النص المفهرس
صفحات 321-340
- ٣٢١ - . والحديث أيضاً خرَّج فى أبى داود، والنَّاتىّ، والتِّرمدىّ أيضا من حديث زيد بن ثابت(١). وكذلك لا يستطيل علينا المحدث بكثرة ما نورده من الحكايات والكائنات، فإنا لم نضع الكتاب إلا حاويا، مُغنيا ناظرَه عن الالتفات إلى غيره من التواريخ ؛ فهو فى الحقيقة يستان الفقهاء ، وربيع المناظرين ، والمجموع الجموع، والمحمول على الرءوس الموضوع، الذى تبرّجت تبرج الجاهلية الأولى غير مُتلفّات بمروطهن فوائدُه، وتأرّجت - ولا أرج السحر - نسماتُ كلماته التى لها طارف الفضل وتالده، وتخرّجت كأنها على يد ابن عساكر جنود أحاديثه الجيدة، وما هى إلا جند الإسلام، وتعلقت كأنها على جيد الكواعب قلائده التى تقود إلى الجنة بسلام(٢). وكذلك لا يستثقل الناظر فى هذا المجموع حكاية المناظرات بحروفها، والمشاجرات على اختلاف صنوفها؛ فلنذكر من مناظرات الأصحاب فى محاسن الجدال ، ومبارزات الفحول فى ميادين المقال، وتشعب الآراء فى محافل النظر، وتشتَّت العلماء فى جحافل الخطر ، وتطاعن الأقران فى مقام التحقيق ، وتشاجر الخصوم عند كل مَضِيق ، ما يشهد لمكان ذويها بمزيد الارتفاع ، وعظيم الاطلاع، والقدرة على الاستنباط ، والقوة على دفع ذى الاشْتِطاط، لتُجْرِىَ طلبةُ هذا الزمان على الهمم بدلَ الدمعِ تَجِيماً(٣)، ولتقفَ عند مقدارها ولا تقول: كم ترك الأول للآخِرِ، فقد أحرز الأَوّون قصَبَ السَّبْق جميعاً. وليعلم أن الجهل استولى على بنى الزمان استيلاء الملك فى محلّه، وأن العلم ولّى، والله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العلماء ، ولكن يقبض أهله. (١) سنن أبى داود فى (باب فضل نشر العلم، من كتاب العلم) ٨٢/٢، ولفظه: (( فَخَّرَ اللهُ امْرَأْ سَمِعَ مِنَّا حَدِيثً فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلَّغْهُ، فَرُبَّ حَامِلٍ فِتٍْ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ ، وَرُبَّ حَامِلٍ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهِ». والترمذى فى ٢ /١٠٩. (٢) العبارة فى المطبوعة وردت هكذا: وتخرجت كأنها على يد ابن عساكر جنود أحاديثه المجندة، وتعلقت كأنها على جيد الكواعب قلائده المجيدة، وما هى إلا جند الإسلام، التى نقود إلى الجنة بسلام. (٣) النجيع من الدم: ما كان إلى السواد. (٢١ - طبقات - ١) - ٣٢٢ - أخبرنا أبى تغمده الله برحمته بقراءتى عليه، أخبرنا عبد المؤمن بن خلف الحافظ، أخبرنا .. يوسف بن خليل الحافظ، أخبرنا إسماعيل بن أبى بكر بن على البغدادىّ ، أخبرنا المبارك بن. على بن عبد العزيز، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن هَزَارْمُرْدٍ الصَّرِيفِينِىّ، أخبرنا أبو الحسين محمد بن عبد الله بن أخى مِيعِى، وأبو حفص عمرو بن إبراهيم الكتابىّ، قالا: حدثنا عبد الله بن محمد البغوىّ، حدثنا أبو خيثمة زهير بن حرب، حدثنا وكيع ح: وأخبرنا أبى رجمه الله سماعا، أخبرنا أبو محمد الدّمياطىّ الحافظ، أخبرنا أبو الحجّاج الدمشقىّ، أخبر نا خليل بن أبى الرَّجًا، أخبرنا الحسن بن أحمد الحدّاد، أخبرنا أبو نُعَيم الصوفىّ الحافظ، أخبرنا أحمد بن يوسف بن خَلَاد العَطار النَّصِيِىّ(١)، يبغداد ، حدثنا الحارث بن محمد بن أبى أسامة ، حدثنا محمد بن عبدالله بن كُنَاسَة . ح: وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ بقراءتى عليه، أخبرنا على بن أحمد الغَرَّافِيّ أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن عمر القَطِيعىّ، أخبرنا جمال الإسلام أبو الحسن محمد بن المبارك ابن الخَلّ، أخبرنا نصر بن أحمد بن البَطِر، أخبرنا عبد الله بن عُبَيد الله البَيِّع ، حدثنا الحسين بن إسماعيل الْمَحَامِلِىّ، حدثنا إسحاق بن ◌ُبْلُول. ح: وأخبرنا أحمد بن على بن الحسن الجزرىّ، قراءة عليه وأنا أسمع، أخبرنا محمد بن .. عبد الهادى حضورا، والمُحِب عبد الله بن أحمد بن محمد المقدسىّ سماعا، قال ابن عبد الهادى: أخبرنا السِّلفيّ، وشُهْدَة إجازة، قال السِّلفىّ: أخبرنا أبو سعد الحسين بن الحسين. الْفَانِيدىّ(٣)، وأبو مسلم عبد الرحمن بن عمر السُّمْنانِىّ(٣)، وأبو سعد محمد بن عبد الملك الشَّانَ، (١) بفتح النون وكسر العاد وسكون الياء آخر الحروف وكر الباء الموحدة، نسبة إلى نصيبين، مدينة مشهورة من بلاد الجزيرة. اللباب ٠٢٢٧/٣ (٢) كذا فى الأصول. وشذرات الذهب ٣ / ٤٠٤، وفى العبر ٣ / ٣٤٤: الفانيذى. (٣) بكبر السين المهملة وسكون الميم وفتح النون وفى آخرها نون أخرى، هذه النسبة إلى سنان، مدينة من مدن. قومس ، بين الدامغان وخوار الرى، وإلى قرية من قرى نسا . اللباب ١ / ٥٦٥. - ٣٢٣ - وقالت شُهدة: أخبرنا أبو الحسن على بن الحسين بن أيوب ، وقال المُحِب : أخبرنا أبو جعفر محمد بن عبد الكريم السَّيِّدِىّ، أخبرنا أبو الحسين عبد الحق بن عبد الخالق بن يوسف، حدثنا محمد بن عبد الملك الأسدىّ ، أخبرنا أبو على الحسن بن أحمد بن شاذان ، أخبرنا أبوبكر أحمد بن سليمان بن أيوب بن إسحاق بن عَبْدة ، حدثنا على بن حرب الطّائِىّ ، حدثنا سفيان - يعنى ابن مُيَيْنة -، [قالوا](١): حدثنا هشام بن عرْوة، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، عن النبى صلى الله عليه وسلم، قال: ((إِنَّ اللهَ لا يَقْبِضْ الْعِلْمَ إنْتِزَاعًا يَنْزِئُهُ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنْ يَتْبِضُ أْعَلَمَءَ؛ فَإِذَا لَمْ يَبْقَ مَا لِمْ اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَقْتَوْا ◌ِغَيْرٍ عِلْمٍ ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا». أخرجه البخارىّ فى العلم (٢)، عن إسماعيل بن أبى أُوَيْس، عن مالك، عن هشام ابن مُرْوَة ، به . وفى الاعتصام(٣) عن سعيد بن تَلِيد، عن ابن وَهْب، عن عبد الرحمن بن شُرَيح، وغيره جميعا، عن أبى الأسود محمد بن عبد الرحمن يتيم غُرْوَة، نحوه . ومسلم فى القَدَر(٤) عن قتيبة، عن جرير. وعن أبى الربيع الزَّهْرانىّ، عن حماد ابن زيد . وعن يحيى بن يحيى ، عن عبّاد بن عبّاد، وأبى معاوية. وعن أبى بكر بن أبِى شَيْبَة، وزُهَير بن حرب، كلاهما، عن وكيع . وعن أبى كُرِيب ، عن عبد الله بن إدريس، وأبى أسامة، وعبد الله بن ثُمَر ، وعَبْدَة بن سليمان . وعن ابن أبى عمر ، عن سفيان بن مُدَّيْنة، وعن محمد بن حاتم ، عن يحيى بن سعيد. وعن أبى بكر بن نافع ، عن عمر بن على المَدِينِىّ. وعن عَبْد بن حميد، عن يزيد بن هارون، عن شعبة؛ الثلاثة عشر كلهم ، عن هشام بن عُرْوَة ، به . (١) زيادة من: ج، د. (٢) فى (باب كيف يقبض العلم)١ / ٣٦. (٣) فى (باب ما يذكر من ذم الرأى وتكاف القياس) ٩ / ١٢٣. (٤) لم يروه مسلم فى القدر، وإنما رواه بكل هذه الطرق فى (باب رفع العلم وقبضه، وظهور الجهل والفتن ، من كتاب العلم) ٤ / ٢٠٥٨ ʻ - ٣٢٤ - ((فضل)). وأعلم أن أصحابنا فِرَق تفرقوا بتفرق البلاد. فمنهم : أصحابنا بالعراق كبغداد، وما والاها . وأولئك بعيد أن تعزُّب عنا راجمهم ، فإنهم إما من بغداد نفسها، أو من البلاد التى حواليها، والغالب على من يقرب منها أنه يدخلها. وكيف لا وهى محلة العلماء إذْ ذاك، ودار الدنيا ، وحاضرة الرُّبع العامى، ومركز الخلافة. وبغداد لها كتاب ((التاريخ)» للإمام أبى بكر أحمد بن على بن ثابت الخطيب رحمه الله، وهو من أجلّ الكتب وأعْوَدها فائدة. وقد ذيّل عليه الإمام أبو سعد تاج الإسلام ابن السّمعانىّ، فأحسن ما شاء. وذيَّل على ابن السّمعانىّ الحافظ أبو عبد الله بن الدُّبَيْنِىّ: ثم جاء الحافظ محمد بن محمود بن النجَّار فذيَّ على الخطيب نفسه مجمع فأوعى ، على أنه أخل بذكر جماعة كثيرين ذكرهم ابن السّمعانى، وما أدرى لِمَ فعل ذلك! وكل هذه انتصانيف وقفت عليها وعلى غيرها ، مما يتعلق بالبغداديين متحصلنا على تزاجمهم. ومنهم النَّيْسابوريون : وقد كانت نيسابور من أجل البلاد وأعظمها، لم يكن بعد بغداد مثلها. وقد عمل لها الحافظ أبو عبد الله الحاكم تاريخا تخضع له جهابذة الحفاظ، وهو عندى سيد التواريخ ، وتاريخ الخطيب وإن كان أيضاً من محاسن(١) الكتب الإسلامية، إلا أن صاحبه طال عليه الأمر، وذلك لأن بغداد وإن كانت فى الوجود بعد نيسابور، إلا أن علماءها أقدم، لأنها كانت دار علم وبيت رياسة قبل أن ترتفع أعلام نيسابور، ثم إن الحاكم قبل (١) فى ج، د. مجانس. - ٣٢٥ - الخطيب بدهى ، والخطيب جاء بعده فلم يأت إلا وقد دخل بغداد مَن لا يحصى عددا، فاحتاج إلى نوع من الاختصار فى تراجمهم . وأما الحاكم فأكثر من يذكره من شيوخه ، أو شيوخ شيوخه، أو مَّنَ تقارب من دهره [دَهْرُه](١) لتقدُّم الحاكم وتأخر علماء نيسابور ، فلما قل العدد عنده كثّر المقال، وأطال فى التراجم واستوفاها ، والخطيب واضح العذر الذى أبديناه . وقد ذيل الإمام البليغ عبد الغافر بن إسماعيل الفارسىّ على تاريخ الحاكم، ولم أقف على هذا الذيل إلى الآن ، وما أنقله عنه فهو من كتاب (( التبيين)» للحافظ ابن عساكر، إذ الحافظ ينقل عبارته أبدا بنصها، أو من (منتخب الذيل)) لإبراهيم بن محمد الصَّرِيفينيّ، فإنى وقفتُ على هذا المنتخب بخط المذكور . ومنهم الخُراسانيُّون : والحراسانیون أهم من النيسابوریین ، إذ كل نيسابورىّ خراسانى ولا ینعكس ، ولیس الخراسانيون مع نيسابور كالعراقين مع بغداد ، فتَمّ جمع يفوقون عدد الحصا من خراسان لم يدخلوا نيسابور ، بخلاف العراقيين لاتساع بلاد خراسان ، وكثرة المدن العامرة فيها ، والعلماء بنواحيها . إذمن جملتها مَرْو، وهى المدينة الكبرى، والدار العظمى ، ومربع العلماء، ومرتَع الملوك والوزراء ، قد كانت دار الملك لجماعة من سلاطين السَّجوقيّة ، ذوى الأبْد (٢) والعظمة دهرا طويلا. وخراسان عمدتها مدائن أربعة ، كأنما هى قوائمها المبنية عليها ، وهى : مَرْو ، ونيسابور وَبَلْخ، وهَرَاة، هذه مدنها العظام، ولا مَلَام عليك لو قلتَ: بل هى مدن الإِسلام، إذ هى كانت ديار العلم على اختلاف فنونه ، والملك والوزارة على عظمتها إذ ذاك ، ومرو (١) زيادة من : ج ، د. (٢) الأيد: القوة، وفى المطبوعة: اليد، والمثبت من: ج، د. -- ٣٢٦ - واسطة العقد ، وخلاصة النَّد، وكفاك قول أصحابنا تارة: قال الخراسانيون، وتارة: قال المَرَاوِزة. وهما عبارتان عندهم عن مُعبَّ واحد ، والخُراسانيون نصف المذهب، فكأن مرو فى الحقيقة نصف المذهب، وإنما عبروا بالمراوزة عن الخراسانيين جميعاً، لأن أكثرهم من مزو وما والاها . وكفاك بأبى زيد الَرْوَزىّ وتلميذه القَفَّال الصغير، ومن نبَغ من شعابهما، وخرج من بابهما . ومنهم أهل الشام ومصر: وهذان الإقليمان، وما معهما من عَيْذَاب(١)، وهى منتهى الصعيد إلى العراق ، مركز مُلْك الشّافعيّة منذ ظهر مذهب الشافعىّ. اليدُ العالية(٢) لأصحابه فى هذه البلاد، لا يكون .. القضاء والخطابة فى غيرهم، ومنذ انتشر مذهبه لم يُؤَلّ أحد قضاء الديار المصرية إلا على مذهبه. إلا ما كان من القاضى بَكَّارِ، ولم يُؤَلّ فى الشام قاض لا على مذهبه إلا البلاسانغُونيّ(٣). وجرى له ما جرى ، فإنه ولىَ دمشق وأساء السيرة ، ثم أراد أن يعمل فى جامع بنى أمية. إماما حنفيا، وجامع بنى أمية منذ ظهور مذهب الشافعىّ لم يَؤُم فيه إِلا شافعيّ، ولا: صعد منبره غيرُ شافعىّ، فأراد هذا القاضى إحداث إمام جدفىّ - قال ابن عساكر: فأغلق أهل دمشق الجامع ولم يُمكِّنوه - ثم عُزِل القاضى، واستمرتْ دمشق على عادتها، لا يليها إلا شافعىّ إلى زمن الظاهر بَيْبَرْسِ التَّركىّ ضم إلى الشافعىّ القضاة من المذاهب الثلاثة. قال الأستاذ أبو منصور البغدادىّ: وقبل ظهور مذهب الشافعىّ فى دمشق ، لم يكن على القضاء بها والخطابة والإمامة إلا أوْزَاعىّ، على رأى الإمام الأوْزاعىّ. (١) عيذاب: بليدة على ساحل البحر الأحمر، وهى مرسى المراكب التى تقدم من عدن إلى الصعيد ومنها يعدى إلى جدة : مراصد الاطلاع ٩٧٤ . (٢) فى ج: الغالبة، والمثبت فى المطبوعة، د. (٣) بفتح الباء الموحدة واللام ألف والسين المهملة وبعدها الألف وضم الغين العجمة وفى آخرها النون، هذه النسبة إلى بلاساغون، بلدة من ثغور الترك. اللباب ٢ / ٠١٥٨ - ٣٢٧ - قلتُ: وقبل ظهور مذهب الشّافعىّ بالديار المصرية، لم يكن بلى القضاء والخطابة إلا مَن هو على مذهب مالك رضى الله عنه ، فلم يكن الحنفيّة مدخل فى هذه البلاد فى وقت من الأوقات، إلا القاضى بكَّار، فإنه وَلِيَ الدّيار المصريّة مدة . وأما بلاد الحجاز فلم تبرح أيضاً منذ ظهور مذهب الشافعىّ ، وإلى يومنا هذا فى أيدى الشافعية: القضاء، والخطابة، والإمامة، بمكة والمدينة، والناس من خمسمائة وثلاث وستين سنة يخطبون فى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويصلون على مذهب ابن عمه محمد بن إدريس، يَقْنُتون فى الفجر، ويجهرون بالنَّسمية، ويُفْرِدون الإقامة، إلى غير ذلك، وهو صلى الله عليه وسلم حاضر ◌ُبْصِر ويسمع، وفى ذلك أوضح دليل على أن هذا المذهب صواب عند الله تعالى . ومنهم أهل اليمن : والغالب عليهم الشافعيّة، لا يوجد غيرُ شافعىّ، إلا أن يكون بعض زَيْدية . وفى قوله صلى الله عليه وسلم: (( الْإِيمَنُ يَنٍ وَالْحِكْمَةُ يَمَنِيَّةٌ")) مع اقتصار أهل اليمن على مذهب الشافعىّ، دليلٌ واضح على أن الحق فى هذا المذهب المُطَّلِىّ، فما ظنُّك بقوله صلى الله عليه وسلم: ((إِذَا اجْتَمَتْ بَعَاتٌ فِى بَعْضِهَا قُرَيْشِرْ فَالْحَقُّ مَعَ فُرَيْشٍ، وَهِىَ مَعَ الْحَقِّ)) أخرجه القَرّاب(١) فى مناقب الشافعىّ. والشافعية جماعة فى بعضها قريش، وهو إمامهم المُطَّلِىّ، المشار إليه بقوله صلى الله عليه وسلم: ((قَدِّمُوا قُرَيْئًا وَلَا تَقَدَّمُوهَا))، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((الْأَيْمَّةُ مِنْ قُرَيْصٍ))، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((عَالِمُ غُرَيْصٍ يَمْلَأُ الْأَرْضَ عِلْماً)) ودلائل أُخَر يطول ذكرها ، ولسنا الآن لها . (١) بفتح القاف وتشديد الراء وبعد الألف باء موحدة، نسبة لمن يعمل القرب. اللباب ٢ / ٢٤٨. - ٣٢٨ - ومنهم أهل فارس : قال الأستاذ أبو منصور: ولم يبرحوا شافعيّة أو ظاهرية على مذهب داود ، والغالب. عليهم الشافعية ، وهى مدائن كثيرة قاعدتها شيراز .. قال الأستاذ أبو منصور: ونحو مائة منبر - يعنى مائة مدينة - فى بلاد أذْرَ بِيجَان وما وراءها يختص بالشافعية ، لا تستطيع أحد أن يذكر فيها غيرَ مذهب الشافعىّ. ومنهم خلائق من بلاد أخر من بلاد الشرق ، على اختلاف أقاليمه ، وأنساع مدنه كَمَرْ قَنْدٍ، وَبُخَرَى، وَشِيرَاز، وجُرْجان، والرَّىّ، وأصْبِهان، وطُوس، وسَاوَةٍ، وهَمَّذان، ودَامِغَان، وزَنْجَان، وبِسْطَام، وِبْرِيزِ، وَبَيْهِقِ، وَمِهَنَة، وأَسْتَرَابَادِ ، وغير ذلك من المدن الداخلة فى أقاليم ما وراء النهر، وخُراسان وأذْرَ بِيجان، ومَا زَنْدَران وخُوَارَزْم ، وغَزْنة ، وصحاب، والُغُور ، وكَرْمان ، إلى بلاد الهند ، وجميع ما وراء النهر. إلى أطراف الصين ، وعراق المجم ، وعراق العرب ، وغير ذلك . وكل هذه كانت تحتوى على مدائن ◌ُقِرِ العين، وتَسُر القلب إلى حين قدر الله تعالى - وله الحمد على ماقضاه - خروج جِبْكِزْخان، فأهلك العباد والبلاد ، ووضع السيف، واستباح الدماء والفروج ، وخرَّب العامر : ثم تلاه بنوه وذووه، وأكدوا فعله القبيح وأطَّدُوه، وزادوا عليه إلى أن وصل الحال إلى مالا يقوم بشرحه المقال، واستُبِيح حتّى الخلافة ، وأخذت بغداد على يد هُولاً كُو ابن تُولى بن جنكزخان، وفُتِل أمير المؤمنين وبعده سائر المسلمين، ورُقع الصَّليب تارة على جدران بنى العباس ، وُمع الناقوس آونة من بيوت أذن الله أن تُرفَع ويُذْ كَرِ فِيهَا اسْمُه، وانتهكت المحارم، وخُرِّبت الجوامع، وتُطَّلت المساجد، وخر بت تلك الديار، ومُحِيَت تلك الرسوم والآثار(١): ثُمَّ انقضتْ تلك البلادُ وأهلُها فكأنها وكأنَّهمْ أحلاء (١) البيت لأبى تمام. ديوانه ٣ / ٠١٥٢ والرواية فيه: تلك السّنون. - ٣٢٩ - وحيث استطرد القلم ذكرَ التتار وفعلهم القبيح ، فلا بأس بشرح حالهم على الاختصار ولنقتصر على الواقعتين العظيمتين : واقعة جِنْكِزْخان، وحفيده هولا كو . فنقول : لما كانت سنة ست عشرة وستمائة، كان فيها ظهور جنكزخان وجنوده ، وعبوره خبر جَيْجُون ، وهى الواقعة التى ما سطر مثلها المؤرخون، والمصيبة التى ما عاينها الأولون، والداهية التى ما خطرت ببال ، والكاينة التى تكاد ترجُف عندها الجبال . أجمع الناس على أن العالم مذ خلق الله تعالى آدم إلى زمانها، لم يُبْتَلوا بمثلها، وأن مافعله بخْت نصَّر يبنى إسرائيل من القتل ، وتخريب بيت المقدس يقصُر عن فعلها . قال الحافظ عن الدين أبو الحسن على بن محمد بن الأثير(١): وما البيت المُقُدَّس بالنسبة إلى ما خَرَّب هؤلاء الملاعين من البلاد ، التى كل مدينة منها أضعاف البيت المقدس ! وما بنو إسرائيل بالنسبة إلى ما قتلوا(٢)! فإن أهل مدينة واحدة ممَّن قتلوا أضعاف بنى إسرائيل(٣) ولعل الخلق لا يَرَوْن مثل هذه الحادثة، إلى أن ينقرض العالم، وتُقْتَى الدنيا، إلا يأُجُوج ومأْجُوج. وأما الدَّجّال فإنه ◌ُبقى على من اتَّبعه، ويُهلك مَنْ خالفه. وهؤلاء لم يُبْقُوا على أحد ، بل قتلوا النساء والرجال والأطفال، وشَقُّوا بطون الحوامل ، وقتلوا الأجِنَّة. فإنا لله وإنا إليه راجعون ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم. قلتُ : وحيث كنا فى أول هذا الكتاب ذكرنا أنه كتاب تاريخ ، وأدب ، وفقه وحديث لاق بنا أن نشرح هذا الأمر العظيم على وجه الاختصار ، وتحكى هذا الخطب. الجسيم الذى أظلم البصائر وأعمى الأبصار ، فنقول : (١) الكامل ٩ / ٠٣٢٩ (٢) فى الكامل : من قتلوا . (٣) فى المطبوعة: أضعاف من بنى إسرائيل. وفى الكامل: أكثر من بنى إسرائيل. والمثبت من : ج، د. - ٣٣٠ - كان القان الأعظم جنكزخان طاغية التتار، وملكهم الأول ، الذى خرب البلاد، وأباد العباد يُسمَّى (( تموجين)) وكانوا ببادية الصين، وهم من أصبر الناس على القتال ، وأشجعهم فلَّكُوا جتكزخان عليهم ، وأطاعوه طاعة العباد المخلصين لرب العالمين. وكان مبدأ ملكه فى سنة سبع وتسعين وخمسمائة ، بعد وقائع اتفقت له هنالك تقضى المرء عند سماعها العجب العجاب، لا زى التَّطويل بشرحها . ولا زال أمره يعظُم ويكبر، وكان من أعقل الناس ، وأخبرهم بالحروب ، ووضع له شرعا اخترعه، وديناً ابتدعه - لعنه الله - سماه ((الياسا)) لا يحكمون إلا به، وكان كافرا يعيد الشمس . وكان السلطان الأعظم للمسلمين هو السلطان علاء الدين خوارزمشاه محمد بن تكش، وكان ملكا عظيما، اتسعت ممالكه، وعظمت هيبته، وأذعنت له العباد، ودخلت تحت حكمه وخَلتْ تلك الديار من ملكٍ سواه؛ لأنه قهر الناس كلهم، وصار الناس كلهم تحت حكمه، وكان رجلا فاضلاً كريما حليما خيرًا، وكان له عشرة آلاف مملوك، كلٌّ منهم يصلح الملك، وكانت عساكره عدد الحصا، لا يُعْرَف أوّلها من آخرها، فتجبرّ وطغى، وأرسل إلى خليفة الوقت،. وهو الناصر لدين الله، الذى لا يُصْطَلِى لَكْرِه بنار، ولا يعامل فى أحواله بخداع، يقول له :. كُن معى كما كانت الخلفاء قبلك مع سلاطين السَّجوفّة، كألب رسلان، ومَلِكْشَاء، وأقربهم بنا عهدا السلطان سُنْجُر، فيكون أمر بغداد والعراق لى، ولا يكون لك إلا الخطبة. فيقال - والله أعلم -: إن الخليفة جهّز رسله إلى جتكزخان يحرِّ كه عليه .. وأما ◌ِتْكخان فإنّه لمبا علم عظمة خُوارَزْ مشاه، شرع فى عقد التَّوادُد بينه وبينه ، عِلما من جِئْكرخان بأنه لا يقدر على معاداة خُوارَزْمشاه، وأرسل إليه الهدايا المفتخرَة، والتَّقَادم السَّنية، كل ذلك وخُوارَزْمشاه لا يرضى باصْطِناعه، ويَدِلّ بِعِظَم ملكه ليقضى الله أمرا كان مفعولاً . وجرت فى أثناء ذلك فصول يطول شرحها ، آخرها أن خُوارَزْمشاه منع التُّجَّار «أن تسير من بلاده إلى بلاد جنكزخان ، فانقطعت أخبار بلاده عن جنكزخان زمنا ، - ٣٣١ - وكان جنكزخان - امنه الله ـ على ما استفاض عنه، فيه حسن خُلُق، وتمسك بما أدَّاه إليه عقله ، من الطريقة التى ابتدعها ، ومشى على قانون واحد ، وله تؤدّة عظيمة . وبالجملة فقد كان سديد العقل، وافر الكرم، بحيث إنه قدَّم إليه مرة فى الصيد بعضُ الفلاحين ثلاث بطيخات ، ولم يتفق فى ذلك الوقت أن يكون أحد من الخزِنْدَارِيّة التى له عنده ، فقال لزوجته الخاتون : أعطيه هذين القُرْطين اللذين فى أذنيك. وكان فيهما جوهر تان عظيمتان جدًّا، لا قيمة لهما، فشخَّت المرأة بهما، وقالت: أنظِرْه إلى غد. فقال: إنه يَبيت الليلةَ مُبْلَ الخاطر، وربما لا يحصل له شىء بعد هذا ، وإن هذين مَن اشتراهما لم يَسعه إلا أن يحضرهما إلينا ؛ لأن مثلهما لا يكون إلا عندنا. فدفعتهما إلى الفلاح ، فطار عقله بهما ، وذهب فباعهما لبعض التجار بألف دينار ؛ لأنه لم يعرف قيمتهما ، وكانت قيمة كل واحدة أضعاف أضعاف ذلك بما لا يوصف ، حملهما التاجر إليه ، فردَّهما إلى زوجته . وحكاياته فى هذا الباب كثيرة . وأمر مرّة بقتل ثلاثة قد اقتضت ((الياسا)) قتلهم، وإذا امرأة تبكى وتصيح، فأحضرها ، فقالت : هذا ابنى، وهذا أخى، وهذا زوجى. فقال: اختارى واحدا منهم أُطْلقه. فقالت: الزوج والابن يجىء مثلهما، والأخ لا يعِوَض له . فاستحسن ذلك منها ، وأطلق لها الثلاثة . وله أشياء كثيرة من هذا كان يفعلها بسجّته، وما أدَّاه إليه عقله . وأما خُوارَزْ مشاه فكان سعده قد تكامل ، ورأى من العظمة ما لم يُعهد مثلُه لملك من زمن مديد ، وطالت مدته . واقد يُحكى من سعده أنه كان حسن الغِناء، وأن شخصا فِداويًّا جَهَّر عليه ليقتله، فما صادف ليلة يمكنه فيها اغتياله إلا ليلة واحدة ، وخُوارَزْمشاه فى جَمْع قليل من مماليكه وهو يُغَنِّى، فأراد الفداوىُّ أن يُبادر إليه ليغتالَه، فسمعه ◌ُغَنِّى فوقف يتصنَّت، فإذا هو - ٣٣٢ - يغنى بالفارسية ما معناه: ((قد عرفت بك فانجُ بنفسِك، واعربٍ)) وكان هذا اتفاقا، فماشك. الفداوئُّ أنه قد علم به ، فهرب . إلا أن خُوارَزْمشاه بعد ذلك طغتْ نفسه؛ ليقضى الله ما قدَّرَهِ. ثم إن جماعة من التجار أخذوا معهم شيئا من المستظرفات، لما سمعوا بمكارم جُنْكِزْخان، وتحيَّلوا حتى وصلوا إلى بلاده، ولم يعلم بهم نواب خُوارَزْ مشاه، ولو علموا بهم لراحت أرواحهم ونهبت أموالهم، فلما وصلوا إليه أكرمهم غاية الإ كرام ، وقال لأى شىء انقطعتم عنّاً! فقالوا: إن السلطان خُوارزمشاه منع التَّجار من المسافرة إلى بلادك ، ولو علم بنا لأهلكنا. فجمع أولاده، فأشاروا عليه بأن يخرج لقتاله، فقال: لا ولكنا ترسل إليه . فأرسل رسلَه إلى خُوارَزْمشاه، وقال: إن التجّارهم عمارة البلاد ، وهم الذين يحملون التُّحف والنفائس إلى الملوك، وما ينبغى أن تمنعهُ، ولا أَنَا أيضاً بمنع تُجَّارنا عنك، بل ينبغى لنا أن تكون كلتُنا واحدةٍ ، لتعمُرُ الأقاليم . وأرسل من جهته تجارًا معهم أموال لا تعدُّ، ولا تُحصى، فلما انتهوْا إلى الأزار(١). عمد نائب خُوارَزْ مشاه بها - وهو والد زوجته كسلى خان - فكتب إلى خُوارَزْ مشاه، بأن هؤلاء التجار جاءوا بأموال لا تُحْصَى، والرأى قتلُهم، وأخذُ أموالهم. فجاء مرسوم خُوارَزْمشاه بذلك، فعمد إليهم ، فقتل الجميع ، وأخذ ما كان معهم فبلغ ذلك جِفْكِزخان، نجمع أولاده ثانيا ، وخواصه، فقالوا : يخرج إليهم. فقال: لا . وأرسل إلى خُوارَزْمشاه: هذا الذى جرى، أعْلِمنى هل هو عن رضَى منك؟ إن لم يكن برضاك فنحن نطلب بدمائهم من نائب الأقرار، وتحضره على أخش وجوه الذل والصَّغَار، وإن كان برضاك فقد أسأتَ التَّدبير ؛ فإنى أنا لا أدين بِمِلّة ، ولا أستحسن فعل ذلك (١) فى الكامل : أوترار . - ٣٣٣ - وأنت تنتمى إلى دين الإِسلام، وهؤلاء التُّجّار كانوا على دينك، فكيف يسعُك هذا الأمر الذى فعلته ؟. فلما جاءت الرسالة إلى خُوارَزْمشاه لم يكن له جواب سوى : إن هذا كان بعلمى وأمرى وما بيننا إلا السيف . فقام ولده السلطان جلال الدين وكان عاقلا ، فاستنصح بعضَ الرسل ، وسألهم عن حال جِفْكِزْخان وكيف طَواعيةُ عساكره له. ثم أشار على والده بأن يتلطَّف فى الجواب ، ويخلىَ بين جنكزخان ونائب الأرار ، ويسلطه على دمٍ واحد يحمى به المسلمين من نهر جَيْحون إلى قريب بلاد الشام، ومساجد لا يحصى عددها، ومدارس وأمم لا يُحْصَون ، ومدائن وأقاليم هى خلاصة الرُّبْع العامى . وأحسنه ، وأعمره ، وأوسعه . فأبى والده إلا السيف، وأمر بقتل رسل جِفْكِزخان . فيالها فَعْلة ما كان أقبحها ! أجرت كلُّ قطرة من دمائهم سيلا من دماء المسلمين . وكان رحمه الله قد اختلط قليلا ، وطعَنْ فى السِّنّ، وغرّه ملكٌ ما رآه حصل لغيره ، وجيش لم يجتمع لأحد، وقد كان هذان الشيئان من أعظم الأسباب فى الإعانة عليه ؛ فإن الأرض لمَّا لم يْقَ فيها ملكٌ سواه وكُسر ، قويت قلوب أولئك الكفار ، وصاروا يتبعونه كما هرب، ويملكون الأرض شيئاً فشيئاً، والجيش لكثرتهم كان فيهم المسلمون، والنصارى ، والمجوس، على اختلاف بلدانهم ، فلم تكن كلمتهم كلها متفقة معه ، ولا عندهم من الخوف على دين الإسلام ، والذَّبّ عنه ما عند المسلمين . فلما بلغ ذلك جِفْكِزخان استشاط غضبا، وجاءت النفس الكافرة ، فقام وأمر أولاده بجمع العساكر، واختلى بنفسه فى شاهق جبل، مكشوفَ الرأس ، واقفاً على رجليه ثلاثة أيام على ما يقال، فزعم عثّه(١) الله أن الخطاب أتاه بأنك مظلوم واخْرُج تنتصرْ على عدوك، وتملك الأرض برًّا وبحرًا. وكان يقول: الأرض فِلكى، والله ملَّكنى إياها . (١) فى المطبوعة: عدو الله. والمثبت من: ج، د. - ٣٣٤ - ذكر خروج السلطان الأعظم علاء الدين خوارزمشاه فى عساكره وذلك فى سنة خمس عشرة وستمائة خرج فى أمم لا يحصيهم إلا الذى خلقهم، فوجد جنكِرخان مشغولا بقتال كسلى (١) خاز، فنهب خُوارَزْ مشاء أموالهم، وسبى ذرَارَّيهم وحريمَهم ، فأقبلوا إليه ، واقتتلوا معه قتالاً لم يُسْمَع بمثله. أولئك يقاتلون عن حريمهم، والمسلمون عن أنفسهم علماً بأنهم متى وَلُوا استأصلوهم. فَقَتِل من الفريقين خلق كثير، حتى إن الخيول كانت تزْلَق فى الدماء، وكان جملةٍ مَن. قُتِل من المسلمين نحو عشرين ألفا، ومن التَّار أضعاف ذلك. ثم تحاجز الفريقان، وولّى كلّ منهم إلى بلاده، ولكن بعد أن كبر خُوارَزْ مشاه التَّار ثلاث مرات . ثم لجأ خوارزمشاه فى عسا كره إلى بخارَى وَسَمَرْ قَنْد، خصَّهما وبالغ فى كثرة مَن ترك بهما من المقاِلة، ورجع إلى خُوارَزْم ليُجهِّز الجيوش الكثيرة. ذكر قصد القان الأعظم الطاغية الأكبر السلطان جنكزخان أمهات مدائن المسلمين وأقاليم عمدة سلطان الموحدين وكان سبب ذلك أن التتار لما كُبِروا مع خُوارزمشاه ثلاث مرات، تشاغل جنْكِرخان عن المسلمين، وأهمل أمرهم، وضعفواهم أيضاً عند السلطان خُوارَزْمشاه، ففرق عسا كره فى الأقاليم لتحفظها ، وكان ذلك من سوء تدبيره، فإنه لما فرق عسا كره دهمته التار، فلم يقدر على جمع عسا كره لإعجالهم إياه عن ذلك فهرب . فقصد جِنْكِزْ خان عند ذلك بخارَى، وبها عشرون ألف مقاتل ، حاصرها ثلاثة أيام (٢) فى المطبوعة: كشلى خان، والمثبت من: ج، د . وفى الكامل: كشلوخان - ٣٣٥ - فطلب منه أهلها الأمان ، فأمَّنَهم ودخلها ، وذلك فى سنة ست عشرة ، فأحسن السِّيرة فيها مَكْرًا وخِداعا، وامتنعت عليه قلمتها ، فماصرها ، واشتغل أهل البلد فى طَمّ خندقها، فكانت التتار يأتون بالمنابر، والختم والربعات ، فيطرحونها فى الخندق ، ففتحها قسراً فى أيام يسيرة فقتل كل من كان بها ، لم يُبْق منهم أحدا . ثم عمد إلى الباد فاصطفى أموال تُجّارها، ثم قتل خلقاً لا يعلمهم إلا الله، وأسروا الدُّرِّيَّة والنساء، وفقوا بهن بحضرة أهليهن ، فمن الناس من قاتل دون حريمه حتى قتل ، ومنهم من أسِرِ فُذِّب بأنواع العذاب، وكَثُر البكاء والضَّجيج فى البلد . ثم عمدوا إلى دور بخارَى ، ومدارسها ، ومساجدها ، وجوامعها فأحرقت ، حتى صارت بلاقع خاوية على عروشها . ثم صاروا يأتون بجماعة من المسلمين ، ويقولون لهم: نادوا: أيها الناس ، إن النَّار قد هربوا، فاخرجوا من خبايا كم. فيخرج مَن هو تحت الأرض حين يسمع الأصوات التى. يعرفها، ظانًّا صدقها، فيقُتلون الخارج والصائح له، وكذلك فعلوا فى كل مدينة ، وما كان. قصدهم إلا خَراب العالم. ثم كَرُّوا راجعين عنها، قاصدين سَمَرْ قَنْد وبها خمسون ألف مقاتل من الجند مِن عسكر خُوارَزْ مشاه، وبرز إليه سبعون ألفا من العامّة، فَقَتل الجميع فى ساعة واحدة ، وألقى إليه الخمسون ألفا السَّكم، فسلبهم سلاحهم وما يمتنعون به ، وقتلهم من ذلك اليوم ، واستباح المدينة، فقتل الجميع ، وأخذ الأموال، وفعل فَئلته وعادته - إنالله وإنا إليه راجعون -. وأقام هنالك . وبلغه أن زوجة السلطان خُوارَ زْمشاه، وبناته فى قلعة أيلال ، فداوم القتال عليها إلى أن ملكها، وأخذ زوجته، وبناته ، ومنهن واحدة كانت متزوجة ببعض أقاربه ، لم يكن فى المجم أجمل منها ، فزوّجها لبعض أولاده، ثم فرّق البنات على أ كار التَّتَار - إنا ثُـ وإنا إليه راجعون - . - ٣٣٦ - وجهز السرايا إلى البلدان، مجهزسَريَّة إلى بلاد خُراسان، وأرسل أخرى وراء خوارزمشاه وكانوا عشرين ألفا، فقال: اطلبوه، وأدركوه ولو تعلق بالسماء، فبناقوا إلى طلبه ، فأدركوه وبينهم وبينه شهرجَيْحون، فلم يجد واسفنا فعملوا لهم أحْواضاً يحملون عليها الأساحة، ويرسل أحدهم فرسه، ويأخذ بذنيها فتجره الفرس إلى الماء ، وهو يجر الحوض الذى فيه سلاحه حتى صاروا كلهم فى الجانب الآخر، فلم يشعر بهم خُوارَزْمشاه إلا وقد خالطوه، فهرب إلى نيسابور، ثم منها إلى غيرها، وهم فى أثره كما دخل مدينة وأقام فيها ليجتمع إليه منا كره: لحقوه، وألقى الله فى قلبه الرعب، فصاروا كما قاربوه هرب ، وما زال هاربا متهم حتى ركب فى بحر طَبرِ سْتَان، وسار إلى قلعة فى جزيرة ، فكانت فيها وفاته . وقيل: إنه لا يُعْرَف بعد ركوبه البحر ما كان من أمره، بل ذهب فلا يُدْرَى أين ذهب ولا كيف سلك! .. ويقال : مرض فى البحر ، وطلب دواء فأعياء الخبر حتى لم يجده . ويقال : طلَب فى البحر مكانا ينام فيه قدر قامته فلم يجدْه ، فقال: سبحان الله، بعد أن كنت أكبر سلاطين الأرض، ولى الأمر فيها صرت لا أقدر على مقدار مكان أنامفيه فسبحان مالك الملك ! هذا من (١) ملك الخطأً وماوراء النهر، وخُوَارَزْم، وأصفهان، وَمَازِ نْدَرَانِ، وَكَرْمان ومَنْجان، وَكَرّ ، وجَكّان(٢)، والغُور، وغَزْنة، وأميان، وأُتْرار، وأُذْرَ بِيجان إلى ما يليها من الهند، وبلاد الترك، وجميع ما وراء النهر إلى أطراف الصين، وخُطِب لهٍ على منار دَرْبَنْد شِرْوَان، وبلاد خُراسان، وعراق العجم، وغيرها من الأقاليم المتسعة ، والمدن الشاسعة، مع المكنة الزائدة، وطول المدة، ووصل إلى هذا الحال. (١) فى المطبوعة، د: هذا ما كان من ملك. والمثبت من : ج .. (٢) فى المطبوعة: صيحان، وفى ج، د: حكان، ولعل الصواب ما أثبتناه. وجَكّان: محله على باب مدينة عراة. المراصد ٣٣٩ - ٣٣٧ - وقيل : إنهم وجدوا فى خزانة من خزائنه عشرة آلاف ألف دينار ، وألف حِمْل من الأطلس . وهذا الذى جرى لهؤلاء التَّتَّار - لعنهم الله - ما جرى لأحد منذ قامت الدنيا ؛ فإن قوما خرجوا من أطراف الصين فقصدوا بلاد تركستان مثل كاشْغَر وبلاد سَانُون ، ثم منها إلى ما وراء النهر ، مثل سَمَرْ قَنْد ، وُبخارَى، وغيرهما فيملكونها، ويفعلون ماشرحْنا بعضَه، ثم تعبرُ طائفة منهم إلى خُراسان فيفرغون منها قتلا وسبيا وتخريبا ، كما فعلوا فيما وراءها، ثم يجاوزونها إلى الرَّىَّ، وهَمَذَان، وبلاد الجبل إلى حد العراق، ثم يقصدوز بلاد أَذْرَ بِيجان، وأَرَّان، ثم يملكون بلاد دَرْ بَنْد شِروان، ثم بلاد اللّان، وبلاد الْبُلْغار ثم بلادِ القَفْجَاق، وهم من أكثر الترك عدَدًا فيملكون عليهمْ ويُوسِعونهم قتلا وأسرا وتسير طائفة أخرى إلى غَزْنة، وأعمالها ، وما يجاوزها من بلاد الهند ، وسِجِسْتان ، وكَرْمان ، وأفعالهم متحدة فى الظلم ، وكل هذا فى سنة أو أزيد بقليل. يملكون أكثر المعمور فى الأرض، وأحسنه ، وأعمره، وما لم يملكوه فأهله فى انتظارهم ، والخوف .. العظيم منهم . هذا ما لم يُسْمَع بمثله؛ فإن إسكندر الذى ملك الدنيا ، لم يملكها فى سنة ، إنما ملكها فى عشر سنين ، ولم يَقْتُل أحدا، بل رَضِىَ من الناس بالطاعة، وهؤلاء بخلاف ذلك ، وكان السبب فى هذا كله سلطان الإسلام علاء الدين خُوارَ زْمشاه ، وظنه بنفسه وجنوده فى الأوّل . ولقد ساروا إلى مَازِينْدَرَان، وقلاعها من أمنع القِلاع بحيث إن المسلمين لم يفتحوهاً إلا فى سنة تسعين، فى أيام سليمان بن عبد الملك ، ففتحها هؤلاء فى أيسر مدة ، ونهبوا مافيها وقتلوا أهاليها، وسَبَوْا وأحرقوا، ثم رحلوا عنها نحو الرَّىّ، فرأوا فى الطريقى أمَّ السلطان خُوارَزْمشاء، وكانت قد سمعت بهزيمة ابنها وهى فى خُوارَزْم، وخُوارَزْم دار مملكتهم العظمى (٢٢- طبقات - ١) - ٣٣٨ - فأخرجت من الحبس(١) عشرين سلطانا، كانوا فى سجن ولدها وقتلتهم، وأودعت بعض القِلاع من الأموال مالا يُدْرَك كثرة ، ثم سارت فرأوها ومعها من الأموال والجواهر والنفائس مالا يُعَدّ كثرة ، فاستأصلوا ذلك كلّه . ثم قصدوا الرَّىّ فدخلوها على حين غفلة من أهلها، فقتلوا وسَبَوْا وأحرفوا(٢) وفعلوا عوائدم . ثم إلى هَمَذَان فلكوها . ثم إلى زَنْجَان فقتلوا أهلها . ثم إلى فَزْوِين ملكوها ، وقتلوا من أهلها نحوًا من أربعين ألفا . ثم يَمَُّوا بلاد أذْرَ بِيجَان، فصالحهم سلطانها أُزْبَك بن البَهْلوان على مال حمله إليهم: فتركوه . وساروا إلى مُوقان فقاتلتهم الكَرْج، فلم يقفوا بين أيديهم طرفة عين ، حتى انهزمت. الكَرْج، وقتلت التَّتَار منهم خلقا كثيرا. ثم قصدوا تَفْلِيس، وهى أكبر مدن الكَرْج، فقاتلهم الكرج فكسبرهم التتارُ كرة ثانية أقبح من الأولى . ثم ساروا إلى تِبْرِيز فصالحهم أهلها، ثم إلى مَرَاغَة فقتلوا من أهلها مالا يحصى كثرة. وقصدوا مدينة إرْ بِل فاشتد الأمر على المسلمين ، وكتب الخليفة إلى أهل الموصل ، · وجهز عسكرا، ثم صرف الله عزم التتار عنهم . وفرقة أخرى من التَّار كان أرسلها جِئْكِزْ خان إلى تِرْمِذ فأخذتها . وأخرى إلى فَرْغَانة فأخذوها . (١) فى ج، د: الجيش، والمثبت فى المطبوعة. (٢) فى ج، د: سرقوا، والمثبت فى المطبوعة. - ٣٣٩ - وأما الفرقة التى أرسلها إلى خُراسان فصالحهم أهل أكثر مدائنها كبلخ وغيرها ، حتى انتهوا إلى الطَّالَقَان، فأعجزتهم قلعتها ، خاصر وها ستة أشهر حتى عجزوا ، فكتبوا إلى جِنْكِزْخان، فَقَدِمِ بنفسه، فحصرها أربعة أشهر أخرى حتى فتحها قهرا ، وقتل من فيها . ثم قصدوا مدينة مرو ، وكان بها مائتا ألف مقاتل ، فاقتتلوا معهم قتالا عظيما، ثم انكسر المسلمون - فإنا لله وإنا إليه راجعون ! - ثم قتلوا أهل البلد، وغَنَمَوهم، وسبَوهم وعاقبوهم بأنواع العذاب، حتى إنهم قتلوا فى يوم واحد سبعمائة ألف رجل. ثم ساروا إلى نيسابور، ففعلوا بها فعلهم بأهل مَرْو. .ثم إلى طُوس، ثم إلى هَراة، والكل يفعلون فيهم فعلّهم الماضى فى غيرها . فسبحان مقدِّر الأمور ، ومن يُمْهِل حتى يلبس الإمهال بالإهمال على المغرور ، ولا حاجة للتطويل. ملكوا أكثر عامر الأرض فجعلوه خرابا، وتركوا المساجد والجوامع والمدارس بلاقع وحرَّقوا الكتب والمصاحف، وما دخلوا مدينة إلا وسالت أوديتها بدماء أهلها ، وكانوا إذا عجزوا عن حمل الأمتعة أطلقوا فيها النيران حتى يذهب أثرها ، وكم من أحمال حرير أطلقت فيها النيران، ولا وقف لهم أحد إلا وأوسعوا عساكره قتلا ونهبا وأسرا ، إلا السلطان الكبير جلال الدين ابن السلطان خُوَارَزْمشاه ؛ فإنه لما علم خبر سلطان الإسلام والمسلمين خُوارَزْ مشاه اجتمع مَن بقىَ من عساكره على ولده السلطان الأعظم جلال الدين وكان ذلك بعهد من والده ، فإنه يقال: إن خُوَارَزْمشاه لما حضرته الوفاة جمع أولاده ، وقال لهم: اعلموا أن عُرَى الإسلام قد انقطعت ، وليس يأخذ بالتّأر من الأعداء إلا هو، وإنى مُؤِّليه ولاية العهد عليكم. وكان بطلا شجاعا لا يُصَلى له بنار، فأتتْه التّار إلى بلادٍ غَزْنة فقاتلهم ، فكرهم فعادوا إلى هَرَاة ، فإذا أهلها قد نقضوا فقتلوهم عن آخرم، ثم عادوا إلى ملكهم جِنْكِنْ خان - لعنهم الله وإياه - وكان أرسل طائفة إلى مدينة خُوارَزْم، فاصروها حتى فتحوها قهرا ، - ٣٤٠ - فقتلوا أهلها قتلا ذريعاً، وأرسلوا الجسر الذى يمنع ماء جيحون فيها، فغرقت دورها، وهلك جميع أهلها، وكان جِئْكِنْ خان لما عادوا إليهُ مُخيِّماً على الطَّالَقَان، مجهز منهم طوائف إلى غَزْنة، فقاتلهم السلطان جلال الدين ، وكرم كسرة عظيمة، واستنقد منهم خلقاً. من أسارى المسلمين . ثم كتب إلى جنكيز خان يطلب منه أن يبرز بنفسه لقتاله، فقصده جنكيز خان فتواجها وتطاعنا، وتوافقت خَيْلاهما، وكلاهما بطل اللًّا مُقَفَع، واقتتلوا ثلاثة أيام لم يُعْهَدَ مثلُها، وقتل فى الوقعة دوس خان بن جنكيزخان، ثم ضعف أصحاب السلطان جلال الدين ولا حول ولا قُوّة إلا بالله، فركبوا فى بحرُ الهند، فيارت التتار إلى غَزْنَة وأخذوها بلا كُلّفة، ثم عاد جلال الدين بمن بقى معه من العساكر إلى بلاد خُورَسْتان، ونواحى العراق ، فأفسدوا وحاصروا ، ثم استحوذ السلطان جلال الدين على بلاد أذْرَ بِيجَان ، وكثيرًا من بلاد الكَرْج واستفحل أمره جدا، وعظم شأنه، وفتح تَفْلِيس مدينة الكرج العظمى . وقيل : قتل من الكَرْج سبعين ألفا فى المعركة ، واشتغل بهذه الغزوة عن قصد بغداد. ;٠ وقد كان عزم على قصد الخليفة؛ لأنه فيما زعم عمل على أبيه حتى هلك، وانزعج الخليفة لذلك وحصَّن بغداد ، واستخدم الجيوش ، وأنفق الأموال الجزيلة. ثم إن أخت السلطان جلال الدين التى كان ابن جِنْكِزْ خان تزوج بها، واستولدها ومات وتركها عند أبيه جِبْكِزْ خان، كانت تكاتب السلطان جلال الدين، وتَنْهى إليه أخبار التَّتَّار ، فأرسلت إليه وهو يحاصر خلاط خاتماً مِن خواتم أبيه فصُّه فيروزج منقوش عليه اسم السلطان محمد ، أمارة مع القاصد تُعْلِمٍ أخاها أن جِنْكِزْخان بلغه عنك شِدَّة بأسك، واتِّساع باعك، وثباتُك ، وكثرة عسا كرك، وقد عزم على مصاهرتك ، والمهادنة معك على أن يكون نهر جَيْجون بينكم، وله منه وجاى، ولك منه ورايح، فإن أنت وجدت من قوتك مقاواتهم ، وإلا فشأنك والمسالمة حال رغبتهم فيها .