النص المفهرس

صفحات 301-320

- ٣٠١ -
٧٠
عثمان بن سعيد بن بَشَّار
أبو القاسم الأنماطىّ الأحول*
صاحب المزنىّ والربيع.
وقد وَهَم العَبّادىّ فى كتابه فزعم أنه الحكم بن عمرو، وأن لأصحابنا آخّرَ يقال له
محمد بن بشّار ، وليس بأبى القاسم .
قال ابن الصَّلاح: وأحسبه مَرَّ به ذِكر أبى القاسم الحكم بن عمرو من رواة الحديث،
فاعتقد أنه صاحبنا .
قال الخطيب : أبو القاسم الأحول الأنماطى كان أحد الفقهاء على مذهب الشافعىّ ،
وحدَّث عن الزنىّ والربيع .
روى عنه أبو بكر الشافعىّ، وروى أن ابن المُنادِى قال: كان الناسر فيه مسعه.
قلت : هو الذى اشتهرت به كتب الشافعىّ ببغداد ، وعليه تفقه شيخ المذهب
أبو العباس بن سُرَيح .
قال أبو عاصم: الأنماطىّ لأهل بغداد كأبى بكر بن إسحاق لأهل نيسابور؛ فإنه أول
من حمل إليها على المزنىّ .
قلت : كأنه أراد مشابهته لأبى بكر بن إسحاق فى هذا القَدْر ؛ وإلا فابن إسحاق
أجلّ قدرا، وأرفع خطرا، وأوسع علما فيما يظهر لنا ، نعم للأنماطىّ جَلالة بمن أخذ عنه ؟
فقد حمل عنه العلم أبو العباس بن سُرَيح، وأبو سعيد الإصْطَخْرِىّ، وأبو علىّ ابن خَيران،
ومنصور التَّميمىّ، وأبو حفص بن الوكيل البابْشامى"(١)، وهذه الطبقة العليا، ولم يحصل
لأبى بكر بن إسحاق مثل هؤلاء التلامذة .
* له ترجمة فى: تارخ بغداد ٢٩٢/١١، شذرات الذهب ١٩٨/٢، العبر ٨١/٢، مرآة الجنان
٢١٥/٢، وفيات الأعيان ٤٠٦/٢.
(١) فى المطبوعة: ((البارسانى)). وفى: د، والنسخة ١٦٣: (الباريانى)) وأثبتنا الصواب
من : طبقات الشيرازى ٩٠ وسيترجم له الصنف فى الطبقة الثالثة .

- ٣٠٣ -
مات الأنماطىّ فى شوّال سنة ثمان وثمانين ومائتين .
• وحكى أن أبا سعيد الإِسْطَخْرِىّ سأل الأنماطىّ فقال له: النَّصَّ آكَدُ أم الاجتهاد؟
فقال : النّصّ .
فقال: أليس قد أَصَّ النبيّ صلى الله عليه وسلم على الشّعير ولم ينصّ على البرّ ؛ أفرأيت
لو كان فُوتَه ◌ُدًّا أيجوز له إخراج الشعير؟
فقال : لا يجوز ذلك .
فقال : قد قَدَّمْتَ الاجتهادَ على النَّعَنّ.
فدخل ابن سُرَيح فأخبره بما جرى ، فقال: إن النّصّ يُقدَّم على اجتهادٍ مُحتِمِل،
فأما إذا كان ما وقع عليه النص تنبيها على ما هو أعلى قُدِّم عليه؛ كالضرب مع التأفيف ،
كذلك قصد النبيّ صلى الله عليه وسلم بذلك إلى بيان ما يلزمهم أن يخرجوا فى يوم الفطر،
وجعل ذلك قُوتًا، فإذا اقتات الإنسان بُرّا لم يجزله أن يخرج شعيرا، بخلاف العكس؛
لأنه أعلى منه .
٧١٠
(عثمان بن سعيد بن خالد بن سعيد السِّجسْتانِىّ﴾
الحافظ أبو سعيد الدَّارِمِ*
محدِّثِ هَراة، وأحد الأعلام الثَّفات، ومَن ذكره العبادى فى (الطبقات))، قائلا:
الإمام فى الحديث والفقه ، أخذ الأدب عن ابن الأعرابيّ والفقه عن البُوَيْطِىّ، والحديث
عن يحيى بن مَعِين .
قلت: كان الدارِمِيّ واسع الرِّحلة، طَوّف الأقاليم، ولقى الكِبار.
* له ترجمة فى: البداية والنهاية ٦٩/١١، تذكرة الحفاظ ١٧٧/٢، شذرات الذهب ١٧٦/٢،
طبقات الحنابلة ٢٢١/١، العبر ٠،٦٤/٢ مرآة الجنان ٠ ١٩٣/٢. والدارمى، بفتح الدال وسكون الألف
وكسر الراء وبعدها ميم، نسبة: نسبة إلى دارم بن مالك، بطن كبير من تميم، الباب ٠٤٠٤/١

- ٣٠٣ -
سمع أبا اليمان الخِمْصِيّ، ويحيى الوُحَاظِىّ، وحَيْوَة بن شُرَيح. بحِمْص.
وسعيد بن أبى مريم، وعبد الغفار بن داود الحرّانىّ، ونعيم بن حماد، وطبقتهم بمصر.
وسليمان بن حرب، وموسى بن إسماعيل التَّبُوذَ كِىّ ، وخَلقا بالعراق .
وهشام بن عَمّر ، وطائفةً بدمشق .
روى عنه أبو عمرو أحمد بن محمد بن الخيرىّ(١)، ومؤمَّل بن الحسن الماسَرْجِىّ(٢)،
وأحمد بن محمد الأزهر، وأبو النَّضْر محمد بن محمد الطوسىّ الفقيه، وحامد الرَّفًّا، وأحمد بن
محمد بن عَبْدُوس الطَّائفىّ ، وخلقُ.
ومن مشايخه فى الحديث أحمد بن حنبل، وعلى بن المَدِينىّ، وإسحاق بن راهويه ،
ويحيى بن مَعِين ، وشيخه فى الفقه البُوَيْطِىّ.
قال أبو الفضل يعقوب الهروىّ القَرَّاب(٣): ما رأينا مثل عثمان بن سعيد، ولا رأى
هو مِثل نفسه .
وعن عثمان الدارميّ: من لم يجمع حديث شعبة ، وسُفیان ، ومالك ، و حماد بن زيد ،
وابن ◌ُيَيْنة فهو مُفْلِس فى الحديث، يعنى أنه ما بلغ رتبة أُحُفّاظ فى العلم.
قال شيخنا الذهبىّ: ولا ريب أن من حصَّل علم هؤلاء، وأحاط بمروِيّاتهم فقد حصل
على ثلثى السنة ، أو نحوها .
توفى الدارِمِيّ رحمه الله فى ذى الحجة ، سنة ثمانين ومائتين .
قال الذهبيّ : ووَهَم من قال سنة اثنتين وثمانين .
(١) فى: د، والفسخة ١٦٣: ((الجيزى)) بالمعجمة. وأثبتناه بالمهملة من المطبوعة، والمشتبه
١٨٥، وهو نسبة إلى حيرة نيابور .
(٢) فى المطبوعة: ((الماسرخسى)) بالخاء المعجمة. والمثبت من الطبقات الوسطى واللباب ٨٣/٣.
والماسرجى بفتح الميم والين المهملة وسكون الراء وكسر الجيم والين الثانية، نسبة إلى ماسرجى.
وهو اسم جد. (٢) فى المطبوعة ((الفرات)). والمثبت من: د، والنسخة ١٦٣، وانظر المشتبه٥٠٠

- ٣٠٤ -
والدارِمِيّ( كتاب فى الردعلى الْجَهْدِيّة))، و((كتاب فى الردعلى بِشْرِ الَرِيسىّ)) و((مُسنَدْ)»
كبير ، وهو الذى قام على محمد بن كَرّام، الذى تنسب إليه الكّرّامية، وطردوه عن عَراة.
وكان من خبر ابن كَرّام هذا، وهو شيخ سِجِسْتانِّ مُجَسِّ، أنه سمع يسيرا من
الحديث ، ونشأ بسجستان ثم دخل خُراسان، وأكثر الاختلاف إلى أحمد بن حرب
الزاهد، ثم جاور بمكة خمس سنين، ثم ورد نَيْابور، وانصرف منها إلى سِجِسْتان ،
وباع ما كان يملكه وعاد إلى نيسابور، وباح بالتجسيم وقال : إن الإيمان بالقول كافٍ، وإن
لم يكن معه معرفة بالقلب. وكان من إظهار التفتُك والتأَلَّه والتعبُّد والتقشُّف على جانب
عظيم، فافترق الناس فيه على قولين : منهم المعتقد ، ومنهم المنتقد ؛ وعُقدت له مجالسُ سئل
فيها عما يقوله، فكان جوابه أنه إلهام يُلهِمه الله، ثم إن الأمير محمد بن طاهر بن عبيد الله.
ابن طاهر حبسه بنَيْسابور مدة.
قال الحاكم أبو عبد الله : فكان يغتسل كلَّ يوم جمعة، ويتأهب للخروج إلى الجامع، ثم
يقول السَّجّان: أتأذن لى فى الخروج؟ فيقول: لا . فيقول: اللهم إنى بذلت مجهودى ،
والمنع من غيرى . ثم إنه أُخرج من نَيْسابور فى سنة إحدى وخمسين ومائتين ، بعد أن
مكت بالسّجن ثمان سنين، وتُوفّى بيت المقدس سنة خمس وخمسين ومائتين ، وقيل تُوفّى
بزُغَرِ (١)، وحمل إلى بيت المقدس.
قال الحاكم: لقد بلغنى أنه كان معه جماعة من الفقراء، وكان لباسه مَسْك(٢) ضأن
مدبوغ غير مَخِيط ، وعلى رأسه قَلَنْسُوَة بيضاء، وقد نُصب له دُكّان من كلِبن ، وكان
يُطرح له قطعة فَرْو فيجلس عليها، فيعظ ويد كُر ويحدِّث، قال: وقد أثنى عليه فيما بلغنى
ابن خُزَيْمة ، واجتمع به غير مرة، وكذلك أبو سعيد عبد الرحمن بن الحسين الحاكم، وما
إماما الفريقين .
قلت : يمنى الشافعية والجنفية .
. (١) زغر ، بوزن زفر: قرية بمشارف الشام. المراصد ٦٦٧ ..
(٢) المنك: الجلد، أو خاص بالسخلة. القاموس (مسك ).

- ٣٠٥ -
وقال أبو العباس السَّرَّاج: شهدت أبا عبد الله البخارىّ، ودُفع إليه كتاب من محمد
ابن كَرّام سأله عن أحاديث، منها: الزُّهْرِىّ، عن سالم، عن أبيه، رَفَه: ((الإيمَانُ
لَا يَزِيدُ وَلَّا يَنْقُصُ)). فكتب على ظهر كتابه: مَن حدَّث بهذا استوجب الضرب الشديد،
والحبس الطويل .
قلت: وصاحب سِجِسْتان هو الذى نقاء، ولم يكن قصْد الساعين عليه إلا إراقة دمه ،
وإنما صاحب سجِسْتان هاب قتله، لِمَا رأى عليه من مخايل العبادة والتقشُّف؛ ولقد افتتن به
خَلْق كثير، وهو عندنا فى مكان المشيئة لله أن يغفر له وأن يؤاخذه؛ فإنه مُبتدِع لا محالة .
واعلم أن كرّاما على ما هو المشهور بتشديد الراء ، ورأيتها كذلك مضبوطة بخط شيخنا
الذهبىّ، وكنت أسمع الشيخ الإمام الوالد رحمه الله يحكى، أن الشيخ صدر الدين ابن المرَحِّل(١).
قرأ مرة بحضرة السلطان الملك الناصر جزأ، وفيه ذكر محمد بن كرام، فقال ((كرام)» وخفف
له إلراء، فرد عليه بعض الحاضرين، فقال: لا، إنما هو بالتخفيف ، فقد قال الشاعر:
والدِّينُ دينُ محمد بن كَرَامِ
الرأىُ رأىُ أبى حنيفةَ وحدَهُ
قال الوالد: فظن الحاضرون أن الشيخ صدر الدين وضع هذا البيت على البديهة ، وأنه
لا أصل له. هذا ما كان يحكيه لنا الوالد، ثم رأيت أنا بخط الشيخ تقي الدين ابن الصَّلاح
فى مجاميعه، أن محمد بن كرام بالتخفيف، وأن أبا الفتح البُسْتِىّ أنشد:
إن الذين نُجِلُّهم لم يقتدوا بمحمد بن كَرامٍ غيرُ كِرامٍ
والدِّينُ دِينُ محمد بن كَرَامٍ
الرائُ رآئُ أبى حنيفةً وحده
فأريت ذلك للوالد ، فأعجبه وسُرّ به سرورا كثيرا ، ثم رأيت هذين البيتين بعينهما
منسوبين إلى قائلهما البُسْتِىّ فى كتاب ((اليَمِينى)) فى سيرة السلطان يمين الدولة محمود
ابن سُبُكْتِكِين.
(١) انظر تاج العروس (رحل)٣٤٢/٧.
(٢/٢٠ - طبقات)

- ٢٠٦ -
﴿ ومن غرائب أبى سعيد الدارميّ وفوائده)
قال أبو عاصم : إن أبا سعيد ذهب إلى أن الثعلب حرام أكله، وروى فيه خبرا ..
قال: ورَوى عن بُرَيْدَة بن سفيان أن أهل مكة والمدينة يسمون النبيذ خمرا،
وهكذا رواه علىّ بن عبد الله المَدِينِىّ. انتهى.
قلت : قوله بتحريم الثعلب غريب .
(١ [ والخبر الذى أشار إليه أورده عثمان بن سعيد المذكور فى كتاب ( الأطعمة)»
من تأليفه، ولفظه: عن عبد الرحمن السُّلَمِىّ قال، قلت : يا رسول الله، ما تقول
فى الذئب؟ قال: (( وَيَأْ كُلُّ ذُلِكَ أَحَدٌ؟)) قلت: يا رسول الله، ما تقول فى الثعلب؟
قال: (( وَيَأْكُلُ ذلِكَ أَحَدٌ؟)).
قال أبو سعيد: وهذا الإسناد ليس بذاك القوىّ ! غير أن الذئب والثعلب دخلا فى نعى
النبى صلى الله عليه وسلم عن كل ذي ناب من السباع، فلأجل ذلك لا يجوز أكلهما ](١).
٧٢
عَشْكر بن الخصَين. وقيل عَسْكر بن محمد بن الحسين
الشيخ أبو تُراب النَّخْشَى*
بفتح النون وسكون الحاء وفتح الشين المعجمتين وفى آخرها الباء الموحدة، نسبة
إلى نَخْشَب، بلدةٍ من بلاد ما وراء النهر، معُرِّبت فقيل لها: نَسَف.
كان شيخ عصره بلا مُدافعة ، جمع بين العلم والدين ، زاهدا ورعا متقشّفا متقلَّلًا ،
متوكّلا متبتلًا .
(١) ما بين الحاصرتين ساقط من المطبوعة، وقد استكملناه من: د والنسخة ١٦٣
* له ترجمة فى: تاريخ بغداد ٣١٥/١٢، حلية الأولياء: ٤٥/١٠، الرسالة القشيرية ٢٢
صفة الصفوة ٤ /١٤٥، طبقات الحنابلة ٢٤٨/١، طبقات الشعرانى ٧١/١، طبقات الصوفية ٦ ١١٤، الصبر
١ /٤٤٥ - وفى المطبوعة: ( وقيل عكر بن محمد الصين)) وهو خطأ صوابه من: د، والنسخة ١٦٣

- ٣٠٧ -
محب حاتما الأصمّ إلى أن مات، وخرج إلى الشام وكتب الكثير من الحديث ،
ونظر فى كتب الشافعىّ ، وتفقّه على مذهبه .
وحدَّث عن محمد بن عبد الله بن ◌ُمَر، ونُعَيم بن حماد، وأحمد بن نصر النَّيسابورىّ ،
وغير م .
روى عنه أحمد بن الجلاء ، وأبو بكر بن أبي عاصم ، وعبد الله بن أحمد بن حنبل ،
وآخرون .
قال الدُّقْىّ(١) فيما رواه الخطيب بإسناده: سمعت أبا عبد الله بن الجلاء يقول: لقيت
ستمائة شيخ ما رأيت فيهم مثل أربعة ، أولهم أبو تُراب .
قال ابن الصلاح: والثلاثة الآخرون: أبوه يحيى الجَلَّاءِ، وأبو مُبَيد البُسِرِىّ،
وذو النون المِصرىّ ، رضى الله عنهم أجمعين.
وروى الخطيب أن أبا تُراب قال: ما تمَّتْ علىَّ نفسى قطُّ إلا مرةً، تمَنَّتْ علىّ خبزا
وبيضا وأنا فى سَفرة، فعدلت من (٢) الطريق إلى قرية، فلما دخلتُ(٣) وثب إلىّ رجل
فتعلّق بى وقال : إن هذا كان مع اللصوص ، قال : فبطحونى فضربونى سبعين جارة
[ فوقف علينا رجل، فصراخ: هذا أبو تُراب! فأقامونى واعتذروا إلىّ، وأدخلنى الرجل
منزله، وقدّم إلىّ خبرا وبيضا فقلت: كلهما بعد سبعين جادة](٤).
وروى بسنده إلى أبى عبد الله ابن الجلاء قال: قدم أبو تُراب مرةً مكةً فقلت له :
يا أستاذ أين أكلت؟ فقال: جئتَ بفُضولك! أكلت أكلة بالبصرة، وأكلة بالنِّباح(٥) ،
وأكلة عندكم .
(١) فى الأصول: ((الرقى)) بالراء، وهو خطأ صوابه من الطبقات الوسطى، وطبقات الصوفية
٤٤٨، والباب ٤٢٢/١، وهو أبو بكر محمد بن داود.
(٢) فى المطبوعة ((عن)) والمثبت من الطبقات الوسطى، وتاريخ بغداد ٢١٧/١٢.
(٣) فى تاريخ بغداد: «دخلنا)).
(٤) تكملة من الطبقات الوسطى ، وتاريخ بغداد .
(٥) النباج ، بكسر أوله وفى آخره جيم : قرية فى بادية البصرة ، على النصف من طريق البصرة
إلى مكة . المراصد ١٣٥٢.

- ٣٠٨ -
وروى بسنده أيضاً إلى أبى تُراب قال: وقفت خمسا وخمسين وقفة، فلما كان مِن قابِل
رأيت الناس بعرفات مما رأيت قطُّ أكثر منهم، ولا أكثر خشوعا وتضرُّعا، فأعجبنى ذلك
فقلت: اللهم مَن لم تتقَبَّل حَجَّتْه مِن هذا الخلق فاجعل ثواب حَجَّتِى له. وأُفَضْنا من عرفات،
وبتنا يجَمْع(١)، فرأيت فى المنام هاتفا يهتف بى: تتَخَّى علينا وأنا أسخى الأسخياء!
وعنّتى وجَلالى ما وقف هذا الموقف أحدٌ قطُّ إلا غفرتُ له. فانتبهت فرحا هذه الرؤيا، فرأيت
يحيى بن معاذ الرازىّ وقصصت عليه الرؤيا، فقال: إن صدقتْ رؤياك فإنك تعيش أربعين يوما.
قال الراوى: فلما كان يوم أحد وأربعين، جاءوا إلى يحيى بن معاذ الرازىّ فقالوا: إن
أبا تراب مات، ففسَّلِهِ وكفَّنَّه(٢).
وعن يوسف بن الحسين: كنت مع أبى تُراب بمكة، فقال: أحتاج إلى كيس درام.
فإذا رجل قد صبّ فى حجره كيس دراهم ، فجعل يفرّقها على مَن حوله ، وكان فيهم فقير
يتراءى له أن يعطيه شيئا فما أعطاه شيئا، فنَقَدَت الدراهم، وبقيت أنا وأبو تراب والفقير ،
فقال له ؛ تراءيتُ لك غير مرة فلم تعطنى شيئا! فقال له: أنت لا تعرف المُعطِى.
وعن يوسف بن الحسين: صحبت أبا تُراب النَّخْضَىّ خمس سنين، وحجّجت معه
على غير طريق الجادّة ، ورأيت منه فى السفر مجائبَ بقصُر لسانى عن شرح جميعها، غير أنا
كنا مارَّين، فنظر إلىّ يوما وأنا جائع وقد تورّمت رِجْلاى، وأنا أمشى بجهد ، فقال لى:
مالك ، لعلك جعت! قلت : نعم، قال: ولعلّك أسأت الظن بربّك! قلت: نعم ، قال:
ارجع إلى ربّك ، قلت: وأين هو ؟ قال : حيث خلّفته ، فقلت : هو معى ، فقال :
إن كنت صادقاً فما هذا الهمُّ الذى أرى عليك؟ قال: فرأيت الورَم قد سَكَن، والجوع
قد ذهب، ونَشِطت حتى كدت أسبقه . قال أبو تُراب: اللهمّ إن عبدك قد أقرّ لك بالآفة
فأطعمه ، ونحن بين جبال ليس فيها مخلوق ، فانتهينا إلى رابية ، فإذا كوزُ ماء ورغيفْ
(١) جمع، بفتح الجيم: هو المزدلفة. سمى جما، لأنه يجمع فيه بين صلاتي العشاءين . المراصد ٣٤٦.
(٢) مكان هذا فى الطبقات الوسطى: ((ودفته)).

- ٣٠٩ -
موضوع، فقال لى أبو تُراب: دونَك دونَك. نجلست وأكات وقلت له: ليش ما تأكل
أنت؟ قال: يأكل من اشتهاه.
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن الخَبَّاز، بقراءتى عليه ، أخبرنا
إسماعيل بن عبد الله بن حمّاد الصَنْقلائىّ، وإبراهيم بن حَمْدُ (١) بن كامل المَقْدِسِىّ سماعا ،
قالا : أخبرنا عبد العزيز بن مَنِينا ، وابن سُكَيْنة إجازة ، قالا : أخبرنا محمد بن عبد الباقى
الأنصارىّ القاضى، أخبرنا الخطيب أبو بكر الحافظ، أخبرنى عُبيد الله بن أحمد الصَّيْرِّفِىّ،
حدثنا أبو الفضل الزُّهْرِىّ، حدثنى أبو الطيب أحمد بن جعفر الخذَّاء، قال: سمعت أبا علىّ
الحسين بن خَيران الفقيه قال: مَرْ أبو تُراب النَّخْشَِّ بُزَيِّن فقال له: تحلِق رأسى الله
عن وجل ؛ فقال له : اجلس. جلس، فبينا هو يحلق رأسه مر به أمير من أهل بلده ، فسأل
حاشيته ، فقال لهم: أليس هذا أبا تُراب؟ فقالوا: نعم . فقال: إيش معكم من الدنانير؟
فقال له رجل من خاصّته: معى خريطة فيها ألف دينار . فقال : إذا قام فأعطه إياها
واعتِذِرْ إليه ، وقل له: لم يكن معنا غيرُ هذه، فجاء الغلام إليه وقال له : إن الأمير يقرأ
عليك السلام ، وقال لك: ما حضر معنا غيرُ هذه، فقال له: ادفعها إلى المُزَيِّن ، فقال
المُزَّيِّن: إيش أعمل بها؟ فقال: خذها ، فقال: والله، ولو أنها ألفا دينار ما أخذتها. فقال له
أبو تُراب: مُرّ إليه فقل له: إن المُزَيِّن ما أخذها، نفذها أنت فاصرفها فى مهمّاتك.
· قلت: سُقناهذه الحكاية بالسند، لمافيها من جليل الفوائد، فمنها حال هذا المزيِّن وعدم
أخذه العِوَض على عمل عمله لله تعالى، فأرى الله أبا تراب خَلْقًا من خلقه، مُزَيِّنًا بهذه الصفة.
ومنها ردّ أبى تراب هذا الذهب على هذا الوجه ، فإن أبا تراب إن كان عرف
أن هذا المزيِّن لا يأخذها فلعله دفعها إليه ليردّها فيراه غلام ذلك الأمير ، ويعرف ويحكى
لأستاذه أن حريِّن أبى تراب لا يرضى أن يأخذ ألف دينار على هذا العمل اليسير ، فما الظن.
بأبى تراب وإعراضه عن الدنيا ، وإن كان أبو تواب لم يعرف حال الزيِّن - وذلك بعيد
عندنا - فيكون رد الزيِّن لها تعريفا من الله لأبى تراب بمقدار هذا المزيِّن، وتربيةً أيضا
(١) فى المطبوعة: ((أحمد)) وأثبتنا ما فى الطبقات الوسطى، د، النسخة ١٦٣.

- ٣١٠ -
لهذا الأمير ، وسلوكا لأحسن طريق فى رد ذهبه عليه، وأنه أحوج من أبى تراب إليه ،
فإنه لا يبذل مثله لمزيِّن، ومزيِّن أبى تُراب لا يرضى بِمِثْليْه، ولا بأمثاله.
توفى أبو تُراب بالبادية. قيل نَهَشَتْهُ السِّباع. وقد قدّمنا أن يحيى بن معاذ تولّى
غسله، فلعله اطلع على مكانه
وكانت وفاة أبى تُراب سنة خمس وأربعين ومائتين، قال أبو عمران الإصْطَخْرِىّ
رأيته فى البادية قائما ميتا لا يمسكه شىء.
﴿ ومن الفوائد عن أبى تُراب رحمه الله تعالى)
كَلّ
• سئل أبو تُراب عن صفة العارف، فقال: الذى لا يكدِّره شىء ، ويصفو به
شیء .
وقال أبو تُراب : الفقیر قُوته ما وجد، ولباسه ما ستر، ومسكنه حیث نزل.
وقال: إن الله يُنطق العلماء فى كل زمان بما يُشاكل أعمالَ [أهل](١) ذلك الزمان.
وقال : مَن شغل مشغولا بالله [عن الله](٢) أدركه المقت من ساعته
، وقال: شرط التوكّل طرح البدن فى العبوديّة، وتعلّق القلب بالرُّبويّة، والطمأنينة
إلى الكفاية، فإن أُعطِىَ شَكَر ، وإن مُنع صَبَّر، وليس ينال الرضا من للدنيا فى قلبه
مقدارٌ .
وقال : صحبت مائة شيخ ، ما نفعنى مثل شدّ رأس الجراب ، يعنى القناعة والتقلل
من الدنيا .
وقال: إذا رأيت الصوفىّ سافر بلارَ كْوَة فاعلم أنه عم على ترك الصلاة
(١) من طبقات الصوفية ١٥١.
(٢) من طبقات الصوفية ١٤٩
٠٠

- ٣١١ -
﴿ حكاية تشتمل على تحقيق النّجلّى)
• قال القاضى ناصر الدين بن المنير المالكى فى كتابه ((المقتفى)»: وفى الحكاية المدوّنة فى
كتب أهل الطريق أن أبا تُراب النَّخْشَىّ كان له تلميذ، وكان الشيخ يرفُق به ويتفرّس
فيه الخير، وكان أبو تُراب كثيرا ما يذكر أبا يزيد البَسْطامِىّ ، فقال له الفتى يوماً: لقد
أكثرت من ذكر أبى يزيد! مَن يتجلّى له الحق فى كلّ يوم مرَّات ماذا يصنع بأبى
يزيد؟ فقال له أبو تُراب: ويحك يا فتى! لو رأيت أبا يزيد لرأيت مَرأَى عظيما، فلم يزل
يشوقه إلى لقائه حتى عزم على ذلك فى صحبة الشيخ أبى تُراب ، فارتحلا إلى أبى يزيد ، فقيل
لهما : إنه فى الغيضة، وكانت له غَيْضة يأوى إليها مع السِّاعِ، فقصدا الغَيضة وجلسا على
رَبوة على تَمَرّ أبى يزيد ، فلما خرج أبو يزيد من الغيضة قال أبو تُراب للفتى: هذا
أبو يزيد ، فعندما وقع بصر الفتى على أبى يزيد خرّ ميتا؛ فحدّث أبو تُراب أبا يزيد
بقصته ، وعَجِب من ثبوته لتجلَّى الحق سبحانه وتعالى، وعدم تماسكه لرؤية أبى يزيد .
فقال أبو يزيد لأبى تُراب: كان هذا الفتى صادقاً، وكان الحق يتجلّى له على قَدْر ما عنده،
فلما رآ بى تجلّى له الحق على قدرى فلم يُطق.
قال الفقيه ناصر الدين : واصطلاح أهل الطريق معروف ، وحاصله رتبة من المعرفة
جلّة، وحالة من اليقظة والحضرة سَرِيّة سَنِيّة، والإيمان يزيد وينقص، على الصحيح ؛
ولا تظنهم يعنون بالتجلَّى رؤية البصر التى قيل فيها لموسى عليه السلام على خصوصيته:
﴿لَنْ تَرَانِى﴾(١) والتى قيل فيها على العموم: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ)(٣) فإذا فهمت أن
مُرادهم الذى أثبتوه غير المعنى الذى حصل الناس منه على الناس فى الدنيا ، ووُعد به الخواص
فى الأخرى ، فلا ضير بعد ذلك عليك، ولا طريق لِسبْق(٣) الظن إِليك، والله يتولى
السرائر .
(١) سورة الأعراف ١٤٣.
(٢) سورة الأنعام ١٠٣ .
(٣) فى المطبوعة: ((لسوء)) وأثبتنا ما فى: د، والنسخة ١٦٣.

- ٣١٢ -
قلت : وكلام ابن المنير هذا فى تفسير التجلِّى يقرُب من قول شيخ الإسلام وسلطان.
العلماء أبى محمد بن عبدالسلام، رحمه الله فى كتاب ((القواعد)): إن التجلى والمشاهدة عبارة
عن العلم والعرفان .
وأعلم أن القوم لا يقتصرون فى تفسير التجلّى على العلم ، ولا يعنون به إياه
ثم لا يفصحون بما يعنون إفصاحا، وإنما يلوِّحون تلويحا، ثم يصرِّحون بالبراءة مما يوجب
سوء الظن تصريحا؛ وقد ذكر سيد الطائفة أبو القاسم القُشيرى رحمه الله فى ((الرسالة)»
باب ((السَّرِ والتجلِّى))(١) ثم ياب ((المشاهدة))(٢) ولم يفصح بتفسير التجلى ، كأنه
خشىَ على فهم مَن ليس من أهل الطريق، وعرف أن السالك يفهمه ، فلم يحتج إلى
کشفه له .
وحاصل ما يقوله متأخرو القوم أن التجلِّى ضربان:
ضَرب للعوام ، وهو أن يكشف صورة، كما جاء جبريل عليه السلام فى صورة دِحْية،
وكافى الحديث: ((رَأَيْتُ رَبِى فِىِ صُورَةٍ شَابٍ )) قالوا : وهذا تجلّى الصفة ، ويضربون لذلك
المرآة مثلا فيقولون: أنت تنظروجهك فى المرآة، وليست المرآة محلّا لوجهك، ولا وجهك
حالًا فيها، وإنماهناك مثالها، تعالى الله عن أن يكون له مثال! وإنما يذكرون هذا تقريباً للأفهام.
وحديث ((فِ صُورَةٍ شَابٍ أَمْرَدٌ)) موضوع مكذوب على رسول الله صلى الله عليه
وسلم ..
وضرب للخواص، وهو تجلّى الذات نفسها ، ويذكرون هنا لتقريب الفهم الشمس،
قالوا: فإنك ترى ضوء النهار فتحكم بوجود الشمس وحضورها برؤيتك الضوء.
قالوا: وهذا تقریبایضاً ، وإلافنورالباری لو سطح لأحرق الوجود بأَمْره إلا من ثبتهالله.
وقد يعتضدون بحديث أبى ذَرّ رضى اللهعنه: سألت النبيّ صلى الله عليه وسلم: هل رأيت
ربَّك؟ قال: (( نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ)) وفى لفظ قال ((وَأَيْتُ نُورٌ ..
(١) الرسالة ٥١
(٢) الرسالة ٥٢ .

- ٣١٣ -
أخرجه مسلم والتِّرْ مِذِىّ(١) ، ولكنه حديث مؤوَّل باتفاق المسلمين.
هذا حاصل كلام القوم. وأنا معترف بالقُصور عن فهمه ، وضيق المحلِّ عن بسط العبارة فيه.
وقد جالست فى هذه المسألة الشيخ الإمام الصالح العارف قطب الدين بركة المسلمين محمد
ابن اسفهبدا الأَرْدُ بِيلِىّ، أعاد الله من بركته وقلت له: أتقولون بأن الذى يراه العارف فى
الدنيا هو الذى وعده الله فى الآخرة ؟
قال : نعم.
قلت : فيم تتميز رؤية يوم القيامة ؟
قال: بالبصر ؛ فإن الرؤية فى الدنيا فى هذين الضَّربين إنما هى بالبصيرة دون البصر.
قلت : فقد اختلف فى جواز رؤية الله تعالى فى الدنيا .
قال : الحقُّ الجواز؟
قلت : فلا فارقَ حينئذ ، وتجوز الرؤية بالبصر فى الدنيا .
قال : الفارق أنه فى الآخرة معلوم الوقوع للمؤمنين كلهم ، وفی الدنیا لم يثبت وقوعه
إلا للنبىّ صلى الله عليه وسلم، وفى بعض ذوى المقامات العلميّة.
هكذا قال .
ومما قلت له ، وقد ضرب المرآة مثلا: قد يقال إن هذا نوع من الحُول ، والحلول
كُفر .
قال : لا ، فإن الحُول معناه أن الذات تُحُلّ فى ذات أخرى، والمرآة لا تَحُلّ الصورة
فيها .
هذا كلامه .
قلت له : فما المشاهدة عن (٢) التجلِّ؟
(١) صحيح مسلم فى (باب فى قوله عليه السلام: نور أتى أراه. من كتاب الإيمان) ١٦١/١.
وجامع الترمذى فى (تفسير سورة النجم، من كتاب التفسير) ٢٢٣/٢. وقد اختار المصنف رواية مسلم.
(٢) فى المطبوعة: ((غبر)) والمثبت فى د، والنسخة ١٩٣.

- ٣,١٤ -
قال: المشاهدة دوام تجلِّى الذات، والتجلّى قد يكون معه مشاهدة، وهو ما إذا دام،
وقد لا يكون . انتهى .
وأقول: إذا تبرأ القوم من تفسير التجلِّى بما لا يمكن ولا يجوز وصف الربِّ تعالى به
فلا لومَ عليهم بعد ذلك، غير أنهم مصرِّخون بأنه غير العلم والعِرفان.
(حكاية ثانية يبحث فيها عن الكرامات)
قال أبو على الرُّوذْبارِىّ: سمعت أبا العباس الرَّقِّى يقول: كنا مع أبى تراب
النَّخْشَىّ فى طريق مكة، فعدل عن الطريق إلى ناحية، فقال له بعض أصحابه: أنا عطشان.
فضرب برجله فإذا عينٌ من ماء زُلال، فقال الفتى: أحب أن أشربه فى قدح. فضرب بيده
الأرض فناوله قدحا من زجاج أبيضَ كأحسن ما رأيت ، فشرب وسقانى ، وما زال القدح
معنا إلى مكة .
فقال لى أبو تُراب يوما : ما يقول أصحابك فى هذه الأمور التى يكرم الله بها:
عباده؟ فقلت : ما رأيت أحداً إلا وهو مؤمن بها . فقال : من لا يؤمن بها فقد كفر،
إنما سألتك من طريق الأحوال ! فقلت: ما أعرف لهم قولا فيه. فقال: بلى ! قد زعم
أصحابك أنها خَدْع من الحق، وليس الأمر كذلك، إنما الخدع فى حال السكون إليها ، فأما
من [لم](١) يقترح ذلك فتلك مرتبة الرَّبّانيين.
قلت : قد اشتمل كلام أبى تُراب هذا على فصلين مهمّين .
• أحدهما: أن الكرامات والمكاشفات ليست خدما إلا لمن يقف عندها ويجعلها
شوقه(٣) ومقصوده ، ولا شك فى هذا ؛ وقد بالغ قوم فى تعظيمها بحيث سليوا بها المواهب ،
وبالغ آخرون فى امتهانها، بحيث لم يُعدُّوها شيئا؛ والحق ما ذكره أبو تُراب من أن
السكون إليها نقص. فمن الواضح الجلِىّ الذى لا ينكره عارى أن العارف لا يقف
عندها، وإنما مطلوبة وراءها ، وهى تقع فى طريقه ، وليس للواقع فى الطريق مِن الطريق
(١) من: د، والنسخة ١٦٣.
i
(٢) فى: د، والنسخة ١٦٣: ((سوقه)) والمثبت من المطبوعة

- ٣١٥ -
صفة، ومن وقف عندها سقط فى مهادِی الملكات ، ومن كانت هى مطلوبه فهو مغرور ،
ويبعد وصوله إليها ، وإنما يصل إليها من لا يراها . فافهم ما يلقى إليك.
فإن قلتَ : فلأىّ معنى يُظهر ها مظهروها، وهى على ماتزعم أشياء لا يلقون إليها بالا ؟
قلتُ : ظهورها يقع على أنحاء ربما لم يكن باختيار صاحبها ، وهو كثير، بل صار بعض
الأئمة كما نقل إمام الحرمين فى ((الشامل)) إلى أن الكرامات لا تكون أبدا إلا على هذا
الوجه. فعلى هذا الوجه لا سؤال؛ ولكن هذا مذهب ضعيف غير مَرْضِىٍّ عند المحصِّين،
ولا سؤال عليه ، وربما كان هو المظهَر بها ؛ وإنما يكون ذلك لفائدة دينية ، من تربية
أو بِشارة، أو نِذارة، أو غير ذلك حيث يؤذّن فيه ، ولا يجوز إظهارها حيث لا فائدة ، فذلك
عند القوم غير جائز له .
• والفصل الثانى: أن الكرامات حق، وقول أبى تُراب (( مَن لا يؤمن بها فقد كفر»
بالغ فى الحطّ من (١) مفكريها، وقد تُؤوَّل لفظةُ الكفر فى كلامه ، وتُحمَل على أنه لم یعن
الكفر المخرِجِ من الِلّة، ولكنه كُفْر دون كُفْرِ.
وإنى لأعجب أشدَّ العجب من منكرها، وأخشى عليه مَقْت الله، ويزداد تعجبى عند
نسبة إنكارها إلى الأستاذ أبى إسحاق الإسفرابنىّ، وهو من أساطين أهل السنة والجماعة!
على أن نسبة إنكارها إليه على الإطلاق كذبٌ عليه ؛ والذى ذكره الرجل فى مصنَّفَّاته
أن الكرامات لا تبلغ مبلغ خَرْق العادة .
قال: وكلّ ما جاز تقديره معجزةً لنىّ لا يجوز ظهور مثله كرامةً لولىّ .
قال: وإنما بالِغُ الكرامات إجابة دعوة ، أو موافاة ماء فى بادية فى غير موقع المياه ،
أو مُضاهِى ذلك، مما ينحطّ عن خَرْق العادة ، ثم مع هذا قال إمام الحرمين وغيره من
أعتنا : هذا المذهب متروك.
قلت : وليس بالغا فى البشاعة مبلغ مذهب المنكِرِين للكرامات مطلقا ، بل هو
مذهب مفصِّل بين كرامة وكرامة ، رأى أن ذلك التفصيل هو المبَّ لها من المعجزات .
(١) فى المطبوعة: ((على)) وأثبتنا ما فى: د، والنخة ١٦٣.

- ٣١٦ -
وقد قال الأستاذ الكبير أبو القاسم القُشَيْرِىّ فى ((الرسالة))(١). إن كثيرا من
المقدورات يُمْلَم اليوم قطعا أنه لا يجوز أن يظهر(٢) كرامةً للأولياء، لضرورة أو شبه(٣)
ضرورة يعلم ذلك ، فمنها حصول إنسان لا من أبوين ، وقلّب جمادٍ بهيمةً أو حيوانا .
وأمثال هذا یکثر . انتهى.
وهو حق لا ريب فيه، وبه يتضح أن قول من قال: ما جاز أن يكون معجزة لنبيٍ
جاز أن يكون كرامةً لولى . ليس على عمومه، وأن قول من قال : لا فارِقَ بين المعجزة
والكرامة إلا التحدى. ليس على وجهه، ولعلنا نبحث عن هذا فى آخر الفصل ؛ وسبيلنا
حيث انتهينا إلى هذا الفصل أن نستقصىَ شُبَهَ المنكرين للكرامات، ونستأصل شَأَفتهم
بتقرير الرد عليهم ، ثم نذكر البراهين الدالة على الإثبات، وتختمها بتتمّات .
﴿ شُبهة للقَدَرِيّة فى منع الكرامات، وذكر فسادها)
• قالوا: تجويز الكرامة يُفضى إلى السَّفْسطة؛ لأنه يقتضى تجويز انقلاب الجبل ذهبا
إبْرِيزا، أو البحر دما عَبِيِطا ، وانقلاب أوانى يتركها الإنسان فى بيته أمّةً فضلاء مدقَّقَين .
والجواب عن هذه الشبهة من وجوه:
: أحدها: أنا لا نسلِّم بلوغ الكرامة إلى هذا المبلغ، كما اقتضاء كلام القشيرىّ.
والثانى: وهو ما اقتضاه كلام أُعْتنا أنا نجوِّز بلوغها هذا المبلغ، ولكن لا يقتضى.
ذلك سَفْسَطة؛ لأن ماذكرتم بعينه وارد عليكم فى زمان النبوة ، فإنه يجوز ظهور المعجزة
بذلك، ولا يؤدى إلى سَفْسطة .
والثالث : أن التجهيزات العقلية لا تقدح فى العلوم العادية ، وجواز تغيرها بسبب
الكرامة تجويز عقلىّ فلا يقدح فيها.
(١) صفحة ٢٠٨.
(٢) فى المطبوعة: ((تظهر)) والمثبت من الرسالة.
(٣) فى المطبوعة: ((بشبهة)) وأثبتنا ما فى الرسالة، د، والفخة ١٦٣.

:
- ٣١٧ -
(شبهة ثانية لهم، وتبيين الانفصال عنها)
، قالوا: لو جازت الكرامة لاشتبهت بالمعجزة، فلا تبقى للمعجزة دلالةٌ على ثبوت النبوة.
والجواب : منع الاشتباء ؛ وهذا لأن المعجزة مقرونة بدعوى النبوة ، ولا كذلك
الكرامة، بل الكرامة مقرونة بالانقياد النبيّ صلى الله عليه وسلم، وتصديقه، والسير على
طريقه .
وقولهم: ((إنما دلت المعجزة على تصديق النبيّ من حيث انخراقُ العادة، فكذلك
الكرامة)» كلام ساقط ؛ فإن مجرد خَرْق العادة ليس المقتضى للنبوّة، ولو دلّ خَرْق العادة
على النبوّة بمجرَّده(١) لوجب أن تدل أشراط الساعة وما سيظهر منها على ثبوت نبوة،
إذ العوائد تنخرق بها ، ومن أعظم البدائع فِطرة السموات والنشأة الأولى ، ثم لم تقتض
بدائع الفِطرة فى نشأة الخلق ثبوت فىّ! فاستبان أن مجرد خَرْق العادة لا يدل ؛ إذ لو دلّ
لاطرد، بل لا بد معه من التحدّى ، فلا اشتباه للكرامة بالمعجزة ، وأيضا فالمعجزة، يجب
على صاحبها الإشهار ، بخلاف الكرامة ، فإن مبناها على الإخفاء ، ولا تظهر إلا على النَّدرة
والخصوص ، لا على الكثرة والعموم ؛ وأيضا فالمعجزة تجوز أن تقع بجميع خوارق
العادات، والكرامات تختص ببعضها، كما بيّناه من كلام القَشَيْرِىّ، وهو الصحيح.
ولسنا نجوِّز ولدا إلا من أبوين، ولا نحو ذلك. كما سنستقصى القول فيه .
﴿شبهة ثالثة لهم ، ووجه الانفصال عنها)
• قالوا: لو ظهرت لولىٍ كرامة لجاز الحكم له بمجرد دعواه أنه يملك حبّة من الحنطة
أو فَلْسا واحدا من الفلوس ، من غير بينة ؛ لظهور درجته عند الله تعالى المانعة من كذبه،
لاسيّما فى هذا الشَّرْر اليسير، لكنه باطل؛ لإجماع المسلمين المؤيَد بقول رسول رب العالمين
صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين: ((الْبَيِّةُ عَلَى الْمُدَّمِى وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ)).
(١) فى: د، والنخة ١٦٣: ((مجردة)) والمثبت فى المطبوعة.

- ٣١٨ -
والجواب أن الكرامة لا توجب عصمة الوَلىّ، ولا صدقه فى كل الأمور ؛ وقد سئل
شيخ الطريقة، ومقتدى الحقيقة أبو القاسم الجنيد رحمه الله: أيز نى الولىّ؟ فقال: ﴿وَكَانَ
أَمْرُ اللهِ قَدَراً مَقْدُوراً﴾(١) وهب أن الظن حاصل بصدقه فيما ادعاء إلا أن الشارع جعل
لثبوت الدعوى طريقاً مخصوصا، ورابطا معروفا لا يجوز تعدِّيه، ولا العدول عنه، ألا ترى
أن كثيرا من الظنون لا يجوز الحكم بها؛ لخروجها عن الضوابط الشرعية .
(شهة أخرى لهم، وكشف عوارها}
• قالوا: لوجاز ظهور خوارق العادات على أيدى الصالحين الجاز سرً كما يجوز جهرا،
ولو جاز سرّ! لما أمكننا أن نستدل على قبوة الأنبياء بظهورها على أيديهم، فثبت أن
ظهورها على الصالحين سرًّا ممتنع ، وإذا لم يجُزُ ظهورها عليهم سرًّا فأولى أن لا تجوز جهرا؛
لأن كل مَن جوَّز ظهورها عليهم لم يشترط أن تظهر علانية ، بل من أصول معظم جماعتكم
أن الأولياء لا يظهرون الكرامات ولا يَدْعون بها، وإنما تظهر سرًّا وراء سُتور،
ويتخصص بالاطلاع عليها آحادُ الناس، فثبت أنها لو جازت لجازت سِرًّاً، إذ لا قائل
بالفَصل(٢)، ولأنه أولى بالجواز من العلانية، لكن جوازها يرًّا يُفضى إلى أن لا يُستدلّ
بها على النبوّة، لأنه يجوز ظهورها متواليةً على استمرار ، وإن كان ذلك مَخْفِيًا مستترا،
وتكون موجودة مستمرّة بحيث تلتحق بحكم المعتاد، فإذا ظهر فىّ وتحدّى بمعجزة، جاز
أن تكون هى بعض ما اعتاده أولياء عصره من الكرامات، ولا يتحقق فى هذا التىّ
خرْقُ العوائد، فكيف السبيل إلى تصديقه ؟
هذا حاصل شُهتهم هذه ، ثم حرروا عنها عبارة فقالوا: إذا تكرر ما يخرق العوائد
على الأولياء أفضى ذلك إلى التحاق خوارق العادات فى حقوقهم بالمعتادات، وصارت
(١) سورة الأحزاب: ٣٨.
.(٢) فى المطبوعة: من بالتفصيل» وأنيتنا ما فى: د، والنسخة ١٦٣

-٣١٩ - .
عاداتهم خِلافَ العادات، فلو ظهر نبيٌّ فى زمنهم كانت عوائدهم(١) فى انخراق العوائد فى
أحوالهم تصدُّهم عن تصحيح النظر فى المعجزة .
ثم أخرجوا الشبهة على وجه آخر فقالوا : لو جاز إظهارها على صالح لجاز إظهارها على
صالحٍ آخرَ إ كراماً له، وهكذا إلى عدد كثير ، إذ ليس اختصاص عدد منهم بذلك أولى
من عدد آخر ، وحينئذ يصير عادة فلا يبقى ظهورها دليلا على النبوة ، ويُطوَى بساط
النبوة رأسا .
وجميع ما ذكروه فى هذه الشبهة تمويه، لا حاصل تحته، وفَعْقَة لا طائلَ فيها .
ولأمتنا فى ردها وجهان :
فن أئمتنا مَن منع توالى الكرامات واستمرارها حتى تصير فى حكم العوائد، وخلص
بهذا المنع عن إلزامهم، بل امتنع بعض المحقّقِّين من تصوّر (٢) توالى المعجزات على الرسل
المتعاقبين ، إذ كان يؤدى إلى أن تصير المعجزات معتادة . فهذه طريقة فى الرد على هذه
الشبهة ، حاصلها :
أنا إنما نجوّز ظهور الكرامات على وجه لا يصير عادة ، فاستبان أنه خاصٌ بشبهتهم
هذه، وأنها لم تقدح فى أصل الكرامات، وإنما تضمنت منع كُرورها، والتحاقها بالمعتاد.
ومن أمتنا - وهم المُعْظَم - من جوّز توالى الكرامات على وجه الاختفاء ، بحيث
لا تظهر ولا تشيع ولا تلتحق بالمعتاد؛ لئلا تخرج الكرامة عن كونها كرامةً عند عامّة
الخلق . ثم قالوا: الكرامة وإن توالت على الوليّ حتى ألِفَهَا واعتادها فلا يخرجه ذلك
عن طريق الرشاد، ووجه السداد فى النظر إذا لاحت المعجزة، إن وافقه التوفيق، وإن تعدّاه
التوفيق سُلِب الطريق، ولم يكن بولىٍ على التحقيق، والمعجزة تتميز عمّن تكررت عليه
الكرامةُ بالإظهار والإشاعة والتحدّى ودعوى النبوّة؛ فإذا تميزت الكرامة عن العجزة
لم يفسدّ باب الطريق إلى معرفة النبيّ .
(١) فى المطبوعة: ((عادتهم)) والمثبت من: د، والنسخة ١٦٣.
(٢) فى المطبوعة: ((تصوير)) والمثبت من: د، والنسخة ١٦٣.

- ٣٢٠ -
ومن تمام الكلام فى ذلك أن أهل القبلة متفقون على أن الكرامات لا تظهر على الفَسَقة
الفَجَرة، وإنما تظهر على المتمسكين بطاعة الله عز وجل .
وبهذا لاح أن الطريق إلى معرفة الأنبياء لا يفسد ؛ فإن الوليّ بتوفيق الله تعالى ينقاد
النبىّ إذا ظهرت المعجزة على يديه، ويقول: معاشرَ الناس، هذا نىّ الله فأطيعوه.
ویکون أولمنقاد له، ومؤمن به.
والقاضى أبو بكر، وإن شتب يمنع هذا الإجماع وقال: لو جوّز مجوِّر ظهور بعض
خوارق العادات على بعض الفَسَقَة استدراجا لكان مذهبا، كما أنه لا يَبْعُد ظهورها
على الرُّهبان المتبتَّلِين وأصحاب الصوامع على كُفْرهم. فهذا كما قال إمام الحرمين فيه نظر،
.ولسنا ثبت لراهبٍ بكرامةٌ، ولاكيد ولا كرامة. ومحلّ استيفاء القول على ذلك لا يحتمله
هذا المكان .
والحاصل : أن ما يظهر على يد الرهبان ليس من الكرامات ، وأما توقف القاضى
فى الفَسَقة والفَجَرة فأنا معه، لكن لا على الإطلاق؛ بل أفصِّل فأقول:
لو ذهب ذاهب إلى تجويز ظهور الكرامة على يد الفاسق إنقاذاً له مما هوفيه، ثم يتوب
بعدها ويثبت لا محالة ، وينتقل إلى الهدى بعد الضلالة، لكان مذهبا ، ويقرُّب منه قصة
أصحاب الكهف التى سنحكيها ؛ فقد كانوا عَبَدَة أصنام ثم حصل لهم ما حصل؛ إرشاداً
وتبصرة؛ ثم ما ذكره الخصوم من حديث اشتباه النبيّ بغيره إذا وافقت المعجزة الكرامة
قد تبيّن الانفصال عنه .
وأنا أقول: مَعَاذَ اللهِ أن يتحدَّى فىّ بكرامة تكررت على يدولىّ! بل لابد أن يأتى
النبىّ بما لا يوقعه الله على يد الولى؛ وإن جاز وقوعه فليس كل جائز فى قضايا العقول واقعا.
ولما كانت مرتبة النبيّ أعلا وأرفع من مرتبة الولىّ كان الوليّ ممنوعا مما يأتى به النبيّ
على وجه الإعجاز والتحدِّى؛ أدباً مع النبىّ .
ثم أقول: حديث الاشتباه والانسداد على بطلانه، إنما يقع البحث فيه حيث لم تُخْتم النبوّة،