النص المفهرس

صفحات 101-120

- ١٠١ -
سمعتُ نافعاً يقول: سمعت عبد الله بن عمر رضى الله عنهما، يقول: دَعما رسولُ الله صلى الله
عليه وسلم يومَ الأحزاب بهذا الدُّعَاءِ، فَكُفِىَ، وهو: ((اللَّهُمَّ إِلَّى أَعُوذُ بِنُورٍ قُدْسِكَ،
وَبَرَكَةٍ طَرَتِكَ ، وَعِظَمٍ جَلَالِكَ مِنْ كُلِّ ◌َارِقٍ ، إِلَّ ◌َطَاءَِا يَطْرُقُ بِخَيْرٍ . اللَّهَُّ
أَنْتَ غَيَائِى فِبِكَ أَعُوثُ، وَأَنْتَ عَذِى، فَبِكَ أَعُوذُ ، وَأَنْتَ مَلَاذِى، فَبِكَ أَلُوذُ ،
يَا مَنْ ذَأَتْ لَهُ رِقَابُ الْجَبَا بِرَةٍ، وَخَضَعَتْ لَهُ مَقَلِيدُ الْغَرَاعِنَةِ، أَجِرْنِ مِنْ خِزْيِكَ،
وَعُقُوبَتِكَ(١) فِ لَيْلِى، وَنَّهَارِى، وَنَوْمِى، وَقَرَارِى. لَا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ، تَعْظِيمَا
لِوَجْهِكَ، وَتَكْرِيمَاً لِسَبَحَانِكَ، فَصْرِفْ عَنِّى شَرَّ عِبَادِكَ، وَاجْعَلِى فِى حِفْظِ عِنَايَتِكَ،
وَسُرَادِقَاتِ حِفْظِكَ، وَعُدْ عَلَىَّ بِخَيْرٍ مِنْكَ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ))(٢).
﴿النظر فى النجوم، وما يؤثر عن الشافعى فى ذلك)
عن المُزَّنِىّ: سمعت الشافعىّ يقول: ضاع منى دنانير، جئت بقَائِفٍ، فنظر ...
الحكاية .
ونظيرها قول عبد الله بن محمد بن العباس بن عثمان الشافعى" يقول: كان محمد بن إدريس
الشافعىّ وهو حدّث ينظر فى النجوم ... الحكاية، وفى آخرها: وقد صدق معه بعض
المُنجِّمين، فجعل الشافعىّ على نفسه أن لا ينظر فى النجوم .
، واعلم أنه قد يعترض معترض على نظر هذا الإمام فى النجوم ، فيجيب مجيب أن
ذلك كان فى حداثة سِنّه . وليس هذا بجواب، والخطب فى مسألة النظر فى النجوم جليل
عسير، وجماع القول أن النظر فيه لِمَن يُحب إحاطةً بما عليه أهله غيرُ مُنكَرٍ، أما اعتقاد
تأثيره، وما يقوله أهله فهذا هو المنكر. ولم يقل بحِلِه؛ لا الشافعىّ، ولا غيره.
(١) فى ج ، دزيادة : فإننى.
(٢) فى هامش ج تظيقا على هذا الحديث: هذا حديث موضوع على هذا الإسناد، لم يحدث به
ابن عمر ولا نافع ولا مالك ولا الشافعى، والعجب من هذا الصنف الذى يدعى أنه محدث، لم لا ينقب عن
هذه النكرات؟! وستأى بعد قليل فى ترجمة الفضل بن الربيع هذه الحكاية بسياق آخر، فانظر وتعجب!

- ١٠٢ -
ورأيت الشيخ برهان الدين بن الفر كاح(١) ذكر فى كتاب الشهادات من « تعليقه ))
وقد ذكر عن الشافعىّ ما ذكرناه: إن كان النجِم، يقول ويعتقد أن لا يؤثِّر إلا الله،:
لكن أجرى الله تعالى العادة بأنه يقع كذا عند كذا ، والمؤثر هو الله، فهذا عندى لا بأس
به ، وحيث جاء الذَّمُّ ينبغى أن يحمل على مَن يعتقد تأثير النجوم وغيرها من المخلوقات .
انتهى .
وكانت المسألة قد وقعت فى زمانه، فذ کر هو ما ذكرناه.
وأفتى الشيخ كمال الدين بن الزَّمْلَكَانى (٢) بالتحريم مطلقا، وأطال فيه. وليس
ما ذكره بالبيّن(٣)، والظن أنه لو استحضر صنيع الشافعىّ لَما أطلق لسأنه هذا
الإطلاق ..
وأفتى ابن الصّلاح بتحريم الضّرب فى الرمل ، وبالحصى ، ونحو ذلك .
ولأهل العلم على قوله تعالى حكاية عن إبراهيم الخليل عليه السلام: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِى
النُّجُومِ. فَقَالَ إِنَّى سَقِيمٌ﴾(٤) مباحثُ.
﴿ذَكر البحث عن تخريجات المُزَّبِىّ رحمه الله وآرائه،
هل تلتحق بالمذهب ؟﴾
قال الرافعىّ فى باب الوضوء: تفرُّدات المُزَنِيّ لا تُعَدَ من الذهب إذا لم يخرجها على
أصل الشافعى .
• ونقل - أعنى الرافعىّ - عَمَا علّق عن مام فى مسألة خلع الوكيل: أن المزَنِىّ
لا يخالف أصول الشافعىّ، وأنه ليس كأبى يوسف ومحمد؛ فإنهما يخالفان أصول
صاحهما .
(١) الفركاح: من ارتفع مذروا استه وخرج ديره. القاموس ( ف ر ح).
(٢) بفتح الزاى وسكون الميم وفتح اللام والكاف وفى آخرها ،ون هذه النسبة إلى قرية بدمشق.
(٣) فى المطبوعة: بأبين ، وفى د: باليسير، والمثبت من : ج .
الباب ٥٠٧/١ ٠
(٤) سورة الصافات ٨٩،٨٨.

- ١٠٣ -
والذى رأيته فى ((النهاية))(١) فى هذه المسألة: والذى أراه أن يُلحَق مذهبه فى جميع
المسائل بالمذهب، فإنه ما انحاز عن الشافعىّ فى أصل يتعلق الكلام فيه بقاطع، وإذا لم يفارق
الشافعى فى أصوله فتخريجاته خارجة(٣) على قاعدة إمامه، وإن كان لتخريج مخرَّج التحاق بالمذهب
فأَولاها تخريج الُزَنِىّ، لعلوِّ منصبه، وتلقيه أصول الشافعى. وإنما لم يُلحِقِ الأصحاب مذهبه
فى هذه المسألة، لأن من صيغة تخريجه أن يقول: قياس مذهب الشافعىّ كذا وكذا، فإذا
انفرد بمذهب استعمل لفظة تشعر بانحيازه، وقد قال فى هذه المسألة لمًا حكى جواب الشافعىّ:
ليس هذا عندى بشىء . واندفع فى توجيه مذهبه .
• والمسألة: إذا وكَّلتْه فى الخُلع بمُقَدَّر، فزاد عليه وأضاف، فمنصوص الشافعيّ أن
البَيْنُونة حاصلة، ومذهب المُزَنِّ أن الطلاق لا يقع.
قلتُ: ولعل الشّهرسْتانىّ صاحب كتاب ((الملل والنحل)) تلقى هذا الكلام من الإمام؛
فإنه ذكر فى كتابه أن المزَنِيّ وغيره من أصحاب الشافعىّ لا يزيدون على اجتهاده اجتهادا،
ولكن فى كلام الإمام ما يقتضى أنه - أعنى الُزَفِىّ- ربما اختار لنفسه، وانحاز عن الذهب،
وهذا هو الظاهر .
وينبغى أن يكون الفيصل فى المزَنِىّ أن تخريجاتِه معدودة من المذهب، لأنها على قاعدة
الإمام الأعظم، وإلى ذلك أشار الإمام أبو المعالى بقوله: إن كان لتخريج مخرِّج التحاق
إلى آخره . وأما اختياراته الخارجة عن المذهب فلا وجه لعدّها أَلبتَّةً.
وأما إذا أطلق فذلك موضع النَّظر والاحتمال، وأرى أنّ ما كان من تلك المطلقات فى
((مختصره)) تلتحق بالمذهب ، لأنه على أصول المذهب بَنَهُ ، وأشار إلى ذلك بقوله فى خطبته:
((هذا مختصر اختصرته من علم الشافعىّ، ومِن معنى قوله)).
وأما ما ليس فى المختصر بل هوفى تصانيفه المستقلة، فوضع التوقف ، وهو فى مختصره
المسمى ((نهاية الاختصار)) يُصرِّح بمخالفة الشافعىّ فى مواضع، فتلك لا تُعَدُّ من الذهب
قطعاً .
(١) النهاية لأبي المعالى الجوينى.
(٢) أى مبنية على قاعدة إمامه .

- ١٠٤ -
وقال النَّووِىّ فى مقدمة ((شرح المهذب)): الأوجه لأصحاب الشافعى رضى الله عنه،
المنتسبين إلى مذهبه يخرّجونها على أصوله ، ويستفبطونها من قواعده، ويجتهدون فى بعضها
وإن لم يأخذوه من أصله. انتهى.
وقوله: ((ويجتهدون فى بعضها، وإن لم يأخذوه من أصله)) يوهم أنه يُعَدُّ من المذهب
مطلقاً ، وليس كذلك ، بل القول الفصل فيما اجتهدوا فيه ، ولم يأخذوه من أصله، أنه
لا يُعَدَ إلا إذا لَمْ يُنافِ قواعد المذهب، فإِن نافها لم يُعَدّ، وإن ناسبها عُدَّ، وإن لم يكن
فيه مناسبة ولا منافاة - وقد لا يكون لذلك وجود، لإحاطة المذهب بالحوادث كابا - ففى
إلحاقه بالمذهب ردُّد.
وكل تخريج أطلقه المخرّج إطلاقً، فيظهرأن ذلك المخرج، إن كان ممن يغلب عليه التمذهب
والتقيُّدُ كالشيخ أبى حامد، والقَفَّل، مُدَّ من الذهب، وإن كان ممن كثر خروجه كالمحمَّدِين
"الأربعة(١) فلا يُعَد .
وأما المُزَنِىّ، وبعددابن سُرَيح فبيْن الدرجتين، لم يخرجوا خروج المحمَّدِين، ولم يتقيدوا
بقيد العراقيِّين والخُراسانيِّين .
. ﴿ومن المسائل عن أبى إبراهيم)
• قال أبو عاصم: ناظر أبو إبراهيم فى مجلس ابن طولون، فى القضاء على الغائب
فألزم الحاضرَ فى المجلس ، فقال: مَن يجوِّز القضاء على الغائب بجوِّزه على الحاضر.
قال: ونقله الشّاشِىّ إلى كتابه.
قال: وفى كتب الشافعىّ أنه يجوز السماع، ولا يحكم، حتى يقول له: هل لك طعن؟
قلتُ: وهى وجوه مسطورة فى المذهب ، أمحها المنع ، وثالثها يسمع ولا يحكم.
قال أبو عاصم: وصنف المزني كتاب ((المقارب))، وقال فيه: إن القصاص فى النفس
لا يسقط بعفوه عن الجراحة.
(١) المحمدون الأربعة: محمد بن جرير، محمد بن إسحاق بن خزيمة، محمد بن نصر المروزى، محمد بن
هارون الرويانى . وقد ذكر المصنف قصة إملاقيم بمصر، فى ترجمة مهد بن نصر المروزى(الطبقة الثانية). ٢٤٦

- ١٠٥ -
قلتُ: هو المشهور عن أبى الطيِّب بن سلمة، ويحكى عن تخريج ابن سُرَيج ،
وقد رأيته فى ((المقارب)) كما نقل العَبَّادِىّ، وعبارة المُزَفِّ: أنه الأقْيس.
· قال العبَادِىّ: وقال فيه: إن المضطر يأكل الآدمىَّ الميت.
قلتُ: قد رأيتُه أيضاً فى ((العقارب)) وعبارته: وقد سئل عن مضطرّ لا يجد ميتة،
ووجد لحم إنسان. هل يأ كله؟ إن القياس أن يأكل؛ فقد أباح النبيّ صلى الله عليه وسلم
سَبَّ الله تعالى، وهو أعظم وأجل. قال: والسَّبُّ لله كافر، والمستخف بحق الله كافر، غير
أن السَّابّ لله أعظم جُرما. وأخال فيه.
وأما قوله: (الصحيح أنه يأكل)) فهو الصحيح فى الذهب، قال إبراهيم الْمَرْ وَرُّوزِىّ:
إلا أن يكون الميِّت نَبِيًّا .
قلتُ: كتاب ((المقارب)) مختصر فيه أربعون مسألة، ولَّدها المُزَّفِىّ، ورواها عنه
الأنْمَاطِىّ، وأظن ابن الحدّاد نسج «فروعه)» على مِنْوالها.
{ومن غرائب ((العقارب)))
• رأيت المزّلىّ قد نقل فيها إجماع العلماء أن مَن حلف ليْضِيِّن فلانا حقّه غدا، واجتهد
فعجز أنه حانث، (١ واستشهدبه للرد على الشافعىّ، وأبى حنيفة، ومالك؛ فإنه نقل عنهم فيمن
قال لامرأته: إن لم أطأك الليلةَ فأنت طالق، فوجدها حائضاً، أو محرمة، أوصائمة ، أو كان
قد ظاهر منها ولم يُكفِّر أنه لا حِقْت عليه؛ لأنه لا سبيل له إلى وطئها .
ثم قال: يدخل عليهم أن يقال: ليس التحليل والتحريم من الأيمان بشىء(٢)، ألا
رى أن من حلف أن يعصى الله فلم يفعل أنه حانث، وإن فعل بَرَّ. وقد أجمعت العلماء: أنه
من حلف ليْضِينَّ فلانا حقه غدا واجتهد فعجز، أنه حانث١) عندم؛ ففى هذا دليل أن علة
هؤلاء من الإكراه ليس بعلة . انتهى .
وما نقله من الإجماع لا بد أن يُنازَع فيه، وأقل أحواله أن يكون فيه قوْلاً المكْرَه.
(١) ساقط من : د .
(٢) فى المطبوعة: فى شىء ، والثبت من : ج.

- ١٠٦ -
وقد نقل الرافعى فى فروع الطلاق عن ((العقارب)) ما نقلناه، وقال : قد قيل
إن المذهب ما قاله المُزَنِىّ، وهو اختيار القفَّل. وقيل: هو على الخلاف فى فوات البِرّ
بالإكراه .
· قلتُ: وحاصل الأمر أن هنا إكراها شرعيا على عدم الوطء، وفى إلحاقه بالإكراه
الحسىّ نظر، والأشبه أنه لا يلتحق به؛ لأن فى الرافعى" وغيره ، فيمن حلف لا يفارق
غريمه حتى يستوفى فأفلس ، ثم فارقه أنه يحنث، وإن كان الشرع لا يجَوِّز له ملازمته
بعد الإفلاس ، فما ذكره الزَّنِيّ هو القياس الظاهر.
قال المُزَفِىّ فى كتابه ((نهاية الاختصار)) وقد وقفتُ منها على أصل قديم، كتب
سنة ثمانين وأربعمائة: إنه لا حَدَّ لأقل الخيض، وهو كذلك فى «ترتيب الأقسام»
للمَرْ عَشِىّ(١) ، ولعله من هذا الكتاب أخذه.
، ثم قال المُزَِّيّ فى النِّفَاسِ: وأكثره ستون يوما فى رأى الشافعى، وفى رأيى(٣)
أربعون يوما. انتهى .
وكثيرًا ما يذكر فى هذا المختصر آراء نفسه، وهو مختصر جدا ، لعله يحو ربع
(( التنبيه )) أو دونه .
● وذكر فيها من باب الاستبراء قول الشافعيّ فيه، ثم نص على مذهبه فى الاستبراء
العَزُوّ إليه فى ((الرافعىّ)) وغيره، فقال: وقَوْلى أن ليس على أحد مَلَك أَمَةً بأى وجه
ملكها استبراء؛ إلّا أن تكون موطوءةً لم تُسْتَبرأ، أو كانت حاملا . انتهى.
وعبارة ((الروضة)) فى نقل هذا عنه: وعن المزَنِىّ، فها هو وقد صرَّح به (٣).
(١) بفتح الميم وسكون الراء وفتح العين المهملة وفى آخرها شين معجمة، هذه النسبة إلى مرعش،
وهى بلدة من بلاد الشام، وإلى مرعش العلوى. اللباب ١٢٥/٣.
(٢) فى ج : وفى رأى. والمثبت فى المطبوعة ، د.
(٣) فى المطبوعة ، د: فما هو قد صرح به . والمثبت من : ج .

- ١٠٧ -
● وذكر فى باب ((الكتابة)) مذهب الشافعى" فى وجوب إتيان المكاتب، ولم يوافقه،
وهذه عبارة ((نهاية الاختصار)): وعلى سيده أن يضع عنه من كتابته شيئاً فى قول
الشافعىّ، ولم يحدَّ فى ذلك حدًّا، ولا تبيَّن عندى أن ذلك عليه . انتهى .
• وذهب المُزَنِىّ إلى أن العبد المكاتب فى المرض، إن لم يخرج كلُّه من الثلث
لم يُعْتَق منه شىء ، وإن خرج بعضه . وهذه عبارته : ولو كاتب عبده فى مرض موته جاز،
إن خرج العبد من ثلث ماته، فإن لم يَخْرُج كله جاز منه ما خرج من الثلث فى قول الشافعىّ،
وفى رأيى إن لم يخرج كلّه من الثلث لم يجز منها شىء. انتهى.
﴿ ومن دقيق مستدركات أبى إبراهيم)
• شكُك رحمه الله على قتل تارك الصلاة، مشيرا إلى أنه لا يتصوّر؛ لأنه إما أن
يكون على ترك صلاة مضت، أو لم تأت، والأول باطل؛ لأن المقضيَّةُ لا يُقُتَلَ بتركها،
والثانى كذلك؛ لأنه ما لم يخرج الوقت فله التأخير فعلى م يُقْتَل؟.
قلتُ: وهذا تشكيك صعب ، وأقصى ما تحصَّلت فى دفعه من كلام الأصحاب على ثلاثة
مسالك :
المسلك الأول: أن هذا يَلزَمكم فى حبسه وتعزيره؛ فإن الْمُزْنِىّ يقول: يُحْبَس تاركها، ويعزَّر،
وهذه طريقة القاضى أبى الطيب، وذكرها الشيخ أبو حامد أيضا، قال: فما كان جوابا
للمُزنىّ عن الحبس والتعزير فهو جوابنا عن القتل.
قلتُ: وهى طريقة جدليّة لا أرضاها .
والمسلك الثانى ، وعليه الأكثر: قالوا بقتله على الماضية؛ لأنه تركها بلا عذر ،
والقضاء فى هذه الصورة على الفور ؛ فإذا امتنع منه قتل .
قلتُ: ولا أرضى هذا المسلك أيضاً؛ لأن لنا خلافا شهيرا فى أن القضاء هل يجب على
الفور؟ جمهور العراقيِّين على عدم الوجوب. فعلى هذه الطريقة يلزم أن يجىء خلاف فى قتل
تارك الصلاة ، وذلك لا يُعرَف.

- ١٠٨ -
بل أقول: وقع فى كلام كثير من المتقدمين التصريح بأن الشافعىّ لا يقتل بالمقضيّة
مطاقا .
ووجدت فى تعليق الشيخ أبى حامد : أن أبا إسحاق، قال : لا خلاف بين أصحابنا أنه
لا يُقْتَل بالامتناع من القضاء.
والمسلك الثالث: وهو عندى خير المسالك، أنا نقْتُله للمؤدَّة فى آخر وقتها، وذلك إذا
لم يبق بينه وبين آخر وقتها إلاَّ قدر ما يصلى فيه فرض الوقت. وهذا نص عليه الشيخ
أبو حامد فى ((التعليقة)) وهو جيد؛ لكن يلزم منه أن تكون المبادرة إلى قتل تارك الصلاة
أحقّ منها إلى الرتد؛ فإن المرّد يستتاب، وهذا لا يستتاب، لأنه لو أمهل مدة الاستتابة
لخرج الوقت ، ولو خرج لصارت مقضيّة لا مؤدّاة .
لا يخفى على القطن صعوبة تشكيك المزَنِّيّ رحمه الله تعالى .
•• وقد سلك ابن الرِّفعة فى فخ المرأة بإعسار زوجها عن نفقتها، حيث قال: قال
الأصحاب : إن الفسخ يكون بالعجز عن نفقة اليوم الرابع ، أو بعد مضى يوم وليلة ،
ونازع الرافعىُّ فى بحث له هناك، ذكره فى مواضع من باب نفقة الزوجة ، فلينظر .
وعلى مسافه نقرر نحن طريقة المُزِيّ هكذا: لو قُتل بتر كماظ ما أن يكون وقتها قد خرج
فيلزم القتل على المقضيّة ، أو لم يخرج بل هو باق موسَّع ، ولا قائل به ، أو باقى وقد يضيق
فإما أن لا يَُل للاستتابة فيلزم أن يكون حاله أشدّ من المرتد، أو يمهل فيلزم أن تعود
مقضية ، وإذا عادت فإما أن يكون تاركا لصلاة تجددت بعدها، والقتل المتجددة كمله
أولى (١)، للإجماع على أنه لا يجوز إخراجها عن وقتها، بخلاف المقضية، فإن لنا خلافا
فى وجوب فعلها على الفور، وإذا انتقل القتل إليها، فعى ذنب غير الذنب بترك تلك،
فايجدد(٣) لها مدة توبة، وهكذا. وإما أن لا يكون تاركا لصلاة تجددت ، وهذا قد
يلتزم، لكن لابد أن يطرقه الخلاف فى وجوب القضاء على الفور .
(١) فى ج، د، أول، والمثبت فى المطبوعة. (٢) فى المطبوعة: محدد. والمثبت من : ج، د.

- ١٠٩ -
﴿ومن مستدركات الأصحاب على أبى إبراهيم)
وذلك كثير ، ثم هو عند مخالفته الشافعى ضربة لازب، فلنقتصر على غريب مما
وراءه، فمنه :
قال المُزَفِىّ فى المناضلة: لو أخرج مخرج مالا ، وقال لرام: ارم عشرة ، فإن كانت
إصابتك أكثر فلك المال. لم يجز، لأنه فاضل نفسه. ذكره نقلا عن الشافعى".
وافترق الأصحاب، فأكثر خطَّه فلا وتعليلا، وقالوا: قد نص الشافعى على الجواز
ثم هو الوجه، لأن المقصود من إخراج السبق التحريض على الرَّمى ، فلا فرق بين صدوره
مِن رام واحد أو جماعة .
قالوا: وقوله: ((ناضل نفسه)) خطأ بلا شك، انتقل فيه ذهنه من مسألة أخرى لها
الشافعىّ، وهى: ارم عشرة عن نفسك، وعشرة عنّى، فإن كانت القرعات فى عشرتك
أكثر فلك ما أخرجت. فهنا يكون مناضلا نفسه، وفيه نص الشافعىّ على المنع، لأنه
قد يقصر فى العشرة المشروطة للسبق ، فيكون مناضلا نفسه .
قالوا: وقد نقل الربيع الصورتين على الصواب، وترقَّت رتبة الربيع من أجل ذلك
ونحوه فى المنقول ، لأنه يعتمد غالبا ألفاظ الإمام الأعظم، فقلَّ ما تطرّق إليه الخطأ. والمزّنىّ
رحمه الله - ربما أدلى بعلمه وجودة فِطْنته فغيَّر اللفظ، ومن هناك يُؤنى. حتى انتهى
الربيع إلى أن تترجح رواياته، وإن كان الفقه وراءها؛ كما سيأتي إن شاء الله فى أوائل
ترجمته .
وأقصى ما فعله المساعدون للمُزَّلِىّ أن تأولوا كلامه، وليس فيهم مَن أخذ بظاهره؟
فإن مناضلته لنفسه لا تُعْقَلَ .

- ١١٠ -
٢١
بحر بن نصر بن سابق الحَوْلانىّ
أبو عبد الله، المصرى، مولى بنى سعد بن خَوْلان*
مولده سنة ثمانين ، أو إحدى وثمانين ومائة .
وقال الطّحاوىّ: ولد بحرين نصر، والربيع المُرادِىّ، والمزَبىّ، ثلاثتهم فى سنة أربع
وسبعين ومائة .
روى عن عبد الله بن ؤُهْبٍ، وأيوب بن سُوَيد الرَّمْلِىّ. والشافعىّ، وبِه ثفقَّهُ، وَضْرَة
إبن ربيعة، وأشهب ، وبشر بن بكر ، وطائفة .
روى عنه ابن جَوْصاً، وأبو جعفر الطَّحاوىّ، وأبو بكر بن زياد النَّيْابورىّ ،
وعبد الرحمن بن أبى حاتم، وأبو عوانة الإسْفِرابنىّ، وأحمد بن مسعود بن عمرو الزُّبَيْرىّ،
ومحمد بن بِشر الزُّبيرىّ العَكَرِىّ(١) وأبو الفوارس بن السِّنْدِىّ، وأحمد بن عبد الله
البَهَنْسِىّ(٢) المطَّار، وأحمد بن على بن شُعَيب الَدِينىّ، وأحمد بن على بن حسن المدائنىّ، وأحمدبن
محمد بن أُسَيد الأصْبِهانىّ، وأحمد بن محمد بن فَضالة الحمصىّ الصَّفّار، وأحمد بن محمد بن شاهين،
وأبو العباس الأصمّ، وابن خُزَّيمة ، وغيرهم.
وروى النَّسانيّ فى حديث مالك، الذى جمعه عن زكرياء خيّاط السنة، عن بحر
ابن نصر هذا .
وثَقَّه ابن أبى حاتم ، وغيره .
* له ترجمة فى: تهذيب التهذيب ٤٢٠/١، شذرات الذهب ١٥٢/٢، العبر ٠٣٥/٢ والحولانى:
بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو وبعدها لام ألف وفى آخرها نون، هذه النسبة إلى خولان بن عمر (من
سبأ). الباب ٢٩٥/١.
(١) فى المطبوعة: العكبرى، وفى د: العكرى. والتصويب من: ج، وشذرات الذهب ٣٣٢/٢.
(٢) بفتح الباء الموحدة والماء وسكون النون وفى آخرها السين الرماة، هذه النسبة إلى بهناء
وهى بلدة بصعيد مصر الأعلى. اللباب ١ /١٥٧.

- ١١١ -
توفى بمصر فى شعبان ، سنة سبع وستين ومائتين .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ بقراءتى عليه، أخبرنا إسماعيل بن عميرة ، أخبرنا أبو محمد
ابن الُزّ، أخبرنا جدى أبو القاسم ، أخبرنا على بن محمد، أخبرنا محمد بن نطيف ، حدثنا
أبو الفوارس أحمد بن محمد الصَّابونىّ، حدثنا بحر بن نصر، حدثنا ابن وَهْب، عن مالك
ويونس بن يزيد، عن ابن شهاب ، عن عُرْوة ، عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال لوَزَغُ(١) (« الْغُوَيْسِقِ)).
قال بحر بن نصر: كنا إذا أردنا أن نبكىَ قلنا بعضنا لبعض: قوموا بنا إلى هذا الفتى
الْمُطَّلِىّ يَقَرَأ القرآن ، فإذا أتيناه استفتح القرآن ، حتى تتساقط بين يديه ، ويكثر مجيجنا
بالبكاء، فإذا رأى ذلك أمسك عن القراءة ، مِن حسن صوته . رُوِى بإسناد جيد فى حسن
صوت الشافعى رضى الله عنه بالقرآن .
قال بحر: سألت الشافعىّ عن قول النبى صلى الله عليه وسلم: ((أقِرُّوا الطَّيْرَ فِى مَكَانِهَا))
فقال ما سيأتى إن شاء الله تعالى فى ترجمة يونس .
وقال بحر: سئل الشافعىّ عن قوله صلى الله عليه وسلم: ((فَرِّعُوا إِنْ شِئْتُمْ)) قال:
هى الفَرَّعَة - بفتح الفاء والراء والعين المهملة - كانوا ينحرون فى الجاهلية لآلهتهم أوَّلَ ما تلده
الناقة، ويسمى الفَرَعَة والفَرَع ، فأخبر أن لا كراهة فيه .
قال: وقوله (( الفَرَعَةُ حَقٌ)» يعنى: ليس بباطل .
وقوله: (( لَا فَرَعَ وَلَا ◌َتِيَرَةَ ))(٢) يعنى: ليس بواجب.
قلتُ: وقد أشار الرافعى آخر باب الضحايا إلى اختلاف الأصحاب فى كراهة الفرع
(١) الوزغ: جمع الوزغة محركة، سام أبرس. سميت بها حُفتها وسرعة حركتها القاموس (وزغ).
(٢) فى الان ٥٣٧/٤: وفى الحديث أنه قال: لا فرعة ولا عتيرة. قال أبو عبيد: العشيرة هى
الرجبية ، وهى ذبحة كانت تذع فى رجب يتقرب بها أهل الجاهلية، ثم جاء الإسلام فكان على ذلك حتى
نخ بعد. وقال الخطابي: العتيرة فى الحديث شاة تذبع فى رجب، وهذا هو الذى يشبه معنى الحديث ويليق
بحكم الدين، وأما العتيرة التى كانت تعترها الجاهلية فهى الذبيحة التى كانت تقع للأصنام ويعب دمها على رأسها.

- ١١٢ -
والعَتِيرة، وأن من نفى الكرامة قال: المفع راجع إلى ما كانوا يفعلون، وهو الذيح لآلهتهم،
أو أن المقصود نقى الوجوب . انتهى .
وقوله: (( إن المقصود نفى الوجوب)) هو هذا الذى نقله بحر بن نصر، عن الشافعى
فى معنى الحديث، ونقله فى بعض نسخ الرافعى، إذ المقصود نفى الوجوب، وليس بجيّد.
بل هما جوابان: أحدهما أن المنع راجع إلى ما كانوا يفعلون، وهو الذنج لآلهتهم، والمنع حينئذ
منع تحريم . والثانى أن المقصود نفى الوجوب ، فالتقى ليس النهى ، وهو منقولُ بحر،
عن الشافعىّ ، فاستفذه.
٢٢
الحارث بن سُرِيح النّقال
بالنون، أبو عمرو، الحوارَزْمِىّ، ثم البغدادىّ*
وإنما قيل له الثّقَّال: لأنه نقل ((رسالة الشافعى")) إلى عبد الرحمن بن مهدىّ، وحملها إليه ..
روَى عن الشافعىّ، وحَّد بن سلمة، وسُفيان بن عُيَينة، ويزيد بن زُرَيع، وغيرم ..
روَى عنه ابن أبى الدنيا، وإبراهيم بن هاشم البغَوىّ، وأحمد بن الحسن الصُّوفىّ وغيرهم.
مات سنة ست وثلاثين ومائتين .
قال الحارث بن سُريح: سمعت يحيى بن سعيد القَطّان، يقول: أنا أدعو الله الشافعى"،
أخصه به .
وكذلك ذكر يحيى بن معين: أنه سمع يحيى بن سعيد ، يقول: أنا أدعو الله للشافعي"
فى صلانى منذ أربعين سنة.
قال الحارث: لما حملت ((الرسالة)) إلى عبد الرحمن بن مهدىّ جعل يتعجب، ويقول: لو
كان أقلّ لِنَفْهم ، لو كان أقل لنفهم .
* له ترجمة فى: تاريخ بغداد ٢٠٩/٨، طبقات الحنابلة ٤٧/١، واسمه فيه: الحارث بن شرع،
طبقات الشيرازى ٨٣، الباب ٢٣٥/٣.

- ١١٣ -
قال الإمام داود بن على الأصفهانىّ: سمعت الحارث النَّقَّل، يقول: سمعت
إبراهيم بن عبد الله الخَجَبِىّ يقول للشافعيّ: ما رأيت منشميا يفضِّل أبا بكر وعمر رضى الله
عنهما على علىّ كرم الله وجهه غيرَك! فقال له الشافعى : علىّ ابن عمى وابن خالتى وأنا
رجل من عبد مناف، وأنت رجل من بنى عبد الدَّار، ولو كانت هذه مكرُمة لكنتُ أولى
بها منك.
قلتُ: استدل الحافظ أبو عبد اله محمد بن محمد بن محمد بن غانم بن أبى زيد الأصْبهافىّ،
المعروف بابن المُقْرِى فى كتابه (( شفاء الصدور فى مناقب الشافعى)) بهذا الكلام على أن
أَّ الشافعىّ ليست من ولد على بن أبى طالب؛ قال: لأنه رضى الله عنه قال فى على كرم الله
وجهه: ابن خالتي وابن عمى ، ولم يقل: جدى، ولو كان من أولاد علىّ اقال جدى؛ لأن
الجدودة أقوى من الخؤولة والعمومة .
قلت: وسأتكلم على هذا فى ترجمة يونس بن عبد الأعلى .
٢٣
الحارث بن مِسكين بن محمد بن يوسف الأموىّ
أبو عمرو ، المصرىّ*
فقيه ، مُحدِّث ، صالح ، إمام . .
أخذ عن الشافعىّ، وقال: رادَدْتُه حيث يقول: الكفاءة فى الدِّين لا فى النسب.
ورأى الليث بن سعد، ورأى سفيان بن مُيَيْنة، وعبد الله بن وَهْب ، وخلق .
روَى عنه أبو داود، والنَّائِىّ، وأبو يعلى الموصلىّ، وعبدالله بن أحمد بن حنبل، وطوائف.
وكان أحمد بن حنبل يقول فيه قولا جميلا .
* له ترجمة فى: تاريخ بغداد ٢١٦/٨، تذكرة الحفاظ ٨٨/٢، تهذيب التهذيب ١٥٦/٢،
الديباج المذهب ١٠٦، شذرات الذهب ٢١/٢، طبقات الشيرازى ١٣٠، العبر ٤٥/١:، قضاة
قرطبة ٩٣ ، النجوم الزاهرة ٢٣١/٢.
(٢/٨ - طبقات)

- ١١٤ -
وقال ابن مَعِين : لا بأس به .
ويُرُوَى أن رجلا من المسرفين على أنفسهم مات فرُنى فى المنام، فقال: إن الله غفر لى
بحضور الحارث بن مسكين جنازنى، وإنه استشفع فىّ فشفع .
وقد قال غير واحد ؛ إن الحارث كان فقيها على مذهب مالك، ولعله الأشبه . ولكنا
ذكرناه تبعا للعبَّدىّ، وغيره ممن ذكره، ولم نطل فى ترجمته لذلك.
وهذه الرواية التى رواها خارجة عن جادة الذهب ...
قوٍ فى لثلاث بقين من شهر ربيع الأول، سنة خمسين ومائتين ، وكان مولده سنة أربع
وخمسين ومائة .
٢٤
الحسن بن محمد بن الصَّباح، البغدادىّ ، الإمام،
: أبو علىّ، الزَّعْفَرَانىْ*
أحد رواة (القديم))، كان إماما، جليلا، فقيها، ◌ُدَّتًا، فصيحا، بليغا، ثقة ،مثبتًا.
قال الماوردىّ: هو أثبت رواة ((القديم).
وقال أبو عاصم : الكتاب العراقىّ منسوب إليه.
وقد سمع بقراءته الكتب على الشافعىّ أحمدُ وأبو ثور، والكرايسى".
قلتُ: والزَّتْفَرانىّ منسوب إلى قرية بالسَّواد ، يقال لها الزَّعْفرانية. كذا ذكر
ابن حبان.
قلتُ : ثم سكن المشار إليه بغداد ، فى بعض دروبها فنسب الدرب إليه ، وصار يقال له
درب الزّعفرانىّ ببغداد ، وفى الدرب المذكور مسجد الشافعى رضى الله عنه، وكان الشيخ
أبو إسحاق الشِّیرازی یدرِّس فيه .
* له ترجمة فى تاريخ بغداد ٤٠٧/٧، تذكرة الحفاظ ٩٧/٢، تهذيب التهذيب ٣١٨/٢، الجمع:
بين رجال الصحيحين ٨٤، شذرات الذهب ١٤٠/٢، طبقات الحنابلة ١٢٨/١، طبقات الشيرازى ٨٢،
طبقات ابن هداية الله ٧، اللباب ٥٠٢/١، النجوم الزاهرة ٢٣/٣، وفيات الأعيان ٣٥٧/١.

- ١١٥ -
وقد عكس شيخنا الذهبىّ فذكر أن الزعفرانىّ منسوب إلى درب الزَّعْفَران،
والصواب عكسه ، وهو أن درب الزعفران منسوب إلى الزَّعفرانىّ، وأن الزَّعفرانىّ
منسوب إلى قرية كما قدمناه ، عن ابن حِبَّان ، وسیأتی فی کلام أبى علىّ نفسه ما يدلّ عليه .
سمع الزَّعفرانىّ من سفيان بن عُيَيْنَة، والشافعىّ، وعُبَيْدة بن ◌ُعَيْد ، وعبد الوهاب
الثََّفىّ ، ويزيد بن هارون ، وخَلْق .
روى عنه البخارىّ، وأبو داود، والتِّمدىّ، والنَّسائي، وابن ماجة. فليس فى الستة
من لم يوله إلا مسلم.
وروى عنه أيضاً أبو القاسم البَغَوىّ، وابن صاعد، وزكريا السَّاجِىّ، وابن خُزَيمة،
وأبو عَوَانة، ومحمد بن تَخْلَد، وأبو سعيد بن الأعرابيّ، وطائفة.
قال اللَّائِىّ: ثِقَةٍ .
وقال ابن حِبَّان: كان أحمد بن حنبل وأبو ثور يحضران عند الشافعى، وكان الحسن
الزَّعفرانىّ هو الذى يتولى القراءة .
وقال زكريا السَّاجِىّ: سمعت الزَّعفرانىّ، يقول: قدم علينا الشافعىّ، فاجتمعنا إليه ،
فقال: التمسوا مَن يقرأ لكم، فلم يجْتَرِ أحد أن يقرأ عليه غيرى، وكنت أحْدَثَ القوم
سِنّاً، ما كان فى وجهى شعرة، وإنى لأنعجَّب اليوم من انطلاق لسانى بين يدى الشافعىّ،
وأنعجَّب من جَسارتى يومئذ، فقرأت عليه الكتب كلها إلا كتابين؛ فإنه قرأهما علينا:
((كتاب المناسك))، و((كتاب الصلاة)).
وقال أحمد بن محمد بن الجرّاح: سمعت الحسن الزَّعْفَرانىّ، يقول: لمَّا قرأت كتاب
((الرسالة)) على الشافعىّ، قال لى: مِن أىِّ العرب أنت؟ قلت: ما أنا بعربيّ، وما أنا
إلّا من قرية يقال لها الزَّعْفرانيّة. قال: فأنت سيد هذه القرية.
قلتُ: فى هذه الحكاية دلالة على ما قدَّمناه من الصواب عندنا فى نسبته .
ومما يُحكى من فصاحة الزَّعفرانىّ أن الأنماطِىّ، قال: سمعت المزَنِىّ، يقول: سمعتُ

- ١١٦ -
الشافعىّ، يقول: رأيتُ فى بغداد نَبَطِيًّا يَتَنَخَى (١) علىَّ حتى كأنه عربىّ، وأنا نَبِطِىّ،
فقيل له: مَن هو ؟ فقال: الزَّعْفرانىّ .
وذكر بعض المؤرخين: أنه لم يكن فى عصر الزَّعْفرانىّ أحسن صورةً منه، ولا أفصح
لسانا ، وأنه لم يتكلم فيه أحد بسوء.
وقال القاضى أبو حامد المَرْ وَرُّوذِىّ: كان الزَّعْفرانىّ من أهل اللغة.
توفى فى شهر رمضان سنة ستين ومائتين .
﴿ ومن الرواية والفوائد والمسائل عن الزعفرانى)
قال الزَّعفرانى: سمعت محمد بن إدريس الشافعىّ، يقول: كنت عند ابن عُيَيْنَة
وعنده ابن المبارك، فذكروا البخلَ. فقال ابن المبارك: حدثنا سليمان التَّيْمِىّ، عن أنس:
أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يتعوَّذُ مِن البخل .
قال الحاكم أبو عبد الله: غيرُ مُستبدَعٍ سماع الشافعىّ من ابن المبارك؛ توفى ابن المبارك.
سنة إحدى وثمانين ومائة، ووُلد الشافعىّ سنة خمسين ومائة، وكان ابن المبارك بحجّ كل
سنتین .
• قال الزَّتْفرانىّ: عن الشافعى رضى الله عنه فى قوله تعالى: ﴿ مَا جَعَلَ اللهُ لِزَّجُلٍ
مِنْ قَلْبَيْنِ فِى جَوْفِهِ﴾(٢) أى: من أبوين فى الإسلام.
قلتُ: وهذا هو الذى كنت أسمعه من الشيخ الإمام الوالد رحمه الله فى تفسير الآية،
ومَن يقول به لا يرضى(٣) بقول من قال فى تفسيرها: إن المنافقين كانوا يقولون: لمحمد
صلى الله عليه وسلم قلبان، قلب معنا(٤)، وقلب مع أصحابه. فأ كذبهم الله. وهو أيضا:
منقول عن بعض السلف، وربما عُزِى إلى ابن عباس .
(١) فى المطبوعة: ينتحنى. والمثبت من: ج، د. وتنحى الرجل: استعمل الإعراب فى كلامه.
(٢) سورة الأحزاب ٤. (٣) فى د: لا يراه يقول وفى ج: لا يرضاه. والمثبت فى المطبوعة.
(٤) فى د : قلبا مغييا، وفى ج: قلب مفيا. والمثبت فى المطبوعة، وهو يوافق رواية الطبرى ٦٧/٢١
عن ابن عباس، حيث يروى بسنده إلى قابوس بن أبى ظبيان أن أباه حدثه، قال: قلنا لابن عباس : =

- ١١٧ -
قال الزَّعفرانىّ: سألت يحيى بن مَعِين عن الشافعىّ، فقال: لو كان الكذب
له مُنْطَلَقًا لمنعته منه مرو،تُهُ .
• وروى الحافظ أبو الحسن بن حَمَكَان: أن الزَّعْفرانىّ، قال: قال الشافعىّ
فى الرَّافضىّ يحضر الوَقعة: لا يُعْطَى من الفيء شيئا؛ لأن الله تعالى ذكر آية النيء ،
ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾(١) الآية. فمن لم يَقُل بها لم يستحِقِ.
٢٤
الحسين بن علىّ بن يريد
أبو علىّ ، الكَرَابِيىّ*
كان إماما ، جليلا ، جامعاً بين الفقه والحديث .
تفقّه أولا على مذهب أهل الرأى ، ثم تفقه الشافعىّ.
وسمع منه الحديث، ومن يزيد بن هارون، وإسحاق الأزرق، ويعقوب بن إبراهيم،
وغيرهم .
رؤَى عنه: عُبَيْد بن محمد بن خَلَفَ البِزَّار، ومحمد بن على فُسْتَقَة.
وله مصنفات كثيرة، وقد أجاز (٣) الشافعىّ كُتُبَ الزَّعْفرانىّ:
= أرأيت قول الله: ﴿مَا جَعَلَ اللهُ لِرَ جُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِى جَوْفِهِ﴾ ما عنى بذلك؟ قال:
قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فصلى، فخطر خطرة، فقال المنافقون الذين يصلون معه: إن له
قلبين ؛ قلبا معكم، وقلبا معهم. فأنزل الله: ﴿ مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِىِ جَوْفِهِ﴾.
(١) سورة الحشر ١٠.
* له ترجمة فى: تاريخ بغداد ٨ /٦٤، تهذيب التهذيب ٥٩/٢، شذرات الذهب ٢ /٣٥٠،
طبقات الشيرازى ٨٣، ابن حداية الله ٦، الباب ٣ / ٣٢، النجوم الزاهرة ٢ / ٣٢٩، وفيات
الأعيان ١ / ٣٩٩. وفى الطبقات الوسطى زيادة: البغدادى.
والكرابيسى: بفتح أوله والراء وبعد الألف باء موحدة ثم ياء تحتها نفعتان وسين مهملة، هذه
(٢) فى الأصول : أجازه . وأعل الصواب ما أثبتناه.
النسبة إلى بيع الكرابي ، وهى الثياب .

- ١١٨ -
وذلك فيما أخبرنا به يحيى بن يوسف بن المِصْرىّ، قراءةً عليه وأنا أسمع ،
سنة خمس وثلاثين وسبعمائة، عن عبد الوهاب بن رَواج : أن الحافظ أبا طاهر
السِّلَفىّ أخبره سماعًاً عليه، قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبّار، أخبرنا على بن أحمد القالىّ،
أخبرنا أبو عبد الله أحمد بن إسحاق [بن خَرْ بَانَ](١) النُّهَاوَ نْدِىّ القاضى، أخبرنا الحسن
ابن عبد الرحمن الرَّامَهُرْ مُزِىّ، حدثنا السَّاجِىّ، حدثنا داود الأصْبهانى، قال: قال لى
حسين الكراسىّ: لمَّا قدم الشافعى - يعنى إلى بغداد . قَدِمْتُهُ، فقلت له: أتأذن لى
أن أقرأ عليك الكتب؟ فأبى، وقال: خذ كتب الزَّعفرانىّ فقد أجزتها لك، فأخذها
إجازة .
قال الخطيب : حديث الكرايسىّ يَعِنُّ جدا؛ وذلك أن أحمد بن حنبل كان يتكلم
فيه بسبب مسألة اللفظ ، وهو أيضا كان يتكلم فى أحمد؛ فتجنّب الناس الأخذ عنه لهذا
السبب .
قلتُ: كان أبو عليّ الكرابيسىّ مِن متكلِّمى أهل السنة ، أستاذا فى علم الكلام ،
كما هو أستاذ فى الحديث والفقه، وله ((كتاب فى المقالات)).
قال أيضا الخطيب والد الإمام فخر الدين فى كتاب ((غاية المرام)): على كتابه
فى المقالات مُعَوَّل المتكلمين فى معرفة مذاهب الخوارج، وسار أهل الأهواء.
قلتُ: والمَرْوِىّ أنه قيل للكَترابيسىّ: ما تقول فى القرآن؟ قال: كلام الله غير مخلوق.
فقال له السائل : فما تقول فى امظى بالقرآن؟ فقال: لفظك به مخلوق، فمضى السائل إلى
أحمد بن حنبل ، فشرح له ما جرى . فقال : هذه بِدْعَة .
والذى عندنا أن أحمد رضى الله عنه أشار بقوله: ((هذه بِدْعَة)) إلى الجواب عن مسألة
اللفظ ، إذ ليست مما يعنى المرء، وخوض المرء فيما لا يعنيه من علم الكلام بِدْعَة، فكان
السكوت عن الكلام فيه أجمل وأولى، ولا يُظَنّ بأحمد رضى الله عنه أنه يدَّعى أن اللفظ الخارج
(١) زيادة من: ج، د.
:

- ١١٩ -
من بين الشفتين قديم ، ومقالة الحسين هذه قد نقل مثلها عن البخارىّ، والحارث بن أسد
المُحَاسِّ، ومحمد بن نصر المَرْوَزِىّ، وغيرهم. وستكون لنا عودة فى ترجمة البخارىّ
إلى الكلام فى ذلك .
وُنُقِل أن أحمد لما قال: ((هذه بدعة)) رجع السائل إلى الحسين، فقال له: تلفُّظُك
بالقرآن غير مخلوق، فعاد إلى أحمد فعرَّفه مقالة الحسين ثانيا، فأنكر أحمد أيضا ذلك،
وقال: (( هذه أيضا بدعة)».
وهذا يدلّك على ما نقوله، من أن أحمد إنما أشار بقوله: ((هذه بدعة )) إلى الكلام
فى أصل المسألة ؛ وإلا فكيف ينكر إثبات الشىء ونفيه! فافهم ما قلناه ، فهو الحق
إن شاء الله تعالى .
وبما قال أحمد نقول ، فنقول : الصواب عدم الكلام فى المسألة رأسا، ما لم تدع إلى
الكلام حاجة ماسَّة ؛ ومما يدلّك أيضا على ما نقوله، وأن السلف لا ينكرون أن لفظنا
حادث، وأن سكوتهم إنما هو عن الكلام فى ذلك، لا عن اعتقاده، أن الرُّواة روَوْا
أن الحسين بلغه كلام أحمد فيه، فقال: لأقولنّ مقالة حتى يقول أحمد بخلافها فيكفُرُ .
فقال : لفظى بالقرآن مخلوق .
وهذه الحكاية قد ذكرها كثير من الحنابلة ، وذكرها شيخنا الذهبى فى ترجمة الإمام
أحمد، وفى ترجمة الكَرايسىّ، فانظر إلى قول الكراِيسىّ فيها: ((إن مخالفها يكفر))
والإمام أحمد فيما نعتقده لم يخالفها، وإنما أنكر أن يتكلم فى ذلك .
فإذا تأمَّلت ما سطَّ ناه، ونظرت قول شيخنا فى غير موضع من تاريخه: (( إن مسألة
اللفظ مما يرجع إلى قول جَهْم)). عرفتَ أن الرجل لا يدرى فى هذه المضايق ما يقول،
وقد أكثر هو وأصحابه من ذكر جَهْم بن صَفْوَان، وليس قصدهم إلا جعل الأشاعرة
- الذين قدَّر الله لقَدْرهم أن يكون مرفوعا، والزومهم السنة أن يكون مجزوما به ومقطوعا -
فرقةً جَهْمِيّة .

- ١٢٠ -
واعلم أن جهما شر من المعتزلة، كما يدريه من ينظر الملل والنحل ، ويعرف عقائد الفرق.
والقائلون بخلق القرآن هم المعتزلة جميعاً، وجهم لاخصوص له بمسألة خلق القرآن ، بل هو
شر من القائلين بها، لمشاركته إياهم فيما قالوه، وزيادته عليهم بطاقات ..
فماكفى الذهبيّ أن يشير إلى اعتقاد ما يَتبرَّأ العقلاء عن قوله، من قدم الألفاظ الجارية
على لسانه ، حتى ينسب هذه العقيدة إلى مثل الإمام أحمد بن حنبل ، وغيره من السادات ،
ويدعى أن المخالف فيها يرجع إلى قول جهم. فليته درى ما يقول ! والله يغفر لناوله، ويتجاوز
عمّن كان السبب فى خوض مثل الذهبىّ فى مسائل الكلام، وإنه لَيَعِزّ الكلام علىّ
فى ذلك ، ولكن كيف يسعنا السكوت، وقد ملأ شيخنا تاريخه هذه العظائم ، التى أووقف
:
عليها العامّى لأضلته ضلالا مبينا.
ولقد يعلم الله منى كراهية الإزراء بشيخنا، فإنه مفيدنا ومعلمنا، وهذا النزر اليسير
الحديثىّ الذى عرفناه منه استفدناه، ولكن أرى أن التَّنبيه على ذلك حتم لازم فى الدين .
قال أبو أحمد بن عدىّ: سمعت محمد بن عبد الله الصَّيْرفىّ الشافعى، يقول لهم - يعنى
لتلامذته -: اعتبروا بهذين: حسين الكَرَابِيىّ، وأبى تَوْر ، فالحسین فى علمه وحفظه،
وأبو ثورلا يَعْشِره (١) فى علمه، فتكلم فيه أحمد فى باب اللفظ فسقط، وأثنى على أبى نَّوْر
فارتفع .
قلتُ: هذا الكلام من الصَّيْرِفِىّ مع علىٌّ قدره، يدل على علو قدر الحسين.
ونظيره قول أبى عاصم العبادىّ: لم يتخرَّج على يد الشافعىّ بالعراق مثل الحسين.
مات الكراسى سنة خمس وأربعين، وقيل ثمان وأربعين ومائة.
﴿ومن الفوائد عنه)
كتبتْ إلىّ زينب بنت الكمال: عن الحافظ أبى الحجّاج يوسف بن خليل ، أخبرنا
أبو المكارم أحمد بن محمد اللَّبان، أخبرنا أبو على الحسن بن أحمد الحدَّاد، أخبرنا الحافظ
أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهافى، حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، حدثنا عبد الرحمن
(١) أى لا يبلغ معشاره أساس البلاغة ٦٣٢.