنَه، ونصّه على أنه لو سقَى سيفَه شيئا نجسا طهُر بإفاضة الماء على ظاهره، ولأجله - والله أعلم - قال بعض أصحابنا ، إذا حمل قارورة فيها نجاسة، بعد تصميم رأسها، فى صلاته تصحُّ. انتهى. قلت: وحاصله محاولة أنه معفُوٌّ عنه، وأنه صار بالطنا لا يُطَى حكمَ النجاسة. وقد يقال: لو كان كذلك لصلَّى فيه الفرضَ والنفلَ جميعا . ويجاب : بأن القول بأنه لا تمتنع(١) الصحة ليس قطعيا، بل هو مظنون، فاحتيط فيه للفرض مالم يُحتّط النَّفل. (١) فى المطبوعة: ((لايمنع)) والمثبت من : ج، ز. - ٧٦ - توفى الشيخ أبو زيد بمَرْو، فى يوم الخميس، ثالث عشر رجب، سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة . ﴿ذكر نخب، وفوائد، ومسائل عن الشيخ أبى زيد) نقل الشيخ أبو على قُبَيل (كتاب الصلاة)) من ((شرح الفروع)) أن بعض أصحابنا، قال: إن الطَّواف وإن كان تفلا يلزمُ بالشروع فيه. ثم ذكر ما حاصله أن الشيخ أبازيد مُوافِق على ذلك. وهذا غريب . • ذكر إمام الحرمين فى آخر ((النهاية)» فى الفروع المنثورة، أن الْحَلِيمِىّ كتب إلى الشيخ أبى زيد يستفتيه فين اشترى جارية، فأنت بولد، فادَّعى أنها ولدتْه بعد الشراء ، وقال(١) البائع: بل قبْلَه فأجابه أبو زيد بأن القول قولُ البائع؛ لأن الأصل ثبوت ملكه فى الحمل، والأصل عدم البيع فى وقت الولادة . قال الإمام : هكذا حكاه الشيخ أبو علىّ ، ولم يزد عليه . قال: وكذا حكاه الإمام ولم يزد عليه، ولم أرَ من تكلّم عليه [ وفيه نظر](٢). • وصورة المسألة أن يكون الحمل موجودا عند البائع، ثم يوجد الولد عند المُشترِى، ويُنْك: أ كانت ولادته قبل البيع، أو بعده. والذى ينبغى أن يقال: [إنّه](٣) إن كان فى يد المشترى فهو له، ولا يرفع يده بمجرد وجود الجمل فى يد البائع؛ ويشهد لهذا قول الأصحاب فى (( باب الكتابة)) فيمن زوَّج أمته من عبده، ثم كاتب العبد، ثم باع منه. زوجته، وأنت بولد ، فقال السيد: ولدتْ قبل الكتابة فهولى، وقال الكاتب : بل بعد الكتابة والشراء: وقد يُكانَب على أن المكانَب يُصدَّق بَيَمِينه؛ لأنه يدَّعى ملك الولد ، ويده مُقَرَّة عليه ، واليد تدل على الملك. (١) فى ج: ((أوقال)) والمثبت فى المطبوعة، ز. (٢) ساقط من المطبوعة، وهو فى، ج ، ز . (٣) ساقط من المطبوعة، وهو فى : ج، ز . - ٧٧٠ - ﴿ فائدةأخرى﴾ • نقل صاحب ((البيان)) فى ((باب ستر العورة)) فى فاقد الشُّترة إذا صلى مُريانا، أن الشيخ أبا زيد، قال: إن كان فى الحضَر، ففى الإعادة قولان، وإن كان فى السفر ، لم تلزمه الإعادة قولا واحدا . وقال سائر أصحابنا: لا تلزمه الإعادة قولا واحدا، فى سفر ولا فى حضَر؛ لأن العُرْىَ عذرٌ عام، وربما اتصل ودام، وقد يُعدَم ذلك فى الحضَر، كما يُعدَمُه فى السفر ، فلو ألزمناء الإعادة لشق ذلك، هذا كلام ((البيان)). والقول بالتفرقة فى لزوم الإعادة بين الحضَر والسَّفر شهير، حكاه أيضا ابن بُونس فى (( شرح التنبيه))، ولم يذكره الرافعىّ، وإنما أطلق فى آخر («باب التيمم) حكاية وجهين، أظهرُها عدم لزوم الإعادة، والمسألة عنده تبعاً للإمام والغزَّالىّ فى ((باب التيمم)) فى ((فصل القضاء)) وعند صاحب ((المهذب)) وأتباعه فى ((ستر العورة))، ولمله أنسب، ثم اختلاف الاصطلاح فى وضعها ربما طَرَق بعض التقصير فى شرحها، لمن يقتصر نظره على أحد المكانين . ١١١ محمد بن أحمد بن عبد الرحمن، أبو الحسين الملَطِىّ (*)- الفقيه ، المُقْرِى . حدَّث عن عَدِىّ بن عبدالباقى، وخَيْثَمة بن سليمان، وأحمد بن مسعود الوَزَّان، وجماعة. روَى عنه إسماعيل بن رَجَا ، وعمر بن أحمد الوَاسِطِىّ ، وغيرهما . وأخذ القراءة عرَضً عن أبى بكر بن مجاهد، وأبى بكر بن الأنْبَارِىّ، وجماعة. وله قصيدة فى نعت القراءة ، أولها(١) : مقالَ مُرِيدٍ لِلشَّوابِ وللأجْرِ أقولُ الأهلِ الكُتْبِ والفَضْلِ واِحِجْرِ (#) له ترجمة مستوفاة فى طبقات القراء ٢ / ٦٧ (١) أنشد ابن الجزرى منها أربعة أبيات فى كتابه طبقات القراء، وفيه: * أقول لأهل الب والفضل والحجر * - ٧٨ - مات سنة سبع وسبعين وثلاثمائة . أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، إذنا خاصا، أخبرنا أبو عبد الله الحافظ (١) بن بَدْران، أخبرنا أحمد بن طاؤُوس، أخبرنا حمزة بن أحمد السُّلَمِىّ ، أخبرنا نصر بن إراهيم الفقيه، أخبر ناعمر بن أحمد الخطيب، أخبرنا أبو الحسين الْمَلَطِىّ، حدثنا أحمد بن محمد بن إدريس الإمام، بحلب، حدثنا سُهَيل بن صالح الأنْطَاكِىّ، حدثنا عَبْدة، عن هشام بن عُرْوَة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اهِند: ((خُذِى مِنْ مَالِهِ: مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ)) وكانت قالت له: يا رسول الله: إنَّ أبا سفيان رجلٌ" شحيحٌ، وإنه لا يُعطِينى ما يَكْفِينى ويكفى بَنِىَّ، فَآخذُ من ماله وهو لا يعلم ، فهل علىَّ منه شىء ؟ ١١٢ محمد بن أحمد بن على بن شَاهُويه (٢) (١) كذا فى المطبوعة، وفى ج، ز: ((أبو عبد الحافظ ... )). (٢) بياض بالأصول. وفى طبقات الشيرازى ١٢١: (( ومنهم أبو بكر بن شاهويه، مات سنة إحدى وستين وثلاثمائة ، وجمع بين الفقه وعلم الحساب». وقد ترجمه المصنف فى الطبقات الوسطى ، على هذا النحو . محمد بن أحمد بن على بن شاهُويه أبو بكر ، القاضى ، الفارسىّ ذكره الحاكم، فقال: ((سمع أبا خليفة القاضى، وزكرياء بن يحيى السَّجِىّ، وأقرانهما. قد كان إمام نيسابور زماناً ، ثم خرج إلى بخاری ، و کان یُدرّس فى مدرسة أبیجفص الفقیه ، ثم انصرف إلى نيسابور ، وحدَّث بها . ومات بنيسابور، فى ذى القعدة، من سنة إحدى وستين وثلاثمائة). هذا كلام الحاكم ، وروى عنه حديثا . - ٧٩ - ١١٣ محمد بن أحمد بن محمد بن جعفر الإمام الجليل، أبو بكر بن الحدَّاد المِصْرِىّ(*) صاحب (( الفروع))، وصاحبُ ذيل الفضل الذى هو على الرؤوس محمول وعلى العيون موضوع، ذو الفكرة المستقيمة، والفطرة السليمة، فِكَرُه فى محتجِبات المعانى سارية، وفى سماء المعالى سامية ، وقريحة عجيبة الحالى ما أدراك ماهية! نار حامية، إمام لا يُدْرَك محلُّه، وجواد لا يجاريه إلا ظلُّهُ، سارت مُولَّداتُه فى المغارب والمشارق، وطرق فكرُ. الأسماع، وما أدراك ما الطارق ! وناطق قال فكان له من القول بسيطُهُ ووجيزُه، ومِصْرِىٌّ صح على نقْد الأذهان إبْرِيزُ،، ووضَحِ حَلْيُه فعُوِّد من شر الوَسْواس الخَنَّاس، واصطفَتْ الأَّمة معه، فقال لسان الحق: مُرُوا أبا بكر فِلْيُصَلِّ بالناس. فقضَى على غِيْبِ الأمورِ تيقُناً يقفُ التَّوَقُّحَ عنهُ حِدَّةُ ذهِنِهِ واستقْرَب الأقصى فتَمَّ له هُنّاً أُمْضى إرادتَه فسوفَ له قَدٍ ولد يوم موت المُزَّتِىّ . وأخذ الفقه عن أبى سعيد محمد بن عُقَيْلِ الفِرْيَبِىّ ، وبِشْر بن نصر غُلامِ عِرْق ، ومنصور بن إسماعيل الضّرير . وجالس أبا إسحاق المَرْوَزِىّ لَمَّا ورد مصر. ودخل بغداد سنة عشر وثلاثمائة ، فاجتمع بجرير (٣) ، وأخذ عنه ، واجتمع أيضا بالصَّيْرَفِىّ، وبالْإِسْطَخْرِىّ، ولم يتهيأ له الاجتماع بأبى العبّاس بن(٣) سُرَيَح، فكان يتأسّف، ويقول: وَدِدْت أنى رأيت ابن سُرَيح، وأنى أُحَمُّ فى كل ليلة(٤) إلى أن أموت. (*) له ترجمة فى: تذكرة الحفاظ ١٠٨/٣، شذرات الذهب ٣٦٧/٢، طبقات الشيرازى ٩٣، طبقات العبادى ٦٥، العبر ٢٦٤/٢، النجوم الزاهرة ٣١٣/٣، وفيات الأعيان ٠٣٣٦/٣ (١) فى المطبوعة: ((يقف التوم عند حدة ذهنه)) والمثبت من: ج، ز . (٢) كذا فى الأصول، وفى الطبقات الوسطى: ((فاجتمع بمحمد بن جرير)) ولعله الصواب. (٣) فى المطبوعة: ((بابن سريع)) والمثبت من : ج، ز . (٤) فى المطبوعة: «فى كل يوم وليلة)) والمثبت من: ج، ز. - ٨٠ - وأخذ العربية عن محمد بن وَلَّاد. وسمع الحديث من جماعة: منهم محمد بن عُقَيْل الفِرْيَبِىّ الفقيه، وأبو يزيد القَرَاطِىّ، وعمر بن مِقْلاص، والنَّائِيّ، وغيرهم ، لكنه لم يُحدِّث عن غير النَّانِ. قال الدَّارَ قُطنىّ: كان ابن الحدَّاد كثير الحديث، ولم يُحدِّث عن غير أبى عبد الرحمن النَّسَائِيّ ، وقال: جعلته حُجَّةً فيما بينى وبين الله تعالى. وكان كثير التَّعَبُّد، بختم كل يوم وليلة، ويصوم يوما ويفطر يوما، ويختم يوم الجمعة خَتْمة أخرى فى ركعتين ، فى الجامع قبل الصلاة ، سوى التى يختمها كل يوم . وكان عارفا بالحديث، والأسماء ، والكُفَى ، والنحو ، والمغة ، واختلاف الفقهاء، وأيام الناس ، وسِيرَ الجاهلية ، حافظا لشىء كثير من الشعر . وكان حسن الثياب ، رفيعها ، حسن المركوب. ووَلِىَ القضاء بمصر نيابةً لابْنِ هِرْ وان(١) الرَّمْلِىّ، ولغيره أيضاً. وكان نسيج وحده فى حفظ القرآن ، إمامَ عصره فى الفقه ، بحرا واسعا فى اللغة ، تجمَّل به وجوده، يجلس فى خَلْوة للشغل بالعلم، فَيَغْشى حلقته الجمُّ الفقير، الذين يفوتون: الحَصْرَ ، وله كلمة نافذة عند الملوك ، وجاه رفيع . وأما نَوْصه على المعانى الدقيقة، وحُسْن استخراجه للفروع المولَّدة، فقد أجمع الناس على أنه فَرْد فى ذلك ، ولم يلْحقّه أحد فيه . وله كتاب ((الباهر)) فى الفقه، قيل: إنه فى مائة جزء، وكتاب ((أدب القضاء)) فى أربعين جزءا، وكتاب ((جامع الفقه))، وكتاب ((الفروع الأُولَّدات)) المختصر المشهور، الذى شرحه عظماء الأصحاب: منهم القفّال، والشيخ أبو على السّجِىّ، والقاضى أبوِ الطَّيِّب الطبرىّ ، والقاضى الحسين المَرْوَزِىّ، وغيرهم . قال الرافعى فى ((كتاب العدد)) من الشرح: ونقل القاضى الرُّوبَانِىّ فى ((جمع الجوامع)) أن الإمام أبا بكر بن الحدَّادِ كان فقيد الخصية اليُمنى، وكان لا يُنزِل، وكانت لحيته طويلة. (١) فى ز: ((ابن الرملى» والمثبت فى المطبوعة، وج .