النص المفهرس
صفحات 121-140
- ١٢١ -
ابن داود بن منصور، حدثنا عُبَيد بن خلف الزَّار، أبو محمد، حدثى إسحاق بن عبد الرحمن
قال: سمعت الحسين الكَرايسىّ.
قلتُ: كذا فى السند عُبَيد عن إسحاق، وعبيد صاحب الكرابيىّ، ولا يمتنع أن
يسمع عنه كما سمع منه:
رجع الحديث إلى الكرابيىّ، سمعت الشافعى". يقول: كنت أقرأ كتب الشعر،
فآتى البوادى ، فأسمع منهم ، قال: فقدِمت مكة منها، خرجت وأنا أتمثل بشعر للبيد
وأضرب وحْشِىّ(١) قدمىّ بالسوط، فضربنى رجل مِن ورائى مِن الحَجَبة، فقال : رجل
من قريش ، ثم ابنُ الطَِّبِ رضِىَ من دينه ودنياه أن يكون معلماً، ما الشعر! هل الشعر
إذا استحكْمْتَ فيه! ألا قعدت معلما يفقه، يعلِّك الله .
قال: فتفعنى الله بكلام ذلك الحَجَبِىّ، فرجعت إلى مكة، فكتبت عن ابن عُيَيْنة
ما شاء الله أن أكتب. ثم كنت أجالس مسلم بن خالد الزَّنْجِىّ، ثم قدمتُ على مالك بن أنس
فكتبت موطأه، فقلت له : يا أبا عبد الله، أقرأ عليك ؟ قال: يا ابن أخى ، تأتى رجل
يقرأه علىّ فتسمع. فقلتُ: أقرأ عليك فتسمع إلى كلامى ! فقال لى: اقرأه . فلما سمع
كلامى لقراءة كتبه أذن لى، فقرأت عليه حتى بلغت (( كتاب السير» فقال لى، اطْوه
يا ابن أخى، تفقَّهُ تَعلُ .
فخجئت إلى مُصْعَب بن عبد الله، فكلمته أن يكلم بعض أهلنا ، فيعطينى شيئاً من الدنيا
فإنه كان لى من الفقر والفافة ما الله به عليم ، فقال لى مصعب : أتيت فلانا فكلمته ، فقال لى
. أتكلِّمُنى فى رجل كان منَّاً تخالفنا ، فأعطانى مائة دينار .
وقال لى مصعب: إن هارون الرشيد قد كتب إلىّ أن أصير إلى اليمن قاضيا ، فتخرج
معنا لعل الله أن يعوّضك ما كان هذا الرجل يُعوِّضك.
قال : خرج قاضيا على اليمين، خرجت معه، فلما صرنا باليمين وجالسنا الناس، كتب
مُطرِّف بن مَازِن إلى هارون الرشيد : إن أردت اليمن لا يفسد عليك ، ولا يخرج من يديك
فأخرج عنه محمد بن إدريس. وذكر أقواما من الطَّالبَيِّين.
(١) إنسى القدم ما أقبل منها على القدم الأخرى، ووحشيتها ماخلف إنيبها. الان (وحش)٣٦٩/٦.
- ١٢٢ -
قال: فبعث إلىّ ◌َّاد البَرْبَرَىّ(١) فأوثقِت بالحديد، حتى قدمنا على هارون بالرَّقَّة.
قال: فأُدخلت على هارون ، قال: فُخرجت مِن عنده.
قال: وقدمت ومعى خمسون دينارا ، قال: ومحمد بن الحسن يومئذ بالرَّغَةَ، فأنفقت تلك
الخمسین دینارا علی کتبهم .
قال: فوجدتُ مَثَلَهم ومثلَ كتبهم مثلَ رجل كان عندنا يقال له فَرُّوخ ، وكان يحمل
الدهن فى زِقّ له ، فكان إذا قيل له : عندك فر شنان . قال : نعم ؛ فإن قيل: عندك زئبق
قال: نعم، فإن قيل: عندك خيزى. قال: نعم؛ فإذا قيل له: أرنى، ولِلزِّقَ رءوس
كثيرة ، فيخرج له من تلك الرءوس ، وإنما هى دهن واحد .
وكذلك وجدت كتاب أبى حنيفة، إنما يقولون: كتاب الله، وسنة نبيه صلى الله عليه
وسلم ، وإنما م مخالفون له .
قال: فسمعتُ ما لا أحصيه، محمد بن الحسن يقول: إن نابعَكم الشافعىّ فما عليكم من
حجازىّ كُلفة بعده .
• فجئت يوما مخلست إليه، وأنا من أشد الناس همّاً وغمًّاً من سخط أمير المؤمنين، وزادى
قد نفذ .
قال: فلما أن جلست إليه أقبل محمد بن الحسن ، يطعن على أهل دار الهجرة،
فقلت : على مَن تطعن ، على البلد أم على أهله ؟ والله لئن طعنتَ على أهله إنما تطعن على
أبى بكر وعمر والمهاجرين والأنصار، وإن طعنتَ على البلدة فإنها بلد هم التى دعالهم رسول الله
صلى الله عليه وسلم أن يبارك لهم فى صاعهم ومُدِّهم، وحرَّمه كما حرم إبراهيم مكة ، لا يقصد
صيدها ، فعلى أيِّهِم تطعنٍ ؟
فقال: معاذ الله أن أطعن على أحد منهم، أو على بلدته، وإنما أطعن على حكم من أحكامه.
(١) بفتح الباءين المؤحدثين بينهما راء وبعد أنباء الثانية راء أخرى، هذه النسبة إلى بلاد البربن،
وثم جيل كبير من ناحية كبيرة من بلاد المغرب. الباب ١ / ٠١٠٧
- ١٢٣ -
فقلت له : وما هو ؟
قال : اليمين مع الشاهد .
قلتُ: له: ولم طعنتَ؟
قال : فإنه مخالف لكتاب الله.
فقلت له : فكل خبر يأتيك مخالف لكتاب الله أيسقط ؟
قال فقال لى : كذا يجب .
فقلت له : ما تقول فى الوصية للوالدين؟ فتفكرَّ ساعة.
فقلت له : أجب .
فقال : لا تَجب .
قال: فقلت له : فهذا ◌ُخالِف لكتاب الله ، لم قلت : إنه لا يجوز؟
فقال: لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لَا وَصِيَّةً لِلْوَالِدَيْنِ)).
قال: فقلتُ له : أخبرنى عن شاهدين حتم من الله.
قال: فاتريد من ذا؟
قال فقلت له : لئن زعمتَ أن الشاهديْن حتمٌ من الله لا غيره ، كان ينبغى لك أن
تقول : إذا زنى زانٍ فشهد عليه شاهدان ، إن كان محصنا رجمتُه، وإن كان غير محصن جادته
قال : فإن قلت لك: ليس هو حتم من الله ؟
قال قلت له : إذا لم يكن حتما من الله فننزل كل الأحكام منازله: فى الزنا أربعا، وفى غيره
شاهديْن، وفى غيره رجلا وامرأتين ، وإنما أعنى فى القتل لا يجوز إلا شاهدان ، فلما رأيت
قتلا وقتلا، أعنى بشهادة الزنا ، وأعنى بشهادة القتل، فكان هذا قتلا، وهذا قتلا . غير أن
أحكامهما مختلفة ، فكذلك كل حكم نزِّله حيث أنزله الله، منها بأربع، ومنها بشاهدين،
ومنها برجل وامرأتين، ومنها شاهد واليمين، فرأيتُك تحكم بدون هذا .
قال: وما أحكم بدون هذا؟
• قال فقلت له: ما تقول فى الرجل والمرأة إذا اختلفا فى متاع البيت؟
فقال : أصحابى يقولون فيه : ما كان للرجال فهو للرجال، وما كان للنساء فهو للنساء .
:
- ١٢٤ -
قال فقلت : أبكتاب الله هذا، أم بسنة رسول الله ؟.
· قال وقلتُ له : فما تقول فى الرجلين إذا اختلفا فى الحائط؟
فقال: فى قول أصحابنا : إذا لم يكن لهم بيِّنّة يُنظَر إلى العقد ، مِن أين هو البناء
فأحكم لصاحبه .
قال فقلت له : أبكتاب الله قلت هذا، أم بسنة رسول الله قات هذا؟
• وقلتُ له: ما تقول فى رجلين، بينهما خُص فيختلفان، لمن يحبكَم إذا لم يكن
لهما بيِّنة ؟
قال: أنظُر إلى معاقده من أى وجه هو فأحكم له .
قلتُ له : بكتاب الله قلت هذا، أم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
● قال وقلتُ له: فما تقول فى ولادة المرأة، إذا لم يكن يحضرها إلا امرأة واحدة،
وهى القابلة وحدها ، ولم يكن غيرها ؟
قال فقال : الشهادة جائزة بشهادة القابلة وحدها نقبلها .
قال فقلتُ له: قلت هذا بكتاب الله، أم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!
قال ثم قلتُ له: مَن كانت هذه أحكامه فلا يطعن على غيره .
قال ثم قلتُ له: أنعجَب من حكم حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحكم
أبو بكر وعمر، وحكم به على بن أبى طالب بالعراق، وقضى به شُرَحٍ؟.
قال: ورجل من ورائى يكتب ألفاظى وأنا لا أعلم.
قال : فأُدخِل على هارون ، وقرأه عليه .
قال: فقال لى هَرْئَمَة بن أعْيَن: كان مُتِكِئاً فاستوى جالسا، قال: اقْرأه علىَّ ثانيا .
قال: فأنشأ هارون يقول : صدق الله ورسوله ، صدق الله ورسوله ، صدق الله ورسوله،
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تَعَلَّمُوا مِنْ فُرَيْشٍ، وَلَا تُعَلِّمُوهَا. قَدَّمُوا قُرَيْئًا
وَلَا تُؤَخِّرُوهَا)) ما أُنْكِرٍ أن يكون محمد بن إدريس أعلَم مِن محمد بن الحسن.
قال : فرضى عنى ، وأمر لى بخمسمائة دينار.
- ١٢٥ -
قال: فخرج به هَيْ ئَمة، وقال لى بالسوط هكذا، فاتَّبَعْتُه ، حدثنى بالقصة، وقال لى
قد أمرلك بخمسمائة دينار ، وقد أضفنا إليه مثله.
قال : فوالله ما ملكتُ قبلها ألف دينار إلا فى ذلك الوقت.
قال: وكنتُ رجلا أتشبَّع، فكفانى الله على يَدَىْ مُصْعَب.
﴿ومن المسائل عن الحسين)
وقف الوالد رحمه الله على تصنيف الحسين فى الشهادات ، أظن أنى أنا الذى أحضرته إليه،
فكتب منه فوائده ها أنا أحِلُها (١)، ومن خط الشيخ الإمام أنقلها .
• منها : حكى الكرابيىّ، عن معاوية: أنه قبل شهادة أمِّ سلَمة لابن أخيها،
وأجاز زُرَارة شهادةَ أبى مِجْلَزَ (٢) وحده، وأجاز شُرّيح شهادة أبى إسحاق وحده ، وأجاز
شُرَيح أيضا شهادةَ أبى قيس على مصحف وحده .
قال الكَرابِيسِيّ : إن قال قائل : أُجِيز شهادة واحد وجبت استتابته ، فإن تاب
وإلّا قُتِل.
قال: فإن قال قائل: هؤلاء من أهل العلم. قيل له: إنما يهدم الإسلامَ زَلَّةُ عالم ،
ولا يهدمه زَلّة ألف جاهل ، قد حكم بعض أهل العلم بما لا يحل له، ولا يجوز فى الإسلام:
(٣[ فقد قضى شُرَيح بقضايا ليس عليها أحد من المسلمين ]٣) ، ولا له حجة من كتاب ،
ولا سُنَّة، ولا أثر ، ولا يثبت بجهة من الجهات.
• ومنها : إذا باعت الصَّداق، وطلََّها قبل الدخول، قال مالك: لها نصف ما اشترتْ
ما لم تستهلك منه شيئاً. وقال أبو يوسف ومحمد: يجب على مَن وَلِيَ من الحكام إطال
هذا الحكم. وردًّ عليهما الكرايسِيّ.
(١) فى المطبوعة: فكتب منه فوائد ها أنا أملها. والمثبت من: ج ، د .
(٣) ساقط من : د.
(٢) فى المطبوعة: مخلد. والثبت من: ج، د.
- ١٢٦٠
• وقال أبو يوسف فى الحكم ببيع أم الولد: إنه يُنْقَض، ثم رجع وقال: لا يُنْقَض؛
للإختلاف فيه .
• نقل أبو عاصم ، أن الحسين قال: الخبر إذا رواه عالم من المحدِّثين أوجب العلم
الظاهر والباطن كالتواتر .
• قال الحسين : سمعتُ الشافعىّ يقول: يُكْرَه للرجل أن يقول: قال الرسول،
ولكن يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ليكون معظِّمًا. رواه البَيْهَفِيُّ وغيره،
وهو فى كتاب أبي عاصم.
• وروى عن الشافعىّ أيضاً أنه قال: اضطُرَّ الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم،
فلم يجدوا تحت أديم السماء خيرًا من أبى بكر ؛ فلذلك استعملوه على رقاب الناس .
قال أبو عاصم العَبَّادىّ: وهذا قول منه بأن إمامة المفضول لا تجوز.
• نقل العَبَّادى أن الكرابيسيّ قال: إذا قال: أنت طالق مثل ألف، طلّقْت ثلاثة؛
لأنه شبّه بعدد، فصار كقوله ؛ مثل عدد نجوم السماء ؛ أما إذا قال : مثل الألف - أى
بالتعريف - فتُطَلَّق واحدة إذا لم ينوشيئا؛ لأنه تشبيه بعظيم، فأشبه ما لو قال: مثل الجبل.
(1) ..
وفى الرافعىّ عن المُتَوَلِّى.
(١) بعد هذا بياض فى الأصول. وفى ترجمة الكرابيسى فى الطبقات الوسطى هذه الزيادة: نقل
أبو عاصم فى الطبقات أن أبا نور والكرايسى قالا: إن من أعسر بالحق فحلف أنه ليس عليه شىء كان
بارا فى يمينه؛ لأنه مضطر، وقال الزنى: يكون كاذبا؛ لأنه لو لم يكن عليه شىء لما أنظر، ولما صح
إبراؤه، بل ننظر: فإن كان الحبس يجهده ويضره حلف؛ لأنه مضطر، وإن لم يجهده فلا يجوز الحلف.
ونقل أبو عاصم: أن الكرابيسى روى عن الشافعى أنه قال: من استدان فادعى بعده أنه مفسر؟
يقبل قوله ؛ لأن المال غاد ورائح .
قال أبو عاصم: ومن الغريب الذى يشاكله ما روى أبو الطيب عن ((القديم)) أن القابض والمقبوض
منه إذا اختافا فى جهة الأداء ، فالقول قول القابض .
- ١٢٧ -
٢٦
الحسين القلاس
بفتح القاف وتشديد اللام وفى آخرها السين المهملة ،
الفقيه البغدادىّ، ويقال: اسمه الحسن*
قال الشيخ أبو إسحاق : كان مِنْ عِلَيَة أصحاب الحديث ، وحفّاظ مذهب الشافعىّ.
هكذا حكاه داود فى كتاب ((فضائل الشافعىّ)) عن أبى ثور، وأبى علىّ الرَّعْفرانىّ.
انتهى .
٢٧
حَرْملة بن يحيى بن عبد الله بن حَرْملة بن عِمران بن قُرَاد التّحِسِّ*
نسبة إلى تُجِيب، بضم التاء المنقوطة باثنتين من فوقها وكسر الجيم وسكون الياء
آخر الحروف وفى آخرِها باء موحدة ، وَتُجِيب : قبيلة
كان إماما ، جليلا رفيع الشأن .
وُلد سنة ست وستين ومائة .
وروَى عن الشافعىّ، وعبد الله بن وَهْب، وأيوب بن سُوَيد الرَّمْلَىّ، وَبِشْر بن بكر
التَّنِّيسِيّ(١) ، وسعيد بن أبي مريم، وغيرهم .
روَى عنه مسلم ، وابن ماجة ، وغيرهما .
وكان من أكثر الناس رواية عن ابنَ وَهْب .
* له ترجمة فى: الأنساب لوحة ٤٦٧، وفيه: والحين وقبل الحسن وهو الأشبه ، تاريخ بغداد
٨٦/٨، طبقات الشيرازى ٨٤. والقلاس: نسبة إلى القلس ، وهو الحبل الذى تربط به السفن .
** له ترجمة فى: تذكرة الحفاظ ٦٣/٢، تهذيب التهذيب ٢٢٩/٣، الجمع بين رجال الصحيحين
١١٢، طبقات الشيرازى ٨٠، طبقات ابن هداية الله ه، الباب ١٦٩/١، وفيه: حرملة بن عمرو،
وفيات الأعيان ٣٥٣/١.
(١) بكسر التاء المثناة من فوقها وكسسر النون المشددة والباء المثناة من تحت والسين المهملة، نسبة
إلى مدينة بديار مصر . اللباب ١٨٤/١.
- ١٢٨ -
قال أبو عمر الكِنْدِىّ: لم يكن بمصر أحدأ كتب منه عن ابن وَهْب ؛ وذلك لأن
ابن وَهْب أقام فى منزلهم سنة وستة أشهر، مستخفيا من عبَّاد لما طلبه يولُّه قضاء مصر.
وعن حَرْمَلة : عادلى ابن وَهْب من رمد أصابنى ، وقال لى : يا أبا حفص ، إنه لا يُعاد
من الرَّمد ، ولكنَّك من أهلِ .
وعن أحمد بن صالح المصرىّ: صنَّفَ ابن وَهْب مائة ألف وعشرين ألف حديث ،
عند بعض الناس منها النَّصِفُ، يعنى نفسَه، وعند بعض الناس الكلُّ، يعنى حَرْ مَلَةُ.
وقال محمد بن موسى الخضْرَمِى". حديث ابن وَهْب كله عند حَرْ مَلة، إلا حديثين.
وقال هارون بن سعيد: سمعتُ أشهب، ونظر إلى حَرْمَلة فقال: هذا خيرُ أهل المسجد.
قلتُ: تكلم بعضهم فى حَزْ مَلة، فعن أبى حاتم : لا يُحْتَجّ به.
وأنصف ابن عَدِىّ فقال: قد تبخّرتُ حديث حَرْمَلة، وقلَّشْتُه الكثير ، فلم أجد فى
حديثه ما يجب أن يُضْعَّف من أجله ، ورجل توارى ابن وَهْب عندهم ، ويكون حديثه كله
عنده، فليس ببعيد أن يُغْرِب على غيره.
قلتُ : هذا هو الحق، وحَرْ مَاة ثقة ثبت إن شاء الله .
صنّفَ ((المبسوط)) و ((المختصر)).
ومات سنة ثلاث وأربعين ومائتين .
﴿ومن الرواية عن حرملة)
قال حرملة : حدثنا الشافعىّ، أخبرنا مالك، عن نافع ، عن ابن عمر: أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم، قال: ((الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَأَطْفِئُوهَا بِالْمَاءِ».
قال الحاكم : هذا الحديث ليس هو فى الموطأ .
قال: وكذلك رَوَى عن الشافعىّ، عن مالك، عن أبى الزُّناد، عن الأعْرَج، عن
أبى هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((الْمَجْمَهُ جَرْحُهَاَ جُبٌَ(١)
وَالْبِثُْ جُبَارٌ، وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ)) وليس فى الموطأ .
(١) العجماء: الدابة، والجبار: الهدر. النهاية ٢٣٦/١ .
- ١٢٩ -
( ومن الفوائد عن حرملة )
قال حرملة: سمعتُ الشافعىَّ، يقول: ما حلفتُ بالله صادقا ولا كاذبا قطَّ.
قال حرملة: سمعتُ الشافعىَّ، يقول: أَّة العدل أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلىّ ،
وعمر بن عبد العزيز، رضى الله عنهم، وكذا رواه عن الشافعى الربيعُ بن سليمان.
قال حَرْملة: وسمعتُ الشافعىَّ، يقول: إذا رأيت كَوْسَجاً فحُذره، وما رأيتُ
من أزرق خيرا .
قال : وسمعته، يقول: ما تقرّب إلى الله عز وجل بعد أداء الفرائض، فضل من
طلب العلم .
• قال: وسمعته يقول فى حديث ((اشْتَرِطِى لَهُمُ الْوَلَاءَ)): معناه عليهم. قال الله
. تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّمْنَةُ﴾(١) يعنى: عليهم .
قلتُ : وقد رُوِى عن الشافعىّ تضعيفُ هذا التأويل. وقيل: إنما تأوَّلَه هَكَذا الْزَنِىّ،
وقد عزاه حرملة إلى الشافعىّ نفسه . فهى فائدة .
• وقال حَرْملة: عن الشافعىّ فى قوله صلى الله عليه وسلم: ((بَيْدَ أَنَّهُمْ)) أى:
من أجل أنهم .
• قال: وقال الشافعى": لا يقل أحد: ما شاء الله وشئت. إذ قد جعل فاعلين،
بل : ما شاء الله ثم شئت .
قال حرملة : كان الشافعى رضى الله عنه وهو حَدَث ينظر فى النجوم ، و كانله صديق
وعنده جارية قد حبلت، فقال: إنها تلد إلى سبعة وعشرين يوما بولد ، ويكون فى :فخذه
الأيسر خال أسود، ويعيش أربعة وعشرين يوما، ثم يموت. نجاء الأمر كما وصف ،
(١) سورة الرعد ٢٥ .
(٩ /٢ - طبقات)
- ١٣٠ -
فرَّق تلك الكتب ، وما عاد إلى النظر فى شىء منها .
قال حرملة: كان الشافعىّ يخرج لسانَه فيبلغ أنقه ..
• قال حَرْملة : سمعت سفيان بن ◌ُيَقْنَة ، يقول فى تفسیر حديث النبى صلى الله عليه.
وسلم: (( لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْ آنِ)) قال: يستغنى به .
وقال الشافعىّ: ليس هو هكذا؛ لو كان هكذا قال: يَتَغَاناً؛ إنما هو يتحزَّن،
ويترثم به ، ويقرأه حَدْرا(١) وتحزينا .
﴿ومن المسائل عن حرملة﴾
قال الرافعىّ عن نص الشافعى" فى حرملة: إنه إذا أهدى مشرك إلى الإمام أو الأمير
هدية، والحرب قائمة فهى غنيمة ، بخلاف ما إذا أهدى قبل أن يرتحلوا عن دار الإسلام.
وعن أبى حنيفة: أنّها للمُهْدَى إليه بكل حال . انتهى ..
وذكر النووىّ فى ((الروضة)» هذا الفرع، وقال فيه: بخلاف ما إذا أهدى قبل
أن يرتحلوا عن دار الإسلام؛ فإنه للمُهْدَى إليه. والحكم بكونه للمُهْدَى إليه إنما هو
منقول الرافعىّ عن أبى حنيفة. وأما على مذهبنا فلم يذكره الرافعى"، والذى ينبغى أنه يكون
فيئاً، على قياس هدايا العُمَّال.
وفى ((البحر)) الرُّويَانىّ ما يوافق ما وقع فى ((الروضة))، لكنه غير مُسلم.
نبه على ذلك الوالد رحمه الله فى كتاب ((هدايا العمال)).
، قال حَرْملة : سمعت الشافعىّ يقول: مَن زعم من أهل العدالة أنه يرى الجن أبطلنا
شهادته؛ لقول الله تعالى: ﴿ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾(٢) إلا أن
يكون نبيًّاً. ذكره الآثرى فى ((كتاب المناقب)».
(١) الجدر فى القراءة: الإسراع.
(٢) سورة الأعراف ٢٧ .
- ١٣١ -
● ذهب حرملة فيمن رهن عينا عند(١) مَن هى عنده بوديعة أو نحوها، أنه لا حاجة
إلى مضى زمان يتأنَّى فيه صورة القبض(٢) .
ء
وقضية كلام ((المهذب)) و ((التتمة)) أنه قال نقلا عن الشافعىّ، لا مذهبا لنفسه.
لكن صرح الشيخ أبو حامد وجماعة - كما ذكر النّووىّ - أنه إنما قال مذهبا لنفسه،
لا نقلا .
ثم جعل النووى المسألة ذات وجهين، كقول حَرْملة، فإنه وإن لم ينقله فهو صاحب
وجه. هذا بعد قوله: ((نببت على كونه إنما قاله مذهبا لنفسه؛ اثملا يغيّر به))(٢).
ولك أن تقول: إثبات كونه وجها يستدعى أن يكون فاله تخريجا على أصل الشافعى،
وإلا فقد ينفرد حَرْملة فى بعض المسائل، ويخرج عن المذهب تأصيلا وتفريعا، كما قد يفعل
ذلك المُزَنِىّ وغيره فى بعض الأحابين .
، قال الشيخ أبو حامد فى ((الرونق)) والمحامِلىّ فى ((اللباب)) كلاهما فى (( كتاب
الأشربة))، قال فى حرملة: إذا وجد ماء طاهرا أو ماء نجسا ، واحتاج إلى الطهارة توضأ
بالطاهر ، وشرب النجس .
قلتُ: وهو ما ذكره أبو علىّ الزَّجَّاجِىّ، والماوَرْدِىّ، وغيرهما. لكن أنكره
الشَّاشِىّ، واختار أنه يشرب الطاهر وينيمم. وصحَّحه النووىّ، لكنى ما أظنه اطلع
على ما فى حرملة ، فلعله لو اطلع عليه لوقف عن تصحيح شرب الطاهر، على أن ما صحَّحه
هو الذى يظهر إن كان النجس مما يُعاف استعماله .
(١) فى ج: إلى عند. (٢) ذكر ابن السبكى المسألة فى الطبقات الوسطى مفضلة على هذا النحو:
قد عرف أن أصح الطرق فى المذهب، أنه إذا راهن عند رجل عينا هى عنده، إما بوديعة أو نحوها ،
فلا بد من إذن جديد من الراهن المرتهن فى القبض ، سواء شرط الإذن أم لا ، فلا يلزم العقد ما لم يمض
زمان يتأتى فيه صورة القبض؛ لكن إذا شرط الإذن فهذا الزمان يعتبر من وقت الإدن ، وإن لم يشترط
فمن وقت العقد، وقال حرملة: لا حاجة إلى مضى هذا الزمان ويتزم العقد بنفه .
(٣) فى المطبوعة: يغتر، وفى ح: يغر . والمثبت من: ج .
- ١٣٢ -
٢٨
الربيع بن سليمان بن داود الجيزىّ
: أبو محمد، الأزْدىّ مولاهم، المصرىّ، الأعرج. وقيل: ابن الأعرج
كان رجلا فقيها، صالحا.
روى عن الشافعى، وعبد الله بن وهب، وإسحاق بن وَهْب، وعبد الله بن يوسف
وغيره
روى عنه أبو داود، والنَّائىّ، وأبو بكر بن أبى داود، وأبو جعفر الطحاوىّ،
وغيرم:
توفى فى ذى الحجة سنة ست وخمسين ومائتين ، وقيل: سنة سبع وخمسين .
وهو الذى روى عن الشافعى أن قراءة القرآن بالألحان مكروهة.
وأن الشَّعَر بعد المات يتبع الذات ؛ قياسا على حال الحياة . يعنى أنه يطهر بالدّباغ .
٢٩
الربيع بن سليمان بن عبد الجَّار بن كامل، المرَادىّ
مولاهم، الشيخ أبو محمد المؤذِّن **
صاحب الشافعى، وراوية كتبه، والثقة الثَّبْت فيما يرويه، حتى لقد (١) تعارض هو
وأبو إبراهيم المزكى فى رواية فقدّم الأصحاب روايته، مع على قدر أبى إبراهيم علما ودينا وجلالة
وموافقة ما رواه للقواعد
* له ترجمة فى: تهذيب التهذيب ٣ / ٢٤٥، شذرات الذهب ٢ / ١٠٩، طبقات الشيرازى ٨١.
طبقات ابن هداية الله ٦، الباب ١ / ٢٦٣، وفيات الأعيان ٢/ ٥٣
** له ترجة فى: تذكرة الحفاظ ١٤٨/٢، تهذيب التهذيب ٢٤٥/٣، شذرات الذهب١٥٩/٢،
طبقات الشيرازى ٧٩، طبقات ابن هداية الله ٦، العبر ٢ / ٤٥، النجوم الزاهرة ٣ / ٢٨، وفيات.
:
الأعيان ٢ /٠٢٠.
(١) فى المطبوعة: حتى لو تعارض هو وإبراهيم المزنى فى رواية لقدم الأصحاب روايته. والمثبت من :
ج. ومن قوله: ((هو وأبو إبراهيم، إلى « قدر أبى)) ساقط من: د.
- ١٣٫٣ -
· ألا ترى أن أبا إبراهيم روى لفظًا: أن الشافعى رضى الله عنه قال: ولو كان العبد
مجنونا مَتَق بأداء الكتابة، ولا يرجع أحدهما على صاحبه بشىء ، وهذا هو القياس ؛ فإن
المجنون وقت العقد لا يصح عقْدُ الكتابة معه، وما هو إلا تعليق محض فيعتق بوجود الصفة،
ولا يراجع بالقيمة. وهذا هو الذى يُفْسَتَى به مذهباً .
:
وروى الربيع هذه الصورة بهذه اللفظة، وقال: يتراجعان بالقيمة. وهذا يتضمَّن كون
الكتابة الجارية مع المجنون كتابة فاسدة ، يتعلق بها التراجع عند حصول العتق ، وهذا على
نهاية الإشكال ؛ فإن المجنون(١) وهو المجنون، لا عبارة له.
ثم قال ابن سُرّيح فيا (٢) نقله الصَّيْدَ لَانِيّ، وجماعات: الصحيح ما نقله الربيع.
قال إمام الحرمين: وقد ظهر عندنا أن ابن سُرَيح لم يصحِّح ما رواه الربيع فقها ،
ولكنه رآء أوْثق فى النقل .
وقال أبو إسحاق: الصحيح ما نقل المُزَنىّ.
قال المحققون من أئمتنا: ومراده أن رواية المزّنىّ هى الصحيحة فقها لا نقلا؛ فلا
تعارض بين ما صححه أبو إسحاق ، وما صححه ابن مُرَيج .
وقد خرج من هذا ما هو موضع حاجتنا من على قدر الربيع فيما يرويه .
ولد الربيع سنة أربع وسبعين ومائة .
واتصل بخدمة الشافعىّ وحمل عنه الكثير، وحدث عنه به، وعن عبد الله بن وَهْب،
وعبد الله بن يوسف التِّنْيْسِىّ، وأيوب بن سُوَيد الرَّمْلِىّ، ويحيى بن حسّان، وأسد بن موسى،
وجماعة .
روى عنه أبو داود، والنَّسائىّ، وابن ماجة، وأبو زُرْعة الرَّازِىّ، وأبو حاتم، وابنه
عبد الرحمن بن أبى حاتم، وزكريا السَّاجِىّ، وأبو جعفر الطَّحاوِىّ، وأبو بكر عبد الله بن محمد
(١) فى المطبوعة: المخبول، والمثبت من: ج ، د.
(٢) فى المطبوعة: كما، وفى د : ما. والمثبت من: ج.
- ١٣٤ -
ابن زياد النَّيْابُورِىّ، والحسن بن حَبِيبِ الْحَصَائِىّ (١)، وابن صاعِد، وأبو العباس
الأسَمّ، وآخرون، آخرم أبو الفوارس السِّندِىّ، وروى عنه التَّرمِذيّ بالإجازة .
ولد سنة أربع وسبعين ومائة(٢).
وكان مؤذنا بالمسجد الجامع بقسطاط مصر ، المعروف اليوم بجامع عمرو بن العاص
وكان يقرأ بالألحان، وكان الشافعىّ يحبه، وقال له يوما: ما أحبَّكَ إلىّ.
وقال : ما خدمنى أحد قطّ ما خدمنى الربيع بن سليمان .
وقال له يوما : يا ربيع، لو أمكننى أن أطعمك العلم لأطعمتك.
وقال القفّال فى ((فتاويه)) كان الربيع بطىء الفهم، فكرر الشافعىّ عليه مسألة واحدة
. أربعين مرة فلم يفهم ، وقام من المجلس حياء، فدعاه الشافعىّ فى خلوة، وكرر عليه حتى فهم.
وكانت الرحلة فى كتب الشافعىّ إليه من الآفاق نحو مائتى رجل ، وقد كاشفه الشافعى
بذلك؛ حيث يقول له فيما روى عنه : أنت راوية كتبى .
ومن شعر الربيع :
صبرا جميلا ما أسرعَ المرجَا مَن صدَّقَ اللهَ فى الأمور نجا
ومن رجا اللّهَ كان حيث رجاً
مَنْ خَشِى اللّهَ لم ينلْه أَذَى
وقيل : كانت فيه سلامة صدر ، وغَفْلةٍ ..
قلتُ: إلا أنها باتفاقهم لم تنته به إلى التوقّف فى قبول روايته بل هو ثقة لما ثبت، خرَّج
إمام الأئمة ابن خُزيمة حديثَه فى صحيحه ، وكذلك ابن حِبَّن، والحاكم.
قال ابن أبى حاتم : سمعنا منه ، وهو صدوق. وسئل أبى عنه، فقال: صدوق . انتثى:
وقال الخليل فى ((الإرشاد)»: ثقة متَّفَق عليه.
قال الطَّحاوىّ: مات الربيع بن سليمان، مؤذن جامع الفسطاط، يوم الاثنين، ودفن
يوم الثلاثاء لإحدى وعشرين ليلة خلت من شوال، سنة سبعين ومائتين، وصلى عليه الأمير
خمارَوَيْه بن أحمد بن طولون .
(١) بفتح الحاء والصاف البساتين - انظر المشقة ٢٣٨.
(٢) ذكر الصنف هذا الخبر فى الصفحة السابقة.
- ١٣٥ -
قلتُ: وعاش ابنه أبو الْمَضَا (١) محمد بعده ثلاث سنين.
ولهم شيخ آخر يقال له الربيع بن سليمان ، مات سنة ثلاث وسبعين . نبهنا عليه ؛
لئلا يشتبه .
{ وهذه تخب وفوائد عن الربيع، رحمه الله﴾
قال أبو عاصم : روى الربيع عن الشافعىّ أنه قال: فى الأكل أربعة أشياء فرض وأربعة
سنة، وأربعة أدب، أما الفرض: فغسل اليدين، والقصعة، والمسكين، والغرفة. والسنة :
الجلوس على الرّجل اليسرى، وتصغير اللََّم، والمضغ الشديد، ولعق الأصابع. والأدب:
أن لا تمديدك حتى يمد من هو أكبر منك، وتأكل مما يليك ، وقلة النظر فى وجوه الناس ،
وقلة الكلام .
قال الربيع: دخلت على الشافعىّ، وهو مريض فقلت: قوَّى الله ضعفَك. فقال: لو
قوَّى ضعفى قتلنى. قلتُ: والله ما أردت إلا الخير. قال: أعلم أنك لوشتمتنى لم ترد إلا الخير.
وفى رواية: قل؛ قوَّى الله قوّتَك، وضعَّف ضعفَك.
قلتُ: أماقد جاء فى أدعية النبيّ صلى الله عليه وسلم: ((وَقَوِّ فِ رِضَاكَ ضَعْفِى)»!
• وعن حُبَيش (٢) بن مبشّر: حضرت مجلسا بالعراق فيه الشافعيّ جرى ذكر ما يحل
ويحرم من حيوان البحر، فقلّد الشافعىّ مذهبَ ابن أبى ليلى: أنه يحل كل ما فى البحر
حتى الضَّفدع والسرطان ، إلا شيئا فيه سم ، فتكلّم حسن كلامه .
قال الربيع : فعلّقْتْه ، وعرضته عليه ، فاستحسنه واختاره .
قلتُ: هو قول للشافعيّ شهير، وقد نسبه الشيخ أبو عاصم إلى رواية الربيع.
(١) فى المطبوعة: أبو المعنى. والمثبت من: ج، د.ورسمه فيها هكذا: أبو الغى.
(٢) بضم الحاء وفتح الباء . انظر المشتبه ٢٧١
- ١٣٦ -
وروى أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن الحسين الأسدى فى كتابه فى (مناقب الشافعى"))
أن الربيع قال: كان الشافعى لايرى الإجازة فى الحديث، وأنه قال: أنا أخالف الشافعى
فی ھذا ..
قال الربيع : سمعتُ الشافعىّ يقول: مَن استغضب فلم يغضب فهو حمار، ومن استُرْضِىَ
فلم رض فهو الثيم، وفى لفظ: شيطان. ومن ذكرٍ فلم يزجر فهو محروم، ومن تعرَّض
. ما لا يعنيه فهو المثوم.
قال الربيع: سمعتُ الشافعي يقول: ما حلف بالله صادقاً ولا كاذبا، جادا ولا هازلا
قلتُ: روى هذا عن الشافعى جماعات من أصحابه: الربيع، وحَرْملة، وغيرهما، وقد
قال الربيع: سمعت الشافعىّ يقول: والله الذى لا إله إلاهو، لو علمت أن شرب الماء البارد
يَنْقُص مرومتى ما شر بتُهُ
قال الربيع: سمعت الشافعىّ يقول: أنفع الذخائر التقوى، وأضرّها العدوان.
قال: وسمعته يقول: لا خير لك فى صحبة من تحتاج إلى مُداراته .
قال الربيع: قال الشافعى، فى قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَنُ أَنْ يُتْرَكَ سُدَى﴾(١):
لم يختلف أهل العلم بالقرآن فيما علمتُ أن السُّدَى الذى لا يُؤْمِر ولا ينهى.
قلتُ: وكذلك ذكره رضى الله عنه فى ((الرسالة))(٢)، قرأته على الشيخ الإمام كذلك
فى درس الغزَّالية.
• قال الربيع: سئل الشافعىّ عن الرُّقية، فقال: لا بأس أن يُرْقى بكتاب الله، أو
ذكر الله جل ثناؤه .
فقلتُ: أَيَرْ قِ أهلِ الكتابِ المسلمين؟
فقال: نعم، إذا رَقُوا بما يُعرَف من كتاب الله، أو ذكر الله .
فقلتُ : وما الحجة فى ذلك ؟
(١) سورة القيامة ٣٦
(٢) الرسالة من ٢٫٥
!
- ١٣٧ -
فقال: غيرْ حجة؛ فما رواية صاحبنا وصاحبكم، فإن مالكما أخبرنا، عن يحيى بن
سعيد، عن ◌َمْرة بنت عبد الرحمن: أن أبا بكر دخل على عائشة ، وهى تَشتكى، ويهودية
ترْقيها ، فقال أبو بكر : ارْفيها بكتاب الله .
فقلتُ الشافعىّ: إنا نكره رُقية أهل الكتاب.
فقال: ولِم ، وأنّم ترؤُون هذا عن أبى بكر ، ولا أعلمكم ترؤُون هذا عن غيره من
أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم خلافَه، وقد أحل الله طعامَ أهل الكتاب ونساءهم،
وأحسب الرقية إذا رَقُوا بكتاب الله مثل هذا، أو أخفْ.
قلتُ: روى ذلك الحاكم فى ((مناقب الشافعىّ)) عن الأصمّ، عن الربيع. وأظن
السائل والمناظر للشافعى فى ذلك محمد بن الحسن.
وقد تضمّن أن قول الصحابيّ إذا لم يُعرَف له مخالف حجةٌ عند من لا يراه حجة،
إذا خالفه غيره .
٠
• ونظيره ذكرُ الربيع أيضا مناظرة الشافعىّ مع محمد بن الحسن ، فى زكاة مال اليتيم،
وقول الشافعىّ فى أثناء كلامه: إلا أن أصل مذهبنا ومذهبك أنا لا تخالف الواحد من
أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم، إلا أن يخالفه غيرُه منهم. فى مناظرة طويلة فى المسألة.
● وذكر الربيع مناظرته أيضا مع محمد بن الحسن فى المُدَبَّر، وفيها قول الشافعيّ لمحمد
ابن الحسن : هل لك أن تقول على غير أصل، أو قياس على أصل ؟ قال : لا .
قلتُ: ((فالأصل)) كتاب الله، أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو فول
بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو إجماع الناس. فى مناظرة طويلة ، قال
الشافعى فى آخرها: فرجع محمد إلى قولنا فى بيع المُدبّر .
• قال الربيع: قال الشافعىّ: قلتُ لمحمد بن الحسن: لم زعمتَ أنه إذا أدخل يده فى
الإناء بنية الوضوء ينجسُ الماء؟ وأحسب أو قال هذا غيركم لقلتم عنه: إنه مجنون.
فقال: لقد سمعتُ أبا يوسف يقول: قولُ الحجازيين فى الماء أحسن من قولنا، وقولنا
فيه خطأ .
:
٠
.٣ - ١٣٨ -
قلتُ : فأقام عليه ؟ ..
قال: قد رجع إلى قولكم نحوا من شهرين ، ثم رجع
قلتُ : ما زاد رجوعه إلى قولنا قوة ، ولا وَهَّنه رجوعه عنه .
قال الربيع: سمعت الشافعى" يقول، وسأله رجل عن مسألة، فقال: يُرُوّى عن النبىّ
صلى الله عليه وسلم أنه قال: كذا وكذا. فقال له السائل: يا أبا عبد الله، أتقول هذا؟
فارتعد: الشّافعىّ، واصفرٍ وحال لونه، وقال: وبُحَك، أىُّ أُرض تُقُلْنى، وأيُّ ساء تُظِلَّى
إذا رويتْ عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم شيئا فلم أقل به! نَعَمَ على الرأس والعين.
وفى لنقذِ: متى رويتُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا، ولم آخذ به، فأشهدكم
أن عقلى قد ذهب .
وفى لفظ آخر رواه الزَّعْفَرانىّ: سمعتُ الشافعىّ يقول لمن قال له: أتأخذ بهذا الحديث:
ترانى فى بيعة، رائى فى كنيسة، رى علىّ ذِىّ الكفار! هو ذا ترانى فى مسجد المسلمين،
علىّ ◌ِىُّ المسلمين، مستقبلَ قبلتهم، أروى حديثا عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، ثم.
لا أقول به !
ورواه أيضا الخَيَدِىّ، وجماعات؛ فكأنه وقع له مرات رضى الله عنه.
قال الربيع: سمعتُ الشافعىّ يقول: إذا ضاقت الأشياء السعت، وإذا اتسعت ضافت.
قال: وسمعته يقول: مَن صَدق فى أُخوّة أخيه قَبِل عِنَلَه وسدَّ خَلَه، وعفا عن زَلَلَه.
قال: وسمعته يقول: الكيس العاقل هو القطن المتغافل.
وقال ابن خُزيمة فيما ذكره البَيْتَقِىّ: سمعتُ الربيع يقول: سمعتُ الشافعىّ يقول:
أكره أن يقول: أعظم الله أجرك. يعنى فى المصاب؛ لأن معناه: أكثر الله مصائبك
لَيَعْظُم أجرُكِ.
قلتُ: لنا فى هذا من البحث كما قدمناه (٣) فى ((قوَّى الله ضعفك)) فكلاهما
فى السنّة.
(١) فى المطبوعة: ما قدمناه؛ وفى د: لنا فى هذا بحت كاقدمناه، والثبت من: ج. اط
- ١٣٩ -
وقال ابن خُزَة أيضا: حدثنا الربيع قال: كان الشافعىّ إذا أراد أن يدخل فى الصلاة
قال: بسم الله، متوجها لبيت الله، مؤديا لعبادة الله.
قال الربيع : قلتُ الشافعىّ: مَن أقدر الناس على المناظرة؟ فقال: مَن عوَّد لسانه
الركْض فى ميدان الألفاظ ، ولم يتلعثم إذا رمقته العيون بالألحاظ .
٣٠
سليمان بن داود بن داود بن على بن عبد الله بن عباس
القرشىّ الماشى"، أبو أيوب، البغدادى"*
روى عن الشافعىّ، وغيره .
وروى عنه أحمد بن حنبل ، وغيره .
قال أحمد بن حنبل : لوقيل لى: اختر الأمة رجلا استخلفه عليهم ، استخلفت سليمان بن
داود الهاشمىّ.
وعن الشافعىّ: ما رأيت أعقل من هذين الرجلين : سليمان بن داود ، وأحمد بن حنبل .
توفى سنة تسع عشرة ومائتين ، وقيل سنة عشرين .
أخبرنا أحمد بن على الجزرىّ ، وفاطمة بنت إبراهيم فى كتابهما، عن محمدبن عبد الهادى
عن السِّلَفِىّ، أخبرنا المبارك بن الطَّيُورِىّ، أخبرنا أبو الفتح عبد الكريم بن محمد ،
أخبرنا على بن عمر، حدثنا أبو بكر بن زياد النَّيْابُورِىّ، حدثنا عبد الله بن أحمد، حدثنى
أبى، حدثنا سليمان بن داود الهاشمىّ، حدثنا محمد بن إدريس الشافعى، حدثنا يحيى بن سليم
عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم صلى فى كسوف الشمس
ركعتين، فى كل زكمة ركعتين ..
# له ترجمة فى : تاريخ بغداد ٣١/٩، تهذيب التهذيب ١٨٧/٤، شذرات الذهب ٢ /٠٤٥
طبقات القراء ١ / ٣١٣، العبر ١/ ٣٧٦، النجوم الزاهرة ٢ / ٢٣١، وفى المطبوعة : سليمان
ابن داودين على ، وكذلك فى الشذرات والعبر. والمثبت من: ج، د ، وبقية المصادر.
۔
- ١٤٠ -
عبد الله بن الزبير بن عيسى، القرشىّ، الأسدى، المكىّ
٣١
محدّث مكة ، وفقيها،
أبو بكر الحُمَيْدِىّ: [ نسبة إلى] حُعَيد بن زهير بن الحارث بن أسد *
روَى عن الشافعىّ، وتفقه به، وذهب معه إلى مصر، وسفيان بن عيينة ..
قال شيخنا الذهبىّ: وهو أجل أصحابه - وعبدِ العزيز الدَّرَاوِرْدِىّ، وفُضَيل بن عياض
ووكيع ، وغيرم.
روى عنه البخارىّ، ويعقوب بن سفيان، ومحمد بن يحيى الدُّهْلِىّ، وسلمة بن شبيب.
وأبو زُرْعة وأبو حاتم الزَّازِيَّان، وخلق .
قال أحمد بن حنبل: الحُمَّيْدِىّ عندنا إمام جليل ..
وقال أبو حاتم: أثبت الناس فى ابن عُيَينة الحُمَّيْدِىّ.
وعن الربيع : سمعت الشافعىّ يقول: ما رأيت صاحب بلغم أحفظ من الحُمَّيْدِىّ،
كان يحفظ لابن عيينة عشرة آلاف حديث ...
وقال ابن حِبّان: جالس ابنَ عُيَينة عشرين سنة .
قلتُ: إن كان ما قاله أبو حاتم والشافعىّ وابن حِبَّان هو الحامل للذهبيّ على قوله:
إِنَ الحُمَيْدِىّ أجلُّ أصحاب ابن عيينة ، فليس ذلك يكاف فيما قالِ
وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا الحُمَّيْدِىّ، وما لقيت أنصح للإسلام وأهله منه.
وقال محمد بن إسحاق الَرْوزِىّ: سمعتُ إسحاق بن رَاهُويه يقول: الأمة فى زماننا:
الشافعىّ والحُمَيْدِىّ، وَأبو عُبَيد.
* له ترجمة فى: تذكرة الحفاظ ١/٢، تهذيب التهذيب ٢١٥/٥، الجمع بن رجال الصحيحين ٢٦٥،
وقد ذكر نسبه على نحو لا يليس، هكذا: عبد الله بن الزبير بن عيسى بن عبيد الله بن الزبير بن عبد الله
ابن حميد وإليه يقب، أبو بكر الحميدى القرشى المكن، شذرات الذهب ٤٥/٢، طبقات الشيرازى ١٨١،
طقات ابن هداية الله ٣، العبر ٣٧٧/١، اللباب ٣٢١/١، النجوم الزاهرة ٢٣١/٢. وما بين
المعقوفتين زيادة يقتضيها السباق .