النص المفهرس
صفحات 21-40
المبحث السادس : مصادر الجرح والتعديل : أولاً : الكتب المؤلفة في الجرح والتعديل : كان علم مصطلح الحديث والرجال يُتداول شفهياً ، فلم يكن ثمة ما يجمع شتاته حتى قام الرَامَ هُرمزي بتصنيف كتاب في ذلك ، قال الحافظ ابن حجر : «فمن أوّل من صنف القاضي الرَّامَ هُرْمُزي في المحدِّث الفاصل ، ولكنه لم يستوعب»(١). وأما ما أُلٌف خصوصاً في قواعد الجرح والتعديل فكتبٌ نادرةٌ جداً، ولعل العلماء الأوائل اكتفوا بإيرادها بين أنواع علم المصطلح ، أو كمقدمات كمقدمة ابن أبي حاتم لكتابه "الجرح والتعديل". أو في ختام كتبهم كما فعل الترمذي بتقعيد للجرح والتعديل في كتابه العلل. وقد أفرد العلماء السابقون بعض مسائل الجرح والتعديل فألف السبكي رحمه الله رسالتين ، الأولى: قاعدة في الجرح والتعديل. والثانية : قاعدة في المؤرخين. وأجاب المنذري عن أسئلة في الجرح والتعديل جمعت فكان منها جزءٌ لطيفٌ. ثم جاء العلامة المحقق الجهبذ أبو الحسنات عبد الحي اللكنوي الهندي المتوفى سنة ١٣٠٤ هـ ، فأَلَّف كتاباً ضم قواعد الجرح والتعديل هو كتابه القيم: "الرفع والتكميل في الجرح والتعديل" ، ثم قام بشرح الكتاب والتعليق عليه العلامة المتفنن الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله تعالى. ثم ألف العلامة جمال الدين القاسمي رحمه الله رسالة صغيرة سماها "الجرح والتعديل" تناول فيها مسألة الجرح بالبدعة واختلاف المذاهب. ثم جاء أستاذنا الدكتور نور الدين عتر حفظه الله تعالى فألَّف كتاباً سمَّاه " أصول الجرح والتعديل وعلم الرجال" استوعب فيه تقريباً مسائل الجرح والتعديل ، ونظمها بأسلوب وترتيب جديد ، مقتصراً فيه على المهم من العلم. (١) انظر شرح النخبة ص٣٨. ١٨ ثانياً : الكتب المؤلفة في علم الرجال وطبقات الرُّواة ودرجاتهم وشؤونهم : بعد تدوين الحديث - المعتمدٍ على الرواة النقلة لهذا العلم الشريف - بدأ ظهور التآليف في الرجال وطبقاتهم ودرجاتهم ، وكل ما يتصل بأحوالهم مما له صلة بالراوية ، وتنوعت هذه المؤلفات حتى شملت الرَّاوي : في نفسه ، ومروياته ، وشيوخه وتلامذته ، وضبطه وعدالته ، وحضره وسفره ، وولادته ووفاته وطبقته ، حين تحمله وأدائه ، في حضره وسفره ، وسائر شؤونه التي يتصل بها أمر الرواية ، فظهرت كتب الرجال والجرح والتعديل والتاريخ والطبقات والسؤالات إلى غيرها من الكتب التي تتصل بعلم الرجال وأحوال الرواة. والكتب المؤلفة في هذا المجال كثيرة جداً ، منها التاريخ الكبير للبخاري ، والجرح والتعديل للرازي ، وأحوال الرجال للجوزجاني ، ومعرفة الثّقات للعجلي ، والثّقات وكتاب المجروحين لابن حِبَّان وكتاب الضعفاء والمتروكين للنسائي وابن الجوزي ، والضعفاء الكبير للعقيلي ، والكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي ، وسير أعلام النبلاء وميزان الاعتدال وديوان الضعفاء والمغني في الضعفاء للذهبي ، ولسان الميزان للحافظ ابن حجر ، وغيرها كثير ... وأُولى الكتب التي خُدمت هذه الخدمة هي الكتب الستة ، التي تعتبر أكثر كتب الحديث ذيوعاً وانتشاراً والتي عليها المعول في الغالب على مقبول السنة وصحيحها ، ومن هذه الكتب : الكمال في أسماء الرجال للمقدسي : هذبه المزي وزاد عليه في كتاب أسماه "تهذيب الكمال" ، ثم قام الحافظ ابن حجر بتهذيب "تهذيب الكمال" والزيادة عليه وأسماه "تهذيب التهذيب" ، وتكمن أهمية الكتاب في جمعه لأقوال أئمة الجرح والتعديل التي تناثرت في كتب كثيرة ، ثم قرَّب هذا التهذيب بكتاب أسماه "تقريب التهذيب" ، وهو كتاب غاية في الأهمية لطالب العلم(١)، لأنه سهَّل الوصول إلى درجة الرَّوي في التعديل والتجريح بكلمة واحدة ، فسهَّل بذلك لطلاب العلم معاناة دراسة أحوال الرّاوي ، وقد قسم كتابه إلى اثنتي عشرة طبقة ، اصطلح عليها في ديباجته للتقريب ، واختصر الكلام على الرَّوي بحيث لا تتجاوز سطراً واحداً ، فقال : «أحكم على كل شخص منهم بحكم يشمل أصحّ ما قيل فيه ، وأعدلَ ما وصف به ، بألخص عبارة ، وأخلص إشارة ، بحيث لا تزيد كل ترجمة على سطرٍ واحدٍ غالباً ، يجمع اسم الرجل واسم أبيه وجده ومنتهى أشهر نسبته ونسبه ، (١) انظر منهج النقد ص١٣٢. ١٩ وكنيته ولقبه ، مع ضبط ما يُشكل من ذلك بالحروف ، ثم صفته التي يختص بها من جرح وتعديل ، ثم التعريف بعصر كل راوٍ منهم ، بحيث يكون قائماً مقام ما حذفته من ذكر شيوخه والرُّواة عنه إلا من لا يؤمن لبسه»(١). فكان كتاباً بحق على غاية الإفادة والابتكار ، وعلى هذا فهو : "خلاصة ما توصل إليه الحافظ ابن حجر من أحكام على رواة الكتب الستة ، وما ألحق بها ، وعصارة فكرٍ متواصل في البحث والدراسة والتحقيق والتحرير مدة زادت على ستين عاماً من حياة رجل موسوعي ، يقظ ذكي ، يُعدُّ من أهل الاستقراء التَّام في الرجال ، ولذا فإن من تضييع الوقت ، وتحصيل الحاصل ، أن نتجاوز هذا العمل إلى غيره ، ونتخطى عمل الحافظ ابن حجر ، لنرجع إلى الوراء ، لنبحث من جديد في أحوال رواة أُشبعوا كلاماً وتحريراً(٢). (١) انظر التقريب ص٩٥. (٢) انظر دراسة الأسانيد للدكتور العاني ص٢٣. ٢٠ الباب الثاني الكنى والأنساب والألقاب والمبهمات قال علي بن المديني : «التفقه في معاني الحديث نصف العلم ، ومعرفة الرجال نصف العلم»(١). ومعرفة الرجال تبدأ بتمييز الراوي ، للتحقق من أعيان النَّقَّلة ، ومعرفة منْزلة كل منهم من جهة العدالة والأهلية للرواية ، ونفي اللبس ، وإظهار التدليس ، فالإسناد سلسلة من الرواة ، بعضهم من هو مذكور باسمه ، وآخر بكنيته ، وثالث بنسبته ، ورابع بلقبه ، وقد يكون مبهماً ، ولتمييز الراوي طريقتان : الأولى : سبر الأسانيد للوقوف على عين الراوي ، من خلال تمييز طبقته ، ومعرفة شيوخه وتلامذته ، وقد يعين المبهم في رواية أخرى تظهر من خلال السبر. الثانية : البحث عن الرواي في كتب الرجال ، وكذلك كتب الحديث التي بينت الرواة وميزتهم بأسمائهم وكناهم وألقابهم وأنسابهم ، وهناك بعض الكتب التي اهتمت بتعين المبهم من الرواة ، يأتي ذكرها في محلها. أولاً : الكُ ح نى معاً (٢): الكُ وِنْيَة معاً: بالضم والكسر واحدة الكُنى. وتطلق على ما جاء من الأسماء مضافاً إلى "أبو" أو "أم". ومجيء الراوي بكنيته في الإسناد كثير جداً ، ويأتي في الإسناد إما بلفظ الكنية مجرداً من قيد زائد ، كقول المحدث : (عن أبي الأحوص) ، أو بلفظ الكنية مع قيد زائد في التعريف ، كقول المحدث : (حدثنا أبو كريب محمد بن خلاد ، أو أبو بكر بن خلاد ، أو أبو اسحاق الهمداني ، أو أبو سعيد مولى بني هاشم). والصورة الثانية أسهل في الوقوف عليها من الصورة الأولى ، لما في القيد من فائدة التمييز. والذين يُذكرون من الرواة بالكني على أقسام : (١) انظر سير أعلام النبلاء ٤٧/١١-٤٨. (٢) انظر الباعث الحثيث - معرفة الأسامي والكنى - ٣٠/١، وتدريب الراوي ١٦٤/٢، ومقدمة ابن الصلاح ٧٣/١. ٢١ ١- من تكون كنيته اسمه : مثال: (أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي) أحد فقهاء المدينة السبعة. ٢- من اشتهر بكنيته ، ولا يُدْرَى إن كان له اسم غيرها أم لا: مثال: (أبو بكر بن نافع مولى ابن عمر) و (أبو بكر بن عياش). ٣- من اشتُهر بكنيته ، واختُلف باسمه : مثال : (أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم) فقيل في اسمه: (بُکیر) ، وقيل غير ذلك. ٤- من اشتهر بكنيته ، وله اسم معروف : مثال: (أبو عاصم النبيل) و (أبو العالية الرياحي). ٥- من ذكر بكنيته ، وهو مشهور باسمه : مثال : (أبو حفص عمر بن الخطاب). ويمكن تمييز الكنى بطريقين : ١- كتب الرجال : فكثير من كتب الرجال عقدت فصولاً في بيان کنی الرجال والنساء ، ومن هذه الكتب : ١) كتب التهذيب الثلاثة : تهذيب الكمال للمزي ، وتهذيب التهذيب ، وتقريب التهذيب لا بن حجر. (٢) كتاب الجرح والتعديل لابن أبي حاتم. ٢- كتب الكنى : ولأهمية هذا المبحث في علم الرجال ، أفردت كتب خاصة في الكنى ، ومن هذه الكتب : ١) الأسامي والكنى: للإمام أحمد بن حنبل (٢٤١). ٢) الكنى : للإمام البخاري (٢٥٦ هـ). (٣) الكنى والأسماء: للإمام مسلم بن الحجاج (٢٦١هـ). ٤) الكنى والأسماء : للحافظ أبي بشر الدولابي (٣١٠هـ). ٥) الاستغنا في معرفة المشهورين من حملة العلم بالكنى : للحافظ ابن عبد البر (٤٦٣ هـ). ٦) المقتنى في سرد الكنى : للإمام الذهبي (٧٤٨هـ). ٣- سبر الأسانید . ٢٢ ثانياً : الأنساب(١): النَّسَب : بالفتح ، واحد الأنساب ، والنُِّسبة : بكسر النون وضمها مثله. وهي : ما كان مضافاً إلى (ابن - ابنة - ابن أبي - ابن أم - ابن أخي ... ). وتختلف الأنساب عن النِّسبة ، فالنّسبة هي العزو إلى القبيلة أو البلد أو الصنعة ، وقد ألف أبو الحسن الشيباني كتاب "اللباب في تهذيب الأنساب" في بيان ذلك ، وألحقت هذا القسم بالألقاب في بحثنا هذا ، وأما النَّسب : فهو ما يعزى إلى الأب أو الجد بإضافة (ابن أو ابنة أو ابن أبي ... ) ، ويسمى في مصطلح الحديث برواية الأبناء ، وقد سماه الحافظ ابن حجر في التقريب "باب من نسب إلى أبيه أو أمه أو جده أو عمه ... ". ويقع النسب بإضافة ابن إلى : ١ - الأب : باسمه ، كقول المحدث : (حدثني ابن إسحاق) ، يعني محمداً صاحب السيرة ، أو بكنيته ، كقول المحدث : (عن ابن أبي ليلى) يعني عبد الرحمن ، أضيف إلى أبيه بكنية الأب. ٢ - الجد : كقول المحدث : (عن ابن جريج) يعني : عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج ، أضيف إلى جده المباشر ، و(عن ابن شهاب) يعني : محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري ، أضيف إلى جد أعلى. ٣- الأم : كقول المحدث : (حدثنا ابن علية) يعني إسماعيل بن إبراهيم الأسدي. ٤ - العم : كقول المحدث : (حدثنا ابن أخي وهب) ، يعني : أحمد بن عبد الرحمن بن وهب. ثالثاً : الألقاب : اللقب : ما أشعر بمدح أو ذم ، وهو أن يُدعى الإنسان بغير اسمه من الأوصاف التي تلحقه لسبب وقد ألحقت ما نسب إلى البلد أو القبيلة أو الصنعة إلى الألقاب ، للأسباب التالية : ١- لندرتها في المخطوط. (١) انظر التقريب - قسم الكنى وما بعده. ٢٣ ٢ - حتى لا تُشْكِل مع الأنساب من حيث العنوان، التي هي: ما أضيف إلى ابن أو ابنة ... الخ. ٣- حتى لا تُشْكِل مع الألقاب، بسبب التشابه البين بين النِّسبة واللقب. وقد أصبحت هذه الألقاب بمنزلة الاسم ، فلا يتصور ذكرها على سبيل الانتقاص أو غيره إن كانت مما يشعر بذم ، قال أبو بكر الأثرم : سمعت أحمد بن حنبل ، سئل عن الرجل يعرف بلقبه؟ فقال : (إذا لم يعرف إلا به جاز). ثم قال : «الأعمش إنما يعرفه الناس بهذا». قال ابن كثير : «وفائدة التنبيه على ذلك أن لا يُظَنَّ أن هذا اللقب لغير صاحب الاسم)(١). وقال السيوطي في تدريب الراوي : (وهي كثيرة، ومن لا يعرفها قد يظنها أسامي، فيجعل من ذكر باسمه في موضع وبلقبه في آخر شخصين ، كما وقع ذلك لجماعة من أكابر الحفاظ، منهم ابن المديني ، فرقوا بين عبد الله بن أبي صالح، أخي سهيل، وبين عباد بن أبي صالح ، فجعلوهما اثنين ، وإنما عباد ، لقب لعبد الله ، لا أخ له ، باتفاق الأئمة ، وألف فيه جماعة من الحفاظ، منهم أبو بكر الشيرازي ، وأبو الفضل الفلكي، وأبو الوليد الدباغ، وأبو الفرج ابن الجوزي، وآخرهم شيخ الإسلام أبو الفضل ابن حجر، وتأليفه أحسنها وأخصرها وأجمعها)(٢). ومن الكتب المؤلفة خصيصاً في الألقاب : ١ - الألقاب لأبي الفضل ابن الفلكي. ٢ - الألقاب لأبي الفرج ابن الجوزي. ٣- الألقاب للشيرازي. ٤ - ألقاب الصحابة والتابعين في المسندين الصحيحين ، للجياني الأندلسي. ٥- توضيح المشتبه في ضبط أسماء الرواة وأنسابهم وألقابهم وكناهم ، لابن ناصر القيسي. ٦ - فتح الباب في الكنى والألقاب لابن منده. ٧ - نزهة الألباب في الألقاب ، لابن حجر العسقلاني. (١) انظر الباعث الحثيث لأحمد محمد شاكر ٣١/١. (٢) انظر تدريب الراوي ١٧٦/٢. ٢٤ رابعاً : المبهمات : المبهمات : من أبهم ذكره في الحديث من الرجال والنساء(١). والمبهم قد يرد في المتن ، وقد يرد في السند ، وما نحن بصدده ما ورد مبهماً في السند ، ومعرفة هذا النوع غاية في الأهمية ، لأنه يتوقف على معرفةِ اسمه معرفةُ حاله ، وبالتالي معرفة صحة الحديث من ضعفه ، قال ابن حجر : «ولا يقبل حديث المبهم ما لم يسم ، لأن شرط قبول الخبر عدالة راويه ، ومن أهم اسمه لا تعرف عينه ، فكيف تعرف عدالته»(٢)، والمبهم على أقسام ، منها أو أهمها : ١ - ما قيل فيه (رجل) أو (امرأة). ٢ - ما قيل فيه (ابن فلان) أو (ابن الفلاني) أو (ابنة فلان) أو نحو ذلك. ٣- العم والعمة ونحوهما. ٤ - الزوج والزوجة. والمبهم إذا جاء في طبقة الصحابة فلا يضر ، لأن الصحابة كلهم عدول ، وإن كان المبهم فيمن دون الصحابة ، فإن السند يُتَوَقَّف فيه ، ولا يُحكم بصحته حتى يُعلم حال ذلك الراوي ، ولتعيين المبهم طريقان هما : ١- سبر الأسانيد : بأن يرد مسمى في رواية أخرى. ٢- كتب الرجال : بأن يعينه أحد الأئمة ، ولهذا عقدت كتب خاصة في علم المبهمات. ومن الكتب المؤلفة في هذا المجال : ١- الغوامض والمبهمات ، لعبد الغني بن سعيد الأزدي. ٢- الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة للخطيب البغدادي. ٣- المستفاد من مبهمات المتن والإسناد لأبي زرعة العراقي. ٤ - إيضاح الإشكال في من أبهم اسمه من الرجال والنساء ، لابن طاهر. ٥- الإشارات إلى بيان الأسماء المبهمات ، للنووي. (١) مقدمة ابن الصلاح ٨٤/١، وفتح المغيث ١٠٣/٣. (٢) نزهة النظر لابن حجر ٢٦/١. ٢٥ الباب الثالث الإمام الطحاوي - حياته - نشأته - مؤلفاته أولاً : اسمه ونسبه ونسبته : هو الإمام أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن سَلَمَة بن عبد الملك الأزدي الحَجْري ، المصري الحنفي الطَّحاوي(١). والطَّحاوي : نسبةً إلى قرية طحا في شمالي صعيد مصر ، غربي النيل(٢). والأَزْدي: نسبة إلى حجر الأَزْد، من قبائل اليمن ، ويقال لها: (أَزْدُ الحَجْر) تمييزاً لها عن أزد شنوءة وغيرها. والحَجْري : بفتح الحاء المهملة وسكون الجيم ، نسبة إلى بطن من بطون الأزد ، وهم بنو الحجر ابن عمران بن عمرو بن عامر(٣). ثانياً : مولده ووفاته : ولد الإمام الطحاوي سنة (٢٣٩هـ)، كما ذكره "القرشي" في "الجواهر المضيئة"، نقلاً عن ابن يونس والسمعاني في "الأنساب" وابن عساكر في "تاريخ دمشق" ، وقال : «ذكر بعض أهل العلم أن مولد أبي جعفر ليلة الأحد لعشر ليال خلون من شهر ربيع الأول ، سنة تسع وثلاثين ومئتين» (٤). وقيل سنة (٢٤٠هـ) كما ذكره الربعي في مولد العلماء(٥). وتوفي رحمه الله سنة (٣٢١هـ). (١) انظر البداية والنهاية لابن كثير ١٩٨/١١، والجواهر المضية ص١٠٢. (٢) انظر معجم البلدان ٢٢/٤. (٣) انظر لب اللباب ص٨٨، والجواهر المضية ص ١٠٢. (٤) انظر تاريخ دمشق ٣٦٨/٥. (٥) انظر مولد العلماء ووفياتهم ٥٢٧/٢. ٢٦ ثالثاً : نشأته العلمية : تتلمذ الطَّحاوي أول ما تتلمذ على والدته الفقيهة العالمة الفاضلة ، وهي أخت الإمام المزني صاحب الإمام الشافعي رحمهم الله تعالى أجمعين ، وقد كانت معروفةً بالعلم والفقه والصلاح ، ذكرها السيوطي في "حسن المحاضرة" ، ضمن من كان بمصر من الفقهاء الشافعية ، فقال : «أخت المزني : كانت تحضر مجالس الشافعي ، ونقل عنها الرَّافعيُّ في الزكاة، وذكرها السُّبكيُّ والإِسنويُّ في الطبقات»(١). ثم التحق بحلقة أبي زكريا يحيى بن محمد بن عَمْروس ، التي تلقّى فيها مبادئ القراءة والكتابة ، ثم استظهر القرآن الكريم. ثم ذهب إلى حيث ملتقى العلم والعلماء ، ومجمع الفقهاء والمحدثين ، فجلس في حلقة خاله المزني ، التي كان يعقدها في بيته ، فاستمع إلى سنن الإمام الشافعي رحمه الله ، وإلى علم الحديث ورجاله ، ولازم خاله كذلك في حلقته المسائية التي كانت تعقد للفقه ، وتعنى على الأخص بفقه الإمام الشافعي مع موازنته بأقوال الفقهاء وأدلتهم(٢). رابعاً : مذهبه الفقهي : كان الطحاوي رحمه الله يذهب مذهب الشافعي في الفقه ، ثم تحول إلى مذهب أبي حنيفة النعمان يقول ابن خلكان : قال الطحاوي : «أول من كتبت عنه المزني ، وأخذت بقول الشافعى ، فلما كان بعد سنين ، قدم إلينا أحمد بن أبي عمران قاضياً على مصر ، فصحبته وأخذت بقوله - وكان يتفقه على مذهب الكوفيين - وتركت قولي الأول)(٣). خامساً : رحلاته العلمية : للرحلات العلمية أهميتها في الاستزادة من العلوم ، والتوثق من المتون ، وقد ألف الإمام الخطيب البغدادي كتاباً في الرحلة ، مبيناً أهميتها في حياة العلماء النبغاء ، وقل ما تجد عالماً جهبذاً لم يقم برحلات في (١) انظر حسن المحاضرة ١٦٧/١. (٢) انظر سيرة الطحاوي ص٧٣- ٧٤. (٣) انظر الجواهر المضية ص١٠٢، وطبقات السبكي ٩٣/٢. ٢٧ الشرق والغرب ، بحثاً عن العلم ، وطلباً لعلو السند ، وتوثقاً من العلوم ، وقد سأل عبد الله بن أحمد ابن حنبل أباه : هل ترى لطالب العلم أن يلزم رجلاً عنده علم فيكتب عنه ؟ أو يرحل إلى المواضع التي فيها العلماء فيسمع منهم؟ قال : يرحل ويكتب عن الكوفيين والبصريين وأهل المدينة ومكة ، يُشاُّ الناسَ ويسمع منهم». وقال الخطيب أيضاً : «المقصود في الرحلة في طلب الحديث أمران : أحدهما : تحصيل علوّ الإِسناد ، وقدم السماع. والثاني : لقاء الحفاظ والمذاكرة لهم والاستفادة عنهم ، فإذا كان الأمران موجودين في بلد الطالب ، ومعدومين في غيره ، فلا فائدة في الرحلة والاقتصار على ما في البلد أولى)(١). وقد ارتحل الإِمام الطَّحاوي - رحمه الله - إلى الشَّام ، ماراً ببيت المقدس وغزة وعسقلان ودمشق ، ولقي علماءها ، واستفاد منهم وأفادهم، وذلك في رحلته إلى قاضي الشام (أبي خازم عبد الحميد بن جعفر) ، وأمضى في هذه الرحلة عاماً كاملاً ، عاد منها إلى مصر سنة (٢٦٩هـ). وقد كانت مصر في عهد الإمام الطحاوي كعبة العلم ، ووجهة الفقهاء ، ولذلك يعود السبب في قلة ارتحال الطحاوي حواضر الثقافة الإسلامية آنذاك ، فقد وجد بغيته من العلم في مصر ، ولم يكن ثمة حاجةٌ للارتحال بعد ذلك في الطلب(٢). وقال الكوثري : «من اطّلع على تراجم شيوخ الطَّحاوي ، عَلِم أن بينهم مصريين ، ومغاربة ، ويمنيين ، وكوفيين ، وحجازيين ، وشاميين ، وخرسانيين ، ومن سائر الأقطار ، وقد تنقل في البلدان المصرية وغيرها ، وكان شديد الملازمة لكل قادمٍ إلى مصر من أهل العلم ، حتى جمع إلى علمه ما عندهم من العلوم ، وخرج إلى الشام فسمع ببيت المقدس وغزة وعسقلان ، وتفقه بدمشق على القاضي أبي خازم ... ، وكان يتردد إلى القضاة الواردين إلى مصر ، يستقي ما عندهم من العلوم حتى أصبح واحد عصره في تحقيق المسائل ، وتدقيق الدلائل ، بحيث يرتحل إليه أهل العلم من شتى الأقطار ، ليستمتعوا بغزير علومه على اختلاف مسالكهم ومذاهبهم ، وكانوا يتعجبون جداً من سعة دائرة استبحاره في شتى العلوم)(٣). (١) انظر الرحلة في طلب العلم ص٨٨. (٢) انظر حياة الطحاوي - د.نذير - ص٩٤. (٣) انظر الحاوي ١٨ -١٩. ٢٨ سادساً : أقوال العلماء ، وثناؤهم عليه : لقد أشاد العلماء بفقه وعلم الإمام الطحاوي ، فكثرت أقوالهم في مدحه والثناء عليه ، فقال أبو سعيد بن يونس : «كان الطَّحاوي ثقةً ثبتاً فقيهاً عاقلاً ، لم يخلُف مثله». وقال مسلمة القرطبي : «ثقة ، جليل القدر ، فقيه البلدان ، عالمٌ باختلاف العلماء ، بصيرٌ بالتصنيف وكان يذهب مذهب أبي حنيفة»(١). وقال ابن عبد البر : «كان الطَّحاوي كوفي المذهب ، وكان عالماً بجميع مذاهب الفقهاء»(٢). وقال ابن الجوزي : «ثبتٌ فهم ، فقيه عاقل). وقال سبطه في مرآة الزمان : اتفق العلماء على فضله وصدقه وزهده وورعه»(٣). وقال الذهبي : «الفقيه المحدث الحافظ ، أحد الأعلام ، وكان ثقة ثبتاً فقيهاً عاقلاً». وقال ابن كثير : «الفقيه الحنفي صاحب المصنفات المفيدة ، والفوائد الغزيرة ، وهو أحد الثّقات الأثبات والحفاظ الجهابذة ، وهو ابن أخت المزني، بَرَعَ وَفَأْقَ أهل زمانه»(٤). وقال العيني : «مجمعٌ عليه في ثقته وديانته وأمانته ، وفضيلته التامة ، ويده الطولى في الحديث وعلله وناسخه ومنسوخه ، ولقد أثنى عليه السلف والخلف»(٥). وقال السيوطي : «الإمام العلامة الحافظ ، صاحب التصانيف البديعة ، وكان ثقة ثبتاً فقيهاً ، لم يخلف بعده مثله»(٦). (١) انظر لسان الميزان ٦٢١/١. (٢) المصدر السابق ٦٢٢/١. (٣) انظر الحاوي ص ١٢. (٤) انظر البداية والنهاية ١٩٨/١١. (٥) انظر الحاوي ص ١٢. (٦) انظر المصدر نفسه. ٢٩ سابعاً : كلام العلماء ، ونقدهم على الطحاوي : مع ما ذكرناه من كلام العلماء مدحاً وثناء في الإمام الطحاوي ، إلا أنَّ بعض العلماء قد تكلموا قدحاً في الإمام الطحاوي ، ومنهجه في التصحيح والتضعيف ، وكذلك في الانتصار لمذهبه ، ولبيان حقيقة تلك الأقوال ، وإنصاف القائل والمقول عليه ، نسرد تلك الأقوال وردود العلماء عليها : قال الإمام البيهقي رحمه الله : (وحين شرعت في هذا الكتاب ، بعث إليَّ بعض إخواني من أهل العلم بالحديث بكتابٍ لأبي جعفر الطَّحاوي ، فكم من حديث ضعيف فيه صحّحه لأجل رأيه ، وكم من حديث صحيح ضعَّفه لأجل رأيه»(١). وقال الإمام ابن العربي المالكي رحمه الله : (وأما الطَّحاوي فتكلم عليه - على مختلف الحديث - في ألفٍ وخمسمائة ورقة ، قرأناه بالثغر المحروس ، فأجاد فيما يتعلق بالفقه الذي كان بابه ، وكان منه التقصير في غيره)(٢). وقال ابن تيمية رحمه الله في منهج الإمام الطحاوي : «ليست عادته نقد الحديث كنقد أهل العلم ، ولهذا روى في شرح معاني الآثار الأحاديث المختلفة ، وإنما رجح ما يرجحه منها في الغالب من جهة القياس الذي رآه حجة ، ويكون أكثره مجروحاً من جهة الإسناد ولا يثبت ، فإنه لم يكن له معرفة بالإسناد كمعرفة أهل العلم به ، وإن كان كثير الحديث فقيهاً عالماً)(٣). كما عَّض الحافظ ابن رجب الحنبلي بالإمام الطحاوي ، فقال : «والطّحاوي من أكثر الناس دعوى لترك العمل بأحاديث كثيرة» (٤). وقد رد الحافظ القرشي على قول البيهقي ، فقال : «وحاشا لله أن يقع الطَّحاوي في هذا ، فهذا الكتاب الذي أشار إليه ، هو الكتاب المعروف بمعاني الآثار ، ووالله لم أرَ في هذا الكتاب شيئاً مما ذكره البيهقي عن الطَّحاوي ، ثم نقل عن شيخه أنه وضع كتاباً عظيماً نفيساً على كتاب السنن الكبرى للبيهقي ، وبيَّن فيه (١) انظر معرفة السنن والآثار ٢١٩/١. (٢) انظر حياة الطحاوي ص١٤٢، وعزاه لكتاب ابن العربي القبس ص٧٦. (٣) انظر منهاج السنة ١٩٦/٨. (٤) انظر شرح علل الترمذي ٢٩/١. ٣٠ أنواعاً مما ارتكبه من ذلك النوع الذي رمى به البيهقيُّ الطَّحاويَّ ، فيذكر حديثاً لمذهبه ، وفي سنده ضعيف فيوثقه ، ويذكر حديثاً على مذهبنا ، وفيه ذلك الرجل الذي وثقه فيضعفه»(١). وأما قول الحافظ ابن رجب في الطَّحاوي من أنه كثير الدعوى لترك العمل في الحديث ، فقد أجاب عنه فضيلة الدكتور نور الدين عتر حفظه الله ، بقوله : (يجاب عن هذا بأجوبةٍ ، منها : ١- أن يكون النقل عن الطَّحاوي معتمداً من مرجع غير موثوق به. ٢ - أن تكون عبارة الإجماع على غير معناها الاصطلاحي عند الأصوليين، بل يستعملها على معنى إجماع خاصٍ هو اتفاق أئمة فقهاء الحنفية ، ويقع مثل هذا التعبير في كتب المذهب الحنفي. ٣- أن تكون عبارة الطَّحاوي موهمةً للإجماع ، وليست نصاً فيه ، مثل قوله : اتفق العلماء ، أو : لا أعلم أحداً من العلماءِ عمل بهذا)(٢). وقال الإمام الذهبي رحمه الله تعالى عن الطَّحاوي : (من نظر في تواليف هذا الإمام علم محلّه من العلم وسعة معارفه». وعلَّق على ذلك الشيخ شعيب الأرناؤوط: (وهذه الشهادة من مؤرخ الإسلام الذهبي وغيره من الأئمة في حق الإمام الطَّحاوي ، تدلُّ على أن ما جاء في مقدمة " معرفة السنن والآثار" لأحمد صقر من نبز وطعن ، إنما كان بدافع التعصب والحقد والجهل ، ولا يتسع المجال هنا لإيراد ما قاله في حق هذا الإمام وكشف عواره ، وبيان وهنه ، ودحض مفترياته ، وكان يجدر به وهو يحقق كتاباً في السنة النبوية ، أن يأتسي بأئمة الجرح والتعديل في توخيهم الدقة والتمحيص والصدق والعدل في ما يُصْدِرون من آراء في حق أهل العلم)(٣). ثامناً : شيوخه ، وتلامذته : أخذ الإمام الطحاوي عن كثير من علماء زمانه ، خصوصاً في علم الحديث ، فقد تجلى كثرة شيوخه في كتابي معاني الآثار ومشكل الآثار ، ومن هؤلاء العلماء : ١ - عبد الغني بن رفاعة. ٢ - هارون بن سعيد الأیل. (١) انظر الجواهر المضية ص ٤٣٢. (٢) انظر شرح علل الترمذي ٢٩/١. (٣) انظر سير أعلام النبلاء ٣٠/١٥. ٣١ ٣- يونس بن عبد الأعلى. ٤ - بحر بن نصر الخولاني. ٥- محمد بن عبد الله بن عبد الحكيم. ٦ - الربيع بن سليمان المرادي. ٧- مقدام بن داود الرعيني. ٨- محمد بن عقيل الفريابي. وغيرهم كثير مما يطول حصره في هذا الباب. وأما تلامذته فقد كثروا خصوصاً في علم الحديث الشريف ، وتنوعوا من أقطار عربية ، من دمشق ومصر ، وغيرها من البلدان التي ارتحل إليها الطحاوي رحمه الله ، ومن هؤلاء : ١ - يوسف بن القاسم الميانجي. ٢ - أبو القاسم الطبراني. ٣ - محمد بن بكر بن مطروح. ٤ - أحمد بن القاسم الخشاب. ٥- أحمد بن عبد الوارث الحجاج. ٦ - عبد العزيز بن محمد الجوهري. ٧ - محمد بن أحمد الإخميمي. ٨- محمد بن الحسن بن عمر التنوخي. وغيرهم كثير ... تاسعاً : كتبه وآثاره : قال المظاهري في مقدمة "أماني الأحبار" : «تصانيف الإمام أبي جعفر الطَّحاوي في غاية الحسن والجمع والتحقيق وكثرة الفوائد ، قَبِلها العلماء المحققون ، والفقهاء المدققون ، وكانت عناية المتقدمين بكتبه أكثر من المتأخرين ، فلهذا لم يطبع من كتبه إلا قلائل). ٣٢ مؤلفات الإمام الطحاوي الموجودة : ١- أحكام القرآن الكريم : وُجِد قِسمٌ من مخطوطة هذا الكتاب مؤخراً في مكتبة "وزير كبرى" برقم : (٨١٤) ببلدة "وزير كبرى" شمال "تركية" ، عثر عليه الدكتور سعد الدين أونال ، وعمل على تحقيقه ، وقال الشيخ الكوثري : «ويقع هذا الكتاب في عشرين جزءاً(١). ٢- التسوية بين حدثنا وأخبرنا : وقد طُبع هذا الكتاب بتحقيق الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله تعالى ، ضمن كتابه : خمس رسائل في مصطلح الحديث ، طبعته دار البشائر. وتقع الرسالة لوحدها في ٣٥ صفحة ، وقد قدم لها بمقدمة ضافية جداً بلغت ٢١ صفحة. ٣- الجامع الكبير في الشروط : طُبع جزءٌ منه قديماً ، أشرف على تحقيقه وطباعته الدكتور يوسف شاخت ، في مجمع "هايدلبرج" العلمي (١٩٢٦ - ١٩٢٧) برقم (ر٥٠٤). ٤- السنن المأثورة : طُبع عدة طبعات ، منها طبعة بتحقيق الدكتور خليل مُلا خاطر ، كما طبعته دار المعرفة بتحقيق الدكتور عبد المعطي القلعجي ، عام ١٩٨٦م، ويقع في (٥٢٠) صفحة. ٥- شرح معاني الآثار : وهو أول مصنفاته كما قال القاري ، وقد طُبع عدة طبعات ، منها طبعة هندية اعتمد عليها الأعظمي ، وهي طبعة "لكنو" (١٣٠٠ - ١٣٠٢هـ)، والطبعة الثانية: في القاهرة بتحقيق محمد النجار ، ومحمد جاد الحق ، سنة (١٩٧٩م) في أربع مجلدات ، وصُوّر عنها في عالم الكتب ، واعتنى بها الدكتور يوسف مرعشلي، وأضاف إليها جزءاً كاملاً ضمَّنه عدة فهارس ، وأدخل فيها تصويبات "المظاهري" في كتابه "الأغلاط الكتابية الواقعة في النسخ الطَّحاوية". ٦- صحيح الآثار: وما يزال هذا الكتاب مخطوطاً بمكتبة "بانته" برقم (٥٤٨)، أشار لذلك الشيخ الكوثري(٢). ٧- الشروط الصغير : وهو ذاته مختصر الشروط الذي ذكره الكوثري في المقالات (ص ٥٨٠) ، وقد حققه الدكتور "روحي أوزجان" ، ونشرته - في جزأين - رئاسة ديوان الأوقاف ، إحياء التراث الإسلامي بالعراق عام (١٣٩٤هـ)، وقد طبع مُذَيَّلاً عليه ما عُثِر عليه من الشروط الكبير. (١) انظر الحاوي ص ٣٥، ومقالات الكوثري ص ٥٨٠. (٢) انظر الحاوي ص٣٧، قال الشيخ شعيب الأرناؤوط في تحقيقه للمشكل : وأظنه شرح معاني الآثار أو المشكل ، إذ لم يذكره أحد ممن ترجم له في مؤلفاته ، ولعل بروكلمان وهم فيه ، والله أعلم. تحقيق مشكل الآثار ١٠٠/١. ٣٣ ٨- بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة : وهو الكتاب الذي اشتهر فيما بعد باسم "العقيدة الطَّحاوية" وقد طُبع عدة مرات ، وعليه عدة شروح. ٩- مختصر الطَّحاوي (الأوسط): وهو كتاب مختصر في الفقه ، شامل لكل أبواب الفقه ، سهل العبارة ، غزير الفائدة ، نشرته لجنة إحياء المعارف النعمانية في الهند بتحقيق أبي الوفاء الأفغاني ، وصور عنها في بیروت ، في دار إحياء العلوم عام (١٩٨٦م) ، ويقع في ٤٧٨ صفحة. ١٠- مشكل الآثار: وهو آخر مصنفاته كما أُشيرَ إلى ذلك في مقدمة أماني الأحبار (١)، طُبع في الهند في أربع مجلدات، ثم أعيد صفُّهُ في دار "الكتب العلمية" بدون أي زيادة على ما في الهندية ، مع سلخ كل تعليقات محمد الحسن النعماني التي على الهندية ، ونسْبِها لمحمد عبد السلام شاهين ، مع محو البياضات الكثيرة التي كانت في الهندية ، ووصل الكلام مع بعضه ، لتبدو نسخة جيدة ، وفي هذا الفعل الشنيع ما فيه من قلة الأمانة ، وارتفاع العلم وثبوت الجهل ، وهاتان الطبعتان ناقصتان بما يزيد عن نصف الكتاب ، وقد أشار لذلك الكوثري في الحاوي ، وتنبه لذلك الشيخ شعيب الأرناؤوط فسعى بتحقيقه كاملاً ، وأصدره في ستة عشر مجلداً ، مع دراسة موسعة ، طبعته مؤسسة الرسالة. مؤلفات الإمام الطحاوي المفقودة : ١ - أحكام القِران ( بكسر القاف ) أشار له د. عبد الله نذير أحمد(٢). ٢ - أخبار أبي حنيفة وأصحابه (أو مناقب أبي حنيفة) (٣). ٣ - اختلاف الروايات على مذهب الكوفيين ، ويقع في جزأين(٤). ٤- كتاب الأشربة ، كما في الحاوي(٥). ٥- التاريخ الكبير ، ونقل منه القرشي في الجواهر المضية(٦)، وكذلك غيره من الأئمة(٧). (١) انظر مقدمة أماني الأحبار ص٥٢. (٢) انظر حياة الطحاوي ص٢٠٦ . (٣) انظر الحاوي ص٣٧ ، ومقالات الكوثري ص٥٨٣. (٤) انظر مقالات الكوثري ص ٥٨١. (٥) انظر الحاوي ص٣٦. (٦) انظر الجواهر المضية ١٦٨/١. (٧) انظر مقالات الكوثري ص٥٨٣. ٣٤ ٦ - الحكايات والنوادر(١). ٧ - حكم أرض مكة في جزء(٢). ٨- الرد على أبي عبيد فيما أخطأ فيه من كتاب النسب(٣) ٩ - الرد على الكرابيسي (نقض كتاب المدلسين للكرابيسي)، ويقع في خمسة أجزاء (٤). ١٠ - الرد على عيسى بن أبان ( خطأ الكتب ) ، يقع في جزأين(٥). ١١- كتاب الرزية ، أشار له الكوثري في المقالات(٦). ١٢ - شرح الجامع الصغير لمحمد بن الحسن الشيباني(٧). ١٣ - الشروط الأوسط (٨). ١٤ - النحل وأحكامها وأجناسها وما ورد فيها من خير، في نحو من أربعين جزءاً(٩). ١٥ - النوادر الفقهية ، يقع في عشرة أجزاء(١٠). ١٦ - اختلاف علماء الأمصار: يقع في (١٣٠) جزءاً كما في الحاوي والمقالات(١١). ١٧- كتاب العزل ، أشار له القاري والقرشي في الجواهر المضية (١٢). (١) المصدر السابق ص ٥٨٠. (٢) المصدر نفسه. (٣) المصدر السابق ص٥٨١. (٤) المصدر نفسه. (٥) المصدر نفسه. (٦) المصدر السابق ص٥٨٢. (٧) المصدر السابق ص٥٨٣. (٨) المصدر السابق ص ٥٨٠. (٩) المصدر نفسه. (١٠) المصدر نفسه. (١١) انظر الحاوي في سيرة الطحاوي ص٣٤، ومقالات الكوثري ص ٥٨٠. (١٢) انظر مقدمة أماني الأحبار ص٥٥. ٣٥ الباب الرابع دراسة كتابي معاني الآثار ومشكل الآثار المبحث الأول : كتاب معاني الآثار : كتاب "معاني الآثار" من أول الكتب التي قام بتأليفها الإمام الطحاوي رحمه الله كما قال الإمام القاري ، وكانت لهذا الكتاب شهرته على غيره من الكتب ، بسبب كثرة فوائده ، ودقة محتواه ، وقد عُرِفٍ الإمام الطحاوي بهذا الكتاب ، حتى صار يقال : الطحاوي صاحب المعاني. أولاً : عنوان الكتاب : أجلى الشيخ "عبد الفتاح أبو غدَّة" حقيقة عنوان الكتاب ، واسمه الكامل ، فقال : «معاني الآثار ، أو شرح معاني الآثار ، هكذا شاع اسم هذا الكتاب ، وهو الاسم المثبت على النسخة المطبوعة بالهند ثم بمصر عنها ، وفيه اختصارٌ غَيَّبَ ذكرَ مزيةِ هذا الكتاب في مضمونه ومحتواه ، وقد رأيت اسمه تامَّاً مشكولاً هكذا (شَرْحُ معاني الآثارِ المُخْتَلِفَةِ المأثورة) ، رأيته عام (١٣٨٣ هـ) في الجزء الثاني من النسخة ذات الجزأين ، المحفوظة في المكتبة المحمودية بالمدينة المنورة ، ورقمها فيها (١٤١٣هـ) ... والنسخة المخطوطة المذكورة قرأها طائفة من العلماء الأَجِلَّة ، منهم أبو حامد أحمد بن الضِّياء الحنفي المكي ، قرأها على الشيخ "سراج الدين" قارئ "الهداية" في الجامع المؤيدي سنة (٨٢٢ هـ)، وقرأها أخوه أبو البقاء محمد بن أحمد بن الضياء الحنفي المكي على الشيخ أبي طاهر الربعي المعروف "بابن الكُوَيْك" الشافعي عام (٨١٥هـ)، وعليها سماعُ جماعةٍ من العلماء، قرأها على شيخ الإسلام القاضي زكريا سنة (٩٠٩ هـ)، وهي نسخة نظيفة الخط ، واضحةُ الضَّبط ، لعلها كُتِبَت في القرن السادس أو قبله ، وجاء اسم الكتاب في داخله في عبارة المؤلف (١٨٩/٢) من طبعة الهند المصطفائية، و(٣١٩/٣) من طبعة القاهرة ، في كتاب الحجة في فتح النبي ◌ُ مكة عنوة، هكذا: (شرح معاني الآثار المختلفة المروية عن رسول الله ﴿ في الأحكام). وهذان الاسمان - لا سيما الثاني - كاشفان لموضوع الكتاب ومضمونه وما أُلٌّفَ لأجله ، فيستفاد وينشر)(١). (١) انظر ما تمس إليه الحاجة لمن يطالع سنن ابن ماجة - عبد الفتاح أبو غدة - ص١٥٢. ٣٦ ثانياً : منهج الطحاوي في معاني الآثار : بيَّن الطَّحاوي منهجه في معاني الآثار من خلال مقدمة الكتاب ، فقال : «سألني بعض أصحابنا من أهل العلم أن أضع له كتاباً ، أذكر فيه الآثار المأثورة عن رسول الله :﴿5 في الأحكام التي يتوقَّم أهل الإلحاد والضَعَفَةُ من أهل الإسلام أن بعضها ينقض بعضاً ، لقلة علمهم بناسخها ومنسوخها ، وما يجب به العمل منها لما يشهد له من الكتاب الناطق ، والسنة المجتمع عليها ، وأجعل لذلك أبواباً أذكر في كل كتاب منها ما فيه من الناسخ والمنسوخ ، وتأويل العلماء واحتجاج بعضهم على بعض ، وإقامة الحجة لمن صحَّ عندي قوله منهم ، بما يصح به مثله من كتاب أو سنة أو إجماع أو تواتر من أقاويل الصحابة أو تابعيهم ، وإني نظرت في ذلك وبحثت عنه بحثاً شديداً ، فاستخرجت منه أبواباً على النحو الذي سأل ، وجعلت ذلك كتباً ، ذَكَرْتُ في كل كتاب منها جنساً من تلك الأجناس». وإليك بيان منهج الطحاوي بشيء من التفصيل : ١- لم يقصد الطحاوي استيعاب كل ما في أبواب الطهارة من أحاديث ، بل جعله أبواباً للمسائل التي يكثرُ فيه الكلام ، وفيها عدة أقوال للعلماء ، فيسرد الأحاديث تترا ، ثم أقوال العلماء ، ويرجح بينها وفي الغالب يشير إلى مذهب الحنفية وأقوالهم وأدلتهم ، وهكذا فعل في كل الأبواب من كتابه. ٢- جمع الآثار المختلفة في الأحكام العملية، وهذا ما يؤكده اسم الكتاب كاملاً: (شرح معاني الآثار المختلفة المروية عن رسول الله:﴿ في الأحكام). ٣- جمع عدداً كبيراً من الأحاديث تحت عنوان الباب ، الذي يضعه مستوعباً تقريباً للأحاديث الواردة في هذا الشأن ، ولو تعددت الطرق مع المتابعات والشواهد. ٤- يناقش الطَّحاوي في كتاب "معاني الآثار" مذهب الإمام الشافعي - وإن لم يصرح باسمه - ويأتي بنفس حجج الشافعي ويرد عليه ، فيمكن اعتباره ضمن سلسلة الردود العلمية ، ككتاب الأوزاعي في الرد على أبي حنيفة ، وكتاب أبي يوسف في الرد على الأوزاعي والانتصار لأبي حنيفة. ٥- أما منهجه في مناقشة الآثار المختلفة فيمكن تلخيصه فيما يأتي : ١- يجتهد في أن يبحث عن معنى يوفق به بين الأحاديث المتعارضة بما يزيل تعارضها ، وبذلك يصحح هذه الآثار ولا يضعف أحدها ما وجد إلى ذلك سبيلاً ، لأن إعمال الحديث أولى من إهماله. ٣٧