النص المفهرس
صفحات 261-280
- ٢٦١ - قال أُخَلْدِىّ: قال الجنَيد ذات يوم: ما أخرج الله إلى الأرض علما، وجعل للخاف إليه سبيلا ، إلا وقد جعل لى فيه حظًّا ونصيبا . قال أُخَلْدِىّ: وبلغنى أن أُلجنيد كان فى سوقه، وكان وِرْده فى كل يوم ثلاثمائة ركعة، وثلاثين ألف تسبيحة . قال: وسمعته يقول: ما نزعتُ ثوبى للفراش منذ أربعين سنة. قال: وكان (١) الجنيد عشرين سنة لا يأكل إلا من الأسبوع إلى الأسبوع، ويصلى كل ليلة أربعمائة ركعة. قال أبو الحسن الْمَحْلِىّ(٢): قلت(٢) للجُنَيد: ممن استفدتَ هذا العلم؟ قال: من جلوسى بين يدى الله تعالى ثلاثين سنة تحت تلك الدرجة، وأومأ إلى درجة فى داره . قال إسماعيل بن نُجَيد: كان الجنيد يجىء كل يوم إلى السوق ، فيفتح حانوته ، فيدخله ، ويسبل السِّتر ، ويصلى أربعمائة ركعة، ثم يرجع إلى بيته . قال على بن محمد اُلْوانِيّ(٤): حدثنى خَيْر ، قال: كنت جالسا يوما فى بيتى، خطر لى خاطر، أن أبا القاسم الجنيد بالباب، اخْرُجْ إليه. فنفيت ذلك عن قلبى، وقلت : وسُوَسة . فوقع لى خاطر ثان ، فنفيته ، فوقع خاطر ثالث ، فعلمت أنه حق ، وليس بوَسْوَسة، ففتحت الباب، فإذا أنا باُالجِنَيد قائم، فسلم علىَّ، وقال: ياخَيْر، ألا خرجتَ مع الخاطر الأول . قال أبو عمرو بن عُلْوان: خرجت يوما إلى سوق الرَّحْبة(٥) فى حاجة، فوقعت عينى (١) فى المطبوعة: ومكت، والمثبت من: د، وصفة الصفوة. (٢) المحلبية: بليدة بين الموصل وسنجار. حاسد الاطلاع ١٢٣٥ (٣) فى د: قيل، والمثبت فى المطبوعة . (٤) هذا الضبط من الطبقات الوسطى ( ضبط قلم)، ولم نجد على بن محمد احلوانى فيما بين أيدينا من مراجع، وهو بضم الحاء المهملة وسكون اللام وبعدها واو وفى آخرها نون، هذه النسبة إلى مدينة حلوان ، وهى آخر السواد مما على الجبل. اللباب ٣١١/١. (٥) أملها رحبة مالك بن طوق، على الفرات بين الرقة وعانة ، انظر مراصد الاطلاع ٦٠٨، القاموس (رج ب ) . - ٢٦٢ - على امرأة مُسْفِرة، من غير تعمُّد، فألححتُ بالنظر، فاسترجعتُ، واستغفرت الله ، وعدت إلى منزلى ، فقالت لى عجوز : ياسيدى، مالى أرى وجهك أسود. فأخذت المرآة، فنظرت، فإذا وجهى أسود ، فرجعت إلى سِرّى أنظر من أين دُهيتُ فذكرت النظرة ، فانفردت فى موضع أستغفر الله، وأسأله الإقالة أربعين يوما، خطر فى قلبى: أن زُر شيخك الجنيد، فانحدرت إلى بغداد، فلما جئت الحجرة التى هو فيها طرقت الباب، فقال لى: ادخل يا أبا عمرو ، وتُذنب فى الرَّحْبة ، ونستغفر لك يبغداد . قال أبو بكر العطَّار: حضرتُ الجنيد عند الموت، فى جماعة من أصحابنا، فكان قاعدا يصلى ، ويَتَنى رجله كما أراد أن يسجد ، فلم يزل كذلك حتى خرجت الروح مِن رجله ، فَثَقُلَت عليه حركتُها ، فبد رجليه وقد تورَّمتا، فرآه بعض أصدقائه ، فقال: ما هذا: يا أبا القاسم؟ قال: هذه نِعم، الله أكبر. فلما فرغ من صلاته، قال له أبو محمد الجرِيرِىّ(١): لو اضطجعتَ، قال: يا أبا محمد، هذا وقتْ يُؤخذ [ منه](٣) الله أكبر. فلم يزل كذلك(٣) حتى مات . وعن الجنيد: أرِقتُ ليلة، فقمت إلى وِرْدى، فلم أجد ما كنت أجد من الحلاوة، فأردت النوم ، فلم أقدر ، فأردت القعود، فلم أُطِقْ، ففتحت الباب، وخرجت، فإذا رجل ملتفٌ فى عَباءة، مطروح على الطريق، فلما أحس بى رفع رأسه، وقال: يا أبا القاسم إلىَّ الساعة . فقلت : يا سيدى ، من غير موعد !: فقال: بلى، سألت ◌ُجرِّك القلوب أن يحرك إلى](١) قلبك. فقلت: ما حاجتُك؟ فقال : متى يصير داء النفس دواها ؟ (١) بفتح الجيم والياء المعجمة بالقتين من تحتها الساكنة بين الراءين المهملتين، نسبة إلى جرير بن (٢) زيادة من المطبوعة على ما فى : د. عبدالله الجلى. اللباب ٢٢٤/١، والمشتبه ١٤٩، ٠١٥٠ (٣) فى د : فلم يزل ذلك حاله ، والمثبت فى المطبوعة . ٢٦٣٠٠ - فقلت : إذا خالفتْ هواها ، صبار داؤُها دواها . فأقبل على نفسه، فقال: اسمعى ، قد أجبتُك بهذا الجواب سبع مرات ، فأميت إلا أن تسمعيه من اُلْجَنَيد، فقد سمعتِ . وانصرف عنى، ولم أعرفه ، ولا وقفت عليه . وقال: كنت جالسا فى مسجد الشُّونِيزيّة(١) أنتظر جنازة أُصلِّى عليها، وأهل بغداد على طبقاتِهِم جلوس ، ينتظرون الجنازة ، فرأيت فقيرا عليه أثر النُّمْك ، يسأل الناس . فقلت فى نفسى: لو عمِل هذا عملا يصونُ به نفسَه كان أجمل به. فلما انصرفتُ إلى منزلى، وكان لى شىء من الورد بالليل، من الصلاة، والقراءة، والبكاء ، فثقلتْ علىَّ جميعُ أورادى، فسهرتُ وأنا قاعد ، فغلبتْنى عيناى ، فرأيت ذلك الفقير ، وقد جاءوا به ممدودا على خِوان ، وقالوا لى: كُلْ لحَمَه ، فقد اغتبته . فكُشِف لى عن الحال ، وقلتُ : ما اغتبته، إنما قلت شيئً فى نفسى. فقيل لى: ما أنت ممن يُرْضَى منك بمثل هذا، اذهبْ إليه، واسْتحِلّه. فأصبحتُ ولم أزل أتردد ، حتى رأيتُهُ فى موضع يلتقط من أوراق البَّقْل، فسلَّمت عليه ، فقال: تَعودُ يا أبا القاسم؟ فقلتُ : لا . فقال : غفر الله لنا ولك . (ومن كلام الجنيد رحمه الله) الطريق إلى الله عز وجل مسدود على خلقه، إلا على المقتفين آثَارَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما قال الله عز وجل: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾(٢) ... وقال: لولا أنه يُروَى، أنه يكون فى آخر الزمان زعيم القوم أرذلهم، ما تكلمتُ عليكم . (١) الشونيزية: مقبرة ببغداد، بالجانب الغربى، فيها مسجد الجنيد، وعنده خانقاه الصوفية . (٢) سورة الأحزاب ٢١. المراصد ٨٢١. - ٢٦٤ - وقال : أُخرُّ ما على أهل الديانات الدَّعاوِى . وقال: المروءة احتمال زَلَلَ الإخوان . وقيل له: كيف الطريق إلى الله؟ فقال: توبة" نَخْلّ الإصرار، وخوف يزيل الفِرَّة ورجالاً مُزعج إلى طريق الخيرات ، ومراقبة الله فى خواطر القلوب ... وقال: ليس بشَنِيع(١) ما يرِدِ علىَّ من العالم؛ لأنى قد أصَّلْتُ أصلا، وهو أن الدارَ دارُعُمْ، وهمّ، وبلاء، وفتنة، وأن العالم كله شر، ومِن حُكْمِه أن يتلقَّافى بكل ما أكره، وإن تلقائى بما أحب فهو فضل، وإلا فالأصل الأول. وقال : الزهد خلوُّ القلب عما خلت منه اليد، واستصغار الدنيا، ومحو اثارها من القلب . وقال : الخوف توقَّع العقوبة مع مجارى الأنفاس . وقال : الخشوع تذلل القلوب لعلام الغيوب. وقال : التواضع خفض الجناح، ولين الجانب. وقال، وسأله جماعة: أنطلبُ الرزق؟ فقال: إن علمتم أىَّ موضع هو فاطلبوه . قالوا: أسأل الله فيه. قال: إن علمتم أنه ينْساكم فذكِروه. فقالوا: أندخل البيت ونتوكل؟ فقال: التجربة شكّ. فقالوا: فما الحيلة؟ قال: تركُ الحيلة. وفى بعض الكتب نسبة هذه الحكاية إلى الخواص. وقل : اليقينُ استقرار العلم الذى لا يتقلَّب، ولا يُحُول، ولا يتغير فى القلب. وقال أيضا: اليقين ارتفاع الرَّيْب فى مشهد الغيب، فعرّف اليقين بتعريفين، وسيأتى عنه أيضا للشكر تعريفان، والكل حق صحيح. وقال: الَسِير من الدنيا إلى الآخرة سهل هيَّن على المؤمن، وهِجْران الخلق فى جنب (٢). الحق شديد، والّسِير(٣) من النفس إلى الله صعب شديد، والصبر مع الله تعالى أشد. --- (١) فى صفة الصفوة: ليس يقنع على ، وفى الطبقات الوسطى: لي يتبشع على. (٢) فى د : فى حب الحق ، والمثبت فى المطبوعة. (٣) فى د : اليقين، والمثبت فى المطبوعة. - ٢٦٥ - وقال : الصبر تجرُّع المرارة ، من غير تَعْبيس. وقال: مَن تحقَّق فى المراقبة خاف على فَوْت حظه من الله تعالى . وقال - وقد قال الشِّبْلِىّ يوماً بين يديه: لا حول ولا قوة إلا بالله -: قولك ذا ضِيقُ صدر ، وهو ترك الرضا بالقضاء ، والرضا رفع الاختيار . وقيل له: ما لمُرِيد فى مجاراة الحكايات ؟ فقال: الحكايات جند من جنود الله ، يُقوِّى بها قلوب المريدين. فسُثِل على ذلك شاهدا؟ فقال: قوله تعالى: ﴿وَكُلأَّ نَقُصُ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾(١). وقيل له : ما الفرق بين المريد والمُراد ؟ فقال: المريد تقولاه(٢) سياسة العلم، والمراد تقولًا:(٢) رعايةُ الحق، لأن المريد يسير، والمراد يطير، وأين السائر من الطائر؟ وقال : الإخلاص سر بين الله وعبده، لا يعلمه ملك فيكتبه، ولا شيطان فيفدَه، ولاهوی ڤیمیله . وقال : الصادق يتقلَّب فى اليوم أربعين مرة، والمرائِى يثبُتُ على حالة واحدة أربعين سنة . وسئل عن الحياء، فقال: رؤيةُ الآلاء ورؤيةُ التَّقَّصير، يتولد منهما حالة تسمى الحياء . وقال : الفُتُوَّةَ كَفُّ الأذى، وبذْل النَّدِى. وقال: لو أقبل صادق على الله ألف ألف سنة، ثم أعرض عنه لحظة كان ما فاتها كثر مما نالَه. قلتُ: والناس يستشكلون هذه الكلمة ويتطلبون تقريرها، وسألت عنها بعض العارفين بالتصوف، فقال : معناها يظهر بضرب مثل؛ وهو أن الغَوَّاص إذا غاص فى البحر منقِّباً على نفيس الجواهر إلى أن قارب قراره ، وكاد يحظى بمراده أعرض وترك ، كان ما فاته أكثر مما ناله ، وكذلك من أقبل على الحقّ ألف ألف سنة ثم أعرض، فتلك (١) سورة هود ١٢٠. (٢) فى د : مولاه . والمثبت فى المطبوعة . - ٢٦٦ - اللحظة التى أعرض فيها لو لم يُعرض نتيجة عمل ألف ألف سنة، فلما أعرض فانته تلك النتيجة التى هى غاية عمل ألف ألف سنة ، فظهر أن ما فاته أ كثر مما ناله. قال أبو عبد الرحمن السُّلَمِىّ: سمعت جَدّى إسماعيل بن نُجيد يقول: دخل أبو العباس ابن عطاء على الجنَيْد وهو فى التَّرْع، فسلم فلم يردّ عليه، ثم رد عليه بعد ساعة، وقال: اعذرنى، فإنى كنت فى وِرْدى. ثم حوَّل وجهه إلى القبلة وكبّ ومات. وقال أبو محمد الْجَرِيرِىّ: كنت واقفًا على رأس الجنيد فى وقت وفاته، وكان يوم جمعة، وهو يقرأ القرآن، فقلت: يا أبا القاسم، ارفق بنفسك. فقال: يا أبا محمد، ما رأيتُ أجدا أحوجَ إليه منى فى هذا الوقت، وهو ذا تُطْوَى(١) صحيفتى. ويقال: كان نقْتُ خاتم الجِنَيد ((إذا كنت تَأْمُلُهُ فلا تأمنْه)) وكان يقول: ما أخذنا التصوفَ من القال والقيل، ولكن عن الجوع، وترك الدنيا ، وقطع المألوفات . قال أبو سهل الصُّْلُوكِىّ: سمعت أبا محمد المرتِش، يقول: قال الجنيد: كنت بين. يدى السَّرِيّ السَّقَطِىّ ألعبُ، وأنا ابن سبع سنين، وبين يديه جماعة يتكلمون فى الشكر، فقال: يا غلام، ما الشكر؟ فقلت : أن لا تَمَصىَ اللهَ بنْعِه. فقال : أخشى أن يكون حظُّك من الله لسانك . قال الجنيد : فلا أزال أبكى على هذه الكلمة التى قالها لى. وعن الجنيد: الشكر أن لا ترى نفسك أهلا للنعمة. وعن الجُنَيد: أعلى درجة الكثير أن ترى نفسك، وأدناها أن تخطر ببالك، يعنى نفسك. قال أبو عبد الرحمن السُّلَمِىّ: سمعتُ عبد الواحد بن بكر الوَرَثَانِيّ (٢)، قال: سمعت محمد (١) فى المطبوعة، د: ((يطوى)) بالباء. والمثبت من الطبقات الوسطى. . (٢) بفتح الواو والراء والثاء المتابعة وبعد الألف تون، هذه النسبة إلى ورثان، بلهافى حدود أفريجان. الباب ٢٦٧/٣، والمراضد ١٤٣٢. هذا ولم يرو السلمى عن الورثانى هذا القول فى طبقات الصوفية ، وإنما روى قول الجنيد الذى بعده عن الورثانى عن همام بن الحارث صفحة ١٥٧ - ٢٦٧ - ابن عبد العزيز، يقول: سُئِل الجنَيد عمَّن لم يبق عليه من الدنيا الا مقدار مصِّ نواةٍ، فقال : المكاتب عبد ما بقى عليه درم. ومن كلام الجنيد : باب كل علم نفيس جليل بذل المجهود ، وليس من عبد الله ببذل المجهود كمن طلبه من طريق الجود .. وقال : إن الله يَخْلُص إلى القلوب من بِرِّه، حسَب ما خَلَصت القلوب به إليه من ذكره ، فانظر ماذا خالط قلبك . وقال أبو عمر الزَّجَّاجِىّ(١): سألت الجنيد عن المحبة. فقال: تُريد الإشارة؟ فقلت: لا . قال: "ريد الدَّعْوى؟ قلت: لا. قال: فإيش تريد؟ قلتّ: عينَ المحبَّة. فقال: أن تحبَّ ما يحب الله فى عباده، وتكرَه ما يكره فى عباده. وسُئِل عن قُرْب الله تعالى، فقال : قريب لا بالتََّاق، بعيد لا بافتْراق. وقال : مكابدة العزلة أيسر من مداراة الخلطة . توفى اُلْجِنَيد يوم السبت ، في شوال سنة ثمان وتسعين ومائتينَ، وقيل سنة سبع .. وتسعين. قال أُخْدىّ: رأيته فى النوم، فقلت: مافعل الله بك؟ فقال: طاحت تلك الإشارات، وغابت تلك العبارات ، وفنِيت تلك العلوم ، ونفدت تلك الرُّسوم، وما نفعنا إلا رُكَيْعات كنا زكعها فى (٣) السحر . (ذكر شىء من الرواية عنه﴾ وقد ذُكِر أنه لم يُحدِّث إلا بحديث واحد، حدثناه الحافظ أبو العباس بن المُظَفَّرِ إملاء، قال: أخبرنا أبو الفتح يوسف بن يعقوب بن محمد بن المجاور ، إذنا ، أخبرنا الإمام أبو اليُمْن زيد بن الحسن الكِنْدِىّ، أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد بن عبد الواحد القَزَّاز، المعروف بابن زُرَيْق ، أخبرنا الحافظ أبو بكر أحمد بن على بن ثابت الخطيب، (١) فى المطبوعة: أبو عمرو، والمثبت من: د، وهو فى البداية والنهاية ٢٣٥/١١: أبو عمر (٢) فى د : عند السحر، والمثبت فى : المطبوعة، وصفة الصفوة. الزجاج . - ٢.٦٨ - أخبرنا أبو سعيد الكَلِمِفِىّ، أخبرنا أبو القاسم عمر بن محمد بن مُقبِل، أخبرنا جعفر أُخَلْدِىّ، حدثنا جُنَيد بن محمد . ح: وأخبرنا أبو العباس بن المُطَفَّر، بقراءتى عليه، أخبرنا القاضى محمد بن محمد ابن سالم بن يوسف بن صاعِد بن السِّكم سماعا، أخبرنا الحسن بن أحمد بن يوسف الأوقىّ، أخبرنا أبو طاهر السِّلَفِىّ، أخبرنا أبو بكر أحمد بن على بن الحسن بن زكريا الصُّوْفِيّ، فيما فرأت عليه، أخبرنا والدى أبو الحسن على بن الحسن الطُّرَّ بِشِىّ(١)، حدثنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن عبد الله بن حفص بن التحليل الهروى، الله، أخبرنا أبو القاسم عمر بن محمد ابن مُقبل، حدثنا جعفر بن محمد بن نصير، أخبرنا أبو القاسم الجنيد، حدثنا الحسن. ابن عَرَفة . ع: وبإستادنا الشهر فى ان عرفة، حدثنا محمدبن كثير الكوفة، من عدو بن قيس المُلابِى(٢)، عن عطيّة، عن أبى سعيد الخدرِىّ، قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: (( اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللهِ)) ثم قرأ: ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَاتٍ للْمُتْوَسِّمِينَ﴾(٢) . قال أبو بكر الخطيب؛ لا يُعرف للجُنَيد غيرُ هذا الحديث. قال أبو الفرج ابن الجَوْزِيّ: وقد رأيت له حديثاً آخر. قلت: أخبر ناه أبو العباس بن المظفر الحافظ بقراء تى عليه، عن أبى الحسن ابن البخاري، عن أبى الفرج عبد الرحمن بن على بن محمدبن الجَوْزِىّ، أخبرنا محمد بن عبد الباقى ، أخبرنا رزق الله بن عبد الوهاب، أخبرنا أبو عبد الرحمن السُّلَمِىّ ، حدثنا أحمد بن عطاء الصوفىّ ، حدثنا محمد بن على بن الحسين، قال: سئل الجنيد عن الفِراسة، فقال: حدثنا الحسن بن (١) يضم الطاء وفتح الراء وسكون الياء المثناة من تحتها وكسر الثاء المثلثة وسكون الياء آخر الحروف وبعدها ثاء مثلثة، نسبة إلى طريقيت، ناحية كبيرة من نواحى ثيابور. الباب ٨٦/٢. (٢) بضم الميم وبعد اللام ألف وباء مثناة من تحتها، نسبة إلى بيع الملاءة التى تقتر بها الناء. (٣) سورة الحجر ٧٥, الباب ٠١٩٦/٢ - ٢٦٩ - عَرفة، حدثنا أبو بكر بن عَيَّاش، عن عاصم، عن زِرٌ، عن عبد الله، قال: كنت أرعى غما الْعُقْبَة بن أبى مُعَيط، وذكر الحديث. وقال فى آخره: قال لى النبى صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّكَ غُلَيِّمْ مُعَلَّمْ )) . أخبرنا المسند أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن الخَبَّاز، بقراءتى عليه ، أخبرنا أبو الغنائم المُسلم بن محمد بن عَلَّان القَيْسِّ، سماعاً عليه، حدثنا أبو اليُمْن زيد بن الحسن الكندىّ ، أخبرنا الشيخ أبو منصور عبد الرحمن بن زُرَيق الشَّيبانىّ، أخبرنا الحافظ أبو بكر أحمد بن على البغدادىّ، حدثنا محمد بن المظفَّر بن السَّرَّاج ، من حفظه ، قال: سمعت جعفر بن محمد الخلدىّ، يقول: قال لى أبو القاسم الجديد رحمه الله: اخراح هذه الأمة من المروءة ، والاستئناس بهم حجاب من الله تعالى ، والطمع فيهم فقر الدنيا والآخرة . أخبرنا أبو العباس أحمد بن المظفَّر بن أبى محمد النابُْسىّ الحافظ، بقراءتى عليه ، أخبرنا أقضى القضاة جمال الدين أبو عبد الله محمد بن نجم الدين محمد بن سالم بن يوسف بن صاعد بن السِّلْم النابُدْسىّ، قراءةً عليه وأنا أسمع، أخبرنا الشيخ تقى الدين أبو على الحسن بن أحمد بن يوسف الأوفى ، سماعاً ، أخبرنا الحافظ أبو طاهر السَُّفىّ سماعاً. ح: وكتب إلىّ أحمد بن على الجَزَرِىّ، وفاطمة بنت إبراهيم، وغيرهما، عن محمد بن عبد الهادى، عن السُّلَفىّ، إجازات، أخبرنى أبو بكر أحمد بن على بن الحسين، أخبرنا والدى، حدثنا أبو سعد أحمد بن محمد المالينىّ، سمعت أبا الوزير على بن إسماعيل الصوفى ، يقول : سمعت أبا الحسن المنصورىّ، يقول: سألت اُلْجِنَيد: متى يستوجب العبدُ أن يقال له عاقل؟ قال: سمعت سَرِيًّا يقول: هو أن لا يَظهر فى جوارحه شىء قد ذمّه مولاه. وبه إلى الماليمنىّ، سمعت أبا القاسم يوسف بن يحيى، سمعت أبا القاسم الجنيد بن محمد يدعو : بَمَوضعك فى قلوب العارفين دُّأَّنى على رضاك، وأخرج من قلبى ما لا رضاه ، وأسكِين فى قلبى رضاك . - ٢,٧٠ - ● وبه قال: سمعت عثمان بن عبد الله الزَّنْجىّ يقول: سمعت الجنّيد بن محمد يقول، وقد سئل عن اليقين ما هو ؟ فقال: ترك ما تَرَى لما لا تَرِى. وبه قال: سمعت أبا الحسين أحمد بن زيزى يقول: قلت الجنيد: من أصحاب بعدك؟ قال : اجِبْ بعدى مَن تأمنهِ سرَّ الله فيك. وبه قال: سمعت أبا الحسن على بن أحمد بن قُرْقُر(١)، يقول: سمعت أبا الحسن على ابن محمد السِّيرَوَانِىّ(٢)، يقول: سمعت أبا عمرو ابن عُلوان، يقول: سمعت أبا القاسم الجُنَيد بن محمد يقول: حضرتُ إملاك بعض الأبدال(٣) من النساء ببعض الأبدال من الرجال، ما كان فى جماعة مَن حضرٍ إلا مَن ضرب بيده إلى الهواء، فأخذ شيئاً وطرحه من دُرّ وياقوت، وما أشبهه . قال أبو القاسم: فضربت بيدى فأخذت زَعفرانا وطرحته ، فقال لى الخُضَّرَ (٤) : ما كان فى الجماعة من أهدى ما يصلح للعرس غيرك. وبه قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن محمد، سمعت إبراهيم بن داود البَرْدَعِيّ، يقول: سمعت الجنيد يقول: نهايةُ الصابر فى حال الصبر حملُ الُوَّن لله حتى تنقضى أوقات المكروه. وبه قال: سمعت أبا القاسم يوسف بن يحيى ، يقول : سمعت الجنيد يدعو إذا سأله إنسان أن يدعو له: جمعَ اللهُ همَّك ولا شَّت سرَّك ، وقطعك عن كل قاطع يقطعك عنه ، ووصلك إلى كل واصل يوصلك إليه، وجعل غناه فى قلبك، وشَغَلك به عمّن سواه ، ورزقك أدباً يصلح لمجالسته، وأخرج من قلبك ما لا يرضى ، وأسكن فى قلبك رضاه ، وذلك عليه من أقرب الطرق . (١) انظر المشتبة ٥٢٥، ٥٢٦ (٢) انظر معجم البلدان لياقوت ٢١٥/٣. (٣) قال أبو عبد الرحمن السلمى: ((هم فى الأمم خلفاء الأنبياء والرسل، صلوات الله عليهم، وم أرباب حقائق التوحيد والمحدثون، وأصحاب الفراسات الصادقة، والآداب الجميلة، والمتيعون لسنن الرسل صلوات الله عليهم أجمعين إلى أن تقوم الساعة)». طبقات الصوفية٢ . (٤) فى المطبوعة، د: ((الخضر)). والمثبت من الطبقات الوسطى، والحضر: جمع حاضر". - ٢٧١ - • أخبرنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن الخبَّاز، بقراءتى عليه، أخبرنا الشيخان أبو الفداء إسماعيل بن أبى عبد الله بن حمّاد بن العَسْقَلَانِىّ، وأبو إسحاق إبراهيم بن حَمْد(١) بن كامل ابن عمر المَقْدِسِىّ، سماعا، فالا: أخبرنا أبو محمد بن مَنِنا، وعبد الوهّاب بن سُكَيْنة، إجازة، قالا : أخبرنا محمد بن عبد الباقى الأنصارىّ القاضى، أخبرنا الخطيب أبو بكر، أخبرنا محمد ابن الحسن الأهوازِىّ، قال: سمعت أبا حاتم الطَّبَرِىّ، يقول: سئل الجنيد رحمه الله تعالى عن التصوف، فقال: استعمال كلِّ خُلُقَ سَنِىّ، ورك كلِّ خُلُقَ دَنِىّ . ● وبه إلى الخطيب، أخبرنا بكرانُ بن الطَّيِّب الجَرْجَرائى(٢)، حدثنا محمد بن أحمد بن محمد، قال: سمعت الجنيديقول: لا تكون من الصادقين أو تصدُقَ [مكانا](٣) لا ينجيك إلا الكذب فيه . أخبرنا المسند عنّ الدين أبو الفضل محمد بن ضياء الدين أبى الفداء إسماعيل بن عمر بن الْحَمَوِىّ، قراءةً عليه. وأنا أسمع، أخبرنا أبو الحسن ابن البخارىّ ، أخبرنا أبو حفص ابن طَبَرْزَد، أخبرنا القاضى أبو بكر محمد بن عبد الباقى الأنصارىّ، أخبرنا [أبو حفص](٤) هَنّاد بن إبراهيم، أبو المظفَر القاضى النَّسَفِىّ، قال: سمعت أبا الحسن محمد بن القاسم الفارسىّ، يقول: كان الجُنَيد بات ليلة العيد فى موضع غير الموضع الذى كان يعتاده فى البَرِّيّة، فاما أن صار وقت السَّحَر إذا بشابٍ ملتفٍ فى عباءة ، وهو يبكي ويقول : ألا تعطفْ علىّ ألا تجودُ بحرمةِ غُرْبتِى كم ذا الصُّدُودُ وضُرِّى(٥) فى ازديادٍ لا يبيدُ سرورُ العيد قد عَمّ النَّواحِى فُعُذرى فى الهوى أن لا أعودُ فإن كنتُ اقترفتُ خِلالَ سوء (١) فى المطبوعة: ((أحمد)). وأثبتنا ما فى د ، والطبقات الوسطى. (٢) فى المطبوعة: ((بن الطبيب الجرجانى)) والمثبت من الطبقات الوسطى، وتاريخ بغداد ٢٤٥/٧ وهو نسبة إلى جرجرايا، بفتح الجيم وسكون الراء الأولى: بلد من أعمال النهروان الأسفل بين واسط (٤) من : د . (٣) من: تاريخ بعداد ٧ / ٢٤٥. وبغداد ، ياقوت ٢ / ٥٤ . (٥) فى:د ((وحزنى)) والمثبت فى المطبوعة، والطبقات الوسطى. ٠- ٢٧٢ -. أخبرنا أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم ، قراءةً عليه وأنا أسمع، أخبرنا المشايخ أبو بكر إسماعيل بن الأنماطِىّ، وأخته رُقَيّة، وغيرهما، حضورا، عن أبى بكر بن أبى سعد الصَّفَّار، أخبرنا أبو منصور عبد الخالق بن زاهر الشَّخَّامى، أخبرنا الإمام أبو الحسن على ابن أحمد بن محمد المؤذِّن، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن باكُويه، أخبرنا نصر ابن أبى نصر، أخبرنا جعفر بن نُصّير(١)، قال سمعت الجنيد قال: حججتُ على الوَحْدة، فجاورت بمكة، فكنت إذا جنَّ الليلُ دخلت الطَّواف فإذا يجارية تطوف وتقول: فأصبح عندى قد أتاخ وطنَّبا. أبى الحبُّ أن يَخْفَى وكم قد كتمتُهُ فإِن رُمتُ قُرْباً مِن حبيبى تَقَرَّ: إذا اشتدّ شوقى هام قلبى بذكره ويُسعدنى حتى أُلِذَّ وَأَطْرَبا. ويبدو فأفنی ثم أحنی بِه لهُ قال فقلت لها : يا جارية أما تتَقَّين الله، فى مثل هذا المكان تتكلمين بمثل هذا الكلام؟ فالتفتت إلىّ وقالت : یا جُنَید ، أهجُرُ طِيبَ الوَسَنِ لولا التَّقَّىَ لم تَرِ كما ترى عن وطنی إن التُّقَى شَرَّدَنِى أُفِرُّ مِن وَجْدِی بِهِ . فَيُّه هَيَّعَنِى ثم قالت : يا جُنَيد تطوف بالبيت أم بربّ البيت؟ فقلت: أطوف بالبيت، فرفعت طَرْفها (٢) إلى السماء وقالت: سبحانك، ما أعظمَ مشيئتك فى خلقك! خلْقٌ كَالأحجار يطوفون بالأحجار ، ثم أنشأت تقول : إليك وهُم أقسى قلوباً من الصَّخْرِ يطوفون بالأحجارِ يبغون قُرْبَةً وحَلُوا مَحلَّ القُرب فى باطن الفِكْرٍ وتاهوا فلم يَدْروا مِن التِّيَّه مَن هُمُ وقامت صِفاتُ الودِّ للحقّ بالذّ كر فلو أخلصوا فى الوُدِّ غابت صفاتَهِمْ (١) فى المطبوعة: ((نصر)) والمثبت من: د، والطبقات الوسطى. (٢) فى الطبقات الوسطى: (( رأسها» ٠١ - ٢٧٣ - أخبرنا الحافظ أبو العباس بن المظفر، بقراءتى عليه، أخبرنا أحمد بن هبة الله بن عساكر، بقراءتى عليه، أخبرنا إسماعيل بن عثمان بن إسماعيل القارى، إجازةً ، أخبرنا هِبة الرحمن بن عبد الواحد بن عبد الكريم القُشَيْرِىّ، سماعا عليه إملاء، قال: سمعت الشيخ أبا سعيد محمد بن عبد العزيز الصَّفَّار، قال: سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السُّلَمِىّ، قال: سمعت منصور بن عبد الله، قال: سمعت أبا ◌ُمر الأَنْماطِّ، قال: قال رجل للجُنَيد: على ماذا يتأسَّف المحبُّ مِن أوقاته؟ فقال: على زمانِ بَسْطٍ أورث قَبَضا ، أو زمانٍ أنس أورث وحشة ، ثم أنشأ يقول : قد كان لى مَشْرِبَ يصفو قُرْبِكمْ(١) فكدَّرتْهِ يدُ الأيام حين صَفَا وبه إلى هبة الرحمن القُشَيْرىّ، أخبرنا أبو صالح أحمد بن عبد الملك المؤذِّن، أخبرنا . أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهانيّ، قال: سمعت أبا الحسن على بن هارون بن محمد، وأبا بكر محمد بن أحمد المُفِيد، يقولان: سمعنا أبا القاسم الجنيد بن محمد غير مَرّة يقول : طريقنا مضبوط بالكتاب والسنة ، من لم يحفظ القرآن ولم يكتب الحديث ولم يتفقه لا یقتدى به . وأخبر ناه أيضاً أبو العباس أحمد بن يوسف بن أحمد الخلاطِىّ، قراءةً عليه وأنا أسمع بالقاهرة ، أخبرنا نَفيس الدين عبد الرحمن بن عبد الكريم بن أبى القاسم ، أخبرنا والدى ، أخبرنا أبو الفضل عبد الله بن أحمد الطُّوسِىّ، أخبرنا أبو الحسن محمد بن مرزوق بن عبد الرزَّاق الزَّعفرانىّ البغدادىّ، قراءةً عليه فى المحرم سنة سبع وخمسمائة، قيل له: أخبركم أبو الحسن على بن أحمد بن على بن عبد الله الحافظ الصَّقَلِّىّ، أخبرنا أبو الحسن على بن هارون ابن محمد ، وأبو بكر محمد بن أحمد الُفيد، قالا: سمعنا أبا القاسم الجنيد بن محمد رحمه الله يقول: تفقَّهتُ على مذهب أصحاب الحديث، كأبى تُبيد، وأبى ثَوْر، وسحبتُ الحارث (١) فى طبقات الصوفية ١٦٣ (( برؤيتكم)) وفى الطبقات الوسطى ((بذكركم)). والمثبت فى المطبوعة، د. (٢/١٨- طبقات) - :٢٧٤ - المُحاسِىّ، وَسَرِىّ بِن المُغَلِّسّ رحمةُ الله عليهم، وذلك كان سببَ فلاحى، إذ عِلُمنا هذا مضبوط بالكتاب والسنَّة، ومن لم يحفظ القرآن ويكتب الحديث ويتفقَه قبل سلوكه فإنه لا يجوز الاقتداء به . أخبرنا الشيخ الوالد رحمه الله، قراءةً عليه وأنا أسمع ، أخبرنا عبد الرحمن بن مخلوف ابن جماعة . ح: وأخبرنا يحيى بن يوسف المِصرىّ، قراءةً عليه وأنا أسمع ، قالا : أخبر نا عبد الوهّاب بن ظافر بن رَواج، قال ابن جماعة: سماعا، وقال شيخنا : إجازة ، قال : أخبرنا الحافظ أبو طاهر السِّلَفىّ، أخبرنا أبو الحسن العلّاف، أخبرنا أبو الحسن الحَمَّامِىّ، حدثنا أبو بكر أحمد بن جعفر الخُتُّلِىّ، سمعت أبا القاسم بن بكير، قال: سمعت الجنيد يقول: بنى أمرنا هذا على أربع: لا تتكلم إلا عن وجود، ولا تأكل إلا عن فاقة، ولا ننام إلا عن غَلَبَة ، ولا نسكت إلا عن خشية . ﴿ ذكر نُخب وفوائد عن أبى القاسم رحمه الله﴾ • هل الأفضل للمحتاج أن يأخذ من الزكاة أو صدقة التطوع؟ قال الغزالىّ فى ((الإحياء))(١): اختلف فيه السلف، وكان الجنيد والجوّاص وجماعة. يقولون: الأخذ من الصدقة أفضل ؛ لئلا يُضيِّق على الأصناف ، ولئلا يخلّ بشرط من شروطها . وقال آخرون: الزكاة أفضل لأنها إعانة على واجب، ولو ترك أهل الزكاة أخذها أَيموا؛ ولأن الزكاة لا مِنَة فيها . قال الغزالىّ: والصواب أنه يختلف بالأشخاص ، فإن تعرض له شبهة فى استحقاقه لم يأخذ الزكاة، وإن قطع باستحقاقه يُنظر؛ إن كان المتصدِّق إن لم يأخذها هذا لم يتصدق (١٠) ٢٠٦/١ والمصنف ينقل عن الغزالى بتصرف. - ٢٧٥ - فليأخذ الصدقة ، فإن إخراج الزكاة لابد منه ، وإن كان لابد من إخراج تلك الصدقة يُخِيَر ، قال: وأخذ الزكاة أشد فى كسر النفس . ٦٥ الحارث بن أسد المحاسىّ* أبو عبد الله عَلَمُ العارفين فى زمانه، وأستاذ السائرين، الجامع بين عِلْمَى الباطن والظاهر ، شيخ الجنيد . ويقال: إنما سُعِى المُحاسِىّ لكثرة محاسبته لنفسه. قال ابن الصَّلاح: ذكره الأستاذ أبو منصور فى الطبقة الأولى، فيمن صَحِب الشافعىَّ وقال : كان إمام المسلمين فى الفقه والتصوف والحديث والكلام ، وكتبه فى هذه العلوم أصول مَن يصنّف فيها، وإليه يُنسب أكثر متكلِّى الصِّفانية. ثم قال : لو لم يكن فى أصحاب الشافعىّ فى الفقه والكلام والأصول والقياس، والزهد والورع والمعرفة إلا الحارث المُحاسِىّ لكان مُغَبِرًا فى وجوه مخالفيه، والحمد لله على ذلك. قال ابن الصَّلاح: صُحبتُهُ للشافعيّ لم أر أحدا ذكرها سواه ، وليس أبو منصور من أهل هذا الفن فيُعتمد فيما تفرّد به ، والقرائن شاهدة بانتفائها . قلت: إن كان أبو منصور صرّح بأنه صحب الشافعىّ فالاعتراض عليه لامح ، وإلا فقد يكون أراد بالطبقة الأولى من عاصر الشافعى، وكان فى طبقة الآخذين عنه، وقد ذكره فى الطبقة الأولى أيضا أبو عاصم العَبّادِىّ، وقال: كان محمّن عاصر الشافى واختار مذهبَه، ولم يقل : كان ممّن صحبه . فلعلّ هذا القَدْرَ مُراد أبى منصور . * له ترجمة فى: تاريخ بغداد ٢١١/٨، تهذيب التهذيب ١٣٤/٢، حلية الأولياء ٧٣/١٠، الرسالة القشيرية ١٥، شذرات الذهب ١٠٣/١، صفة الصفوة ٢٠٧/٢، طبقات الصوفية ٥٦، طبقات الشعرانى ٦٤/١، العبر ٤٤٠/١، ميزان الاعتدال ١٩٩/١، وفيات الأعيان ٠٠٣٤٨/١ - ٢٧٦ - روى الحارث عن يزيد بن هارون، وطبقته . روى عنه أبو العباس بن مَسرُوق، وأحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفى، والشيخ الجنيد، وإسماعيل بن إسحاق السَّرَّاج، وأبو على الحسين بن خيران الفقيه، وغيرم . قال الخطيب: له كتب كثيرة فى الزهد وأصول الديانة، والرد على المعتزلة والرافضة. قلت : كتبه كثيرة الفوائد جمة المنافع، وقال جمع من الصوفية: إنها تبلغ مائتى مصنف . قال الأستاذ أبو عبد الله بن خَفِيف: اقتدوا بخمسة من شيوخنا، والباقون سَلَّموا إليهم أحوالهم: الحارث بن أسد المُحاسِىّ، وألْجَنَيد بن محمد، وأبو محمد رُوَيْم، وأبو العباس ابن عطاء، وعمرو بن عثمان المكِّىّ، لأنهم جمعوا بين العلم والحقائق. وقال جعفر الخُلْدِىّ: سمعت الجُنَيد يقول: كنت كثيرا أقول الحارث : عزلتى أُنى. فيقول: كم تقول أُنسى وعزلتى! لو أن نصف الخلق تقرَّبوا متى ما وجدت بهم أُنْساً، ولو أن نصف الخلق الآخَر أوا على ما استوحشت لبُقدم. قال: وسمعت الجُنَيد يقول: كان الحارث كثير الضُّرّ، فاجتاز بى يوما وأنا جالس على بابنا، فرأيت على وجهه زيادة الضَّرّ من الجوع، فقلت له: ياعمّ، لو دخلت إلينا بلتَ من شىء من عندنا! وعَمَدت إلى بيت عمى ، وكان أوسع من بيتنا، لا يخلو من أطعمة فاخرة لا يكون مثلها فى بيتنا سريعا، جئت بأنواع كثيرة من الطعام ، فوضعته بين يديه ، فمد يده فأخذ اتجمة فرفعها إلى فيه ، فرأيته يَمِلُكها ولا يَزَدَ رِدِها ، ثم وثب وخرج وما كلّمنى، فلما كان الغد لقيته فقلت له: يا عمّ سررتنى ثم نَغَّصت علىَّ! قال: يا بنى، أمّا الفاقة فكانت شديدة ، وقد اجتهدت فى أن أنال من الطعام الذى قدمته إلى ، ولكنّ بینی وبین اله علامةً، إذا لم يكن الطعام مَرضِيًّاً ارتفع إلى أنفى منه زَفرة فلم تقبله نفسى ، فقد رميت بتلك الأُهمة فى دِهايزكم - ٢٧٧ - وفى رواية أخرى : كان إذا مدّ يده إلى طعام فيه شبهة تحرّك له عِرق فى أصبعه، فيمتنع منه . 1 وقال الجُنَيد: مات أبو الحارث يوم مات وإن الحارث لمحتاج إلى دانق فضة، وخلّف أبوه مالا كثيرا، وما أخذ منه حّة واحدة، وقال: أهل مِلَّتين لا يتوارثان، وكان أبوه رافضيا(١) . وقال أبو على بن خَيران الفقيه: رأيت الحارث بباب الطاق(٢)، فى وسط الطريق، متعلقًا بأبيه ، والناس قد اجتمعوا عليه يقول: أمى طلِّقها ؛ فإنك على دين وهى على دينٍ غيره. • وهذا من الحارث بناء على القول بتكفير القَدَرِيّة، فلعله كانيرى ذلك. وأما الحكاية المتقدمة فى أنه لم يأخذ من ميراث أبيه، فلعله ترك الأخذ من ميراثه ورَعاً، لأنه فى محل الخلاف ، إذ فى تكفير القَدَريّة خلاف، وفى نفى التوارث بناء على التكفير أيضا خلاف . وابن الصلاح جعل عدم أخذه من ميراث أبيه دليلا منه على أنه يقول بالتكثير . وفيه نظر ؟ لاحتمال أنه فعل ذلك ورعا. وقد صرّح بعضهم بذلك، وبأن الله عوَّضه عن ذلك بأنه كان لا يدخل بطنه إلا الحلال المحض ، كما تقدم . وأما حمله أباه على أن يطلّق امرأته ، فصريح فى أنه كان يرى التكفير ، إذ لا محل الورع هنا . وقيل : أنشد قَوّال بين يدى الحارث هذه الأبيات : ما بكتْ عينُ غريبِ أنا فى الغُرْبة أبكِى بلادى بُصِيبٍ مِن لم أكن يومَ خُروجى وطناً فيه حبيبي عجباً لى ولتركى فقام يتواجد ویبکی ، حتى رحمه كلُّ مَن حضره. وروى الحسين بن إسماعيل المحامِلىّ القاضى، قال: قال أبو بكر بن هارون بن المُجَدَّر: (١) فى الطبقات الوسطى. ((واقفيا)). (٢) محلة كبيرة كانت ببغداد ، بالجانب الشرقى . المراصد ١٤٥. - ٢٧٨ - سمعت جعفر ابن أخى أبى تَوْر يقول: حضرت وفاة الحارث فقال: إن رأيتُ ما أُحب تبسّمت إليكم، وإن رأيت غير ذلك تنسَّمّم فى وجهى . قال: فتبسم ثم مات. قوله: ((تنسَّمتم فى وجهى)) بفتح التاء المثناة من فوق بعدها نون ثم سين، ضبطناه: لئلا يتضحّف . توفى الحارث سنة ثلاث وأربعين ومائتين ... ﴿ذكر البحث عما كان بينه وبين الإمام أحمد﴾ • أول ما نقدمه، أنه ينبغى لك أيّها المسترشد أن تسلك سبيل الأدب مع الأئمة الماضين ، وأن لا تنظر إلى كلام بعضهم فى بعض إلا إذا أتى ببرهان واضح ، ثم إن قَدَّرت على التأويل وتحسين الظن فدونك، وإلا فاضرب صَفْحا عمّا جرى بينهم؛ فإنك لم تُخلق لهذا ، فاشتغل بما يَعنيك ودع مالا يعنيك. ولا يزال طالب العلم عندى نبيلا حتى يخوض فيما جرى بين السلف الماضين، ويقضى لبعضهم على بعض. فإيّاك ثم إياك أن تُصفىَ إلى ما اتفق بین أبى حنيفة وسُفيان الثّوْرِىّ ، أو بین مالك وابن أبى ذِیب ، أو بین أحمد بن صالح والَّانِىّ، أو بين أحمد بن حنبل والحارث المُحاسِىّ، وهلمّ جَرًّا، إلى زمان الشيخ عن الدين بن عبد السلام، والشيخ تقي الدين بن الصَّلاح، فإنك إن اشتغلت بذلك خشيتُ عليك الهلاك. فالقوم أئمة أعلام، ولأقوالهم تحامِل ، ربما لم يُفهم بعضها ، فليس لنا إلا الترضَّى عنهم والسكوت عما جرى بينهم، كما يُفعل فيما جرى بين الصحابة رضى الله عنهم . إذا عرفت ذلك فاعلم أن الإمام أحمد رضى الله عنه، كان شديد النكير على من يتكلم فى علم الكلام ، خوفا أن يجرّ ذلك إلى مالا ينبغى، ولا شك أن السكوت عنه ما لم تدعُ إليه الحاجة أولى ، والكلام فيه عند فقد الحاجة بدعة ، وکان الحارث قد تكلّم فى شىء من مسائل الكلام. قال أبو القاسم النّصراباذىّ: بلغنى أن أحمد بن حنبل هجره بهذا السبب. - ٢٧٩ - قلت: والظن بالحارث أنه إنما تكلم حين دعت الحاجة، ولكلٍ مَقْصِدِ ، والله يرحمهما. وذكر الحاكم أبو عبد الله أن أبا بكر أحمد بن إسحاق الصِّبْغِىّ أخبره، قال: سمعت إسماعيل بن إسحاق السرَّاج يقول: قال لى أحمد بن حنبل: بلغنى أن الحارث هذا يُكثر الكونَ عندك، فلو أحضرته منزلك وأجلستنى من حيث لايرانى، فأسمع كلامه . فقصدت الحارث وسألته أن يحضرنا تلك الليلة، وأن يحضر أصحابه، فقال: فيهم كثرة، فلا تَزِدْم على الكُتْب(١) والتمر . فأتيت أباعبد الله فأعلمته ، خضر إلى غرفة، واجتهد فى وِرْده ، وحضر الحارث وأصحابه فأكلوا ثم صلّوا العَتَمة، ولم يصلّوا بعدها، وقعدوا بين يدى الحادث لا ينطقون إلى قريب نصف الليل ، ثم ابتدأ رجل منهم فسأل عن مسألة ، فأخذ الحارث فى الكلام ، وأصحابه يستمعون كأن على رؤوسهم الطير، فمنهم من يبكى ومنهم من يحِنّ، ومنهم من يَزَعَق ، وهو فى كلامه ، فصعدت الغرفة لأتعرّف حال أبى عبد الله، فوجدته قد بكى حتى غُشِىَ عليه، فانصرفت إليهم ، ولم تزل تلك حالهم حتى أصبحوا وذهبوا . فصعدت إلى أبى عبد الله، فقال: ما أعلم أنى رأيت مثل هؤلاء القوم ، ولا سمعت فى علم الحقائق مثل كلام هذا الرجل ! ومع هذا فلا أرى لك صحبتهم . ثم قام وخرج . وفى رواية أخرى أن أحمد قال: لا أُنكر من هذا شيئاً. قلت : تأمّل هذه الحكاية بعين البصيرة، واعلم أن أحمد بن حنبل إنما لم ير لهذا الرجل صحبتهم؛ لقُصوره عن مقامهم ، فإنهم فىمقامٍ ضیّقلا يسلكه كل أحد، فیخاف على سالكه، وإلا فأحمد قد بكى وشكر الحارث هذا الشكر، ولكلّ رأىٌ واجتهاد. حشرنا الله معهم أجمعین فی زمرة سيد المرسلين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم . (١) الكتب ، بالضم : عصارة الدهن . - ٢٨٠ = (ذكر شىء من الرواية عن الحارث) أخبرنا الحافظ أبو العباس أحمد بن المظفَّر النابُلْسِىّ، بقراء فى عليه، أخبرنا أقضى القضاة جمال الذين أبو عبد الله محمد بن نجم الدين محمد بن سالم بن يوسف بن صاعد بين السُّم النابُلْسِىّ، قراءةً عليه وأنا أسمع، أخبرنا الشيخ تقي الدين أبو على الحسن بن أحمد بن يوسف الأوفى، سماعا، أخبرنا الحافظ أبو ظاهر أحمد بن محمد السِّلَفِىّ، سماعا عليه . خ : وكتب إلىّ أحمد بن على الجزَرِىّ، وفاطمة بنت إبراهيم، وغيرهما، عن محمد ابن عبد الهادى، عن السُّلَفىّ، أخبر فى الشيخ أبو بكر أحمد بن على بن الحسين، فيما قرأت عليه من أصل سماعه، بمدينة السلام، فى ذى القعدة سنة خمس وسبعين وأربعمائة، أخبرنا والدى أبو الحسن على بن الحسين الطُّرْ يِىّ(١) الصوفيّ، حدثنا أبو سعد أحمد بن محمد بن عبد الله المالينىّ، لفظاً، أخبرنا أبو الحسن على بن أحمد الشَّمْشَاطِىّ(٢)، حدثنا أحمد بن القاسم بن نصر، أخبرنا الحارث بن أسد المُحاسِّ المَنَّزَّىّ(٣)، أخبرنا يزيد بن هارون » عن شعبة، عن القاسم بن أبي بَزَّة، عن عطاء الكَيْخَارانِىّ(٤) أو الخراسانىّ، عن أم الدَّرداء ، عن أبى الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أَثْقَلُ مَا يُوضَعُ فِى مِيزَانِ الْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُسْنُ الْخُلُقِ» . أخبرنا الشيخ المسند تاج الدين عبد الرحيم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن أبى اليَسَرَ، قراءةً عليه وأنا أسمع، أخبرنا جَدِّى أبو محمد إسماعيل بن إبراهيم ، أخبرنا عبد اللطيف بن إسماعيل بن أبى سعد النيسابورى. (١) نسبة إلى طريقيت - بضم أوله وفتح ثانيه ثم ياء مثناة من تخت وثاء مثانة - ناحية وقرى. (٢) نسبة إلى شمخاط ـ بكسر أوله وسكون ثانيه کثیرة من أعمال نیابور. یاقوت ٥٣٤/٣. وشين مثل الأولى وآخره طاء مهملة - مدينة بالروم على شاطئ الفرات. ياقوت ٣١٩/٣. (٣) فى الأصول: ((العزى))، وأثبتنا مافى طبقات الصوفية ٥٦. وانظر الباب ١٥٦/٢ (٤) بفتح أولها وسكون الياء تحتها نقطتان وفتح الجاء وسكون الألفين بينهما راء مفتوحة وبعدها نون ، هذه النسبة إلى كيخاران، وهى قرية من قرى اليمن . اللباب ٦٤/٣. وفيه: « قال أبو العباس المستغفرى: كيخارا من قرى مرو، وليس بصحيح، فإن هذه القرية لا تعرف بحرو، وإنما هى من أليمن)).