النص المفهرس

صفحات 41-60

٤٠
مقدمة التحقيق
وکان ﴾ إذا خطب احمرّت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتی کأنه منذر جیش
يقول: صبّحكم ومسّاكم، ويقول: ((بُعثْثُ أَنَا وَالسَّاعَة كَهَاتَيْنِ(١) - ويقرن بين أصبعيه السّابة
والوسطى - ويقول: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ خَيْرَ الحَدِيثِ كِتَابُ الله، وَخَيْرَ الْهَدْي هَذْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ
الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِذْعَةٍ ضَلَاَلَةٌ)) ثم يقول: ((أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمَنٍ مِنْ
نَفْسِهِ، مَنْ تَرَكَ مَالاَ فَلَأَهْلِهِ، وَمَنْ تَرَكَ دَيْناً أَوْ ضَيَاعاً فَإِلَيَّ وَعَلَيَّ)(٢).
ومن وسائل إيضاحه * أنه كان يضرب لهم الأمثال الرّائعة الّتي تجلّي لهم المعاني.
ضرب لأصحابه المثل في ضرورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وخطر إهمالهما فقال:
(مَثَلُ الْقَائِمِ في حُدُودِ الله، وَالْوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمِ اسْتهموا عَلَى سَفِينةٍ فَصَارِ بَعْضُهُمْ أَعْلَاَهَا
وَبَعْضُهِمْ أَسَّفَلَهَا وَكَانَ الَّذِي فِي أَسَّفَلِهَا إِذَا اسْتَقَّوْا مِنَ الْمَاءِ مَرُوا على مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا، لو
أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبَا خَرْقاً وَلِم ◌ُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ تَرَكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعاً، وَإِنْ
أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا، وَنَجَوْا جميعاً)(٣).
= والطبري في التفسير ٢٨/٥ - وذكره المنذري في الترغيب ٢٢١/٣ والهيثمي في الزوائد ١٠٦/١ - وابن
عبد البر في التمهيد ٧٢/٥ والزبيدي في إتحاف السادة المتقين ٥١٥/٧، ٥٣٨/٨.
(١) أخرجه البخاري في الصحيح ٩٣/٧ كتاب الطلاق باب اللعان حديث رقم ٥٣٠١، ١٩٠/٨ كتاب الرقاق
باب قول النبي وَ ل بعثت ... حديث رقم ٦٥٠٤، ٦٥٠٥ ومسلم في الصحيح ٢٢٦٨/٤ كتاب الفتن
وأشراط الساعة (٥٢) حديث رقم (٢٩٥١/١٣٣)، ٩٥١/١٣٤، (٢٩٥١/١٣٥) - والترمذي في السننَ
٤٢٩/٤ كتاب الفتن (٣٤) باب ماجاء في قول النبي وَ له بعثت أنا والساعة كهاتين يعني السبابة والوسطى
(٣٩) حديث رقم ٢٢١٣، ٢٢١٤ والنسائي في السنن ١٨٩/٣ كتاب صلاة العيدين (١٩) باب كيف
الخطبة (٢٢) حديث رقم ١٥٧٨ وابن ماجة في السنن ٤٥/١ المقدمة باب اجتناب البدع والجدل (٧)
حديث رقم ٤٥ - وأحمد في المسند ١٢٤/٣، ٣٠، ١٣١، ١٩٣، ٢٣٧، ٢٧٥، ٢٨٣، ٣١٩،
١٠٣/٥، ٨ والبيهقي في السنن ٢٠٦/٣، ٢١٣ - وابن خزيمة في صحيحه حديث رقم ١٧٨٥ -
والطبراني في الكبير ٢٢٧/٢، ٢٠٨/٦، ٢٤٣، ٦٦ وابن عساكر ١٩٩/٤، ٤٣٣/٥، ١٢١/٧ وابن
سعد ٩٨/٢/١ - والبخاري في التاريخ الكبير ٣٥٥/٣ والخطيب في التاريخ ٢٨١/٦ - وذكره المنذري
في الترغيب ١/ ٨٣ والهندي في كنز العمال حديث رقم ٣٨٣٤٨، ٣٨٣٤٩، ٣٨٣٥٠، ٣٩٥٧١ -
والهيثمي في الزوائد ١/ ٣١٤، ٣١٥.
(٢) أخرجه مسلم في الصحيح ٥٩٢/٢ كتاب الجمعة (٧) باب تخفيف الصلاة والخطبة (١٣) حديث رقم
(٨٦٧/٤٣) والبيهقي في السنن ٢٠٧/٣ - وذكره ابن حجر في فتح الباري ٤٠٥/٢ - والتبريزي في
مشكاة المصابيح حدیث رقم ١٤١ .
(٣) أخرجه البخاري في الصحيح ٢٧٨/٣ كتاب الشركة باب هل يقرع ... حديث رقم ٢٤٩٣ وأحمد في
المسند ٢٦٩/٤ - والبيهقي في السنن ٢٨٨/١٠ وذكره المنذري في الترغيب ٢٢٥/٣ وابن كثير في
التفسير ٥٧٩/٣ والهندي في كنز العمال حديث رقم ٥٥٣٣.

٤١
مقدمة التحقيق
ومن وسائل إيضاحه وَّلهو أسئلته التي كان يلقيها على أصحابه، ونأخذ مثالاً واحداً من
ذلك:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَة - رضي الله عنه - أن رسول الله وَّهِ قال: (أَتَدْرُونَ مَنِ المُفْلِسُ))؟ قالوا:
المفلس فينا من لا درهم له ولا دينار ولا متاع، فقال: ((إِنَّ المُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ
الْقِيَامَةِ بِصَلَاَةٍ وصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي وَقَدْ شَتَمَ هذا، وَقَذَف هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسفَكَ دَمَ
هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتِهِ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ
أُخِذَ مِنَ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثم طُرحَ في النّارِ»(١).
وكان ◌َي* يستعين بالرّسم في توضيح المعاني وتقريبها إلى الأذهان - رغم أنه كان أميًّا
لا يقرأ ولا يكتب ولم يتعلم الهندسة ولا غيرها.
روى البُخَاري فِي صَحِيحِهِ عن أَبْنِ مَسْعُودٍ - رضي الله عنه - قال: ((خط لنا رَسول الله
وَال﴿ خطًا مربعاً، وخَطَّ وسطه خطًّا، وخطَّ خطوطاً إلى جنب الخطّ - أي الذي في الوسط -
وخط خطَّ خارجاً فقال: ((أَتَّدْرُونَ مَا هَذَا)) قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: ((هَذَا الإنْسَانُ» یرید
الخط الذي في الوسط - وهَذَا الأجَلُ مُحِيطٌ بِهِ - يريد الخط المربع وَهَذِهِ الأَعْرَاضُ تَنْهَشُ -
يشير إلى الخطوط التي حوله - إن أخْطَأَ، هَذَا نَهَشَهُ هَذَا، وَهَذَا الأَمَلُ - يعني الخطّ الخارج.
ومن سياسته الحكمية في التّربية والتَّعليم أنه كان ينتهز فرصة الخطأ ليصحح لهم
الفكرة في حينها.
من ذلك ما يَقَصُّه علينا سيدنا: أنس - رضي الله عنه - قال: جاء ثلاثة رَهْطٍ إلى بيوت
أزواج النَّبِيّ ◌َ﴿ يسألون عن عبادته، فلما أخبروا كأنهم تقالوه(٢)، وقالوا: أين نحن من
رسول الله * وقد غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر؟ قال أحدهم: أمَّا أنا فأصلّي الليل أبداً
وقال الآخر: وأنا أصوم الدّهر أبداً، وقال الآخر: وأنا أعتزل النّساء فلا أتزوّج أبداً، فجاء
رسول الله ◌َ﴿ ـ إليهم فقال: (أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا !!! والله إني لأَخْشَاكُمْ لله وَأَنْقَاكُم لله،
وَلَكِنِّي أَصُومُ وُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَزْقُدُ، وَأَتْزَوّجُ النِّسَاءِ، فَمِنْ رَغِبَ عَنْ سُنَِّي فَلَيْسَ مِنِّي))(٢).
(١) أخرجه مسلم في الصحيح ١٩٩٧/٤ كتاب البر والصلة والآداب (٤٥) باب تحريم الظلم (١٥) حديث
رقم (٢٥٨١/٥٩) والترمذي في السنن ٥٢٩/٤ - ٥٣٠ كتاب صفة القيامة والرقائق والورع (٣٨) باب ما
جاء في شأن الحساب والقصاص (٢) حديث رقم (٢٤١٨) وقال أبو عیسی هذا حديث حسن صحيح
والطبري في التفسير ٩٩/٢٨ - وذكره التبريزي في مشكاة المصابيح حديث رقم ٥١٢٧.
(٢: أي عدوها قليلة.
(٣) متفق عليه أخرجه البخاري في الصحيح ١٠٤/٩، كتاب النكاح (٦٧) باب الترغيب في النكاح (١)=

٤٢
مقدمة التحقيق
وكان من وسائل إيضاحه * تمثيله بالعمل يصلّي ويقول: ((صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُوني
أُصَلِّي))(١) ويحج ويقول: ((خُذُوا عَنِّي مناسِكَكُمْ))(٢) ويشير بأصبعيه السَّبابة والوسطى
ويقول: ((يُعِثْتُ أَنَا والسَّاعَة كهاتَيْنِ)).
العَامِلُ الحَادِي عَشَرَ
التَّرغِيب والتَّرهيب اللّذان يفيض بهما بحر الكتاب والسُّنَّة، ولا ريب أن غريزة حب
الإنسان لنفسه کدفعہ إلی أن یحقق لها کلّ خیر، وأن يحميها من كل شرّ، سواء ما كان فيهما
من عاجلٍ أو آجلٍ، ومن هنا تحرص النّفوس الموفقة على وَغْي هداية القرآن وهدي
الرّسول، وتعمل جاهدة على أن تحفظ منها ما وسعها الإمكان.
ولسنا بحاجة أن نلتمس شواهد التّرغيب والتَّرهيب من الكتاب والسُّنَّة، فمددها فیاض
بأوفى ما عرف العلم من ضروب التَّرغيب والتَّرهيب، وفنون الوعد والوعيد، وأساليب
التَّبشير والإنذار، على وجوه مختلفة، وأعتبارات متنوّعة في العقائد والعبادات والمعاملات
والأخلاق علی سواء.
وهذا نموذج من ترغيبات القرآن وترهيباته على سبيل التذكرة، والذكرى تنفع
المؤمنين.
يقول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَتِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاء رَبِّهِمْ
كَافِرُونَ. قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وَكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إلى رَبَّكُمْ تُرْجَعُونَ. وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ
= حديث رقم (٥٠٦٣)، ومسلم في الصحيح ٢/ ١٠٢٠ كتاب النكاح (١٦) باب استحباب النكاح لمن
تاقت نفسه إليه ووجد مؤنة (١) حديث رقم (١٤٠١/٥)، وعند عبد الرزاق أن الرهط الثلاثة هم علي
ابن أبي طالب وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعثمان بن مظعون والرهط في اللغة من ثلاثة إلى عشرة
والبيهقي في السنن ٧٧/٧ - وذكره القرطبي في التفسير ٢٦١/٦، ٣٢٨/٩ - والتبريزي في مشكاة
المصابیح حدیث رقم ١٤٥ .
(١) أخرجه البخاري في الصحيح ٢٥٨/١ كتاب الأذان باب الأذان للمسافرين ... حديث رقم ٦٣١، ١٦/٨
كتاب الأدب باب رحمة الناس والبهائم حديث رقم ٦٠٠٨ والدارقطني في السنن ١/ ٢٧٣، ٣٤٦
والبيهقي في السنن ٢/ ٣٤٥ - وذكره ابن عبد البر في التمهيد ١١٧/٥، ٢١٣/٩ - والقرطبي في التفسير
٣٩/١، ١٧١، ١٧٣، ١١٢/٩ - وابن حجر في تلخيص الحبير ١٢٢/٢ - والتبريزي في مشكاة
المصابيح حديث رقم ٦٨٣ - والزبيدي في الإتحاف ٧١/٣، ٢٠٣، ٣٩٦.
(٢) أخرجه البيهقي في السنن ١٢٥/٥ وذكره ابن عبد البر في التمهيد ٦٩/٢، ٩١، ٩٨، ٣٣٣/٤،
١١٧/٥، ٢٧٢/٧ وابن حجر في فتح الباري ١/ ٢١٧، ٤٩٩ والزيلعي في نصب الراية ٣/ ٥٥ وابن كثير
في البداية والنهاية ١٨٤/٥، ٢١٥ والقرطبي في التفسير ٣٩/١، ١٨٣/٢، ٤١٠، ٥/٣، ٨٥/٥
والزبيدي في الإتحاف ٤/ ٤٣٧ .

٤٣
مقدمة التحقيق
نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبََّا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ. وَلَوْ شِئْنَا
لأَتَيْنَا كُلَّ نَفْسَ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ. فَذُوقُوا
بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِيْنَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَّعْمَلُونَ. إِنَّمَا يُؤْمِنُ
بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّروا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَ يَسْتَكْبِرُونَ. تَتَجَافَى
جُنُوبُهِمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ. فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا
أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةٍ أَعْيُنَ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقَاً لَ يَسْتَوُونَ.
أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جِنَّتُ المَأْوَى نُزُلاً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. وَأَمَّا الَّذِينَ
فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَدُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وقيل لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي
كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ. وَلَنَّذِيقَنَّهُم مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجَعُونَ. وَمَنْ
أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتٍ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾(١).
فانظر بعين البصيرة في هذه الأساليب، والقرآن مليء كلّه من هذه الأنوار على هذا
الغرار.
ولا تحْسَبَنَّ السُّنَّة النَّبوية إلَّ بحراً متلاطم الأمواج في هذا الباب، وهاك نموذجاً بل
نماذج منها.
ها هو ◌َِّ يبشر واصل رحمه بسعة الرزق والبركة في العمر فيقول: ((مَنْ سَرَّه أنِ يُبْسَطَ
لَهُ فِي رِزْقِهِ وَأَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَه)»(٢).
وها هو رَّ* يتحدث بالوعد لمن جعل الآخرة همَّه، وبالوعيد لمن جعل الدنيّا همَّه
فيقول: ((مَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ همَّهُ. جَعَلَ الله ◌ِنَاهُ في قَلْبِهِ، وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتْتُهُ الدُّنْيَا وَهِيَ
رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللهِ الْفَقْرَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّق الله عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ
الدُّنْيَا إِلاَّ ما قُدِّر لَهُ»(٣).
(١) السجدة: ١٠ - ٢٢.
(٢) أخرجه البخاري في الصحيح ١١٩/٣ كتاب البيوع باب من أحب البسط ... حديث رقم ٢٠٦٧، ٨/٨
كتاب الأدب باب من بسط له .. حديث (٥٩٨٥) ومسلم في الصحيح ٤/ ١٩٨٢ كتاب البر والصلة
والآداب (٤٥) باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها (٦) حديث رقم (٢٥٥٧/٢٠)، (٢٥٥٧/٢١) - وذكره
المنذري في الترغيب ٣٣٥/٣ والقرطبي في التفسير ٣٣٠/٩ - والدولابي في الأسماء والكنى ١٠٨/١ -
والهندي في كنز العمال حديث رقم ٦٩٦٥ .
(٣) أخرجه الترمذي في السنن ٥٥٤/٤ كتاب صفة القيامة والرقائق والورع (٣٨) باب (٣٠) حديث رقم
٢٤٦٥ وابن حبان في الموارد حديث رقم ٧٢ وذكره المنذري في الترغيب ١٢١/٤ والزبيدي في
الإتحاف ٣٩٠/٦، ٨/١٠ والهندي في كنز العمال حديث رقم ٨١٨٦.

٤٤
مقدمة التحقيق
وها هو ◌َ﴿ يحرض المؤمنين على القتال فيقول: ((ضَمِنَ الله لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِ الله،
لاَ يُخْرِجُهُ إِلَّ جِهَادٌ فِي سَبِيلِي، وَإِيمَانٌ بِي، وَتَصْدِيقٌ بِرُسُلِي، فَهُوَ عَلَيَّ ضَامِنٌ أَنْ أُدْخِلَهُ
الْجَنَّةَ أَوْ أُرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ نَائِلا مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ
بِيَدِهِ، مَا مِنْ كَلْمٍ يُكْلَمُ فِي سَبيلِ اللهِ إِلَّ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَهَيْتِهِ يَوْمَ كُلِّمَ، لَوْنُهُ لَوْنُ الدَّمِ،
وَرِيحُهُ رِيحُ مِسْكِ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مَا قَعَدْتُ خِلاَ
سَرِيَّةٍ تَغْزُو في سَبِيلِ الله عَزَّ وَجَلَّ أَبَداً، وَلَكِن لاَ أَجِدُ سعَةً فَأَحْمِلَهُمْ، وَلاَ يَجِدُونَ سَعَةً
فَتْبَعُونِي وَيَشُقُّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَخلَّوا عَنِّي، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّد بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أَنْ أَغْزُو فِي سَبِيلِ الله
فَأُقْتَلَ ثُمَّ أَغْزُو فَأَقْتَلَ))(١).
أنت ترى في هذه الكلمات النَّبوية قوة هائلة محولة تجعلها ماثلةٌ في الأذهان كما
تجعل النّفوس رخيصةٌ هيّئةٌ في سبيل الدّفاع عن الدين والأوطان، حتى لقد كان الرّجل
يستمع إلى هذه المرغبات والمُشوّقات وهو يأكل، فما يصبر حتى يتم طعامه، بل يرمي بما
في يده، ويقوم فيجاهد متشوّقاً إلى الموت، متلهفاً على أن يستشهد في سبيل الله.
العَامِلُ الثَّانِي عَشَرَ
اهتداء الصّحابة - رضوان الله عليهم - بكتاب الله وسنة رسوله و * يحلّون ما فيهما من
جلالٍ، ويحرّمون ما فيهما من حرام، ويتبعون ما جاء فيهما من نصح ورشد. ويتعهدون
ظواهرهم وبواطنهم بالتربية والآداب الإسلامية دستورهم القرآن، وإمامهم الرسول عليه
الصلاة والسلام.
وما من شك أن العمل بالعلم يقرّره في النّفس أبلغ تقرير وينقشه في صحيفة الفكر
أثبت نقش، على نحو ما هو معروف في فن التّربية وعلم النّفس، من أن التَّطبيق يؤيد
المعارف والأمثلة تقيد القواعد، ولا تطبيق أبلغ من العمل، ولا مثال أمثل من الاتباع،
خصوصاً المعارف الدِّينية، فإنها تزكو بتنفيذها، وتزيد باتباعها.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً﴾(٢) أي هداية ونوراً
تفرقون به بين الحق والباطل، وبين الرشد والغيّ كما جاء في بعض وجوه التفسير.
(١) أخرجه مسلم في الصحيح ١٤٩٥/٣ - ١٤٩٦ كتاب الإمارة (٣٣) باب فضل الجهاد والخروج في سبيل
الله (٢٨) حديث رقم (١٨٧٦/١٠٣) والنسائي في السنن ١١٩/٨ - ١٢٠ كتاب الإيمان وشرائعه (٤٧)
باب الجهاد (٢٤) حديث رقم ٥٠٣٠ وأحمد في المسند ٣٩٩/٢، ٤٢٤ - وابن أبي شيبة ٢٨٧/٥
والبيهقي في السنن ٣٩/٩ - وذكره المنذري في الترغيب ٢٦٩/٢ - والقرطبي في التفسير ٢٧٧/٥.
(٢) [الأنفال: ٢٩].

٤٥
مقدمة التحقيق
وذلك أن المُجاهَدَةَ تؤدي إلى المشاهدة، والعناية بطهارة القلب وتزكية النفس تفجر
الحكمة في قلب العبد، قال الغزالي: أما الكتب والتَّعليم فلا تفي بذلك - أي بالحكمة تتفجّر
في القلب بل الحكمة الخارجة عن الحصر والعدّ إنّما تتفتح بالمجاهدة ومراقبة الأعمال
الظاهرة والباطنة، والجلوس مع الله عز وجل في الخلوة مع حضور القلب بصافي الفكرة،
والانقطاع إلى الله عزّ وجَلَّ عما سواه فذلك مفتاح الإلهام ومنبع الكشف فكم من متعلّم طال
تعلّمه ولم يقدر على مجازاة مسموعه بكلمة وكم من مقتصر على المهم في التّعليم، ومتوفر
على العمل ومراقبة القلب، فتح الله عليه من لطائف الحكمة ما تحار فيه عقول ذوي الألباب،
ولذلك قال - ◌َ﴾ه -: ((مَنْ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ وَرَّثَهُ الله عِلْمَ مَا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ))(١).
العَامِلُ الثَّالِث عَشَرَ:
وجود الرَّسول وَّه بينهم يحفظهم الكتاب والسُّنة ويعلمهم مالم يتعلموه، ويفقههم في
أمور دينهم.
قال الشيخ الزُّرْقَانِيُّ: ((ولا ريب أن هذا عامل مهمٌّ ييسر لهم الحفظ ويهون عليهم
الاستظهار ... )).
عوامل خاصّة بالقرآن الكريم :
وهذه العَوَامِلُ - الخاصَّة توافرت في حفظ الصَّحابة للقرآن الكريم دون السُّنَّة النَّبوية
المطهرة.
أوّلها: تحدّي القرآن للعرب بل لكافَّة الخلق.
قال تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾(٢)؛ ولما عجزوا قال: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ
مِثْلِهِ﴾(٣)، ولما عجزوا قال: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾(٤)، ولما عجزوا سجّل عليهم هزيمتهم
وأعلن إعجاز القرآن فقال عز اسمه: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا
الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾(٥).
ثانيها: عنايته ◌َ ﴿ بكتابة القرآن فيما تيسر من أدوات الكتابة، إذ اتخذ كُتَّاباً للوحي من
(١) قال الحافظ العراقي في هذا الحديث: رواه أبو نُعَيْم في ((الحلية)) لكن بسند ضعيف - الحلية ١٥/١٠.
(٢) [الطور: ٣٤].
(٣) [هود: ١٣].
(٤) [يونس: ٣٨].
(٥) [الإسراء: ١٧].

٤٦
مقدمة التحقيق
أصحابه، وأقر كل من يكتب القرآن لنفسه في الوقت الذي نهى فيه عن كتابة السنة ففي
الحديث ((لاَ تَكْتُبُوا عَنِّي، وَمَنْ كَتبَ عَنِّي شيئاً غَيْرَ القُرْآنِ فَلْيَمْحُه))(١).
ثالثها: تشريع قراءة القرآن في الصّلاة، فرضاً كانت أو نفلاً، سرًّا أو جهراً .. وتلك
وسيلة فعّالة جعلت الصحابة يقرؤونه ويسمعونه ويحفظونه.
رابعها: الترغيب في تلاوة القرآن في كل وقت، واقرأ قوله تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ
كِتَابَ الله وَأَقَامُوا الصَّلَةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبِّور﴾(٢).
ويقول النبي ◌َّهِ: ((الّذي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَهُوَ مَاهِرٌ بِهِ مَعَ السَّفْرَة الْكِرَامِ البَرَّرَةِ والّذِي يَقْرَأُ
الْقُرْآنَ وَهُوَ يَتَتَعْتَعُ فِيهِ، وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ لَهُ أَجْرَانِ))(٣). وغير هذا الكثير والكثير مما حفل به
القرآن والسنة.
فهل يعقل أنّ أصحاب محمد ◌َ ﴿ يتوافون لحظة بعد سماع ذلك عن قراءة القرآن؟ !!
خامسها: عناية الرّسول وله بتعليم القرآن وإذاعته ونشره إذ كان يقرؤه على النّاس على
مُكْثٍ كما أمره الله .. وكان يرسل بَعْثات القرّاء إلى كل بلد يعلّمون أهلها كتاب الله .. قال
عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ: كان الرّجل إذا هاجر دفعه النبي ◌َله إلى رجل منا يعلّمه القرآن.
سادسها: القداسة التي امتاز بها كتاب الله عن كل ما سواه .. تلك القداسة التي تلفت
الأنظار إليه، وتخلع همم المؤمنين به عليه، فيحيطون به علماً، ويخضعون لتعاليمه عملاً ..
قال الشَّيْخُ الزُّزْقَانِيُّ: ((ونحن نتحدّى أمم العالم بهذه الدّواعي التي توافرت في
الصّحابة حتى نقلوا الكتاب والسنة وتواتر عنهم ذلك خصوصاً القرآن الكريم.
أُولَئِكَ آبَائِي فَجِئْنِي بِمِثْلِهِمْ إِذَا جَمَعَثْنَا يَا جَرِيرُ المَجَامِعُ
[الطويل]:
غمرهم الله برحمته ورضوانه .. آمين.
(١) أخرجه مسلم في الصحيح ٢٢٩٨/٤ - ٢٢٩٩ كتاب الزهد والرقائق (٥٣) باب التثبت في الحديث وحكم
كتابة العلم (١٦) حديث رقم (٧٢/ ٣٠٠٤) وأحمد في المسند ١٢/٣، ٢١، ٣٩، ٥٦ والدارمي في
السنن ١١٩/١ - والحاكم في المستدرك ١٢٧/١ وابن عدي في الكامل ٩٢٦/٣، ١٧٧١/٥ وذكره ابن
حجر في فتح الباري ٢٠٨/١، ١٢/٩، ١٤ والهندي في كنز العمال حديث رقم ٢٩١٦٨.
(٢) [فاطر: ٢٩].
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ١٠/ ٤٩٠.

٤٧
مقدمة التحقيق
ثَانِياً: عَوَامِلُ تَثَّبُّتِ الصَّحَابَةِ فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
بعد أن ألقينا الضَّوء على عوامل حفظ الصّحابة للكتاب والسّنة نعرج على بيان عوامل
تثبتهم - رضوان الله علیھم - فيهما.
قال الشَّيْخُ الزّرْقَانِيُّ: ((اإنّ النّاظر في تاريخ الصّحابة يروعه ما يعرفه عنه في تثبتهم أكثر
مما يروعه عنهم في حفظهم، لأن التثبت فضيلة ترجع إلى الأمانة الكاملة والعقل الناضج من
ناحية، ثم هو في الصّحابة بلغ القمّة من ناحية أخرى.
ولهذا التُّّت النادر في دقته واستقصائه بواعث ودواع أو أسباب وعوامل إليك بيانها:
العَامِلُ الأَوَّلُ
أمر الله تعالى في محكم كتابه بالشَّبُّت والتَّحَرِّي، وحذّر من الطَّيش والتَّسرّع فقال: ﴿يَا
أَيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبٍ فَتَبِيِّنُوا أَنْ تَصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ
نَادِمينَ﴾(١).
وكذلك نهى الله عن اتباع ما لا دليل له فقال: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ
وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾(٢).
وقد عاب القرآن على من يأخذون بالظَّن فقال جلّ شأنه: ﴿إِن يَشَّبِعُونَ إِلَّ الظَّن وإنَّ
الظنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شيئاً﴾(٣)
وكان الصّحابة هم المخاطبين بهذه التعاليم والمشافهين بها فلا ريب أن تكون تلك
الآداب الإسلامية من أهم العوامل فمن تثبيتهم وحذرهم خصوصاً فيما يتصل بكتاب ربهم
وسنّة نبيهم، وبعيد كل البعد أن يكونوا قد أهملوا هذا النصح السّامي وهم خير طبقة
أخرجت للناس.
العَامِلُ الثَّانِي:
الترهيب الشديد، والتهديد والوعيد لمن يكذب على الله أو يفتري على رسوله وَ له قال
عز اسمه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً أو قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحٍ إِلَيْهِ شَيْءٌ، وَمَنْ
قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَل الله﴾(٤) والآيات في هذا الشأن كثيرة.
ونقرأ في السّنة النبويّة قوله ◌َ له: (مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَفْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)) وهو
حديث مشهور، بل متواتر، ورد أنه قد رواه اثنان وستون صحابيّاً منهم العشرة المبشرون
بالجنة، والسُّنَّة أيضاً مليئةٌ بأحاديثَ من هذا النوع.
(١) [الحجرات: ٦].
(٢) [الإسراء: ٣٦].
(٤) [الأنعام: ٢١].
(٣) [النجم: ٢٨].

٤٨
مقدمة التحقيق
فهل يستبيح عاقل مُنْصِفٌ أن يقول: إن الصَّحابة الذين سمعوا هذه النَّصائح وتلك
الزَّاواجر يقدمون على كذب في القرآن والسُّنَّة أو يقصرون في التَّبُّت والتَّحَرّي
والاحتياط .. ؟ !!
العَامِلُ الثَّالِثُ:
أَمْر الإسلام لهم بالصّدق ونهاهم عن الكذب إطلاقاً فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله
وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾(١).
ففي هذا إشارة إلى أن الصدق من مقتضيات الإيمان، ويفهم منه أن الكذب سبيل
الكفر والطغيان، وقد صرح الله سبحانه بذلك في قوله: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ
بِآيَاتِ الله وَأُولَئِكَ هُمْ الْكَاذِبُونَ﴾(٢)
ويقول النبيّ وَّهِ: ((عَلَيْكُمْ بِالصّدْقِ فَإِنَّهُ مِنَ الْبِرِّ وَهُمَا فِي الْجَنَّةِ، وَإِيَّكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّهُ
مِنَ الْفُجُورِ وَهُمَا فِي النَّارِ))(٣).
وفي الكِتَابِ والسُّنَّةِ أضعاف أضعاف ما ذكر في الموضوع فهل بعد ذلك ترضى هذه
الطبقة - الصحابة - أن تركب رأسها وتنكص على أعقابها فتكذب على الله ورسوله أو لا
تتحرى الصدق في كتاب الله وسنة رسوله !! ذلك شطط بعيد لا يجوز إلا على عقول
المغفلين.
العَامِلُ الرَّابِعُ :
أن الصّحابة - رضوان الله عليهم - كانوا مغرمين بالتَّفقه والتعلّم مولعين بالبحث
والتنقيب، مشغوفين بكلام الله وكلام رسوله روى البُخَارِيُّ ومسلم أن ابن مسعود قال: قال
لي رسول الله وَله: ((اقْرَأْ عَلَيَّ الْقُرْآنَ))(٤) قلت: يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال:
(١) [التوبة: ١١٩].
(٢) النحل: ١٠٥.
(٣) أخرجه ابن ماجة في السنن ٢/ ١٢٦٥ كتاب الدعاء (٣٤) باب الدعاء بالعفو والعافية (٥) حديث رقم
٣٨٤٨ وأحمد في المسند ٣/١، ٥ - والحميدي في مسنده ٧ وابن حبان في الموارد حديث رقم ١٠٦
والبخاري في الأدب المفرد ٧٢٤ - وابن عساكر ١٥٦/٣.
(٤) متفق عليه أخرجه البخاري في الصحيح ٨/ ٢٥٠ كتاب التفسير (٦٥) تفسير سورة النساء (٤) باب فكيف
إذا جئنا من كل أمة بشهيد (٩) حديث رقم ٤٥٨٢، وفي ٩/ ٩٣ كتاب فضائل القرآن (٦٦) باب من أحب
أن يستمع القرآن من غيره (٣٢) حديث رقم (٥٠٤٩) وفي ٩/ ٩٤ باب قول المقرىء للقارىء حسبك
(٣٣) حديث (٥٠٥٠) وأخرجه مسلم في الصحيح ١/ ٥٥١ كتاب الصلاة المسافرين (٦) باب فضل
استماع القرآن ... (٤٠) حديث رقم (٢٤٧/ ٨٠٠)، (٨٠٠/٢٤٨) والترمذي في السنن ٢٢٢/٥ كتاب=

٤٩
مقدمة التحقيق
(إِنِّي أُحُبُّ أَنْ أسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي)) فقرأت عليه سورة النساء حتى إذا جئت إلى هذه الآية ((فَكَيْفَ
إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ، وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤْلاَءِ شَهِيدً) قال: ((حَسْبُكَ الآنَ)) فالتفت إليه
فإذا عيناه تذرفان.
وكذلك كان الصّحابة همّتهم أن يقرؤوا القرآن ويستمعوه روى الشَّيْخَان عن أَبِي مُوسَى
رضي الله عنه قال: قال رسول الله ◌َّهِ((إِنِّي لَأَعْرِف أَصْوَاتَ رُفْقَةِ الأَشْعَرِيين بالليْلِ حِينَ
يَدْخُلُون، وَأَعْرِفُ مَنَازِلَهُمْ مِنْ أَصْوَاتِهِمْ بَالقُرْآن بأَليْلِ، وَإِنْ كُنْتُ لَمْ أَرَ مَنَازِلَهُمْ حِينَ نَزَلُوا
بالتَّهَارِ))(١). أليس هَذَا الولوع بالكتاب والسّنة من دواعي تثبتهم فيهما كما هومن دواعي
حفظهم لهما، لأن اشتهار الشَّيء وذيوعه ولين الألسنة به يجعله من الوضوح والظّهور بحيث لا
يشوبه لبس ولا يخالطه زيف، ولا يقبل فيه دخيل.
العَامِلُ الخَامِسُ :
يسر الوسائل لدى الصّحابة إلى أن يتثبتوا، وسهولة الوصول عليهم إلى أن يقفوا على
جليّة الأمر، فيما استغلق عليهم معرفته من الكتاب والسُّنة، وذلك لمعاصرتهم رسول الله وَل
يتصلون به في حياته، فيشفي صدورهم من الرّيبة والشَّك، ويريح قلوبهم بما يشع عليهم من
أنوار العلم وحقائق اليقين.
أما بعد غروب شمس النّبوة، وانتقاله ◌َ ﴿ إلى جوار رَبِّه، فقد كان من السَّهل عليهم
أيضاً أن يتَصلوا بمن سمعوا بآذانهم من رسول الله وَّ﴿ والسامعون يومئذٍ عدد كثير وجَمٌّ
غفير، يساكنونهم في بلدهم، ويجالسونهم في نواديهم فإن شك أحدهم في آية من كتاب الله
تعالى، أو خبر عن رسول الله أمكنه التثبت من عشرات سواه دون عَنَت ولا عُسْرٍ .
العَامِلُ السَّادِسُ:
الشّجاعة الفطرية لِلأَصحاب، والصَّراحة الطَّبيعية لهم، حتى لقد كان الرَّجل منهم
يقف في وسط الجمهور يرد على أمير المؤمنين وهو يلقي خطاب عرشه ردًّا قويّاً صَريحاً
= تفسير القرآن (٤٨) باب (٥) ومن سورة النساء حديث رقم ٣٠٢٥ وابن ماجة في السنن ١٤٠٣/٢ كتاب
الزهد (٣٧) باب الحزن والبكاء (١٩) حديث رقم ٤١٩٤ - وأحمد في المسند ٣٨٠/١، ٤٣٣ والبيهقي
في السنن ٢٣١/١٠ _ والطبراني في الكبير ٧٩/٩ وابن أبي شيبة ٥٦٣/١٠، ٢٥٤/١٣، ١٠/١٤، ١١
وابن سعد ١٠٤/٢/٢ - وأبو نعيم في الحلية ٧/ ٢٠٣ وذكره الهندي في كنز العمال حديث رقم ٢٨٢٦.
(١) أخرجه مسلم في الصحيح ٤/ ١٩٤٤ كتاب فضائل الصحابة (٤٤) باب فضائل الأشعريين رضي الله عنهم
(٣٩) حديث رقم (٢٤٩٩/١٦٦) والبخاري في التاريخ الكبير ١٧٥/٥ وذكره ابن حجر في فتح الباري
٧/ ٤٨٥ وابن كثير في البداية والنهاية ٢٠٦/٤ والهندي في كنز العمال حديث رقم ٣٣٩٧٤.
الإصابة/ج٢/١ ٤

٥٠
مقدمة التحقيق
خَشِناً، بل كانت المرأة تقف في سترة المسجد الجامع فتقاطع خليفة المسلمين وهو يخطب،
وتعارض رأيه برأيها، وتقرع حجته بحجتها فيما تعتقد أنه أخطأ فيه شاكلة الصّواب.
فهل يرضى العقل والمنطق أن تجرح هذه الأمة الصريحة القوية وتتهم بالكذب أو
بالسكوت على الكذب في كلام الله، وفي سنة رسول الله؟!
ثم ألا يحملهم هذا الخلق المشرق فيهم على كمال التَّثبت ودقة التحرّي في كتاب الله
وسنة رسول الله؟!
العَامِلُ السَّابِعُ:
تكافل الصّحابة تكافلاً اجتماعياً فرضه الإسلام عليهم.
لقد كان كلّ واحد منهم يعتقد أنه عضو في جسم الجماعة، عليه أن يتعاون هو
والمجموع في المحافظة على المّة، ويعتقد أنه لبنة في بناء الجماعة، عليه أن يعمل على
سلامتها من الدغَل والزغَل والافتراء والكذب خصوصاً في أصل التّشريع الأول وهو القرآن
وأصله الثّاني وهو سنة الرّسول عليه الصّلاة والسَّلام.
واقرأ آيات الأَمْرِ بالمعروف والنَّهي عن المنكر التي تقرر ذاك التّكافل الاجتماعي
الإسلامي بين آحاد الأمّة بما لا يدع مجالاً لمفترٍ على الله، ولا يترك حيلة لحاطب ليلٍ في
حديث رسول الله اله.
يقول الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمٌَّ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهُونَ عَنِ
المُنْكَرِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا واخْتَلَفُوا مِنْ بعد مَاجَاءَهُمُ البيّنات
وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ. يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهٌ وَتَسْوَةُ وُجُوهٌ﴾ إلى أن قال جلّ ذكره: ﴿كُنْتُمْ
خَيْرِ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِالله﴾(١).
وهكذا قدّم الله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان بالله، تنويهاً
بجلالتهما، وحثًّا عَلَى التمسّك بحبلهما، وإشارة إلى أن الإيمان بالله لا يصان ولا يكون إلا
بهما .
وأما السّنة فيقول وَّهِ: ((وَالّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَنْهُونَّ عَنِ الْمُنْكَرِ أَوْ
لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَبْعَثَ الله عَلَيْكُمْ عِقَاباً مِنْهُ، ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلاَ يُسْتَجَابُ لَكُمْ)(٢).
(١) [آل عمران: ١٠٤ - ١١٠].
(٢) أخرجه الترمذي في السنن ٤٠٦/٤ - ٤٠٧ كتاب الفتن (٣٤) باب ما جاء في الأمر بالمعروف والنهي عن.
المنكر (٩) حديث رقم ٢١٦٩ وقال أبو عيسى هذا حديث حسن وأحمد في المسند ٣٨٩/٥ - والطبراني :

٥١
مقدمة التحقيق
فهل بعد هذا كلّه يعقل أن يعبث الصّحابة، أو يقرون من يعبث بكتاب الله تعالى وسنة
العَامِلُ الثَّامِنُ:
رسوله ول.
تعويدهم الصّدق وترويضهم عليه عملاً، كما أرشدوا إليه وأدبوا به فيما سمعوا علماً،
والتّربية غير التّعليم، والعلم غير العمل، ونجاح الفرد والأمّة مرهون بمقدار ما ينهلان من
رحيق التّربية، وما يقطفان من ثمرات الرّياضة النفسية والقوانين الخلقية، أما العلم وحده
فقد یکون سلاح شقاء، ونذیر فناء، كما نرى ونسمع.
ولقد أدرك الإسلام هذه النَّاحية الجليلة في بناء الأمم فأعارها كل اهتمام، وعُنِيَ
بالتَّنفيذ والعمل أكثر مما عني بالعلم والكلام.
انظر إلى قول الرَّسول وَ﴿ لمن يدرسون العلم في مسجد قباء («تَعَلَّمُوا ما شِئْتُمْ أَنْ
تَعَلّمُوا فَلَنْ يَأْجُرَكُمْ الله حَتَّى تَعْمَلُوا)).
ولقد مرّ بنا قبل ذلك الحديث عن الكذب، وهو أنواع، وشرع الله عقوبة من أشنع
العقوبات لمن اقترف نوعاً منه وهو الخوض في الأعراض، تلك العقوبة هي حدُّ القذف
الذي يقول الحقّ جلّ شأنه فيه: ﴿وَالّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بَأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ
فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبِلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأَولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ﴾(١).
أفبعد هذه التربية العالية يصح أن يقال: إن الصحابة يكذبون على الله ورسوله، ولا
يتثبتون، ألا إن هؤلاء من إفكهم ليهرفون بما لا يعرفون، ويسرفون في تجريح الفضلاء
واتهام الأبرياء ولا يستحون، فويل لهم من يومهم الّذي يوعدون.
العَامِلُ التَّاسِعُ:
القدوة الصَّالحة، والأسوة الحسنة، التي كانوا يجدونها في رسول الله صلقر ماثلة كاملة،
جذابّة أخاذة، ولا شكّ أن القدوة الصَّالحة خير عامل من عوامل التَّعليم والتربية والتَّديب
والتَّهذيب.
ولم يعرف التّاريخ ولن يعرف قدوة أسمى ولا أسوة أعلى ولا إمامة أسنى من محمد
* في كافة معناه الكمال البشري، خصوصاً خلقه الرّضي، وأدبه السَّني، ولا سيما صدقه
وأمانته وتحريه ودقته.
= في الكبير ١٨٠/١٠ وذكره السيوطي من الدر المنثور ٣٠١/٢، ٣٤١ والزبيدي في إتحاف السادة
المتقين ٧/ ١٢ .
(١) [النور: ٤٠].

٥٢
مقدمة التحقيق
وكانت هذه الفضائل المشرقة فيه، من بواعث إيمان المُنْصِفِين من أَهْلِ الجاهليّة به،
ولقد اضطر أن يشهد له بها أعداؤه الألِذَّاء، كما آمن بها أتباعه الأوفياء.
ومما يذكر بالإعجاب والفخر لبني الإسلام أنه وَّر عرض الإسلام على بني عامر بن
صَعِصَعَةَ، وذلك قبل الهجرة، وقبل أن تقوم للدين شوكة، فقال كبيرهم: أرأيت إن نحن
تابعناك على أمرك، ثم أظهرك الله على من خالفك أيكون لنا الأمر من بعدك، فأجابه وله
بتلك الكلمة الحكيمة الخالدة: ((الأَمْرُ لله يَضَعُهُ حَيْثُ يَشَاءُ)) (١) فقال له كبيرهم: أفتهدف
نحورنا للعرب دونك، فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا لا حاجة لنا بأمرك.
وهنا تتجلّى سياسة الإسلام، وأنها سياسة صريحة مكشوفة، رشيدة، شريفة لا تعرف
الالتواء والكذب والتَّضليل كما تتجلّى صراحة في نبيّ الإسلام وصدق نبي الإسلام، وشرف
نبيّ الإسلام، عليه الصلاة والسلام.
العَامِلُ العَاشِرُ:
سَمِؤُّ تَربية الصّحابة على فضائل الإسلام كلّها، وكمال تأدبهم بآداب هذا الدين
الحنيف وشدة خوفهم من الله، وصفاء نفوسهم إلى حدٍّ لا يتفق والكذب، خصوصاً الكذب
على الله تعالى، والتجنِّي على أفضل الخليقة صلوات الله وسلامه عليه.
وإذا استعرضنا تاريخ الصّحابة رضوان الله عليهم نشاهد العجب من عظمة تأديب
الإسلام لهم، وتربيته إيّاهم تربية سامية جعلتهم أشباه الملائكة يمشون على الأرض لا سيما
ناحية الصّدق والأمانة، والتثبُّت والتَّحرِّي والاحتياط، وذلك من كثرة ما قرر القرآن فيهم
لهذه الفضائل.
ومن عناية الرّسول وَّه بهم علماً وعملاً ومراقبة حتى أصبحوا بنعمة من الله وفضْلٍ
منطبعة قلوبهم على هذه الجلائل متشبّعة نفوسهم بمبادىء الشّرف والنبل تأبى عليهم كرامتهم
أن يقاربوا الكذب أو يقارفوا التّهجم لا سيّما التَّهُم على مقام الكتاب العزيز وكلام صاحب
الرسالة وله .
قالت عائشة رضي الله عنها ((ما كان خلق أشد على أصحاب رسول الله والتي من
الكذب، ولقد كان رسول الله ويليه يطّلع على الرّجل من أصحابه على الكذب فما ينجلي من
صدره حتى يعلم أنه أحدث توبة لله عزَّ وجلَّ))(٢).
(١) أخرجه الدار قطني في السنن ٢٢١/٣ بلفظ الأمر إلى الله - وذكره العجلوني في كشف الخفاء ٢٢٤/١.
(٢) مناهل العرفان في علوم القران للشيخ الزرقاني ص ٢٨٣ والصفحات التي بعدها بتصرف.

٥٣
مقدمة التحقيق .
الصَّحَابَةُ وَالْفِقْهُ
الصَّحَابَةُ رضوان الله عليهم كانوا يسألون عما يقع لهم من الحوادث، وحكم الله فيها،
يتوجَّهُون بالسؤال إلى النِّبِيّ وَّرَ فيفتيهم تَارَةً بالآية أو الآيات ينزل الوحي بها عليه وتارة
عندما لا يسعفه الوخي یفتیهم باجتهاده.
وعندما لا يتيسَّر لهم سؤال الرَّسُول ◌َ﴿ يسأل الصَّحابة بعضهم بعضاً فيما يَعنُّ لهم من
أمور وما يشكل عليهم من حوادث، علَّه يعرف في الواقعة حكماً لم يعرفه، فهم ليسوا سواء
في العلم والفقه، فقد كان عِلْمُ التَّيُّمِ عند عَمَّارٍ وغيره ولم يعلمه عمر، وكان حكم المسح
عند عَلِيٍّ وحذيفة ولم تعلمه عائشة وأَبَّن عمر وأبو هريرة.
والنَّاسُ في البلاد البعيدة عن المدينة يسألون الصحابة الموفدين إليهم من قِبل الرَّسُولِ
وَ﴾ فيما يعرض لهم من أُمور.
وبعد أن ألحق النَّبِيِ وَّهِ بالرفيق الأعلى، وانتقلت السُّلْطَةُ التَّشْريعية إلى الخُلَفَاءِ
الرَّاشدين وإلى كبار الصَّحابة من بعده، بدأ الفقه يظهر بوضوح: ويأخذ في الظهور شَيئاً
فَشَيْئاً، ذلك أن الفتوحات الإسلامية انتشرت وامتدت رقعة البلاد شرقاً وغرباً، وأنتقل إلى
هذه البلاد المفتوحة الصّحابة يحكمون ويقضون، ويفتون على وفق ما يفهمون من كتاب الله
وسنة رسوله ﴿ فإن لم يجدوا في كتاب الله ولا في سُنَّة رسول الله وَّر ما يسعفهم فيما
يسألون عنه أعملوا رأيهم واجتهدوا وحاولوا الوصول إلى حكم الله في المسَائِلَ التي تعرض
عليهم مُلَبِّين رغبات الناس وأهل البلاد المفتوحة، واتّسعت صدورهم ولم يتقيَّدوا بقيود في
المصلحة الواجب مراعاتها، وقبلوا من غير تفكير طويل الأمور الغريبة عنهم ما دام لا يوجد
ضدّها اعتراض ديني أو خلقي أو واقعة فقهية حصلت، وبهذا كان اجتهادهم فسيحاً متّسعاً
لحاجات النّاس ومصالحهم، وكانت حريّة هذا الاجْتِهَاد كَفِيلَةً بالتَّقنين والتَّشريع لكل
معاملاتهم وحاجاتهم، ومن هنا أخذ الفقه يتطور حثيثاً، ويخطو خطوات سريعة نحو التقدّم
والازدهار.

٥٤
مقدمة التحقيق
كان عصر الخلفاء الراشدين، وعصر كبار الصحابة عصراً يحمل طابع التّقوى والصَّلاح
والتَّمسك بروح الدِّين والفضيلة التي عرفوها من الرَّسُول ◌َه
هذا العصر الذي أُمْتَازَ بالهدوء والنِّظام، ولم تختلف فيه وجهات النَّظر كثيراً في
الحكم بين الأمّة وحكامها، وكان عصر انتصار يقود من نصر إلى نصر، ومن فتح إلى فتح،
واتَّسعت به رقعة البلاد الإسلامية وامتدت أطرافها وَنَعِمَ الناس فيه بنعمة الدِّين والدُّنيا.
ومن هذا يتّضح أن الصحابة رضوان الله عليهم تفرقوا في البلاد المفتوحة حاكمين
ومعلّمين حُرَّاساً ومُرَابِطين قضاة ومُفْتِينَ، وآثر بعضهم البقاء في المدينة كزيد بن ثابت وعبد
الله بن عمر، ففي مكّة كان عبد الله بن عباس، وذهب إلى الكوفة عبد الله بن مسعود، وإلى
مصر عبد الله بن عمرو بن العاص، وإلى الشَّام معاذ بن جبل وعبادة بن الصّامت وأبو
الدَّرداء، وإلى البَصْرَة أبو موسى الأشعريُّ، وأنس بن مالك، وكانت الأمصار مُتَعَطِّشَةً إلى
معرفة تعاليم الدّين الإسلاميّ الذي بزغْ نُوره منذُ فجرٍ قريب، فأقبل أهل كل مصر على من
نزل بهم من الصّحابة يغترفون من بحورهم ويستفتونهم ويتعلّمون منهم، واكتفى كل مصر
بما عنده، ووثقوا به لقلة الاتّصال وصعوبة المواصلات.
ولم يكن الصَّحابة جميعاً في العلم والفهم ومعرفة أحاديث الرّسول و ﴿ سواء، فمنهم
من لازم النبي و له مدّة طويلة، فسمع من الحديث أكثر من غيره ومنهم من لازمه في
الغزوات والأسفار، ومنهم من لم يظفر بذلك.
وقد كان لهؤلاء الصَّحَابة آثارهم الخاصَّة في البلاد التي استوطنوها أو نزلوا بها ممَّا
تركوا فيها من ثروة تشريعية كبيرة، وبما كان لهم فيها من تلاميذ أخذوا عنهم علمهم وفقههم
وخلفوهم في التّشريع وإفتاء الناس. وقاموا بما كان يقوم به أساتذتهم من الصَّحَابَةِ، وذلك
هُمُ التَّابِعُونَ كسعيد بن المسيّب بالمدينة ومجاهد وعطاء بن أبي رباح بمكّة وإبراهيم النَّخَعي
بالكوفة وابن سيرين والحسن البصري بالبصرة ومكحول وعمر بن عبد العزيز، وأبي إدريس
الخولاني بالشام وطاوس بالیمن، ویزید بن حبيب بمصر.
وتبعاً لشخصيَّات الصَّحابة ومناحيهم في التشريع وتبعاً لشخصيّات تلامذتهم الَّذين
ترسّموا خطاهم، ونظراً لاختلاف عادات البلاد وتقاليدها واختلاف معيشتها وأحوالها
الاجتماعية، والاقتصادية أخذت تبرز الخلافات التَّشْريعية في الأمصار المختلفة، وبدأت
تتكوَّن المدارس الفقهيّة في هذه الأمصار وتظهر آثارها واضحة جليّة.
وفي مقدمة هذه المدارس ومكان الصدارة منها كانت تقوم مدرسة المدينة ومدرسة
الكوفة، وبعبارة أخرى مدرسة الحِجَازِ، ومدرسة العراق، نظراً لما تركتاه من آثار تشريعية

٥٥
مقدمة التحقيق
كبيرة، وبما تميَّزَتْ به كل واحدة عن الأخرى من سمات ظاهرة كانت علماً عليها، وكانت
المنافسة بين هاتين المدرستين حامية الوطيس، كل تعيب على الأخرى مسلكها في
التشريع، وكان لكل منها رجالها وأعلامها المبرزون.
مَدْرَسَةُ المَدِينَةِ
كان لمدرسة المدينة في العصر الأول للإسلام المكانة المرموقة إذ كانت الجامعة التي
يقصدها طلاب الفقه والحديث الرَّاغبُونَ في العلم والمعرفة؛ لأنَّها دار هجرة المصطفى وَله
والبلد الذي نزل فيها الوحي وعاش فيها الصَّحابة رضوان الله عليهم أجمعون فضلاً عن كونها
العاصمة السّياسيّة للدولة الإسلامية، ومركز الخلافة بعد النَّبِيِّ وَّر فكانت مجمع العلماء
ومثوى الفقهاء، ودار الأتْقِيَاء والصَّالحين، وبقيت كذلك وقتاً طويلاً.
وكان إمام هذه المدرسة سعيد بن المسيّب، يرى هو وأصحابه أن أهل الحرمين أثبت
النَّاس في الفقه، حيث الصَّحابة كثيرون والسُّنة متوافرة، فما وجدوه مجمعاً عليه بين علماء
المدينة فإنهم يتمسكون به، وما كان فيه اختلاف عندهم فإنَّهم يأخْذُون بأقواه وأرجحه، إمّا
بكثرة من ذهب إليه أو لموافقته لقياسٍ جليٍّ أو تخريجِ صريح من الكِتَاب والسُّنَّةِ أو نحو
ذلك، وإذا لم يجدوا فيما حفظوا منهم جواب المسألة، خرجوا من كلامهم وتَتَبعوا الإيماء
والاقتضاء فحصل لهم من ذلك مسائل كثيرة في كل باب من أبواب الفقه.
أُصُولُ هَذِهِ المَدْرَسَةِ
الصَّحَابَةُ الَّذين أثروا فيها هم: عمر بن الخطاب، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر،
وأم المؤمنين عائشة، وعبد الله بن عباس.
قال الشّعبي: من سَرَّهُ أَنْ يأخذ بالوثيقة في القضاء فليأخذ بقول عمر.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: إذَا اختلف النَّاس في شَيءٍ فانظروا ما صنع عمر فخذوا به.
وقال أَبْنُ المُسيّبِ: ما أعلم أحداً بعد رسول الله وَّر أعلم من عمر بن الخطاب.
وقال بعض التَّبعين: دفعت إلى عُمر فإذا الفُقَهاء عنده مثل الصِّبيان قد استعلى عليهم
في فقهه وعلمه.
وأما عن زيد بن ثابت، فقد قال مسروق: قدمت المدينة فوجدت زيد بن ثابت من
الرَّاسخين في العلم، وصح عن النّبِي وَلِ أنه قال للصحابة: ((أَفْرَضُكُمْ زَيْدٌ».
وقال الشّعبي: غلب زيد النَّاس على اثنتين: الفرائض والقرآن.

٥٦
مقدمة التحقيق
وقال سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَار: ما كان عمر ولا عُثْمان يقدمان على زيد أحداً في القَضَاءِ
والفَتْوَى والفَرَائِضِ والقراءة، وبالجملة: فقد كان واسع الاطّلاع ضليعاً في فهم تعاليم
الإسلام له القدرة الفائقة على استنباط الأحكام ذا رأي فیما لم یرِدْ فیه أثر.
وأما عن ابن عمر وابن عبَّاس، فكان ميمون بن مهران يقول عنهما إذا ذكرا عنده: ابن
عمر أورعهما، وابن عباس أعلمهما، وقال أيضاً: ما رأيت أفقه من ابن عمر ولا أعلم من
ابن عباس، وكان أبْنُ سيرين يقول: اللَّهم أَيْقِي ما أبقيت أبْنَ عُمَرَ أقتدي به.
وقال أَبْنُ الأثيرِ: كان ابن عمر شديد الاحتياط والتوقِّي لدينه في الفَتْوَى، وكل ما
تأخذه به نفسه.
وقال الشّعبي: كان جيد الحديث ولم يكن جيد الفقه، وقد حمله الوَرَعُ على أن لا
يكثر من الفَتْوَى، ومن مذهبه في الفقه تفرَّع مذهب المدنيين ثم مالك وأتباعه.
وقال أَبْنُ عباس: ضمَّني رسول الله وَّه وقال: ((اللّهُمَّ عَلِّمْهُ الحِكْمَةَ))، وقال أيضاً:
دعاني رسول الله وَّرِ فمسح على ناصيتي، وقال: «اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْحِكْمَةَ وَتَأويلَ الْكِتَابِ)».
ولما مات أَبْنُ عَبَّاسِ قال مُحَمَّد بْنُ الحَنَفِيَّةِ: مات رباني هذه الأمّة، وقال عبيد الله بن
عبد الله بن عتبة: ما رأيت أحداً أعلم بالسُّنَّةِ ولا أجدد رأياً ولا أثقب نظراً حين ينظر مثل ابن
عباس.
وقال عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحِ: ما رأيت مجلساً أكرم من مجلس ابن عباس، أصحاب الفقه
عنده، وأصحاب القرآن عنده، وأصحاب الشِّعر عنده يصدرهم كلهم من واد واسع.
وقال أبْنُ عَبَّاسٍ: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يسألني مع الأكابر من أصحاب
رسول الله عَليه.
وقال الأعْمَشُ: كان ابن عباس إذا رأيته قلت: أجمل الناس، فإذا تكلم قلت: أفصح
الناس، فإذا حدث قلت: أعلم الناس.
وأما عائشة - رضي الله عنها - فكانت مقدمة في العلم والفرائض والأحكام والحلال
والحرام، وكان من الآخذين عنها الَّذِين لا يكادون يتجاوزون قولها المتفقُّهُون بها القاسم بن
محمد بن أبي بكر أبن أخيها، وعروة بن الزبير ابن أختها أسماء.
قال مَسْرُوقٌ، لقد رأيت مشيخة أصحاب رسول الله وَّه يسألونها عن الفَرَائِضِ.
وقال عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: ما جالست أحداً قطّ كان أعلم بقضاء ولا بحديث بالجاهلية ولا
أروى للشعر، ولا أعلم بفريضة ولا طبٍّ من عائشة.

٥٧
مقدمة التحقيق
اُلْفُقُهَاءُ السَّبْعَةُ بِالْمَدِينَةِ
هُمْ عَلَى أَشْهَرِ الرِّوَايَاتِ: سعيد بن المسيّب، وعروة بن الزّبير، والقاسم بن محمد بن
أبي بكر الصّديق، وأبو بكر بن عبد الرّحمن بن الحارث بن هشام، وعبيد الله بن عبد الله بن
عتبة بن مسعود، وسليمان بن يسار، وخارجة بن زيد بن ثابت.
عبد الله بن عمر
عبيد الله
عروة بن
الزبير بن
العوام
القاسم بن
محمد بن
أبي بكر
سعید
ابن
المسیب
سلیمان
ابن
يسار
خارجة
ابن
عبد الرحمن
ابن عتبة
زید
ابن الحارث
ابن مسعود
ابن هشام
٩٤ هـ
٩٤ هـ ١٠٦ هـ ٩٤ هـ ١٠٧ هـ ١٠٠ هـ
٩٤ هـ
وقد ذاعت شهرة هؤلاء الفُقَهاء حتى سمّي عصرهم بعصر الفقهاء السَّبعة، وكان
عملهم هو تأسيس الفقه الإسلامي، وصبغ الحياة كلها والعمل على نفاذها بأسرها على
قواعد من الدِّين والأخْلاق.
مَدْرَسَةُ الْكُوفَةِ
وفي موازاة مدرسة المدينة، وفي النِّصف الثّاني من القرن الهجري الأوّل كانت تقوم
بالعراق مدرسة أخرى مركزها الكوفة تناهض مدرسة المدينة وتحاول جاهدة في إِفْسَاح
الطَّريق أمام مبادئها، وقد كان لهذه المدرسة قيمة فقهية كبيرة وشهرة ذائعة حصلت عليها
بفضل جهود فقهائها الَّذين عملوا مخلصين في إرساء قواعدها، وكافحوا في سبيل إعلاء
منارتها، وإن كانت لم تصل إلى مركز مدرسة المدينة وشهرتها، بل ولم تتبؤَّأ مركزها الممتاز
إلا في القرن الثَّاني الهجري بفضل جهود تلامذتها، وعلى الأخَصِّ في عصر وعلى يد أبي
حنيفة النُّعمان وأصحابه وتلامذته.
مُؤَسِّسُ هَذِهِ الْمَدْرَسَةِ
ومؤسِّس هذه المدرسة من الصَّحابة هو عبد الله بن مسعود بن غافل الهذليّ من
السّابقين إلى الإسلام، وممَّن شهدوا بدراً، وأحد المبشّرين بالجنّة، أقرب الناس سمتاً ودلاً
أبو بكر بن
ابن عبد الله

٥٨
مقدمة التحقيق
وهدياً برسول الله ﴿ كما قال حُذَيْفَةُ، معلّم أهل الكوفة وقاضيها، ومؤسّس طريقتها، كان
ينحو منحى عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - وعلى منحاه كان يسير من الاعتداد
بالرَّأي حيث لا نَصَّ من كتاب أو سنّة وهو الَّذي يقول: لو سلك النّاس وادياً وشعباً وسلك
عمر وادياً وشعباً لسلكت وادي عمر وشعبه، وكان لا يخالفه إلا في القليل النَّادر، وكان
ذلك القليل النَّادر أقرب إلى القبول عندْ هذه المدرسة مما اجتمع عليه هو وعمر - رضي الله
عنه -.
عن الأعْمَشِ عن إبراهيم النَّخَعي أنه كان لا يعدل بقول عمر وعبد الله إذا اجتمعا، فإذا
اختلفا كان قول عبد الله أعجب إليه؛ لأنه ألطف، وقرأ القرآن فأحلَّ حلاله وحرم حرامه،
فقيه في الدين عالم بالسُّنة، ولي بيت المال بالكوفة لعمر وعثمان - رضي الله عنه - وقدم آخر
عمره المدينة ومات بها في خلافة أمير المؤمنين عثمان - رضي الله عنه - سنة ٣٢. هـ.
تَلَامِيذُ هَذِهِ المَدْرَسَةِ
وأشهر تلاميذ هذه المدرسة من أصحاب عبد الله بن مسعود الّذين أخذوا أقواله وتثقَّفوا
بآرائه هم هؤلاء الفقهاء السِّتة: علقمة بن قيس النّخَعي، والأسود بن يزيد النَّخعي، ومسروق
ابن الأجدع الهَمْدَانِي، وعبيدة بن عمرو السَّلماني، وشريخ بن الحارث القَاضي، والحارث
الأعور.
مَدْرَسَةُ الْكُوفَةِ
عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ
شریح بن
الحارث الكندي
الأسود بن
يزيد النخعي
علقمة بن
قیس النخعي
مسروق بن
الأجدع
الهمداني
عبيدة
السلماني
الحارث
الأعور
٧٨ هـ
٧٥ هـ
٦٢ هـ
٦٣ هـ
٧٢ هـ
٦٥ هـ
عامر بن شراحيل الشعبي
١٠٤ هـ
إبراهيم النخعي
٩٥ هـ

٥٩
مقدمة التحقيق
أُصُولُ مَدْرَسَةِ الْكُوفَةِ
كان أهل الكوفة يرون أن عبد الله بن مسعود وأصحابه أثبت النَّاس في الفقه، واعتقدوا
أنَّهم في الدَّرجة العليا من التَّحقيق وكانت قلوبهم أميل شيء إلى أصحابهم كما قال علقمة
المسروق: هل أحدٌ منهم أثْبَتُ من عبد الله؟ وقال أبو حنيفة: إبراهيم أفقه من سالم، ولولا
فضل الصحبة لقلت علقمة أفقه من ابن عمر، وعبد الله هو عبد الله، وقد جمعوا من فتَاوى
ابن مسعود وقضايا علي وفتاواه وكل ما تيسر لهم جمعه، وصنعوا في آثار أصحابهم كما
صنع أَهْل المدينة، وخرجوا كماخرج هؤلاء ولم يكن عندهم من الأحاديث والآثار ما
يقدرون به على استنباط الفِقْهِ على الأصول التي اختارها أهل الحديث، ولم تنشرح
صدورهم للنَّظر في أقوال علماء البلدان وجمعها، وكان عندهم من الفطانة والحدس
وسرعة انتقال الذّهن من شيء إلى شيء ممَّا يقدرون به على تخريج جواب المسائل على
أقوال أصحابهم وكلٌّ مُيَسَّر، لِمَا خِلِقٍ لَهُ و «كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لديهم فَرِحُونَ، فمهدوا الفقه على
قاعدة التخريج.
مُقَارَنَةٌ بَيْنَ الْمَدْرَسَتَيْنِ
كان طابع كلتا المدرستين فقهيًّا، غير أن مدرسة المدينة كانت تعتمد في الاسْتِنْبَاط
الفقهي على النصوص لقيامها في المدينة تلك البلد التي عاش فيها النبيّ وَّة والخلفاء
الرّاشدون وأكثر الصَّحابة، فالأحاديث فيها كثيرة والآثار متوافرة، وقد توجّهت هممهم
وانشرحت صدورهم لجمع أحاديث الرَّسول وآثار الخلفاء الرَّاشدين والصّحابة المقربين بها،
فحصل لهم من ذلك الشَّيء الكثير أغناهم في كثير عن أَسْتِعْمال الرَّأي، فما من مسألة مُسَائل
إلا وجدوا فيها حديثاً مرفوعاً مثَّصلاً أو مرسلاً أو موقوفاً، صحيحاً أو حسناً أو صالحاً
للاعْتِبَار، أو وجدوا أثراً من آثار الخُلَفاء الرَّاشدين والصَّحابة عندهم، وقلَّما تعرض مسألة
ليس فيها نَصُّ من كتاب أو سُنَّة أو أثر صحابي ولم يكن عندهم من العمران ما تتَّجه به
المسائل وتتكاثر فالحياة بمنأى عن المؤثرات الخارجية والأعراف الأخرى فهي لا زالت
يدويّة متكررة، ما يحدث اليوم قد حدث بالأمس القريب أو البعيد، وإن وقعت حادثة ليس
لها سابقة وقلّما يكون أعملُوا رأيهم على نحو ما كان يفعل سلفهم من الصَّحابة مع مراعاة
أَقْتِضَاء النَّصِّ وإيمائه، ولم يذهبوا بعيداً، فكانت بذلك أقرب إلى السُّنن النّبوية وإلى
الحديث.
وأمَّا مدرسة الكوفة، فإنَّها وإن كانت تقليدية من حيث المبدأ واعتمادها على
الأحاديث والآثار المروية عن طريق الصحابة الذين عاشوا بينهم ووثقوا بهم إلا أن الأحاديث