النص المفهرس

صفحات 1641-1660

- ١٦٢٥ -
عليه وسلم غزوات فسمعته يقول: المسلمون شركاء فى ثلاث: فى الماء ، والكلأ،
والنار . وهذا هو الصحيح قول مَنْ قال : أبو خداش ، عن رجل من أصحاب
النبي صلى الله عليه وسلم ، لا قول مَنْ قال: عن أبى خداش رجل من أصحاب
النبى صلى الله عليه وسلم . وقد روى أبو خِداش هذا عن عبد الله بن عمرو
ابن العاص .
وقال أبو حَقْص عمرو بن على الفَلّس : سألْتُ يحيى بن سعيد عن حديث
تور بن يزيد، عن حريز (١)، عن أبى خِدَاش، فقال: قال لى معاذ: سمعتُه من حريز
عساه عنه ، فإ أدْه حتى حدثنى به ، فقال : حدثنا ثور بن يزيد ، عن حريز
ابن عثمان ، عن أبى خداش ، عن رجلٍ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم،
قال : غزوْتُ مع النبى صلى الله عليه وسلم سَبْعَ غزوات أو ثلاث غزوات ،
فسمعته يقول: المسلمون شركاء فى ثلاث: فى الماء، والكلأ، والنار .
قال أبو حفص : وسألْتُ عنه معاذ - يعنى ابن معاذ المنبرى - حدثنى به ،
قال: حدثنی حریز بن عثمان ، قال: حدثنا حِبّان بن زيد الشّرْعَبی ، عن رجل
من أصحابِ النبى صلى الله عليه وسلم قال : غزوْتُ. قال أبو حفص : ثم قدم علينا
يزيد بن هارون، حدّثنا به. قال: حدثنا حِّان بن زيد الشَّرْعَى. وهذا الحديث
أخبرناه خلف بن القاسم ، قال: حدثنا ابن أبى العقب ، قال : أخبرنا أبو زرعة
عبد الرحمن بن عمرو ، قال : أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس ، قال :
حدثنا محمد بن إسمعيل بن رجاء الزبيدى ، عن ثور بن يزيد ، عن حريز
ابن عثمان، عن أبى خِدّاش، عن رجل من أصحابِ النبى صلى الله عليه وسلم ، قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المسلمون شركاء فى ثلاث : فى الماء ،
والگلا ، والنار .
(١) فى أسد الغابة : جرير، أراه تحريفا.

- ١٦٣٦ -
(٢٩٢٧) أبو خِراش (١) السلمى. ويقال الأسلمى، له صحبة، قال مسلم بن الحجاج:
اسمه حَدْرَد. وقاله غيره أيضاً. روى عنه عمران بن أبى أنس، أنه سمع النبىّ
صلى الله عليه وسلم يقول : مَنْ هجر أخاه سنةً كان كتفك دمه . حديثه عند
أهْلِ مَعْر !
(٢٩٢٨) أبو خِراش الهذلى الشاعر. اسمه خُوَيْه بن مُرّة القِرْدى. من بنی قِرد
ابن عَمرو بن معاوية بن تميم بن سعد بن هُذيل . مات فى زمن عمر بن الخطاب
من نَهْشٍ حية ، وله فى ذلك خَبْرٌ عجيب ، وكان ممن يَنْدُو على قدميه فيسبق
الخيل . وقد حدّث عنه عمران بن عبد الرحمن بن فضالة بن عبيد ، وكان
فى الجاهلية من فُتّاك العرب، ثم أسلم فحَسُن إسلامه، وهو القائل(٢):
رَمَّوْنِى(٣) وقالوا يا خُوَيْها لا تُرَعْ فقلت - وأنكرْتُ، الوجوه: مم ممُ
وكان جميل بن معمر الجُمَحى قد قَتَل أخاه زهيرا المعروف بالمَجْوَة يوم
فَتْح مكة مسلما ، وقيل : بل كان زهير ابن عمه .
وذكر ابن هشام، قال حدثني أبو عبيدة، قال: أسر زهير(٤) التَجْوَة
الهذلى يوم حُتَين وكتف، فرآه جميل بن معمر ، فقال: أنت الماشى لنا بالمعايب،
فضرب عنقه ، فقال أبو خِرَاش يرثيه - وكان ابن عمه - كذا قال أبو عبيدة ،
فالأول قول محمد بن يزيد. قال: وكان يومئذ جميل بن معمر كافرا ثم أسلم بعد،
و کان أتاه من ورائه، وهو مو ثق فضر به . وقد قيل : إنه قتله يوم حُنين مأسورا
وجميل يومئذ مسلم ، ففى ذلك يقول أبو خراش:
فَعَ(٥) أضيا فى جَميلُ بن مَعْمَر بذى مفخر (٦) تأوِى إليه الأرَامِلُ
(١) فى أسد الغابة: أبو خداش - بالدال. والمثبت فى التقريب، وفى ء .
(٢) أشعار الهذليين: ١١٦ - ١٧٢، والأغاني: ٢١ - ٦٩ طبع ليدن.
(٣) فى أشعار الهذليين: رفونى - بالفاء. أى سكنوني (صفحة ١١٤).
(٤) فى أشعار الهذليين: زهير بن العجوة (١٤٨).
(٥) فی ء · جم.
(٦) فى أعمار الهذلين : بذى جر .

- ١٦٣٧ -
طويل نجاد السيف ليس بجَيْدَر(١) إذا اهْتَزّ واسترخَتْ عليه الحائلُ
ومُهْتَلِكٌ بالى الَّرِيسَيْنِ(٣) عائلُ
إلى بيته يأوى الغريب إذا شتا
تكادُ يَدَاهُ تُشْلِمَانْ ردَاء.
من الجُودِ لما استقبَلتْه الشمائل
لآ بكَ بالجزعِ الضَباعِ النواهل
فاقسم (٣) لولا قيتَه غَيْرَ مُوثَق
فنازلتَه أو كنْتَ ممن ينازِلُ
وإنك لو واجهْتَه(٤) ولقيته
ولَكِنّ أقران الظهور مقاتل(٥)
لكنت جميلا أسوأ الناس صرعة
ولكن أحاطت بالرّقاب السلامِيلُ
فليس كعَهْذِ الدار يا أمّ مالكٍ
سوى الحقّ شيئا فاستراح العواذلُ
وعاد الفتى كالكَهْلِ ليس بقائلٍ
قوله : أحاطت بالرقاب السلاسل ، يقول : جاء الإسلام فمنع مِنْ طلب
الأثار إلّ بحقها. وقد قيل : إن هذا الشعر فى أخيه عُرْوة بن مرة برئيه به .
وقال محمد بن يزيد: مما يستحسن لأبى خراش الهذلى ، وهو أحد حكماء
العرب - قوله يذكر أخاه عروة (٦):
وذلك رُزْء ما علمت (٧) جليل
تقول أراه بعد ◌ُرْوَة لاهِياً
فلا تحسبى أنى تناسَيْتُ عهده ولكن صبرى(٨) ياأُمَيْمَ جَميل
زاد أبو الحسن الأخفش فى هذه الأبيات بعد اليتين المذكورين:
ألم تعلى أنْ قد تَفَرَّقَ قَبْلَ خليلاً صفاء: مالكٌ وعقيلُ
(١) فى ء: بحيدر. والمثبت فى أشعار الهذليين. والجيدر: القصير.
(٢) الدريسان: الثوبان الحقان . وعال الرجل: إذا انقر.
(٣) فى أعمار المذليين: فوافه ...
(٤) فى أشعار الهذليين : إذا لقيته .
(٥) رواية البيت فى أشعار الهذليين :
تظلّ جميل أسوأ القوم قلة
(٦) أعمار الهذليين صفحة ١١٦.
(٨) فى ء : أ صبرى .
ولكن قرن الظهر المرء شاغل
(٧) فيها : لو مات.

- ١٦٣٨ -
أبى الصْبَرَ أَنْى لا يزال يهيجنى مَبيتٌ لنا فيما مضى(١) وَقِيلُ
يُعَاوُدُنِى قِطْعٌ علىّ قيلُ
وأنّی إذا ما الصُْ آنستُ ضَوْ،ە
قال أبو الحسن : مالك وعقيل اللذان ذكرها نديما جذيمة الأبرش ، ولما
قصةٌ وَخَبَرٌ فيه طول، وما الذان يعنيهما متسم بن نويرة فى مرثيةٍ يرنى فيه أخاه
مالكا حيث يقول :
وكنّا كَتَدْمَانى جذيمةَ حِتْبَةً من الدهر حتى قيل لَنْ يَتَصَدَّكَا
ولأبى خِرَاش الهذلى أيضاً فى المرائى أشعار حسان، فن شعر له فيها(٢):
خِراشٌ وبعضُ الشرِّ أهونُ من بَعْضٍ
حِدْتُ إلَى بعد مُرْوة إِذْ نَجَا
نَوَّكل بالأدنى وإنْ جَلّ مَا يْغِى
على أنها(٣) تدمی الكلومُ وإنما
بجانبٍ قَومَى (4) ما مثفْتُ على الأرِضِ
فو الله لا أَنْتَى قَلا رُزِئْتُهُ
على أنه قدسُلَّ عن ماجِدٍ محْضٍ
ولم أُحِ مَنْ أَلْقَى عليه رداءه
قال أبو عمر: لم يبق عربى بعد حُتَين والطائف إلاّ أسهم؛ منهم مَنْ قدم
على النبى صلى الله عليه وسلم، ومنهم مَنْ لم يقدم عليه وقنع بما أتاه به وافِدُ قومه
ن الدين عن النبى صلى الله عليه وسلم .
أخبرنا عبد الله بن محمد بن يوسف ، قال: حدثنا يحيى بن مالك ، قال: قال
الد بن صفوان: ما قالت العرب بيتا أجود من قول أبى خراش :
على أنها تدمى الكلوم وإنما نُوكّل بالأدني وإنْ جَلَّ مَا يَْفِى
وقال : حدثنا الحسن بن محمد بن محمد بن مقلة البغدادى بمصر ، قال :
(١) فى الأشعار: فيما خلا .
(٢) أشعار الهذليين : ١٥٧.
(٣) فى أشعار الهذليين: بلى إنها تعفو ...
(٤) موضع ببلاد السراة من الحجاز، وهو بضم القاف وفتحها.

- ١٦٣٩ -
حدثنا أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد ، قال: حدثنا عبد الرحمن ، حدثنا ابن
أخى الأصمعى، عن عمه، قال: أسلم أبو خِرَاش وحَسُنَ إسلامه، ثم أناه فَقَرٌ"
من أهل اليمن قدموا حجاجا ، والماء منهم غير بعيد ، فقال : يا بنى عمى ،
ما أَسى عندنا ماء، ولكن هذه برمة وشاة فِرِدُوا الماء، وكلوا شاتكم، ثم دعوا
بيرمتنا وقربتنا على الماء حتى نأخذها ، فقالوا : لا والله ، ما نحن سائرين
فى ليلتنا هذه ، وما نحن ببارعين حيث أمسينا . فلما رأى ذلك أبو خراش
أخذ فِرْبَةً وسعى نحو الماء تحت اليل حتى استقى ، ثم أقبل صادرا فنهشته حَيّة
قَبْلَ أن يَصِلَ إليهم، فأقبل مسرعا حتى أعطاهم الماء ، وقال: الطبخواشاتكم،
وكُلوا، ولم يُعْلِمهم ما أصابه ، فباتوا على شاتهم يأكلون حتى أصبحوا ،
وأصبح أبو خراش وهو فى الموتى، فلم يبرحوا حتى دفنوه. وقال - وهو يموت
فی شعر له (١) :
على الإخوان ساقاً ذات فَضْل
لقد أهلكْتِ حَيَّة بَطْنِ(٣) واد
فما تركْت عدوًّا بين بصرى إلى صنعاء يطلبه بذحل(٣)
فبلغ خبره عمر بن الخطاب، فغضب غضباً شديدا، وقال : لولا أن تكون
سنّة لأمَرْت ألا يضاف يمان أبدا، ولكتبْتُ بذلك إلى الآفاق . ثم كتب
إلى عامله باليمن بأن يأخذ النفر الذين نزلوا على أبى خِرَاش الهذلى فيلزمهم دِيَته
ويؤذيهم بعد ذلك بعقوبة يمسهم بها جَزَّاء لفعلهم .
(٢٩٢٩) أبو خُزَامة . اسمه رفاعة بن عرابة . ويقال: ابن عرادة المذرى من
بنى عذرة بن سعد بنزيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة . ويقال
فيه الجهنى ، وهو بالجهنى أَشهر وجُهَينة أخو عذرة ، كان يسكن الحباب (٤)،
وهى أرض عذرة ، له سحبة ، عِدَادُه فى أهل الحجاز . روى عنه عطاء بن يسار.
(١) صفحة ١٧١ من أشعار الهذليين، والبيتين رواية أخرى. والرواية التى هنا تتفق
(٢) فى أشعار الهزليين : بطن أنف
مع رواية باقوت للأبيات مع اختلاف يسير.
(٤) هكذا فى د . وفى الطبقات: الجناب.
(٣) فى ء : بدخل . والمثبت فى باقوت.

- ١٦٤٠ -
وقد ذكر بعضُهم فى الصحابة آخر أبا خُزَامة بحديثٍ أخطأ فيه رواية عن
ابن شهاب ، والصوابُ ما رواه يونس بن يزيد ، وابن عيينة ، وعبد الرحمن
ابن إسحاق ، عن الزهرى، عن أبى خُزّامة ، أحد بنى الحارث بن سعد ، عن أبيه.
أنه قال : يارسول الله ، أرأيت رُقَ نسترقيها ، وتقی نتقيها ، وأُدوية نتداوى بها،
أثرُ من قَدر الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هى مِنْ قَدَرِ الله . وقال
غيرهم فيه ، عن الزهرى، عن أبى خُزَامة بن يعمر، عن أبيه ، عن النبى صلى الله
عليه وسلم . وأَبو خُزَامة هذا من التابعين لا من الصحابة ، على أَنّ حديثه هذا
مختَلَفٌ فيه جدًا .
(٢٩٣٠) أَبو خُزَيْعة بن أوس بن زيد بن أَصرم بن ثعلبة بن غنم بن مالك
ابن النجار شهد بَذْراً وما بعدها من المشاهد. وتوفى فى خلافة عثمان بن عفان؛
وهو أخو مسعود بن أوس بن أبى محمد . وقال ابنُ شهاب ، عن عبيد
ابن السباق ، عن زيد بن ثابت: وجدتُ آخر التوبة مع أبى خزيمة الأنصارى .
وهو هذا، ليس بينه وبين الحارث بن خزيمة أبى خزيمة إلا اجتماعهما فى الأنصار:
أحدها أوسى، والآخر خَزْرجی .
(٢٩٣١) أَبو الْطَاب له صحبة، ولا يُوقَفُ له على اسمٍ . رُوى عنه حديثٌ واحد
فى الوتر. يُعَدّ فى الكوفيين. روى عنه تُوَيْر بن أبى فاختة.
(٢٩٣٢) أبو خَلاَد. رجل من الصحابة، لا أَقف له على اسم (١) ولا نَسَب.
حد یثُه عند يحيى بن سعيد بن أبان القرشی ، عن أبى فروة ، عن أبي خلاد رجل
من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
إذا رأَيْم المؤمِنَ قد أعطى زُهْدًا فى الدنيا وقِلّة منطق اقترِ بُوا منه، فإنه بلَّى
(١) فى التقريب : يقال اسمه عبد الرحمن بن زهير.

- ١٦٤١ -
الحكمة . هكذا رواه هشام بن عمار ، عن الحكم بن هشام ، عن يحيى بن سعيد
ابن أبان .
وذكره البخارى فى الكُتّى المجرّدة، فقال: قال: أحمد بن إبراهيم الدورقى،
حدثنا يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص ، أخو عنبة : سمعت أبا فروة
الجزرى(١) ، عن أبى مريم، عن أبى خلاد، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مثله،
وهذا أصحّ .
(٢٩٣٣) أبو خَرِيصة، اسمه مَعْبد بن عبّاد (٢) بن قشير الأنصارى. من بنى سالم بن
غم بن عوف بن الخزرج . كان من كبار الأنصار. شهد بَدْرًا. وقيل فيه
أبو حُمضة. وقال فيه أبو معشر: أبو عصيمة ، فلم يُصِبْ(٢).
(٢٩٣٤) أبو خُنَيْس النِفَارى، قال: خرجْتُ مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم
فى غزاة تهامة حتى إذا كنا بُسْفان جاءه أصحابُهُ، فقالوا: يا رسول الله، أَجْهَدْنَاً
الجوع، فأُذَنْ لنا فى الظّهرِ أنْ نأكله . فقال له عمر: لو دَعَوْت لهم فى أزوادهم
بالبركة ، فذكر حديثاً حسنا فى أعلام النبوة. حديثُه هذا عند أبي بكر بن عمر
ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر شيح مالك، عن إبراهيم(٤) بن عبد الرحمن
ابن عبد الله بن أبى ربيعة - أنه سمع أبا خنيس الغفارى يقول: خرجْتُ مع رسولِ
الله صلى الله عليه وسلم ... فذكر الحديث .
(٢٩٣٥) أبو خَيْثَمة الأنصارى السالى. اسمه عبد الله بن خَيْثَمة. وقيل مالك
ابن قيس ، أحد بنى سالم، من الخزرج . شهد أحدا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم،
(١) فى أسد الغابة: الخزرى .
(٢) هوامش الاستيعاب : صوابه عبادة.
(٣) قال ابن الأثير: أخرجه أبو عمر فى هذا الحرف ترجمتين بلفظ واحد، ومما واحد
واق أعلم .
(٤) فى أسد الغابة: عن إبراهيم بن عبداته عن عبد الرحمن بن عبد الله.

-١٦٤٢-
وبقى إلى أيام يزيد بن معاوية، ولا أعلم فى الصحابة مَنْ يُكْنَى أبا خيثمة غيره
إلا عبد الرحمن بن أبى سَبْرَة الجسفى والد خيثمة بن عبد الرحمن صاحب ابن
مسعود، فإنه يكنى أبا خيثمة بابنه خيمة. وقدذكرناه(١) فى بابه من هذا الكتاب
ومِنْ خَبَر أبى خيثمة هذا ما ذكره ابنُ إسحاق فى غَزْوَة تبوك قال :
ثم إنّ أَبا خيئية بعد أَنْ سار رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أَباما دخل على أَهْلِهِ
فوجد امرأتين ) فى عَرِيشين لهما فى حائط قد رَشْتْ كلُّ واحدةٍ منهما عريشها،
وبَرَت له فيه ماء، وهيأت له طعاما، فلما نظر أبو خيثمة إلى ذلك قال: رسولُ
الله صلى الله عليه وسلم فى الضحّ والريح والحرّ وأبو خيثمة فى ظلِّ باردٍ وطعامٍ
وامرأة حسناء، مقيم فى ماله، ماهذا بالنَّصف، والله لا أَدْخُلُ عريش واحدةٍ منكا
حتى ألحقَ النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ فهِّثَالى زاداً. ففعلَتّاً. ثم قدم ناضِحَة
فارته، ثم خرج فى طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أُخْرَكَه حين
نزل بنَّبُوك. وقد كان عمير بن وهب الجمعى أدرك أبا خَيْتَمَةَ فى الطريق ،
يطلبُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فترافَقَاً، حتى إذا دَنَوَا من تَبُوك قال
أبو خيثمة لعمير بن وهب : إن لى ذنبا ؛ فلا عليك أن تتخلّف عنى حتى آنى
رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففعل ، حتى إذا دنا مِن رسول الله صلى الله
عليه وسلم وهو نازلٌ بَنِّبُوك ؛ فقال الناس: هذا راكب فى الطريق مُقْبل. فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: كنْ أبا خيثمة. فقالوا: يا رسول الله، هو والله
أبو خيثمة . فلما أناخ أقبل فسلّم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال
ه رسول الله صلى الله عليه وسلم: أولى لك يا أبا خيثمة. ثم أخبر رسول الله
صلى الله عليه وسلم الخبر ، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال
ه خَيْرًا .
(١) صفحفة ٨٣٤ .

- ١٦٤٣-
وذ کر الواقدی قال: قال هلال بن أمية الواقفی- حين تخلّف عن رسول
الله صلى الله عليه وسلم فى غَزْوَة تبوك - كان أبو خيثمة تخلَّف معنا ، وكان
يُسمّى عبد الله بن خيثمة .
(٢٩٣٦) أبو خَيْرَة الصَّباحى(١) العبدى. من ولد سُباح بن لكيز بن أفعى
ابن عبد القيس بن أفصى بن دُغِىّ بن هذيلة بن أسد بن ربيعة بن نزار. له صحبة،
ذكره خليفة ، فقال : ومِنْ عبد القيس أبو خيرة الصُّبَاحى ، كان فى وَفْد
عبد القيس. روى اللهم اغْفِرْ لعبد القيس. وقال: زؤَّدنا رسول الله صلى الله
عليه وسلم الأرَاكُ نَشْتَكُ به . روىٍ داود بن المساور ، عن مقاتل بن مام، عن
أبى خيرة الصَّباحى، قال: كنْتُ فى الوفد الذين أتوا رسولَ الله صلى الله
عليه وسلم ، وكنا أربعين راكبا ، قال : فنهانا النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن
الدُّبَّاء والحَنْتَم والنَّقِير والمُزَفَّت(٣). قال: ثم أمر لنا بأراك فقال: استاكوا
بهذا. قلنا : يا رسول الله، إنّ عندنا المسب(٣)، ونحن نجتزئ به . قال: فرفع
يديه وقال: اللهم اغفر لعبد القيس إذْ أَسلموا طائعين غيْرَ كارهين.
باب الدال
(٢٩٣٧) أبو داود(٤) الأنصارى المازنى. اختلف فى اسمه. فقيل عمرو، وقيل : عمير
ابن عامر بن مالك بن خفساء بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار ،
شهد بَدْرًا، وأُحُدا، وهو الذى قتلَ أبا البَخْترى العاص بن هشام بن الحارث
(١) فى القاموس: الصنابحى . والصباحى - بضم الصاد المهملة. وتخفيف الباء الموحدة.
(٢) الدباء: الفرع، والحتم: جرار مدهونة خضر كانت تحمل الخمر فيها إلى المدينة،
ثم اتسع فيها فقيل الخزف كله حتم ، واحدتها حنتمة .
والتقير: أصل النخلة يتقر وسطه ثم يفيذ فيه التمر ويلقى عليه الماء ايصير نبيذاً مسكراً.
(٤) فى هوامش الاستيعاب : أبو رواد صوابه .
(٣) فى ء : العشب.

- ١٦٤٤ -
ابن أسد بن عبد العزّى بن قَصىّ. وأخذ سيفَ . وقد كان رسولُ الله صلى الله
عليه وسلم قال: مَنْ اقى أبا البخترى فلا يقتله - شكر له قيامه فى شأن الصحيفة .
وقد قيل: إن الذى قتله أبا البخترى المجذّر بن ذياد(١) البلوى. وقال آخرون:
قتله أبو اليسر السلمى . روى عن أبى داود هذا أنه قال: إنى لأَتْبِعُ رجلا
من المشركين يوم بَدْر لأضْرِبه إذا وقع رأسُه قبل أن يصلَ إليه سيفى ، فعرفت
أنّ غيرى قتله. ذكره ابن إسحاق عن أبيه إسحاق بن يسار ، عن رجال من
بنى مازن بن النجار ، عن أبى داود المازنى .
(٢٩٣٨) أبو دجانة الأنصارى الساعدى. اسمه سِماك بن خَرَشة. ويقال : سماك
ابن أوس بن خَرَشة بن لَوْذَان بن عبد ود بن [زيد بن](٣) ثعلبة الأنصارى، أحد
بنى ساعدة بن كعب بن الخزرج . شهد بدرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم،
وكان بُهْمَةَ(٣) من البُهَمَ الأبطال، دافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم
أُحُد هو ومصعب بن عمير ، فكثرت فيه الجراحات ، وقتل مصعب بن عمير
يومئذ ، واستشهد أبو دُكَانَةَ يوم اليمامة وهو ممن اشترك فى قَتْلِ مسيلمة يومئذ
مع عبد الله بن زيد بن عاصم، ووَحْشى بن حرب ، وكان رسولُ الله صلى الله
عليه وسلم قد آخى بين أبى حُجانة وبين عتبة بن غزوان ، وقد مضى ذكره
فى باب السين من الأسماء (٤). وأبو دُجانة هو الذى قاتل بسيْفِ رسول اللهصلى الله
عليه وسلم يوم أُحُد فيما ذكر موسى بن عقبة .
(١) فى ء : زباد. وارجع إلى صفحة ١٤٥٩ من هذا الكتاب.
(٢) من أسد الغابة، وما فى ء قد سبق أيضا فى ترجته باسمه صفحة ٦٥١.
(٣) البهمة: الشجاع الذى لا يهتدى من أين يؤتي، وجبه كصرد (الناموس).
(٤) صفحة ٠٦٥١

- ١٦٤٥ -
(٢٩٣٩) أبو الدَّحْداح. ويقال: أبو الدَّحْدَاحة، فلان ابن الدَّحْدَّاحة(" مذكور
فى الصحابة ، لا أَقف له على اسم ولا نَسَب أكثر من أَنه من الأنصار ،
حليف لهم .
ذكر ابن إدريس وغيره ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن يحيى
ابن حبان، عن عمه واسع بن حبان ، قال: هلك أبو الدحداح، وكان أتيّا فيهم،
فدعا النبيّ صلى الله عليه وسلم عاصم بن عدى، فقال له: هل كان له فيكم نسَب؟
قال: لا . قال: فأعطى ميراثه ابن أخته أبا لبابة بن عبد المنذر . وقد قيل:
إن أبا الدحداح هذا اسمه ثابت بن الدحداح . ويقال: الدّحْداحة ، وقد ذكرناه
فى باب اسمه - باب الثاء (٢).
وروى عقيل ، عن ابن شهاب - أن يتما خاصم أبا لبابة فى نخلة ، فقضى بها
رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لأبى لبابة، فبكى الغلام. فقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم لأبى لبابة : أعْطِهِ نَخْلَتك . فقال: لا فقال: أعطه إياها ولك بها
عذق فى الجنة . فقال: لا، فسمع بذلك أبو الدّخداح، فقال لأبى لُبابة: أَتبيع
عِذْفَكَ ذلك بحديقتى هذه ؟ قال: نعم ، فجاء أبو الدَّحداحة رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، فقال: يارسول الله، النخلة التى سألتَ لليقيم إن أعطيته إياها ألى
بها عذق فى الجنة؟ قال: نعم. ثم قُتل أبو الدَّحداحة شهيداً يوم أُحُد فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم : رب عذق مذلل لأبى الدحداحة فى الجنة .
ولما نزلت (٣): ((مَنْ ذا الذى يُغْرِضُ اللهِ قَرْضاً حسنا)». كان أبو الدّحداح
(١) هكذا فى ء. وفى أسد الغابة: وقيل أبو الدحداحة بن الدحداحة الأنصارى.
(٢) صفحة ٢٠٣ من هذا الكتاب.
(٣) سورة البقرة، آية ٢٤٥.

- ١٦٤٦ -
نازلا فى حائط له هو وأهله، فجاء إلى امرأته، فقال: اخْرُجى يا أم الدَّحْدَاحِ،
فقد أقرضته الله عزّ وجل، فتصدَّق بحائطه على الفقراء والمساكين .
(٢٩٤٠) أَبو الدَّرْدَاء . اسمه ◌ُوَيْمر، فقيل عويمر [ابن عامر] (١) بن مالك بن زيد بن
قيس. وقيل : عويمر بن قيس بن زيد بن أمية . وقيل : عويمر بن عبد الله بن زيد
ابن قيس بن أمية بن عامر بن عدى بن كعب بن الخزرج بن الحارث
ابن الخزرج ، من بلحارث بن الخزرج. وقيل: اسم أبى الدَّرداء عامر بن مالك،
وُوَيمر لقب .
وأمه محبّة بنت واقد بن عمرو بن الإطنابة، تأخّر إسلامُه قليلا ، وكان
آخرَ أهل داره إسلاما، وحَسُن إسلامه، وكان فقيها عاقلا حكما ، آخى
رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين سلمان الفارسى . رُوى عنه عليه الصلاة
والسلام أنه قال: ثُوَيمر حكيم أمتى. شَهِدَ ما بعد أُحُدٍ من المشاهد، واختلف
فى شهوده أحداً. قال الواقدى: توفى سنة اثنتين وثلاثين بدمشق فى خلافة عثمان .
وقال غيره : توفى سنة إحدى وثلاثين بالشام ، وقيل : توفى سنة أربع
وثلاثين. وقيل سنة ثلاث وثلاثين . وقال أهل الأخبار: إنه توفى بعد صِنِّين ..
والصحيح أنه مات فى خلافة عثمان ، وإنما ولى القضاء لمعاوية فى خلافة عثمان.
روى منصور بن المعتمر، عن أبى الضُّحَى، عن مسروق، قال. شافهْتُ أَحَابَ
محمد صلى الله عليه وسلم فوجَدْتُ عِلْمَهم انتهى إلى ستة: عمر ، وعلى، وعبد الله
ابن مسعود، ومعاذ، وأبى الدَّرداء، وزيد بن ثابت .
روى مسعر ، عن القاسم بن عبدالرحمن، قال: كان أبو الدَّرداء مِنّ الذين
أُوتوا العِلْمَ .
(١) ليس فى أسد الغابة. وارجع إلى الطبقات: ٢ - ١١٧ وهذا الكتاب صفحة ١٢٢٧.

- ١٦٤٧ -
وروی الليث بن سعد ، عن معاوية بن صالح، عن أبى الزاهرية ، عن جُبير
ابن نفير، عن عوف بن مالك - أنه رأى فى المنام قَبَةً أَدم فى مَرْج أخضر،
وحَول القبة عنم ربوض تَجْتَرّ وتبعر العجوة ، قال: فقلت: لمن هذه القبة ؟ قيل:
هذه لعبد الرحمن بن عوف، فانتظرناه حتى خرج ، فقال : يا عوف ، هذا الذى
أعطانا الله بالقرآن، ولو أشرفت على هذه التَّةِ لر أيْتَ بها ما لم تَرَ عينك، ولم
تسمع أذنك، ولم يخطر على قلبك مثله؛ أَعدَّه الله لأبى الدَّرداء ، إنه كان يدفع
الدنيا بالراحتين والصّدْرِ .
وذكر عبد الله بن وهب قال: أخبرنى حيى بن عبد الله ، عن عبد الرحمن
الحجرى، قال قال أبو ذر لأبى الدرداء: ما حَمَلَت ورقاء، ولا أَظّلتْ خضراء
أعلم منك يا أبا الدرداء.
وروى سفيان بن عيينة، عن ابن أبى مليكة، قال: سمعتُ يزيد بن
معاوية يقول : إن أبا الدرداء من الفقهاء العلماء الذين يشفون من الداء.
حدثنا خلف بن قاسم ، قال: حدثنا أبو الميمون، قال: حدثنا أبو زرعة،
قال : حدثنا أبو مسهر ، قال حدثنا سعيد بن عبد العزيز ، قال: إن عمر أمّر
أبا الدرداء على القضاء بدمشق، قال: وكان القاضى يكون خليفةَ الأمير إذا غاب.
والصحيح أنه مات فى خلافة عثمان، وإنما ولى القضاء لمعاوية فى خلافة عثمان.
وروى أبو إدريس الخولانى ، عن يزيد بن عميرة، قال: لما حضَرَتْ
معاذ بن جبل الوفاة قيل له : يا أباعبد الرحمن ، أوصنا ، فقال: التمسوا العلم عند
◌ُوَيمر أبى الدرداء ، فإنه من الذين أوتوا العلم
وروى سفيان ، عن ثور ، عن خالد بن معدان ، قال : كان عبد الله بن
عمرو يقول : حَدّثونا عن العالمين العاملين : معاذ، وأبى الدرداء .
( م ١٤ - الاستيعاب ... رابع)

- ١٦٤٨ -
وروى من حديث ابن عيينة ، وحديث إسماعيل بن عياش أيضاً ، أنه قيل
لأبى الدرداء: ماَلَكَ لا تقول الشعر. وكلُّ لبيبٍ من الأنصار قال الشعر !
فقال: وأنا قد قلت شمرا. فقيل: وما هو ؟ فقال:
يُرِيدُ العَرْءِ أَن يُؤْنِى مُنَاهِ وَيَأْبِىَ اللهُ إلا ما أراها
يقول العَرْءِ فائدنى ومَالى وَيَقْوَى الله أَفضلُ ما استفادا
قيل : إنه استقضاه عمر بن الخطاب . وقيل: بل استقضاء معاوية . وتوفى
فى خلافة عثمان قبل قتل عثمان بسفتين . وقد تقدّم من خبره فى باب اسمه
ما فيه كِفَاية(١).
(٢٩٤١) أَبو دُرّة البلوى. فى صحبة، ذكره أبو سعيد بن يونس فيَمَنْ شهد فتح
مِصْر من الصحابة . وقال على بن الحسن بن قديد : رأيْتُ على باب داره:
هذه دار أبى دُرة البلوى صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وشرّفَ وَكرّم.
باب الذال
(٢٩٤٢) أبو ذؤيب الهذلى الشاعر. كان مسلما على عهد رسول الله صلى الله
عليه سلم، ولم يَرَه ولا خِلاَف أنه جاهلى إسلامى قيل: اسمه خويلد بن خالد
ابن محرّث بن زبيد بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحارث بن تميم بن سعد
ابن هذيل . وقال ابن الكلبى: هو خويلد بن محرّث ، من بني مازن بن سويد
ابن قيم من سعد بن هذيل .
ذكر محمد بن إسحاق بن يسار، قال : حدثنى أبو الآكام الهذلى ،
عن الهرماس بن صعصعة الهذلى ، عن أبيه - أن أبا ذؤيب الشاعر حدثه قال:
(١) من ١٢٢٧ - ٠١٢٢٠

- ١٦٤٩ -
بلغنا أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عليل، فاستشعرت حُزْنا وبِتَ بأَطْوَلِ
ليلة لا يَنْجَابُ وَيْجُورها (١)، ولا يطلع نورها ، فظلت أقاسى طولها حتى إذا كان
قَرْب السحر أغْفْيَتُ ، فهتف بی هاتف ، وهو يقول:
خطبٌ أَجَلَ أناخ بالإسلام بين النخيل ومعقد الآطامِ
قبض النبى محمد فيونُنا تذرى الدموعَ عليه بالتّشْجَام
قال أبو ذؤيب: فوثبْتُ مِنْ نومى فزعا، فنظرت إلى السماء، فلم أر إلاّ
سْد الذابح، فتقاءلت به ذَبْحًا يَقعُ فى العَرب، وعلمْتُ أنّ النبيّ صلى الله
عليه وسلم قد قَبِض ، وهو ميِّتٌ من عِلّته، فركبْتُ ناقتى وسرت . فلما أصبحت
طلبت شيئاً أزْجُرُ به ، فمنَّ شَيْهَم -يعنى القنفذ، وقد قبض على صيل - يعني الحية -
فهى تلتوى عليه، والشّيْهم يقضمها حتى أ كلها، فزجرت ذلك ، فقلت: الشيهم
شىء مهم، والتواء الصلّ التواء الناس عن الحق على القائم بَعْدَ رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، ثم أوَّلْتُ أَكْلَ الشيهم إياها غلبة(٢) القائم بعده على الأمر،
فثتُ ناقتى، حتى إذا كنتُ بالغاية فزجرت الطائر ، فأخبرنى بوفاته، ونصبغرابٌ
سامح. فنطق بمثْلِ ذلك؛ فتصوَّذْتُ بالله مِنْ شَرِّ ما عَنَّلى فى طريقى، وقدمْتُ
المدينة ولها ضجيج بالبكاء كضجيج الحاج إذا أهَلّوا بالإحرام. فقلت: مَة قالوا:
قُبض رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ، فيئت إلى المسجد فوجدتُهُ خاليا ، فأتيْتُ
بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأصبت بابه مُرْتَجًا، وقيل: هو مُسَجَى ،
وقد خلا به أهله . فقلت: أين الناس ؟ فقيل: فى سقيفة بني ساعدة؛ صاروا إلى
الأنصار. فيئت إلى السقيفة فأصبْتُ أبا بكر ، وعمر، وأبا عبيدة بن الجراح ،
وسالما، وجماعة من قريش ، ورأيت الأنصار فيهم : سعد بن عبادة بن دليم ،
(١) الديجور : الظلام.
(٢) فى ء : وغلبة .

- ١٦٥٠ -
وفيهم شعراء؛ وهم حسان بن ثابت ، وكعب بن مالك ، ومَلَأْ منهم ، فآويت
إلى قريش. وتكلّمت الأنصار فأطالوا الخطاب ، وأكثروا الصواب ، وتكلم
أبو بكر فلله درَّه مِنْ رجلٍ لا يطيل الكلام ، ويعلم مواضع فَصْلِ الخصام، واتِ
لقد تكلم بكلام لا يسمعه سامع إلا انقاد له ومال إليه . ثم تكلم عمر بعده بدون
كلامه ، ومَّ يده فبايعه وبايعوه ورجع أبو بكر ورجعت معه. قال أبو ذؤيب:
فشهدت الصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم ، وشهدت دَفْتَه صلى الله عليه وسلم ،
ثم أشد أبو ذؤيب يبكى النبيّ صلى الله عليه وسلم (١):
لما رأيْتُ الناسَ فى عسلاتهم ما بين مَلْحُودٍ له ومُفرح
نص الرقاب لفقد أبيض أروح
مُتَادِرِين لشرجع بأكفهم
جارَ المومِ يبيت غير مروح
فهناك صِرْتُ إلى الهموم ومَنْ يبت
وتزعزعت آطام بطن الأبطح
كُفّت لمصرعه النجوم وَبَدْرها
ونخيلها لحلول خَطْبٍ مفلح
وتزعزعت أجبال يثرب كلها
بمصابه وزجرت سَعْد الأذكج
ولقد زجرت الطير قبل وفاته
وزجرت أن نعب المشحج سانحا متقائلا فيه بفَأل الأفْبح
قال : ثم انصرف أبو ذؤيب إلى باديته ، فأقام بها . وتوفى أبو ذؤيب
فى خلافة عثمان بن عفان بطريق مكة قريبا منها، ودفنه ابن الزبير ، وغَزَا
أبو ذؤيب مع عبد الله بن الزبير إفريقية ومدحه . وقيل : إنه مات فى غَزْوَة
إفريقية بمصر منصرفا بالفتح مع ان الزبير ، فدفنه ابن الزبير ونفذ بالفتح وَحْدَه.
وقيل : إنَّ أبا ذؤيب مات غازيا بأرض الروم، ودُفن هناك، وإنه لا يُعلم لأحد
من المسلمين قبر وراء قبره. وكان عمر قد ندبه إلى الجهاد ، فلم يزل مجاهدا حتى
(١) ليس فى أشعار الهذليين .

- ١٦٥١ -
مات بعرض الروم ، قدّس الله روحه، ودفنه هناك ابنه أبو عبيد ، وعند موته
قال له :
أبا عبيد رُفع الكتاب واقترب المَوْعِدُ والحساب
فى أبيات. فال محمد بن سلام(١): قال أبو عمرو، وسئل حسان بن ثابت: مَنْ
أشعر الناس؟ فقال: حَيًّا أم رجلا؟ قالوا: دَيَّ. قال: هذيل أشعر الناس حيا .
قال محمد بن سلام: وأقول إن أشعر هديل أبو ذؤيب. وقال عمر بن شبة: تقدم
أبو ذؤيب على جميع شعراء هذيل بقصيدته العينية التى يرنى فيها بنيه وقال
الأصمعى: أبرع بيت قلته العرب بيت أبى ذؤيب (٣):
والنفس راغبةٌ إذا رغْتها وإذا تُرَدُّ إلى قليل تَقْنَع
وهذا البيت من شعره المفضل الذى يرى فيه بفيه ، وكانوا خمسة أُصيبوا
فى عام واحد ، وفيه حكم وشواهد ، وله حيث يقول(٢) :
أِنَ المنونِ وَرَبِّها تتوَجَّعُ والدهرُ ليس بُمْتِبٍ مَنْ يَجْزَعِ(٤)
منذ ابتذِلْتَ ومِنْلَ مَالِكَ ينفعٌ
قالت أمامة (٥): ما لجسمك شاحبا
إلا أقضَّ عليكَ ذاك المَضْجَعَ
أم ما ◌َجَنْبك لا يلائم مَضجعًا
أَوْدَى بِيَّ من البلاد فودَّعوا
فأجِبْتُها أنْ ما يجسمى (٦) أَنَّه
بعد الرُّقَادِ وَعِبْرَةً لا تُفْلِحُ
أودى بَبِىّ وأعقبونى حَسْرَةَ (١٧
كملت(٨) شَوْكٍ فعى عودى تَدْمع
فالعيْنُ بعدهم كانْ حِدَاتها
(١) صفحة ١١٠ من طبقات ان سلام.
(٢) صفحة ٤ من أشعار الهذليين.
(٣) صفحة ٤ من أشعار الهذلبين .
(٤) المنون الدهر ، والمية. معقب: راجع عما تكره إلى ما نحب.
(٥) فى الأثمار : أميمة .
(٦) فى الأشعار : مالجسمى.
(٧) فى الأعمار : غصة .
(٨) فى الأشعار: سملت ... فهى عود .

- ١٦٥٢-
فُتُخْرِّمُوا، ولكل جَغْبٍ مَصْرَع
سبقوا هواى(١) وأعْتقوا(٣) لهو اهمُ
وإِخَلُ أنى لاحِقْ مُنْتَتَعُ
فَبَرْتَ بعدهم بِيشٍ ناصب
فإِذا المنيةُ أقْبَتْ لا تُدْفَع
ولقد حَرِصْتُ بأن أدافع عنهم
ألفيْتَ كلَّ تميمةٍ لا تَنْفَعُ
وإذا المنية أنثبت أظفارَها
أنى لِرَيْبِ الدهر لا أُنضَعْضِعُ
وتجَدِى للمشامتين أُرِبِهُم
بصفا المشقر (٢) كلّ يوم ◌ُفْرِعُ
حتى كأنى للحوادث مَرّوَةٌ
جَوْنُ السحاب(٤) له جدائد أَرْبَعُ
والدهْرُ لا يَبْقَى على حَدَثَانِه
(٢٩٤٣) أبو ذُباب، والد عبد الله بن أبى ذباب. فه فى إسلامه خَبَرٌ ظريف حسن.
وكان شاعرا .
(٢٩٤٤) أبو ذَرّ الفقارى. ويقال أبو الفر. والأول أكْثَرُ وأشهر. واختلف
فى اسمه اختلافا كثيراً؛ فقيل جندب بن جُنادة، وهو أكثر وأصح ما قيل
فيه إن شاء الله تعالى. وقيل : بريرين عبد الله. وبرير بن جنادة. وبرير بن عِشْرِقة.
وقيل : برير بن جندب وقيل : جندب بن عبد الله. وقيل: جندب بن السكن .
والمشهور جندب بن جنادة بن قيس بن عمرو بن مليل بن صُعَير بن حرام بن
غفار . وقيل جندب بن سفيان بن جنادة بن عبيد بن الواقفة من الحرام بن غفار
ابن مليل بن ضمرة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار النفارى .
وأمه رَمْلة بنت الوقيعة ، من بنى غفار بن مليل أيضاً .
(١) الأشعار : هوى .
(٢) أعتقوا : أسرعوا .
(٣) المروة: حجر أبيض براق تفتدح منه النار. المشقر: سوق الطائف. وفى الأشعار:
بصنا المشرق .
(٤) فى أشعار: الهذليين جون السراة: وقال: يريد به حار الوحش. والجون الأسود.
والسراة : أعلى الظهر. والجدائد: أنته .

- ١٦٥٣-
كان من كبار الصحابة قديمَ الإسلام . يقال: أسلم بعد أربعة ، فكان
خامسا، ثم انصرف إلى بلاد قومه فأقام بها حتى قدم على النبيّ صلى الله عليه وسلم
المدينة ، وله فى إسلامه خَبَرٌ حسن يروى من حديث ابن عباس ، ومن حديث
عبد الله بن الصامت عنه .
فأما حديث ابن عباس فأخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن ،
قال : حدثنا أبو بكر محمد بن بكر بن داسة ، قال : حدثنا أبو داود سليمان بن
الأشعث ، قال حدثنا محمدبن حاتم بن ميمون، قال حدثنا عبدالرحمن بن مهدى ،
قال: حدثنا المثنى بن سعيد، عن أبى جمرة (١)، عن ابن عباس، قال: لما بلغ
أبا ذرّ مبعثُ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة قال لأخيه أنيس: ارْكَبْ إلى
هذا الوادى، واعْلَمْ لى علم هذا الرجل الذى يزعمُ أنه يأتيه الخَبَرُ من السماء،
واسمع من قوله، ثم اثنى. فانطلق الأخ حتى قدم مكة وسمع مِنْ قولِهِ ، ثم رجع
إلى أبى ذرّ فقال: رأيتُهُ يأمرُ بمكةَ بمكارم الأخلاق، وسمعْتُ منه كلاما
ما هو بالشعر. فقال: ما شَفَيْتَى فيما أردتُ، فَزْوَّدَ وحملَ شنَّةُ (٢) ه فيها ماء
حتى قدم مكة ، فأتى المسجد ، فالتمس النبيَّ صلى الله عليه وسلم وهو لا يعرفه ،
وكره أن يسأل عنه حتى أدركه الليل، فاضطجع. فرآه علىّ بن أبى طالب ،
فقال: كأنَّ الرجل غريب. قال: نعم. قال: انطلق إلى المنزل. فانطلقْتُ
معه لا يسألني عن شىء ولا أسأله . قال: فلما أصبحت من الغد رجعْتُ إلى
المسجد فبقيْتُ يومى حتى أمسيت، وسرت إلى مضجعى فَمَرَّ بى علىّ فقال:
أما آنَ للرجل أن يعرف منزله ! فأقامه وذهب به معه وما يسأل واحد منهما
(١) بالجيم المفتوحة والميم الساكنة (الخلاصة ).
(٢) الشنة : القربة الخلق الصغيرة .

- ١٦٥٤ -
صاحبَه عن شىء، حتى إذا كان اليوم الثالث فعل مثل ذلك فأقامه علىّ معه ،
ثم قال له : ألا تحدثى ما الذى أُقدمك هذا البلد؟ قال: إن أعطَّيْنَى عَهْدا
وميثاقا لِتُرْ شِدَنى فعلْتُ. ففعل، فأخبره علىّ رضى الله عنه أنه نهىٌّ وأنّ ما جاء
به حق، وأنه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فإذا أصبحت فاتبعنى، فإنى
إنّ رأيت شيئاً أخاف عليك قمْتُ كأبى أُرِيق الماء ، فإن مضيت اتبعنى،
حتى تدخل معى مدخلى. قال : فانطلقت أثّفوه حتى دخل على رسول الله
صلى الله عليه وسلم، ودخلت معه، وحَيّيْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بتحيّة
الإسلام ، فقلت: السلام عليك يا رسول الله، فكنت أوّلَ مَنْ حيّاه بتحية
الإسلام. فقال: وعليك السلام؛ مَنْ أَنْتَ؟ قلتُ: رجل من بنى غفار . فعرض
علىّ الإِسلام فأسلمت، وشهدْتُ أن لا إله إلا الله وأنّ محمداً رسول الله. فقال لى
رسول الله صلى الله عليه وسلم: ارجع إلى قومك فأخبرهم، واكْتُمْ أمْر ك
عن أهل مكة ، فإنى أخشاهم عليك. فقلت: والذى نفسى بيده لأصونَّ بها
بین ظهْرَانِهم .
تخرج حتى أتى المسجد فنادى بأعلى صوته أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد
أنّ محمدا رسول الله. فثار القومُ إليه فضربوه حتى أضجعوه، وأتى العباس
فأكَبَّ عليه وقال: وبلكم، ألئْتُم تعلمون أنه مِنْ غقار، وأنّ طريق تجارتكم
إلى الشام عليهم ؛ وأنقذه منهم، ثم عاد من الغد إلى مثلها، وثاروا إليه فضربوه ؛
فَأَ كَبَّ عليه العباس فأقذه ثم لحق بقومه، فكان هذا أوّل إسلام أبى ذر
رضی الله تعالى عنه
وأخبرنا عبد الله بن محمد، قال : حدثنا محمد بن بكر ، قال: حدثنا أبو داود
قال : حدثنا محمد بن سلمة المرادى، قال. حدثنا ابن وهب ، قال : حدثنى الليث