النص المفهرس

صفحات 101-120

- ١٠١ -
إذ يلزم أن يكون القوم النَّخذوا القرآن، ويكون ((مهجورا)) حالا فيلزم أنهم اتخذوه
فى حال كونِهِ مهجورًا، فهذا عكس المعنى فإنهم انَّخذوا هِجْرَه، ولم يتَّخذوا إقامته
والعمل به ..
أو يُقال بعبارة أخرى، ومعّى آخر: الاتِّخاذُ: التَّنَّاول، والتَّاول لا يصادف(١)
المهجور؛ لأنهم إذا تناولوه فقد خرج عن كونه مهجورًا، فتعيَّن كونُ ((اتَّخذ)) هنا
متعدِّيةً إلى أثنين، وهو واضح متعيٌَّ فى هذه الآية، وفى قوله تعالى: ﴿ وَاتَّخَذَ اللهُ
إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾(٢)؛ لأن المعنى على أنه انَّخِذ خُلَّتَه، وصيّرها، لا أنه اتّخذ ذاتَه فى حال
خُلّته، وفى قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَوَاهُ﴾(٣).
وأنا أقول : فى الآية دليلان لمسئلتيْن: مسئلة من علم الأصول، وهى أن التَركَ فعلٌ*
كما أوضحتُهُ لك، ومسئلة مِن على النَّحو، وهو الرَّدُّ على الفرّاء فى دعواه أن الثانىَ مِن
مفعولَىْ ظَنَفْتُ وأخواتِها حالٌ لا مفعول ثان، وقد ردَّ علية النحاة بوقوعه مُضْمَا، نحو:
ظننتكه. ولو كان حالاً لم يجُزْ ذلك لأن المضْمَرات معارف، والأحوال نَكِرات،
وفيما تلوتُ من الآيات الثَّلاث ردٌّ عليه، فإنه يلزمه اخْتلال المعنى.
والثانى : ما أخبرتْنا به زينب بنت الكال أحمد بن عبد الرحيم المقدِسِيَّة قراءةً عليها
وأنا أسمع، قالت: أخبرنا إبراهيم بن الخيِّ ومحمد بن السَّيِّدِّ إجازة، قالا: أخبرتنا تَجَمِّى(٤)
الوهْبانِيَّة سماعاً عليها، قالت: أخبرنا طَرَّاد الَّيْنَسِىِّ(٥) ، أخبرنا هِلال الحقَّار، حدثنا
(١) فى المطبوعة: لا يصادق، والمثبت من: ج، د. (٢) سورة النساء ١٢٥.
(٤) فى المطبوعة، د: يحيى، والتصويب من: ج،
(٣) سورة الفرقان ٤٣.
والمشتبه ٠١١٠ (٥) فى المطبوعة، د: طرار، وهو خطأ، والتصويب من: ج، والعبر
٣٣١/٣. والزينى - بفتح الزاء وسكون الياء وفتح النون وفى آخرها باء موحدة: هذه
النسبة إلى زينب بنت سليمان بن على بن عبد الله بن العباس . اللباب ١ / ٥١٨.

- ١٠٢ -
على بن إشْكاب، حدثنا عَمْرو بن محمد النَّصْرِئ(١)، حدثنا زكريا بن سلام، عن المنذر
ابن بلال(٢)، عن أبى جُحَيّفة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أَمُّ الأَعْمَالِ
أَحَبُّ إِلَى اللهِ عَنَّ وَجَلَّ؟) قال: فسكتوا، فلم يُحِبْهُ أُحد ، فقال: «هُوَ حِفْظُ اللَّسَانِ».
ليس هذا الحديث مِن هذا الوجه فى شىء من الكتب الستة.
والثالث : قول قائلِ المسلمين مِن الأنصار، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم يعملُ بنفسه
فى بناء مسجده من شعر (٣):
:
لَيْ فَعدْنَا وَأَنَّسِىُّ يَعْمَلُ لَذَاكَ مِنَّا العملُ الْعَلَّلُ
ثم إنا نقول: سلَّنا تَنْزُّلًا أن كلَّ طاعةٍ عند السلف إيمان، كما فهمتُم مِن قولهم :
((وعمل بالأركان)). ولكنَّا نقول: المنقول عن السّلف أن الإيمان اعتقاد بالجنان،
وإقرار باللسان، وعمل بالأركان، ولكن لم يصح لنا أنهم جعلوا ذلك تعريفاً للإيمان
الصحيح ، جاز أن يكون مرادهم الإيمان الكامل .
ولا يبعد عندى أمر ثالث، وهو أن ناقلَ هذا عن السّلف لم يفرِّق بين الإيمان
والإسلام ، وأن يكون السّلف إنما قالوا ذلك فى الإسلام، وهو صحيح ، وبه نطق قوله
صلى الله عليه وسلم: ((ُبُنِىَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَّمْسٍ ... )) الحديث.
فإن قلتَ : وهل يفرِّقون بين الإيمان والإِسلام؟
قلتُ: أجلْ، وكيف لا؟ والله تعالى يقول: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا
وَلَكِنْ قُوْلُوا أَسْلَمْنَا﴾(٤). فأى نطقٍ أصرحُ مِن هذا، وأى كلام أصدقُ منه ،
(١) بفتح النون وسكون الصاد وفى آخرها راء، هذه النسبة إلى قبيلة من هوازن،
وجَدٍَّ ، ومحلة فى بغداد بالجانب الغربى يقال لها: النصرية. اللباب ٣ /٢٢٦.
(٢) فى المطبوعة: المنذر بن هلال، والمثبت من: ج، د. (٣) سيرة ابن هشام
٢/ ١١٤. (٤) سورة الحجرات ١٤.

- ١٠٣ -
وأى مَجْمَحَةٍ(١) أشْنع مِن ناكبٍ عن صراط هذه الآية مُتَحَيِّ فى تأويلها على مراده،
مُتَسِكَّع بها فى حنادِسٍ الفكر . ولا أعنى أسحابَ الحديث فإنى سأوضَّح عدم الاختلاف
بينهم وبين الفريقين فى المعنى، وأن الخلاف بينهم إنما هو فى اللفظ فقط، وإنما أعنى قَدَرِيًّا
قال بترادُف الإيمان والإسلام توصُّلًا إلى منزلة بين المنْزلتيْن، وحَكَمَ بالخلود فى النَّار
على عارفٍ بالله ناطق بالشهادتين، محتجًّا بأن الإيمان هو الإسلام، وأن الإسلام هو الأعمال
التى منها ما فقده صاحب الكبيرة بما ارتكب ، وإن لم يَشُب اعتقادَه زيغٌ ولا مَيْن.
ولو أوتِيَ هذا القائل رُشْدَه لَتَمْمَ(٢) موافقته لأصحاب الحديث، أو فرَّق بين البابين:
الإسلام والإيمان ، وجرى على ظاهر القرآن، وتأيد بعصام السُّنة، مطمِنَّ الجنان ،
مُنشرح الجُوْجُؤْ(٣) بما أخبرنا به الشيخ الإمام أبى تغيَّده الله رحمته ورضوانه قراءةً عليه
وأنا أسمع؛ قال : أخبرنا شيخنا الحافظ أبو محمد عبد المؤمن بن خلف الدِّمْيَاطِىّ ، أخبرنا
يوسف بن خليل الحافظ ، أخبرنا أبو بكر غياث بن الحسن بن سعيد بن أحمد ، أخبرناهِبَة
الله بن محمد بن عبد الواحد الكاتب.
ح: وأخبرنا محمد بن إسماعيل بن عمر بن الحموى، ومحمد بن إسماعيل بن الحبَّاز قراءة
عليهما وأنا أسمع؛ قال الأول: أخبرنا ابن البُخَارِىّ، وزينب بنت مكِّىّ ، وقال الثانى : أخبرنا
أحمد بن أبى بكر الخَوَىّ، وعلى بن محمد اليَشْكُرِىّ، قالوا أربعتهم: أخبرنا ابن طَبَرْزَد
سماعاً عليه، إلاّ أحمد بن أبى بكر، فإنه قال: حضوراً، أخبر ناهبة اللهبن محمد، أخبرنا أبو طالب
محمد بن محمد بن إبراهيم بن غميلان، حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الله الشافعى، حدثنا محمد
ابن مَسْلَمة الواسِطِىّ، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا شَرِيك، عن الزَّكى (٤) بن الربيع
عن يحيى بن يَعْمَر ، وعن عطاء بن السّائب، عن ابن بُرَيدة(٥)، قالا: حَجَجْنا ثم اعتمرْنا
(١) فى المطبوعة: محجة، والمثبت من: ج، د. (٢) فى المطبوعة: ليمم ، وفى د:
(٣) الجوجو : الصدر .
(٤) فى ج، د: الركين بن الربيع .
لتیمم .
(٥) فى المطبوعة، د: عن أبى بريدة، والمثبت من: ج، والعبر ٢٢٦/١.

- ١٠٤ -
فقدمْنا المدينةَ، فأتينا عبد الله بن عمر فسألْناه فقلنا: يا أبا عبد الرحمن إنا نغزو هذه الأرض.
فتلْقَى أقواماً يقولون: لا قَدَر. فأعرض بوجهه عنَّا، ثم قال: إنى أعتذر إليك، قال : فقال
إذا لقيت أولئك فأعلمهم أن عبد الله بن عمر منهم برى، وأنكم منهُ برآء. قال: بيناً نحنُ
عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذْ أتاه رجلٌ حسنُ الوجه، حسنُ الشَّارةِ، طيّبُ الرّيح
فعجْبنا مِن حُسن وجْهِ وشارته وطيبٍ ريحِهِ . قال: فسلم على النبيِّ صلّى الله عليه وسلم
ثم قام، فقال: أدْذُ يا رسولَ الله؟ قال: ( نَعَمْ)) قال: فدنا، ثم قام. فتعجّبنَا مِن
توقيرِهِ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم. قال: فدناً حَتَّى وضَعَ فخِذَه على فَخِذِ رسولِ
الله صلى الله عليه وسلم، أو رِجْلَه على رجْل رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال:
يا رسول الله، ما الإيمان؟ قال: ((أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ، وَكُتِبِهِ، وَرُسُلِهِ».
وَأْيَوْمِ الْآخِرِ، وَالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْحِسَابِ بَعْدَ الْقَدَرِ كُلِّهِ، خَيْرِهِ وَشَرِّهِ »
حُلْوِهِ وَمُرِّهِ)) قال: صدقتَ. قال: فتعجّبْنا مِن قوله لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم.
صدقْتَ . قال: ثم قالَ: يارسولَ الله، ما الإسلام؟ قال: ((أَنْ تَشْهَدَ (١) أنْ لَا إِلهَ إِلَّا
اللهُ ، وَأَبِى رَسُولُ اللهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْنِىَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ
الْبَيْتَ، وَتَغْتَسِلَ مِنَ الْجَنَابَةِ)) قال: صدقْتَ. قال: فتعجَّبْنا لتَصْدِيقِه رسولَ الله صلى الله
عليه وسلم. ثم قال: يا رسولَ الله، ما الإحسان؟ قال: ((أَنْ تَخْشَى اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ
فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإنَّهُ يَرَاكَ)) قال: صدقْتَ. قال: فتعجَّبْنا لَتَصْدِيقه رسولَ الله
صلى الله عليه وسلم . قال: ثم قال: يا رسولَ الله، فمتى السَّاعَةُ؟ قال: ((مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا
بِأَعْلَ مِنَ السَّائِلِ)) قال: صدقْتَ. قال: فتعجَّبْنا مِن تصديقِهِ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه
وسلم. قال: ثم انْكفأ راجعاً، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (عَلَىَّ الرَّجُلَ»
قال: فطلبُناه فلم نجدْه، قال: فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((هُذَا جِبْرِيلُ جَاءَكُمْ
يُتَلِّمُكُمْ أَمْرَ دِيِنِكُمْ، وَمَا أَثَانِى فِ دُورَةٍ إِلَّا عَرَفْتُهُ، إِلَّا فِ صُورَتِهِ هذِهِ )»
(١) فى ج، د: قال: ((تَدْبَدُ)) دون أن تسبقها: ((أنّ)).

- ١٠٥ -
وأخبرناه أبو الفرج عبد الرحمن بن شيخنا الحافظ أبى الحجّاج المزِّىّ بقراءتى عليه،
قال: أخبرتْنَا حَرَميّة بنت تمام حضورًا، قالت: أخبرنا عربشاه بن أحمد إجازةً ، أخبرنا
عبد الجَّار بن محمد الخوارِىّ(١)، أخبرنا إمام الحرمين أبو المعالى الجوّينِيّ، أخبرنا
أبو عبد الله محمد بن إبراهيم المُزَكِّى(٢)، أخبرنا أبو سَهْل أحمد بن محمد بن جمان الرَّازِىّ،
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أيُّوب بن يحلى البَجَلِىّ، حدثنا مُسَدَّد بن مُسَرْهَدِ، حدثنا
يحيى بن سعيد، عن عثمان بن غياث، حدثنى عبد الله بن بُرَيدة، عن يحيى بن يَعْمَرَ
وُحميد بن عبد الرحمن، قالا: لِقِينا عبدَ الله بن عمر فذكرْنا له القَدَر ، وما يقولون فيه ،
قال: إذا رجعتُم إليهم فقولوا لهم: إنَّ ابنَ عمر منكم برىٌّ، وأنتم منه بُرآء، ثلاث مرّات.
ثم قال: أخبر نى عمرُ بن الخطّاب أنهم بينَما هُم جلوسٌ عند رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ،
جاءه رجلٌ حسنُ الوجْه، حسنُ الشَّعر، عليه ثيابٌ بياض ، فنظر القومُ بعضهم إلى بعض ،
فقالوا : ما نعرف هذا، ولا هذا بصاحبٍ سفر ؛ ثم قال: يا رسولَ الله، آتيكَ ؟ قال:
( نَعَمْ)) قال: فجاء فوضَع ركبنيْهِ عند ركبتيه، ويدَيْه على ◌ِخِذيْهِ. فقال: ما الإسلام؟
قال: (( شَهَدَةُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّ اللهُ [وَحْدَهُ](٣)، وَأَنَّ ◌ُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَتُقِيمُ
الصَّلَةَ، وَتُؤْتِى الَّكَاةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ، وَتَحُجُّ الْبَيْتَ)) قال: فما الإيمان؟ قال:
((أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَالْجَنَّةِ، وَالنَّارِ، وَالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْقَدَرِ كُلِّهِ))
· قال: فما الإحسان؟ قال: ((أَنْ تَعْمَلَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَا تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ))(٤)
(١) بضم الخاء وفتح الواو وبعد الألف راء، هذه النسبة إلى خوار الرى . اللباب
٠٢٩١/١ (٢) بضم الميم وفتح الزاى وفى آخرها كاف مشددة، يقال هذا لمن يزكى
الشهود ويبحث عن حالهم ويعرفه القاضى ، واشتهر بهذا بيت كبير بنيسابور . اللباب
٣/ ١٣٢، وفى المطبوعة: الزكى، والمثبت من: ج، د. (٣) ساقط من: ج، د.
(٤) فى المطبوعة: ((فإن لا تكن ترى فإنه يرى))، وفى ج: ((فإن لا تكن تراه
فإنه یری ))، والمثبت من : د.
۔

- ١٠٦ -
قال: فمتى الساعة؟ قال: (( مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَ بِأَعْلَ مِنَ السَّائِلِ)) قال: هما أشْراطُها؟
قال: ((إذا الْمُرَاةُ الْحُفَةُ الْعَالَةُ رِعَاءُ الشَّاءِ تَطَوْلُوا فِى الْبُذْيَنِ، وَوَلَدَتِ الْإِمَاءِ أَرْ بَابَهُنَّ)»
ثم قال: ((عَلَىَّ بِالرَّجُلِ)) فطلبوه فلم يَرَوْا شيئاً. ثم لِبث يومين أو ثلاثة، ثم قال:
((يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، أَنَدْرِى مَنِ السَّائِلُ عَنْ كَذَا وَكَذَا؟)) قال: اللهُ ورسولُه أعلم.
قال : ((ذَاكَ جِبْرِيلُ جَاءَكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِيَكُمْ)) .
قال: وسأله رجل من جُهَيْنة أو مُزَيْنة، فقال: يا رسولَ الله فيمَ نعمل ، أو فى شىء
قد خَلاَ أو مضى، أو فى شىءٍ يُستَأف الآن؟ قال: ((فِى شَىْءٍ قَدْ خَلَا أَوْ مَغَى))
فقال له رجل، أو بعض القوم: يا رسول الله ففِيمَ العملُ إذاً. قال: ((إنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ
مُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أُهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ أَهْلَ النَّارِ مُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ)).
وأخبر ناه صالح بن مختار بن صالح بن أبى الفوارس الأُشْنَويّ قراءةً عليه وأنا أسمع
فى الخامسة بُقبَّة الإمام الشَّافعىِّ رضى الله عنه، وأبو العباس أحمد بن على بن الحسن بن داود :.
الجزَرِىّ قراءةً عليه وأنا أجمع بدمشق، قالا: أخبرنا أحمد بن عبد الدّايم بن ثمة . زاد
الجزرِىّ: ومحمد بن إسماعيل خطيب مَرْدًا، وإبراهيم بن خليل الدّمْقى، ومحمد بن
عبد الهادى المقْدِسِىّ، قالوا أربعنهم: أخبرنا يحي الثّقفِىّ؛ أخبرنا الحسن بن أحمد الحدّاد
حضورًا، أخبرنا أبو نعيم أحمد بن عبدالله الحافظ، حدثنا أبوبكر محمد بن الحسين الآجرِىّ،
حدثنا الفِرْيانِّ، حدثنا إسحاق بن رَاهُو ◌َيَه، أخبرنا النَّصْر بن شُمَيل، حدثنا كَهْمَس
ابن الحسن، حدثنا عبد الله بن بُرَيدة، عن يحيى بن يَعْمَر، قال: كان أول مَنْ قال فى
هذا القَدَرِ بالبصْرةَ مَعْبَد أُلْجَمَنِىّ، فانْطلقتُ أنا، وُحميد بن عبد الرحمن الخْيَرِىّ حاجَيْن،
أو مُعَتمرَيْن ، فقلنا: لو أثْنا أحدًا مِن أصحاب رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فسألْناه عمّاً
يقول هؤلاء فى القَدَر. فوافقنا عبد الله بن عمر داخل المسجد، فاكتَنَفْتُه أنا وصاحبى
أحدُنا عن يمينه، والآخر عن يساره، فَظَنَّنْتُ أن صاحبى سَيَكِلُ الكلامَ إلىّ ، فقلتُ:

- ١٠٧ -
يا أباعبد الرحمن، إنه قد ظهر قِبَلَنا أناسْ يفسِّرون القرآن، ويَتَقَفَّرُون العلمَ(١)، ويزعمُون
أنْ لَا فِدَرَ ، وأن الأمْرَ أُنُفُ. قال: فإذا لقيتُمُوهم فأخبروهم أنى مِنهم برىء، وأنهم مِّتِى
يُرَآء، والذى يَحْلِفِ به عبدُ الله بن عمر لو كان لأحدِم مِل ء الأرض ذهباً، فأنْفَقّه فى
سبيل الله ما قِبِلَه اللهُ منه حتى يؤمنَ بالقدَر . ثم قال: حدثّنى عمر بن الخطاب، قال: بينما
نحن عندَ رسولِ الله صلى اللهُ عليه وسلّم إذْ طلع علينا رَجُلٌ شديدٌ بياضِ الثيابِ، شَدِيدٌ
سَوادِ الشَّعَر ، لا يُرى عاية أثَرُ السَّفَرِ، ولا يعرِفِه أحدْ منّا؛ حتى جلس إلى نبيّ الله صَلّى
الله عليه وسلم ، فأسند رُ كبتَيه إلى رُكْبَيْه، ووضع كفّيه على فَخِذِيه ثم قال: يا محمّدُ
أخبرنى عن الإسلام وما الإسلام؟ قال: (( أن تشهدَ أن لا إِلهَ إِلَّ اللهُ وأن محمدًا
رسولُ اللهِ ، وَتُقيمَ الصَّلاةَ، وَتُؤْنِىَ الزكاةَ، وتصومَ [شهر](٢) رمضانَ، وتَحُجَّ البيتَ إن
استطعتَ إليه سبيلا)). قال: صدقتَ. قال: فعجبنا له أنه يسأله ويصدِّقه. قال: فأخبرنى
عن الإيمان؟ قال: ((أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتِبِهِ وَرُسُلِهِ والْيَوْمِ الآخِرِ والقَدَرِ خَيْرِهِ
وشَرِّهِ)). قال: صدقتَ. قال: فعجبنا له أنه يسأله ويصدِّقه . قال: فأخبرنى عن الإحسان؟
قال: ((أنْ تَعْبُدَ اللّهَ عَزَّ وَجَلَّ كأَنَّكَ تَرَاءُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يِرَاكَ)). قال فأخبرنى
عن الساعة؟ قال: (( مَا المسئُولُ عنْها بأعلمَ مِن السّائلِ» قال عمر رضى الله عنه: فلِلْتُ
ثلاثاً . ثم قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا عَرُ هلْ تَدْرِى مَنِ السّائِلُ؟))
قلت: اللهُ ورسولُه أعلم! قال: (( فإنَّهُ جِبِرِيلُ أتا كُمْ يعلِّمَكُمْ أَمرَ دِينِكُمْ)) .
هذا الحديث من أعلا الأحاديث فى درجات الصحة، أخرجه مسلم(٣) عن زهير بن حرب
من وَكيع، وعن عبيد الله بن معاذ عن أبيه، كلاهما عن كَهْمَس بن الحسن ، وعن محمد
ابن عبيد بن حِسَاب، وأبى كامل الجَحْدَرِىّ، وأحمد بن عَبْدة الضَِّىّ، ثلاثتهم عن حماد
(١) يتقفرون العلم: يطلبونه ويتتبعونه. وقيل: معناه يجمعونه. (٢) زيادة من: ج.
(٣) صحيحه فى ( باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان من كتاب الإيمان )
٣٦/١-٠٣٨

- ١٠٨ جد
ابن زيد ، عن مَطر الورّاق، وعن محمدبن حاتم ، عن يحيى بن سعيد ، عن عثمان بن غِيات
ثلاثتهم عن عبد الله بن بُرَيدة ، وعن حجّاج بن يوسف، عن يونس بن محمد المؤذِّب، عن
الُتمر بن سليمان، عن أبيه، كلاهما عن يحيى بن يَعْمَر، عن ابن عمر، عن عمر. وفى حديث
عثمان بن غياث، عن ابن بريدة، عن يحيى بن يَعْمَر، وُحميد بن عبد الرحمن الحميرىّ،
كلاهما عن ابن عمر، عن عمر، به.
وأبو داود(١) عن عبيد الله بن معاذ، به. وعن مُسَدَّد، عن يحيى بن سعيد، به. وعن
محمود بن خالد ، عن الفِريابى ، عن سفيان، عن علقمة بن مَرْتَد، عن سليمان بن بريدة، عن
يحيى بن يَعْمَر، بهذا الحديث يزيد وينقص.
والترمذى(٢) عن أبى عمار الحسين بن حُريث الخزاعى، عن وكيع، به. وعن محمد
ابن المثنىَّ، عن معاذ بن معاذ، به. وعن أحمد بن محمد، عن ابن المبارك، عن كَهْمَس،
به. وقال: حسن صحيح.
وابن ماجةَ(٣) من علىّ بن محمد، عن كَهُمَس بن الحسن، عن ابن بُرَيدة،
ـه
وقد رُوى من غير وجه ، ورُوى هذا الحديث عن ابن عمر ، عن النبى صلى الله عليه وسلم
كما أسندناه أولا. والصحيح عن ابن عمر، عن عمر، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم.
ورواه عن عمر النَّسَائِىُّ(٤) عن إسحاق بن إبراهيم، عن النَّغْر بن شُمَيل، عن
گھُمَس، به.
وابن ماجةً (٣) عن على بن محمد، عن وكيع، به .
(١) سننه فى (باب فى القدر من كتاب السنة) ١٧٥/٢، ٠١٧٦
(٢) سننه فى (باب ما جاء فى وصف جبريل للنبى الإيمان والإسلام) ١٠١/٢
(٣) سننه فى (باب فى الإيمان، من المقدمة) ١ / ٢٤، وفيه: حدثنا على بن محمد،
. (٤) سبته فى (باب نعت الإسلام من كتاب
حدثنا وكيع، عن كهمس بن الحسن .
الإيمان) ٢ / ٢٦٤ - ٢٦٦.

- ١٠٩ -
.. وربما اختلفت الألفاظ اختلافا لا يقيم له المحدِّث وزنا، ويراه الفقيه النِّحْرير أمراً
إرْبً (١).
فلفظ مسلم: أن يحيى بن يَعْمَر قال: كان أول من قال فى القَدَر بالبصرة مَعْبَد الْجَهَنِىّ
فانطلقت أنا وُحميد بن عبد الرحمن الجمْرى حاجَّين أو مُعتمرين، فقلنا: لو لقينا أحدًا من
أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألناه عما يقول هؤلاء فى القَدَر! فَؤُفِّقَ لنا عبدُ الله
ابن عمر بن الخطّاب داخِلا المسجدَ، فاكتنفْتُه أنا وصاحبى، أحدُنا عن يمينه والآخر
عن يساره (٢)، فظننت أن صاحبى سَيَكل الكلامَ إلىّ فقلت: يا أبا عبد الرحمن إنه قد
ظهر قِبَلَنَا ناسْ يقرأون القرآن ويَتَقَّفَّرُون العلْمَ، وذكرَ مِن شأْهم، وأَنّهم يزُعمون أنْ
لا قَدَرَ، وأن الأَمْرَ أَنْفُ(٣) فقال: إذا لقِيتَ أولئك فأخبرهم أنى بريء منهم، وأمهم بُرَآءُ
منى ، والذى يَحلِف به عبدُ الله بن عمر: لو أنّ لِأُحدِهِم مِثْلَ أُحُدٍ ذهباً فأَنفقه ما قَبل اللهُ
منه حتى يؤمن بالقدر .
ثم قال: حدّثَنى أبى عمرُ بن الخطاب قال: بينما نحن [جُلُوسٌ](٤) عندَ رسولِ الله
صلى الله عليه وسلم ذاتَ يوم إذ طلع علينا رجلٌ شديدٌ بياضِ الثَّابِ، شديدُ سوادِ الشَّعَر
لا يُرَى عليه أثَرُ السفرٍ، ولا يعرفه منا أحدٌ ، حتى جلسَ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم
فأسند رُ كبتيه إلى ركبتيه، ووضع كَفَّه على فَخِذَيُّه ، وقال: يا محمَّدُ أخبرنى عن الإسلام،
فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (( [الْإِسْلَامُ](٥) أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّ اللهُ
وَأَنَّ ◌ُحَمَّدَا رَسُولُ اللهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِىَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ
الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَمْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا)). قال: صدقْتَ، فيجِبْنا له يسأله ويصدَّقُهُ . قال:
(١) فى المطبوعة: أرنا، والمثبت من: ج، د، والإرب: الحاجة أو العقل أو الدين.
(٢) فى مسلم: عن شماله. (٣) أنف: أى مستأنف لم يسبق به قدر ولا علم من
(٤) زيادة فى الأصول على ما فى مسلم .
الله تعالی . وإنما يعلمه بعد وقوعه .
(٥) زيادة من : ج، ومسلم .

- ١١٠ -
فأخبر نى عن الإيمان. قال: ((أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتِبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ،
وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ)). قال: صدقْتَ. قال: فأخِرُ نى عن الإحسان. قال:
((أَنْ تَعْبُدَ اللّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإنَّهُ يَرَاكَ )) . قال: فأخبرْ فى
عن الساعة. قال: (( مَا الْمَسْثُولُ عَنْهَ بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ)). قال: فَأَخِرْبى عن أَمانَتها.
قال: ((أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَتَهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَةَ الْعُرَّةَ [ الْعَلَةَ](١) رِعَاءِ الشَّاءِ
يَقَطَوَلُونَ فِى الْبُنْيَانِ)). قال: ثم انطلق. فلبث مَلِيًّا (٢) ثم قال: ((يَا عَرُ أَتَدْرِى
مَنِ السَّائِلُ؟)) قلت: اللّهُ وَرسولُه أعلم. قال: ((فَإنَُّ جِبْرِيلُ أَنَاْ كُمْ يُعَلِّمُكُمْ
دِينَكُمْ)) .
ولفظ التِّمذى نحوه، غير أن فيه تقديما وتأخيرا. وفيه قال عمر: فلقيَنِى رسولُ الله
صلى الله عليه وسلم بعد ثلاث .
ولفظ أبى داود نحوه، وفيه : فلبثت ثلاثا ، وفى لفظٍ آخر له قال : فما الإسلام؟ قال:
(( إِقَامُ الصَّلَاةِ، وَ إِيتَهُ الَّكَاةِ، وَحَجُّ الْبَيْتِ، وَصَوْمُ شَهْرٍ رَمَضَانَ، وَالإِغْتِسَالُ
مِنَ الْجَنَبَةِ» .
وفى لفظٍ ثالثٍ له زيادة: وسأله رجل من مُزَيْنَة أو جُهَيْنَة فقال: يا رسولَ الله
قيم نعمل؟ فى شىء خلا ومضى أو شىءٍ يُستأنف الآن؟ قال: ((فِىِ شَىْءٍ خَلَا وَمَضَى)) ..
فقال الرجل، أو بعض القوم: ففيم العملُ؟ قال: ((إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ مُيَسَّرُونَ لِعَمَلٍ
أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ أَهْلَ النَّارِ مُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ)).
ولفظ النَّائِى كلفظ مسلمٍ؛ إلّا أنه أسقط حديث يحيى بن يَعْمَرَ، وَذِكْرَ مَعْبَد
وما جرى له مع ابن عمر فى ذكر القَدَر، إلى قوله: حتى يؤمن بالقَدَر . وأول حديثه :
(٢) فى ج: فلبثت، وهو موافق لكثير من أصول مسلم .
(١) زيادة من مسلم.
شرح النووي ١ / ١٥٩.

- ١١١ -
قال ابن عمر: حدثنى أبى، وسَرَد الحديث، إلى قوله: ((الْمُنْيَانِ)). وفيه: قال عمر (١):
فلبثت ثلاثا، وزاد هو والتِّمذى وأبو داود بعد العراة: (الْمَالَةَ))، وزاد الترمذى بعد
((يُعَلِّمُكُمْ)) لفظ ((الْمَعَالِمَ)) فصار هكذا: ((يُفَأَّمُكُمُ الْمَعَالِمَ)) ثم قال: هذا حديث
حسن صحيح .
وكذا جاء فى لفظ رواية ابن ماجة: ((ذَاكَ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلَّمُكُمْ مَعَالِمَ
دِيْنِكُمْ)) .
وأما البخارىّ رحمه الله فلم يخرَّج هذا الحديث من هذا الوجه. ولكن خرّجه هو ،
ومساٍ، وأبو داود، والنَّائى أيضا(٢) من حديث أبى هريرة وأبى ذَرّ قالا: كان رسول الله
صلى الله عليه وسلم يوماً بارزًا للناس إذ أتاه رجل فقال: يا رسولَ اللهِ ما الإيمان؟ قال :
((أَنْ تُؤْمِنَ بِالْهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكِتَ بِهِ، وَلِقَائِهِ، وَرُسُلِهِ، وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ الآخِرِ)).
قال: يا رسولَ الله ما الإِسلام؟ قال: ((الْإِسْلَامُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا،
وَتُقِيمَ الصَّلاَةَ الْمَكْتُوَبَةَ، وَتُؤَدِّىَ الزَّكَاَةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ)). قال:
يا رسولَ اللهِ ما الإِحسان؟ قال: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنَّكَ إِنْ لَا تَرَاهُ فَإنَّهُ
يَرَاكَ )) . قال: يا رسولَ الله متى السَّاعة؟ قال: (( مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَاَ بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ،
وَلُكِنْ سَأُحَدَّتُكَ أَشْرَاطَهَاَ: إِذَا وَلَدَتِ الْأَمَةُ رَبَهَا فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَاَ، وَإِذَا
كَانَتِ الْحُفَةُ الْعُرَاءُ رُؤُوسَ النَّاسِ فَذَاكَ مِنْ أَشْرَالِهَا، وَإِذَا تَطَوَلَ رِعَاءِ الْبَعِْ
(١) فى الأصول: قال ابن عمر، وهو خطأ، وصوابه فى النسائى ٢٦٦/٢.
(٢) البخارى فى صحيحه ( باب سؤال جبريل النبى صلى الله عليه وسلم عن الإيمان
والإسلام إلخ من كتاب الإيمان) ١ / ١٩، (باب تفسير سورة لقمان من كتاب التفسير)
٠١٤٤/٦ ومسلم فى (باب بيان الإيمان والإسلام من كتاب الإيمان) ٣٩/١، وأبو داود
فى (باب فى القدر من كتاب السنة) ١٧٦/٢، والنسائى فى (باب صفة الإيمان والإسلام
من كتاب الإيمان) ٢ / ٢٦٦ وما أورده المصنف أقرب إلى لفظ مسلم .

- ١١٢ -
فِي الْبُذْيَانِ فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، فِى خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّ اللهُ)). ثم تلا رسولُ الله
صلى الله عليه وسلم: ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾
إلى قوله: ﴿إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾(١). قال: ثم أدبر الرجل. فقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: ((رُدُّوا عَلَىَّ الرَّجُلَ)) فأخذوا ليردُّوه فلم يروا شيئاً، فقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: (( هذَا جِبْرِيلُ جَاءَ لِيُعَلَّمَ النَّاسَ دِينَهُمْ» .
هذا لفظ عند البخارىّ.
وفى لفظ آخر: أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((سَلُونِ)) فها بوه أن يسألوه،
فجاء رجلٌ فجلس عندركبتيه فقال: يا رسولَ الله ما الإسلام؟ وذكر نحوه ، وزاد قوله
فى آخر كل جواب عن سواله: صدقتَ. وقال فى الإحسان: ((أَنْ تَخْشَى اللهَ كَأَنَّكَ
تَرَاهُ» وقد أسندناه نحن من طريق ابن عمر وقال فيه: (( إِذَا رَأَيْتَ الْحُفَةَ الْعُرَاةَ الصُّمَّ
الْبُكْمَ مُلُوكَ الْأَرْضِ، فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِها». وفى آخره: « هُذَا حِبْرِ يلُ أَرَادَ
أَنْ تَعْلَمُوا إِذَا لَمْ تَسْأْلُوا » .
هذا لفظ البخارى ومسلم جميعاً عن أبى هريرة وحده . وفى ألفاظ أبى داود والنسائى
بعض زيادة ونقص :
ففى لفظ لأبي داود عن أبى هريرة وأبى ذَرّ جميعا: أنه سلّم من طرف السِّط، فقال:
السلام عليك يا محمد . وفى أوله أنهم طلبوا من النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يجعل(٢) له
مجلسا يعرفه الغريب إذا أتاه، قال: فبنّيْنَا له دُ كّانا من طين يجلس(٣) عليه، وكُنا تجلس
بجنبيه(٤) ..
وفى لفظ النَّسَائى مثل ذلك. وقال فى سؤال الساعة: فنكس فلم يُجب(٥) شيئاً،
(١) سورة لقمان ٣٤.
. (٣) فى أبى داود : جلس.
(٢) فى أبي داود: جمل.
(٤) فى أبى داود: يجنبتيه. (٥) فى النسائى: فلم يجبه.

- ١١٣ -
ثم عاد(١) فلم يجبه، ثم عاد(١) فلم يجبه شيئاً، ثم رفع رأسه(٢) فقال: ((مَا الْمَسْئُولُ
عَنْهَ بِأَعْلَ مِنَ السَّائِلِ)) إلى أن قال: ((لَا وَالَّذِى بَعَثَ مُحَمًَّا بِالْحَقِّ هَادِيً وَبَشِيرًا (٣)
مَا كُنْتُ بِأَعْلَ بِهِ مِنْ زَجُلٍ مِنْكُمْ، وَإِنَّهُ لَجِبْرِ يلُ نَزَلَ فِى صُورَةٍ دِخْيَةَ الْكَلِّ)).
وأخرجه أبو داود الطَّيَالِىّ من حديث عمر رضى الله عنه. وفى لفظه زيادات حسنة
مفيدة فلْنورده :
قال: إن عمر رضى الله عنه قال: إنه كان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءه رجل
عليه ثوبان أبيضان، مُقَوَّمْ حسَنُ النَّحْرِ والنَّاحية، فقال: أدْؤُ منك يا رسولَ الله؟
قال: (( ادْنُ)) ثم قال: أدنو منك يا رسول الله؟ قال: ((ادْنُ)). فلميزل يدنو حتى كانت
ركبته عند ركبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: أسألك؟ قال: ((سَلْ)). قال:
أخِرْ نى عن الإسلام، قال: ((شَهَدَةُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّ اللهُ، وَأَنِّى مُحَمَّدْ رَسُولُ اللهِ،
وَ إِقَمُ الصَّلاَةِ، وَ إِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجُّ أْبَيْتِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ)) قال: فإذا فعلتُ ذلك
فأنا مسلم؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((نَعَمْ)). قال له الرجل: صدقْتَ. تجعلنا
ذَعجب من قوله لرسول الله صلى الله عليه وسلم: صدقْتَ. كأنه أعلمُ منه . ثم قال: أخبرنى
عن الإيمان، ما الإيمان؟ قال: ((أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتِبِهِ، وَرُسُلِهِ ،
وَالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ)). قال: فإذا فعلتُ
ذلك فأنا مؤمن؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((نَعَمْ). قال: صدقتَ، مجملنا
نَجِب مِن قوله لرسول الله صلى الله عليه وسلم: صدقْتَ. ثم قال: أخِرْ تى ما الإحسان؟
قال: ((أَنْ تَخْشَى اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ كُنْتَ لَا تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ)). قال: صدقْتَ.
(١) فى النسائى: ثم أعاد. (٢) فى النسائى: ورفع رأسه.
(٣) فى النسائى: هدى وبشيرا .
(٨ - طبقات - ١ )

- ١١٤ -
قال: فأخبر نى عن الساعة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَ بِأَعْلَمَ.
مِنَ السَّائِلِ، هُنَّ ◌َمْرٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّ اللهُ ﴿ إِنَّ اللّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ
الْغَيْثَ))) الآية . فقال الرجل: صدَقْتَ.
وفى هذا اللفظ من الفوائد: الردّ على من حرّف الكَلِم عن مواضعه، وَوَقَفَ على قوله
فى الروايات السابقة: ((فَإنْ لَمْ تَكُنْ)) مشيرا إلى أن المصطفى صلّى الله عليه وسلم أشار
بذلك إلى مقام الفناء قائلا: إنّ كان هنا تامّة، والمعنى أنك إذا فنيتَ عن نفسك فلم زها
شيئا شاهدت اللهَ تعالى؛ فإن النفس ورؤيتها حجاب دون الحق سبحانه وتعالى، فمن نحَّى
الحجاب شاهد الجناب ، كما قال بعض المشايخ: رأيت ربّ العِزَّة فى النوم ، فقلت :
ربٌّ كيف الطريقُ إليكِ؟ فقال: خَلٌّ نفسك وتعالَ .
هذا كلام مَن أشرنا إلى أنه حرّف الكلم عن مواضعه. ولسنا ننكر مقام الفناء
ولا حقَّ أهله، وإنما يُفكر على هذا القائل تحريفه لفظ الحديث وسوء فهمه. فإنه لو كان
الأمر كما زعم ◌َجُزْم لفظ ((تَرَاهُ)) على أنه جواب الشرط، فإن تقدير (فَإِنْ لَمْ تَكُنْ)
عنده : فإن فنيت ، وبذلك تم الشرط، وصار الجواب تراه، وجواب الشرط مجزوم.
فإن قال: إن حرف العلة قد ثبت ونقدّر الجزم فيه، على حد: ولا تَرَضَّها، من قول
الراجز :
إذا العجوزُ غَضِبَتْ فِطَلِّقٍ ولا تَرَضََّها وَلا تَلَّقٍ
فالجواب : أن ذلك إنما يجوز فى الضرورة، ثم تُضيع (١) قوله: ((فَإنَّهُ يَرَاكَ))
ولا يصير بينه وبين ما قبله ارتباط والصواب أن: ((فَإِنَّهُ يَرَاكَ)) جواب الشرط
لا يمتری فی ذلك ذوفهم .
(١) فى المطبوعة: ثم يضع ، وفى د: ثم تصنع . والمثبت من : ج.

- ١١٥ -
وهذا اللفظ الذى أخرجه الطّيَالِىّ صريح فى المراد حيث قال: ((فإنْ كُنْتَ لَا تَرَاهُ
فَإِنَّهَ يَرَاكَ)) وما أخوفنى ممّن ساء فهمه أن يقف على (( لا)) ويقول المعنى: فإن كنت عدماً
تراه، كما صنع فى الأول. وليس إلى صلاح مَن هذا مبلغ فهمه سبيل! ولكنه إذا انتهى
إلى هنا وسلّمنا له تنزُّلًا ما تصوره، فطريق الرد عليه أن ناجئه إلى مالا قِبَل له به ، فنقول
على هذا التقدير حديثُ ((فَإنْ لَمْ تَكُنْ)) معارَض بحديث ((فَإِنْ كُنْتَ لَا))؛ لأن
المعَلَّق عليه ثَمّ عدَمُ كونه، وهنا كونُ عدمه، وفرق هائل بين عدم الكون وكون العدم
لسنا لتحقيقه الآن .
وليت شعرى ! أىّ داعٍ دعا هذا الرجل إلى هذا التأويل الذى لا يساعده عليه لسان
عربى ولا فكرٌ صحيح! ومقام الغناء له طرق كافلة بتقريره ، قاضية بأنه حق ، وإن كان
غيره أعلا منه .
وقد أخرج الدارَ قْطنىّ فى كتابه هذا الحديث من حديث عمر أيضاً من طريق معتمر
ابن سليمان، عن أبيه، عن يحيى بن يَعْمَرَ. وفيه فى الإسلام: « وَ تَنْتَسِلَ مِنَ الْجَنَبَةِ ،
وَ تُتِمَّ الْوُضُوءَ)) وفى آخره: فقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (عَلَىَّ بِالرَّجُلِ)) فطلبناه
فلٍ نقدر عليه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أَتَدْرُونَ مَنْ هَذَا؟ هَذَا جِبْرِيلُ أَنَ كُمْ
يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ فَخُذُوا عَنْهُ فَوَ الَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ مَاشُبَّهَ عَلَىَّ مُذْأْتَنِى قَبْلَ مَرَّتِى
هَذِهِ ! وَمَا عَرَفْتُهُ حَتَى وَلَّى)»
قال أبو الحسن الدارقطنىّ: هذا إسنادٌ ثابت صحيح، أخرجه مسلم بهذا الإسناد .
قلت: مراده أن مسلما أخرج أصل الحديث بهذا الإسناد، وأما بهذا المتن فلا ، وهوَّن(١)
أمر المتن؛ لما قدمته لك من أن المحدِّث لا يَعَظُم الخطْب عنده فى الاختلاف على هذا
الوجه ، وإن كان ربما رآه علة ، ولكن العلة هنا منتفية ؛ لأن الحديث باتفاق الجهابذة
الفحول ثابت .
(١) فى المطبوعة: وهو أمر المتن. والمثبت من: ج، د.

- ١١٦ -
وقد رأيتَ من خرّجه من الحفاظ ، وكاهم لا يذكرون ابن عمر إلا راويا عن أيه ،
: وعرّقناك أنه رُوى عن ابن عمر، عن النبى صلى الله عليه وسلم، لم يذكر أباه وقلنا لك
إن الصواب الصحيح توسّطُ ذِكر أبيه، وأرى من أسقطه وَهِم من حديث (( بُنِنِى
الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ)) فإن ذاك من حديث ابن عمر نفسه، وهو فى الحقيقة بعض
هذا الحديث .
وقد رُوى هذا الحديث؛ أيضًا من حديث عبد الله بن مسعود رضى الله عنه:
فأخبرنا المسند أبو التقى الْأُشْغَوىّ مجاور تربة الإمام المعطَّلِىّ رضى الله عنه قراءةً عليه وأنا
أسمع ، أخبرنا أبو العباس المَقْدِسِىّ، أخبرنا يحيى بن محمود، أخبرنا أبو القاسم الجوزىُّ
- بضم الجيم ، وإسكان الواو بعدهازائ - أخبرنا أبوعمر عبد الوهاب ، أخبرنا والدی، أخبر نا
الحسين بن الحسن بن أيوب الطُّوسِىّ، حدثنا أبو خالد يزيد بن محمد بن حمّاد الُقَيِىّ، حدثنا
عبد الرحيم بن حمّاد الثََّفىّ حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة: أن ابن مسعود رضى
الله عنه قال : بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحدّثنا، إذ أقبل رجل فى
هيئة أعرابيّ كأنه مسافر، فقال: السلام عليك يا رسولَ الله، السلام عليكم، فرد
رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورددنا عليه، فقال: أدنومنك يا رسول الله؟ فقال له:
(نَعَمْ)) فدنا رَتْوة أو رتوتين(١) حتى وضع يده على ركبتى رسول الله صلى الله عليه وسلم
ثم قال: يا رسولَ الله، أخبرنى ما الإيمان؟ قال: ((أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ،
وَكُتِبِهِ، وَرُسُلِهِ، والْيَوْمِ الآخِرٍ، وَالْقَدَرُ خَيْرُهُ وشَرُّهُ مِنَ اللهِ)). قال: صدقتَ،
فتعجّبنا من قوله صدقْتَ ، كأنه قد علم ذلك ! ثم قال: فما الإسلام؟ قال: « إِقَامُ الصَّلَاةِ،
وَ إِنَاءُ الَّكَاَةِ، وَحَجُّ أْبَيْتِ إِنِ اسْتَطَمْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، وَصِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ ،
وَالاِغْتِسَالُ مِنَ الْجَنَبَةِ». قال: صدقتَ، فتعجّبنا من قوله صدقتَ ، كأنه قد عل ذلك !
(١) فى المطبوعة، د: ربوة أو ربوتين، والمثبت من: ج، والرقوة: الخطوة. اللسان
١٤ / ٠٣٠٨

- ١١٧ -
قال: فأخِرْ نى عن الإحسان ما هو؟ قال: ((أَنْ تَعْمَلَ للهِ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ
تَرَاهُ فَإنَّهُ يَرَاكَ)). قال: صدقتَ، فتعجّبنا من قوله [صدقْتَ](١). قال: فأخبر نى
متى السَّاعة؟ قال: (( مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَ بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ)). قال: ثم انصرف الرجل
ونحن نراه ، فقال النبى صلى الله عليه وسلم ((عَلَىَّ بِالرَّجُلِ)) فتُرنا فى أثره، فما حسَسْنا له
أثرا، وما رأينا شيئاً، فأعلمنا ذلك النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقال: ((ذَاكُمْ جِبْرِيلُ
أَقَكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ، وَمَا أَثَنِى فِى صُورَةٍ قَطُّ إِلَّا وَأَنَا أَغْرِفُهُ بِهَا قَبْلَ هَذِهِ
الصُّورَةِ)) .
وهذا حديث عظيم ، أصل من أصول الدين . وعندى أن مَدار الدين عليه ، وإلى ذلك
الإِشارة بقوله صلى الله عليه وسلم: ((يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ)) .
وعلوم الشريعة فى الحقيقة ثلاثة: الفقه ، وإليه الإشارة بالإِسلام . وأصول الدين ،
وإليه الإشارة بالإيمان. والتصوف، وإليه الإشارة بالإحسان. وما عدا هذه العلوم إما راجعٌ
إليها ، وإما خارج عن الشريعة .
فإن قلت : علماء الشرع : أصحاب التفسير والفقه والحديث ، فما بالك أهملت التفسير
والحديث ، وذكرت بدلهما الأصول والتصوف ، وقد نص الفقهاء على خروج المتكلم
من سِمَةِ العلماء.
قلت : أما خروج المتكلّم من اسم العلماء فقد أنكره الشيخ الإمام فى شرح
((المنهاج))، وقال: الصواب دخوله إذا كان متكلِّمًا على قوانين الشرع، ودخول
الصوفىّ إذا كان كذلك، وهذا هو الرأى السديد عندنا. وأما أنَّا لم نعدَّ أصحاب التفسير
والحديث، فما ذلك إخراجا لهم ، مَعاذ الله ! بل نقول : التفسير والحديث مدار أصول الدين
وفروعه ، وهما داخلان فى العِلْمین ، فافهم ما نلقى إليك .
(١) ساقط من: ج، د.
--

- ١١٨ -
وأنا على ثقة بأنى لو أمليت على هذا الحديث العظيم الحطبِ ، الجليل الموقع ما يسمح به
فكرى من الاستنباط ، ويقع عليه نظرى من كلام السابقين لوصلت به إلى سفر كامل ،
ولم أكن خارجا عن طوره، ولا متكثرًا بغيره، فالوجه إرجاء عِنان الكلام عليه، والقَوْد
إلى ما يجن بصدده.
فنقول : الحديث وإن اختلفت طرُّقه، وتباينت ألفاظه، فلا يختلف فى أن النبى
صلى الله عليه وسلم فّرٍ فيه الإيمان بخلاف ما فتّر به الإسلام ، وقال: الإيمان أن تؤمن بالله
أى: تصدِّق، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾(١) أى: بمصدِّق.
فإن عارضتنى بما أخبرنا به صالح بن مختار الأشْنوىّ قراءةً عليه بمحضَرٍ منى قال:
أخبرنا أحمد بن عبد الدايم ، أخبرنا أبو الفرج الثََّفىّ، أخبرنا الحسين بن أحمد الجدّاد
حضورًا، أخبرنا الحافظ أبو تُعَيم، أخبرنا أبو بكر الآجرِّىّ، حدثنا أبو العباس أحمد
ابن عيسى بن سُكَيْنِ الْبَلَدِىّ(٢)، حدثنا علىّ بن حَرْب المَوْصِلى، حدثنى عبد السلام
ابن صالح الهَرَوِىّ.
ح: وأخبرنا أبو العباس أحمد بن يوسف الخلاطىّ، قراءةً عليه وأنا أسمع بالقاهرة،
أخبرنا نقيس الدين عبد الرحمن بن عبد الكريم ، أخبرنا والدى عبدالكريم بن أبى القاسم،
أخبرنا أبو الفضل الطَّوسىّ، أخبرنا رُكن الإسلام أبو نصر عبد الرحيم بن الأستاذ
أبى القاسم عبد الكريم القُشَيْرِىّ، فى المحرم سنة اثنتى عشرة وخمسمائة بداره بنيسابور، أخبر نا
الشيخ الإمام أبو سعد أحمد بن إبراهيم بن موسى بن أحمد بن منصور المقرى ، أخبرنا
القاضى أبو منصور محمد بن أحمد (٣) الأزْدِىّ المَرَوِىّ بها، أخبرنا محمد بن إبراهيم الموصلىّ،
(٢) بفتح الباء الموحدة واللام وفى آخرها الدال المهملة،
(١) سورة يوسف ٠١٧
هذه النسبة إلى مواضع ، أحدها إسم بلدة تقارب الموصل، يقال لها بلد الحطب . اللياب
١/ ١٤٠، وفيه: أبو العباس أحمد بن إبراهيم البلدى ، يروى عن على بن حرب
(٣) فى المطبوعة: ابن محمد، والمثبت من، ج، د.

- ١١٩ -
حدثنا محمد بن أيوب الرَّازِىّ، أخبرنا عبد السلام بن صالح الهَرَوِىّ، حدثنا على بن موسى
الرِّضَا بن جعفر بن محمد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب، [عن أبيه، عن جعفر
"ابن محمد، عن أبيه محمد، عن أبيه على بن الحسين، عن أبيه، عن على ](١) رضى الله عنهم،
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الْإِيِمَنُ مَعْرِفَةٌ بِالْقَلْبِ وَ إِقْرَارٌ بِاللَّسَانِ،
وَعَمَلْ بِالْأَرْكانِ» .
أخرجه ابن ماجة(٢) عن سهل بن أبى سهل، ومحمد بن إسماعيل ، كلاهما عن أبى العات
عبد السلام بن صالح الهروىّ . ثم قال ابن ماجة: قال أبو الصلت: نو قرئ هذا الإسناد
على مجنون لبرَاً .
وقال أبو عبد الله الحاكم فى تاريخ نيسابور: حدثنى على بن محمد المُذكِر(٣)، حدثنا
محمد بن على بن الحسين الفقيه الرَّازِىّ، حدثنا أبى، حدثنا محمد بن مَعْقِلِ القِرْ مِيسِيِنىّ(٤)،
عن محمد بن عبد الله بن طاهر ، قال : كنت واتفا على رأس أبى ، وعنده أحمد بن حنبل
وإسحاق بن راهويه وأبو الصلت الهروىّ، فقال أبى: لِيُحَدِّثْ كلّ رجل منكم بحديث،
فقال أبو الصَّلت: حدثنى على بن موسى الرِّضا - وكان والله رِضًا كما ◌ُمِّىَ - عن أبيه موسى
ابن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن على ، عن أبيه على بن الحسين ، عن
أبيه الحسين بن على ، عن أبيه على رضى الله عنهم ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(١) ساقط من: د، وهو مضروب عليه فى: ج، وفيهما :... على بن أبى طالب
رضى الله عنه. وفى المطبوعة: عن أبيه جعفر بن محمد ، وصوابه من سنن ابن ماجة ٢٥/١ .
(٢) سننه فى (باب فى الإيمان من المقدمة) ١ /٢٥. (٣) بضم الميم وفتح الذال
وكسر الكاف المشددة وفى آخرها راء، يقال هذا لن يذكر الناس ويعظهم. اللباب ١١٦/٣.
(٤) بكسر القاف وسكون الراء وكسر الميم وسكون الياء تحتها نقطتان وكسر السين
بعدها ياء ثانية ثم نون، هذه النسبة إلى قرميسين ، وهى مدينة بجبال العراق ، على ثلاثين
فرسخا من همّذان، عند الدّينوَر. اللباب ٢ /٢٥٥.

- ١٢٠ -
((الْإِيمَنُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ)). فقال بعضهم: ما هذا الإسناد؟ فقال له أبى: هذا سَعُوط
المجانين، إذا سُِط به المجنون بَرَاً.
فالجواب من ثلاثة أوجه :
أحدها : أن مدار هذا الحديث على أبى الصَّلْت ، وهو ، وإن كان موصوفا بكثرة العبادة
غيرُ محتجٌ به عند المحدِّثين، ومتَّهُم بهذا الحديث بخصوصه.
قال الدارقطنى: رافضِيٌّ خبيث متهم بوضع حديث (الْإِيمَنُ إِفْرَارُ بِالْقَوْلِ))
وقال العُقَبَلىّ : رافضى خبيث .
وقال أبو حاتم : لم يكن عندى بصَدوق .
وقال ابن عَدِىّ : متهم
وقال النَّسائيّ: ليس بثقة.
ومع هذا الجرح لا يعتبر قول عباس الدُّورِىّ: إن يحلى كان يوثقُّه . ولا قول
ابن مُحْرِز : إنه ليس من يكذِبِ.
فإن قلت : قد تابعه الهَيْمِ بن عبد الله، وداود بن سليمان القَزْوِينِىّ، وعلى بن الأزهر
السَّرَخْسِىّ، فَرَوَوْه عن على بن موسى، ورواه الحسن بن على العَدَوِىّ، عن محمد بن
صدقة ، ومحمد بن تميم، عن موسى بن جعفر والد على، فيتقوَّى حديث عبد السلام بهذه
المتابعة .
قلت : الهيثم بن عبد الله مجهول، وداود بن سليمان هو الجرْ جانىّ الغَازِىّ، له نسخة
موضوعة عن الرِّضَا، كذّبه يحيى بن معين وغيره، وعلى بن الأزهر، ومحمد بن صدقة ،
ومحمد بن تميم مجاهيل. والحسن بن على بن العَدَوِىّ، هو الحسن بن على بن صالح أبو سعيد
البصرىّ ، الملقب بالذّئب.
قال ابن عَدِىٌ: يضَع الحديث .
وقال الدارَقُطْنِى : متروك