النص المفهرس
صفحات 41-60
- ٤١ - ثم وجّه بجواباتهم إلى المأمون ، فورد عليه كتاب المأمون : بلغنا ما أجاب به متصنّعة أهل القبلة، وملتمسو الرياسة فيما ليسوا له بأهل ، فمن لم يجب. أنه مخلوق، فامنعه من الفتوى والرواية . ويقول فى الكتاب: فأما ما قال بشر ، فقد كذب ، ولم يكن جرى بين أمير المؤمنين وبينه فى ذلك عهد، أكثر من إخبار أمير المؤمنين من اعتقاده كلة الإخلاص ، والقول بأن القرآن مخلوق ؛ فادع به إليك ، فإن تاب فأشهر أمره ، وإن أصرّ على شركه، ودفع أن يكون القرآن مخلوقا بكفره وإلحاده فاضرب عنقه ، وابعث إلينا برأسه . وكذلك إبراهيم بن المهدىّ فامتحنه ، فإن أجاب وإلا فاضرب عنقه. وأما على بن أبى مُقاتل فقل له: ألست القائل لأمير المؤمنين إنك تحلِّل وتحرِّّم . وأما الذَّيّال فأعلمه أنه كان فى الطعام الذى سرقه من الأنبار ما يشغله . وأما أحمد بن يزيد أبو العَوّام، وقوله إنه لا يحسن الجواب فى القرآن ، فأعلمه أنه سبى. فى عقله ،لا فى سنّه، جاهل سيُحسن (١) الجواب إذا أُدِّب، ثم إن لم يفعل كان السيف من ٤٠ وراء ذلك . وأما أحمد بن حنبل فأعلمه أن أمير المؤمنين قدعرف فوی مقالته ، واستدل على جهله. وآفته بها. وأما الفضل بن غانم فأعلمه أنه لم يخف على أمير المؤمنين ما كان فيه بمصر ، وما اكتسب. من الأموال فى أقل من سنة ، يعنى فى ولايته القضاء . وأما الزِّيادىّ فأعلمه أنه كان منتحلاولاءدَعِىّ، فأنكر أبو حسان أن يكون مولی لزياد. ابن أبيه . وإنما قيل له الزِّيادىّ لأمر من الأمور. قال: وأما أبو نصر التَّار، فإن أمير المؤمنين شبه خساسة عقله بخساسة مَتْجَره . وأما ابن نوح وابن حاتم، فأعلمهم أنهم مشاغيل بأ كل الربا عن الوقوف على التوحيد ، (١) فى المطبوعة: يستحسن. وأنبتنا مافى د. ب۔۔ - ٤٢ - وأن أمير المؤمنين لو لم يستحل محاربتهم فى الله إلا لآرائهم، وما نزل به كتاب الله فى أمثالهم لاسْتحل ذلك، فكيف بهم وقد جمعوا مع الإرباء شركا، وصاروا النصارى شبها . وأما ابن شُجاع فأعلمه أنه صاحبه بالأمس ، والمستخرج منه استخرجه من المال الذى كان استحلّ من مال الأمير على بن هشام. وأما سَعْدُوية الواسطىّ فقل له. قبّح الله رجلا بلغ به التصنّع للحديث، والحرص على الرياسة فيه، أن يتمّى وقت المحنة. وأما المعروف بَسجّادة، وإنكاره أن يكون سمع ممن كان يجالس من العلماء القول بأن :القرآن مخلوق، فأعلمه أن فى شغله وإعداد النَّوى، وحكمه لإصلاح سَجّادته، وبالودائع التى دفعها إليه على بن يحيى وغيره ، ما أذهله عن التوحيد. وأما القواريرىّ ففيما يكشف من أحواله وقبوله الرِّشا والمصانعات ما أبان عن مذهبه · وسوء طريقته ، وسخافة عقله ودينه . وأما يحيى العُمَرَىّ، فإن كان من ولد عمر بن الخطاب جوابه معروف. وأما محمد بن الحسن بن على بن عاصم، فإنه لو كان مقتديا بمن مضى من سلفه لم ينتحل النِّحلة التى حُكيت عنه، وأنه بعدُ سبى يحتاج إلى أن يُلَّم. وقد كان أمير المؤمنين وجّه إليك المعروف بأبى مُسْهر، بعد أن نصبه أمير المؤمنين عن محنته فى القرآن ، فحم عنها ولجلج فيها، حتى دعاه أمير المؤمنين بالسيف ، فأقرّ ذميما، فانصُصْه عن إقراره ، فإن كان مقيما عليه فأشهر ذلك وأظهره . ومن لم يرجع عن شركه ممن سمّيت بعد بشر وابن المهدىّ ، فاحملهم موثوقين إلى عسكر : أمير المؤمنين؛ ليسألهم، فإن لم يرجعوا حملهم على السيف. قال: فأجابوا كلهم عند ذلك إلا أحمد بن حنبل ، وسَجّادة، ومحمد بن نوح ، والقَوارِيرىّ، فأمر بهم إسحاق فقيِدُوا ، ثم سألهم من الغد ؛ وهم فى القيود ، فأجاب سَجّادة، ثم عاودهم ثالثا، فأجاب القواريرىّ، ووجّه بأحمد بن حنبل، ومحمد بن نوح المضروب إلى طَرَسُوس. ثم بلغ المأمون أنهم إنما أجابوا مكرهين، فغضب وأمر بإحضارهم - ٤٣ - إليه، فلما صاروا إلى الرَّقَّة بلغتهم وفاة المأمون ، وكذا جاء الخبر بموت المأمون إلى أحمد ولطف الله وفرّج . وأما محمد بن نوح فكان عديلا لأحمد بن حنبل فى الَحمَل ، فمات ففسّله أَحمد بالرَّحْبة، وصلى عليه ودفنه ، رحمه الله تعالى . وأما المأمون فرض بالروم ، فلما اشتد مرضه طلب ابنه العباس ليقدم عليه ، وهو يظن أنه لا يدركه ، فأتاه وهو مجهود . وقد نفذت الكتب إلى البلدان فيها : من عبد الله المأمون وأخيه أبى إسحاق الخليفة مِن بعده ؛ بهذا النص . فقيل إن ذلك وقع بأمر المأمون ، وقيل بل كتبوا ذلك وقت غَشْی أصابه ، فأقام العباس عنده أياما حتى مات . وكان المأمون قد كتب وصية تطول حكايتها ، ضَمّنها تحريض الخليفة بعده على حمل الخلق على القول بخلق القرآن . ثم توفى فى رجب ، ودفن بطر سوس، واستقل أمير المؤمنين المعتصم بالخلافة . فكان من سعادة المأمون موته قبل أن يحضر أحمد بن حنبل إلى بين يديه ، فلم يكن ضرْ به على يديه . وكانت هذه الفتنة عظيمة الموقع. وأول من امتحن فيها من العلماء عَفّان بن مسلم الحافظ، ولما دُعى وعرض عليه القول بخلق القرآن فامتنع ، قيل: قد رسمنا بقطع عطائك ، وكان يُعطَى ألف درهم فى كل شهر، فقال: ﴿وَفِ السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ)(١) وكانت عنده عائلة كبيرة، قيل: فدق عليه الباب داقٌّ فى ذلك اليوم لا يُعرف، وقال: خذ هذه الألف، ولك كل شهر عندى ألف يا أبا عثمان، ثبّتك الله كما ثبّتّ الدين، ثم امتحن الناس بعده. قال محمد بن إبراهيم البُوشَنْجِىّ : سمعت أحمد بن حنبل يقول: تبينتُ الإجابة فى دعوتين؛ دعوت الله أن لا يجمع بينى وبين المأمون، ودعوته أن لا أرى المتوكّل، فلم أر المأمون ، مات بالبَذَنْدُون(٢) وهو نهر الروم، وأحمد محبوس بالرَّقَة، حتى بويع المعتصم بالروم ، ورجع فرد أحمد إلى بغداد . (١) سورة الذاريات ٢٢. (٢) بفتحتین وسکون النون ودال مهملة وواو ساكنة ونون ، قرية بلاد الثغور ، بينها وبين طرسوس يوم . معجم البلدان ٠٥٣٠/١ - ٤٤ - وأما المتوكل فإنه لما أحضر أحمد دار الخلافة ليحدّث ولده، قعد له المتوكل فى خَوْخَّة( حتى نظر إلى أحمد ولم يره أحمد . قال صالح: لما صار(٣) أبى ومحمد بن نوح إلى طَرَسُوس رُدّا فى أقيادهما، فلما صارا إلى الرَّقَة حُملا فى سفينة، فلما وصلا إلى عانات(٣) توفى محمد، فأُطلق عنه فيده، وصلّى علیه أبى . وقال حنبل: قال أبو عبد الله: ما رأيت أحدا على حداثة سنه وقدر علمه أقوم بأمس الله من محمد بن نوح، وإنى لأرجو أن يكون قد خُيّم له بخير. قال لى ذات يوم: يا أبا عبد الله اللهَ اللهَ، إنك لست مثلى، أنت رجل يُقتدَى بك، قد مدّ الخلق أعناقهم إليك لما يكون منك، فاتق الله، واثبت لأمر الله؛ أو نحو هذا . فات وصلّيت عليه ودفنته، أظنه قال : بعانة . قال صالح: صار أبى إلى بغداد مقيّدا، فمكث بالياسرية(٤) أياما، ثم جُبس بدار إكثُرِيَتْ ه(٥) عند دار عمارة ، ثم نقل بعد ذلك إلى حبس العامة فى درب الموصليّة، فقال : إنى كنت أصلّى بأهل السجن وأنا مقيّد، فلما كان فى رمضان سنة تسع عشرة حُوّاتُ إلى دار إسحاق بن إبراهيم [ وأما جُنَيد بن إسحاق](٦) فقال: حُبس أبو عبد الله فى دار عمارة ببغداد، فى إسطبل لمحمد بن إبراهيم، أخى إسحاق بن إبراهيم، وكان فى حبس ضيّق، ومرض فى رمضان، فحُبس فى ذلك الحبس قليلا ثم حُوّل إلى حبس العامة، فمكت فى السجن بجوًّا من ثلاثين شهرا، فكنا تأتيه ونقرأ عليه كتاب الارجائى وغيره فى الحبس، فرأيته يصلّ بأهل الحبس (١) الخوخة: كوة تؤدى الضوء إلى البيت. القاموس ( خ وخ) . : (٢) فی د ؛ صدر .. والمثبت من المطبوعة . (٣) عانات: قرى بالفرات وجزائر. مراصد الاطلاع ٩٩٢. : (٤) فى المطبوعة ، د: بالناصرية. وهو خطأ صوابه من المناقب ٣١٧. قال ياقوت: الاسرية ،. منسوبة إلى ياسر ، اسم رجل : قرية كبيرة على ضفة نهر عيسى، بينها وبين بغداد ميلان. معجم البلدان. ٠١٠٠٢/٤ (٥) فى المطبوعة، د: بدار القريب عند. والتصويب من المناقب ٣١٧ (٦) ساقط من المطبوعة، وهو من : د. ٠ : - ٤٥ - وعليه القيد ، وكان يُخرج رجله من خَلْقَة القيد وقت الصلاة والنوم . وكان(١) يوجّه إلىّ كل يوم برجلين، أحدهما يقال له أحمد بن رباح، والآخر أبو شعيب احجَّام ، فلا یزالان یناظرانى(٢) ، حتى إذا أرادا الانصراف دُعى بقيد فزيد فى قيودى ، قال : فصار فى رِجْله أربعة أقياد . قال أبى : فلما كان فى اليوم الثالث دخل علىّ أحد الرجلين ، فناظرنى، فقلت له : : ما تقول فى عِلْم الله ؟ قال : عِلْم الله مخلوق . فقلت له : كفرتَ . فقال الرسول الذى كان يحضر من قِبَل إسحاق بن إبراهيم: إنّ هذا رسول أمير المؤمنين. فقلت له : إن هذا قد گَفَر . فلما كان فى الليلة الرابعة وجّه ـ يعنى المعتصم - بُبغا الذى كان يقال له الكبير إلى إسحاق فأمره بحملى إليه ، فأُدخلت على إسحاق ، فقال : يا أحمد ، إنها والله نفسُك ، إنه لا يقتلك بالسيف، إنه قد آلى إن لم تجبه أن يضربك ضرباً بعد ضرب، وأن يلقيك(٣) فى موضع لا تُرى فيه شمس ولا قمر، أليس قد قال الله عزّ وجلّ: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنَاً عَرَبِيًّاً﴾(٤) ، أفيكون مجمولا إلّا مخلوقا (٥)؟ قلت: فقد قال تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَمَصْفٍ مَأْ كُولٍ﴾(٦) أنخلقَهم ؟ قال : فسكت . فلما(٧) صرنا إلى الموضع المعروف بباب البستان، أُخرجت [ وجىء ](٨) بدابة، فحُملت عليها وعلىَّ الأقياد ، ما معى أحد يمسكنى، فكدت غيرة مرة أن أخِرّ على وجهى؛ (١) القائل هو الإمام أحمد. انظر المناقب ٣١٩ (٢) فى المطبوعة، د: ولا نرى لأن تاظر أبى. والتصويب من المناقب. . (٣) فى المطبوعة، د: يقتلك. والمثبت من المناقب. وفيها: فى موضع لا ترى فيه الشمس. (٥) فى المطبوعة: لا مخلوقا، والمثبت من: د ، المناقب. (٤) سورة الزخرف ٣ . (٦) سورة الفيل ٥ . (٧) قبل هذا فى المناقب: ثم قال: اذهبوا به. (٨) زيادة من المناقب. - ٤٦ - لِثِقَل القيود، فجىء بى إلى دار المعتصم ، فأُدخلت حجرة ، وأدخلت إلى بيت ، وأقفل الباب علىّ، وذلك فى جوف الليل، وليس فى البيت سراج، فأردت أن أتمّح للصلاة، فمددت يدي ، فإذا أنا بإناء فيه ماء وطَسْت موضوع ، فتوضّأْت وصلّيت . فلما كان من الغد أخرجتُ تِكَّتى من سراويلى، وشددت بها الأقياد أحملها، وعطفت سراويلى، فجاء رسول المعتصم فقال: أجب ؛ فأخذ بيدى، وأدخلنى عليه، والتِّنْكّة فى يدى أحمل بها الأقياد ، وإذا هو جالس، وابن أبى دُؤاد حاضر، وقد جمع خلقا كثيراً من أصحابه ، فقال له ، يعنى المعتصم : أُدْنِهِ أُدْنِه ، فلم يزل يدنينى حتى قربت منه ، ثم قال لى : اجلس. جلست وقد أثقلتفى الأقياد، فمكثت قليلا، ثم قلت: أتأذن لى فى الكلام؟ فقال: تكلّم . فقلت : إلى ما دعا الله ورسوله؟ فسكت هُنَيْئة(١) ثم قال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله. فقلت : فأنا أشهد أن لا إله إلا الله . ثم قلت: إن جَدّك ابن عباس يقول: لما قدم وفد عبد القَّيْس على رسول الله صلى الله. عليه وسلم سألوه عن الإيمان، فقال: ((أَتَدْرُونَ مَا الإِيمانُ؟) قالوا، الله ورسوله أعلم، قال: ((شَهَادَةُ أنْ لا إله إلّ اللهُ وَأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَ إِقَمُ الصَّلاةِ، وَإِنْتَاءِ الرَّكَةٍ، وَأَنْ تُْطُوا الْخُمُسَ مِنْ الْمَغْنِمَ)) . قال أبى: قال ، يعنى المعتصم: لولا أنى وجدتك فى يد مَن كان قبلى ماعرضت لك، ثم قال : ياعبد الرحمن بن إسحاق: ألم آمرْك برفع المحنة؟ فقلت: الله أكبر، إن فى هذا الفَرَجا للمسلمين . ثم قال لهم: ناظروه، كلّموه، يا عبد الرحمن كلِّه. فقال لى عبد الرحمن : ما تقول فى القرآن ؟ (١) هكذا فى الأصول .! قال صاحب القاموس: والهمنيئة فى صحيح البخارى: أى شىء يسير، وصوابه ترك الهمزة . القاموس ( هـ ن ،، هـ ن و ). - ٤٧ - قلت له : ما تقول فى على الله ؟ فسكت. فقال لى بعضهم: أليس قد قال الله تعالى: ﴿اللهُ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾(١) والقرآن أليس. هو شیء ؟ فقلت: قال الله: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَىْءٍ بِأَمْرٍ رَبِّهَا﴾(٢) فدمّرت إلا ما أراد الله. فقال بعضهم: [قال الله عز وجل](٣) ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرِ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾(٤). أفيكون محدّثًا إلا مخلوقا ؟ فقلت: قال الله: (صَ، وَالْقُرْآنِ ذِى الذِّكْرِ)(٥) فالذكر هو القرآن، وتلك ليس. فيها ألف ولا لام . وذكر بعضهم حديث عمران بن حُصَيْن: أن الله عز وجل خلق الذِّكْرِ . فقلت: هذا خطأ . حدثنا غير واحد أن الله كتب الذِّكْر. واحتجوا بحديث ابن مسعود: (( مَا خَلَقَ اللهُ مِنْ جَنَّةٍ وَلَا نَارٍ وَلَا مَءٍ وَلَا أَرْض. أَعْظَمَ مِنْ آيَةِ الْكُرْسِيِّ)) . فقلت: إنما وقع الخلق على الجنة والنار والسماء والأرض ، ولم يقع على القرآن(٦). فقال بعضهم : حديث خَّابِ(٧) ((يَاَ هَنْتَه تَقَرَّبْ إِلَى اللهِ بِمَا اسْتَطَعْتَ، فَإنّكَ. لَنْ تَتَقَرَّبَ إِلَيْهِ بِشَىْ ءٍ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ كَلَامِهِ». فقلت : هكذا هو . قال صالح بن أحمد: فجعل أحمد بن أبى دُؤاد ينظر إلى أبى كالمغضَب . قال أبى: وكان يتكلم هذا فأردّ عليه، ويتكلم هذا فأرد عليه ، فإذا انقطع الرجل منهم. اعترض ابن أبى دُؤاد ، فيقول: يا أمير المؤمنين، هو والله ضالٌ مضلٌّ مبتدع، فيقول :. (١) سورة الزمر ٦٢ . (٣) زيادة من المناقب ٣٢٢. (٢) سورة الأحقاف ٢٥. (٤) سورة الأنبياء ٢. (٦) الذى فى المناقب ٣٢٢: إنما يوقع (٥) سورة ص ١ . الخلق ... ولم يقع على حرف القرآن . (٧) فى المناقب ٣٢٢ : حدثنا حديث خباب. - ٤٨ - كلِّموه، ناظروه، فيكلِّمفى هذا فأرد عليه، ويكلمنى هذا فأرد عليه، فإذا انقطعوا يقول لى المعتصم : ويحك يا أحمد ! ما تقول؟ فأقول: يا أمير المؤمنين أعطونى شيئاً من كتاب الله أو سنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى أقول به . فيقول ابن أبى دُؤاد: أنت لا تقول. إلا ما فی کتاب الله أو سنة رسول الله! فقلت له: تأوّلتَ تأويلا فأنت أعلم، وما تأوّلتُ ما يحبَس عليه وما يُقيّد عليه ثم إن المعتصم دعا أجمد مرتين فى مجلسين يطول شرحهما، وهو يدعوه إلى البدعة وأحمد رضى الله عنه يأبى عليه أشدّ الإباء. : قال أحمد رضى الله عنه: ولما كانت الليلة الثالثة قلت: خليق أن يحدث غدا من أمرى شئء، فقبلت لبعض من كان مى المؤكَّل بى: ارتَدْ لى(١) خيطا، فجاءنى بخيط فشددت به الأفياد، ورددت التَّكَّة إلى سراويلى مخافة أن يحدث من أمرى شىء فأنغرّى. فلما كان من الغد فى اليوم الثالث وجَّه إلىّ، فأُدخلت فإذا الدار خاصّة، فجعلت أدخل من موضع إلى موضع وقوم معهم السيوف، وقوم معهم السِّيَاطِ ، وغير ذلك ، ولم يكن فى اليومين الماضيين كثير أحد من هؤلاء ، فلما انتهيت إليه قال : اقعد ، ثم قال: ناظروه، كلِموه ، فجعلوا يناظرونى، ويتكلم هذا فأرد عليه، وجعل صوتى يعلو أصواتهم ، فجعل بعض مَن على رأسه قائم يُومى إلىّ بيده، فلما طال المجلس تحانى، ثم خلابهم، ثم تخام وردّنى إلى عنده ، وقال : ويحك يا أحمد! أجبنى حتى أطلق عنك بيدى، فرددت عليه نحوًا مما كنت أرد، فقال لى: عليك، وذكر اللعن، وقال: خذوه واسحبوه واخلصوه. . قال : فسُجبت ثم خُلُمت قال: وقد كان صار إلىّ شَعَرَ من شَعَرَ النبى صلى الله عليه وسلم فى كم قميصى، فوجّه إلىّ إسحاق بن إبراهيم: ما هذا المصرور فى كمك؟ قلت: شَعَرَ من شَعَر رسول الله صلى الله عليه وسلم . (١) فى المطبوعة، د: أريد لى. والتصويب من المناقب. - ٤٩ - قال: وسعى بعض القوم إلى القميص ليخرقه علىّ ، فقال لهم، يعنى المعتصم: لا تخرقوه. خنزع القميص عنى، قال : فظننت أنه إنما درى عن القميص الحرق، بسبب الشعر الذى -كان فيه . قال: وجلس على كرسى، يعنى المعتصم ، ثم قال: الْعُقَبَين(١) والسِّياط، فجىء بالفقابين، فمدَّت يداى ، فقال بعض مَن حضر خافى: خذ بأىٌّ(٢) الخشبتين بيديك، وشد عليهما ، فلم أفهم ما قال ، فتخلمتْ يداى . وقال محمد بن إبراهيم البُوشَنْجِىّ: ذكروا أن المعتصم لَانَ فى أمر أحمد، لما عُلِّق فى المقابين ، ورأى ثبوته وتصميمه وسلابته فى أمره، حتى أغراه ابن أبى دُؤاد وقال له : إن تركته قيل إنك تركت مذهب المأمون وسخِطْتَ قوله ، فهاجه ذلك على ضربه . قال صالح: قال أبى: لما جىء بالسِّياط نظر إليها المعتصم وقال: انتونى بغيرها ، ثم قال للجلّادين: تقدموا، فجعل يتقدم إلىّ الرجل منهم فيضربنى سوطين، فيقول له : شدّ، قطع الله يدك . ثم يتنحّى، ويتقدم الآخر فيضربنى سوطين ، وهو يقول فى كل ذلك : شدّ، قطع الله يدك؛ فلما ضربت تسعةَ عشرَ سوطا قام إلىّ ، يعنى المعتصم ، فقال: يا أحمد، علامَ تقتل نفسك؟ إنى والله عليك لشَفيق. قال : جعل مُجَيف ينخسنى بقائمة سيفه، ويقول: أتريد أن تغلب هؤلاء كلهم. وجعل بعضهم يقول : ويلك ! الخليفة على رأسك قائم . وقال بعضهم: يا أمير المؤمنين حمه فى عنقى اقتله ، وجعلوا يقولون: يا أمير المؤمنين أنت صائم، وأنت فى الشمس قائم ، فقال لى : ويحك يا أحمد ! ما تقول ؟ فأقول : أعطونى شيئامن كتاب الله أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أقول به، فرجع وجلس وقال الجلاد: تقدم وأوجع ، قطع اله يدك . ثم قام الثانية ، فجعل يقول: ويحك يا أحمد ! أجبنى. فجعلوا يقبلون علىّ ويقولون: يا أحمد (١) العقابان: خشبتان يصبح الرجل بينهما الجلد . الان ٦٢١/١ (٢) فى المطبوعة، د: فاتى . والصواب من المناقب. (٤ / ٢- طبقات) -- ٥٠ - - إمامك على رأسك قائم ، وجعل عبد الرحمن يقول: من صنع من أصحابك فى هذا الأمر ما تصنع؟ وجعل المعتصم يقول : ويحك ! أجبنى إلى شىء لك فيه أدنى فرج، حتى أطلق عنك بيدى ، فقلت: يا أمير المؤمنين أعطونى شيئاً من كتاب الله. فرجع وقال الجلادين تقدموا ، فجعل الجلاد يتقدم، ويضربنى سوطين، ويتنحى، فى خلال ذلك يقول: شدّ قطع الله يدك . قال أبى: فذهب عقلى، فأفقت بعد ذلك فإذا الأفياد قد أطلقت عنى .. فقال لى رجل من حضر:" إنا كبيناك على وجهك وطرحناك على ظهرك ورُسناك. قال أبى: فما شعرت بذلك. وأتونى بسَورِيق ، فقالوالى: اشرب وتقيّأ، فقلت : لا أفطر . ثم جىء بى إلى دار إسحاق بن إبراهيم، حضرت صلاة الظهر، فتقدم ابن ساعة فصلى، فلما انفقل من الصلاة قال لى : صليتَ والدم يسيل فى ثوبك ، فقلت : قد صلى عمر وجرحه يَثْغَبِ ذما . قال صالح: ثم خلى عنه، فصار إلى منزله، وكان مكته فى السجن مذ أُخذ وحُمل إلى أن ضُرب وخلِى عنه ثمانية وعشرين شهراً. ولقد أخبرنى أحد الرجلين اللذين كانا معه قال: يا ابن أخى ، رحمة اللهعلى أبى عبد الله، والله ما رأيت أحدا يشبه، ولقد جعلت أقول له فى وقت ما يوجَّه إلينا بالطعام: يا أبا عبد الله أنت صائم، وأنت فى موضع تَقِيَّة (١)؛ ولقد عطش فقال لصاحب الشراب: نأولنى. فناوله قدحا فيه ماء وثلج ، فأخذه ونظر إليه هُنَيْئة، ثم رده ولم يشرب، جعلت أتعجب من صبره على الجوع والعطش، وهو فيما هو فيه من الهول. قال صالح: كنت ألتمس وأحتال أن أوصّل إليه طعاما أو رغيفا فى تلك الأيام فلم أقدر . وأخبرنى رجل حضره أنه تفقده فى هذه الأيام الثلاثة وم يناظرونه ، فما لحن فى كلمة قال : وما ظننت أن أحدا يكون فى مثل شجاعته وشدة قلبه . (١) فى المطبوعة، د: تعبة. والمثبت من المناقب. ـي - ٥١ - وروى أنه لما ضُرب سوطا قال : بسم الله ، فلما ضرب الثانى قال : لاحول ولا قوة إلا بالله . فلما ضُرب الثالث قال : القرآن كلام الله غير مخلوق . فلما ضُرب الرابع قال ﴿قُل لَّنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا﴾(١) فضربه تسعة وعشرين سوطا. وكانت تِكّة أحمد حاشية ثوب، فانقطعت فنزل السراويل إلى عانته، فرى بطَرْفه إلى السماء وحرتك شفتيه، ف كان بأسرع من ثبوت السراويل على حاله، لم تتزحزح. قال الراوى(٢): فدخلت على أحمد بعد سبعة أيام، فقلت: يا أبا عبد الله رأيتك وقد انحل سراويلك فرفعتَ طرْفك نحو السماء فثبت ، ما الذى قلت ؟ قال قلت : اللهم إنى أسألك باسمك الذى ملاتَ به العرش، إن كنتَ تعلم أنى على الصواب فلا تهتك لى سترا . وفى رواية : لما أقبل الدم من أ كتافه انقطع خيط السراويل ونزل، فرفع طَرْفه إلى السماء، فعاد من لحظته، فسئل أحمد فقال، قلت : إلهى وسيّدى ، وقفتنى هذا الموقف فلا تهتكنى على رءوس الخلائق . وروى أنه كان كما ضُرب سوطا أبرأ ذمة المعتصم ، فسئل فقال: كرهت أن آتى يوم القيامة فيقال : هذا غريم ابن عم النبى صلى الله عليه وسلم ، أو رجل من أهل بيت النبى صلى الله عليه وسلم . فهذا مختصر من حال الإمام أحمد فى المحنة رحمه الله تعالى ورضى عنه . وأما الأستاذ أحمد بن نصر الخزاعى ، ذو الجنان واللسان والثبات ، وإن اضطرب المهنَّد والسّنان والوثبات ، وإن ملأت نار الفتنة كل مكان ، فإنه كان شيخا جليلا ، قوّالا بالحق ، أمّارا بالمعروف، خبّاء عن المنكر، وكان من أولاد الأمراء ، وكانت محنته على يد الواثق . (١) سورة التوبة ٥١ . (٢) هو ميمون بن الأصبغ ، كما فى المناقب ٣٣٠. -٥٢ قال له: ما تقول فى القرآن؟ قال: كلام الله، وأصرّ على ذلك غير متلعثم، فقال بعض الحاضرين: هو خلال الدم، فقال ابن أبى دُؤادِ: يا أمير المؤمنين، شيخ مختل. لعل به عاهة أو تغيُّر عقل، يؤخَّر أمره ويُستتاب، فقال الواثق: ما أراه إلا مؤديا لكفره ، قائما بما يعتقده منه ، ثم دعا بالصَّمصامة، وقال: إذا قمت إليه فلا يقومنّ أحد معى، فإنى أحتسب خُطاى إلى هذا الكافر الذى يعبد ربًّا لا نعبده ولا نعرفه بالصفة التى وصفه بها، ثم أمر بالنَّطع فأجلس عليه وهو مقيّد، وأمر أن يُشَدّ رأسه بحبل، وأمرهم أن يمدوه، ومشى إليه فضرب عنقه وأمر بحمل رأسه إلى بغداد ، فصبت بالجانب الشرقى أياما؛ وفى الجانب الغربى أياما، وتتبع رؤوس أصحابه فسُجنوا . وقال الحسن بن محمد الخرقىّ(١): سمعت جعفر بن محمد الصائغ يقول: رأيت أحمد بن نصر حيث ضُربت عنقه قال رأسه ؛ لا إله إلا الله قال المَرْوَزِىّ(٢): سمعت أبا عبد الله، وذكر أحمد بن نصر فقال: رحمه الله، ما كان أسخاء ، لقد جاد بنفسه . وقال الحاكم أبو عبد الله الحافظ، فى ترجمة أبى العباس أحمد بن سعيد المَرْوَزِىّ، وهو فى الطبقة الخامسة، من تاريخ نيسابور: سمعت أبا العباس السَّيَّارى يقول: سمعت أبا العباس: ابن سعد(٣) يقول: لم يضبر فى المحنة إلا أربعة، كلهم من أهل مَرْوٍ؛ أحمد بن حنبل أبو عبد الله، وأحمد بن نصر بن مالك الخزاعىّ، ومحمد بن نوح بن ميمون المضروب، ونُعَيْم بن حماد، وقد مات فى السجن مقيَّدا . فأما أحمدين قصر فضربت عنقه، وهذه نسخة الرُّقمة المعلّقة فى أذن أحمد بن نصر ابن مالك . بسم الله الرحمن الرحيم، هذا رأس أحمد بن نصر بن مالك، دعاه عبد الله الإمام (١) فى المطبوعة: الحربى. وأثبتنا ما فى د.وانظر لكلنا النبتين: اللباب ٠,٣٥٦،٢٩٠/١ . (٣) فى المطبوعة : سعيد. واعتمدنا ما فى: د. : (٢) فى المناقب ٣٩٩ : أبو بكر المروذى. - ٥٣ - هارون، وهو الواثق بالله أمير المؤمنين، إلى القول بخلق القرآن، ونفى التشبيه، فأبى إلا المعاندة ، فجعله الله إلى غاره. وكتب محمد بن عبد الملك. ومات محمد بن نوح فى فتنة(١) المأمون. والمعتصم ضرب أحمد بن حنبل . والواثق قتل أحمد بن نصر بن مالك ، وكذلك نُعيم بن حمّاد . ولما جلس المتوكل دخل عليه عبد العزيز بن يحيى الكِنانىّ فقال: يا أمير المؤمنين مارؤى أعجب من أمر الواثق ! قتل أحمد بن نصر ، وكان لسانه يقرأ القرآن إلى أن دفن، قال: فوجد(٢) المتوكل من ذلك، وساءه ما سمعه فى أخيه، إذ دخل عليه محمد بن عبد الملك الزيات فقال له: ياابن عبد الملك ، فى قلبى مِن قتل أحمد بن نصر، فقال: يا أمير المؤمنين أحرقنى الله بالنار نْ قتلَه أمير المؤمنين الوائق إلا كافرًا. قال: ودخل عليه هَرْ نَمة فقال: ياهَرْتَمة فى قلبى مِن قَتْل أحمد بن نصر ! فقال: يا أمير المؤمنين قطعنى الله إرْباً إِرْباً، إن قتلَه أمير المؤمنين الواثق إلا كافرا . قال : ودخل عليه أحمد بن أبى دُؤاد ، فقال : يا أحمد فى قلبى مِن قَتْل أحمد ابن نصر! فقال: يا أمير المؤمنين، ضربنى الله بالفالج، إن قتلَه أمير المومنين الواثق إلا كافراً . قال المتوكل: فأما الزيّات فأنا أحرقته بالنار ، وأما هَرْئَمة فإنه هرب وتبدّى ، واجتاز بقبيلة خُزاعة فعرفه رجل من الحى فقال: يامعشر خزاعة ، هذا الذى قتل أحمد بن نصر ، فقطعوه إرْباً إِرْباً. وأما أحمد بن أبى رُؤاد فقد سجنه الله فى جلده . قلت: وبلغنى، وما أُراه إلا فى تاريخ الحاكم أن بعض الأمراء خرج يتصيّد ، فألقاه السير على أرض فنزل بها، فبحث بعض غلمانه فى التراب ، خفر حتى رأى ميتا فى قبره طريّا، وهو فى ناحية ورأسه فى ناحية، وفى أذنه رقعة عليها شىء مكتوب ، فأحضر (١) فى المطبوعة: قبة . والمثبت من : د . (٢) فى المطبوعة: فوجل . وأثبتنا ما فى د. - ٥٤ - من قرأه فإذا هو: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا رأس أحمد بن نصر ... الكلمات السابقة، فعلموا أنه رأس أحمد الخزاعىّ، فدُفن ورُفع سَنام قبره، وكان هذا فى زمن. الحاكم أبى عبد الله الحافظ، وهو على طراوته، وكيف لا؟ وهو شهيد رحمه الله ورضى عنه. وقد طال أمر هذه الفتنة وطار شررها، واستمرت من هذه السنة التى هى سنة ثمان عشرة ومائتين إلى سنة أربع وثلاثين ومائتين ، فرفعها المتوكل فى مجلسه، ونهى عن القول بخلق القرآن، وكتب بذلك إلى الآفاق، وتوفّر دعاء الخلق له ، وبالغوا فى الثناء عليه. والتعظيم له ، حتى قال قائلهم: الخلفاء ثلاثة؛ أبو بكر الصديق يوم الردَّة، وعمر بن عبد العزيز فى ردّ المظالم، والمتوكل فى إحياء السنَّة .. وسكت الناس عن ذنوب المتوكل ، وقد كانت العامة تفقِم عليه شيئين ؛ أحدهما أنه ندب لدمشق أفريدون التركى، أحد مماليكه، وسيّه واليا عليها، وكان ظالما فاتكاً.، فقدم فى سبعة آلاف فارس ، وأباح له المتوكل القتل فى دمشق والنهب ، على ما نقل إلينا ، ثلاث ساعات، فنزل بيت لِمْيا(١)، وأراد أن يُصبِّح الباء، فلما أصبح نظر إلى البلد وقال: يا يومَ تَصبُّحُك منى، فقدّمت له بغلة، فضربته بالزوج فقتلته، وقبره ببيت لِهِياً، وردّ الجيش الذى معه خائبين ، وبلغ المتوكل فصاحت نيته لأهل دمشق . والثانى أنه أمر بهدم قبر الحسين رضى الله عنه، وهدم ما حوله من الدور، وأن يُعمل مزارع، ومنع الناس من زيارته، وحُرث وبقى صحراء ، فتألم المسلمون لذلك. وكتب أهل بغداد شتمه على الحيطان والمساجد ، ومجاه دِعْبِل وغيره من الشعراء، وقال قائلهم: فَثْلَ ابن بنت نبيّها مظلوماً: بالله إن كانت أميّةُ قد أتت هذا لَمَمْرُك قبْرُه مهدوما فلقد أتاه بنوأيه بمثله أسفوا على أن لا يكونوا شاركوا فى فتله فتتبّعوه زَمـ (١) بكسر اللام وسكون الماء وياء وألف مقصورة: قرية مشهورة بغوطة دمشق. المراصد ٢٣٨. - ٥٥ - قلت : لقد كانت هاتان الواقعتان الفظيعتان فى سنة ست وثلاثين ومائتين ، ورفع المحنة قبلها بسنتين ، فعى ذنوب لاحقة لرفع الفتنة، لاسابقة عليها . وكان من الأسباب فى رفع الفتنة أن الواثق أتى بشيخ مقيّد، فقال له ابن أبى رُؤَاد: يا شيخ ما تقول فى القرآن، أمخلوق هو؟ فقال له الشيخ : لم تنصفنى المسألة! أنا أسألك قبل الجواب : هذا الذى تقوله يا ابن أبى دُؤاد مِن خَلْق القرآن، شىء علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر وعمر، وعثمان، وعلىَ رضى الله عنهم ، أو جهلِه ؟ فقال: بل علموه . فقال: فهل دعوا إليه الناس كما دعوتهم أنت، أو سكتوا؟ قال : بل سكتوا . قال: فهّ وَسِعَك ما وسعهم من السكوت؟! فسكت ابن أبى دُؤاد ، وأعجب الواثقَ كلامُه ، وأمر بإطلاق سبيله ، وقام الواثق من مجلسه ، وهو على ما حُكى يقول : هلّا وَسِعك ما وسعهم ! يكرر هذه الكلمة. وكان ذلك من الأسباب فى خمود الفتنة، وإن كان رفعها بالكلية إنما كان على يد المتوكل . وهذا الذى أوردناه فى هذه الحكاية هو ما ثبت من غير زيادة ولا نقصان، ومنهم مَن زاد فيها ما لا يثبت ، فاضبط ما أثبتناه ودع ما عداه، فليس عند ابن أبي دؤاد من الجهل ما يصل به إلى أن يقول: جَهِلوه. وإنما نسبة هذا إليه تعصُّب عليه. والحق وسط، فابن أبى دُؤاد مبتدِع ضالٌ مبطل لا محالة ، ولا ينتهى أمره إلى أن يدَّعى أن شيئًا ظهر له وخفى على رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين، كما حكى عنه فى هذه الحكاية! فهذا معاذ الله أن يقوله أو يظنه أحد يتزيَّى بزِىّ المسلمين، ولو فاه به ابن أبى دُؤاد لفرّقّ الواثق من ساعته بین رأسه وبدنه .. وشيخنا الذهبيّ وإن كان فى ترجمة ابن أبى دُؤاد حكى الحكاية على الوجه الذى لا يرضاه، فقد أوردها فى ترجمة الوائق من غير ما وجه على الوجه الثابت . - ٥٦ - ولنقطع عنان الكلام فى هذه الفتنة، ففيما أوردناه فيها مَقْنَع وبلاغ. وقد أعلناك أحبا لبقت شِطرا من خلافة المأمون ، واستوعبت خلافة المعتصم والواثق ، وارتفعت فى خلافة المتوكل . وقد كان المأمون الذى افتُتحت فى أيامه : . . وهو عبد الله المأمون بن هارون الرشيد، ممن عُنى بالفلسفة وعلوم الأوائل، ومَهَرِ فيها، واجتمع عليه جمع من علمائها، فيمرّة ذلك إلى القول بخلق القرآن، وذكر المؤرخون أنه كان يرنا فى الفقه والعربية وأيام الناس ، ولكنه كان ذا حزم وعزم وحلم وعل، ودها، وهيبة. وذكاء وسماحة ، وفطنة وفصاحة ودین . قيل: ختم فى رمضان ثلاثا وثلاثين خدمة، وصعد فى يوم منبرا، وحدَّث فأورد بسنده نجوا من ثلاثين حديثاً، بحضور القاضى يحيى بن أَكْثُم، ثم قال له: يا يحيى كيف رأيت مجلسنا؟ فقال: أجَلّ مجلس، يُفّه الخاصّة والعامّة، فقال: ما رأيتُ له حلاوة! إنما المجلس لأصحاب أُخُلقان والمحاِ. وقيل: تقدّم إليه رجل غريب بيده محيْرَة، وقال: يا أمير المؤمنين، صاحب حديث منقطع به السُّبل . فقال: ما تحفظ فى باب كذا؟ فلم يذكر شيئاً. قيل: فمازال المأمون يقول: حدثنا هُشَيم، وحدثنا يحيى، وحدثنا حجاج، حتى ذكر الباب. ثم سأله عن باب آخر، فإ يذكر فيه شيئاً، فقال المأمون: حدثنا فلان، وحدثنا فلان ، إلى أن قال لأصحابه : يطلب أحدهم الحديث ثلاثة أيام ، ثم يقول أنا من أصحاب الحديث ! أعطوه ثلاثة دراهم !. قلت : وكان المأمون من الكرم بمكان مَكين، بحيث إنه فرّق فى ساعة ستة وعشرين ألف ألف درهم، وحكايات مكارمه تستوعب الأوراق، وإنما اقتصر فى عطاء هذا السائل فيما نراه، والله أعلم، لما رأى منه من التمعلم، وليس هو هناك، ولعله فهم عنه التعاظم بالعلم. عليه ، كما هو شأن كثير ممن يدخل إلى الأمراء، ويظنهم جهلة، على العادة الغالبة وكان المأمون كثير العفو والصفح . ومن كلامه: لو عرف الناس حتى للعفو لتقرّ بوا إلىّ بالجرائم، وأخاف أن لا أَوْجر فيه؟ يعنى لكونه طبعاً له . - ٥٧ - قال يحيى بن أكْثم: كان المأمون يحلُم حتى يَغيظنا . وقيل إن ملّاحا مر والمأمون جالس، فقال: أنظنون أن هذا يثبل فى عينى، وقد قتل أخاه الأمين ؟ يشير إلى المامون. فسمعه المأمون، وظن الحاضرون أنه سيقضى عليه ، فلم يزد المأمون على أن تبسم ، وقال: ما الحيلة حتى أثبل فى عين هذا السيد الجليل ؟ ولسنا نستوعب ترجمة المأمون ، فإن الأوراق تضيق بها ، وكتابنا غير موضوع لها، وإنما غرضنا أنه كان من أهل العلم والخير، وجرّه القليل الذى كان يدريه من علوم الأوائل إلى القول بخلق القرآن، كما جرّه اليسير الذى كان يدريه فى الفقه إلى القول بإباحة متعة النساء، ثم كان ملكا مطاعا، حمل الناس على معتقده. ولقد نادى بإباحة متعه النساء، ثم لم يزل به يحيى بن أَكُثم رحمه الله حتى أبطلها. وروى له حديث الأُّهرِىّ عن ابنى الحنفية، عن أبيهما محمد، عن على رضى الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن متعة النساء يوم خيبر، فلما صحح له الحديث رجع إلى الحقّ ، وأما مسألة خلق القرآن فلم يرجع عنها . وكان قد ابتدأ بالكلام فيها فى سنة اثنتى عشرة ، ولكن لم يصمم ويحمل الناس إلا فى سنة ثمان عشرة، ثم تُوجل ولم يُمهل، بل توجه غازيا إلى أرض الروم ، فرض ومات فى سنة ثمان عشرة ومائتين . واستقل بالخلافة بعده أخوه المعتصم بالله محمد بن هارون الرشيد بعهد منه ، وكان ملكا شجاعا بطلا مهينا، وهو الذى فتح عَمُورِيّة (١)، وقد كان المنجمون قضوا بأنه يكسر، فانتصر نصراً مؤزَّرًا. وأنشد فيه أبو تمام الطائىّ قصيدته السائرة التى أولها(٢): فى حَدِّ الحَتُ بين الجِدّ واللَّبِ السيفُ أصدقُ أنباءَ من الكُتب بين الخَمِيسَيْنِ لا فى السَّبْعَةِ الشَّهُبِ (٣) والعِلْمُ فى شُهُب الأرماحِ لا معةً (١) بفتح أوله وتشديد ثانيه: باد ببلاد الروم. المراصد ٩٦٣. (٢) ديوانه ١ /٤٥_٤٨. (٣) قال الخطيب التبريزى: يعنى بشهب الأرماح: أسنتها. ويعنى بالسبعة الشيب: الطوالع التى أرفعها زحل ، وأدناها القمر، وبعضها الشمس. والخيان: الجيشان ، ويقال: إن الجيش حمى حيا فى زمان كانت الملوك إذا غزت أخذت من الغنيمة لأنفسها، فخي إدا فى معنى المخموس. ولامعة:" نصب على الحال من شهب الأرماح . - ٥٨ - أين الروايةُ أم أين النجومُ وما صاغوه من زخرفٍ فيها ومن كذبٍ تخرُّماً وأحاديتاً ملفقةً ليست بنَبْعِ إذا عُدَّت ولا غَرَبٍ (١): ولقد تضيق الأوراق عن شرح ما كان عليه من الشجاعة والمهابة والمكارم والأموال، والخِيل والدهاء، وكثرة العساكر والعَدّد والعُدّد. قال الخطيب: ولكثرة عساكره وضيق بغداد عنه بنى شرّ مَن رأى. وانتقل بالعساكر إليها، وسميت العسكر. وقيل: بلغ عدد غلمانه الأتراك فقط سبعة عشر ألفا . وقيل: إنه كان عَرِيّا من العلم، مع أنه رويت عنه كلمات تدل على فصاحته ومعرفته . قال أبو الفضل الرَّاشِىّ: كتب ملك الروم لعنه الله، إلى المعتصم يبدده، فأمر بجوابه، فلما قرئ عليه الجواب لم يرضه ، وقال الكاتب: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد: فقد قرأت كتابك ، وسمعت خطابك ، والجواب ما ترى لا ما تسمع، وسيعلم الكافرِ لمن عُقْبَى الدار . ومن كلامه : اللهم إنك تعلم أنى أخافك مِن قِبَلى ، ولا أخافك مِن قِبَلك، وأرجوك من قِبْلك، ولا أرجوكٍ مِن قِبَلى . · قلت: والناس يستحسنون هذا الكلام منه، ومعناه أن الخوف (٢) من قِبَلى؟ لما اقترفته من الذنوب، لا مِن قِبَلك، فإنك عادل لا تظلم، فلولا الذنوب لما كان للخوف. معنى، وأما الرجاء من قِبَلك، لأنك متفضل، لا مِن قِبَلى؛ لأنه ليس عندى من الطاعات والمحاسن ما أرتجيك بها . والشّق الثانى عندنا صحيح لا غُبار عليه. وأما الأول فإنا نقول: إن الرب تعالى تخاف (١) فى المطبوعة، د: بسبع. والتصويب من الديوان. قال التبريزى: النبع: شجر صلب يذبت فى رءوس الجمال وتتخذ منه الفسى ، وإذا وصف الرجل بالجلادة والصبر شبه بالنبع،، أى أنه صلب لا يقدر على كسبره . والغرب - بالتحريك - شجر يفبت على الأنهار ليست له قوة . (٢) إلى هنا انتهى سقط نسخة ج الذى بدأ فى من ١٤ .. - ٥٩ - مِن قِبَله كما نخاف مِن قبلنا؛ لأنه الملك القهار، بخافه الطائمون والعصاة، وهذا واضح لمن تدبره. قال المؤرخون: ومع كونه كان لا يدرى شيئاً من العلم حمل الناس على القول بخلق القرآن . قلت: لأن أخاه المأمون أوصى إليه بذلك، وانضم إلى ذلك القاضى أحمد بن أبي دؤاد وأمثاله من فقهاء السوء، فإنما يتلف السلاطين فسقة الفقهاء؛ فإن الفقهاء ما بين صالح وطالح، فالصالح غالبا لا يتردد إلى أبواب الملوك، والطالح غالبا يترامى عليهم، ثم لا يسعه إلا أن يجرى معهم على أهوائهم، ويهوّن عليهم العظائم، ولهو على الناس شر من ألف شيطان ، كما أن صالح الفقهاء خير من ألف عابد ، ولولا اجتماع فقهاء السوء على المعتصم لنجّاه اللهمما فرط منه، ولو أن الذين عنده من الفقهاء على حق لأروه الحق أبلج واضحا، ولأبعدوه عن(١) ضرب مثل الإمام أحمد، ولكن ما الحيلة والزمان بنى على هذا! وبهذا تظهر حكمة الله فى خلقه . ولقد كان شيخ الإسلام والمسلمين الوالد رحمه الله يقوم فى الحق، ويفوه بين يدى الأمراء بما لا يقوم به غيره، فيذعنون لطاعته، ثم إذا خرج من عندهم دخل إليهم من فقهاء السوء من يعكس ذلك الأمر ، وينسب الشيخ الإمام إلى خلاف ما هو عليه ، فلا يندفع شىء من المفاسد، بل يزداد الحال . ولقد قال مرة لبعض الأمراء وقد رأى عليه طَرْزًا من ذهب عريضاً على قَباء حرير : يا أمير أليس فى الثياب الصوف ما هو أحسن من هذا الحرير ؟ أليس فى السكندرىّ ما هو أظرف من هذا الطَّرْز؟ أىُّ لذةٍ لك فى لبس الحرير والذهب؟ وعلى أى شىء يدخل المرء جهنم؟ وعدله فى ذلك، حتى قال إله ذلك](٢) الأمير: اشهد علىّ أنى لا أنيس بعدها حريرا ولا طَرْزًا، وقد تركت ذلك لله على يديك . فلما فارقه جاءه من أعرفه من الفقهاء، وقال له: أما الطَّرْز فقد جوّز أبو حنيفة ما دون أربعة أصابع، وأما الحرير (١) فى المطبوعة: ولا يغروه على. واعتمدنا ما فى : ج ، د. (٢) ساقط من المطبوعة، وهو من: ج، د. فقد أباحه فلان وأمّا وأمّا، ورخص له، ثم قال له: لم لا نهى عن المُكُوسِ؟ لم لا نهى عن كذا وكذا؟ وذكر ما لو نهى الشيخ الإمام أو غيره عنه لما أفاد، وقال له : إنما قصد بهذا إهانتك، وأن يبين للناس أنك تعمل حراما! فلم يخرج من عنده حتى عاد إلى حاله الأول ، وحَق على الشيخ الإمام ، وظنه قصد تنقيصه عند الخلق، ولم يكن قصد هذا الفقيه إلا إيقاع الفتنة بين الشيخ الإمام والأمير، ولا عليه أن يُفتىَ بمحرَّم فى قضاء غرضه . وهذا المسكين لم يكن يخفى عليه أن ترك (١) النهى عما لا يفيد النهى عنه من المفاسد لا يوجب الإمساك عن غيره، ولكن حمله هواه على الوقوع فى هذه العظائم، والأمير مسكين ليس له من العلم والعقل ما يميزبه. والحكايات فى هذا الباب كثيرة ، ومسك اللسان(٢) أولى، والله المستعان. ومات المعتضم في سنة سبع وعشرين ومائتين، وولى الواثق بالله أبو جعفر هارون ابن المعتصم بن الرَّشید ، و کان ملیح الشُّعر ، یروی أنه كان يحب خادما أُهدى له من مصر فأغضبه الواثق يوما، ثم إنه سمعه يقول لبعض الخدم: والله إنه ليروم أن أ كلمه من أمس، فما أفعل ؟ فقال الواثق : يا ذا الذي بعذابى ظلّ مفتخرًا ما أنت إلا مَليكَ جار إِذْ قَدَر! وإن أُفِقْ منه يوما ما فسوفترى لولا الهوى لتجاريْنا على قَدَرٍ : وقدظرف عُبادة الملقب بعبادة المخنَّث، حيث دخل إليه وقال: يا أمير المؤمنين، أعظم الله أجرَّك فى القرآن. قال: ويلك! القرآن يموت ؟ قال: يا أمير المؤمنين كلّ مخلوق يموت ، بالله يا أمير المؤمنين مَن يُصلّى بالناس التراويح إذا مات القرآن؟ فضحك الخليفة وقال: قاتلك الله ! أمك .. قال الخطيب: وكان ابن أبي دؤاد قد استولى عليه، وحمله على التشديد فى المحنة. ١٢٠ فى المطبوعة: والإمساك . والمثبت من : ج. (١) فى الأصول: أن يترك . :