النص المفهرس

صفحات 221-240

- ٢٢١ -
وقال إبراهيم بن مَعْقِل: سمعتُه يقول : كنتُ عند إسحاق بن رَاهُويه ، فقال رجل :
لو جمعتم كتاباً مُختصَرا السنن. فوقع ذلك فى قلبى ، فأخذتُ فى جمع هذا الكتاب.
قال شيخنا أبو عبد الله الحافظ: رُوِىَ من وجهين ثابتين عن البخارىّ، أنه قال :
أخرجتُ هذا الكتاب من نحو ستمائة ألف حديث، وصنَقَتُهُ فى ستَّ عشرة سنة، وجعلتُهُ
حُجَّةً فیما بينى وبين الله .
وقال إبراهيم بن مَعْقِل: سمعته يقول: ما أدخلتُ فى (الجامع))، إلا ماصح، وتركت من
الصِّحاح لأجل الطول .
وقال محمد بن أبى حاتم : قلتُ له: تحفظٌ جميع ما فى المصنَّف؟ قال: لا يخفى علىَّ
جميعُ ما فيه، ولو نشر بعض إسنادى، هؤلاء لم يفهموا كتاب ((التاريخ)) ولا عرفوه ،
ثم قال: صنفْتُه ثلاث مرات(١).
وقد أَخذه ابن رَاهُويه فأدخله على عبد الله بن طاهر ، فقال: أيها الأمير ، ألا أُرِيك
سحرًا. فنظر فيه عبد الله ، فتعجَّب منه ، وقال : لستُ أفهم تصنيفه .
وقال الفَرَبْرِىّ : حدثنى نَجْ بن الفضل، وكان من أهل الفهم، قال: رأيت النبيَّ
صلى الله عليه وسلم فى النوم ، خرج من قرية، ومحمد بن إسماعيل خلفه ، فإذا خطا خُطْوة
يخطو محمد ، ويضع قدمه على قدمه ، ويتبَعُ أَّرَه.
وقال خلَف الخيَّام: سمعت أبا عمرو ، أحمد بن نصر الخفَّاف ، يقول: محمد بن إسماعيل
أعلمُ فى الحديث مِن أحمد وإسحاق بعشرين درجة، ومَن قال: فيه شىء . فعليه منى
ألفُ لعنةٍ، ولو دخل مِن هذا الباب أُمُلِئْت منه رعباً .
وقال أبو عيسى التِّرْمِذِىّ: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن مُنير ، فلما قام من
عنده ، قال له : يا أبا عبد الله ، جعلك الله زَيْن هذه الأمة.
قال أبو عيسى : اسْتُجِيب له فيه .
(١) جمع المصنف هنا بين جوابين البخارى، أجاب بهما ابن أبى حاتم، الأول عن المصنف، والثانى
عن التاريخ، وبدأ الثانى بقوله: (ولو نشر بعض إسنادى)) انظر تاريخ بغداد ٢ /٩،٧.

- ٢٢٢ -
وقال جعفر بن محمد المُسْتَغْفِرِىّ فى ((تاريخ نَسَف))، وذكَر البخاريّ: لو جاز لى ..
لفضَّلْتُه على مَن لَقِىَ من مشايخه، ولقلتُ: مَا لَقِىَ بعينِهِ مثلَ نفسه.
وقال إبراهيم الحوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعةَ كالصبيّ، جالساً بين يدى محمد بن إسماعيل،
يسأله عن عِلَل الحديث.
وقال جعفر بن محمد القطّن: سمعتُ محمد بن إسماعيل، يقول: كتبتُ عن ألف
شيخ، أو أكثر، عن كل واحد منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندى حديث إلا أذكر
إسناده.
قلتُ: فارقَ البخارىّ ◌ُبُخَارَى، وله خمس عشرة سنة، ولم يرَهُ محمد بن سلّام
البِيكَنْدِىّ بعد ذلك، (١ وقد قال سليم بن مجاهد: كنت عند محمد بن سلَام السِيكَتْدِىّ
فقال: لو جئتَ قبلُ لرأيت صبيا، يحفظ سبعين ألف حديث. خرجتُ حتى لحقتُهُ،
فقلت: أنت تحفظُ سبعين ألف حديث؟ قال: نعم، وأكثر ، ولا أُجيبك بحديث عن
الصحابة والتابعين، إلا عرفت مولد أكثرهم، ووفاتهم، ومساكنهم، ولست أرْوِى
حديثا من حديث الصحابة والتابعين ، إلا ولى من ذلك أصل أحفظه حفظاً ، عن كتاب
أو سنّة .
: وقال بعضهم: كنت عند محمد بن سلَّام السِيكَنْدِىّ، فدخل محمد بن إسماعيل، فلما
خرج، قال محمد بن سلام: كما دخل علىَّ هذَا الصبىّ، تحيََّتُ والْتَس علىَّ أمرُ الحَدِيث،
ولا أزال خائفاً مالم يخرُج١).
• وقال محمد بن أبى حاتم : سمعتُ محمد بن يوسف، يقول: كنت عند أبى رجاء ،
يعنى قُتَيَبة، فَسُئِل عن طلاقِ السَّكران، فقال: هذا أحمد بن حنبل، وابنُّ الْمَدِينِىّ ،
وابن رَاهُويه ، قد ساقهم الله إليك. وأشار إلى محمد بن إسماعيل، وكان مذهب محمد أنه
إذا كان مغلوبَ العقل، لا يَذْ كُرِ ما يُحدِث فى سكره، أنه لا يجوز عليه مِن أمرِهِ شىءٍ.
(١) ساقط من : د. وهو فى المطبوعة، ج .

- ٢٢٣ -
وسمعتُ عبد الله بن سعيد، يقول: لما مات أحمد بن حَرْب النَّيْابُورِىّ، وكب
محمد وإسحاق يُشيَّان جنازته، فكنتُ أسمع أهل المعرفة بنيْسابور ، ينظرون ،
ويقولون: محمد أفقه من إسحاقَ .
وعن الفَرَبْرِىّ: رأيت النبيَّ صلى الله عليه وسلم فى المنام ، فقال لى : أين تُرِيد؟
فقلت : أريد البخارىّ ، فقال: أقْرأه منَّ السلام.
وكان البخارىّ يختم القرآن كل يوم نهارا، ويقرأ فى الليل عند السَّحَرِ ثُلْئً من
القرآن، فمجموع وِرْده خَتْمة وثلث ختمة .
وكان يقول: أرجو أن ألقى الله، ولا يحاسبُنِى باغْتياب أحد .
وكان يصلِّى ذات يوم، فلسعه الزُّنْبور سبع عشرة مرة ، ولم يقطع صلاته ، ولا
تغيّر حاله .
وعن الإمام أحمد : ما أخرجتْ خُراسان مثل البخارىّ.
وقال يعقوب بن إبراهيم الدَّوْرَقِيّ : البخارىّ فقيهُ هذه الأمة.
وقال محمد بن إدريس الرَّازِىّ، وقد خرج البخارىّ إلى العراق: ما خرج من خُراسان
أحفظ منه ، ولا قدم العراق أعلم منه .
قال الحاكم أبو عبد الله: سمعتُ أبا نصر أحمد بن محمد الورَّاق، يقول: سمعت أباحامد أحمد
ابن حَمْدون، يقول: سمعتُ مسلم بن الحجّاج، وجاء إلى محمد بن إسماعيل البخارىّ، فقبّل
[ما] (١) بين عيْنَيِّه، وقال: دعْنى حتى أُقِبل رجْلَيْك، يا أستاذ الأستاذين، ومُسنِد(٢) المحدِّثين
ويا طبيب الحديث فى عِلَله: حدَّتك محمد بن سلَّام، حدثنا تَخْلد بن يزيد الحرَّانِىّ ، قال
أخبرنا ابن جُرَيح، قال: حدثنى موسى بن عُقْبة، عن سُهَيل بن أبى صالح ، عن أبيه ، عن
أبى هريرة، عن النبى صلى الله عليه وسلم.
فقال البخارىّ : وحدثنا أحمد بن حنبل، ويحلى بن مَعِين، قالا: حدثنا حجَّاج بن محمد،
عن ابن جُرَيج ، قال : حدثنى موسى بن عُقْبة، عن سُهَيل بن أبى صالح ، عن أبيه ، عن
(١) زيادة عن طبقات الحنابلة ٢٧٣/١.
(٢) فى المطبوعة: وسيد، وهو يوافق ما فى طبقات الحنابلة ٢٧٣/١. والمثبت من: ج، د.
۔۔

- ٢٢٤ -
أبى هريرة، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فى كفّارة المجلس أن يقول، إذا قام من مجلسه:
((سُبْحَانَكَ رَبَّنَا وَ بِحَمْدِكَ)) ..
فقال محمد بن إسماعيل : هذا حديث مليح ، ولا أعلم بهذا الإسناد فى الدنيا حديثاً
غيرَ هذا، إلا أنه معلول: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا وُهَيْب ، حدثنا سُهَيلَ ، عن
عَوْن بن عبد الله قولَه .
قال محمد بن إسماعيل: هذا أولى. ولا نذكرموسى بن عقبة مُندًا عن شُهَيل،
وهو سُهَيل بن ذكوان، مولى جُوَيْرية، وهم إخوة: شُهَيل، وعبّاد، وصالح، بنو أبى صالح،
.وم مِن أهل المدينة.
وقال نسج بن سعيد: كان محمد بن إسماعيل البخارىّ إذا كان أوّل ليلة من شهر
رمضان، تجتمع إليه أصحابه، فيصلّى بهم، ويقرأ فى كل ركعة عشرين آية ، وكذلك
إلى أن يختم القرآن، وكان يقرأ فى السحر ما بين النصف إلى الثلث من القرآن، فيختم
عند السَّحَر فى كل ثلاث ليال، وكان يختم بالنهار فى كل يوم خَتْمَةَ، وَيَكون خَتْمُه عند
الإفطار كل ليلة ، ويقول: عند كل خَتْم دعوةٌ مُستجابة.
وقال بكر بن مُنِير: سمعت البخارىّ، يقول: أرجو أن ألقى الله ولا يحاسبُنى أنى
اغتَبْتُ أُحدا ..
قال شيخنا أبو عبد الله الحافظ: يشهد لهذه المقالة كلامُه فى الجرح والتعديل، فإنه أبلغ
ما يقول فى الرجل المتروك أو الساقط : فيه نظر ، أو سكتوا عنه ، ولا يكاد يقول : فلان
كذّاب، ولا فلان يضع الحديث ، وهذا من شدة ورعه .
قلتُ: (١ وأبلغ تضميفه قوله فى المجروح: مُشْكَر الحديث(١).
قال ابن القطَّان: قال البخارىّ: كلّ منَ قلتُ فيهِ مُنكَرِ الحديث، فلا يحلّ
الرواية عنه .
(١) ساقط من : د، وهو فى المطبوعة، ج ،

- ٢٢٥ -
وقال أبو بكر الخطيب: سُئِل العباس بن الفضل الرَّازِىّ الصّايع: أَيُّهُما أحفظُ،
أبو زُرْعة، أو البخارىّ؟ فقال: لقيتُ البخاريّ بين حُلْوان وبغداد، فرجعتُ معه
مَرْحلة، وجَهِدت أن أجىء بحديث لا يعرفه، فما أمكن، وأنا أُغْرِب على أبى زُرْعة
عدد شعرى .
وقال أبو عمرو أحمد بن نصْر الخفَّاف: محمد بن إسماعيل أعلمُ بالحديث مِن إسحاق
ابن رَاهُويه، وأحمد بن خبل، وغيرهما، بعشرين درجة، ومن قال فيه شيئاً منِّى عليه
ألفُ لعنة.
ثم قال: حدثنا محمد بن إسماعيل التَّقِىّ، النَّقِىّ، العالم، الذى لم أرَ مثلَه.
وقال محمد بن يعقوب الأخْرَم: سمعتُ أصحابنا، يقولون: لما قدِمِ البخارى
نيسابور ، استقبله أربعة آلاف رجل على الخيل ، سوى من ركب بغلا أو حمارا ،
وسوى الرَّجَّالة .
وقال أبو أحمد الحاكم فى ((الكُنى)): عبد الله [بن](١) الدَّيْلَسِىّ، أبو بُسْر. وقال
البخارىّ ومسلم فيه: أبو بِشْر بشين معجعة. قال الحاكم: وكلاهما أخطأ فى على، إنما
هو أبو بسر، وخليق أن يكون محمد بن إسماعيل مع جلالته ومعرفته بالحديث اشتبه عليه ،
فلما نقله مسلم من كتابه تابعه على زَلَّته، ومن تأمل كتاب مسلم فى ((الأسماء والكُنى))
علم أنه منقول من كتاب محمد بن إسماعيل، حَذْوَ القُدَّةِ بِالقُدَّةَ (٢) ، حتى لا يزيد عليه فيه
إلا ما يسْهُل عدُّه، وتَجَلَّد فى نقله حق الجلادة؛ إذلم ينسبه إلى قائله، وكتاب محمد
ابن إسماعيل فى (التاريخ)) كتاب لم يسبق إليه، ومن ألف بعده شيئاً من (٣) التاريخ
(١) زيادة من : ج، د، على ما فى المطبوعة ..
(٢) فى المطبوعة: حذو القدم بالقدم. والمثبت من: ج، د.وقد الريش: قطع أطرافه وحذفه
على نحو الحذو والتدوير والنوبة ، وحذو القذة بالقذة ، يعنى : كما تقدر كل واحدة منهن على صاحبتها
(٣) فى المطبوعة: فى . والمثبتمن: ج، د.
وتقطع . انظر الان ٥٠٣/٣ (قذذ) .
(٢/١٥- طبقات)

- ٢٢٦ -
أو الأسماء ،م أو الكُتَى لم يستغنى عنه، فمنهم من نسبه إلى نفسه، مثل أبى زرعة
وأبى حاتم، ومسلم، ومنهم من حكاه عنه، فالله يرحمه، فإنه الذى أصَّل الأصول .
وذكر الحاكم أبو أحمد ، كلا ما سوى هذا .
وقال محمد بن أبى حاتم: رأيتُ أبا عبد الله استلقى على قفاه يوما، ونحن بفرَبْر، فى
تصنيف ((كتاب التفسير)) وأتعب نفسه يومئذ، فقلتُ: إنى أراك تقول: إنى ما أتيتُ
شيئًا بغير علم قطُّ منذ عقَلت، فما الفائدة فى الاستلقاء؟ قال: أتعبنا أنفسَنا اليوم، وهذا ..
تُغْر من الثغور ، خشيتُ أن يحدُث حدث مِن أمر العدوّ، فأحببتُ أن أستريح، وآخذَ
أُهْبةَ، فإن غافصَنا (١) العدوُّ كان بنا حَراك، وكان يركب إلى الرَّمْى، فما أعلم أنى رأيته فى
طول ما صحبته أخطأ سهمُه الهدفَ، إلا مرتين ، وكان لا يُسْبَق .
وسمعته يقول: ما أردتُ أن أتكلّم بكلام، فيه ذكر الدنيا، إلا بدأت بحمد الله
والثناء عليه .
قال: وكان لأبى عبد الله غَرِيم ، قطع عليه مالا كثيرا ، فبلغه أنه قدِم آمُل ، ونحن
بِفَرَيْر، فقلنا له : ينبغى أن تعبُر ، وتأخذه بمالك، فقال: ليس لنا أن نَرُوعِهِ.
ثم بلغ غريمه، فرج إلى خُوارَزْم، فقلنا: ينبغى أن تقول لأبى سلَمَة الكُشَانِىِّ(٢)،
عامل آمُل، ليكتب إلى خُوارَزْم فى أخذِه . فقال: إن أخذتُ منهم كتاباً طمِعوا مِنِّى
فی کتاب ، ولست أبیع مینی بدیای.
تجهِدنا، فلم تأخُذ، حتى كلَّمنا السلطانَ عن غير أمره، فكتب إلى وَإلى خُوَارَزْم.
فلما بلغ أبا عبد الله ذلك وجد وجداً شديداً، وقال: لا تكونوا أشفقَ علىَّ مِن نفسى.
وكتب كتاباً ، وأردف تلك الكتب بكتب ، وكتب إلى بعض أصحابه بخُوارَزْم ؛ أن
لا يتعرّض لغريمه .
(١) غاقصه : فاجأه وأخذه على غرة.
(٢) بضم أولها والشين المعجمة وفى آخرها النون ،
نسبة إلى كثانية، وهى بلدة من بلاد الصغد، بنواحى سمرقند - اللباب ٤٢/٣.

- ٢٢٧ -
فرجع غريمه، وقصد ناحية مَرْو، فاجتمع التجار، وأُخْبِرِ السلطان، فأراد التَّشْديد
على الغريم ، فكره ذلك أبو عبد الله، وصالح غريمه على أن يُعطِيَه كلَّ سنة عشرة دراهم،
شيئاً يسيراً، وكان المال خمسة وعشرين ألفا، ولم يصل من ذلك إلى درهم، ولا إلى أكثر منه.
سمعتُ أبا عبد الله، يقول: ما تولّيتُ شراء شىء قطٌ ، ولا بيعَه.
قلتُ : فمن يتولّى أمرَك فى أسفارك ؟
قال : كنت أُكْفَى أمرَ ذلك.
وذكر بكر بنُ منير: أنه حمَل إلى البخارىّ بضاعةً، أنفذها إليه ابنه أحمد ، فاجتمع
به بعض التجار، فطلبوها [ منه](١) ربح خمسة آلاف درهم. فقال: انصرفوا الليلة.
فجاءه من الغد تجار آخرون، فطلبوها منه بريج عشرة آلاف درهم، فقال: إنى نويتُ
البارحةَ بيعها للذين أُنَوا البارحة .
قلتُ : وقال محمد بن أبى حاتم: سمعتُ أبا عبد الله يقول: ما ينبغى للمسلم أن يكون
بحالةٍ، إذا دُعِىَ لم يُسْتَجَبْ له .
قال : وسمعته يقول: خرجتُ إلى آدم بن أبي إياس، فتخلّفَتْ عنِّى نفقتى، حتى جعلتُ
أتناولُ الحشيشَ ، ولا أُخبر بذلك أحداً، فلما كان اليوم الثالث، أتانى آتٍ لم أعْرِفْه ،
فناولنى صُرَّةَ دنانير ، وقال: أنْفق على نفسِك.
وسمعتُ سُلَيم بن مجاهد ، يقول: ما رأيتُ بعينى منذ ستين سنة أفقهَ، ولا أورعَ ،
ولا أزهدَ فى الدنيا ، من محمد بن إسماعيل .
واعلم أن مناقبَ أبى عبد الله كثيرة ، فلا مطمَع فى استيعاب غالبها ، والكتب
مشحونة به ، وفيما أوردناه مَقْنَع وبلاغ .
(١) زيادة من المطبوعة على ما فى: ج ، د.

- ٢٢٨ -
﴿قصته مع محمد بن يحيىُ الذُّهْلِىّ)
قال الحسن بن محمد بن جابر: قال لنا الذَّهْلِىّ، لما ورد البخارىّ نيسابور: اذهبوا
إلى هذا الرجل الصالح ، فاسمعوا منه . فذهب الناس إليه ، وأقبلوا على السماع منه، حتى
ظهر الخلل فى مجلس الذُّهْلِىّ ، تجده بعد ذلك، وتكلّم فيه
وقال أبو أحمد بن عَدِىّ: ذكر لى جماعة من المشايخ أن محمد بن إسماعيل لما ورد
نيسابور، واجتمعوا عليه حسَدَه بعضُ المشايخ، فقال لأصحاب الحديث: إن محمد بن إسماعيل
يقول : اللفظ بالقرآن مخلوق، فامتحِنوه.
فلما حضر الناس ، قام إليه رجل، فقال: يا أبا عبد الله ، ما تقول فى اللفظ بالقرآن ،
مخلوق هو ، أم غير مخلوق؟ فأعرض عنه، ولم يجبه، فأعاد السؤال، فأعرض عنه، ثم أعاد،
فالتفتَ إليه البخارىّ، وقال: القرآن كلام الله غير مخلوق، وأفعال العباد مخلوقة ،
والامتحان بِدْعة .
فشغَب الرجل، وشغَب الناس، وتفرّقوا عنه، وقد البخارىّ فى منزله.
قال محمد بن يوسف الْفَرَبْرِيّ: سمعتُ محمد بن إسماعيل، يقول: أمّا أفعال العباد
فمخلوقة؛ فقد حدثنا على بن عبد الله، حدثنا مَرْوان بن معاوية، حدثنا أبو مالك ،
عن رِبْعِيّ(١)، عن حُذَيفة، قال: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ اللهَ يَصْنَعُ كُلَّ
صَافِعٍ وَصَنْعَتَهُ))، وسمعتُ عُبَيْدِ الله بن سعيد: سمعتُ يحيى بن سعيد، يقول: ما زلتُ
أسمع أصحابنا يقولون : إن أفعال العباد مخلوقة .
قال البخارىّ : حركاتُهم، وأصواتُهم، واكتسابُهم ، وكتابتُهم مخلوقة؛ فأمّا القرآن
الْلُوّ، المُثْبَتُ فى المصاحف، المسطُور ، المكتوب، المُوعَى فى القلوب، فهو كلام الله ،
ليس بمخلوق؛ قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيَِّتْ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾(٢)
(١) أنظر القاموس (ربه: ع).
(٢) سورة العنكبوت

- ٢٢٩ -
وقال: "يُقال فلان حسن القراءة، ورَدىء القراءة . ولا يقال: حسن القرآن،
ولا رَدِىء القرآن، وإنما يُنسَب إلى العباد القراءة؛ لأن القرآن كلام الرب، والقراءة فعلُ
العبد، وليس لأحد أن يُشَرِّع فى أمر الله بغير علم، كما زعم بعضهم أن القرآن بألفاظنا ،
وألفاظُنا به شىء واحد ، والتلاوة هى الْتُلُّ، والقراءة هى المقُرُوء.
فقيل له : إن التّلاوة فعلُ القارئ، وعمل التَّالى.
فرجع ، وقال : ظنتُهما مصْدرين .
فقيل له: هلَّا أمسكتَ كما أمسك كثير من أصحابك، ولو بشتَ إلى مَن كتب عنك،
واستَرْدَدت ما أثْبَتَّ، وضربْتَ عليه.
فزعَم أن كيف يُمكِن هذا، وقال: قلتُ ، ومضى .
فقلت له : كيف جازَ لك أن تقول فى الله شيئا لا تقوم به شرحا وبيانا، إذا لم تمثِّ
بين التِّلاوة والْتُلُوّ . فسكت، إذ لم يكن عنده جواب.
وقال أبو حامد الأعْمَشِىّ: رأيتُ البخارىّ فى جنازة سعيد بن مَرْوان، والذَّهْلِىّ
يسأله عن الأسماء والكُنَى والعِلَل، ويمرُّ فيه البخارىّ مثلَ السَّهم ، فما أتى على هذا شهر،
حتى قال الذُّهْلِىّ : ألا مَن يختلفُ إلى مجلسه فلا يأتينا ؛ فإنهم كتبوا إلينا مِن بغداد أنه
تكلم فى اللفظ ، وهيْناه فلم ينْتَهِ ، فلا تقْرَ بوه .
قلتُ: كان البخارىّ على ما رُوِى، وسنحكى ما فيه، مِمَّنَ قال: لفظى بالقرآن
مخلوق .
وقال محمد بن يحيى الذُّهْلِىّ: مَن زعم أن لفظى بالقرآن مخلوق فهو مُبتدِعٌ لا يجالَس،
ولا يُكلّم ، ومن زعم أن القرآن مخلوق فقد كفر .
وإنما أراد محمد بن يحيى - والعلم عند الله - ما أراده أحمد بن حنبل، كما قدمناء فى ترجمة
الكراِيسِيّ(١)، من النَّهىِ عن الخوض فى هذا، ولم يُرِد مخالفة البخارىّ، وإن خالفه وزعم
أن لفظَه الخارج من بين شفتيه المُحْدَتَتَيْن قديم، فقد باء بأمرٍ عظيم، والظن به خلاف ذلك،
(١) صفحة ١١٨ من هذا الجزء.

- ٢٣٠ -
وإنما أراد هو، وأحمد ، وغيرهما من الأمة النهى عن الخوض فى مسائل الكلام ، وكلام
البخارىّ عندنا محمول على ذكر ذلك عند الاحتياج إليه ، فالكلام فى الكلام عند الاحتياج
واجب ، والسكوت عنه عند عدم الاحتياج سنة .
فافهم ذلك، ودع خُرافات المؤَّرِّخين، واضرب صفحاً عن تمويهات الضَّالِّين، الذين
يظُّون أنهم مُحدِّتون، وأنهم عند السنة واقفون ، وهم عنها مبعدون، وكيف يُظن
بالبخارىّ أنه يذهب إلى شىء من أقوال المعتزلة، وقد صح عنه فيما رواه الفَرَيْرِىّ، وغيره،
أنه قال: إنى لأستَجْهل مَن لا يَكَفِّرِ الجَهْمِيَّة.
ولا يرتاب المُنْصِفِ فى أن محمد بن يحيى الذُّهْلِىّ لحقتْه آفةُ الحسد، التى لم يَسْلم منها
إلا أهل العِضْمة.
وقد سأل بعضُهم البخارىّ، فما بينه وبين محمد بن يحمى، فقال البخارىّ: كَمْ يَمْتَرِى
محمد بن يحبي الحسدُ فى العلم، والعلم رزقُ الله يعطيه من يشاء.
ولقد ظَرُف البخارىّ ، وأبان عن عظيم ذكائه ، حيث قال ، وقد قال له أبو عمرو
الخفَّاف: إن الناس خاضُوا فى قولك (( لفظى بالقرآن مخلوق)): يا أبا عمرو، احفظُ ما أقول
لك: مَن زعم من أهل نيْابور، وقُومِس، والرَّىِّ، وهَمَذَان، وبغْداد، والكوفة ،
والبصرة، ومكة، والمدينة، أتى قلت: ((لفظى بالقرآن مخلوق)) فهو كذّاب، فإن لم أقلِه،
إلا أنى قلتُ : أفعال العباد مخلوقة .
قلتُ: تأمَّلْ كلامه، ما أذكاه! ومعناه - والعلم عند الله - إنبى لم أقل لفظى بالقرآن
مخلوقٍ؛ لأن الكلام فى هذا خوض فى مسائل الكلام، وصفاتٍ الله [التى](١) لا ينبغى
الخوض فيها ، إلا للضرورة ، ولكنى قلتُ : أفعال العباد مخلوقة ، وهى قاعدة مُغنية عن
تخصيص هذه المسألة بالذكر ؛ فإن كل عاقل يعلم أن لفظنا من جملة أفعالنا ، وأفعالنا مخلوقة،
فألفاظنا مخلوقة .
(١) زيادة من: ج ، د، على ما فى المطبوعة.

- ٢٣١ -
ولقد أفصح بهذا المعنى فى رواية أخرى صحيحة عنه، رواها حاتم بن أحمد [بن](١)
الكِنْدِىّ ، قال: سمعتُ مسلم بن الحجّاج، فذكر الحكاية، وفيها : أن رجلا قام إلى
البخارىّ ، فسأله عن اللفظ بالقرآن . فقال : أفعالنا مخلوقة ، وألفاظنا مِن أفعالنا .
وفى الحكاية : أنه وقع بين القوم إذ ذاك اختلاف على البخارىّ ، فقال بعضهم :
قال لفظى بالقرآن مخلوق ، وقال آخرون : لم يقل .
قلتُ: فلم يكن الإنكار إلا على مَن يتكلَّم فى القرآن .
فالحاصل ما قدمناه فى ترجمة الكراِيسِيّ، من أن أحمد بن حنبل ، وغيره من السادات
الموفَّين، نَّهَوْا عن الكلام فى القرآن جملة ، وإن لم يخالفوا فى مسألة اللفظ ، فيما نظنه
فيهم ، إجلالا لهم ، وفهما من كلامهم فى غير رواية ، ورفعا لمحلَّهم عن قولٍ لا يشهد له
معقول ولا منقول، ومن أن الكَرَابِسِىّ، والبخارىّ، وغيرهما من الأئمة الموفقّين أيضا
أفصحوا بأن لفظهم مخلوق، لَمَّ احتاجوا إلى الإفصاح، هذا إن ثبت عنهم الإفصاح بهذا،
وإلا فقد نقلنا لك قول البخارىّ ، أن مَن نقل عنه هذا فقد كذَب عليه .
فإن قلتَ : إذا كان حقًّا لِمَ لا يُفْصِح به؟
قلتُ : سبحان الله! قد أنْبأَناك أن السرَّ فيه تشديدُهم فى الخوض فى علم الكلام،
خشية أن يجرّم الكلام فيه إلى ما لا يذْبغى، وليس كل علم يُفْصَح به ، فاحفظ ما نُلْقِه (٢)
إليك ، واشْدُد عليه يديك.
ويعجبنى ما أنشده الغزالىّ فى ((منهاج العابدين))(٣) لبعض أهل البيت:
كى لا يرى الحقَّ ذو جهلٍ فِيقْتَتِناً
إِى لأكثمُ مِن عِلمى جواهرَه
لقِيلَ لى أنتَ مَن يعبدُ الوثَنَاَ
يا رُبَّ جوهرِ علمٍ لو أبوحُ به
يروْنَ أقبحَ ما يأتونَه حسناً
ولاسْتحلَّ رجالٌ صالحون دِمِى
إلى الحسينِ ووصَّى قبلَه الحسَنَا (٤)
وقد تقدَّمَ فى هذا أبو حسنٍ
(٢) فى المطبوعة: نقلته ، والمثبت من: ج ، د.
(١) زيادة من: ج، د، على ما فى المطبوعة.
(٣) منهاج العابدين صفحة ٣ . وقد نسب الغزالى الأبيات إلى زين العابدين على بن الحسين بن على ،
(٤) ورد هذا البيت فى منهاج العابدين بعد قوله: «إنى لأ كتم ... ».
كما ورد فى حاشية د.

- ٢٣٢ -
( ذكر النبأ عن وفاته رضى الله عنه )
قال ابن عَدِىّ: سمعت عبد القُدُّوس بن عبد الجَبَّارِ السَّمَرْ فَنْدِىّ، يقول: جاء البخارى
إلى خَرْتَنْك، قريةٍ مِن قَرِى سَرْ فَنْد ، على فرسخين منها ، وكان له بها أقرباء ينزل عندم ،
قال: فسمعتُه ليلة، وقد فرغ من صلاة الليل، يقول فى دعائه: اللهم إنى ضاقت علىَّ الأرض
بما رَحُبَتِ ، فَاقْبِضْنِى إليك.
قال: فما تمَّ الشهر حتى قَبِضَه الله، وقبره بخّرْتَنْك.
وعن عبد الواحد بن آدم الطَّواوِيسِيّ: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم فى المنام
ومعه جماعة من أصحابه، فسلمتُ عليه، فردّ علىَّ السلام، فقلت: ما وقوفك يا رسول الله؟
فقال: ((أَنْتَظِرُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِىّ)، فلما كان بعد أيام بلغنى مونه، فنظرنا،
فإذا هو قدمات فى الساعة التى رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم فيها.
قال الحاكم أبو عبد الله؛ سمعتُ أبا صالح خلَفَ بن محمد بن إسماعيل البخاري، يقول:
سمعت أبا حسان مِهْتَب(١) بن سُلَيم الكَرْمَانِىّ، يقول: مات محمد بن إسماعيل رحمه الله
عندنا، ليلة الفِطر، أول ليلة من شوال، سنة ست وخمسين ومائتين، وكان بلغ عمره
اثنتين وستين سنة ، غير ثنتي عشرة ليلة ، وكان مولده فى شوال ، سنة أربع وتسعين ومائة ،
وكان فى بيتٍ وحده، فوجدناه لما أصبحنا وهو مَيِّت.
وقال بكر بن مُنِير بن خُلَيد البخارىّ: بعث الأمير خالد بن أحمد الذُّهْلِىّ، مُتَولِى
بخارى إلى محمد بن إسماعيل: أن احمل إلىَّ كتاب ( الجامع)) و(التاريخ)) وغيرهما؟
لأسمع منك .
فقال لرسوله: أنا لا أُذِلُّ العلم، ولا أحمله إلى أبواب الناس، فإن كان له إلى شىء منه
حاجةٌ فليحضر فى مسجدى ، أو فى دارى ، وإن لم يعجبه هذا ، فإنه سلطان فليمنعنى
(١) فى د : مهيب، والمثبت من المطبوعة.

- ٢٣٣ -
من الجلوس؛ ليكون لى عذرٌ عند الله يوم القيامة؛ لئلاً أكتم العلم . فكان هذا سبب
الوحشة بينهما .
وقال أبو بكر بن أبى عَمْرو البخارىّ : كان سببُ منافرة البخارىّ أن خالد بن أحمد ،
خليفة الظَّاهريّة يُخارَى سأله أن يحضر منزله، فيقرأ (الجامع)) و(التاريخ)) على أولاده،
فامتنع ، فراسله بأن يعقد مجلسا خاصًّا لهم، فامتنع ، وقال : لا أخصُّ أحدا . فاستعان عليه
بحُرَيْث بن أبى الوَرْقَاء، وغيره، حتى تكلَّموا فى مذهِه، وتفاه عن البلد ، فدعا عليهم ،
فلم يأتِ إلا شهر حتى ورد أمر الظَّاهريّة بأن ينادَى على خالد فى البلد، فنُودى عليه على أتانٍ ،
وأما حُرَيث فانْتُلَىَ بأهاه، ورأى فيها ما يحِلّ عن الوصف، وأما فلان فَبْتُلِىَ بأولاده.
رواها الحاكم ، عن محمد بن العبّاس الضَّبِّىّ، عن أبى بكر هذا.
وحُرَيْث بن أبى الوَرْقاء من كبار فقهاء الرَّأْى يُبخارَى.
قال محمد بن أبى حاتم : سمعت غالب بن جبريل، وهو الذى نزل عليه أبو عبد الله،
يقول : أقام أبو عبد الله عندنا أياما، فرض، واشتد به المرضُ، حتى جاء رسول إلى
سَمَرْ فَنْدِ بإخراجه، فلما وَاَى(١)، نهيّأ للركوب، فلبس خُفَيْه وتعمَّم ، فلما مشى قدرَ
عشرين خُطوة أو نحوها، وأنا آخذ بعَضُده، ورجل آخر معى يقود الدابة ، ليركبها ، فقال
رحمه الله: أرسلونى، فقد ضعُفت ، فدعا بدعوات ، ثم اضطجع فقَضى رحمه الله ، فال منه
[ من](٢) العرق شىء لا يُوصّف، فما سكن منه العرق إلى أن أدرَجْناه فى ثيابه .
وكان فيما قال لنا ، وأوصى إلينا ، أن كفنونى فى ثلاثة أثواب بيض ، ليس فيها
قيص ، ولا عمامة ، ففعلنا ذلك .
فلما دفنَّاه فاح من تراب قبره رائحةُ غَالِية، فدام على ذلك أياما ، ثم علَت سوارىُ
بيضٌ فى السماء مستطيلة، بحذاء قبره، فجعل الناس يخْتلِفون ويتعجّبون.
وأما التراب، فإنهم كانوا يرفعون عن القبر، حتى ظهر القبر، ولم يكن يُقْدَر على حفظ
(١) فى المطبوعة: فلمارآنا، والمثبت من: ج، د. (٢) زيادة من: ج، على ما فى المطبوعة، د.

- ٢٣٤ -
القبر بالحرّاس، وغُلْنا على أنفسنا، فنصَبْنا على القبر خشبا مُشَبَّكًاً، لم يكن أحد يقدر
على الوصول إلى القبر .
وأما ريح الطِّيب، فإنه تداوم أياما كثيرة ، حتى تحدّث أهل البلدة ، وتعجّبوا من
ذلك .
وظهر عند مخالفيه أمره بعد وفاته، وخرج بعض مخالفيه إلى قبره ، وأظهرَ القوية
والندامة .
قال محمد : ولم يعِشْ غَالِب بعده إلا القليل ، ودفن إلى جانبه.
وقال أبو على النَسَّائِيّ الحافظ: أخبرنا أبو الفتح نصر بن الحسن السَّكَنِىّ ،
السَّمَرْ قَنْدِىّ، قدِمٍ علينا بَلَفْسِية عام أربع وستين وأربعمائة، قال: قُحِط المطرُ عندنا
بسَمَرْ قَنْد فى بعض الأعوام، فاستَّسْقى الناس مِزارا فلم يُسْقَوا، فأتى رجل صالح معروف
بالصّلاح إلى قاضى سَمَرْ فَنْد، فقال له: إنى قد رأيت رأيا أعرضه عليك. قال: وما هو؟
قال: أرى أن تخرج، ويخرج الناس معك إلى قبر الإمام محمد بن إسماعيل البخارىّ،
ونسْتَسقى عنده، فعسى الله أن يَسْفِيَنا، فقال القاضى: ثم ما رأيت.
خرج القاضى، والناس معه ، واستسقى القاضى بالناس، وبكى الناس عند القبر، وتشفعوا
بصاحبه ، فأرسل الله تعالى السماء بماء عظيم غزير، فقام الناس مِن أجله بخَرْ تَنْك سبعة
أيام أو نحوها ، لا يستطيع أحد الوصول إلى سَمَرْ فَنْد ، من كثرة المطر وغزارته ، وبین
سَمَرْ قَنَدِ وخَرْتَنْك نحو ثلاثة أميال .
قلتُ: وأما ((الجامع الصحيح)) وكونُه ملجأً للمعضلات، وبُجرَّباً لقضاء الحوائج
فأمر مشهور ، ولو اندفعنا فى ذكر تفصيل ذلك، وما اتفق فيه لطال الشرح .

- ٢٣٥ -
﴿ ذكر تخب وفوائد ولطائف عن أبى عبد الله﴾
قال الحاكم أبو عبد الله: ومن شعر البخارىّ، قرأت بخط أبى عمرو المُسْتَمِلِى:
وأنشد البخارى :
فعسى أن يكون موتُك ◌َفْتَهْ
اغتنم فى الفراغِ فضْلَ رکوعٍ
ذهبتْ نفسُه الصحيحةُ فَنْتَهْ
كم صحيحٍ رأيت من غيرٍ سُقْمِ
قال : وأنشد البخارى:
خالقِ الناسَ بُخُلْقٍ واسعٍ لا تكنْ كاباً على الناسِ نَّهِرّ(١)
قال : وأنشد أبو عبد الله :
مِثلُ البهائمِ لا ترى آجالَها حتى تُساقَ إلى المجازرِ تُنْحَرُ
قال: وأنشد البخارى:
إِن تَبْقَ تُفُجَعْ بالأحبَّةِ كَلِمْ وفَنَاءُ نفسِك لَا أبالَكَ أَنْجِعُ
قلت : هذا أحسن وأجمع من قول القائل :
وَمَنْ يُعَّ يِلْقَ فى نفسِهِ ما يتمنَّهُ لِأعْدائِهِ
ومن قول الطَّفْرَاتِيّ :
هذا جزاء امرِئٍ أفرانُهُ دَرَجوا مِن قبله فتمََّى فُسحةَ الْأَجَلِ
وهى من قصيدته التى تسمى (( لاميّة العجم)) ، وهى هذه(٢) :
أصالةُ الرَّأىِ صانْنى عن الخطَلِ وحِلْية الفضل زانثنى لدَى الْعَطَّلِ
مجدى أخيرا ومجدى أوَّلاً شَرَعَ
والشمسُ رَأْدَ الضُّحى كالشمسِ فِى الطَّفَلِ(٣)
(١) فى ج : بخلق واسمع. والمثبت فى المطبوعة، د.
(٢) شرح الصفدى هذه القصيدة شرحا وافيا، وأفرد لهذا مصنفا سماه: ((الغيث المجم فى شرح لامية
(٣) شرع: سواء. ورأد الضحى: ارتفاعه. والطفل: ما بعد العصر.
العجم)» ..

- ٢٣٦ -
فِى مَ الإقامةُ بالزَّوْراءِ لا سكنى بها ولا ناقتى فيها ولا جملِى(١)
كالسيفٍ مُرِّىَ مَتْنَاهُ مِن الْخِلَلِ (٧)
ناء عِنْ الأهلِ صِفْرُ الرَّحْل منفردٌ"
فلا صديقٌ إليه مُشْتكَى حَزَّفِ
ولا أنيسٌ لديهِ مُنتَهِى جَدَّلِ
طال اغترابِىَ حتَّى حنَّ رَاحَتِى وَرَحِلُهَا وَقِرَى الصَّلةِ الُّبْلِ (٢)
وضحَّ مِن لَغَبٍ نِضْوِى وَعَجَّ لِمِنا.
يَلْقَى رِكَابِى والجَّ الركبُ فِى عَذَلِ (٤)
أُريدُ بَسْطَةً كفٍ أَسْتعِينُ بها على قضاء حقوقٍ للعلى قَبَلِى
مِنْ الغنيمةِ بعد الكَدِّ بَالْقَفَلَ (٥)
المثلِهِ غيرِ هِيَّابٍ ولا وَ كِلٍ (٦)
بقوّةِ البأسِ مِنه رِقَّةُ الغَزَلِ (٧)
والليلُ أغرى سَوامَ النَّومِ بِالْمُقَلْ (٨)
صاحٍ وآخرَ مِن خَرِ الكرى فَمِل (٩)
وأنتَ تخذُلُنِى فِى الحادثِ اَلْجَلَلَ (١٠).
والدَّهْرُ يعكسُ أَمَالِ وَيُقِنِعُنِى ..
وذِى بَشِطاطٍ كصدْرِ الرُّمحِ مُعْتَقِلٍ
حُلِ الْفُكَاهِةِ مُرِّ الَجِدِّ قَدٍ مُزِجِتٍ
طردتُ سَرْحَ الكرى عن وِرْد مُقَلْتِهِ
والركيُ مِيلٌ على الأكْوارِ مِن طَرِبٍ
فقلتُ: أَدْعوكَ الجُلَّ لِتَنْصُرِّ
تنامُ عينى وعينُ النَّجَمِ ساهرَةٌ وَتَسْتَحِيلُ وصَبْغُ اللَّيْلِ لم يَخُلِ (١)
فهل تُِّين على غَيّ هَمَمتُ بِهِ والغَىُّ يزجُر أحياناً عِنْ الفَشَّل
(١) الزوراء: بغداد. (٢) فى الأصول: منفردا، والمثبت من الغيث ١١٥/١، وفيه: صفر الكف.
عن الخلل. والخلل: بطائن كانت تغشى بها أجفان السيوف، منقوشة بالذهب وغيره. (٣) القارية من السنان:
أعلاه، والعامة: الرماح ، والذيل: جمع ذابل، وهو من صفات الرمح، كأنه يصف الرماح بالخفة والدقة.
(٤) اللغب: الإعياء والتعب، والنضو: البعير المهزول، والعجيج: رفع الصوت، وفى الفين
(٦) الشطاط - بالفتح والبكس :
(٥) القفل: الرجوع من الفر.
١٦٦/١: ألقى .
اعتدال القامة ، واعتقال الرمح: أن يضعه الفارس بين ساقه وركابه، والوكل: العاجز يكل أمره إلى غيره.
(٧) فى ج : بقسوة الناس فيه رقة الغزل، وفى د: بقوة البأس فيه، وفى الفيث ٢٥٠/١: بشدة
البأس منه. والمثبت فى المطبوعة. (٨) البرح: السائم. (٩) ميل: جمع أميل ، وهو الذى لايستوى
(١٠) الجلى: الأمر العظيم. (١١) الاستحالة: التغير، والصبغ: اللون.
على السرج .

- ٢٣٧ -
إِنِّى أُريدُ طُروقَ الجزعِ مِن ◌ِضَمِ وقد حماءُ رماءُ الحىِّ مِنْ ثُمَلٍ (١)
يحمون بالبيضِ والسُّعْرِ اللََّانِ بِهِ
فِرْ بنا فى ذِمامِ الليلِ مُهتدِياً
فالِحِبُّ حيث الِدى والأُسْدُ رابِضةٌ
نَوْمُّ نَاشِئةً بالجِزْعِ قد سُقِيَتْ
قد زادَ طيبَ أحاديثِ الكرامِ بها
تبيتُ نارُ الهوى منهنَّ فى كِبِدٍ
يَقْتُلْنَ أَنْضَاءَ حُبٍ لا حَرَاكَ بِهِ
يُشْفَى لديغُ المَوالى فى بيوتهمُ
لعلَّ إِلْمامةً بالجِزْعِ ثانيةً
لا أكْرُهُ الطَّنَةَ النَّجْلَاءِ قد شُفِعَتْ
ولا أهابُ الصَّفَاحَ البِيضَ تُسْعِدْنى
سودَ الغدائرٍ ◌ُرَ الخَلْىِ والخَلَلَ (٣)
فَنَفْجَةُ الطَّيبِ تَهْدِينا إلى الحِلَلِ(٣)
حولَ الكِناسِ لها غابٌ مِنِ الأسَلِ (٤)
فِصالُها بمياهِ الفُنْجِ والكَحَلِ (٥)
ما بالكرائمِ مِن جُبْنٍ ومِن ◌َخَلٍ
حَرَّى ونارُ القِرى منهم على القُلَلَ (٦)
وينحرون كِرامَ الحيلِ والإبل (٧)
بِفَهْلَةٍ مِنْ غديرِ الْخَرِ والعَسَلِ (٨)
يَدِبُّ منها نسيمُ البُرْءِ فِى عِلَلى
بِرَشْقَةٍ مِن ◌ِالِ الأعْيُنِ النُّجُل
باللَّمْحِ مِن صِفَحاتِ البَيْضِ فى الكِلَلِ(٩)
(١) الطروق: هو المجىء بليل، والجزع: منعطف الوادى ووسطه. وإضم: جبل بأرض المدينة،
وثعلى: أبوحى من طى، وهم مشهورون بإتقان الرمى. وفى الغيث ٣٣٠/١: طروق الحى.
(٢) البيض: السيوف، والسمر: الرماح ، واللدان: جمع لدن، وهو اللين.
(٣) الذمام: الحزمة، والحلل: جمع حلة، وهى بيوت القوم. وفى الغيث ٣٤٦/١: معنفا.
(٤) الحب - بالضم -: المحبة، وبالكسر: الحبيب، والمكناس: موضع الظبى الذى يكنه ،
والأسل : نبات طويل له شوك، والمراد هنا الرماح . وفى ج: حول الكباش.
(٥) الأم: القصد ، والكحل: سواد يعلو جفون العين مثل الكحل ، من غير اكتحال .
. (٦) القلل: جمع قلة، وهى أعلى الجبل. وفى ج. على قبل، وفى المطبوعة: على قلل. والمثبت
من: د، والغيث ١ / ٠٣٨٣ (٧) فى ج: يقللن. والمثبت من المطبوعة، د، والغيث ٣٩٥/١،
(٨) فى ج : الغوالى، والمثبت من :.
وفيه : لا حراك بهم . ونضو الحب : من أسقمه الهوى .
المطوعة، د، والغيت ٤٠٨/١، والعوالى: الرماح. والنهلة: الشربة الواحدة.
(٩) فى ألفيت ٢ / ١٧: باللمح من خلل الأستار والكلل. والصفاح البيض: السيوف العريضة.
وانيض: الفاء، والكلل: جمع كلة، وهى الستر الرقيق، يخاط كالبيت ، يتوقى به.

- ٢٣٨ -
ولا أُخِلُّ بِزْلَانٍ أُغَازِلُها
"حبُّ السَلامَةِ يَغْفِ هم) صاحِبِه
فإن جِنَحتَ إليه فَاتَّخِذُ نَفَقَاً
ودَعْ غِرَ العُلى للْمُقدِمِين على
إِنَ الذَّليلِ بِخَفْضِ العيْشِ مَسْكَنَةُ:
قادراً بها فى نحورِ البيدِ جافِةً
إنَّ العُلى حدّسَى وهى انته
لوْ أَنَّ فِى شِرفِ المأوى بلوغَ عُلَّا
أهْتُ بالحظِّ لو ناديتُ مُستِعاً
لعلَّهُ إِنْ بَدَا فَضْلِى ونقصُهُمُ
أُعَلِّلُ النفسَ: بالآمالِ أرقبُها
لم أرضَ بالعيْشِ والأيَّامُ مُقْبِلةٌ
غَالَى بِنْسِىَ عِرْفَانِ بِقِيَتِها
وعادَةُ النَّصْلِ أن يُزْهَى بَجَوْهَرِهِ
ولو دَهَتْنِى أُسُودُ الْغِيلِ بَالْغِيَلِ (١)
من المعالى ويُغْرِى المرءِ بِالكَبَلِ.
فى الأرضِ أو مصْعَدًا فى الجوِّ فَاعْتَزِ لٍ(٣)
رُكونها واقْتَنِعْ مَنْهُنَّ بِالبَلَّلِ
والعِزُّ عند رَسِمِ الأَيْثُقِ الذَّلُلِ(٢)
مُعارِضاتٍ مَثَنِ اللُّجْمِ بِالْجِدُلِ(٤)
فيما يُحدِّثُ أَنَ الْعِرَّ فِى الْمَُّلَ
لم تبرحِ الشمسُ يوماً دارَةَ الْحَمَلِ (٥)
والحظُّ عنَِّ بِالْجَمَّال فى شُغُل
لَغَيْنِهِ: نامَ عنْهُمْ أوْ تَبَّهَ لِ
مَا أَضْيقَ العيشَ لولا فُسْحَةُ الأَمَلِ(؟؟
فكيف أرْضى وقد، وَأَّتْ على عَجَلٍ (٧)
فصُنْتُها عن رخيصِ القَدْرِ مُبْتَذَلِ
وليس يعملُ إلَّا فِى يَدَىْ بَطَلَ (٨).
(١) فى ج: ولا أجل، والمثبت من المطبوعة، د، والغيث ٢ / ٣٠. وأخل بالشىء: قصر فيه.
أو تركه ولم يأت به ، والفيل: الأجمة، والشجر الملتف. والفيل: الدواهى. (٢) فى الغيث ٤٤/٢: أودا.
(٣) فى المطبوعة: يرضى، وفى ج: يرضى الذليل بخفض العيش يخفضه. والمثبت من: د، وفيه: منقصة. والغيت
٢ /٠٦١ والرسيم: ضرب من سين الإبل. (٤) ادرأ بها: ادفع بها، جافلة: مسرعة منزعجة ،
معارضات: مقابلات ، والمثانى: جمع مثنى، واللجام للخيل بمثابة الزمام الناقة ، والجدل: جمع الجديل ،
(٥) فى الغيث ٩٠/٢: بلوغ منى. والدارة: تكون الشمس
وهو زمام الناقة المجدول من آدم .
والقمر ، ولعله أراد بها ما يدور حول الشىء، والحمل: أول برج من بروج الكواكب الاثنى عشر.
(٦) فى الغيث ١٣١/٢ : ما أضيق الدهر.
(٧) فى الغيث ١٥٣/٢: لم أرتش العيش.
(٨) فى ج : فليس، والمثبت من المطبوعة، د،
الغيت ١٦٥/٢، وزهى الرجل بكذا - بالبناء للمفعول - تاه وتكبر. وهو ما نطقت به العرب على سبيل
المفعول وإن كان بمعنى الفاعل .

- ٢٣٩ -
ما كنتُ أُوِيْرُ أن يمتدَّ بِى زمَينِ
تقدَّمَتْنِى رجالٌ كان شوطُهمُ
هذا جزاء امْريٍّ أقرانُهُ دَرَجُوا
وإن عَلانِىَ مَن دُونى فلا تَجَبٌ
فَاصْبِرْ لها غيرَ مُتالٍ ولا ضَجِرٍ
أُعْدَى عَدُوِّك أدْنى مَن وَثِقْتَ بِهِ
وإنَّما رجلُ الدُّنيا وواحدُها
وحسنُ ظَنِك بالأيَّامِ مَعْجَزَةٌ
غاضَ الوفاءِ وفاضَ الغَدْرُ وانْفِرِجَتْ
وشانَ صِدْفَك عند الناسِ كِذْبُهُمُ
إن كان ينْجَعُ شىءٌ فى ثباتِهِمُ
يا واردًا سُؤْرَ عِيْشٍ كُلُّهُ كَدَرُ
فى مَ اعْتَراضُك ◌ُجَّ البحرِ تركبُهُ
مُلكُ القناعةِ لا يُخْشَى عليهِ ولا
ترجُو البقاءَ بدارٍ لا ثباتَ لها
أيا خبيراً على الأسْرارِ مُعلَّلِماً
حَّى أَرَى دَوْلةُ الأوْغادِ والسَّغَلِ
وراءَ خْطَوِىَ لَوْ أمْشى على مَهَلٍ (١)
مِن قَبِلِه فتمَّى فُحَّةَ الْأَجَلِ
لى أُسْوةُ بانْحطاطِ الشمسِ عن زُحَلٍ (٢)
فى حادثِ الدَّهرِ ما يُغْنِى عن الحَيَلِ
حاذِرِ الناسَ وَاصْحَبْهُمْ على دَخَلِ (٣)
مَن لا يُعَوِّلُ فى الدنيا على رَجُلِ
فظُنَّ شَرًّا وَكُنْ منها على وَجْلِ
مسافةُ اُلْخَلْفِ بين القولِ والعَمَلِ
وهل يُطَابَقُ مُعْوَجٌ بِمُعْتَدِلِ (٤)
على الْعُهودِ فَسَبْقُ السيفِ لِلْمَذَلِ (٥)
أَنْفَقْتَ صَفْوَكَ فِى أَيَّامِكِ الأُوَلِ
وأنتَ يَكْفيكَ منه مَصَّةُ الْوَشَل (٦)
يُحتاجُ فِيهِ إلى الأنْصَارِ والَوَلِ (٧)
فهل سمعتَ بِظِلٍّ غيرٍ مُنْتَقِلٍ
أصمُتْ فى الصَّمْتِ مَنْجَاةٌ مِنَ الزَّكَلِ (٨)
(١) فى المطبوعة: ولو، وفى ج: إذ أمشى، والمثبت من: د، والفيث ١٨٥/٢.
(٢) زحل: نجم من النجوم الخفى فى السماء السابعة. (٣) الدخل: المكر والخديعة.
(٤) شان الشىء: عابه. (٥) تجع فى ثباتهم: أفاد ثباتهم، والعذل: اللوم، وهو من قول العزب ((سبق
السيف العذل)) يضرب مثلا فى الأمر الذى لا يقدر على رده، راجع أصل المثل فى: الغيث ٣١٩/٢.
(٦) فى الغيث ٣٤٤/٢: فيم اقتحامك، والج: معظم الماء، والوشل: الماء القليل.
(٧) خول الرجل : حشبه ، الواحد : خائل ، وقد يكون الخول واحدا، وهو اسم يقع على المعبد
والأمة. (٨) فى ج: أنصت ففى الصمت منجاة عن الزلل. والمثبت فى المطبوعة، د، والفيث ٢٧٦/٢.

- ٢٤٠ -
فارْبَأْ بَنَفْسك أن تَرْعَى مع الْهَمَل(١)
قد رشَّحُوكَ لأمْرٍ لو فَطُنْتَ لهُ
• فى صحيح البخارى(٣) عن الحسن: أن مَن عليه صوم رمضان، إذا مات ، فصام عنه
ثلاثون رجلا فی یوم واحد اجزاء.
(فرع غريب)
يقع تفريعا على القول بأنه يُصام عن الميت، وقد ذكره النَّوِىّ فى (شرح المهذب))،
وقال: لم أرَ لأصحابنا فيه كلاما، قال: وهو الظاهر.
وكذلك قال الوالد فى ((شرح المنهاج)): إن ما قاله الحسن هو الظاهر، الذى نعتقده.
استدل البخارىّ(٣) على جواز النظر إلى المخطوبة، بقول النبيِّ صلى الله عليه وسلم
أعائشة رضى الله عنها: « رَأَيْتُكِ فِى الْعَنَرِ يَجِىءُ بِكِ الْمَلَكْ فِى سَرَقَةٍ(٤) مِنْ حَرِيرٍ،
فَقَالَ لِى: هَذِهِ امْرَ أَنْكَ، فَكَثَفْتُ عَنْ وَجْهِكِ الثَّوْبَ؛ فَإِذَا أَنْتِ هِىَ)) .
قال الوالد رحمه الله فى (شرح المنهاج)): وهذا استدلال حسن؛ لأن فعل التىّ
صلى الله عليه وسلم فى النوم واليقظة سواء ، وقد كشف عن وجهها.
• ذكر أبو عاصم الطَّادِىّ، أن السَّاجِىّ، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل، عن
الحسين، عن الشَّافعىّ، أنه قال: بُكْرَه أن يقول الرجل: قال الرسول. بل يقول: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ليكون مُعظِّها. انتهى.
والحسين: هو الكَرَائِيِىّ، ومحمد بن إسماعيل: هو البخارىّ. فيما ذكر أبو عاصم.
(١) فى ج: على الهمل، والمثبت من المطبوعة، د، والغيت ٣٨٧/٢. والحمل: الإبل بلا راع.
(٢) صحيحه فى ( باب من مات وعليه صوم، من كتاب الصوم) ٤٥/٣ .
(٣) صحيحه فى (باب النظر إلى المرأة قبل التزويج، من كتاب النكاح) ١٨/٧
(٤) فى المطبوعة: شقة والتصويب من: ج، د والصحيح ١٩٨/٧. والسرقة:شقة الحرير
الأبيض ، أو الحرير عامة .