النص المفهرس

صفحات 1-20

ـو
3
ذَاج البين أبِ نَصْرِ عَبْد الوهاب بن على بنعبدالكافِى السُّئُكِ
٧٢٧ - ٧٧١ هـ
تحقيق
محمود محمّدالطناحى
عبد الفتاح محمد الجاد
الجُرُ الأوَّلّ
الاعلى
باراجاء
حت من ١٢٣٦٤ه منذ ١٩١٨م

[ جميع الحقوق محفوظة ]
--
فيصل عيسى المالى الحلبى
واد احياء الكتب العربية

۔۔
المقدمة

أ
◌ِ اللهِ الرّمُ الرّحمُ
ليثير
الحمدُ لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونستهديه، ونؤمن به ونتوكّل عليه،
ونسأله الخيرَ كَلَّه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيِّئات أعمالنا، مَن يَبْدِهِ الله
فلا مُضِلّ له، ومَن يُضْلِل فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له،
وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم [تسليما](١).
حدثنا أبى الشّيخ الإمام تغمده اللهبرحمته فيما قرأه علينا مِن لفظه قال: أخبر نا ابن السَّقَطِىِّ(٢)
يعنى محمد بن عبد العظيم، أخبرنا عبد العزيز بن باقا إجازةً، أخبرنا أبو زُرْعةَ طاهر
ابن محمد بن طاهر الَقْدِسِىّ، أخبرنا أبو منصور محمد بن الحسين المُقَوِّمِىِّ(٢)، إجازةً
إن لم يكن سماعاً ثم ظهر سماعه من بعد ، أخبرنا القاسم بن أبى المنذر الخطيب ، أخبرنا
أبو الحسن على بن إبراهيم بن سَلَمة بن بحر القَطَّن ، حدثنا أبو عبد الله محمد بن يزيد
ابن ماجة الحافظ(٤)، حدثنا أبو بكر بن أبى شِئْبَة، ومحمد بن يحيى، ومحمد بن خلف العسقلانىِّ
قالوا : حدثنا مُبيد الله بن موسى .
ح : وأخبرنا الحافظ أبو العباس الأشْعَرِىّ بقراء تى عليه، أخبرنا يوسف بن المِهْتَار
إجازة ، وحدثنى عنه أبو الحسن بن العطَّار سماعاً على سماعٍ، أخبرنا الإمام أبو عمرو عثمان
ابن عبد الرحمن بن الصَّلَاح ، أخبرنا منصور بن عبد المنعم الفَرَاوِيّ(٥) بنيسابور ، أخبرنا
(١) زيادة من: ج. (٢) بفتح السين المهملة والقاف وفى آخرها طاء مهملة، نسبة
إلى بيع السَّقَط. اللباب ١ / ٥٤٨. (٣) بضم الميم وفتح القاف وكسر الواو المشددة.
اللباب ٣ / ٠١٧١ (٤) سنن ابن ماجة ( باب خطبة النكاح من كتاب النكاح )
٠٦١٠/١ (٥) بضم الفاء وفتح الراء وبعد الألف واو، هذه النسبة إلى فراو، وهى
بليدة مما يلى خوارزم يقال لها: رباط فراوة . اللباب ٢٠٠/٢، وفى معجم البلدان ٨٦٦/٣ :
فراوة بالفتح وبعد الألف واو مفتوحة ، وهى بليدة من أعمال نسا ، بينها وبين دهستان
وخوارزم. وفى الأصول ((الغراوى)) بالغين المعجمة.

- ٦ -
أبو المعالى محمد بن إسماعيل الفارسىّ، أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسين البَيْهَقِىّ الحافظ .
ح : قال ابن الصّلاح: وأخبرنا الشّيخان أبو النّجيب إسماعيل بن عثمان القارى،
ومحمد بن الحسن بن سعيد الطَّرىّ الصَّرَّام بنيْسابور قالا: أخبرنا أبو الأسْعَدهِ الرحمن
ابن عبد الواحد بن عبد الكريم القُشَيْرِىّ، أخبرتنا جَدّنى الحرّة فاطمة بنت الأستاذ
أبى على الدَّقَّاق قالا: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف؛ هو الشيخ ابن مَامُويَهَ(١) ..
أخبرنا أبو سعيد بن الأعرابى، حدثنا عباس بن عبد الله التُّرْقُفَيّ(٢)، حدثنا أبو المُغِيرَة،
حدثنا الأوْزِاعِىّ ، حدثنا قُرَّة.
ع : قلت : وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ قراءةً عليه وأنا أسمع، أخبرنا أبو المعالى
أحمد بن إسحاق الأبَرْ قُوهِىّ(٣)، أخبرنا المبارك بن أبى الجود البغدادىّ، أخبرنا أحمد
ابن أبى غالب بن الورّاق، أخبرنا أبو القاسم عبد العزيز بن على الأنماطِىّ(٤)، أخبرنا
أبو طاهر المُخَلِّص(٥)، حدثنا أبو القاسم البَغَّوِىّ، حدثنا داود بن رُشَيْد الْخَوَارَزْمِ،
حدثنا الوليد بن مسلم ، عن الأوزاعىّ ، عن قُرَّةً .
(١) فى الأصول: أخبرنا محمد بن يوسف، هو الشيخ ابن هامويه، والتصويب من اللباب ..
٣٢/١، والعبر ١٠٠/٣، فىوفيات سنة تسع وأربعمائة. قال: وعبد الله بن يوسف بنمامویه،
الشيخ أبو محمد ... روى عن أبى سعيد بن الأعرابى، ومحمد بن الحسين القطان، وجماعة.
(٢) بضم التاء وسكون الراء وضم القاف وفى آخرها الفاء ، هذه النسبة إلى ترقف من
أعمال واسط. اللباب ٠١٧٣/١ (٣) فى المطبوعة، د. الأترفوهى، والمثبت من ج
وهو بفتح الألف والباء المنقوطة بواحدة وسكون الراء وضم القاف فى آخرها الماء ، هذه
النسبة إلى أبرقوه ، وهى بليدة بنواجى أصبهان على عشرين فرسخا منها . اللباب ١ / ٧٨ .
(٤) بفتح الألف وسكون النون وفتح الميم وكسر الطاء المهملة، هذه النسبة إلى بيع
الأنماط، وهى الفرش التى تبسط . اللباب ١ / ٠٧٣ (٥) بضم الميم وفتح الحاء وكبر
اللام وفى آخرها صاد مهملة، هذا يقال لمن يخلص الذهب من الغش ويفصل بينهما ، وهو
محمد بن عبد الرحمن بن العباس بن عبد الرحمن بن زكريا المخلص. اللباب ١١١/٣.
٠٠

- ٧ -
ح: قال ابن الصّلاح: وأخبرنا أبو بكر القاسم بن عبد الله بن عمر النَّيًابورىّ،
فقيه نيسابور ومفتيها قراءةً عليه بها ، أخبرنا أبو الأسعد القُشَيْرِىّ ، أخبرنا أبو محمد
عبد الجميد عن عبد الرحمن البَحِيرىّ(١)، أخبرنا أبونعيم عبد الملك بن الحسن الإِسْفِرابينىّ،
أخبرنا أبو عَوانة يعقوب بن إسحاق قال : إن يوسف بن سعيد بن مسلم المِصِّيصِىّ(٢)،
ومحمد بن إبراهيم الطَّرَسُوسِىّ(٣)، وأبا العباس الغَزّىّ، والعباس بن محمد حدثونا ، قالوا:
حدثنا ◌ُبَيد الله بن موسى، حدثنا الأوْزاعِّ، عن قُرَّةَ بن عبد الرحمن بن حَيْوِيل(٤)،
عن الزُّهْرِىّ، عن أبى سَلَمَةَ ، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((كُلُّ أَمْرٍ ذِى بَلٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدِ أَقْطَعُ)) . هذا لفظ ابن ماجة.
ولفظ ابن الأعرابيّ: ((بِالْحَمْدِ لِهِ أَقْطَعُ)).
ولفظ البَغَوَى: ((بِحَمْدِ اللهِ)). والكل بلفظ: ((أَفْطَعُ)) من غير إدخال الفاء
على خبر المبتدأ .
وأخرجه أبو داود(٥) فى الأدب من سننه عن أبى تَوْبَةَ هو الحلبىّ قال : زعم الوليد
عن الأوزاعىّ عن قُرَّةً به، ثم قال أبو داود : رواه يونس وعُقَيل وشُعيب وسعيد بن
عبد العزيز، عن الرُّهْرى، عن النبى صلى الله عليه وسلم مرسلاً.
(١) بفتح الباء الوحدة وكسر الحاء المهملة بعدها الياء المثناة من تحت وفى آخرها الراء،
هذه النسبة إلى بحير ، وهو اسم لبعض أجداد المنتسب إليه . اللباب ١ / ١٠٠.
(٢) بكسر الميم والصاد المشددة وسكون الياء تحتها نقطتان وفى آخرها صاد مهملة ثانية،
هذه النسبة إلى المصيصة ، مدينة على ساحل البحر. اللباب ١٤٧/١، وفى المراصد ١٢٨٠ :
بفتح الميم، وفى ج ((مسلم)) بتشديد اللام المكسورة. (٣) بفتح الطاء والراء وضم
السين المهملة وسكون الواو وفى آخرها سين ثانية ، هذه النسبة إلى طرسوس ، وهى مدينة
مشهورة، كانت ثغرا من ناحية بلاد الروم على ساحل البحر الشامى. اللباب ٢ / ٨٥.
(٤) فى د: حثويل، وهو خطأ. (٥) أخرجه أبو داود فى (كتاب الأدب)
٢ /٠١٩٠
١

- ٨ -
ورواه أبو عبد الرحمن النَّسائى فى عمل اليوم والليلة ، عن محمود بن خالد ، عن الوليد،
عن الأوزاعى به ، وعن محمود بن خالد أيضا، عن الوليد عن سعيد بن عبد العزيز، عن
الزُّهرىّ رفعه مثله، وعن قُتَيْبَةَ، عن لَيْث، عن عُقَيْل، عن ابن شهابٍ مرسلاً ،
واللفظ: (( كُلُّ كَلَامٍ لا يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ اللّهِ فَهُوَ أَجْذَمُ)) أدخل الغاء فى الخبر.
وليس ذلك فی أ کثر الروايات .
(١ وقد جاء موضع (٣[ ( كلامٍ)) ((أمرٍ))، وجاء موضع ]٢) (أَقْطَع)) و((أَجْدَمِ»
((أَبْتَر))، وجاء الجمع بينهما، وجاء موضع: ((يُبْدَأْ)) (( يُفْتَحُ))، وجاء موضع:
((الْحَمْدِ)) (الذِّكْرِ))١)، وجاء موضع: (الْحَمْد)) أيضا «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ
الرَّحِيمِ)) وسنسوق(٣) إن شاء الله هذه الروايات بعد الكلام على هذا الحديث، فنقول:
قَدِ أخرج ابنُ حِبَّان هذا الحديث فى صحيحه من طريقين:
إحداهما : قال : حدثنا الحسين بن عبد الله القَطَّان، حدثنا هشام بن عمار ، حدثنا
عبد الحميد بن أبى العِشِرِين، حدثنا الأوْزاعِىّ، عن قُرَّةَ، عن الزُّهْرِىّ، عن أبى سَلَمَةَ،
عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كُلُّ أَمْرٍ ذِى بَلٍ لَا يُبْدَأُ فيهِ
بِحَمْدِ اللهِ أَقْطَعُ)). وبوّب على هذا: بالإخبار عمّا يجب على المرء من ابتداء الحمد لله
جل وعلا فى أوائل كلامه عند بغيه مقاصدَه .
والثانية: قال : حدثنا الحسين بن عبد الله بن يزيد القطَّان أبو على بالرَّقَّة، حدثنا
هشام بن عمّار، حدثنا شُعَيب بن إسحاق، عن الأوْزَاعِيّ، عن قُرَّةَ، فذكره بلفظه
حرفاً حرفً؛ فكأنّ هشام بن عمار حدّث به مرّتين: مرّةً عن ابن أبى المِشْرِين، ومِرّة
عن شعيب بن إسحاق، وكلاهما جدّته به (٤)، عن الأوزاعِىّ.
وبوّب أبو حاتم على هذا: بالأمر للمرء أن تكون فواتح أسبابه بحمد الله لئلا تكون
أسبابه بترا. ولم يظهر لى وجه المُغايرة لاسِيّما واللفظ واحد، وليس فى اللفظ ((أَبْتَرَ))
(١) مكان هذا فى د: («وكل كلام جاء موضع كل أمر، وجاء موضع الحمد الذكر)).
(٢) زيادة من: ج. (٣) فى المطبوعة: وسنستوف. (٤) فى المطبوعة: حدث به.

- ٩ -
بل ((أقطع)) كما هو فى اللفظ الأول؛ ولأن ادّعى أبو حاتم المُغايرة بين الأسباب والكلام،
وقال: ذكرنا الطَّريق الأولى للدّلالة على افتتاح الكلام بالحمد لله، والثّانية للدلالة على
افْتاح الأسباب بها. نَقُل له(١): الكلام لبغيه المقاصد من جملة الأسباب، وهَبْ أنه غيرُه
فالحديث واحد ، فإن دلّ على الأمرين فاعْقد لهما باباً واحداً ، وما أُراه إلا على عادته
فى تكثير الأنواع، فكأنه قصد بالأول وهو الكلام الأقوال ، وبالثانى وهو الأسباب
الأفعالَ ، ولا طائل تحت هذا . .
وإن قال قائل: قد افتتح هذا بالأمر للمرء ، وذاك بالإخبار له ، والأمر غير الخبر ؟
لأن الأمر إنشاء وهو قسم للخبر. جوابه أنه قال هناك: ذِكْر الإخبار على ما يجب
على المرء، فاسْتويا، ثم هَبْ أن الحال كما زعمتَ فالدَّالُّ حديث واحدٍ بلفظ واحد ، فليس
غير ما أحسب مِن(٣) أنه قصد التّنويع إلى ألفاظ وأفعال.
وكذلك أخرجه الحاكم فى مُستدر كه.
وقضى ابن الصّلاح: بأن الحديث حسن دون الصّحيح وفوق الضّعيف، مُحْتَجًا
بأن رجاله رجال الصحيحيْن سِوى قُرَّة، قال: فإنه ممَّنَ انفرد مسلم عن البخارىّ
بالتّخريج نه .
وأنا أقول: لم يخرِّج له مسلم إلا فى الشّواهد مقروناً بغيره. وليس لها حكم
الأصول، وإنما خرّج له الأربعة: أبو داود، والتِّمِذِىّ، والنَّسانىّ، وابن ماجة
وأَدَّعى مع ذلك أن الحديث صحيح، كما ادّعاه هذان الحبْران : ابن حِبّان،
وابن الْبَيِّع .
فإن قلتَ : فما حال قُرَّة بن عبد الرحمن عندكم؛ قلت: هو عندى فى الزُّهرى ثقةٌ
ثَبْت، فقد قال الْأُوْزاعىُّ: ما أحدٌ أعلم بالزّهرى منه، وقال يزيد بن السِّمْط: أعلم
النّاس بالزّهرى قُرَّةُ بن عبد الرحمن. ونازعه أبو حاتم فقال : هذا الذى قله يزيد
(١) فى المطبوعة: فقل له. (٢) فى ج، د: فليس إلا على غير ما أحسب أنه ، وفى
المطبوعة : فليس إلا غير ما أحسب من أنه .

- ١٠ -
ليس بشىء يُحكَّم به على الإطلاق، وكيف يكون قُرَّة أعلم الناس بالزّهري، وكلّ
شىء روَى عنه نحو ستين حديثاً؟ بل أثْن النَّاس فى الزهرىِّ: مالك، ومَعْمَر،
ويونس ، والرُّبَيْدىّ، وتُقَيل، وابن تُملَيَّة. هؤلاء الستة أهل الحفظ والإتقان والضبط
والمذاكرة، وبهم يُعتبر حديث الزّهرىّ.
قلت : لا شك أن هؤلاء أرجح مِنْ قُرَّةَ حفظاً وضبطاً، لكنْ لاعلى الإطلاق
فقد يكون لقُرَّةَ خُصوصيَّةِ زائدة بالزّهرىِّ، وإلا فهذا الأوْزاعىّ إمام أهل الشّام كلامه
يؤيّ كلام يزيد بن السَّمط، ثم أنا لا أدَّعى أنه أرجح منهم فى الزُّهْرِىّ؛ وإنما أقولٍ
إنه عارف بالزّهرى غير متَّهم فيه، وليس فى كلام أبى حاتم ما يَدْرَأُ ذلك، بل ذِكرِه
إياه فى كتاب (( الثقات) - مع ما حكاه مما يدل على تبجيله، وإن لم يوافق عليه
على الإطلاق - دليل على ما أُذَّعيه .
وقال الحافظ أبو أحمد ابن عَدِىٌّ: روَى الأوْزَاعِىُّ، عن قُرَّةَ، عن الزُّهْرِىِّ
بِضْعَةً عشر حديثاً، ولقرّة أحاديث صالحة، ولم أرَ له حديثاً مُنكَراً، وأرجو أنه
لا بأس به .
فإن قلت : فقد قال ابن مَعِين: إنه ضعيف، وقال أحمد: مُنكَّرِ الحديث(١) جداً
وقال أبو زُرْعَةَ: الأحاديث التى يرويها مناكير، وقال أبو حاتم والنَّسانى: ليس
بقوىٍ ، وقال أبو داود : فى أحاديثه نَكارة.
قلت : هذا الجَرْعُ إن قُبل فلا أقبلُه فى حديث الزّهرى ؛ ولئن قبلتُه فيه فلا
أقبلُه فى هذا الحديث منه ؛ فلحديث قُرّة عندى درجاتٌ؛ أدناها حديثُهُ عن غير
الزُّهرىِّ كحديثه عن عطاء بن أبى رَبَاح، ومنصور بن المُعُتَمِر، وكمديثه عن حُبَيِّب(٢)
ابن أبى ثابت ، وأعلا منها حديثه عن الزّهرى؛ لما عرفت من خصوصيته به لا سيّما
(١) فى ج: الأحاديث. (٢) فى المطبوعة ، د: وحديثه، وفی د : عن دورق بن
أبى ثابت ، والضبط المثبت من: ج .

- ١١ -
ما حدّث به عنه الأمة مثل: الأوزاعى إمام أهل الشام ، والليث بن سعد إمام أهل
مصر . وأعلا منها هذا الحديث بخصوصه فهو من أثبت أحاديثه عن الزهرى ؛ لأنه
اْلْضَمَّ إلى الحديث الأوْزاعِيّ [به](١) عنه، وقبوله إياه منه أنه - أعنى - الأوْزاعِيّ حدّث
به أيضاً عن شيخه الزّهرِىّ ، وأن قُرّة تُوبِع عليه .
وإنما قلت: إنه مِن أثبت أحاديثه عن الزّهرِىّ، ولم أقل: إنه أثبتُ أحاديثه
مطلقً؛ لاحتمال أن يكون له عن الزّهرِىّ حديث حصل فيه مثل ما حصل فى هذا
من المتابعة وغيرها .
فأما تحديث (٣) الأوزاعِيّ به عن الزّهرِىّ فقد قال الدَّارَ فْطِنِىُّ: إن محمد
ابن كثير رواه عن الأوْزاعِىّ، عن الزّهرِىّ، لم(٣) يذكر قُرَّةً.
قلت: وكذلك حدّث به خارِجةُ بن مُصْعَب ، عن الأوزاعِىّ، عن الزّهرِىّ
عن أبى سَلَمة، عن أبى هريرة، لم يذكر قُرّة أيضا.
حدّث به عن خارِجَةَ الحافظ عيسى بن موسى نُنْجار ، فيما أخبرنا به أحمد بن على
ابن الحسن(٤) بن داود الحنبلى، وزينب بنت الكمال، وفاطمة بنت إبراهيم إذْنًا ، عن
محمد بن عبد الهادى ، عن أحمد بن محمد الحافظ ، أخبرنا إسماعيل بن عبد الجبار المكَِّّ
أخبرنا أبو يَعْلَى الحليل بن عبد الله الخليلىّ الحافظ، حدثنى أحمد بن محمد بن الحسين الحافظ
حدثنا عِصْمة بن محمد بن إدريس البِيكَنْدِىّ(٥) بُخارَى، حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن عمّار
وعلى بن الحسن(٦) البُخَارِيَّان قالا: حدثنا إسحاق بن حمزة، حدثنا: عيسى بن موسى
غُنْجار، حدثنا خارِجة بن مُصْعَب عن الأوْزاعِىِّ، عن الزُّهرِىِّ ، عن أبى سَامة ، عن
(١) زيادة من: ج، د. (٢) فى ج: حديث. (٣) فى المطبوعة: ولم يذكر قرة.
(٤) فى المطبوعة: الحسين. (٥) نسبة إلى بيكند: بالكسر وفتح الكاف وسكون
النون، بلدة بين بخارى وجيحون على مرحلة من بخارى . ياقوت ١ / ٧٩٧ .
(٦) فى المطبوعة : على بن الحسين .

- ١٢ -
أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((كُلُّ كَلَامٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ اللهِ
فَهُوَّ أَقْطَعُ )) .
وكذلك رواه مُبَشِّر بن إسماعيل، عن الأوْزاعِىّ، عن الزُّهرِىِّ، وقال: ((كُلُّ أَمْرٍ
ذِى بَآلٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَقْطَعُ)). وذلك فيما أنْبأناه الحافظ
الكبير شيخنا أبو الحجّاج القُضَاعِىُّ قال: أخبرنا أبو عبد الله أحمد بن حمدان بن شبيب
الحرَّانِىّ سماعًا عليه ، أخبرنا عبد القادر بن عبد الله الحافظ قال: حدثنا محمد بن حمزة بن
محمد القرشِىّ بدمشق، أخبرنا هِبةُ الله بن أحمد بن محمد الأَّ كْفَانِيّ(١) أخبرنا أحمد
ابن على الحافظ، أخبرنا محمد بن على بن مَخْلَدَ الوَرّاق ومحمد بن عبد العزيز بن جعفر
البَرْدَعِىِّ(٢) قالا: حدثنا أحمد بن محمد بن عمران، حدثنا محمد بن صالح النَّصْرِيِّ بها،
حدثنا مُّد بن عبد الواحد بن شَرِيك، حدثنا يعقوب بن كَعْب الأنْطَاكِىّ، حدثنا مُبَشِّر.
( ابن إسماعيل عن الأوْزَاعِيِّ، عن الزُّهرِىِّ، عن أبى سَلَمة، عن أبى هريرة قال
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كُلُّ أَمْرٍ ذِى يَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمُن
الرَّحِيمِ فَهُوَ أَقْطَعُ ،
فإن قلت: إذا كان الأوْزاعِيّ يرويه تارة عن قُرَّة، وتارة عن شيخ قرّة فهذا اضطراب
فى حديثه .
قلتُ: الأوْزاعِىُّ أجلُّ من أن يُنسَب حديثه إلى الاضطراب، ولو كان ثَمَّ اضطراب
لجعلنا الخمثل فيه على الرّواه عنه لا عليه؛ ولكنى أقول: لا اضطراب ، فإنه لا مانع أن
يَرْوِى الحديث تارة عن واحدٍ، وتارة عن شيخ ذلك الواحد ؛ إذا كان قد سمعه منهما.
(١) بفتح الألف وسكون الكافى، وفتح الفاء وفى آخرها نون ، هذه النسبة إلى بيع
الأكفان . الباب ١ / ٠٦٥ (٢) بفتح الباء الموحدة وسكون الراء، وفتح الدال المهملة
وفى آخرها العين المهملة، هذه النسبة إلى بردعة، وهى بادة من أقصى بلاد أذربيجان.
اللباب ٠١٠٩/١

- ١٣ -
ولاسيما عند اختلاف اللفظ ، وذلك موجود فى رواية مُبَشِّر بن إسماعيل، عن الأوْزاعِىّ،
عن الزُّهرِىّ ؛ فإنه جعل البَسْملة موضع الحمدلة، فلعله سمعه من غُرَّة، عن الزُّهرِىّ بلفظ
المدلة ، وسمعه هو من الزُّهرِىّ بلفظ البسملة. وبتقدير اتحاد اللفظ فى الموضعين ، وهى
رواية محمد بن كثير ، وخارجة بن مُصعَب، عن الأوْزاعِىّ فلا بِدْع فى روايته لحديثٍ
عن واحد وعن شيخه كما عرّفناكَ، وكما يجوز أن يسمعه من شَيْخَيْن فيقتصر مرة
على ذكر أحدهما ، وأخرى على ذكر الآخر ، وقد فعل ابن حِبّان ذلك فى صحيحه فى هذا
الحديث ، كما أريناك أنه رواه مرة من طريق ابن أبى العِشْرين ، وأخرى من طريق شعيب
ابن إسحاق ، وكلاهما حدّث هشاماً به عن الأوزاعىّ .
وأما بيان أن قُرَّة قد تُوبع عليه فقد (١) تابعه يونس بن يزيد ، فرواه عن الزُّهرِىّ
كما سيأتى والأوْزاعِى نفسه، حدَّث(٢) به عن الزهرى كما سبق، ومحمد بن الوليد
الزُّ بَيْدِىّ(٣) فرواه عن الزُّهرىّ ، عن ابن كعب بن مالك عن أبيه كما سيأتى، وأنا لا أقول:
إن السََّدَيْن إلى يونس بن يزيد وإلى الأوْزاعِىّ عن الزُّهرِىّ صحيحان، ولكنّى أقول :
يَقْوَى بهما حديث قُرَّةَ؛ وقد لا يَنْتِهِض الشىء فى نفسه حجةً بمفرده، وينتهض مُقَوِّياً
ومُرجِّحاً (٤) لاسّما عند انضمامِ غيره إليه.
وأقول أيضاً: إن مَن أرسل يَعْضُد من أسند لعدم التنافى بين الإرسال والإسناد ، وقد
أرسلَه ◌ُقَّيْل فرواه عن الزُّهرِىّ مُرُسَلًا، وقدّمناه نحن من (٥) كلام النّسائىِّ، فإنه أخرجه
عن قُتُيِبة، عن الليث، عن تُقَيل، عن الزُّهْرِىّ مُرسَلًا كما عرّفناك، واللفظ: ((فَهُوَ
أُجْذَمُ )) وتُقَيل أحد الستة الأتْبات عن الزّهرى الذين ذكرهم ابن حِبّان.
وأرسله أيضا يونس بن يزيد، وشعيب بن أبى حمزة، وسعيد بن عبد العزيز كما حكيناه
عن أبى داود .
(٣) بالزاى المضمومة
(٢) فى المطبوعة : يحدث.
(١) فى المطبوعة : وقد .
والباء مصغرا . تهذيب التهذيب ٩ / ٥٠٢، وهذه النسبة إلى زبيدة (قبيلة من مذحج)
اللباب ١ / ٠٤٩٥ (٤) فى ج بالبناء للمفعول فى الاثنين. (٥) فى المطبوعة : فى .

- ١٤ -
بل رُوِى من حديث صحابيٍ آخر بطريقٍ أخرى: فأخبرنا يُوسف(١) بن عبد الرحمن
الحافظ فى كتابه: أن الفقيه أبا عبد الله الحنبلى" أخبره بقراءته عليه: أن الحافظ أبا محمد
الرُّهَوِىّ(٢) أخبره قال: أخبر نى عمر بن محمد بن أبى بكر المؤَّدِّب، أخبرنا السيد أبو الحسن
على بن هاشم(٣) العَلَوِىّ، أخبرنا أبو بكر هو ابن زبيدة، أخبرنا أبو القاسم هو الطَّبَرَانِىُّ
الحافظ ، حدثنا أحمد بن المُعَلَى الدمشقى، حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا صدقة بن عبد الله
عن محمد بن الوليد الزُّبَيْدىّ، عن الزُّهرِىّ، عن عبد الله بن كعب بن مالك ، عن
أبيه، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((كُلُّ أَمْرٍ ذِى بَلٍ لَا يُبْدَأُ فِهِ بِالْحَمْدِ
أَقْطَعُ ))(٤) ..
فإن قلت : لقد وقع الاضطراب فى هذا الحديث سنَدًا ومثْناً.
أما سندًا: فالزُّهرِىّ تارة يرويه عن أبى سلمة، عن أبى هريرة. وتارة عن ابن كعب
عن أبيه ، رواه عن الزُّهرِىِّ كذلك محمد بن الوليد الزُّبَيْذِىّ كما رأيت ، وكذلك رواه
عن الزُّهرِىّ، محمد بن سعيد- يقال له: الوصيف -، كما ذكره الدَّارَ فْطِنِىٌّ. والأوْزَاعِىّ
تارة يرويه عن قُرّة ، عن الزهرى. وتارة يرويه عن الزهرى نفسه. وتارة يرويه عن يحيى
فقال الحافظ أبو بكر أحمد بن عبدالرحمن الشِّيرازِى صاحب كتاب ((الألقاب)) فيما أنيأتيهِ
الحافظ أبو الحجاج المِزِّىّ: أخبرنا ابن شَبِيب، أخبرنا عبد القادر الحافظ، أخبرنا عبد
الغنى بن شيخنا الحافظ أبى العلاء الهَمْدَانِى، أخبرنا عبد الملك بن مَكّىِّ الشَّعَّار، أخبرنا
أحمد بن عمر البَيِّع، أخبرنا حميد بن المأمون، أخبرنا أبو بكر الشِّيرازِىّ ، حدثنا
أبو الحسن على بن محمد بن مُفلح، حدثنا أبو يوسف محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن الهنا
(١) فى المطبوعة، د: يونس، والمثبت من: ج، وتذكرة الحفاظ ٢٨٠/٤.
(٢) بضم الراء وفتح الهاء وفى آخرها واو، هذه النسبة إلى الرها، وهى مدينة من بلاذ
الجزيرة. اللباب ٤٨٣/١، وتذكرة الحفاظ ١٧٤/٤. (٣) فى المطبوعة. هشام ..
(٤) فى المطبوعة: (( بالحمد لله أقطع)».

- ١٥ -
المِصِّيصِىّ، حدثنا عبد الله بن الحسين بن جابر الزَّار ، حدثنا ابن كثير - يعنى محمد
المِصِيصِى-، عن الأوْزاعِىّ، عن يحيى، عن أبى سلمة ، عن أبى هريرة قال : قال النبى صلى
الله عليه وسلم: ((كُلُّ أَمْرٍ ذِى بَلٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ اللهِ أَقْطَعُ)).
وأما المتن: ففى لفط: « كُلُّ كَلَامٍ». وفى آخر: « كُلُّ أَمْر)) والأمرأعم من الكلام
لأنه قد يكون فعلًا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْ عَوْنَ بِرَ شِيدٍ﴾(١) أى: وما فعله
وقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِىِ الْأَمْرٍ﴾(٢) أى: الفعل.
وفى لفظٍ: ((بِحَمْدِ اللهِ)) و (بِالْحَمْدِ)).
وفى آخر: (( الْحَمْد وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّ)).
أنْبأَناه أحمد بن على الحنبلىّ، عن محمد بن عبد الهادى، عن السِّلَفىّ، أخبرنا إسماعيل.
ابن عبد الجبَّار المكىّ القَزْوِينِىّ، أخبرنا أبو يَعْلَى الخليلىّ الحافظ، حدثنا محمد بن عمر
ابن جَرِير بن الفضل بن الموَقَّر بِهَمْدَان، حدثنا إبراهيم بن محمد بن الحسين الطَّيَّان
الأصْبَهَافِىّ ، حدثنا الحسن بن أبى القاسم الأَصْبَهَانِيّ، حدثنا إسماعيل بن أبى زِياد الشَّامِىّ.
عن يونس بن يزيد، عن الزُّهرِىّ، عن أبى سلمة ، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله:
صلى الله عليه وسلم: ((كُلُّ كَلَامٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ اللهِ وَالصَّلَاةِ عَلَىَّ فَهُوَ أَقْطَعُ
أَبْتَرُ ◌َمْحُوقٌ مِنْ كُلِّ بَرَكَةٍ» ..
وفى ثالث: (( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ))، وقد قدمناه.
وفى رابع: « بِذِ كْرِ اللهِ)) .
أخبرَ ناهُ أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم المُسْنِد إذْناً خاصًّا ، أخبرنا المسلم بن
محمد بن عِلّان ، أخبرنا حنبل بن عبد الله الرُّصَافِىّ، أخبرنا أبو القاسم هبة الله بن محمد بن
عبد الواحد بن الحصين ، أخبرنا أبو على الحسن بن على بن محمد بن المُذهب ، أخبرنا
أبو بكر أحمد بن جعفر بن حمدان ، أخبرنا عبد الله بن أحمد ، حدثنا أبى ، حدثنا يحيى بن
(١) سورة هود ٠٩٧ (٢) سورة آل عمران ١٥٩.

- ١٦ -
آدم، حدثنا ابن المبارك، عن الأوزاعِىّ، عن غُرَّة بن عبد الرحمن، عن الزُّهرىّ، عن
أبى سلَمة، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كُلُّ أُمْرٍ ذِى بَآلٍ
لَا يُفْتَحَ بِذِكْرِ اللهِ فَهُوَ أَبْتَرْ)) أو قال: ((أَقْطَعُ))
وفى لفظٍ وصف الكلام أو الأمر بأنه ((ذُو بَالٍ)) وذلك فى أكثر الرّوايات،
وفى آخر لم يقل ((ذِى بَآلٍ)) كما سُقْناه فى رواية تُتْجارٍ.
وفى لفظٍ ( فهو)) بدخول الفاء على المبتدأ الثانى الذى هو وخبره خبر عن المبتدأ الأول
وهو ((كُلُّ)) والظهر جملة. وفى آخر بدون القاء والخبر مفرد ..
وفى لفظٍ ((أَقْطَعْ))، وفى آخر «أَبْتَرُ))، وفى ثالث ((أَجْدَمْ)) رواهِ النَّسَانِى،
وفى رابعِ الجمعُ بين ((أَقْطَع)) و ((أَبْتَر)) وزيادة ((مَمْحُوقٌ مِنْ كُلِّ بَرَكَةٍ))،
كما رأيت ذلك كله.
قلت: لا يضر شىءٍ من هذه الاختلافات؛ لاحتمال سماع الزُّهْرِىّ مَن أبى سِلَمة
عن أبى هريرة ، ومن ابن كعب عن أبيه إن ثبتت روايةٌ عن ابن كعب، وهى تؤيّد
الرواية الأولى وتَعْضُدُها. ويكون قد سمعه من النبى صلى الله عليه وسلم وحدَّث به عنه
صحابيّان: كعب، وأبو جزيرة.
وأمّا الأوْزاعِىُّ، عن قُرَّة، عن الزُّهْرِىّ تارة، وعن الزُّهرِىّ نفسه أخرى فقد قدَّمنا
الكلام عليه .
وأما الأوْزاعِىّ عن يحيى فقد خفى على الحافظ عبد القادر الرُّهَاوِىّ حالُه فقال: كذا
كان فى أصل أبى يوسف الورَّاق قرأه علينا بلفظه من أصل كتابه .
قلت : ظنّ بعض المُحَدِّثين أنه يحيى بن أبي كثير أحد الأمة من شيوخ الأوزاعِىّ
قلت : ولو كان كذلك لكان عاضِدًا قويًّا، ويكون الأوْزاعِىّ قد سمعه مِن قُرّةَ،
عن الزُّهْرِىّ ، ومن يحيى بن أبي كثير عن الزُّهرى ، ويكون ابن أبى كثير حينئذ
قد تابَع قُرَّة عن الزُّهرى كما تابَع قُرَّةَ مُقَيل؛ فلئن ثبت جميع ما ذكره يكون كعب

٠- ١٧ -
قد تابَع أبا هريرة، وابن أبى كثير قد تابع الزُّهْرِىّ، وعُغَيَل قد تابَع قُرَّة. ولكن
ليس الأمر كذلك؛ فإن يحلى المُشار إليه هو قُرّة بن عبد الرحمن ويحسبى اسمه.
قال ابن حِبّان: كان إسماعيل بن عّاش يقول: إن اسمه يحمى وقُرَّة لقب، سمعتُ
الفضل بن محمد العطَّار بأَنْطَاكِيَةَ يحكيه عن عبد الله بن الضحّاك، عنه .
قال ابن حِّان: وهذا شىء يشبه لا شىء ، لأن عبد الوهاب وَاهٍ ، ولم يكن هذا
الشأن من صناعته فيُجّع إليه فيما يحكيه عنه .
قلت : والأظهر عندى أن الأمر كما زعم عبد الوهاب، ولو كان هذا الحديث عند(١)
يحيى بن أبي كثير لَما خفى على الحُفَّاظ، ولَمَا انْفرد الأوْزاعِيّ بروايته عنه، ولَما كان
يتركه فى الغالب مِن أمره ويذكر قُرَّةً .
وأما تغاير الأمر والكلام فصحيح ، غير أنه قد يُوضَع الأخصّ مَوضِع الأعمّ ،
بل أقول : إن بينهما عموماً وخصوصاً من وجهٍ ؛ فالكلام قد يكون أمْراً، وقد يكون
نُهْياً، وقد يكون خبراً. والأمر قد يكون فعلًا، وقد يكون قولًا، والأمر فى هذا
قريب .
وأما ذكر ((ذِى بالٍ)) فى بعض الألفاظ دون بعض، فالأثبت سنداً إثباتها(٢).
غير أتى أقول :
قد يقول القائل: إن لم يُفتَح بالحمد لا يكون ذا بال، وهذا سؤال يطرق مَن أثبت
هذه الزيادة - فيقال له: كيف يكون ذا بال وهو غير مبدوء بالحمد ؟ - دون مَن لم يُوردها.
وجواب مَن أثبتها : أن المعنى بكونه ذا بال أنه مُهْتَمُّ بِه مَعْنِىٌّ بحاله مُلْقَى إليه
بالُ صاحبه ؛ فإذا كان بهذه المثابة ولم يُفتَتح بالحمد كان أقطع، لا يُفِيده إلقاء البال ،
واعتناء الرّجال شيئاً.
(١) فى المطبوعة: عن يحيى. (٢) فى المطبوعة: سند إثباتها.
(٢- طبقات - ١)

- ١٨ -
فإن قلتَ : فما لم يُلْقَ إليه البالُ إذا لم يُنتَتَح بالحمد ما حاله؟ أيكون أقطع على هذه
الرّواية أم لا ؟
قلت: يكون أقطع مِن باب أولى، فهذه الزّيادة تلبه عليه من باب التنبيه بالأدنى
على الأعلى.
وأمّا (( يُفْتَحُ)) و((يُبْدَأُ)) فسواء فى المعنى.
وأمّا (( الْحَمْدُ)) و(( الْبَسْمَلَةُ)) فجائز أن يُعنى بهما ما هو الأعم منهما، وهو
ذكر الله والثناء عليه على الجملة ، إمّا بصيغة الحمد أو غيرها ؛ ويدل على ذلك رواية:
(ذِكْرِ اللهِ))، وحينئذ فالحمد ، والذكر، والبسملة سواء.
وجائز أن يُعنى خصوص الحمد ، وخصوص البسملة ، وحينئذ فرواية الذكر أعم
فيقضى لها على الروايتين الأخيرتين؛ لأن المطلق إذا قُيُّدُ بقيْدِينِ مُتنافَيْن لم يُحْمَل
على واحدٍ منهما ، ويرجَع إلى أصل الإطلاق .
وإنّما قلنا: إن خصوص الحمد والبسملة متنافيان ؛ لأن البداءة إنما تكون بواحد ،
ولو وقع الابتداء بالحمد لما وقع بالبسملة وعكسه ، ويدل على أن المراد الذكر - فتكون
روايته هى المعتبرة .. أنّ غالب الأعمال الشرعية غيرُ مفتحة بالحمد كالصلاة فإنها مفتتحة
بالتكبير ، والحجّ وغيرِ ذلك .
فإن قلتَ: لكن رواية (بِحَمْدِ اللهِ)) أثبت من رواية ((بِذِكْرِ اللهِ)) ..
قلتُ: صحيح ، ولكنْ لم قلتَ : إن المقصود بحمد الله خُصوص لفظ الحمد؟
ولِمَ لا يكون المراد ما هو أعمّ من لفظ الحمد والبسملة؟ ويدل على ذلك ما ذكرتُ لك
من الأعمال الشرعية التى لم يُشَرِّع الشارع افتتاحها بالحمد بخصوصه. ويدل عليه أيضاً
أنه ورد ((بالْحَمْدِ)) و ((بِحَمْدِ اللهِ))، والحمد إذا أطلق يراد الأعم (١) من خصوصه؟
(١) فى المطبوعة، ج: إذا أطلق الأعم من خصوصه. والمثبت من د.

- ١٩ -
كما يقول : سورة الحمد ويعنى الفاتحة ، وهى مشتملة على لفظ الحمد وغيره .
وأمّا دخول الفاء فى خبر هذا المبتدأ مع عدم اشتماله على واقعٍ موقع الشّرط أو نحوه ،
موصولا بظرْفٍ أو شبهه أو فعلٍ صالح للشرطية فوجهه أن المبتدأ وهو ( كل)) أضيف
إلى موصوفٍ بغير ظرفٍ ولا جازٍّ ومجرور ولا فعلٍ صالحٍ للشرطية ، وحينئذ يجوز دخول
الماء ، على حدٍّ قول الشاعر(١):
كُلُّ أَمْرٍ مُبَاعَدٍ أَوْ مُدَانِ فَمَنُوطْ بِحِكْمَةِ الْتَعَلِ
وقد أضيف المبتدأ فى الحديث، وهو ((كل)) إلى موصوف بمفرد (٣) وهو
((ذى بال))، وجملة وهو (( لا يُبدأ فيه بحمد الله)» فى رواية من جمع بينهما.
وأمّا ((أقطع)) و ((أبتر)) و ((أجدم)) فمعانيها إن لم تتَّحد فهى متقاربة؛ فلعل
النبى صلى الله عليه وسلم قال كلَّ واحدة مرّةً، أو لعل الرّاوى روَى بالمعنى.
وأمّا زيادة ((الصّلاة)) وزيادة ((ممحوق من كل بركة)) فإن صحًا لم يضر ، غير أن
سندَهما لا يثبُتُ .
فإن قلتَ: هل يُحكَم للحديث بالرفع؟ مع أن الأثبات البُزَّل عن الزُّهْرِىّ، وهم:
يونس بن يزيد ، وعُقَيل بن خالد ، وشُعَيب بن أبى حمزة، وسعيد بن عبد العزيز إنما رَوَوْه
عن الزُّهْرِىّ مرسلاً، ولو أن واحداً من هؤلاء الأربعة عارض قُرَّةً لحُكِمٍ له على قُرَّةً
فما ظَنُّك باجتماعهم!؛ ومن أجل ذلك قال جِهْبِذُ العِلل، والحافظ الجبل أبو الحسن
الدَّارَ قْطِىّ: إن الصّحيح عن الزُّهْرِىّ المرسلُ.
قلتُ : لو أنّ بين الإسناد والإرسال مُعارضَة لقضَيْتُ لهؤلاء على قُرَّة؛ ولكن
لا تَنَافِىَ بينهما ولا معارضة، والحديث إذا أُسند مرّة وأُرسل أخرى فالحكم للإسناد ؟
(١) انظر الصبان على الأشمونى ٢٠٢/١.
(٢) فى المطبوعة: إلى موصوف مفرد، وفى د : إلى موصوف وهو ذى بال .

- ٢,٠ -
ولذلك حكم إمام الصناعة، ومقدَّم الجماعة أبو عبد الله البخارىّ لإسناد إسرائيل بن يونس،
عن جده أبى إسحاق السَّبِىّ(١)، عن أبى بُرْدَةَ، عن أبيه أبى موسى الأشعرىّ،
عن النبى صلى الله عليه وسلم حديث: ((لَا نِكَاحَ إِلَّ ◌ِوَلٍِ)) على إرسال سفيان
وشعبة وهما مَن ◌ُما فى الحفظ والإتقان وُلُوِّ الثّأن، عن أبى إسحاق، عن أبى بُرْدَةَ،
عن النبى صلى الله عليه وسلم مُرسَلًا، وأُقسم بمن فاوت بين مقدارهم لَنِسبةُ إسرائيل إليهما
أبعد من نسبة قُرّة إلى الأربعة، وكيف وقُرّة فيما ذُكر أعلم الناس بالزّهرىّ! وقد توبِع
فى هذا الحديث، وشيخه الزُّهْرِىّ كان كثيرً الإرسال، ثم كان يُفْصِح بالإسناد بعد
الإرسال، بل ربما أرسَل ثم أفْصَح بإسنادٍ لا يُقْبَل.
من أجْل ذلك أهدر الإمام المُطَّلِيُّ مُرسلاته، وذكر رضى الله عنه فى مِثال عَوارها.
حديثَه فى [الضحك فى](٢) الصّلاة مرسلًا، ثم وجدانه إياه إنّما رواه عن سليمان
أبن أرْقم، وسليمان بن أرقم ضعيف ، ثم قال: يقولون يحابى، ولو حابَيْنَاَ لحابَيْنَاَ الزُّهْرِئَّ
وإرسال الزُّهرِىّ ليس بشىء ؛ وذاك أنّا تجده يروى عن سليمان بن أرْقم. انتهى.
قلتُ: وإنما رَدّ إرسالَه عند الإطلاق؛ لاحتمال أن يكون طوَى ذِكْر من لو أفصح به
لردَدْناه، كما فعل فى حديث الضَّحِك؛ فإنه طوَى ذكر سليمان وهو ضعيف. أما إذا تبين
أنه طوَى ذكر ثِقَةٍ كما فى حديث الحمد (٣) فلا يُرُتّابُ فى قبوله؛ فإنه بيَّن برواية قُرَّةً
أن المَطْوِىَّ ذِكره أبو سلمة وهو ثقة الثّات؛ فلئن أرسله الحافظ الجبل(٤) فلقد أسنده
الإمام الأجل أعنى: محمد بن إسماعيل.
(١) بفتح السين المهملة وكسر الباء الموحدة وبعدها ياء معجمة بائنتين من تحتها ساكنة
وفى آخرها عين مهملة، هذه النسبة إلى سَبيع، وهو بطن من همدان . اللباب ١ / ٥٣٠.
(٢) زيادة من: ج، د، وفى هامش ج: ليس فى نسخة المصنف: ((الضحك).
. (٤) فى المطبوعة : الجليل . والمثبت من ج، د.
(٣) فى المطبوعة : الخمر .