النص المفهرس
صفحات 201-220
- ٢٠١ - وقد ساقه الشُّهَيْلِىّ فى ((الروض الأُنْفُ))(١) بدون إسناد . ونحن زى(٣) أن نذكر حديث زيان بن قيسور، فإن ابن الأثير لم يذكره فى ((نهاية غريب الحديث )) مع شدة تفحصه ، فنقول : عن زبّان بن قيسور رضى الله عنه ، قال : رأيت النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، وهو نازل بوادى الشَّوْحَط، فكلمته ، فقلت: يا رسول الله، إن معنا لُوباً، كانت فى عَيْكَمَ، لنا به طِرْمٍ وشَمَعَ(٣)، فجاء رجل فضرب مَيَّتَيْن فأنتج حيًّا، وكَفَّتَه بالثُّمام، وَ نَحَه ، فطار اللُّوب هاربا، ودَلَى (٤) مِشْوارَهُ فى العَيْلَم، فاشتار العسل ، فمضى به. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَلْمُونَ، مَلْعُونْ مَنْ سَرَقَ شَرْوَ قَوْمٍ فَأْضَرَّ بِهِمْ. أَفَلَا تَبِعْتُمْ أَثَرَهُ ، وَعَرَ فْتُمْ خَبَرَهُ! )) قال: قلتُ يا رسول الله: إنه دخل فى قوم لهم مَنّة ، وهم جِيرتُنا(٥) من هُذَيل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((صَبْرَكَ، صَبْرَكِ، تَرِدْ نَهْرَ الْجَنَّةِ ، وَإِنَّ سَعَتَهُ كَمَا بَيْنَ الْغَيْقَةِ وَالسُّحَيْفَةِ، يَتَسَبْسَبُ جَرْبًا بِعَسَلِ صَافٍ مِنْ قَذَاهُ، مَا تَقَيَّاهُ لُوبٌ، وَلَا مَجّهُ نُوبٌ)) حديث غريب. وكان صلى الله عليه وسلم قد أونى جوامع الكلم ، فيخاطب كل قوم بلغتهم . ((واللُّوب)) بضم اللام وسكون الواو: النحل. قاله الشُّهَيْلِىّ، وحكاه ابن سِيدَه فى (المحكم)» وأغفله الجَوْ عَرِىّ، والْأَزْهَرِىّ. و «العَيْلَ)) بفتح العين المهملة وسكون آخر الحروف، قال السُّهَيْلِىّ: هى البئر، وأراد بها هنا وَقْبَةَ(٦) النحل أو الخليّة، وقد يقال لموضع النحل إذا كان صَدْعا فى جبل: شِيقٌ" وجمعه شِيقَان(٧) . (٢) فى ج : ريد. والمثبت من: ج ، د . (١) ٢ /١٧٠. (٣) فى الأصول: سمع، والمثبت من السهيلى، والشع معروف. (٥) فى الروض الأنف : جيراننا . (٤) فى الأصول : وولى . والتصويب من السهيلى. (٦) فى الأصول: وفيه. والتصويب من السهيلى، والوقبة: النقرة فى الصخر يجتمع فيها الماء. (٧) فى الأصول : شنق وجمعه شنقان . والتصويب من السهيلى. القاموس (وق ب) . - ٢٠٢ - و («الطِّرْم)) بكسر الطاء المهملة وإسكان الراء: العسل عامة. قاله ابن سيده وغيره، وحكى الأزْهَرِىّ عن الليث أنه الشَّهْد. وقوله: (( فضرب ميتين فاستخرج حيًّا) يريد أورى نارا من زَندين ضربهما ، فهو من باب الاستعارة ، شبه الزناد والحجر بالميتين؛ والنار التى تخرج منهما بالحىّ و (الثَّعام)» قالِ الْجَوْهَرِىّ: «نبت ضعيف ذو خَوِص، وربما حُشِىَ منه أوسُلٌ به خَصَاص البيوت)). فمعنى قوله أنه كفنه بالثّمام: أنه ألقى ذلك النبت على النار التى أوراها، حتى صار لها دخان، وهو المراد بقوله ((نَحْسِهِ)) قال الشُّهَيْلِىّ: يقال لكل دخان نُخَاسِ (١)،. ولا يقال إيام(٢) إلا لدخان النحل خاصة، يقال آمَهاَ يُؤُومُها إذا دَخَّتها، قاله أبو حنيفة. ويقال: شار العسل يَشُورُه ويشْتاره، إذا اجْتناه مِن خلاياه ومواضعه. و ((الِنْوار)) الآلة التى يُقطَّف بها. وقوله صلى الله عليه وسلم: (( مَنْ سَرَقَ شِرْوَ قَوْمٍ)) كذا هو فى أصل مُعتَمَد بكسر الشين المعجمة وإسكان الراء وبعدها واو، لم أجد هذه اللفظة فى كتب اللغة (٣). وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم عن نهز الجنة ((سَعَتْهُ مَا بَيْنَ اللَّفَيقَةِ وَالسُّحْمَةِ» وكأنهما اسم موضعين يعرفهما المخاطَب، وألفيتُهما كذلك مضبوطين، بضم أولهما وقوله صلى الله عليه وسلم: ((صَبْرَكَ، صَرّك)) أضمر فيه الفعل، أى الزم صبرك، وأغنى انتكرار عن لزوم الفعل كما فى التحذير . و ((يَتَسَبْسَبُ)) أى يجرى. قال الأزْهَرِىّ: يقال سَبْسَب، إذا سار سيراً ليّنًا؛ فكأنه استغير الجريان الشهر باللبن. و ((النُّوب)) أيضا من أسماء النحل، وهو يضم النون وإسكان الواو، قال أبو ذُوَّيْبِ (٤): (١) فى القاموس (ن ح س) بتثليث النون، وفى اللسان (نج س). ٢٢٧/٦: بضم النون وقبل بكسرها. (٢) فى الأصول : أتام، والتصويب من القاموس (أوم). (٣) فى القاموس (شور): الشور - بفتح الشين - العسل المشور. (٤) البيت له فى ديوان الهذايين ١٤٣/١. ٠ - ٢٠٣ - إذَا لسعتْهُ النحلُ لم يَرْجُ لسعَهَا وحاَلَفِها فِى بَيْتِ نُوبٍ عَوَاسِلٍ (١) أى لم يخفْ لسعَها. قال أبو عُبَيدة: سُمِيِّت نُوباً، لأنها تضرب إلى السواد . ومن هذا المِمْيع يقال له ((باب المُعاياة) وصنف فيه الفقهاء فأكثروا: • ورَوَوا أن رجلا قال لأبى حنيفة: ما تقول فى رجل قال: إنى لا أرجو الجنة، ولا أخاف النار، وآكل الميتة والدم ، وأصدِّق اليهود والنصارى ، وأبغض الحق ، وأهرب مِن رحمة الله، وأشرب الخمر، وأشهد بما لم أرَ، وأحب الفتنة، وأصلى بغيروُضوء، وأترك الغسل من الجنابة ، وأقتل الناس ؟ فقال أبو حنيفة لمن حضره : ما تقول فيه ؟ فقال : هذا كافر . فتبسم، وقال : هذا مؤمن . أما قوله: لا أرجو الجنة، ولا أخاف النار، فأراد : إنما أرجو وأخاف خالقهما . وأراد بأكل الميتة والدم ، السمكَ والجراد ، والكبد، والطِّحال. وبقوله: أصدق اليهود والنصارى، قول كل منهم: إن أصحابه ليسوا على شىء ، كما قال تعالى حكاية عنهم. وبقوله: أهرب مِن رحمة الله: الهروبَ من المطر. وبقوله: أبغض الحق ، يعنى الموت ؛ لأن الموت حق لا بد منه . وبشرب الخمر ، شربه فى حال الاضطرار . ويحب الفتنة، الأموال والأولاد، على ما قال تعالى: ﴿إِنََّا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُ كُمْ فِتْنَةٌ﴾(٢) . وبالشهادة على مالم يرَ، الشهادة بالله، وملائكته ، وأنبيائه ، ورسله . (١) فى ديوان الهذليين: إذا لعته الدير. ورواية: وخالفها. وفى ج، د: ذوب عوامل. (٢) سورة التغابن ١٥. - ٢٠٤ - وبالصلاة بغير وضوء ولا تيمُّم ، الصلاة على النبيِّ صلى الله عليه وسلم وبترك الغسل من الجنابة ، إذا فقد الماء . وبالناس الذين يقتلهم، الكفار، وهم الذين سماهم الله ﴿النَّاسَ﴾ فى قوله: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾(١). • ورُوِىَ أن محمد بن الحسن سأل الشافعىَّ عن: خمسة زَنَوا بامرأة ، فوجب على واحد القتل؛ والآخر الرجمُ، والثالث الحدُّ، والرابع نصفُ الحد، ولم يجب على الخامس شىء . فقال الشافعىّ: الأول ذِمِّىٌّ زنى بمسلمة، فانتقض عهدُه، فُيُقتل. والثانى زانٍ مُحصَّن، والثالث بكر حر، والرابع عبد، والخامس مجنون . • ورُوِىَ أن الشافعىَّ رضى الله عنه سُئِل عن: امرأة فى فيها لقمة ؛ قال زوجها. إن بلغتِيها فأنت طالق، وإن أخرجْتيها فأنت طالق. ما الحيلة؟ قال : تبلع نصفها ، وتُخرِج نصفها . وأنه جاء رجل إلى أبى حنيفة رضى الله عنه، فقال: خلفتُ بالطلاق لا أكلِّم امرأتى قبل أن تكلُّمنى. فقالت: والعِتاقُ لازمْ لى لا أكلك قبل أن تكلّمنى. فكيف أصنع؟ فقال: اذهبْ فكِّمْها، ولا حِنْثَ عليكا. فذهب إلى سفيان الثَّوْرِىّ، فجاء سفيان إلى أبى حنيمة مُغْضَباً، فقال: أتُبِيحُ الفروجَ! قال أبو حنيفة: وما ذاك؟ فقص له القصة، فقال أبو حنيفة: هو كذا؛ إنها لمَّا قَلَتْ له : إن كُلْتُكَ فعلىَّ العِتاقُ شافهَتْهُ بالكلام، فانحلَّتْ يمينه، فإذا كلها بعدُ لم يقع الطلاق. فقال سُفيان: إنك لتكشف ما كنا عنه غافلين ... · وعن أبى يوسف القاضى، قال: طلبنى هارون الرشيد ليلا، فلما دخلت عليه إذا هو جالس ، وعن يمينه عيسى بن جعفر ، فقال لى: إن عند عيسى جاريةً، وسألته أن =يسبَها لى فامتنع ، وسألته أن يبيعها فامتنع . (١) سورة آل عمران ١٧٣. - ٢٠٥ - فقلتُ: وما منعك مِن بيها، أو هِبِّها لأمير المؤمنين ؟ فقال : إن علىَّ يمينا أن لا أبيعها ولا أهبها . فقال الرشيد: فهل [ له)(١) فى ذلك تَخرَج؟ قلت : نعم، يهبُ لك نصفَهَا، ويبيعُك نصفها؛ فيكون لم يهبها، ولم يسعْها . قال عيسى: فأُشْهِدك أ:، قد وهبْتُك نصفَهَا، وبعتُك نصفَهَا. فقال الرشيد بعد ذلك: أيها القاضى، بقيتْ واحدة .. فقلت : وما هى ؟ فقال: إنها أمة، ولابد من استثرائها ، ولا بد أن أطلبها فى هذه اليلة. فقلتُ له : أعتْها، وتروجْها؛ فإن الْحرَّةَ لا تُستَبْرَأ. ففعل ذلك، فعقدتُ عقدَه عليها، وأمر لى بمال جزيل . • وحضرت امرأة إلى أمير المؤمنين المأمون ، فقالت : يا أمير المؤمنين ، إن أخى مات وترك ستمائة دينار، فلم أُعْطَ إلا دينارا واحدا. فقال: كأنى بكِ قد ترك أخوك زوجة، وأما، وبنتين ، واثنى عشر أخا، وأنت . فقالت : نعم ، كأنك حاضر . فقال: أعْطَوْكِ حقَّك، للزوجة ثُمَنُ الستمائة، وذلك خمسة وسبعون دينارا، وللام السُّدُس، وذلك مائة دينار، وللبنتين التَّاثَان، وذلك أربعمائة دينار، وللاثنى عشر أخا أربعة وعشرون ديناراً ، ولك دينار واحد . • وسُئل القَفَّل عن: بالغ عاقل مسلم، هتك حِرْزا، وسرق نِصابًا لا شبهة له فيه بوجه ، ولا قطع عليه ! فقال: رجل دخل فلم يجد فى الدار شيئاً ، فقعد فى دَنّ . فجاء صاحب الدار بمال ووضعه، تخرج السارق وأخذه وخرج ، فلا يُقْطَع؛ لأن المال حصل بعد هَتْك الحِرْز. - (١) زيادة من : ج ، د. - ٢٠٦ • وسُئل بعض المشابخ عن: رجل خرج إلى السوق، وترك امرأته فى البيت ، ثم رجع فوجد عندها رجلا ، فقال: ما هذا؟ قالت : هذا زوجى ، وأنت عبدى ، وقد بمتُك. فقال الشيخ: هو عبدٌ زوَّجه سيدُه بابنته، ودخل العبديها، ثم مات سيدُهُ، ووقعت الفُرْفَةُ؛ لأنها ملكتْ زوجَها بِالإِرْث، ثم إنها كانت حاملا، فوضعتْ، فانقضت العِدَّة، فتزوَّجتْ ، وباعت ذلك الزوجَ ؛ لأنه صار عبدها . وسُئل آخر عن: رجل نظر إلى امرأة أوَّلَ النهار وهى حرام عليه، ثم حلّتْ ضَجْوَةً، وحرُمت الظهرَ، وحلَّت العصر، وحرمت المغربَ، وجلَّت العشاء، وحرمت الفجْرَ ، وحلَّت الضُّحى ، وحرمت الظهرَ! : فقال: هذا رجل نظر إلى أمَّةٍ غيرِهِ بُكْرَةً، واشتراها ضَحْوَةً، وأسقط الاستبراء بحيلةٍ حلَّت له، وأعتقها الظهرَ فحرمت عليه، فتزوَّجها العصرَ حلَّت، فظاهر منها المغرب تحرمتْ، فكفَّر عن يمينه العشاء مخلت، فطلَّقَها عند الفجر خرمتْ، فراجعها ضَحْوَةٍ خلت، فارتدَّتْ الظهرَ خرمتْ . ولك أن تزيد ، فتقول: ثم حلَّت العصرَ، ثم حرمت المغربَ حرمةً مُؤَّيَّدَةً؛ وذلك بأن تكون أسلمت العصر فبقيت على الزوجيّة، ثم لاعنها المغرب . • وسُئل آخر عن: امرأة لها زَوْجَان، ويجوز أن يتزوَّجها ثالثْ ويطأها ! فقال: هذه امرأة لها عبدٌ وأمة، زوَّجت أحدَهما بالآخر، فيصدق أنها امرأة لها زَوْجان. واللام فى ((لها)) للملك، وإذا جاء ثالث حر أراد نكاحها فله ذلك. • وسُئل آخر عن: رجل قال لامرأته ، وهى فى ماء جارٍ : إن خرجت من هذا الماء فأنت طالق ، وإن لم تخرجنى فأنت طالق . فقال: لا تُطَلَّق، خرجتْ أو لم تخرج؛ لأنه جرَى وانفصل. نقله الرافعيّ فى ((فروع الطلاق )) . • وسُئل آخر عن: رجل تكلّم كلاما فى بغداد، فوجب على امرأةٍ (١) بمصر أن تعيد صلاة سَنة! (١) فى : ج، د : امرأته. والمثبت من المطبوعة. - ٢٠٧ - فقال : هذه جاريته، أعتقها ببغداد، وهى بمصر، ولم يبلغها الخبرُ إلا بعد سنة، وكانت تصلى مكشوفةً الرأس، فإذا بلغها الخبرُ، يجب عليها إعادة الصلاة؛ لأن صلاة الحرة مكشوفةَ الرأس لا تصحّ . • وفى ((الرافعىّ)) فى رجل قال لامرأته: إن لم أقل لك مثل ما تقولين لى فى هذا المجلس فأنت طالق. فقالت'(١): أنتَ طالق -: إن الحيلة فى عدم وقوع الطلاق أن يقول: أنتِ تقولين أنتَ طالق . قلتُ: وفيه نظر ، فإن صيغتَها ((أنتَ)) بفتح التاء، وصيغته ((أنتٍ)) بكسرهما إذا أراد خطابها بالطلاق فقد يقال: يقول كما قالت: ((أنتَ طالق)) بفتح التاء، ولا يقع الطلاق؛ لأنه خطاب المذكر، فلعلها قالت له ((أنتِ طالق)) بكسر التاء. ٥٣ محمد بن إدريس بن المنذر بن داود بن مِهْران، الفَطَّفَا فِىّ الحَنْظَلِىّ، أبو حاتم الرَّازِىّ* أحد الأئمة الأعلام . ولد سنة خمس وتسعين ومائة . سِمِع عُبيد الله بن موسى ، وأبا نُعَيم ، وطبقتهما بالكوفة. ومحمد بن عبد الله الأنصارىّ، والأصْمَعِىّ، وطبقتهما بالبصرة. وعَفَّان، وهَوْذَة بن خليفة(٢) ، وطبقتهما ببغداد . وأبا مُسْهِر ، وأبا الجماهر محمد بن عثمان(٣)، وطبقتها بدمشق. (١) فى المطبوعة : فقالت له . * له ترجمة فى: تاريخ بغداد ٢ /٧٢، تهذيب التهذيب ٣١/٩، شذرات الذهب ١٧١/٢، تذكرة الحفاظ ١٣٢/٢، طبقات القراء ٩٧/٢، العبر ٥٨/٢ (٢) فى المطبوعة، د: هودة. والمثبت من: ج، والطبقات الوسعلى، تارخ بغداد، تذكرة الحفاظ، (٣) هو كذلك فى تهذيب التهذيب ٣٣٩/٩، وفى العبر وفى تهذيب التهذيب : هوذة بن خالد . ٢٩٢/١: محمد بن عمر . - ٢٠٨ - وأبا اليمان، ويحسبى الوُحَاظِىّ، وطبقتهما بحمْصَ . وسعيد بن أبى مريم، وطبقته بمصر. وخلقاً بالنواحى ، والثغور . وتردد فى الرحلة زمانًا. قال ابنه: سمعتُ أبى يقول: أول سنة خرجتُ فى طلب الحديث أقْتُ سبع سنين، أحصيتُ مامشيتُ على قدى زيادة على ألف فرسخ، ثم تركت العدد بعد ذلك، وخرجتُ من البحرين إلى مصر ماشيا، ثم إلى الرَّمْلة ماشيا، ثم إلى دمشق ثم إلى أنْطَاكِيَة، ثم إلى طَرِسُوس، ثم رجعت إلى حِمْصٍ، ثُم منها إلى الرَّقَّة، ثم ركبتُ إلى العراق ، كل هذا وأنا ابن عشرين سنة . حدَّث عنه من شيوخُه الصِّغار(١): يونس بن عبد الأعلى، وعَبْدة بن سُليمان المَرْوَزِىّ والربيع بن سليمان المُرَادِىّ . ومِن أقرانه: أبو زُرْعَة الرَّازِىّ، وأبو زُرْعة الدمشقىّ. ومن أصحاب السُّنَنَ: أبو داود، والنَّائِيّ، وقيل: إن البخارى ، وابن ماجةرویا عنه، ولم يثبت ذلك . وروَى عنه أيضاً: أبو بكر بن أبى الدُّنيا، وابن صاعِد؛ وأبو عَوانة، والقاضى المَحَامِلِىّ وأبو الحسن على بن إبراهيم القَطَّان، صاحب ابن ماجة ، وخلق كثير . قال عبد الرحمن بن أبى حاتم: قال لى موسى بن إسحاق القاضى: ما رأيت أحفظ مِن والدغِ . وقال أحمد بن سامة الحافظ: ما رأيت بعد إسحاق بن رَاهُويه، ومحمد بن يحيى أحفظ للحديث مِن أبى حاتم ، ولا أعلم بمعانيه. وقال ابن أبى حاتم: سمعت يونس بن عبد الأعلى، يقول: أبو زُرْعة، وأبو حاتم إماما خُراسان ، بقاؤها صلاحٌ للمسلمين. (١) فى المطبوعة؛: الصفار ويونس، وهو خطأ، صوابه من: ج، د، والطبقات الوسطى. : . - ٢٠٩ - وقال ابن أبى حاتم: سمعتُ أبى يقول: قلتُ على باب أبى الوليد(١) الطَّالِىّ: مَنْ أَغْرب علىَّ حديثا صحيحا (٣) فله درهم، وكان تَمَّ خْلق: أبو زُرْعة، فمَن دونه، وإنما كان مرادى أن ◌ُلْقَى علىَّ ما لم أسمع به، فيقولون: هو عند فلان. فأذهب وأسمعه، فإ يتهيَّ لأحد أن يُغْرِب علىَّ حديثاً . وسمعتُ أبى يقول: كان محمد بن يزيد الأسْفَاطِئ(٣) قد وّلِع بالتفسير، وبحفظه، فقال يوماً: ما تحفظون فى قوله تعالى: ﴿فَنَقَّبُوا فِىِ الْبِلاَدِ﴾(٤) . فسكتوا، فقلتُ: حدثنا أبو صالح، عن معاوية بن صالح، عن علىّ بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، قال : ضربوا فى البلاد(٥). وسمعتُ أبى يقول: قدم محمد بن يحيى الفَّيْسَابُورِىّ الرَّىّ، فألقيتُ عليه ثلاثة عشر حديثاً من حديث الزُّهْرِيّ ، فلم يعرف منها إلا ثلاثة أحاديث(٦). قال شيخنا الذهبيّ رحمه الله: إنما ألقى عليه مِن حديث الزُّهرِىّ؛ لأن محمدا كان إليه المنْهَى في معرفة حديث الزَّهرِىّ، قد جمعه، وصنفه، وتتبعَّه، حتى كان يقال له الزُّهْرِىّ . قال: وسمعتُ أبى يقول: بقيتُ بالبصرة سنة أربع عشرة(٧) ثمانية أشهر، جماتُ أبيع ثيابى حتى نفدتْ ، فمضيتُ مع صديق لى أدور على الشيوخ فالصرف رفيقى بالعشِىٌّ، ورجعتُ فجعلتُ أشرب الماء من الجوع، ثم أصبحت ، فغدا علىّ رفيقى، فطُفُتُ معه (١) فى المطبوعة، ج: قلت لأبي الوليد، وفى د: قلت على باب الوليد. والمثبت من تاريخ بغداد، تقدمة الجرح والتعديل ٣٥٥ . (٢) فى تاريخ بغداد، تهذيب التهذيب: من أغرب على حديثا غريبا مندا صحيحا لمأسمع به فله درثم. (٣) فى المطبوعة، د: الأسقاطى، وفى ج بدون إعجام. والمثبت من تقدمة الجرح والتعديل ٣٥٧، تهذيب التهذيب ٥٢٥/٩، وهو بفتح الهمزة وسكون السين المهملة وفتح الفاء وبعد الألف الاكنة (٤) سورة ق ٣٦. طاء مهملة، نسبة إلى بيع الأسفاط وعملها. اللباب ٤٣/١. (٥) فى تقدمة الجرح والتعديل ٣٥٧، زيادة: ((فاستحسن)). (٦) فى تقدمة الجرح والتعديل ٢٥٨ زيادة: ((وسائر ذلك لم يكن عنده ولم يعرفها)). (٧) فى المطبوعة: سنة وثمانية أشهر، والتصويب من، ج، د، وتقدمة الجرح والتعديل ٣٦٣، وفيها زيادة « سنة أربع عشرة ومائتين)). (١٤ / ٢ - طبقات ) - ٢١٠ - على جوع شديد، وانصرفتُ جائعاً، فلما كان من الغد غدا علىَّ(١)، فقلتُ: أنا ضعيفٌ" لا يمكننى . قال : ما بك؟ قلتُ: لاأ كتُمُك، مضى يومان ما طَعِمتُ فيهما شيئا. فقال: قد بقى معى دينار ، فنصفه لك، ويجعل النصف الآخر فى الكرا فرجنا مِن البصرة، وأخذت منه نصف الدينار. سمعت أبى يقول: خرجنا من المدينة من عند داود الْجَعْفَرِىّ، وصرنا إلى الْجَار(٢) فركبنا البحر، فكانت الريح فى وجوهنا ، فبقينا فى البحر ثلاثة أشهر ، وصاقت صدورنا. وفِنِىَ ما كان معنا، وخرجنا إلى البر تشى أياما، حتى فَنِىَ ما تبقى معنا من الزَّاد والماء ، خشينا يوما لم تأكل ولم نشرب، واليوم الثانى كمثلٍ، واليوم الثالث، فلما كان المساء صلينا، وألقينا بأنفسنا، فلما أصبحنا فى اليوم الثالث(٣) جعلنا نمشى على قدر طاقتنا، وكنا ثلاثة أَنَا، وشيخ نَيْسَ بُورِىّ، وأبوزهير المَرْوَرُّوذِىّ(٤)، فسقط الشيخ مغشيًا عليه، تحثنا ◌ُحرّ كمـ وهو لا يعقل، فتركناه، ومشينا قدرفرسج(٥)، فضعفت، وسقطت مغشيا علىّ، ومضى صاحبى يمشى ، فرأى مِن بعيد قوما قَرّبوا سفينَتَهم من البرِّ، ونزلوا على بئر موسى؛ فلما عاينهم ١ لَوَّح بتوبه إليهم ، فجاءوه ومعهم ماء، فسقوه، وأخذوا بيده، فقال لهم: ألحقوا رفيقين لى فما شعرت إلا برجل يصب الماء على وجهى، ففتحتُ عينىَّ، فقلت: اسقنى، قصبً من الماء. فى مَشْرَ بَتْه قليلا، فشربتُ، ورجعتْ إِلىَّ نفسى (٦)، ثم سقالى قليلا، وأخذ بيدى، فقلت: (١) فى تقدمة الجرح والتعديل ٣٦٤ زيادة: ((.فقال: مر بنا إلى المشايخ)). (٢) فى المطبوعة: الجاد، وهو خطأ صوابه من: ج، د، تقدمة الجرح والتعديل ٣٦٤، القاموس (جور) وهى بلد على البحر بينه وبين المدينة الشريفة يوم وليلة. انظر أيضا مراصد الإطلاع ٣٥٣. (٣) كذا فى ج، د. وفى تقدمة الجرح والتعديل: ((فلما أصبحنا اليوم الثالث)) وفى المطبوعة: الرابع. (٤) فى النسخ اضطراب فى هذا الاسم، فهو فى ج: المبروردى، وفى د : المبرورذى. وفى المطبوعة: أبو زهر المروزى والمثبت من تقدمة الجرح والتعديل ٣٦٤ . (٥) فى تقدمة الجرح والتعديل ٣٦٥ زيادة: (( أو فراخين)). (٦) فى تقدمة الجرح والتعديل ٣٦٥: ((ورجعت إلى نفسى، ولم يرونى ذلك القدر، فقلت: اسقى . فقانى شيئا ييرا، وأخذ بيدى ... ». - ٢١١ - ورائى شيخ مُلقىَ. فذهب جماعة إليه، وأخذ بيدى، وأنا أمشى وأجر رجلىَّ حتى إذا بلغت عند سفينتهم. وأنَوْا بالشيخ، وأحسنوا إلينا ، فبقينا أياما ، حتى رجعتُ إلينا أنفسنا، ثم كتبوا لنا كتابا إلى مدينة يقال لها: راية(١)، إلى واليهم، وزوَّدُونا(٢) من الكعك والسَّويق والماء، فلم نزل نمشى حتى تقد ما كان معنا من الماء والقوت ، فجعلنا نمشى جياعا على شطِّ البحر ، حتى دُفِعْنا (٣) إلى سُلَحْفاة مثلِ التُّرْس، فعمدنا إلى حجر كبير، فضر بنا على ظهرها ، فانقلق؛ فإذا فيه مثل صُفْرة البيض ، خمسيناه حتى سكن عنَّا الجوع، حتى وصلنا إلى مدينة الرَّاية، وأوصلنا الكتاب إلى عاملها، فأنزلنا فى داره ، فكان يُقَدِّم إلينا كل يوم الفرع، ويقول لخادمه : هاتى(٤) لهم اليَقْطِين المبارك، فيقدمه مع الخبز أياما. فقال واحد منا: ألا نَدْعُو باللحم المشئوم(٥) . فسمع صاحب الدار ، فقال: أنا أحسن بالفارسية؛ فان جدتى كانت هَرَوِيّة . وأتانا بعد ذلك باللحم، ثم زوَّدنا إلى مصر . سمعتُ أبى يقول: لا أحضِر كَمْ مرةٍ سرتُ من الكوفة إلى بغداد . وقال أبو محمد الإِبَادِىّ، يرنى أبا حاتم من قصيدة: وعينىَ مالكِ لا تَدْمَعِينَا أنفسِىَ مالكِ لا تُجْزَعِينَاَ مر فى شهرٍ شعبان مَحقّاً مديناً(٦) ألمْ تسمعِى بكسوفِ العلو أبى حاتمٍ أعلم العالميناً ألمْ تسمعِى خبرَ المُرْتفَى توفى أبو حاتم الرَّازِىّ فى شعبان، سنة سبع وسبعين ومائتين ، وله اثنتان وثمانون سنة. ﴿ومن الفوائد عنه﴾ ... (٧) (١) هى راية القلزم، كورة من كور مصر القبلية. ياقوت ٢٤٦/٢. (٢) فى ج : فزورونا، وفى د : فتزورنا. والمثبت فى المطبوعة. (٣) فى تقدمة الجرح والتعديل: ٣٦٥ («حتى وقعنا إلى)). (٤) فى المطبوعة: هات. والمثبت من: ج، د ، والمتقدمة . (٥) فى الأصول: المشوم، والمثبت من التقدمة ٣٦٦، وفيها: ((فقال واحد منا بالفارسية : لا تدعو باللحم المشؤوم؟ وجعل يسمع الرجل صاحب الدار)). (٦) فى التقدمة ٣٦٩: ((لكوف العلوم ... حقا مديا)). (٧) بياض فى كل الأصول . -- ٢١٢ - ٥٤ محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بَرْدِزْبه - بفتح الباء الموحدة بعدها راء ساكنة ثم دال مكسورة مهملة ثم زاى ساكنة ثم باء موحدة مفتوحة ثم هاء - ابن بَذِذْ بِه - بياء موحدة مفتوحة. ثم خال معجمة مكسورة ثم ذال ثانية معجمة ساكنة ثم باء موحدة مكسورة ثم هاء - هذا ماكنا نسمعه من الشيخ الإمام الوالد رحمه الله . وقيل بدل بَرْدِزْ بَه: الأحنف، وقيل غير ذلك* هو إمام المسلمين ، وقدوة الموحِّدِين ، وشيخ المؤمنين ، والمُوَّل عليه فى أحاديث سيد المرسلين، وحافظ نظام الدين، أبو عبد الله الجُمْفِىّ مولاهم، البخارِىّ، صاحب (الجامع الصحيح)) وسَاحِبِ ذيلِ الفضل لِلْمُستمِيحَ(١). علا عن المدحِ حتى ما يُزَانُ بهِ له الكتابُ الذى يتُ الكتابَ هُدَّى الجامعُ المنافعُ الدينِ القويم وسُنّ قاصى المراتبِ دائي الفضلِ تَحَسِبُه ذَلَّتْ رقابُ جماهيرِ الأنامِ له لا تسمعنَّ حديثَ الحاسدين له. وقُل لمن رام يحْكيه اصْطِبارَكُ لا وهبْكَ تأتى بما يَحْكِى شكَالتَهُ كأنما المدحُ مِنْ مقدارِهِ يَضْعُ هَذِى السيادةُ طودًا ليس ينْصَدِعُ نةِ الشريعة أن تفتالها البِدعُ كالشمس يبدُو سَناها حين ترتفعُ فكلَّهم وهو عالٍ فيهمُ خضعُوا فإِنَّ ذلك موضوعٌ ومُنقِطِعُ ·تعجلْ فإِن الذى تَبْغيه ◌ُمتِنِعُ أليس يحكى مُحيًّا الجامعِ البَيَعُ * له ترجمة فى تاريخ بغداد:٤/٢، تذكرة الحفاظ ١٢٢/٢، تهذيب التهذيب ٤٧/٩، شذرات الذهب ١٣٤/٢، طبقات الحنابلة ٢٧١/١، العبر ١٢/٢، كتاب الجرح والتعديل فى ٢، ج٣)، ص ١٩١، معجم البلدان ٥٣١/١، النجوم الزاهرة ٢٥/٣، الوافي بالوفيات ٢٠٦/٢، وفيات الأعيان ٠٣٢٩/٣: (١) فى المطبوعة: وصاحب الفضل المستميح، وفى د: المستبيح، والمثبت من: ج. والمستميح: طالب العطاء. ٠٠ - ٢١٣ - كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الورعين . سمع مالك بن أنس، ورأى حمّاد بن زيد، وصالح بن المبارك. وحدَّث عن أبى معاوية ، وجماعة . روى عنه أحمد بن حفص ، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلم فى جميع مالی درهما مِن شبهة . (١) هذا تصحيف والصواب: وصائح ابن المبارك انظر السير ٣٩٢/١٢ . قال أحمد بن حفص : فتصاغَرتْ إلىَّ نفسى عند ذلك. ولد البخارىّ سنة أربع وتسعين ومائة ، ونشأ يتيما .. وأول سماعِه سنة خمس ومائتين ، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المُفْرِط . ورحل سنة عشر ومائتين ، بعد أن سمع الكثير ببلده من: محمد بن سلَّام البِيكَنْدِىّ، ومحمد بن يوسف البِيَكَنْدِىّ، وعبد الله بن محمد المُسْنِدِىّ، وهارون بن الأشعث(١)، وطائفة . وسمع ببلخ من: مَكَّىّ بن إبراهيم ، ويحيى بن بشر الزاهد ، وقتيبة ، وجماعة . وبمَرْو من: على بن الحسن بن شقِيق ، وعَبْدان ، وجماعة . وبنْسابُور من : يحيى بن يحيى، وبِشر بن الحَكَم ، وإسحاق، وعِدَّة. وبالرَّىّ من : إبراهيم بن موسى الحافظ ، وغيره . وببغداد من: شُرَيح بن النُّعْمَان ، وعمَّان، وطائفة . وبالبصرة من : أبى عاصم النَّبِيل، وبَدَل بن الْمُحبَّر، ومحمد بن عبد الله الأنصارِىّ ، وغيرهم . وبالكوفة من: أبى نُعَيم، وطَلْقٍ بن غنَّام، والحسن بن عِطِيَّة، وخَلّاد بن يحيى، وقَبيصة ، وغيرهم . (١) فى المطبوعة: وإبراهيم بن الأشعث. والتصويب من ج، د، وانظر تهذيب التهذيب ٣/١١، الوافي بالوفيات ٢٠٦/٢ . - ٢١٤ - وبمكة من: اُلْحَمَيْدِىّ، وعليه تفقَّه من الشّافعىّ. وبالمدينة من : عبد العزيز الأوَيْسِىّ ، وَمُطرّف بن عبد الله. وبواسِط ومصر، ودمشق، وقَيْارِيَّةُ(١)، وعَسْقلان، وحِمْصَ، من خلائق يطول سردهم. ذكر أنه سمع من ألف نفس، وقد خرَّج عنهم مشْيخةً، وحدَّث بها ، ولم يرها . "وفى ((تاريخ نيسابور)) للحاكم أنه سمع بالجزيرة من أحمد بن الوليد بن الْوَرْ تَنِيس الْخَرَّانى، وإسماعيل بن عبد الله بن زُرَارة الرَّقِّىّ، وعمرو بن خالد، وأحمد بن عبد الملك بن(٢) واقِدٍ الحَرَّانِيّ. وهذا وَهْم ؛ فإنه لم يدخل الجزيرة ، ولم يسمع من أحمد بن الوليد، إنما روى عن رجل عنه، ولا من ابن زُرَارة، إنما إسماعيل بن عبد الله، الذى يَرْوِى عنه هو إسماعيل بن أبى أُقويس، وأما ابن واقِدٍ ، فإنه سمع منه ببغداد ، وعمرو بن خالد سمع منه بمصر . نبه على هذا شيخنا الحافظ الْمِزِّىّ فيما رأيته بخطه. وأكثر الحاكم فى عدِّ شيوخه ، وذَكْرٍ البلاد التى دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتَ من كل ناحية جماعة من المتقدمين؛ ليُسْتَدَلّ بذلك على عالى إسناده ؛ فإن مسلم بن الحجّاج لم يدرك أحداً ممن سميتُهم ، إلا أهل نَيْسَابور. واعترضه شيخنا الذَّهىّ كما رأيته بخطه، بأنه أدرك أحمد ، وعمر بن حفص ، يعنى: وهما ممَّنَ عدَّ الحاكم ذكر أبو عاصم العبَّادِىّ أبا عبد الله فى كتابه ((الطبقات))، وقال: سمع من الزَّعْفَرانِىّ، وأبى ثَوْر وَالْكَراِىّ . قلتُ: وتفقَّه على الحَمَيْدِىّ ، وكلهم من أصحاب الشافعىّ. (١) قيارية: بلدة على ساحل بحر الشام، تعد فى فلسطين، بينها وبين طبرية ثلاثة أيام. مراصد : (٢) فى المطبوعة: ابن أحمد، وما أثبتناه من: ج، د، وهو يوافق ما أورده الاطلاع ١١٣٩. الصنف بعد ذلك، وانظر تهذيب التهذيب ٥٧/١ - ٢١٥ - قال: ولم يَرْوِ عن الشافعىّ فى ((الصحيح)) لأنه أدرك أقرانه، والشافعىّ مات مكتهلا، فلا يرويه نازلا ، ورَوَى عن الحسين، وأبى تَوْر مسائلَ عن الشافعىّ . قلتُ: وذكر الشافعىَّ فى موضعين من (صحيحه)) فى ((باب [فى](١) الرِّكاز اُلْخُمُس))(٢) وفى ((باب تفسير العرايا)) (٣) من ((البيوع)). ورقّم شيخنا المِزَّىّ فى ((التهذيب)) الشافعىّ بالتعليق، وذكر هذين المكانين. حدَّث البُخارِىّ بالحجاز ، والعراق ، وخُراسان ، وما وراء النهر، وكتب عنه المُحَدِّثون وما فى وجهه شعرة . رَوَى عنه أبو زُرْعَة، وأبو حاتم، والتِّرْمِذِىّ، ومسلم خارج ((الصحيح))، ومحمد بن نصْر المَرْوَزِىّ، وصالح بن محمد جَزَّرة، وابن خُزَيْمة، وأبو العَبَّاس السَّرَّاج، وأبو قُرَيش(٤) محمد بن جمعة، ويحيى بن محمد بن صاعِد، وأبو حامد بن الشَّرْقِيّ ، وخلق. وآخر مَن رَوَى عنه ((الجامع الصحيح)) منصور بن محمد النَّْ دَوِىّ(٥) ، المتوفّى سنة تسع وعشرين وثلثمائة . وآخر مَن زعم أنه سمعه منه موتا، أبو ظهير عبد الله بن فارس البَلِخِىّ، المتوفّى سنة ست وأربعين وثلاثمائة . وآخر مَن رَوَى حديثَه عالياً خطيبُ المَوْصِلِ، فى ((الدعاء)) للْمَحَامِلِىّ، بينه وبينه ثلاثة رجال . وأما كتابه (( الجامع الصحيح)) فأجلُّ كتب الإسلام، وأفضلها بعد كتاب الله، ولا عِبرة بمن يُرَجِّح عليه ( صحيح مسلم))؛ فإن مقالته هذه شاذّة ، لا يُعَوَّل عليها. (١) زيادة من صحيح البخارى . (٣) صحيحه ١٠٠/٣. (٢) صحيحه ١٥٩/٢. (٤) فى المطبوعة: وابن قريش، والتصويب من: ج، د، العبر ١٥٨/٢. (٥) بفتح الباء الموحدة وسكون الزاى وفتح الدال المهملة وفى آخرها الواو، نسبة إلى قلعة حصينة على ستة فراسخ من تسف. الاباب ١١٨/١، ياقوت ٦٧٤/١. - ٢١٦ - قال ابن عَدِىّ: سمعتُ الحسن بن الحسين البَزَّار، يقول: رأيتُ البخارىّ شيخاً نحيفاً ، ليس بالطويل ولا بالقصير ، عاش اثنتين وستين سنة، إلا ثلاثة عشر يوما . وقال أحمد بن الفضل(١) البلِخِىّ: ذهبتْ عينا محمد فى صغره، فرأت أمه إراهيم عليه السلام، فقال: يا هذه، قد ردًّ الله على ابنك بصرَه بكثرة بكائك أو دعائك، فأصبح وقد ردّ الله عليه بصرَه . وعن جبريل بن ميكائيل: سمعتُ البخارىّ يقول: لما بلغتُ خُراسان أُصيبت يبصرى(٢)، فعلَّمنى رجل أن أحلق رأسى، وأُغلِّفْه باِخْطِمِىّ، ففعلتُ، فردَّ الله علىَّ بصرى. رواها غُنْجَارِ فى « تاريخه» . وقال أبو جعفر محمد بن أبى حاتم الوَرَّاق: قلتُ البخارىّ : كيف كان بدء أمرك؟ قال: أُلهِمت حفظ الحديث فى المكتب ولى عشر سنين أو أقل، وخرجت من الكُتّاب بعد العشر، فجعلتُ أختلف إلى الدَّاخِلِىّ وغيره ، فقال يوما فيما يقرأ على الناس: سفيان، عن أبى الرُّبير، عن إبراهيم. فقلتُ له: إن أبا الزَّبَيَر لم يَرْوِ عن إبراهيم. فانتهرِى،" فقلتُ له: ارجع إلى الأصل. فدخل، ثم خرج، فقال لى: كيف يا غلامُ؟ قلت: هو الزُّبير بن ◌َدِىّ ، عن إبراهيم. فأخذ القلم منى وأصلحه، وقال: صدقت. فقال للبخارىّ. بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ ؟ قال: ابن إحدى عشرة سنة . فلما طعنت فى ست عشرة سنة، حفظت كتب ابن المبارك ووَكِيع ، وعرفت كلامَ. هؤلاء . ثم خرجتُ مع أبى وأخى أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخى بها ، وتُخلَّفَتُ فى طلب الحديث . فلما طعنتُ فى تمان عشرة سنة، جعلتُ أصنّف قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك أيام ◌ُبيد الله بن موسى، وصنفت (( كتاب التاريخ)) إذ ذاك عند قبر النبيّ صلى الله (١) فى المطبوعة: أحمد بن الفضل، والمثبت من: ج، د. (٢) فى المطبوعة: أصيب بصرى، والمثبت من: خ ، د. - ٢١٧ - عليه وسلم، فى الليالى المقمرة، وقَلَّ اسمُ فى التاريخ إلا وله عندى قصة، إلا أنى كرهت تطويل الكتاب . وقال عمر بن حفص الأشقر : كنا مع البخارىّ بالبصرة نكتب الحديث، ففقّدناه أياما ، ثم وجدناه فى بيتٍ وهو عُرْيان، وقد نفِد ما عنده، فجمعنا له الدراهم وكَسَوْناه. وقال عبد الرحمن بن محمد البخارىّ: سمعتُ محمد بن إسماعيل، يقول: لقيتُ أكثر من ألف رجل من أهل الحجاز، والعراق، والشام، ومصر ، وخُراسان، إلى أن قال: فمارأيت واحدا منهم يختلف فى هذه الأشياء: (( أن الدين قول وعمل، وأن القرآن كلام الله)). وقال محمد بن أبى حاتم : سمعته يقول : دخلت بغداد ثمان مرات ، كل ذلك أجالس أحمد بن حنبل، فقال لى آخر ما ودَّعتَه: يا أبا عبد الله، تتركُ العلم والناس، وتصير إلى خُراسان! فأنا الآن أذكر قول أحمد . وقال أبو بكر الأعْين(١): كتبنا عن البخارىّ، على باب محمد بن يوسف الفِرْيَابِىّ وما فى وجهه شعرة . وقال محمد ابن أبى حاتم، ورَّق البخارىّ: سمعتُ حَاشِد(٢) بن إسماعيل، وآخرَ، يقولان : كان البخارىّ يختلِفُ معنا إلى السَّماع وهو غلام فلا يكتب ، حتى أتى على ذلك أياما، فكنا نقول له. فقال: إنكما قدأ كثرتُما علىَّ، فاعْرِضا علىَّما كتبتُما. فأخرجْنا إليه ما كان عندنا ، فزاد على خمسة عشر ألف حديث، فقرأها كلَّها على ظهر قلب ؛ حتى جعلنا نُحْكِم كَتْبَنَا مِن حفظه، ثم قال: أَرَوْن ألى أخْتِلِف (٣) هَدَرًا، وأُضيّع أيامى؟ فعرفنا أنه لا يتقدَّمُه أحدٌ" . قالا : فكان أهل المعرفة يَعْدُون خلفه فى طلب الحديث وهو شاب ، حتى يغلبوه على نفسه ، ويُجْلِسوه فى بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممَّن يكتب عنه ، وكان شابًّا لم يخرج وجهُه . (١) بفتح الألف وسكون العين المهملة وفتح الباء آخر الحروف وفى آخرها النون ، هذه الصفة لمن .. فى عينه سعة. اللباب ٠٦١/١ (٢) فى المطبوعة: حامد، والمثبت من: ج، د، تاريخ بغداد ١٤/٢. (٣) فى ج: أخلف، وفى ذٌ: اختلفت، والمثبت فى المطبوعة، تاريخ بغداد ١٥/٢. - ٢١٨ - قال محمد بن أبى حاتم : وسمعتُ سليم بن مجاهد، يقول: كنت عند محمد بن سلام البِيكَنْدِىّ، فقال لى: لو جئتَ قبلُ لرأيت صبيّاً يحفظ سبعين ألف حديث. قال: فخرجتُ فى طلبه، فلقيته، فقات: أنت الذى تقول: أنا أحفظ سبعين ألف حديث؟ قال: نعم ، وأكثر ، ولا أجيئك بحديث عن الصحابة أو التابعين، إلا عرفت مولدَ أكثرِم، ووفاتهم، ومساكنهم، ولستُ أروى حديثاً مِن حديث الصحابة أو التابعين، إلَّا وَلِى فى ذلك أصل أحفظه حفظا، عن كتاب الله، أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم . · قال غُْجار: حدثنا أبو عمرو أحمد بن محمد المُقْرِى، حدثنا محمد بن يعقوب بن يوسف البِيكَنْدِىّ ، سمعتُعلى بن الحسين بن عاصم البيكَنْدِىّ، يقول: قدم علينا محمد بن إسماعيل. فاجتمعنا عنده ، فقال بعضُنا: سمعت إسحاق بن رَاهُويه، يقول: كأني أنظر إلى سبعين ألف حديث من كتابى . فقال محمد: أوَ تعجب من هذا ؟ لعل فى هذا الزمان مَن ينظر إلى مائتى ألف حديث من كتابه . قال: وإنما ◌َنى به نفسَه . وقال ابن عَدِىّ: حدثنى محمد بن أحمد القُومِىُ(١): سمعتُ محمد بن حَمْدُويَه(٣)، يقول: سمعت محمد بن إسماعيل، يقول: أحفظُ مائة ألف حديث صحيح، وأحفظ مائتى ألف حديث غير صحيح. وقال إمام الأئمة ابن خُزيمة: ما رأيت تحت أديم السماء أعلم بالحديث من محمد ابن إسماعيل البخارى . وقال ابن عَدِىّ: سمعتُ عِدَّة مشايخ يحكون أن البخارىّ قدم بغداد ، فاجتمع أصحاب الحديث، فعمدوا إلى مائة حديث، فقلبوا مُتُونها وأسانيدها، وجعلوا متن هذا لإسناد هذا (١) نسبة إلى قوم، وهى كورة كبيرة واسعة، فى ذيل جبال طبرستان. معجم البلدان ٢٠٣/٤ (٢) فى المطبوعة: جمدونة، والثبت فى: ج، د، وانظر المشتبه ٢٤٩. - ٢١٩ - وإسناد هذا لمتن هذا؛ ودفعوا إلى كل واحد عشرة أحاديث ؛ ليُلقوها على البخارىّ فى المجلس؛ فاجتمع الناس ، وانتدَب(١) أحدُهم فقال(٣)، وسأله عن حديث من تلك العشرة. فقال: لا أعرفه . فسأله عن آخر. فقال: لا أعرفه. حتى فرغ من العشرة. فكان الفقهاء يلتفتُ بعضهم إلى بعض ، ويقولون: الرجل فهم ، ومن كان لا يدرى قضَى عليه بالعجز . ثم انتدَب آخر، ففعل كفِعل الأول ، والبخارىّ يقول: لا أعرفُه: إلى فراغ العشرة أنْفُس ، وهو لا يزيدُهم على : لا أعرفه . فلما علم أنهم قد فرغوا، التفت إلى الأول ، فقال: أمّا حديثُك [الأول](٣) فإسناده كذا وكذا، والثانى كذا وكذا، وانثالث، إلى آخر العشرة؛ فردَّ كلَّ متنٍ إلى إسناده، وفعل بالثانى مثلَ ذلك، إلى أن فرغ. فأقرَّ له الناسُ بالحفْظِ . وقال يوسف بن موسى الْمَرْوَرُوزِىّ: كنتُ بجامع البصرة، إذ سمعتُ منادیا ينادى، يا أهلَ العلم، لقد قدِمِ محمد بن إسماعيل البخارىّ. فقاموا فى طلبه، وكنتُ فيهم، فرأيتُ رجلا شابًا يصلّى خلف الأُسْطُوَانة، فلما فرَغ أحْدَقوا به ، وسألوه أن يعقِد لهم مجلسا للإملاء ، فأجابهم . فلما كان من الغد ، اجتمع كذا وكذا ألف ، جلس ، وقال : يا أهل البصرة، أنا شابٌ وقد سألتمونى أن أحدٌّفَكم، وسأحدٌّفَكم بأحاديثَ عن أهل بلدكم ، تستفيدون الكل : حدثنا عبد الله بن عثمان بن جَمَلة بن أبى رَوَاد، بَلَدِ يَكُم ، حدثنا أبى، حدثنا شعبة، عن منصور ، وغيره ، عن سالم بن أبى الْجَعْد ، عن أنس: أن أعرابيا ، قال : یا رسول الله الرجلُ يحبُّ القوم ... الحديث. ثم قال: ليس هذا عندكم ، إنما عندكم عن غير منصور. وأمْلَى مجلساً على هذا النَّسَق. (٢) فى المطبوعة : فقام ، (١) انتدب فلان الفلان: عارضه فى كلامه. القاموس (ندب). (٣) زيادة من المطبوعة، تاريخ بغداد ٢١/٢ على ما فى: ج، د. والمثبت من : ج، د. - ٢٢٠ - قال يوسف : وكان دخولى البصرة أيام محمد بن عبد الملك بن أبى الشَّوارب . وقال التِّرْمِذِىّ: لم أرَّ أحدًا بالعراق، ولا بخراسان، فى معنى العِلَل، والتاريخ، ومعرفة الأسانيد أعلم من محمد بن إسماعيل. .وقال إسحاق بن أحمد الفارسىّ: سمعت أبا حاتم ، يقول سنة سبع وأربعين ومائتين: محمد ابن إسماعيل أعلمُ مَن دخل العراق، ومحمد بن يحيى أعلم مَن يُخُراسان اليومَ، ومحمد بنُ أسْلَم أورعُهم، وعبد الله الدَّارِمِىّ أثبتُهُم . وعن أحمد بن حنبل، قال: انتهى الحفظُ إلى أربعة من أهل خُراسان: أبو زُرْمَة، ومحمد بن إسماعيل، والدَّارِمِىّ، والحسن بن شُجاع البَلِخِىّ. وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخارىّ أحد الأئمة فى معرفة الحديث وجمعه، ولو قلت إنى لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشبِه تصنيفَه فى المبالغة والحسن، لرَجوْتُ أن أكون صادقاً . أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، إذناً خاصا، قال: قرأتُ على عمربن القوَّاس، أخبركم أبو القاسم ابن الحَرَسْتَانِيّ، حضورا، أخبرنا جمال الإسلام، أخبرنا ابن طَلّب، أخبرنا ابن جُمَيع، حدثنى أحمد بن محمد بن آدم، حدثنى محمد بن يوسف البخارى ، قال: كنت عند محمد بن إسماعيل بمنزله ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسْرج؛ ليستذكر أشياءَ يُعلِّقها فى ليله ثمان عشرة مرّة . وقال محمد بن أبى حاتم الورَّاق: كان أبو عبد الله إذا كنت معه فى سفر، يجمعنا بيت واحد ، إلا فى القيظ أحيانا، فكنت أراه يقوم فى ليلةٍ واحدة خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة ، فى كل ذلك يأخذ القَدَّاحة، فيُورِى نارا ويُسرِج، ثم يُخرِج أحاديثٍ ، فُعلِّم عليها، ثم يضع رأسَه، وكان يصلىِّ وقتَ السحر ثلاث عشرة ركعة، وكان لا يُوقِظنى فى كل ما يقوم ، فقلت له: إنك تحمل على نفسك فى كل هذا، ولا توقظنى. قال: أنت شابٌ، ، ولا أحبُّ أنْ أُفسِد عليك نومَك . وقال الفَرَبْرِىّ: قال لى محمد بن إسماعيل: ما وضعتُ فى الصحيح حديثاً إلا اغتسلت قبل ذلك، وصليت ركعتين، ب۔۔ :