النص المفهرس
صفحات 21-40
- ٢١ - إجماعا، لأنه لا تعارض والحالة هذه. ولا يقول منا أحد بتقديم التعديل ؛ لا من قال بتقديمه عند التعارض ولا غيره . وعبارتنا فى كتابنا ((جمع الجوامع)) وهو مختصر جمعناه فى الأصلين ، جمع فأوعى: والجرح مقدَّم إن كان عدد الجارح أكثر من المعدّل إجماعا، وكذا إن تساويا ، أو كان الجار ح أقل . وقال ابن شعبان بطلب الترجيح . انتهى . فيه زيادة على ما فى مختصرات أصول الفقه فإنا نبهنا فيه على مكان الإجماع ، ولم ينبهوا عليه ، وحكينا فيه مقالة ابن شعبان من المالكية ، وهى غريبة لم يشيروا إليها ، وأشرنا بقولنا يُطلب الترجيح إلى أن النزاع إنما هو فى حالة التعارض ، لأن طلب الترجيح إنما هو فى تلك الحالة . وهذا شأن كتابنا ((جمع الجوامع)) نفع الله به - غالب ظننا أن فى كل مسألة فيه زيادات لا توجد مجموعة فى غيره مع البلاغة فى الاختصار . إذا عرفت هذا علمت أنه ليس كلّ جرح مقدما . وقد عقد شيخنا الذهبىّ رحمه الله تعالى فصلا فى جماعة لا يُعبأ بالكلام فيهم ، بل هم ثقات على رغم أنف من تفوّه فيهم بما هم عنه بُرَآء، ونحن نورد فى ترجمته محاسن ذلك الفصل، إن شاء الله . ولنختم هذه القاعدة بفائدتين عظيمتين ، لا يراهما الناظر أيضا فى غير كتابنا هذا. إحداهما : أن قولهم لا يُقبل الجرح إلا مفسَّرا إنما هو أيضا فى جرح من ثبتت عدالته واستقرت ، فإذا أراد رافعٌ رفعها بالجرح قيل له: انت ببرهان على هذا. أو فيمن لم يُعرف حاله ولكن ابتدره جارحان ومن كِّيَان، فيقال إذ ذاك للجارحين : فسِّرا ما رميتماه به . أما من ثبت أنه مجروح فيقبل قول من أطلق جرحه ؛ لجريانه على الأصل المقرر عندنا ، ولا نطالبه بالتفسير ، إذ لا حاجة إلى طلبه . والفائدة الثانية: أنا لا نطلب التفسير من كل أحد، بل إنما أطلبه حيث يحتمل الحال شكلًا إمّا لاختلاف فى الاجتهاد، أو لتهمة يسيرة فى الجارح، أو نحو ذلك مما لا يوجب - ٢٢ - سقوط قول الجارح ولا ينتهى إلى الاعتبار به على الإطلاق، بل يكون بَيْنَ بَيْنَ، أَمَّا إذا انتفت الظنون واندفعت البهم، وكان الجارح حَبْرًا من أخبار الأمة مبراً عن مظان التهمة، أو كان المجروح مشهورا بالضعف ، متروكا بين النقاد، فلا نتلعثم عند جرحه، ولا محوج الجارح إلى تفسير ، بل طلبُ التفسير منه والحالة هذه طلبُ لِغِيبة لا حاجة إليها . فنحن نقبل قول ابن معين فى إراهيم بن شعيب المدنى ، شیخ روى عنه ابن وهب إنه ليس بشىء. وفى إبراهيم بن يزيد الدنىّ: إنه ضعيف، وفى الحسين بن الفرج الخياط: إنه كذاب يسرق الحديث. وعلى هذا، وإن لم يبيّ الجرح؛ لأنه إمام مقدَّم فى هذه الصناعة ، جرح طائفة غير ثابتى العدالة والثبت. ولا نقبل قوله فى الشافعى، ولو فّز وأتى بألف إيضاح ؛ لقيام القاطع على أنه غير محق بالنسبة إليه . فاعتبر ما أشرنا إليه فى ابن معين وغيره ، واحتفظ بما ذكرناه تنتفع ويقرب من هذه القاعدة التى ذكرناها فى الجرح والتعديل : ﴿ قاعدة فى المؤرخين﴾ نافعة جدا . فإن أهل التاريخ ربما وضعوا من أناس، ورفعوا أناسا؛ إما لتعصّب أو لجهل، أو لمجرد اعتماد على نقل من لا يوثق به ، أو غير ذلك من الأسباب. والجهل فى المؤرخين أكثر منه فى أهل الجرح والتعديل، وكذلك التعصب قلَّ أن رأيت تاريخا خاليا من ذلك . . وأما تاريخ شيخنا الذهبىّ غفر الله له، فإنه على حسنه وجمعه مشحون بالتعصّب المفرط، لا واخذه الله ، فلقد أكثر الوقيعة فى أهل الدين، أعنى الفقراء الذين هم صفوة الخلق، واستطال بلسانه على كثير من أئمة الشافعيين والحنفيين، ومال فأفرط على الأشاعرة، ومدح فزاد فى المجسِّمة. هذا وهو الحافظ الِدْرَه والإمام المبجل ؛ فما ظنك بعوامّ المؤرخين ! لا فالرأى عندنا/ أن يُقبل مدح ولا ذم من المؤرخين إلا بما اشترطه إمام الأئمة وحبر الأمّة ، وهو الشيخ الإمام الوالد رحمه الله حيث قال ، ونقلته من خطه فى مجاميعه : - ٢٣ - يشترط فى المؤرخ الصدقُ، وإذا نقل يعتمد اللفظ دون المعنى ، وألا يكون ذلك الذى نقله أخذه فى المذاكرة ، وكتبه بعد ذلك، وأن يسمى النقول عنه . فهذه شروط أربعة فيما ينقله . ويشترك فيه أيضا لما يترجمه من عند نفسه ولما عساه يطول فى التراجم من النقول ويقصر أن يكون عارفا بحال صاحب الترجمة ؛ علما ودينا وغيرهما من الصفات ، وهذا عزيز جدا ، وأن يكون حسن العبارة ، عارفا بمدلولات الألفاظ ، وأن يكون حسن التصور ، حتى يتصور حال ترجمته جميع حال ذلك الشخص ، ويعبر عنه بعبارة لا تزيد عليه ولا تنقض عنه ، وأن لا يغلبه الهوى فيخيِّل إليه هواه الإطناب فى مدح من يحبه وانتقصير فى غيره، بل إما أن يكون مجردا عن الهوى وهو عزيز ، وإما أن يكون عنده من العدل ما يقبر به هواه، ويسلك طريق الإنصاف . فهذه أربعة شروط أخرى ، ولك أن تجعلها خمسة ؛ لأن حسن تصوره وعلمه قد لا يحصل معهما الاستحضار حين التصنيف ، فيُجعل حضور التصور زائدا على حسن التصور والعلم . فهى تسعة شروط فى المؤرخ ، وأصعبها الاطلاع على حال الشخص فى العالم ، فإنه يحتاج إلى المشاركة فى علمه والقرب منه، حتى يعرف مرتبته . انتهى. وذكر أن كتابته لهذه الشروط كانت بعد أن وقف على كلام ابن معين فى الشافعىّ ، وقول أحمد بن حنبل: إنه لا يعرف الشافعىّ، ولا يعرف ما يقول. قلت : وما أحسن قولَه : ولما عساه يطول فى التراجم من النقول ويقصر ، فإنه أشار به إلى فائدة جليلة ، يغفل عنها كثيرون ، ويحترز منها الموفّون ، وهى تطويل التراجم وتقصيرها ؛ فربّ محتاطٍ لنفسه لا يذكر إلا ما وجده منقولا ، ثم يأتى إلى من يُبغضه فينقل جميع ماذُكر من مَذامته ، ويحذف كثيرا مما نُثُل من تمادحه ، ويجىء إلى من يحبه فيعكس الحال فيه ، ويظن المسكين أنه لم يأت بذنب ؛ لأنه ليس يجب عليه تطويل ترجمة أحد ، ولا استيفاء ما ذكر من تمادحه، ولا يظن المغترّ أن تقصيره لترجمته بهذه النية، استزرادبه، وخيانة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين فى تأدية ما قيل - ٢٤ - فى حقه ؛ من حمد وذم ، فهو كمن يذكر بين يديه بعض الناس فيقول: دعونا منه» وإنه عجيب ، أو الله يصاحه، فيظن أنه لم يغتبه بشىء من ذلك ، وما يظن أن ذلك من أقبح الغيبة . ولقد وقفت فى تاريخ الذهبىّ رحمه الله على ترجمة الشيخ الموفَّق ابن قدامة الحنبلي والشيخ فخر الدين بن عساكر، وقد أطال تلك وقصّر هذه، وأنى بما لا يشك لبيب أنه. لم يحمله على ذلك إلا أن هذا أشعرى وذاك حنبلى، وسيتفون بين يدى رب العالمين. وكذلك ما أحسنَ قُولَ الشيخ الإمام: وأن لا يغلبه الهوى. فإن الهوى غَلَّاب، إلا أن عصمه الله . وقوله: فإمّا أن يتجرد عن الهوى ، أو يكون عنده من العدل ما يقهر به هواه. عندنا فيه زيادة ، فنقول : 1 قد لا يتجرد من الهوى ، ولكن لا يظنه هوى ، بل يظنه لجهله أو بدعته. حقاء، وذلك لا يتطلب ما يقهر هواء؛ لأن المستقر فى ذهنه أنه محقٌّ؛ وهذا كما يفعل كثير من المتخالفين فى العقائد بعضهم فى بعض ، فلا ينبغى أن يقبل قول مخالف فى العقيدة على الإطلاق ، إلا أن يكون ثِقَة ، وقـ روى شيئاً مضبوطاً عاينه أو حققه . وقولنا: مضبوطاً. احترزنا به عن رواية ما لا ينضبط من التَّرَّهات ، التى لا يترتب عليها: عند التأمّل والتحقق شىء . وقولنا: عاينه أو حققه. ليخرج ما يرويه عمن غلا أو رخُص؛ ترويجاً لعقيدته وما أحسن اشتراطه العلم ومعرفة مدلولات الألفاظ ، فلقد وقع كثيرون لجهلهم بهذا . وفى كتب المتقدّمين جرح جماعة بالفلسفة، ظنًا منهم أن علم الكلام فلسفة، إلى أمثال ذلك مما يطول عَدُّه . فقد قيل فى أحمد بن صالح الذى نحن فى ترجمته: إنه يتفلسف . والذى قال هذا لا يعرفه الفلسفة . وكذلك قيل فى أبى حاتم الرازىّ ، وإنما كان رجلا متكلما . - ٢٥ - وقريب من هذا قول الذهبىّ فى المِزِّىّ، كما سيأتى إن شاء الله تعالى فى ترجمة المزِّىّ فى الطبقة السابعة أنه يعرف مَضايق المعقول، ولم يكن المِزِّىّ ولا الذهبىّ يدريان شيئاً من المعقول . والذى أُقتى به، أنه لا يجوز الاعتماد على كلام شيخنا الذهبىّ فى ذم أشعريّ ولا شكر حنبلى . والله المستعان. توفى أحمد بن صالح سنة ثمان وأربعين ومائتين . ٤ أحمد بن أبى سُرَيح الصََّحِ النَّهْتَلِيّ وقيل: أحمد بن عمر بن الصباح. أبو جعفر الرازىّ البغدادى ** سمع شعيب بن حرب، وأبا معاوية الضرير، وابن عُلَيّة، ووكيما، والشافعىّ، وجماعة . روى عنه البخارىّ، والنَّسائىّ، وأبو داود، وأبو بكر بن أبى داود، وأبو زُرْعَة ، وأبو حاتم ، وغيرهم . قال اللَّانِىّ: ثِقَةٍ . وقال أبو حاتم : صَدُوق . * * * * له ترجمة فى تهذيب التهذيب ١ / ٤٤، الجمع بين رجال الصحيحين ١٠، طبقات القراء ١/ ٦٣. وقد ذكر صاحب طبقات القراء أن ابن سريع توفى سنة ٢٣٠، بينما ينقل ابن حجر فى التهذيب من خط الذهى أنه مات بعد الأربعين ومائتين . - ٢٦ - ٥ أحمد بن عبد الرحمن بن وهب بن مسلم القرشى أبو عبد الله المصرى، الملقب ببحْشَل* روى عن عمه عبد الله بن وهب، وعن الشافعى، وجماعة. حدّث عنه مسلم فى الصحيح، وأبو حاتم الرازىّ، وابن خزيمة ، وابن جرير . توفى سنة أربع وستين ومائتين . أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السَّرْح القرشىّ الأموى مولاهم أبو الطاهر المصْرىّ الفقيه **: روى عن سفيان بن غُيَيْنَة، والشافعىّ، وابن وَهْب ، وغيرهم. وعنه مسلم، وأبو داود، والنَّائىّ، وابن ماجة، وطائفة آخرهم أبو بكر بن أبى داود. وكان من جلّة العلماء، شرح ((موطأ مالك))، وتفرّد عن ابن وهب بحديث ، فقال: حدثنا ابن وهب ، عن عمرو بن الحارث ، عن أبى يونس، عن أبى هريرة ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كُلُّ بَنِي آدَمَ سَيِّدْ، وَالرَّجُلُ سَيِّدُ أَهْلِهِ، وَالْمَرْأَةُ سَيِّدَةُ بَيْتِهَا » هذا حديث صحيح غريب. توفي أبو الطاهر لأربع عشرة خلت من ذى القعدة ، سنة خمسين ومائتين -- * له ترجمة فى: تهذيب التهذيب ١ / ٥٤، الجمع بين رجال الصحيحين ١٤، شذرات الذهب ٢ / ١٤٧، العبر ٢ / ٢٨ ويحشل : بفتح الموحدة وسكون المهملة بعدها شين معجمة، لقب له . أنظر التهذيب .. ** له ترجمة فى: تذكرة الحفاظ ٢ / ٧٩، تهذيب التهذيب ١ / ٦٤، الجمع بين رجال الصحيحين ١٤، شذرات الذهب ٢ / ١٢٠، العبر ١ / ٤٥٥- وفيه: البصرى، وفي سائرا المصادر : المصرى . - ٢٧ - ٧ أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد الله بن حَيّان ابن عبد الله بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازِن بن شيبان بن ذُهْل ابن ثعلبة بن عُكَابة(١) بن صَعب بن عليّ بن بكر بن وائل* هكذا نسبه ولده عبد الله، واعتمده الحافظ أبو بكر الخطيب وغيره، وأما قول عباس الدُّورِىّ، وأبى بكر بن أبى داود: إن الإمام أحمد كان من بنى ذُهْل بن شَيبان . فغلطهما الخطيب، وقال: إنما كان من بنى شَيْبان بن ذُهْل بن ثعلبة، قال: وذُهْل بن ثعلبة هو عم ذُهْل بن شيبان بن ثعلبة . هو الإمام الجليل أبو عبد الله الشَّيِبانىّ المرْوَزِىّ، ثم البغدادىّ، صاحب المذهب، الصابرُ على المحنة، الناصر للسُّنَّة، شيخ العصابة، ومقتدى الطائفة، ومن قال فيه الشافعىّ فيما رواه حَرْمَلَةٍ: خرجت من بغداد ، وما خلَّقْت بها أفقهَ ولا أورعَ ولا أزهدَ ولا أعلمَ من أحمد . وقال الُزَنِىّ: أبو بكر يوم الرِّدَّة، وعمر يوم السَّقيفة، وعثمان يوم الدار، وعلىّ يوم صِفِّن، وأحمد بن حنبل يوم المحنة ... وقال عبد الله بن أحمد: سمعت أبا زُرْعة يقول : كان أبوك يحفظ ألف ألف حديث، فقلت : وما يدريك ؟ فقال : ذاكرته فأخذت عليه الأبواب . وعن أبى زُرْعَة : حرز كتب أحمد يوم مات فبلغت اثنى عشر حِمْلا وعِدْلا ، ما كان على ظهر كتاب منها : حديث فلان ، ولا فى بطنه : حدثنا فلان ، وكل ذلك كان يحفظه على ظهر قلبه . * له ترجمة فى: تاريخ بغداد ٤ / ٤٠٣، تذكرة الحفاظ ٢ ١٧، تهذيب التهذيب ١ / ٧٢. الجمع بين رجال الصحيحينه، حلية الأولياء ٩ / ١٦١، شذرات الذهب ٢ / ٩٦، طبقات الحنابلة ١ /٤- طبقات الشيرازى ٧٥، طبقات القراء ١ / ١١٢، العبر ١ / ٠٤٣٥ مناقب الإمام أحمد، لابن الجوزى. النجوم الزاهرة ٢ / ٣٠٤، وفيات الأعيان ٤٧/١. (١) عكابة كدخانة. القاموس (ع ك ب). - ٢٨ - وقال قتيبة بن سعيد؛ كان وكيع إذا كانت المَتَمَة ينصرف معه أحمد بن حنبل، فيقف على الباب فيذاكره ، فأخذ ليلة بعضادَتى (١) الباب، ثم قال: يا أبا عبد الله، أريد أن ألقى عليك حديث سفيان، قال: هاتٍ ، قال: تحفظ عن سفيان، عن سَلَمَة بن كُبَيل كذا ؟ قال: نعم، حدثنا يحيى، فيقول سَلَمة: كذا وكذا، فيقول: حدثنا عبد الرحمن، فيقول: وعن سَلَمة كذا وكذا ، فيقول: أنت حدثنا، حتى يفرغ من سَلَمة. ثم يقول أحمد: فتحفظ عن سَلَمة كذا وكذا؟ فيقول وكيع : لا ، ثم يأخذ فى حديث شيخ شيخ . قال فلم يزل قائما حتى جاءت الجارية ، فقالت: قد طلع الكوكب ، أو قالت الزُّهَرة. وقال عبد الله : قال لى أبى : خذ أىّ كتاب شئت من كتب وكيع ، فإن شئت أن تسألنى عن الكلام ، حتى أخبرك بالإسناد، وإن شئت بالإسناد ، حتى أخبرك عن الكلام . وقال الخلال: سمعت أبا القاسم بن الخُلِىّ(٢) - وكفاك به - يقول: أكثر الناس يظنون أن أحمد إذا سئل كان علمُ الدنيا بين عينيه . وقال إبراهيم الحربيّ: رأيت أحمد كأن الله جمع له على الأولين والآخرين .. وقال عبد الرزاق: ما رأيت أفقهَ من أحمد بن حنبل، ولا أورع . وقال عبد الرحمن بن مَهدِىّ: ما نظرت إلى أحمد بن حنبل إلا تذكّرت به سفيان التَّوْرِىّ. وقال قُتِيبة: خير أهل زماننا ابن المبارك ، ثم هذا الشاب ، يعنى أحمد بن حنبل . وقال أيضاً: إذا رأيت الرجل يحب أحمد فاعلم أنه صاحب سُنَّة. وقال أيضاً ، وقد قيل له: تضم أحمد إلى التابعين؟ فقال: إلى كبار التابعين . وقال أيضاً: لولا الثَّوْرىّ لمات الورع، ولولا أحمد لأحدتوا فى الدين . (١) عضادنا الباب- بكسر العين -: تاحيتاه. الان ٢٩٤/٣. والتاء المثناة من فوقها المحددة، نسبة إلى ختلان. بلا دمجتمعة وراء بلخ . انظر الااب ١ /٣٤٥. (٢) بضم الخاء المعجمة - ٢٩ - وقال أيضاً : أحمد إمام الدنيا . وقال أيضاً، كما رواه الدَّارَ قُطنىّ فى أسماء من روى عن الشافعىّ: مات الثَّوْرِىّ ومات الورع، ومات الشافعىّ وماتت السُّغَنَ، ويموت أحمد بن حنبل وتظهر البدَع. وقال أبو مُسْهِر ، وقد قيل له : هل تعرف أحداً يحفظ على هذه الأمَّة أمر دينها؟ قال : لا أعلمه، إلا شابٌ فى ناحية المشرق ، يعنى أحمد بن حنبل. وعن إسحاق : أحمد حجة بين الله وخلقه . وقال أبو ثور، وقد سئل عن مسألة: قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل شيخنا وإمامنا فيها كذا وكذا. فهذا يسير من ثناء الأمة عليه ، رضى الله عنه . وُلد سنة أربع وستين ومائة ببغداد، جيء به إليها من مَرْو حَمْلا. • وتفقه على الشافعى" وهو الحاكمى عنه أنه جَوّز بيع الباِلَاء فى قِشْرَ به(١). • وأن السيد بلاعن أمته . وكان يقول: ألا تعجبون من أبى عبد الله يقول: يلاعن السيّد عن أم ولده. واختلف الأصحاب فى هذا؛ فمنهم من قطع بخلافه ، وحَمل قول أحمد على أن مراده بأبى عبد الله إما مالك ، وإما سفيان . وضعّف الرُّويانىّ هذا بأنه رُوى عنه أنه قال: ألا تعجبون من الشافعىّ. ومنهم من تأوله بتأويل آخر . قال حنبل : سمعت أبا عبد الله يقول : طلبت الحديث سنة تسع وسبعين . قلت: ومن شيوخه هُشَيم ، وسفيان بن مُيَيْنة ، وإاهيم بن سعد ، وجرير بن عبد الحميد ، ويحيى القّطَان، والوليد بن مسلم، وإسماعيل بن مُلَّة ، وعلى بن هاشم بن البريد(٢)، ومُعتمر بن سليمان، وغُنْدَر، وبشر بن المفضّل، وزياد البَكّائىّ، ويحيى بن (١) فى د : قشرته. والمثبت من المطبوعة والطبقات الوسطى. (٢) بفتح الباء الموحدة . المشتبه ٦٦٨ .. - ٣.٥ - أبى زائدة، وأبو يوسف القاضى، ووكيع، وابن نُمَير، وعبد الرحمن بن مهدىّ ، ويزيد ابن هارون، وعبد الرزاق ، والشافعى ، وخلْق. وممن روى عنه: البخارىّ، ومسلم ، وأبو داود، وابناه صالح وعبد الله :. ومن شيوخه: عبد الرازق، والحسن بن موسى الأشيب. قيل: والشافعى فى بعض الأماكن التى قال فيها أخبرنا الثقة . وقد كنت أنا لما قرأت (مسند الشافعى")) على شيخنا أبى عبد الله الحافظ سألته فى كل مكان مـ ـن تلك، فكان بعضها يتعين أن يكون مراده به يحي بن حسان، كما قيل إنه المقصود به دائما ، وبعضها یتعین أنه یرید به براهيم بن أبی یحیی ، وبعضها يتردد. وذلك مَّق عندى فى مجموع مما عاقته عن شيخنا رحمه الله، وأكثرها لا يمكن أنه يريد به أحمد ابن حنبل ، مثل قوله: أخبرنا الثقة عن أبى إسحاق ، فلا يمكن أن يريد به أحمد ، بل إما إبراهيم بن سعد، أو غيره .. ومثل قوله : أخبرنا الثقة عن ابن شهاب ، يحتمل مالكا، وابن سعد ، وسفيان بن عُيَيْنة، ولا ثالث لهم فى أشياخ الشافعىّ. : ومثل قوله: الثقة عن مَعْمَر، فهو إما هشام بن يوسف الصَّغانىّ، أو عبد الرزاق. ومثل قوله: الثقة من أصحابنا عن هشام بن حسان، قال شيخنا أبو عبد الله محمد بن أحمد الحافظ: لعله يحيى القطان. ومثل قوله: الثقة عن زكريا بن إسحاق، عن يحيى بن عبد الله، قال لى محمد بن أحمد الحافظ: إنه يحيى بن حسان التَّنَيسىّ. ومثل مواضع أخر تركتها اختصارا . وروى عنه من أقرانه: على بن الَدِينِىّ، ويحيى بن مَعِين، ودُحَيْم الشامىّ ، وغيرم . قال الخطيب : ولد أبوعبد الله ببغداد، ونشأ بها [وبهامات](١) وطلب العلم، ثم رحل (١) زيادة من الطبقات الوسطى، عن سخة محفوظة بمعهد إحياء المخطوطات بجامعة الدول العربية مصورة عن مكتبة رضا رامبور، نسخت فى القرن الثامن بخط نسخ في، وعدد لوحاتها ٤٤٥ ٠- ٣١ - إلى الكوفة والبصرة، ومكة والمدينة ، واليمن ، والشام، والجزيرة . قلت: وألف (« مسنده»، وهو أصل من أصول هذه الأمة . قال الإمام الحافظ أبو موسى محمد بن أبى بكر المَدِينِىّ رضى الله عنه: هذا الكتاب .. يعنى مسند الإمام أبى عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشَّيبانىّ، قدّس الله روحه - أصل كبير ، ومرجع وثيق لأصحاب الحديث، انتقى من أحاديث كثيرة ، ومسموعات وافرة ، فجُعل إماما ومعتمدا، وعند التنازع ملجأ ومستندا . على ما أخبرنا والدى وغيره رحمهم الله أن المبارك بن عبد الجبار أبا الحسين كتب إليهما من بغداد ، قال: أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عمر بن أحمد البَرْمَكِى، قراءةً عليه، أخبرناأبو عبد الله عبيد الله بن محمد بن محمد بن حمدان بن عمر بن بَطّة، قراءةً عليه، حدثنا أبو حفص عمر بن محمد ابن رَجا، حدثناموسى بن حَمدون البَزَّار، قال: قال لنا حنبل بن إسحاق: جمعنا عمى - يعنى الإمام أحمد - لى ولصالح ولعبد الله وقرأعلينا المسند، وماسمعه منه ـ يعنى تاما - غيرُنا، وقال لنا: إن هذا الكتاب قد جمعته وانتقيته من أكثر من سبعمائة وخمسين ألفا، فما اختلف فيه المسلمون من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فارجعوا إليه ، فإن كان فيه وإلا ليس بحجة . وقال عبد الله بن أحمد رضى الله عنهما: كتب أبى عشرة آلاف ألف حديث، لم يكتب سوادا فى بياض إلا حفظه ، وقال عبد الله أيضا: قلت لأبي: لم كرهتَ وضع الكتب وقد عملت المسند ؟ فقال: عملت هذا الكتاب إماما ، إذا اختلف الناس فى سنّةٍ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: رُجِع إليه . وقال أيضا: خرَّج أبى المسند من سبعمائة ألف حديث . قال أبو موسى المدينىّ. ولم يخرّج إلا عمّن ثبت عنده صدقَه وديانته، دون من طعِن فى أمانته . ثم ذَكر بإسناده إلى عبد الله ابن الإمام أحمد، رضى الله عنهما، قال : سألت أبى - ٣٢ - عن عبد العزيز بن أبان، فقال: لم أخرِّج عنه فى المسند شيئا، لمّا حدّث بحديث المواقيت : كته . قال أبو موسى : فأما عدد أحاديث المسند فلم أزل أسمع من أفواه الناس أنها أربعون ألفا، إلى أن قرأت على أبى منصور بن زُرَيق ببغداد، قال: أخبرنا أبو بكر الخطيب، قال: وقال ابن المنادى: لم يكن فى الدنيا أحد أروى عن أبيه منه، يعنى عبد الله ابن الإمام أحمد بن حنبل؛ لأنه جمع المسند وهو ثلاثون ألفا ، والتضير، وهو مائة ألف وعشرون ألفا ، سمع منها ثلاثين ألفا، والباقى زيادة، فلا أدرى هذا الذى ذكر ابن المنادى أراد به ما لا مكرّر فيه، أو أراد غيره مع المكور، فيصح القولان جميعاً، والاعتماد على قول ابن المنادى دون غيره . قال: ولو وجدنا فراغا لعددناه إن شاء الله تعالى. فأما عدد الصحابة رضى الله عنهم فيه فنحو من سبعمائة رجل . قال أبو موسى: ومن الدليل على أن ما أودعه الإمام أحمد رضى الله عنه مسنده قد احتاط فيه إسنادا ومتنا، لم يورد فيه إلا ما صح سنده ما أخبرنا به أبو على الحدّاد. قال: أخبرنا أبو نُعَيم، وأخبرنا ابن الحصَين، أخبرنا ابن الُذْهِب، فلا: أخبرنا القَطِيعى، حدثنا عبد الله ، قال : حدثنا أبى ، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن أبى التَّيَّاح، قال: سمعت أبا زُرْعَة بحدّث عن أبى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((يُهْلِكُ أُمَِّ هُذَا الْحَىُّ مِنْ قُرَيْصٍ)) قالوا: فما تأمرنا يا رسولَ الله؟ قال: ((لَوْ أَنَّ النَّاسَ الْتَلُوهُمْ)». قال عبد الله : قال لى أبى فى مرضه الذي مات فيه: اضرب على هذا الحديث، فإنه خلاف الأحاديث(١) عن النبى صلى الله عليه وسلم، يعنى قوله صلى الله عليه وسلم ((اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا )). (١) فى د : الحديث. - ٣٣ - وهذا مع ثقة رجال إسناده حين شذَّ لفظه من الأحاديث المشاهير أمر بالضرب عليه، فکان على ما قلناه آخر ما ذكره أبو موسی المدینی رحمه الله مختصرا. قال الحافظ أبو بكر الخطيب رحمه الله تعالى: أخبرنا الحسين بن شجاع الصوفىّ ، قال: أخبرنا عمر بن جعفر بن محمد بن سلم(١)، حدثنا أحمد بن علىّ الأَبَّار(٢)، قال: سمعت سفيان ابن وَكيع يقول: أحمد عندنا محنة . من عاب أحمد عندنا فهو فاسق . وقال الخطيب أيضا: حدثنى الحسن بن أبى طالب ، حدثنا أحمد بن إبراهيم بن شاذان، حدثنا محمد بن علىّ المُقْرِى، قال: أنشدنا أبو جعفر محمد بن بدينا الموصلىّ، قال: أنشدنى ابن أَعْيَن فى الإمام أحمد بن حنبل رضى الله عنه وأرضاه : وبحبُّ أحمدَ يُعرف المتفسِّكُ أَضحى ابنُ حنبلَ محنةً مأمونةً. وإذا رأيتَ لأحمدٍ متنقِّصًا فاعلم بأنّ سُتُورَه ستُهتَّكُ روى كلام سفيان بن وكيع وهذين البيتين الإمام الحافظ أبو القاسم على بن الحسن ابن عساكر رحمه الله فى بعض تصانيفه ، فقال : أخبرنا أبو الحسن على بن أحمد بن منصور الفقيه، وأبو منصور محمد بن عبد الملك ابن خَيْرون ، قالا : أخبرنا الخطيب. فذكرها. وأما زهد الإمام أحمد رضى الله عنه ، وورعه ، وتقلّه من الدنيا ، فقد سارت بأخباره الرُّ كبان . وقد أفرد جماعة من الأمة التصنيف فى مناقبه، منهم البَيْهَقِىّ، وأبو إسماعيل الأنصارىّ، وأبو الفرج بن الجَوْزِىّ. (١) فى المطبوعة: مسلم. والمثبت من د. ومن طبقات القراء ١ / ٤٤ فى ترجمة أخيه. وقال: (٢) بفتح الألف وتشديد الياء المنقوطة بواحدة وفى آخرها الراء نسبة إلى سلم، يكون اللام عمل الإبر التى يخاط بها الثياب. اللباب ١ / ١٧. (٣٠/ ٢ - طبقات) :: - ٣٤ - توفى رحمه الله سنة إحدى وأربعين ومائتين ، لاثنتى عشرة ليلة خلت من ربيع الأول . وقد غلط ابن قانع وغیرہ فقالوا : ربيع الآخر .. قال المَرْوَزِىّ: مرض أبو عبد الله ليلة الأربعاء، لليلتين خلتا من ربيع الأول ومن ض، تسعة أيام ، وكان ربما أذن للناس فيدخلون عليه أفواجا يسلِّمون عليه ويردّ عليهم، وتسامح الناس وكثروا ، وسمع السلطان بكثرة الناس فوكل ببابه وبباب الزقاق الرابطة وأصحاب الأخبار ، ثم أغلق باب الزقاق ، فكان الناس فى الشوارع والمساجد ، حتى تعطّل بعض الباعة ، وحِیل بينهم وبين البيع والشراء ، وكان الرجل إذا أراد أن يدخل إليه ربما دخل من بعض الدور، وطرد الحاكة(١)، وربما تسلّق، وجاء أصحاب الأخبار فقعدوا على الأبواب» وجاءه حاجب ابن طاهر، فقال: إن الأمير يقرئك السلام، وهو يشتهى أن يراك ، فقال: هذا مما أكره، وأمير المؤمنين أعفانى مما أكره. وأصحاب الخبر يكتبون بخبره إلى العسكر،. والبُرُد تختلف كلّ يوم. وجاء بنو هاشم، فدخلوا عليه وجعلوا يبكون عليه، وجاء قوم من القضاة وغيرهم فلم يُؤذّن لهم . ودخل عليه شيخ فقال : اذ کر وقوفك بين يدى الله،. فَشَهِقِ أبو عبد الله، وسالت الدموع على خَدَّيه. فلما كان قبل وفاته بيوم أو يومين قال : ادعوا لى الصبيان ؛ بلسان ثقيل ، جعلوا ينضمون إليه، فجعل يشمّهم ويمسح بيده على رؤوسهم ، وعينه تدمع، وأدخلت الطّست تحته ، فرأيت بوله دما عبيطًا(٢)، ليس فيه بول، فقلت للطبيب فقال: هذا رجل قد فتته الحزنُ والغمّ جوفَه . واشتدّت علّته يوم الخميس، ووضّاته فقال: خلِّ الأصابع. فلما كانت ليلة الجمعة تقُل وُقُبض صدرَ النهار. فصاح الناس وعلت الأصوات بالبكاء حتى كأنّ الدنيا قدارتحت . وامتلأت السِّكك والشوارع . قال المَرْوَزِىّ: أُخرجت الجنازة بعد مُنصرف الناس من الجمعة . (١) فى المطبوعة: وطور الحالة. وأثبتنا ما فى د . (٢) أى طربا . - ٣٥ - قال موسى بن هارون الحافظ : يقال إن أحمد لما مات مُسحت الأرض المبسوطة التى وقف الناس للصلاة عليها، فحُصر مقادير الناس بالمساحة على التقدير ستمائة ألف وأكثر، سوى ما كان فى الأطراف والأماكن المتفرِّفة . قلت: وقيل فى عدد المصلِين عليه كثير ، قيل: كانوا ألف ألف وثلاثمائة ألف ، سوى مَن كان فى السفن فى الماء. كذا رواه خُشْنام(١) بن سعيد. وقال ابن أبى حاتم: سمعت أبا زُرْعة يقول: بلغنى أن المتوكل أمر أن يمسح الموضع الذى وقف عليه الناس حيث صُلِّى على أحمد ، فبلغ مقام ألفي ألف وخمسمائة ألف . وعن الوَرْ كانىّ(٢)، وهو رجل كان يسكن إلى جوار الإمام أحمد، قال: أسلم يوم مات أحمد من اليهود والنصارى والمجوس عشرون ألفا ، وفى لفظ: عشرة آلاف . قال شيخنا الذهبىّ: وهى حكاية مُنكَرة تفرّد بها الوَرْ كانىّ والرّاوى عنه. قال: والعقل يحيل أن يقع مثل هذا الحادث فى بغداد، ولا يرويه جماعة تتوفّر دواعيهم على نقل ما هو دونه بكثير؛ وكيف يقَع مثل هذا الأمر ولا يذكره الَرْوَزىّ، ولا صالح بن أحمد ، ولا عبد الله ، ولا حنبل ، الذين حكوا من أخبار أبى عبد الله جزئياتٍ كثيرة؟ قال : فوالله لو أسلم يوم موته عشرة أنفس لكان عظيما ، ينبغى أن يرويه نحو من عشرة أنفس . أخبرنا الحافظ أبو العباس بن المظَفَّر بقراءتى عليه ، أخبرنا عبد الواسع بن عبد الكافى الأَْبَرِىّ إجازة، أخبرنا أبو الحسن محمد بن أبى جعفر بن علىّ القُرَظىّ(٣) سماعا، أخبرنا القاسم بن الحافظ أبى القاسم علىّ بن الحسن بن هِبَة الله بن علىّ بن عساكر، أخبرنا عبد الجبّار بن محمد بن أحمد الحوَارِىّ، إجازة ، وحدثنا عنه به أبى سماعا . (٢) يفتح الواو وسكون الراء وفتح (١) بضم الخاء والشين المعجمتين. الاباب ١ /٣٧٥. الكاف وسكون الألف وبعدها نون، نسبة إلى محلة بأصبهان ، وقرية من قرى قاشان عند قم . اللباب (٣) فى د. القرطبى. وانظر الااب ٢ / ٢٥٣، ٢٥٤. ٣ /٠٢٦٩ - ٣٦ - ح : قال ابن المظفر: وأخبرنا يوسف بن محمد المِصرىّ، إجازة، أخبرنا إبراهيم ابن ركات الخشوعيّ، سماعا، أخبرنا الحافظ أبو القاسم، إجازة، أخبرنا عبد الجبار اُلْحَوَارِيّ، حدثنا الإمام أبو سعيد القُشَيْرِىّ، إملاء، حدثنا الحاكم أبو جعفر محمد بن محمد الصَّفَّار، أخبرنا عبد الله بن يوسف قال: سمعت محمد بن عبد الله الرازى، قال: سمعت أبا جعفر محمد المَلَطِىّ(١)، يقول: قال الربيع بن سليمان: إن الشافعى رضى الله عنه خرج إلى مصر فقال لى: يا ربيع خذ كتابى هذا فامض به، وسلمه إلى أبى عبد الله ، واثننى بالجواب . قال الربيع: فدخلت بغداد ومعى الكتاب، فصادفت أحمد بن حنبل فى صلاة الصبح ، فلما اتقتل من المحراب سلمت إليه الكتاب، وقلت : هذا كتاب أخيك الشافعىّ من مصر، فقال لى أحمد: نظرتَ فيه؟ فقلت: لا، فكسر الختم وقرأ ، وتغرغرت عيناه ، فقلت له: إيش فيه أبا عبد الله؟ فقال: يذكر فيه أنه رأى النبى صلى الله عليه وسلم فى النوم فقال له: اكتب إلى أبى عبد الله فاقرأ عليه السلام، وقل له: إنك ستُمتحن وتَدعَى إلى خلْقٍ القرآن، فلا تجبهم فيرفعَ الله لك عَلَمَا إلى يوم القيامة، قال الربيع: فقلت له: البشارة يا أبا عبد الله، نخلع أحد قيصيه الذى يلى جاده فأعطانيه، فأخذت الجواب وخرجت إلى مصر، وسلّمته(٢). إلى الشافعىّ رضى الله عنه فقال: إيش الذى أعطاك ؟ فقلت: قميصه، فقال الشافعى": ليس تفجعك به، ولكن بُلَّه وادفع إلىّ الماءِ لأتبرَّك به . قال العباس بن محمد الدُّورِىّ. سمعت أبا جعفر الأنبارى يقول: لما مل أحمد يُراد به المأمون، اجتزت فعبرت الفُرات إليه ، فإذا هو فى الخان، فسلّمت عليه فقال: يا أبا جعفر، تَعنّيَت ، فقلت: ليس هذا عناء . قال ، فقلت له : ياهذا أنت اليوم رأس، والناس يقتدون بك ، فو الله إن أجبت إلى خلْق القرآن ليجيبنّ بإجابتك خَلْق من خَلْق الله، وإن أنت لم تجب ليمتنعنّ خَلق من الناس كثير ، ومع هذا فإن الرجل إن لم يقتلك فإنك تموت، (١) بفتح الميم واللام وفى آخرها طاء مهملة. نسبة إلى مدينة ملطية. كانت من تغور الزوم الاب ٠١٧٦/٣ (٢) فى الأصول : وسابت . - ٣٧ - ولابدّ من الموت، فاتق الله ولا تجبهم إلى شىء. فجعل أحمد يبكى وهو يقول: ماشاء الله ما شاء الله ! قال ثم قال لى أحمد : يا أبا جعفر أعِدْ علىّ ما قلت ، قال: فأعدت عليه ، قال فجعل أحمد يقول: ماشاء الله ماشاء الله . وقال دِعْلِج بن أحمد السِّحِسْتانىّ: حدثنا أبو بكر السُّهْرَ وَرْدِىّ بمكّة قال: رأيت أبا ذَرٍّ بُهْرَوَرْد، وقد قدم مع واليها، وكان مُقَعَطًَّا بالبرص، يعنى وكان من ضَرب أحمد بين يدى المعتصم . قال: دُعينا فى تلك الليلة ونحن خمسون ومائة جَلّاد، فلما أُمرنا بضربه كنا نغدوا على ضربه ونمر ، ثم يجىء الآخر على أرِهِ، ثم يضرب . وقال دِعْلِج أيضاً: حدثنا الخضر بن داود: أخبر نى أبو بكر النَّحَّامِىّ(١) قال: لما كان فى تلك الغداة التى ضُرب فيها أحمد بن حنبل زُلْزِلنا ونحن بَعَبَّادان. وقال البخارىّ: لما ضُرب أحمد كنا بالبصرة ، فسمعت أبا الوليد يقول: لو كان هذا فى بنى إسرائيل لكان أُحدوثة . ذكر الداهية الدهياء، والمصيبة الصمّاء وهى محنة علماء الزمان، ودعاؤهم إلى القول بخلق القرآن ، وقيام الأحمدين: ابن حنبل الشَّيبانىّ وابن نصر الخزاعىّ، رضى الله عنهما، مقام الصِّدِّيقْين . ومااتفق فى تلك الكائنة من أعاجيب تتناقلها الرواة على ممرّ السنين كان القاضى أحمد بن أبى دُؤاد ممن نشأ فى العلم ، وتضلّع بعلم الكلام ، وصحب فيه هَيّاج بن العلاء السلمىّ، صاحب واصل بن عطاء أحد رءوس المعتزلة ، وكان ابن أبى دُؤاد رجلا فصيحا. قال أبو العيناء: ما رأيت رئيسا قطُّ أفصح ولا أنطق منه ، وكان کريما مُدَّحا . وفيه يقول بعضهم : (١) بفتح النون والحاء المشددة وبعد الألف ميم، نسبة إلى التحمة، وهى السعلة، وقيل النحنحة. انظر الباب ٢١٧/٣. - ٣٨ - لقد أْسَتْ مساوِىَ كلِّ دهر محاسنُ أحمد بن دُؤَادٍ. ومن جَدْواك راحلتی وزادِى وما طوَّقْتُ فى الآفاق إلّا وإن فَلِقِت ركابى فى البلادِ يقيم الظَّنُّ عندك والأمانی وكان معظّما عندالمأمون أمير المؤمنين، يقبل شفاعاته، ويصفى إلى كلامه ، وأخباره فى هذا كثيرة . فدس ابن أبى دُؤاد له القول بخلق القرآن ، وحسّنه عنده، وصيره يعتقده حقاً مبينا، إلى أن أجمع رأيه فى سنة ثمان عشرة ومائتين على الدعاء إليه، فكتب إلى نائبه على بغداد، إسحاق بن إبراهيم الخزاعىّ ، ابن عم طاهر بن الحسين، فى امتحان العلماء كتابا يقول فيه: وقد عرف أمير المؤمنين أن الجمهور الأعظم والسواد الأكبر، من حَشْو الرعيّة وسِفْلة العامة ، ممن لا نظر له ولا روّيّة ، ولا استضاء بنور العلم وبرهانه ، أهل جهالة بالله وعمى عنه ، وضلالة عن حقيقة دينه، وقصور أن يَقدُروا الله حقّ قدره، ويعرفوه كُنه معرفته، ويفرّنوا بينه وبين خلقه ، وذلك أنهم ساووا بين الله وبين خلقه، وبين ما أنزل من القرآن ، فأطبقوا على أنه قديم، لم يخلقه الله ويخترعه، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَهُ قُرْ آنًا عَرَّبِيًّا﴾(١). فكلّ ما جعله الله فقد خلقه، كما قال: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَتِ وَالنُّورَ﴾(٢)، وقال: ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ تَبَقَ)(٣) فأخبره أنه قَصَص لأمور أحدثه بعدها. وقال: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾(٤) والله محِكِمُ كتابه ومفصِّله، فهو خالقه ومبتدعه ، ثم انتسبوا إلى السنة، وأنهم أهل الحق والجماعة، وأن من سواهم أهل الباطل والكُفِرِ، فاستطالوا بذلك وغرّوا(٥) به الجمّال، حتى مال قوم من أهل السَّمْت الكاذب، والتخشع لغير الله إلى موافقتهم، فتزعوا الحق إلى باطلهم، واتخذوا دون الله وَليجة إلى ضلالهم .. إلى أن قال : فرأى أمير المؤمنين أن أولئك شرّ الأمة، المنقوصون من التوحيد حظا ، (١) سورة الزخرف ٣. (٤) سورة هود ١ . (٢) سورة الأنعام ١. (٣) سورة طه ٩٩. (٥) فى د : وغرورا. والمثبت من المطبوعة. - ٣٩ - أوعية الجهالة ، وأعلام الكذب ، ولسان إبليس الناطق فى أوليائه، والهائل على أعدائه من أهل دين الله . وأحقُّ أن يَتَّهم فى صدقه ، وتُطرح شهادته ، ولا يوثق به مَن عمى عن رشده وحظه من الإيمان بالتوحيد، وكان عما سوى ذلك أعمى وأضل سبيلا، ولَمَمْر أمير المؤمنين إنّ أكذب الناس من كذب على الله ووحيه، وتخرّص الباطل ، ولم يعرف الله حقّ معرفته ، فاجمع مَن بحضرتك من القضاة فاقرأ عليهم كتابنا ، وامتحنهم فيما يقولون، واكشفهم عما يعتقدون فى خلق الله وإحداثه، وأعلمهم أنى غير مستعين فى عمل ، ولا واثق بمن لا يوثَّق بدينه . فإذا أقروا بذلك ووافقوا، فرُهُم بنَصّ من بحضرتهم من الشهود، ومسألتهم عن علمهم فى القرآن، وترك شهادة من لم يقر أنه مخلوق، واكتب إلينا بما يأتيك عن قضاة أهل عملك فى مسألتهم، والأمر لهم بمثل ذلك . وكتب المأمون إليه أيضاً فى إشخاص سبعة أنفس ، وهم : محمد بن سعد، كاتب الواقدىّ، ويحيى بن معين، وأبو خيثمة، وأبو مسلم ، مستملى يزيد بن هارون، وإسماعيل بن داود ، وإسماعيل بن أبى مسعود، وأحمد بن إبراهيم الدَّوْرَقِىّ . فأُشخصوا إليه، فامتحنهم بخلق القرآن ، فأجابوه، فردهم من الرَّقَة (١) إلى بغداد، وسبب طلبهم أنهم توقفوا أولا، ثم أجابوه تَقِّيّة . وكتب إلى إسحاق بن إبراهيم بأن يحضر الفقهاء ومشايخ الحديث، ويخبرهم بما أجاب به هؤلاء السبعة . ففعل ذلك ، فأجابه طائفة ، وامتنع آخرون . فكان يحيى بن معين وغيره يقولون : أجبنا خوفاً من السيف . ثم كتب المأمون كتابا آخر من جنس الأول إلى إسحاق ، وأمره بإحضار من امتنع ، فأحضر جماعة، منهم أحمد بن حنبل ، وبشر بن الوليد الكِندىّ، وأبو حسان الزِّيادىّ، (١) فى د .: فرودهم. والمثبت من المطبوعة. - ٤٠ - وعلى بن أبى مُقاتل، والفضل بن غانم، وعبد الله بن عمر القواريرىّ، وعلى بن الجَعْد، وسَجّادة، والدَّيّال بن الهيثم، وقتيبة بن سعيد، وكان حينئذببغداد، وسَعْدُوية الواسطىّ وإسحاق بن أبى إسرائيل، وابن المَرْش(١)، وابن عُلَّة الأكبر(٢)، ومحمد بن نوح المِجْلِىّ ويحيى بن عبد الرحمن العُمَرِىّ، وأبو نصر التَّمَّار، وأبو مَعْمر (٣) القَطِيعىّ، ومحمد بن حاتم بن ميمون، وغيرهم، وعرض عليهم كتاب المأمون، فعَرّضوا ووَرَّوْا(٤)، ولم يجيبوا ولم ينكروا. فقال ليِشر بن الوليد : ما تقول؟ قال: قد غر فت أمير المؤمنين غير مرّةً. قال: والآن. فقد تجدد من أمير المؤمنين كتاب. قال: أقول كلام الله، قال: لم أسألك عن هذا! أمخلوقْ" هو؟ قال: ما أحسن غير ما قلت لك، وقد استعهدت أمير المؤمنين أن لا أُتكلم فيه . ثم قال لعلى بن أبى مُقاتل: ما تقول؟ قال : القرآن كلام الله ، وإن أمرنا أمير المؤمنين بشىء سمعنا وأطعنا . . وأجاب أبو حسان الزّيادىّ بنحو من ذلك. ثم قال لأحمدبن حنبل: ما تقول؟ قال: كلام الله، قال: أمخلوق هو؟ قال : هو كلام الله لا أزيد على هذا . ثم امتحن الباقين ، وكتب بجواباتهم. وقال ابن البكاء الأكبر: أقول القرآن مجمول ومحدث ؛ لورود النص بذلك. فقال له إسحاق بن إبراهيم : والمجمول مخلوق؟ قال: نعم . قال: فالقرآن مخلوق ؟ قال: لا أقول مخلوق . (١) بفتح الهاء وسكون الراء. انظر اللياب ٣ / ٢٨٧. (٢) يلاحظ أن ابن علية، الإمام أبو بشر إسماعيل توفى سنة ثلاث وتسعين ومائة، وأن فتنة خلق. القرآن بدأت على يد المأمون سنة ثمان عشرة ومائتين، كما ذكره ابن السبكى. انظر العنبر ٣١٠/١، (٣) فى المطبوعة، د: أبو معتمر. والمثبت من المناقب"، ومناقب الإمام أحمد لابن الجوزى ٣٨٥ . .(٤) فى المطبوعة: فرضوا وولوا ووروا. وأثبتنا ما فى د .. ومن ترجمته فى العبر ٠٤٢٣/١