النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢٠
مقدمة التحقيق
مَوْتُ الإِمَامِ شِهَابِ الدِّين قَدْ جَزِعَتْ
وَقَالَ رَبَْعُ عُلُومِ الشَّرْعِ مُكْتِباً
إِنَّ الحَيَاةَ ذَميمَةٌ مِنْ بَعْدِ مَا
يَا نَفْسُ، طِيبىٍ بِالممات وَحَافِظِي
بَكَتْ سَمَاءٌ وَأَرْضٌ
لِكِتَنَا نَسَلَّـ
ـی
الجَفْنُ قَدْ حَاكَى السَّحَابَ وَنَاظَرَةْ
لَوْ أَنَّ عَاذِلَهُ رَأَى مَا قَدْ رَأَى
يَا عَاذِلِي، دَعْنِي فَلِي حُزنٌ عَلَى
ذَابَ الفُؤَادُ وَقَدْ تَقَطَّعَ حَسْرَةً
أَغْنِي شِهَابَ الدِّينِ ذَا الفَضْلِ الَّذِي
العَسْقَلاَنِيُّ(١) الَّذِي كَانَتْ إِلَى
يَا عَيْنُ، إِنِّي نَاظِمٌ مَرْنِيَّةً
للهِ أَيَّاماً بِه وَلَيَالِياً
تَاللهِ، لَمْ يَأْتِ الزَّمَانُ بِمِثِهِ
شَهِدَتْ لَهُ كُلُّ الْعُقُولِ بِأَنَّهُ
دَانَتْ لِفِطْنَتِهِ العُلُومُ فَلَمْ تَزَلْ
يَا أيُّها الشُعرَاءُ، هَذَا سُوقُكُمْ
وَالْيَوْمَ أُغْلِقَ بَابُهُ فَلَأَجْلٍ ذَا
كَمْ مِنْ حَدِيثٍ قَدْ رَوَاهُ مُسَلْسَلَا
وَكَذَا غَرِيباً مُسْنَداً وَمُصَحَّحاً
إِنِّي لأعْجَزُ أَنْ أَعُدَّ فَضَائِلاً
كَمْ طَالبٍ أَقَلَامُهُ مِنْ بَعْدِهِ
لَهُ العُلُومُ وَمَا يُرْوَى مِنَ الأَثَرِ
بِهِ دَرَسْتُ فَمَا تَلْقُون مِنْ أَثَرٍ
[الکامل]:
قُبِضَ الإِمَامُ العَسْقَلَانِيُّ الشَّافِعِي
أَنْ تَلْحَقِي هَذَا الإِمَامَ وَتَابِعِي
[المجتٹ]:
عَلَيْكَ يَا عَسْقَلاَنِي
إِذْ مَا سوَى الله فَاني
[الكامل]:
فَأَعْذُرْ إِذَا فَقَدَ المُثَّمُ نَاظِرَهْ
لَغَدَا لَهُ بَعْدَ المَلَاَمَةِ عَاذِرَهْ
طُولِ المَدَى لَمْ يَلْقَ يَوماً آخِرَهْ
أَسَفاً عَلَى قَاضِي القُضَاةِ النَّادِرَةْ
عَنْ وَصْفِهِ أَفْهَامُ مِثْلِسِي قَاصِرَةْ
أَبْوَابِهِ تَأْتِي الوُفُودُ مُهَاجِرَةْ
فِيهِ فَكُونِي لِلْمَدَامِعِ نَائِرَةْ
سَلَفَتْ وَكَانَتْ بِالتَّواصِلِ زَاهِرَهْ
أَبَداً ولمْ يرَ مِثْلَهُ مَنْ عَاصرَةْ
مَا مِثْلُه هُوَ دُرَّةٌ هِيَ فَاخِرَةْ
أَبَداً إِلَيْهِ كُلَّ وَقْتٍ سَائِرَهْ
كَانَتْ لَهُ تَأْتِي التُّجَارُ مُبَادِرَهْ
أَضْحَتْ تِجَارَتُكُمْ لَدَيْكُمْ بَائِرَهْ
وَمُدَبَّجاً وَلَهُ مَعَانٍ ظَاهِرَةْ
جُمَلاً وَأَخْبَاراً غَدَتْ مُتَوَاتِرَهْ
فِيهِ وَأَعْجَزُ أَنْ أَعُدَّ مأثِرَهْ
جَفَّتْ وَلَمْ تُمْسِكْ يَدَاهُ مَحَابِرَهْ
(١) الرفع أولى ويكون خبر المبتدأ محذوف تقديره هو.

١٢١
مقدمة التحقيق
أَسَفاً عَلَيْهِ نَقُولُ يَا نَفْسُ أَصْبِرِي
دَرَسَتْ دُرُوسُ العِلْمِ بَعْدَ وَفَاتِهِ
أسَفِي عَلَى قَاضِيَ القُضَاةِ مُؤَبَّدٌ
أسَفِي عَلَى شَيْخِ العُلُومِ وَمَّنْ غَدَتْ
أَسَفِي عَلَى مَنَ كَانَ بَيْنَ صِحَابِهِ
وَلَقَدْ نَعَىْ قَبْلَ المِنيةِ نَفْسَهُ
لًّا رَأَى أَجَلَ الحَيَاةِ قَدِ أَنْقَضَىُ
وَيَقُولُ أَبْيَاتاً وَلَيْسَتْ نَظْمَهُ
وَزَمَخْشَرِيُّ نَاظِمٌ أَنْيَاتَهَا
كُلُّ الوَرَىْ مِنْ بَعْدِهِ اشْتَغَلُوا بِهَا
قَرُبَ الرَّحيلُ إِلَى دِيَار الآخِرَهْ
وَأَرْحَمْ مَبْتِي فِي القُبُورِ وَوَحْدَتِي
فَأَنَا المسيكينُ الَّذِي أَيَّامُهُ
فَلِئَنْ رَحِمْتَ فَأَنْتَ أرْحَمْ رَاحِمٍ
هَا آخِرُ الأبْيَاتِ قَدْ أَوْرَدْتُهَا
وَأَعُودُ أَذْكُرُ بَعْدَ ذَلِكَ حَالتي
وَأَقُولُ: مَاتَ أَبُو المَكَارِمِ وَالنَّدَى
مَا كَانَ أَحْسَنَ لَفْظَهُ وَحَدِيثَهُ
وَلَوَ أَنَّهُ يُفْدَى لَكُنْتُ لَهُ الفِدَى
لَهَِبٌ بِقَلْبِي بَعْدَهُ لاَ يِنْطَفي
فَاللهُ يَسْقِي قَبْرَهُ مَاءَ الحَيَا
ثُمَّ الصَّلاَةُ عَلَى النَّبِيِّ وَصَحْبِهِ
يَا دُرَّةَ فُقِدَتْ وَكَانَتْ فَاخِرَهْ
مِن كُلِّ عِلْم حَازَ أَكْبَرَهُ فرَهْ
شُطْنَ الرَّجَا كَانَتْ لِطَالِبٍ بِرِِّ
تَعْنُو الرُّؤُوسُ إِلَى وُجُوهِ بَدِيعِهِ
وَهْوَ المُكَّرَّمُ وَالكَرِيمُ بَنَاتُهُ
لَيْلَى بِعَاذِرِهَا فَشَاغِلُ قلبها
تَجْرِي عَلَيْهِ مُوَذَّعاً رُوحِي وَلَنْ
فَتَقُولُ: مَا أَنَا عِنْدَ هَذَا صَابِرَهْ
وَمَعَاهِدُ الإِمْلَاءِ أَضْحَتْ دَائِرَهْ
زَفَرَاتُ قَلْبِي كُلَّ وَقْتٍ ثَابِرَهْ
أَفْكَارُ كُلِّ الخَلْقِ فِيهِ حَائِرَةْ
كَالبَدْرِ فِي وَسَطِ النُّجُومِ الزَّاهِرَةْ
إِذْ كُلُّ نَفْس لِلْمَنِيَّةِ صَائِرَةْ
أَضْحَى يُشِيرُ إِلَى الصِّحَابِ مُبَادَرَهْ
لَكِنْ بِلَفْظِ مِنْهُ أَضْحَتْ فَاخِرَةْ
هِيَ أَرْبَعٌ مَعَدُودَةٌ مُتَوَاتِرَهْ
فَأَسْمَغْ فَأَوَّلُهَا أَقُولُ مُذَاكِرَهْ
فَأَجْعَلْ إِلَهِي خَيْرَ عُمْرِي آخِرَهْ
وَأَرْحَمْ عِظَامِي حَينَ تَبْقَى نَاخِرَهْ
وَلَّتْ بِأَوْزَارٍ غَدَتْ مُتَوَاتِرَهْ
فَبِحَارُ جُودِكَ يَا إِلَهِي زَاخِرَهْ
فِيمَا نَظَمْتُ تبرَّكاً وَمُكَاثَرَةْ
وَأَبُتُّ أَحْزَاناً بِقَلْبِي حَاضِرَهْ
مُلْقِي الدُّرُوسِ وَذُو العُلُومِ البَاهِرَةْ
مَا كَانَ قَطُّ يَمَلُّهُ مَنَ عَاشَرَةْ
وَأَوَدُّ لَوْ أَنِّي سَدَدتُ مقاصرهْ
وَدُمُوُ عَيْنِي لَمْ تَزَلْ مُتَقَاطِرَهْ
أَبَداً وَيُؤُرِدُهُ سَحَاباً مَاطِرَةْ
وَعَلَى جَمِيعِ التَّابِعِينَ أَوَامِرَهْ
فِي بَذْهِ خَيْرَ حُوَّلَتْ لِلَآَخِرَةْ
عِزَّ الفَخَارِ تَصِلْ بِحَاراً زَاخِرَةْ
مِنْ بَعْدِ أَشْجَانٍ بِفَضْلٍ مَاخِرَةْ
وَإِذَا عَصَتْهُ أَتَتْ إِلَيْهِ ذاخِرَهْ
مَعَ عِلْمِهِ لَوْ أَمَّ كَعْباً فَاخَرَةْ
وَلِمَنْ سِوَاهُ بِذِي الدَّعَاوَي شَاجَرَهْ
تُشْغَلْ وَلَوْ صَارَتْ عِظَاماً نَاخِرَةْ

١٢٢
مقدمة التحقيق
وَبِهُونِهِ فَالصَّبْرُ عَذَّى آخِرَهْ
قَدْ كَانَ أَوَّلَ شَاغِلٍ قَلْبِي هَوىّ
[الطويل]:
شِهَابُ المُعَالِي بَيْنَمَا هُوَ طَالِعُ
إِلَى اللهِ إِنَّا رَاجِعُونَ وَحَسْبُنَا
فَقَدْ أَوْرَثَّ الْآفَاقَ حُزْناً وَذِلَّةٌ
وَأَطْلَقَ دَمْعَ العَيْنِ تَجْرِي سَحَائِباً
وَصَيَّر طَرْفِي لَ يَمَلُّ مِنَ الْبُّكَا
وَفَرَّقَ جَمْعَ الشَّمْلِ مِنْ بَعْدِ إلفهِ
فَوَجْدِي وَصَبْرِي فِي الرِّئَاءِ بَانِياً
فَصَبْراً لِمَا قَدُ كَانَ فِي سَابِقِ القَضَا
وَطَلَّقْتُ نَوْمِي وَالتَّلَذُّذِ وَالَهَنَا
وَصَاحَبَ سُهْدِيَ والتَّأَسُّفَ وَالأَسَىُّ
وَإِنِّي غَرِيبٌ لَوْ أَقَمْتُ بِمَنْزِلِي
فَلَّهْفِي عَلَى شَيْخِ الحَدِيثِ وَعَصْرِهِ
فَلَهْفِي عَلَى تِلْكَ المَجَالِس بَعْدَهُ
فَلَهْفِي عَلَى جَدِّي وَشَيْخِي وَقُذْوَتي
فَأَوْقَاتُه مَقْسُومَةٌ فِي عِبَادَةٍ
فَقَدْ كَانَ ظَنِّي أَنْ تَكُونَ مُعَاوِنِي
فَعِنْدَ إِلَهِي قَدْ جَعَلْتُ وَدِيْعَتِي
فَرَحْبُ الفَضَا قَدْ ضَاقَ مِن بَعْدٍ بُعْدِهِ
فيَا مَوْتُ، زُرْ إِنَّ الحَيَاةَ ذَمِيمَةٌ
إِمَامُ الهُدَى والعِلْمِ والحِلْم وَالنُّقَى
فَفِي النَّظْمِ حَسَّانٌ وَفِي الجُودِ حَاتِمٌ
عَفِيفُ السَّجَايَا بَاسِطُ أَلَيد بِالنَّدَا
بِزُهْدِ لَهُ قَدْ كَانَ يَحْكِي أَبْنَ آدم
فَأَيَّامُهُ صَوْمٌ وَفِي اللَّيْلِ هَاجِدٌ
فَمِنْهَاجُهُ حَاوٍ لِتَنْبِهِ غَافِلٍ
وَفَتْحٌ لِبَارِيهِ حَوَاهُ فَوَائِداً
فَعَاجَلَنَا فِيهِ القَضَا وَالقَوَارِعُ
وَنِعْمَ الوَكِيلُ اللهُ فِيما نُوَاقِعُ
وَأَظْلَمَتِ الأكوَانُ ثُمَّ المَطَالِعُ
وَأَجْرَى عُيُونَ الشُّحْبِ فَهِيَ هَوَامِعُ
وَأَحْرَقَ قَلْباً بِالجَوَانِعُ هَالِعُ
وَلَّفَ دُرَّ الدمع فِي الخََدِّ لَ مِعُ
فَوَجْدِي مَوْجُودٌ وَصَبْرِي ضَائِعُ
فَلَيْسَ لِمَقْدُورِ المَنِيَّةِ دَافِعُ
وَأَلْزَمْتُ نَفْسِي أَنَّنِي لَ أُرَاجِعُ
فَوَاصَلْتُهَا لَمَّا جَفَتِي المَضَاجِعُ
وَإِنِّي وَحِيدٌ لاَ مُعِينَ أُرَاجِعُ
فَمَجْلِسُهُ لِلْعِلْمِ وَالفَضْلِ جَامِعُ
لِفَقْدِ أُولِي التَّحَقِيقِ قَفْرٌ بَلاَقِعُ
وَشَيْخِ شُيُوخِ العَصْرِ إِذْ لاَ مُنَازِعُ
وَفَضْلٍ لِمُحْتَاجِ بِبرِّ يُتَابِعُ
عَلَى كُلِّ خَيْرٍ مِثْلَ مَا قِيلَ مَانِعُ
كَرِيمٍ لَدَيهِ لاَ يَخِيبُ الوَدَائِعُ
عَلَيَّ وَفِيهِ بَخْرُ فِكْريَ وَاسِعُ
فَمِنْ بَعْدَ هَذَا الحبر إنيَ رَاجِعُ
وَحَافِظُ هَذَا الوَقْتِ لِلْحقِّ خَاضِعُ
وَفِي العِلْمِ لَيْثٌ وَهْوَ فِي النَّبْتِ نَافِعُ
جَزِيلُ الَعَطَايَا نَاسِكٌ مُتَوَاضِعُ
لَهُ وَرَعُ بِالصَّبْرِ لِلنَّفْسِ قَانِعُ
مَقِيلٌ خَشُوعُ سَاجِدُ الرَّأْسِ رَاكِعُ
وَبَهْجَتُهُ زَانَتْ كَمَا الرَّوْضُ نَافِعُ
يزيلُ الْتِبَاساً فَهْوَ لِلشَّكْلِ رَافِعُ

١٢٣
مقدمة التحقيق
وَفِي الجرْحِ وَالتَّعديلِ كَالسَّيْفِ سَاطِعُ
وَتَقْرِيبُهُ الأسْمَا لِتَهْذِيبِ طَالِبٍ
فَعَنْ حَافِظِ الإِسلامِ تُرْوَى الشَّرَائِعُ
فَإِنْ رُمْتَ إِنْقَانَ الحَديثِ فَجَمْعُهُ
[الطويل]:
كَأَنْ لَمْ يَمُتْ مَنْ سِواه وَلَمْ تَقُمْ عَلَى أَحَدٍ إِلاَّ عَلَيْهِ النَّوائِحُ
[البسيط]:
إِنِّي مُعَزِّيكَ لَا أَنِّي عَلَى طَمَعٍ
فَمَا المُعَزَّى بباقٍ بَعْدَ صَاحِبِهِ
مِنَ الخُلُودِ وَلَكِنْ سُنَّةُ الدِّينِ
وَلَ المُعَزّي وَلَوْ عَاشَا إِلَى حِينٍ
[الطويل]:
تَعَزَّ بِحُسْنِ الصَّبْرِ عَنْدَ كُلِّ فَائِتٍ
وَلَيْسَ يَذُودُ النَّفْسَ عَنْ شَهَوَاتها
فَفِي الصَّبْرِ مَسْلَةُ الهموم واللَّوَازِمِ.
لَعَمْرُكَ إِلَّ كُلُّ مَاضِي العَزَائِمِ
[الوافر]:
وَلاَ شَاةٌ تَمُوتُ وَلاَ بَعِيرُ
لَعَمْرُكَ مَا الَّزِيَّةُ هَدُ دارٍ
يَمُوتُ بِمَوْتِهِ عِلْمٌ كَبِيرُ
وَلَكِنَّ الرَّزِيَّةَ مَوْتُ شَخْصٍ
مَنْهَجُ الحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ فِي ((الإصَابَةِ))(١)
يرى ابن حجر أن علم الحديث النبوي من أشرف العلوم الدينية، ومن أجلِّ معارفه
تمييز أصحاب رسول الله وَ ﴿ وقد صَنَّفَ في علم معرفة الصحابة عددٌ كبير من العلماء، ولقد
وقف ابن حجر على مصنفاتهم وانتقدها، ثم وجدَ في وسعه أَنْ يُطَوِّر التَّصنيف في هذا الفرع
من فروع المعرفة إلى مستوى أعلى، وقد وقعت له بالتتبع، كثير من الأسماء التي لم تكن في
المصنفات السابقة على الرغم من أنها تقع في نطاق هذه المصنفات، وبذلك تسنَّى له أن
يصنّفَ كتاباً كبيراً أكثر استيعاباً من غيره لتمييز الصحابة من غيرهم.
ولقد بدأ تأليفه في سنة ٨٠٩ هـ، واستمر العمل فيه إلى ثالث ذي الحجة سنة ٨٤٧ هـ
حيث انتهى من كتابته مع ما فيه من الهوامش، فاستغرق تأليفه ما يقرب من أربعين عاماً.
وأوضح ابن حجر أنَّ الكتابة فيه كانت بالتراخي، وكتبه في المسودات ثلاث مرات،
بسبب ما كان يدور في ذهنه من النهوض بهذا اللون من التصنيف، وبسبب الترتيب الذي
(١) استفدنا هذا المبحث من الدكتور شاكر محمود عبد المنعم في كتابه ابن حجر العسقلاني ودراسة مصنفاته
ومنهجه وموارده في كتاب الإصابة.

١٢٤
مقدمة التحقيق
ابتكره. وحتى في المرَّةِ الثالثة خرجت النسخة وكأنها مسودة أيضاً لكثرة الهوامش
والإلحاقات التي كان يضيفها تباعاً، وعبر أربعين عاماً تقريباً. فعمد دون كلل إلى إلحاق
أسماء أخرى وإجراء التصحيح أو التنقيح، وهذا هو نهج العالم الأصيل الذي يدرك بأن
الكمال لله وحده، وأن الإنسان وما يعمل بعيد عن الكمال.
ولقد تجلَّى وَرَعُهُ في دينه بوضوح في نزعته العلمية الموضوعية، فكان مثال العالم
الورع الذي لا يبتسر الحديث عن شيء ولا يدعي، والقيد الضابط لذلك هو كونه واحداً من
تلاميذ مدرسة الإسلام الخالدة.
ويحكي ابن حجر قصة تأليف الإصابة على مدى أربعين عاماً بقوله: ((وقد قيدت
بالحمرة أولاً، ثُمَّ بالصفرة ثم بصورة ما يخالطهما وكل ذلك قبل كتابة فصل المبهم من
الرجال والنساء
ونتساءل هل كَمُل الإصابة؟
على الرغم من المدة الزمنية الطويلة التي استغرقها تأليف كتاب الإصابة، ورغم عناية
مصنفه به، ومتابعته له، فإنّه لم يكمل بشكله النهائي، لأنه خصَّصَ باباً للمبهمات وقد قید
منها كثيراً. فلقد ورد في نهاية نسخة دار الكتب المصرية ذات الرقم ٢٢٨ طلعت قول الناسخ
(( .... وقد بقي عليه المبهمات، وقيَّد منها كثيراً، ولكن لم أظفر به إن شاء الله تعالى)).
وجاء في آخر نسخة دار الكتب المصرية ذات الرقم (٢٢٩ طلعت) أن آخر كتاب
النساء من الإصابة هو آخر ما وُجِدَ بخط مُصَنِّف الكتاب.
وقال السخاوي وهو يعدد المصنفين في الصحابة (( ... وكتاب شيخنا المسمى
بالإصابة. جامع لما تفرق منها مع تحقيق، ولكنّه لم یکمل.
ويبدو أن كثرة السؤال في تبییضه هي التي دفعت ابن حجر إلى نشره قبل أن يُكْمِل باب
المبهمات.
وهناك إحالات في الإصابة على المبهمات كقوله مثلاً ((يأتي في المبهمات ويأتي في
الكُتَى))، أو كقوله: ((وسيأتي ذكر قصتها في المبهمات إن شاء الله)) كماوردت ترجمة أبي
بجيلة وآخرين في القسم الرابع، وقال تقدموا في الأول وحقهم أن يذكروا في المبهمات،
ولكن لا نجد باب المبهمات في المطبوع من الإصابة الذي طُبعَ أكثر من ست طبعات كما لم
يشر أحدٌ من الناشرين أو المحققين إليه، وقد سبقت الإشارة إلى أنه كتب منه كثيراً ولم
يظفر به الناسُ.

١٢٥
مقدمة التحقيق
وفي الإصابة بعض المواضع البيضاء التي قد يكون تعليلها أنَّها من جملة الأشياء التي
لم يدونها المؤلف، لأنها تتطلب المزيد من التحقيق.
ففي أثناء بعض تراجمه ذكر سهيل بن أبي جندل ثم قال: ((ينظر مسند الحارث بن
معاوية ويحرر من النسب وغيره)) .
وقال في موضع آخر عند ترجمة أم سعيد والدة سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل قال:
باب الكافور في كتاب الجنائز للبيهقي في السنن الكبير)) وجاء في نهاية
«یکتب من.
الترجمة فقال: ((وروى ابن سعد ... )) ولم يذكر الرواية. وجاء في نهاية ترجمة ما نصه
(ينبغي أن يحوّل إلى القسم الرابع)).
تَرْتِيبُ الإِصَابَةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامِ
أَلَعَّ الكثيرون على ابن حجر في نشر كتابه ((الإصابة))، فاستخار الله في ذلك ورتَّه على
أربعة أقسام في كل حرف، وهذا يعني أنه قَسَّم التراجم المبدوءة في حرف الألف مثلاً إلى
أربعة أقسام، وكذلك الباء والتاء وهَلُمَّ جراً حتّى آخر الحروف.
١ - القِسْمُ الأَوَّلُ:
يقسم القسم الأول بأنه خاصُ بتراجم الذين وردت صحبتهم بطريق الرواية عنهم أو
عن غيرهم، ومهما كانت الطريق صحيحة أو حسنة أو ضعيفة، وشملت تراجم هذا القسم
أولئك الذين وقع ذكرهم بما يدل على الصحبة بأي طريق كان.
وكان قد رتَّبَ هذا القسم بادىء ذي بدء على ثلاثة أقسام، ثُمَّ بدا له أن يجعله قسماً
واحداً، على أنَّهُ مَيَّز في كل ترجمة ما إذا كانت الطريق التي وردت بها صحبة الصحابي
صحيحة أو حسنة أو ضعيفة، ولذلك فالقراءة في كتاب الإصابة تستوجب يقظةً وتركيزاً
وإمعاناً والقارىءُ مطالب بذلك إن شاء الوصول إلى الدقة والصواب.
٢ - القسْمُ الثَّانِي:
وخَصَّصَ القسم الثاني لتراجم من ذكر في الصحابة من الأطفالِ الذين وُلِدُوا في عهد
النبي ﴿ لبعض الصحابة من النساء والرجال وقد مات النبي ◌َّر وهم دون سن التمييز وبين
أن ذكر هؤلاء الصحابة إنما هو على سبيل الإلحاق لغلبة الظَّن على أنه - ◌ََّ رآهم، وهذه
الفكرة إنما تستند إلى أنَّ الصحابة - رضي الله عنهم - كانوا حريصين على إحضار أولادهم
عنده عند ولادتهم ليحنكهم ويسميهم تبركاً به، والأخبارُ بذلك شهيرة، واستند ابن حجر في

١٢٦
مقدمة التحقيق
تثبيت هذه الفكرة على أحاديث صحيحة وردت في صحيح مسلم وفي مستدرك الحاكم،
وكتاب الصحابة لابن شاهين.
وأعطى المبرر الذي دعاه إلى إفرادهم عن أهل القسم الأول بقوله: ((لكن أحاديث
هؤلاء عنه - أي عن النبي ◌َّ ه ـ من قبيل المراسيل عند المحققين من أهل العلم بالحديث.
٣ ؛ القِسْمُ الثَّالِثُ:
والقسم الثالث خاصٌّ بتراجم أولئك الذين ذكروا في الكتب من المخضرمين الذين
أدركوا الجاهلية والإسلام، ولم يرد في خبر قط أنهم اجتمعوا بالنبي ◌َّليل ولا رأوه، سواء
أسلموا في حياته أم لا. وهؤلاء ليسوا أصحابه باتفاق أهل العلم بالحديث على الرغم من أن
بعضهم قد ذكر في كتب معرفة الصحابة، لكن مصنفيها أفصحوا بأنهم لم يذكروهم إلاَّ
بمقاربتهم لتلك الطبقة، ولم يجزموا بأنهم من أهلها. ومن هؤلاء المصنِّفين أبي حفص بن
شاهين (ت ٣٨٥ هـ) وأبي عمر بن عبد البر (ت ٤٦٣ هـ).
وأحاديث هؤلاء عن النبي ولو مرسلة بالاتفاق بين أهل العلم بالحديث.
٤ - القِسْمُ الرَّابع:
وهو خاص بتراجم أولئك الذين ذكروا في الكتب على سبيل الوهم والغلط وبيان ذلك
بالأدلة وبأسلوب أهل الحديث وطرائقهم.
ولم يذكر فيه إلاَّ ما كان الوهم فيه بيِّناً، وأمَّا مع وجود احتمال عدم الوهم فلم يلجأ
إلى ذكره، إلاَّ إذا كان ذلك الاحتمال يغلبُ على ظنّه بطلانه قال ابن حجر: ((وهذا القسم
الرابع لا أعلم من سبقني إليه، ولا من حام طائر فكره عليه، وهو الضالة المطلوبة في هذا
الباب الزاهر، وزبدة ما يمخضه من هذا الفن اللبيب الماهر.
والحق أنَّ ابن حجر لم يسبق في إفراد تراجم الذين ذكروا على سبيل الوهم، إلاّ أن
الذين سبقوه أشاروا إلى بعض هؤلاء من خلال ترجمتهم في الصحابة، لكنه لم يسبق أيضاً
في بيان سبب الوهم أو الذهول مع تحقيق فريد. ولقد حدَّدَ تلميذه البقاعي ذلك بقوله:
( ...... بما لم يسبق إلى غالبه)).
وهذا نهج جديد أدخله ابن حجر على التصنيف في علم معرفة الصحابة تمخَّضَ عن
نتائج خطيرة.
ميزَاتُ القِسْمِ الرَّابِعِ فِي كِتَابٍ ((الإِصَابَةِ)»
يتمثل في هذا القسم جانب الأصالة والإبداع، كما تتجلّى فيه قابلية ابن حجر النقدية
وقراءاته الواسعة .

١٢٧
مقدمة التحقيق
وفيه صحّح أوهاماً، وحَلَّ معضلات فكرية، قد تكون صغيرة ولكنها مهمة، تواردت
على ألسنة الحفاظ، وصفحات كتب المصنفين.
أما أنواع الأخطاء التي صححها فهي كثيرة يمكن حصرها بالآتي:
١ - الكَشْفُ عَنِ التَّحْرِيفِ والتَّصْحِيفِ فِي الأَسْمَاءِ
أشار إلى التحريف أو التصحيف الذي اعترى الأسماء، ولا يسع الباحث هنا إلاّ إعطاء
نماذج منها فقط في ترجمة سديد مولى أبي بكر (الترجمة/ ٣٧٤٠) قال: ((هكذا وقعَ في
((التجريد)) وإنما هو بالمعجمة. فترجم لها ابن حجر في حرف الشين المعجمة. وأن اسمه
عامر بن مالك بن صفوان، فورد عند السابقين (عن صفوان) أو أن لفظة (ابن) تصحفت واواً
فصار الواحد اثنين. كما أشار إلى التصحيف السمعي، والخط السمعي معاً.
٢ - سقوط اسم من السند، أو سقوط أداة الكنية، أو حرف جر أو زيادة اسم في
النسب، وفي كل هذه الحالات تظهر أسماء تؤدي إلى الوهم.
٣ - توهُم الرّواة صحبة الرجل، لأنه أرسل حديثاً، وعدم التمييز بين المسند
والمرسل.
٤ - تعدد الأسماء أو الكنى، وعدم التمييز بينها، فيذكر الرجل المترجم مرة بالكنية،
ومرة بالاسم أو اللقب، فتتكرر ترجمة الصحابي على أنه اثنين وهو في الحقيقة واحد
وكذلك المغايرة بين اسمين أو كنيتين، أو الجهل بوجود لقبين للمترجم مثل عامر بن مالك
الكعبي هو القشيري.
أو أن ينسب الراوي إلى جدّه أو اعتماد المنصفين السابقين لـ ((ابن حجر)) على نسخ
محرفة فنشأ الخطأ عن تغيير في الاسم، فيتغير ((محمية)) إلى ((محمد)) أو اسم رجل ذكروه
في النساء أو خطأ نشأ عن زيادة اسم وتغيير آخر.
٥ - منهم من مات قبل المبعث، وذكر في الكتب على أنه صحابي مثل ((سيف بن ذي
یزن)».
٦ - الأخطاء الناجمة عن سقط وقلب، كما في ترجمة ((عمرو السعدي)) الذي ذكره
المصنفون السابقون، وأوردوا من طريق إسماعيل بن عبد الله بن أبي المهاجر عن عطية بن
عمرو السعدي عن أبيه قال: قال رسول الله وَالر: ((لا تسأل الناس شيئاً وسل الله مسؤول
ومنطي)) وهذا هو عطية بن عمرو السّعدي عن أبيه.
:: ٧ - تشابه الأسماء أدّى إلى الوهم أحياناً.

١٢٨
مقدمة التحقيق
٨ - أخطاء نشأت عند عدم تأمل أو سوء فهم أو أن حقه أن يذكر في ((المبهمات)) فذكر
في المصنفات السابقة في الأسماء كما في حديث من طريق يزيد بن نمران قال: ((رأيت
بتبوك رجلاً مقعداً)) فأورده جعفر المستغفري في الأسماء باسم «المُقْعَد» فرد علیه ابن حجر
هذا وهم، وإنّما هي صفة، ومحله أن يذكر في ((المبهمات)) أو هو اسم جنس فيظن أنه اسم
رجل، ولیسٍ كذلك كما في ترجمة ((هديل)).
٩ - اختلاف الأسماء من قبل بعض الكذابين مثل مُعَمِّر، وعبد النور الجني، وأبو
الحسن الراعي، ومكلبة الخوارزمي، وغيرهم.
١٠ - وأشار ابن حجر في القسم الرابع إلى أخطاء تدل على انتباه شديد، ويلاحظ
ذلك في ترجمة آبي اللحم الغفاري الذي توهم الترمذي وأبو عمر بجعل ((آبي اللحم)) كنية،
وهي ليست كنية، لكنها صارت كالكنية، وقيل: إنما قيل له ذلك، لأنه كان لا يأكل اللحم
ثم قال بعد أن ذكر الذين ترجموه أو ذكروه: ((وكل ذلك خطأ وجعله في حرف الهمزة على
تقدير أن يكون خطأ آخر وإنما حقه أن يكون في اللام؛ لأن الألف والباء إن كانت أداة الكنية
فالاعتبار في ترتيب الحروف بما بعدها وقد مشى على ذلك (الدولابي)) و ((ابن السكن))
و ((ابن منده)) فذكروه في حرف اللام من الكنى، وأنكر ذلك أبو نعيم على ابن منده فأصاب.
وهكذا جاء القسم الرابع من كل حرف في كتاب ((الإصابة)) نهجاً جديداً فأوضح اللبس
وأزال الغموض الذي رافق الكثيرين من المصنفين، وارتفع بمستوى الكتابة في علم معرفة
الصحابة إلى درجة عالية، ويمكن اعتبارهُ مرحلة أعلى متطورة في هذا اللون من التصنيف.
وقال الأستاذ الدكتور شاكر محمود عبد المنعم:
وفي هذه المرحلة من البحث يبرز السؤال الآتي: إلى أي مدى استوعب كتاب
((الإصابة)) تراجم الصحابة؟
لقد ذكر ابن حجر في مقدمته الوجيزة لـ ((الإصابة)) عدداً من المصنفين في هذا الباب،
وانتقد قسماً منهم، فذكر ابن عبد البر وكتابه الذي سماه ((الاستيعاب)) لظنه أنه استوعب ما
في كتب السابقين، ومع ذلك ففاته شيء كثير، وذكر الذيول عليه، ثم ذكر كتاب «أسْد
الغابة)) لـ ((ابن الأثير)) وانتقده إلى أن قال: ((ثم جرد الأسماء التي في كتابه مع زيادات عليها
الحافظ أبو عبدالله الذهبيّ، وعلم لمن ذكر غلطاً، ولمن لا تصح صحبته، ولم يستوعب
ذلك ولا قارب)».
وقد وقع لـ ((ابن حجر)) كثير من الأسماء ليست في كتاب ((الذهبي)) ولا أصله، فجمعٍ
كتاباً كبيراً في ذلك ميز فيه الصحابة من غيرهم وكما مر آنفاً إلا أنه قال: ((ومع ذلك فلم يحصل

١٢٩
مقدمة التحقيق
لنا من ذلك جميعاً الوقوف على العشر من أسماء الصحابة بالنسبة إلى ما جاء عن أبي زرعة
الرازي قال: تُوفِّي النبي ◌َّهِ ومن رآه وسمع منه زيادة على مائة ألف إنسان من رجلٍ وامرأة
کلهم قد روی عنه سماعاً أو رؤية)).
علماً بأن أبا زرعة أجاب بذلك عن سؤال من سأله عن الرواة خاصة فكيف بغيرهم؟
ومع هذا فجميع من في ((الاستيعاب)) يعني ممن ذكر فيه باسم أو كنية أو وَهْماً ثلاثة آلاف
وخمسمائة واستدرك عليه ابن فتحون على شرطه قريباً من هذا العدد.
وقرأ ابن حجر بخط ((الذهبي)) من ظهر كتابه ((التجريد)) لعل الجميع ثمانية آلاف إن لم
يزيدوا لم ينقصوا، ثم رأى بخطه أن جميع من في ((أُسْد الغابة)) سبعة آلاف وخمسمائة وأربعة
وخمسون نفساً.
على أن قول أبي زرعة وجد له تأييداً في رواية عن كعب بن مالك في قصة ((تبوك))
الواردة في الصحيحين وهي قوله: ((والناس کثیر لا يحصيهم دیوان)).
وثبت عن الثوري فيما أخرجه الخطيب بسنده الصحيح إليه قال: من قدم عليًّا على
عثمان فقد أزرى على اثني عشر ألفاً، مات رسول الله وَل﴿وهو عنهم راضٍ فقال النَّوَوِيُّ:
وذلك بعد النبي ◌َّه باثني عشر عاماً بعد أن مات في خلافة أبي بكر في الرّدة والفتوح الكثير
ممن لم تضبط أسماؤهم، ثم مات في خلافة عمر في ((الفتوح)) وفي الطاعون العام وعمواس
وغير ذلك من لا يحصى كثرة وسبب خفاء أسمائهم أن أكثرهم أعراب، وأكثرهم حضروا
حجة الوداع والله أعلم.
على أن عدد تراجم الإصابة يزيد على ١٢٣٠٤ بما في ذلك المكرر بسبب الاختلاف
بالاسم أو الكنية أو اللقب وكذلك يشمل هذا العدد أولئك الذين ذكروا في الصحابة على
سبيل الوهم.
مما تقدّم يتضح بأن ليس بمقدور أحد أن يستوعب تراجم الصحابة ولا خمس عددهم
للأسباب المشار إليها آنفاً.
,٧
وتجدر الإشارة إلى أن ما شهده حقل معرفة الصحابة من ظهور الاستدراكات والتذييل
وبيان الأوهام على المصنفات فيه يعطي دليلاً على شعور المهتمين بهذا اللون من التصنيف
بأن هناك حيزاً لا بد أن يملأ ولكن بعد أن نشر الحافظ ابن حجر كتاب ((الإصابة)» في نهاية
النصف الأول من القرن التاسع الهجري لم تشر المصادر إلى كتاب ألف عن معرفة
الصحابة، كما لم يظهر تذييل ولا استدراك على الإصابة، وهذا قد يفسر الجهد الضخم
الإصابة/ج١/م ٩

١٣٠
مقدمة التحقيق
المبذول فيه، والاستقصاء الفريد الذي قام به ابن حجر وقال السيوطي عندما ذكر ((الإصابة)):
(كتاب حافل، وقد اختصرته ولله الحمد)). وسماه حاجي خليفة: ((عين الإصابة)».
وقيل وقبل أن يشرع بأبواب الكتاب التي تضم باب الأسماء وباب الكنى، وباب النساء،
وباب كنى النساء ذكر ثلاثة فصول مهمة تمس الحاجة إليها بمثل تصنيفه وتقع الفصول الثلاثة
في ثماني صفحات، خصص الفصل الأول منها لتعريف الصّحابي، وبيّن أصح ما وقف عليه
من ذلك وهو أن الصحابي: ((من لقي النبي ◌َ﴿ مؤمناً به ومات على الإسلام)).
وشرح هذا التعريف بصفحتين ونصف شرحاً وافياً جاء فيه على جميع الملابسات
المحتملة من حيث لقيا النبي ﴿ أو الرّواية عنه أو عدمها، ومن لقيه كافراً ولو أسلم بعد
ذلك؟ والإيمان به من الجن والإنس وماذا بشأن الملائكة؟ أو الّذي لقيه مؤمناً ثم ارتد ثم عاد
إلى الإسلام كما ناقش الاحتمالات الأخرى إلى أن قال: ((وهذا التعريف مبني على الأصح
المختار عند المحققين كالبخاري وشيخه أحمد بن حنبل ومن تبعهما ووراء ذلك أقوال
أخرى شاذّة)). كما أشار إلى تعريفات أخرى.
ثم بين ما جاء عن الأئمة من الأقوال المجملة في الصفة التي يعرف بها كون الرّجل
صحابيًّا، وإن لم يرد التنصيص على ذلك، وهي ثلاثة آثار:
١ - أنهم كانوا في الفتوح لا يؤمّرون إلا الصحابة وقد استدل ابن حجر بهذا الرأي في
أكثر من أربعين موضعاً على أنه قال في موضع: ((كانوا لا يؤمّرون في زمن الفتح إلا من كان
صحابيًّا، لكن إنما فعلوا ذلك في فتوح ((العراق)) فلذلك أذكر أمثال هذا في هذا القسم ((وهو
الثالث)» .
... ٢ - لم يبق بمكة ولا الطائف أحد في سنة عشر إلا أسلم وشهد مع النبيّ وَلّر حجة
الوداع واستدل ابن حجر بهذا الرّأي في أكثر من ستة وثلاثين موضعاً، وقال في موضع:
((وقد ذكرنا غير مرّة أن من كان في عصر أبي بكر وعمر رجلاً وهو من قريش فهو على شرط
الصّحبة، لأنه لم يبق بعد ((حجة الوداع)) منهم أحدٌ على الشرك وشهدوا ((حجّة الوداع)) مع
النبي جميعاً».
وقال في موضع آخر: ((ولم يبق بمّكة بعد الفتح قرشي كافراً كما مر، بل شهدوا
((حجة الوداع)) كلهم مع النبي څ﴾ كما صرح به ابن عبد البرّ)).
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَر: ((وقد ذكرنا غير مرّة أنه لم يبق من قريش وثقيف ممن كان بمكة
والطائف في «حجة الوداع) أحد إلاّ أسلم وشهدها)) .

١٣١
مقدمة التحقيق
وفي موضع آخر قال: ((لم يبق بالحرمين ولا الطائف أحدٌ في ((حجّة الوداع)) إلا أسلم
وشهدها».
وقال أيضاً: ((وقد تقدّم لم يبق بـ ((مكة)) قرشي في سنة عشر إلا شهد ((حجّة الوداع))
كما قال: ((وقد قدّمنا غير مرّة أن من أدرك النبي ◌َ ﴿ه وبقي بعده، وكان قرشياً أو حليفاً لهم
فقد شهد مع النبي ◌َل ﴿ حجة الوداع)).
٣ - لم يبق من الأوس والخزرج في آخر عهد النبي * إلا من دخل الإسلام، وما
مات النبي صل* وأحد منهم يظهر الكفر.
واستدل ابن حجر بهذا الرأي فيما يتعلق بتراجم الأنصار خاصة في القسم الثالث من
كتاب ((الإصابة)).
أما الفَصْلُ الثَّانِي فقد جعل عنوانه: ((في الطريق إلى معرفة كون الشخص صحابيًّا)).
وذلك بأشياء منها:
- أن يثبت بطريق التواتر أنه صحابي بالاستفاضة والشهرة، ثم بأن يروي عن آحاد من
الصحابة أن فلاناً له صحبة مثلاً، وكذلك عن آحاد التابعين بناءً على قبول التزكية من واحدٍ
وهو الراجح، ثم بأن يقول هو إذا كان ثابت العدالة والمعاصرة: أنا صحابي.
وحدد معنى العدالة والمعاصرة، وبين رأي الآمدي وأبي الحسن القطان، وابن عبد
البر في هذين الشرطين وضرب الأمثلة لذلك.
وَخَتَمَ هَذَا الفَصْلَ بِمَا أَطْلَقَ عَلَيهِ:
((ضابط يستفاد من معرفته صحبة جمع كثير يكتفي فيهم بوصف يتضمن أنهم صحابة
وهو مأخوذٌ من ثلاثة آثار)».
وقد ذكرنا أنّهُمْ كانوا لا يؤمِّرون في المغازي إلا الصحابة وكان لا يولد مولود للصحابة
إلا جاؤوا به إلى النبي ◌َّ فيحنكه ويسميه، ولم يبق بمكة والطائف أحد في سنة عشر إلا
أسلم وشهد حجة الوداع.
أما الفَصْلُ الثَّالِثُ فقد خصصه لـ «بَيَانِ حَالِ الصَّحَابَةِ مِنَ العَدَالَةِ».
وقد اتفق أهل السنة على أن الجميع عدول، ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من
المبتدعة، وأحال إلى الفصل الذي كتبه الخطيب البغدادي في ((الكفاية)) في علم الرواية عن
ثبوت عدالة الصحابة - رضوان الله عليهم - بتعديل الله لهم في القرآن، وإخباره عن
طهارتهم، واختياره لهم بآيات كثيرة يطول شرحها، وأحاديث شهيرة يكثر تعدادها، وجميع

١٣٢
مقدمة التحقيق
ذلك يقتضي القطع بتعديلهم، ولا يحتاج أحد منهم مع تعديل الله له إلى تعديل أحد من
الخلق.
على أنه لو لم يرد من الله ورسوله فيهم شيء عن عدالتهم لأوجبت الحال التي كانوا
عليها من الهجرة والجهاد ونصرة الإسلام، وبذل المهج والأموال وقتل الآباء والأبناء
والمناصحة في الدين، وقوة الإيمان واليقين القطع على تعديلهم، وأنهم أفضل من جميع
الخالفین بعدهم والمعدلین الذین یجینون من بعدهم.
هذا مذهب كافة العلماء ومن يعتمد قوله ولا ينتقص منهم إلا زنديق، لأن الرسول
حق، والقرآن حق، وما جاء به حق، وإنما أدى إلينا ذلك كله الصحابة، وتجريحهم أو
الانتقاص منهم يستهدف إبطال الكتاب والسنّة.
وذكر بعض الآيات والأحاديث في تفضيلهم، ومن الأخبار الدالّة على تعظيمهم عند
الخلفاء الراشدين وغيرهم.
وختم الفصل بفائدة بين فيها أن أكثر الصحابة فتوى مطلقاً سبعة فذكرهم، ثم أورد
قولاً لابن حزم يتعلق بإمكان جمع مجلد ضخم من فتيا كل واحد منهم جزء صغير وأن في
الصحابة مائة وعشرين نفساً مقلّون في الفتيا يمكن أن يجمع من فتياً جمیعهم جزء صغير بعد
البحث وهؤلاء من فقهاء الصحابة.
ونبه إلى أنه جعل على كل اسم أورده زائداً على ما في تجريد الذَّهَبِيِّ، وأصله الحرف
((ز)).
وبعد تحليل مقدمة ((الإصابة)) أورد الحديث عن السمات الرئيسية في منهجه.
الدِّقَّةُ فِي التَّرْتِيبِ عَلَى حُرُوفُ المُعْجَمِ
قسم ابن حجر ((الإِصَابَةَ)) على أربعة أقسام في كل حرف من حروف المعجم، فحرف
الألف مثلاً أربعة أقسام وكذلك الباء والتاء وهلم جراً إلى الياء آخر الحروف.
وتظهر الأقسام الأربعة في أسماء وكنى الرجال وأسماء وكنى النساء مرتبة على حروف
المعجم أيضاً.
وفي داخل القسم الواحد من كل حرف يظهر الترتيب الهجائي مراعياً الحرف الأول
والثاني والثالث والرابع في اسم المترجم، واسم أبيه واسم جده، ولم يشذ عن ذلك إلا في
حالات نادرة جداً.

١٣٣
مقدمة التحقيق
وعندما ذكر الأسماء المبدوءة بـ ((ذو)) مثلاً رتبهم على حروف المعجم بعد لفظ
((ذو)).
وانتقد ابن حجر بعض من صنف في ((الصحابة)) لذكرهم جماعة من النساء في الكنى
من غير أن يرد أن تلك الكنية موضوعة على تلك المرأة بل إذا ورد في خبر عنها أو عن
غيرها أن لها ابناً اسمه «فلان)) فيذكرونها بلفظ ((أم فلان)).
قال ابن حجر: ومن حق ما هذا سبيله أن يقال: والدة فلان، ولا يقال ((أم فلان)) إلا
إذا ورد أنها كنيت به، وقد كنى ابن حجر أسماءهن تبعاً للمصنفين السابقين له، لكنه نبه
على ذلك في كل ترجمة، ومن وضح أن لها اسماً نبّه عليه أيضاً، ومن ورد أن لها كنية
تختص بها أعاد ترجمتها في القسم الرابع، وهذا واحد من الأسباب التي أفضت إلى التكرار
في التراجم.
الضَّبْطُ بِالحُرُوفِ وَالتَّعْرِيفِ بِالمواضِعِ
ضبط ابن حجر الأسماء والألفاظ بالقلم في الغالب وكأنه أحس بضرورة تقييد بعضها
بالحروف وخاصة أن كثيراً من الأسماء جاهلية أو غريبة تصعب قراءتها ولا يؤمن التحريف
أو التصحيف فيها، على أنه لم يضبط جميع ما يحتاج إلى الضبط، ولعل ذلك يرجع إلى
حرصه على الاختصار من جهة وتصنيفه كتاباً في المشتبه الذي سماه ((تبصير المنتبه بتحرير
المشتبه)) والذي انتهى من تحريره في سنة ٨١٦ هـ، وقد يشير إلى أن اللفظ المعين قد ضبطه
الأمير ابن ماكولا أو غيره.
ومع ذلك فإنه قيد بالحروف بعض الأعلام والألفاظ وهي إما أن تكون أسماء في
سلسلة نسب المترجم أو أسماءً أو ألفاظاً تمر أثناء حديثه عرضاً، وقد تكون أسماء
لمواضع.
وفي مواضع قليلة عرف بالأعلام البلدانية والمواضع التي يرد ذكرها في أثناء التراجم،
وقد يفسر بعض الألفاظ من الناحية اللغوية أو البلاغية.
التَّكْرَارُ فِي تَرَاجِمِ الإِصَابَةِ
أسفرت طبيعة المنهج الذي التزم به ابن حجر في ((الإصابة)) عن ظاهرتين برزتا في
كتاب ((الإصابة)).
الأولَى: التكرار في بعض التراجم.
والثّانَيَةُ: خلو بعض الأقسام في بعض الحروف من التراجم أما بالنسبة لتكرار التراجم

١٣٤
مقدمة التحقيق
فذلك لأسباب عدة، منها أن ابن حجر التزم أن يذكر في القسم الأول كل من وردت صحبته
بطريق الرواية عنه أو عن غيره، سواء أكانت الطريق صحيحة أم حسنة أم ضعيفة أو وقع ذكره
بما يدل على الصحبة وبأي طريق كان، فهو يورد لذلك الترجمة في القسم الأول على هذا
الأساس، ولكنه يناقش خلال ذلك الطرق وتثبت منها ويكتشف الذين ذكروا في الصحابة
على سبيل الوهم، فهو يعيد ترجمة المذكور في الصحابة وهماً في القسم الرابع في الغالب،
ولكن إذا أدى فحصه للروايات إلى أن صحبة المترجم محتمله فإنه لا يكرر الترجمة ويكتفي
بمناقشته للجوانب الضعيفة فيها.
وممّا أدى إلى التكرار أن لبعضهم اسمين أو ثلاثة أسماء قد تكون حقيقية، وقد يكون
التصحيف أو التحريف أو الوهم قد وجد سبيله إلى واحدٍ منها فصيره اثنين أو ثلاثة. فترى
ابن حجر يترجمه في موضعين أو ثلاثة تبعاً لتصحيفه في الحرف الذي يبدأ به اسمه، لكنه
يوضح ذلك ویحیل إلى ما أورده سابقاً أو سيأتي به لاحقاً مما يتعلق بالمترجم، وهنا لا بد
من التوضيح أن ضبط أسماء الصحابة وأنسابهم يتطلب يقظة وحذراً أكثر من غيرهم؛ لأن
أسماءهم لم تدوّن إلا في فترة متأخرة ناهيك بأن بعض أسمائهم أو أسماء آبائهم جاهلية وقد
تكون غير مألوفة بالنسبة للمتأخرين، وهذا مما يجعل مسألة اللبس أو الوهم فيهم محتملة،
وهذا ما لاحظته في دراسة «الإصابة)).
وقد يكون بعض من صنف من السابقين لابن حجر قد أفرد ترجمتين لاثنين بناء على
اختلاف اسميهما وهما في الحقيقة واحد.
وفعل مثل ذلك بالنسبة للمشهورين بكناهم فترجمهم في الأسماء وفي الكنى، وأحال
إلى مواضع ورود تراجمهم في الكتاب رجالاً كانوا أم نساء.
وقد يترجم لصحابي مثل حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - ولكن ورد أن النبي صَلّ
خاطبه باسم ((خاطب)) فإنه يكرر ترجمته تحت الاسمين.
وكذلك إذا ورد أن للمترجم رؤية والمشهور أنه من المخضرمين فإنه يكرر ترجمته
مثل قيس بن أبي حازم الأحمسي الذي ترجم له في القسم الثاني فيمن له رؤية وفي القسم
الثالث مع المخضرمين، أو من لهم إدراك.
وقد تتكرر الترجمة حرفيًّا، وقد يختلف فيها اللفظ ومخارج الحديث، وقد تقتصر
الترجمة على ذكر الاسم كاملاً أو الاسم والكنية فقط - كما في الترجمتين ٢٥٦٢، ٢٧٢٢ -
وهو في كل ذلك ينبه إلى ما تقدم أو إلى ما سيأتي لاحقاً.

١٣٥
مقدمة التحقيق
ورغم ذلك فإنه لم يكرر القصص أو الحوادث التي أوردها خلال ترجمة ما مكتفياً
بالإحالة إليها وتحديد موضع ذكره لها من كتابه، بل لم يكرر النسب بطوله عندما يترجم
للإخوة والأخوات أو الآباء والأبناء.
أما الظاهرة الثانية التي ظهرت في منهج الحافظ ابن حجر في كتابه ((الإصابة)) فهي
خلوّ بعض الأقسام في بعض الحروف من التراجم.
(والأمثلة على ذلك كثيرة منها مثلاً: القسم الثَّاني من حرف الذال، لم يذكر فيه أحد
من الرجال والقسم الثاني من حرف الظاء لم يذكر فيه أحد من الرجال) أو اقتصار عدد
التراجم على ترجمة واحدة أو ترجمتين - كما في القسم الثاني من حرف الشين المعجمة -
ويلاحظ أن خلو بعض الأقسام في بعض الحروف من تراجم النساء وكناهن بدرجة أكبر.
فمثلاً جاءت جميع الأقسام في حرف الذّال المعجمة من تراجم النساء خالية عدا
ترجمة واحدة في القسم الأوَّل، على حين وردت الإشارة إلى أن هذا الحرف في
((الاستيعاب)) خالٍ من النساء.
الحِوَالاَتُ فِي (الإصَابَةِ)»
لقد حرص ابن حجر على الاحالة إلى ما سبق ذكره وإلى ما سوف يأتي لاحقاً في
((الإِصَابَةِ)) ولا يفتأ ينبه القارىء على ذلك.
فقد يذكر طرفاً من خبر أو قصّة احتاج إليه في موضع ثم يحيل إلى الموضع الذي
وردت فيه كاملة.
وعندما يترجم لـ ((إبراهيم) مثلاً في القسم الأول، ويوجد غيره بنفس الاسم، لكنه يقع
منهجياً ضمن تراجم القسم الثاني فإنه يذكره ويشير إلى أن ترجمته تأتي في القسم الثاني وكذا
فعل بالنسبة للذين يترجم لهم ضمن القسم الواحد إلا أنه رتبهم منهجيًّا في الكنى - كما فعل
في ترجمة إبراهيم أبو رافع مولى النبي ◌َّد.
وذكر ترجمة رباح بن قصير اللخمي في القسم الأول ثم أورده في القسم الثالث وقال:
(تقدم في القسم الأول وهو من هذا القسم على الصحيح أما عن إحالته إلى التراجم التي
سبقت أو التي ستأتي فهي كثيرة مما يشعر بالدّقة والاحتياط، وممّا يقوي هذا الرأي أنه يحدد
الموضع الذي يحيل إليه كأن يقول: تقدّم في أكثم)) من القسم الثالث أو يأتي في عديد أو
عفيف، أو قوله عن النجاشي ملك الحبشة: ((اسمه أصحمة تقدم في حرف الألف))، أو عن
قرظة بن عبد القرشي قال: ((ينظر في ترجمة ابنته فاختة زوج معاوية في كتاب النساء)) أو

١٣٦
مقدمة التحقيق
يأتي في حرف النون في ترجمة والده بعد أن ذكر اسمه أو كقوله ((ووقع ذكر الشريد من بني
سليم في شعر هوذة الآتي ذكره في حرف الهاء».
وفي ترجمة سويبق بن حاجب بن الحارث قال: (( وهو سبيع الذي تقدّم ذكره ولم ينيه
علیه)) .
وفي تراجم الإخوة والأخوات والآباء والأبناء ذكر النسب في موضع واحدٍ وأحال
عليه .
وإذا سبق في التراجم اسم بشكل عرضي فإنه يحيل إلى ترجمته ويبين موضعها،
وكذلك الحديث أو الرواية المتشابهة، كما استعمل في الإحالة عبارات مثل: ((سيأتي في
القسم الثالث))، أو سأوضح ... ذلك في العبادلة)) أو ((قد مضى القول فيه في القسم
الأوّل)).
وأحال إلى بعض مصنفاته مثل شرح البخاري ((فتح الباري)) وكتاب ((الأوائل)) و ((تعليق
التعليق)) و((لسان الميزان)) و((أسباب النزول)) و ((تهذيب التهذيب)) وكتاب ((المعمرين))
و ((العشرة العشارية)) و((الأربعين المتباينة)) وكتاب ((معرفة المدرج والبناء الجليل بحكم بلد
الخليل)) و((مبهمات القرآن)) وبعض الأجزاء المفردة.
وجميع هذه الإحالات توضح حرصه على الاختصار؛ لأنه يذكر طرفاً من الحديث أو
القصة أو الخبر ثم يشير إلى أنه قد استوفاه في مصنف آخر.
أَعْتِمَادُ الحَافِظِ أَبْنِ حَجَرٍ عَلَى مُؤْلَّفَاتِ
مَنْ سَبَقَهُ فِي كِتَابِهِ ((الإصابة)»
وقف ابن حجر في نهاية تطور طويل لعلم معرفة الصحابة وقد سبقه عدد كبير من
المصنفين في هذا الباب، وأشار هو في مقدمة كتابه، ((الإصابة)) إلى سبعة وعشرين منهم،
ثم قال: ((وفي أعصار هؤلاء خلائق يتعسر حصرهم)) وكان ذلك إلى أوائل القرن السابع
الهجري ثم ظهرت مصنفات أخرى كثيرة، فاستفاد ابن حجر من المصنفات السابقة له في
هذا الباب، سواء أكانت خاصة بالصحابة أم تحدثت عنهم بشكل عرضي في المصنفات
الخاصة بالعلوم والآداب المختلفة، على أنه اقتبس من موارد تزيد على ستين مصنفاً منفرداً
عن الصحابة وأغلبها تملك حق روايتها بالسماع وبالإجازة الخاصة كما يبين ذلك في
كتابه«المعجم المفهرس)) و ((المعجم المؤسس)).

١٣٧
مقدمة التحقيق
وقد بذل جهداً عظيماً في استقصاء أسماء الصحابة من المصنفات وتخريج تراجمهم
بصرف النظر عن كون المصنفات موثقة أو ضعيفة، وفي أي فرع كانت من فروعه المعرفة
وذلك بسبب التقسيم الذي ابتكره، وتخصيصه القسم الرابع من كل حرف لتراجم الذين
ذكروا على سبيل الوهم في الصحابة، فجمع مادة كتابه من المصنفات والأجزاء الحديثية
والنسخ، وحواشي الكتب والتعليقات، وكل ما يخطر على البال.
على أنه انتقد المَصَادرَ التي اعتمد عليها، وبين جوانب الضعف والقوّة فيها كما نقد
الأسانيد والروايات فهو يورد الرواية الضعيفة أحياناً ليستدل بها على عنصر من عناصر
الترجمة كوفاة صاحبها مثلاً فيقول: ((وهذه الرواية وإن كان فيها خطأ في التسمية لكن يستفاد
منها أن صاحب القصة عاش إلى أن سمع منه القاسم والله أعلم)).
وذكر حديثاً ثم قال: ((وفي سنده الواقدي وهو واهٍ) أو كقوله: ((رواه الواقديّ وهو
كذاب».
وعندما يقتبس من ابن سعد صاحب ((الطبقات)) يقول: ((روى ابن سعد بسند فيه
الواقدي» وقد کرر ذلك کثیراً خلال اقتباسه من كتاب «الطبقات)) واقتبس من كتاب
((الضعفاء)) ومن نسخ وأجزاء اشتملت على أحاديث موضوعة، ولكن لغرض مناقشتها
والتنبيه عليها.
ویبین وجه الوهم ومن الذي وهم فيه؟ كما في ترجمة ((ديلم الحميري)» ٢٤١٢ ثم
سبب الوهم، فهو لا يكتفي بالإشارة إليه فقط، وللاستدلال على ذلك يمكن الرجوع إلى
تراجم القسم الرابع من كل حرف ولقد بيّن أوهام عدد من العلماء الأفذاذ مثل محمد بن
إسحاق المطلبي، ومحمد بن عمر الواقدي، وأبي حاتم محمد بن عمر بن إدريس الرازي،
وعبد الله بن مسلم بن قتيبة، وعبد الله بن محمد المروزي الملقب عبدان، وأبي القاسم عبد
الله بن محمد البغوي، وأبي القاسم الطبراني، وأبي أحمد الحاكم، وأبي عبد الله الحاكم
النيسابوري وأبي نعيم الأصبهاني، وأبي العباس جعفر بن محمد المستغفري، وأبي بكر
أحمد بن علي الخطيب البغدادي وأبي عمر بن عبد البر، وأبي القاسم بن عساكر، وأبي
موسى المديني، وأبي الحسن بن الأثير، وأبي عبد الله الذهبي وغيرهم كثير.
تلك نماذج قليلة لتوضيح بعض ما صحح ابن حجر من أوهام الذين سبقوه، وهم
أفذاذ لهم مكانتهم المرموقة في أعصارهم، وفي هذا دلالة بيّنة على رسوخ قدمه وسعة أفق
تفكيره.
فذکر ما قاله البغوي وابن شاهین وابن عبد البر وأبو موسى وابن الأثير وقال: ((وقد تم

١٣٨
مقدمة التحقيق
الوهم عليهم جميعاً، وسببه أن الإسناد الذي ساقه البغوي سقط منه والد أزهر واسم
الصحابي .. الخ)).
وفي موضع آخر أورد رأي جعفر المستغفري ثم قال: هكذا أورده أبو موسى وهو وهم
ابتدأ به جعفر وتبعه أبو موسى، وراج على ابن الأثير مع تحققه بمعرفة النسب وقلّده الذهبي)»
ثم بین وجه ذلك الوهم.
وأشار إلى أنواع من الأخطاء منها ما يتعلق بالتحريف والتصحيف، وهذا ما يبرز
بوضوح في تراجم القسم الرابع من كل حرف، ومنها ما يتعلق بقراءة الاسم كأن يكون أحد
المصنفين قرأه بالجر وهو بالرفع، وبنى على قراءته المغلوطة حكماً يستوجب التصحيح.
وقد بيّن تناقض الروايات وتدافعها، وميز الروايات الشاذّة التي تفرد بها شخص معين
وذكره بالاسم، وأزال بعض الإشكال الوارد في الروايات.
ورد أحكاماً لابن الفرضي على ابن وهب في رواية حديث الخليطين، وتحريم
المسكر، ولابن الأثير على الشعبي في رواية أخبار المختار الثقفي، ولابن عبد البرّ في
حديث زعم أنه مضطرب، وليس كما قال؛ لأن ((شرط الاضطراب أن تتساوى الوجوه في
الاختلاف وأما إذا تفاوتت فالحكم للراجح بلا خلاف)).
كما تعقب كثيراً من المصنفين، فمثلاً في ترجمة سويد بن حنظلة قال قال أبو عمر: لا
أعلم له غير هذا الحديث، فقال ابن حجر: ((قلت: أخرجه أبو داود وابن ماجة ولفظه:
(الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِم) (١): وقال ابن عبد البرّ، لا أعلم له نسباً، قال ابن حجر: ((قلت: قد
زعم ابن حبان أنه جعفي .. )).
وفي ترجمة شطب المدود ذكر سؤاله للنبي ول# ثم أورد رأي ابن السكن في أن
الحديث المشار إليه لم يروه غير أبي نشيط فقال ابن حجر ((وهو حصر مردود)).
ثم بین من أخرجه.
(١) أخرجه البخاري في الصحيح ٢٥٧/٣ كتاب المظالم باب لا يظلم المسلم. حديث رقم ٢٤٤٢، ٤٠/٩
كتاب الإكراه باب يمين الرجل لصاحبه .. حديث ٦٩٥١ ومسلم في الصحيح ٤/ ١٩٨٦ كتاب البر
والصلة والآداب (٤٥) باب تحریم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وعرضه وماله (١٠) حديث رقم
(٢٥٦٤/٣٢) - وأبو داود في السنن ٢٤٤/٢ كتاب الأيمان والنذور باب المعاريض من الأيمان حديث
رقم ٣٢٥٦ وابن ماجة في السنن ١/ ٦٨٥ كتاب الكفارات (١١) باب من ورى في يمينه (١٤) حديث
رقم ٢١١٩ وأحمد في ٦٨/٢، ٩١، ٢٧٧، ٣١١، ٤٩١/٣، ٢٤/٥، ٢٥ وأبو نعيم في الحلية
٩٥/٢ - وذكره المنذري في الترغيب ٢٣٧/٣، ٣٨٩.

١٣٩
مقدمة التحقيق .
وقال في موضع من الإصابة:
قال البغويّ وابن السكن: لیس للأسود غیر هذین الحدیثین لكنه قال: وقد وجدت له
ثالثاً أخرجه البزّار ... وله رابع، قال البخاري في تاريخه ...
ويسترسل أحياناً بذكر القصة أو الخبر ومن أخرجها من المصنفين، وقد تكون القصة
واحدة لواحد اختلف في اسمه واسم أبيه على أكثر من عشرة أوجه، فتراه يشير إلى هذه
الأوجه، وقد يورد قصصاً ثم يبين التغاير بينها فيظهر فيها الإشكال ثم يناقشها ويرجح ما
استطاع.
وفي ترجمة عروة بن مسعود الثقفي أشار إلى ترجمة ابن عبد البر له وقوله بأنه شهد
الحديبية وهو كذلك غير أن ابن حجر قال: «لكن في العرف إذا أطلق على الصحابي أنه شهد
غزوة كذا يتبادر أن المراد أنه شهدها مسلماً فلا يقال: شهد معاوية بدراً، لأنه لو أطلق ذلك
ظن من لا خبرة له لكونه عرف أنه صحابي أنه شهدها مع المسلمين)).
وعندما ذكر أبا بشر السّلمي وساق حديثاً أشار إلى أن أبا موسى ذكر أنه - أي
الحديث - مشهور عن أبي اليسر ثم قال: ((قال: لكن مخرج الحديث مختلف وإذا تعددت
المخارج كان قرينة على تعدد الرّاوي بخلاف ما إذا اتحدت ولا مانع أن يروى الحكم عن
صحابيين وقرينة اختلاف السياقين أيضاً ترشد إلى التعدد والله أعلم.
وناقش الأحاديث سنداً ومتناً وبين درجتها، وقد يحيل إلى أن بيان علة الحديث في
مكانه غير الذي ذكره فيه من كتابه ونقد طرق الأحاديث.
واستعمل عبارات للتوهية والتضعيف كقوله: واهي الحديث، أو ضعيف، أو هالك،
واستل أحياناً بعض الضعفاء من السند مشيراً إليهم بالضعف، وبين الاختلال أو الاضطراب
في بعض الأسانید ککل.
وناقش صحبة الصحابي كما في مناقشته لصحبة مروان بن الحكم، وقد يناقش الصحبة
مناقشة طويلة ثم يقول: ((فما أدري أله صحبة أم لا)).
وفي ترجمة رحضة الغفاري أبدى بعض التحفظ في إثبات صحبته وقال: ((لا أعرف
لأبي عمر مستنداً في إثبات صحبة رحضة، وابنه إيماء، وابنه خفاف وقد ثبت في صحيح
البخاري، عن عمر ما يدلّ على أن لابن خفاف صحبة، فإن ثبت ذكر أبو عمر فهؤلاء أربعة
في تسعة لهم صحبة، رحضة وابن إيماء وابن خفاف فهم نظير ابن أسامة بن زيد بن حارثة،
وابن سلمة بن عمرو بن الأكوع ... )).