النص المفهرس
صفحات 21-40
٢٠ مقدمة التحقيق وهذا خطاب منه لِخَالِدِ بْنِ الوَلِيدِ ولأقرانه من مسلمة الحُدَيْبيَّة والفتح، فإذا كان مُّدُّ أحد أصحابه أو نصيفه أفضَلَ عند الله من مثل أُحُدٍ ذهباً من مثل خَالِدٍ وأضرابه من أصحابه، فكيف يجوز أن يحرمهم الله الصّواب في الفَتَاوَى ويظفر به من بعدهم؟ هذا من أبين المحال (١) وعن عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلِ المُزَنِيِّ قال: قال رسول الله وَّهِ: اللّهَ اللهَ فِي أَصْحَابِي، اللهَ اللهَ فِي أَصْحَابِي لَا تَتَّخِذُوهُمْ غَرَضاً بَعْدِي، فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَيُغْضِي أَبْغَضَهُمْ، وَمَنْ آذَاهُمْ فَقَدْ آذَانِي وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى الله، وَمَنْ آذَى الله فَيُوشِكُ أَنْ يَأْخُذَهُ(٢). وعَنْ أَبِي مُوسَى قال: صلَّينا مع النَّبِيّ ◌َّهِ المَغْرِبَ، ثم قلنا: لو انتظرنا حتى نصلِّي معه العشاء، فانتظرناه فخرج علينا، فقال: ((مَا زِلْتُمْ هَاهُنَا))، قال: قلنا: نعم يا رسول الله، قلنا: نصلّي معك العشاء، قال: ((أَحْسَنْتُمْ وَأَصَبْتُمْ))، ثم رفع رأسه إِلى السَّماء، وكان كثيراً ما يرفع رأسه إِلى السَّماء، قال: ((التُّجُومُ أَمَنَةٌ لِأهْلِ السَّمَاءِ، فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى أَهْلُ السَّمَاءِ مَا يُوعَدُونَ وَأَنَا أَمَنَّةٌ لَأَصْحَابِي، فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ، وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لُمَِّي، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ))(٣). ووجه الاستدلال بالحديث أنه جعل نسبة أصحابه إلى من بعدهم كنسبته إلى أصحابه، وكنسبة النُّجوم إلى السماء، ومن المعلوم أنَّ هذا التَّشبيه يُعْطِي من وجوب اهتداء الأمة بهم ما هو نظير اهتدائهم بنبيِّهم وَ له ونظير اهتداء أهل الأرض بالنُّجوم، وأيضاً فإنه جعل بقاءهم بين الأمة أمَنَةً لهم، وحرزاً من الشَّرِّ وأسبابه(٤). وعنِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَينٍ قال: قال رسول الله لَّهُ: ((خَيْرُ أُمَّتِي الْقَرْنُ الَّذِي بُعِثْتُ فِیھمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ)»(٥). = داود ٢١٤/٤ كتاب السنن: باب النَّهي عن سب أصحاب رسول الله تَّلغير (٤٦٥٨) والترمذي ٦٥٣/٥ كتاب ((المَنَاقِبِ)): باب فضل من بايع تحت الشجرة (٣٨٦١). (١) أعلام الموقعين لابن القيم ١٠٥/٤ . (٢) أخرجه التِّرمِذيُّ ٦٥٣/٥ في المصدر السابق (٣٩٦٢) وصححه ابن حبان ذكره الهيثمي في ((موارِدٍ الظَّمْآنِ» (٥٦٩) باب فضل أصحاب رسول الله (٢٢٨٤) وأحمد في المسند ٨٧/٤. (٣) أخرجه مسلم ٤/ ١٩٦١ كتاب ((فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ)): باب بيان أن بقاء النّبِي وَلِّ أمان لأصحابه (٢٠٧ - ٢٥٣١) وأحمد في المسند ٣٩٩/٤. (٤) أعلام الموقعين ٤/ ١٠٤، ١٠٥. (٥) أخرجه مسلم في المصدر السابق ٢١٥١ _ ٢٥٣٥) والترمذي ٤٣٤/٤ كتاب الفتن: باب ما جاء في القرن الثالث (٢٢٢٢) وأبو داود ٢١٤/٤ كتاب السنة: باب في فضل أصحاب الرسول وَلاخير (٤٦٥٧) وأحمد في المسند ٢٢٢٨/٢ والبيهقي في السنة ١٦٠/١٠ والطبراني في الكبير ٢١٣/١٨. ٢١ مقدمة التحقيق فأخبر النَّبِيّ وَلِّ أن خير القُرون قرنه مطلقاً، وذلك يقتضي تقديمهم في كل باب من أبواب الخير، وإِلَّ لو كان خيراً من بعض الوجوه فلا يكونون خير القرون مطلقاً (١). وقد يقول قائل: إن هذه الأدِلَّةَ تتناول أصحاب رسول الله وَ ﴿ الذين كانوا معه قبل الفتح، وأمَّا مَنْ أسلم بعد الفتح فلا دليل على عدالتهم، فأسوق جواباً له قول الدُّكتُور مُحَمَّدٍ السَّمَاحِيِّ: (وأما مسلمة الفتح والأعراب الوافدون على رسول الله وَّير فهؤلاء لم يتحَّملوا من السنة مثل ما تحمَّل الصَّحابة الملازمون لرسول الله وَ ل﴿ ومن تعرَّض منهم للرِّواية كحَكيم بْنِ حِزَامٍ، وَعتَّبٍ، وغيرهم عرفوا بالصِّدق والدِّيانة وغاية الأمانة على أنه ورد ما يجعلهم أفضل من سواهم من القرون بعدهم، كقوله ◌َله: ((خَيْرُ الْقُرُونِ قرني ثُمَّ الّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَفْشُو الكذِبُ»(٢). وهو حديث صحيح مروي في ((الصَّحِيحَيْنِ)) وغيرهما بألفاظ مختلفة، والخيرية لا تكون إلا للعُدول الذين يلتزمون الدِّين والعمل به. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهونَ عَنِ الْمُنْكَرِّ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾(٢). والخطاب الشَّفَهِيُّ لصحابة رسول الله* ومن حضر نزول الوحي، وهو يشمل جميعهم، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا، لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾(٤)، وسطاً: عدولاً . فالإسلام كان في أول شبابه فَتِيّاً قويّاً في قلوب مَنْ أذعنوا له وأَتَّبعوا هداه، وتمسّكوا بمبادئه، واصْطَبَغُوا بصبغته، فكانت العدالة قوية في نفوسهم شائعة في آحادهم، حتى إننا نرى الذين وقعوا منهم في الكبائر ما لبثوا أن ساقتهم عزائمهم إلى الاعتراف وطلب الحَدِّ، ليطهروا به أنفسهم، وسارعوا إلى الثَّوبة حيث تاب الله عليهم، ولا نريد بقولنا: الصحابة عدول - أكثر مِنْ أنَّ ظاهرهم العدالة(٥). ثَنَاءُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى الصَّحَابَةِ وهذا الثَّنَاء للاسْتِثْنَاس وليس للتَّذليل إذ لا يصِحُّ القول مع الله عزَّ وجلَّ ورسوله وَل (١) أعلام الموقعين ١٠٤/٤. (٢) أخرجه الترمذي ٤٧٦/٤ (٢٣٠٣) وذكره ابن حجر في تلخيص الحبير ٢٠٤/٤. (٣) آل عمران: ١١٠. (٤) البقرة: ١٤٣. (٥) المنهج الحديث في علوم الحديث ص ٦٣ نقلاً عن السنة قبل التدوين د. الخطيب، وانظر السنة قبل التدوين ٤٠١، ٤٠٢. ٢٢ مقدمة التحقيق حيث نص الله ورسوله على عدالتهم، فهل بعد تَعْدِيلِ الله عز وجل رسوله ◌َ ﴿ تعديل؟ !! فَقُولُ وَللهِ الحَمْدُ وَالِمِنَّهُ: قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ: الصَّحابة كلهم عدول، من لاَبَسَ الفتن وغيرهم بإجماع من يعتدُ قال إِمامُ الحَرَمَيْنِ: والسَّب في عدم الفَخْصِ عن عدالتهم أنهم حملة الشَّريعة، فلو ثبت توقُّف في روايتهم لانحصرت الشَّريعة على عصره وَّه ولما استرسلت سائر الأعصار. قال أَبُو زُرْعَةِ الرَّازِيُّ: إذا رأيت الرَّجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله بَلي فاعلم أنه زنديق، وذلك أنَّ الرسول حق، والقرآن حق، وما جاء به حق، وإنما أدى ذلك كله إلينا الصحابة، وهؤلاء الزَّنادقة يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسُّنَّة فالجرح بهم أولی. قَالَ أَبْنُ الصَّلاَحِ: ((ثم إن الأمة مجمعة على تعديل جميع الصَّحَابة ومَنْ لَبَسَ الفتن منهم، فكذلك بإجماع العلماء الذين يُعْتَدُّ بهم في الإجماع إحساناً للظَّنِّ بهم، ونظراً إلى ما تمهد لهم من المآثر، وكأن الله سبحانه وتعالى أتاح الإجماع على ذلك لكونهم نَقَلَة الشَّريعة))(٢). قال الخَطِيبُ الْبَغْدادِيُّ في الكِفَايَة)) مبوباً على عدالتهم: ما جاء في تَعْدِيل اللهِ ورسوله للصَّحابة، وأنه لا يحتاج إلى سؤال عنهم، وإنما يجب فيمن دونهم كل حديث أَتَّصل إسناده بين مَنْ رواه وبين النَّبِيِّ وَ﴿ لم يلزم العمل به إلا بعد ثبوت عدالة رجاله، ويجب النَّظر في أحوالهم سوى الصَّحَابي الذي رفعه إلى رسول الله إِّر؛ لأن عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم، وإخباره عن طهارتهم واختياره لهم في نص القرآن. والأخبار في هذا المعنى تَشَّسِعُ، وكلها مطابقة لما ورد في نصُ القرآن، وجميع ذلك يَقْتضِي طهارة الصَّحابة والقطع على تعديلهم ونزاهتهم، فلا يحتاج أحد منهم مع تعديل الله تعالى لهم، المطَّلِع على بواطنهم إلى تعديل أحَدٍ من الخلق له(٣). وقال الإِمَامُ مَالِكُ: من أَنْتَقَصَ أحداً من أصحاب النبي ﴿ فليس له في هذا الفَيْءِ حق، قد قسم الله الفيء في ثلاثة أصناف فقال: (١) التقريب ٢١٤ مع التدريب. (٢) الحديث والمحدثون ١٢٩، ١٣٠. (٣) الكفاية ٤٦، ٤٨. ٢٣ مقدمة التحقيق ﴿لِلْفُقَراءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَاناً، وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ، أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾(١). ثم قَالَ: ﴿وَالّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ، يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ، وَلَ يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا، وَيُؤْثِرُونَ على أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كان بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾(٢). وهؤلاء هم الأنصار. ثم قال: ﴿وَالّذِينَ جَاؤُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بالإِيمانِ، وَلَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّ لِلَّذِينَ آمَنُوا، رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾(٢) . فمن تنقَّصَهُمْ فلا حق له في فَيْءِ المسلمينَ(٤). عَقِيدَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ في تَفْضِيلِ الصَّحَابَةِ أجمع أَهْلُ السُّنَّةِ على أن أفضل الصَّحابة بعد النّبيِِّ على الإطلاق أَبُو بَكْرٍ ثم عُمَرُ، وممَّن حكى إجماعهم على ذلك أَبُو العَبَّاسِ القرطبي، فقال: ولم يختلف أحد في ذلك من أَئِمَّةِ السَّلف ولا الخَلَفِ، فقال: ولا مُبَالاَةَ بأقوال أهل التَّشيّع ولا أهل البدع؛ انتهى. وقد حكى الشَّافِعِيُّ وغيره إجماع الصَّحابة والتابعين على ذلك، قال البَيْهقيُّ في كتاب ((الاعْتِقَادِ)): روينا عن أَبِي ثَوْرٍ عن الشَّافِعِيِّ قال: ما اختلف أحد من الصَّحابة والتابعين في تفضيل أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وتقديمهما على جميع الصّحابة، وإنما اختلف من اختلف منهم في عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ(٥). وقال العَلَّمَةُ الكَمَالُ بْنُ الهَمَّام في ((المُسَايَرَةِ)): فضل الصّحابة الأربعة على حسب ترتيبهم في الخلافة؛ إذ حقيقة الفضل ما هو فضل عند الله تعالى، وذلك لا يطلع عليه إلا رسول الله وَّل﴿ وقد ورد عنه ثناؤه عليهم كلهم، ولا يتحقَّق إدراك حقيقة تفضيله عليه السَّلام لبعضهم على بعض إن لم يكن سَمْعيًّا يصل إلينا قَطْعِيًّا في دلالته إلا الشاهدين لذلك الزمان، لظهور قرائنِ الأحوال لهم، وقد ثبت ذلك لنا صريحاً ودلالة كما في صحيح البُخَارِيِّ من حديث عَمْرو بْنِ العَاصِ حين سأله عليه السّلام: (١) الحشر: ٨. (٢) الحشر: ٩. (٣) الحشر: ١٠. (٤) الشفا للقاضي عياض ١١١١، ١١١٢. (٥) فتح المغيث للعراقي ٤/ ٤١. ٢٤ مقدمة التحقيق مَنْ أَحَبُّ النَّاس إليك من الرّجال؟ فقال: ((أَبُوهَا)). يعني عائشة رضي الله عنها - وتقديمه في الصَّلاة على ما قدّمنا مع أن الاتفاق على أن السُّنَّة أن يقدم على القوم أفضلهم علماً، وقراءة، وخلقاً، وورعاً، فثبت أنه كان أفضل الصَّحابة، وصحّ من حديث أَبْنِ عُمَر في صَحِيحِ البُخَارِيِّ قال: كنا في زمن النَّبِي ◌َّ لا نعدل بأبي بكر أحداً ثم عمر ثم عثمان، ثم نترك أصَّحاب النّبِي ◌َّهِ لا نعدل بأبي بكر أحداً ثم عمر ثم عثمان، ثم نترك أَصْحَابَ النبي ﴿ لا نُفَاضل بينهم، وصحَّ فيه من حديث مُحَمَّد بْنِ الحَنَفِيَّةِ: قلت لأبي: أيُّ النّاس خير بعد رسول الله وَ*؟ فقال: أَبُو بَكْر، قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر، وخشيت أن يقول عثمان، قلت: ثم أنت قال: ما أنا إلا واحدٌ من المسلمين، فهذا عليّ نفسه مصرّح بأن أبا بكر أفضل النّاس، وأفاد بعد ما ذكرنا تفضيل أبي بكر وحده على الكلِّ، وفي بعض ترتيب الثَّلاثة، ولما أجمعوا على تقديم عليّ بعدهم دل على أنه كان أفضل مَنْ بحضرته وكان منهم الزُّبَيْرُ وطَلْحَة فثبت أنه كان أفضل الخلق بعد الثلاثة. هذا واعتقاد أهل السُّنَّةِ تزكية جميع الصَّحَابة والثناء عليهم، كما أثنى الله سبحانه وتعالی علیھم إذ قال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِ جَتْ لِلنَّاسِ﴾(١).(٢). وقال العَلَّمَةُ الْبَغْدَادِيُّ في ((أُصُولِ الدِّينِ)): (٢) أصحابنا مجمعون على أن أفضلهم الخلفاء الأربعة، ثم السِّنَّةُ الباقون بعدهم إلى تمام العَشْرَةِ وهم: طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وسَعيدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُغَيَلٍ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرَّحِ، ثم البَذْرِيُّون، ثم أصحاب أحد، ثم أهل بيعة الرّضْوَان بالحديبية، واختلف أصحابنا في تفضيل عليّ وعثمان، فقدم الأَشْعَرِيُّ عثمان، وبناه على أصله في منع إمامة المفضول. وقال مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ والحُسينُ بْنُ الفَضْلِ البَجليُّ بتفضيل علي رضي الله عنه - وقال القَلَانِسِيُّ: لا أدري أيهما أفضل، وأجاز إمامة المفضول. وقال العَلَّمَةُ اللقَانِيُّ فِي جَوْهَرَتِه: إِنْ خُضْتَ فِيهِ وَأَجْتَنِبْ داءَ الحَسَدْ وَأَوَّلُ الَّشَاجُرِ الرَجِزِ الَّذِي وَرَدْ (١) آل عمران: ١١٠. (٢) المسايرة ١٦٦ - ١٦٨ . (٣) أصول الدين للبغدادي ٣٠٤. ٢٥ مقدمة التحقيق فقال العَلَّمَةُ البيجوريُّ في شرحه عليها: وقد وقع تشاجر بين علي ومعاوية - رضي الله عنهما - وقد افترقت الصحابة ثلاث فرق: فرقة اجتهدت، فظهر لها أن الحق مع عليّ، فقاتلت معه، وفرقة اجتهدت، فظهر لها أن الحق مع معاوية، فقاتلت معه، وفرقة تَوَقَّفَتْ. وقد قال العُلَمَاءُ: المصيب بأجرين والمخطىء بأجر، وقد شهد الله ورسوله لهم بالعدالة، والمراد من تأويل ذلك أن يصرف إلى محمل حسن لتحسين الظَّنِّ بهم فلم يخرج واحد منهم عن العدالة بما وقع بينهم، لأنهم مجتهدون. وقوله: (إِنْ خُضْتَ فيهِ) أي إن قُدِّرَ أَنّكَ خضت فيه فَأَوَّلَهُ: ولا تنقص أحداً منهم، وإنما قال المُصَنِّفُ ذلك لأن الشَّخْصَ ليس مأموراً بالخوض فيما جرى بينهم، فإنه ليس من العَقَائِدِ الدِّينية، ولا من القواعد الكلامية، وليس ممّا يُنتفع به في الدِّين، بل ربّما ضرّ في اليقين، فلا يباح الخوض فيه إلا للرَّدِّ على المتعصبين، أو للتَّعليم كتدريس الكتب التي تشتمل على الآثار المتعلقة بذلك، وأما العَوام فلا يجوز لهم الخوض فيه لِشِدَّة جهلهم، وعدم معرفتهم بالتأويل .(١) وقال السَّعْدُ التَّفْتَازَانِيُّ: ((يجب تعظيم الصّحابة والكفُّ عن مطاعنهم، وحمل ما يوجب بظاهره الطَّعن فيهم على محامل وتأويلات، سيّما المُهَاجرين والأنصار وأهل بيعة الرِّضوان، ومن شَهِدَ بدراً وأحداً والحُدَيبِيَةَ، فقال: انعقد على عُلُوِّ شأنهم الإجماع، وشهد بذلك الآيات الصّراح، والأخبار الصِّحَاح)). ((ولِلرَّوافض سيما الغُلَة منهم مبالغات في بُغض البعض من الصَّحابة - رضي الله عنهم - والطّعن فيهم بناء على حكايات وافتراءات لم تكن في القَرْنِ الثَّانِي والثَّالث، فإياك والإِصْغَاء إليها، فإنها تُضِلُّ الأحْدَاثَ، وتحيِّرُ الأوساط وإن كانت لا تؤثر فيمن له استقامة على الصِّرَاط المستقيم، وكفاك شاهداً على ما ذكرنا أنَّها لم تَكُن في القرون السَّالفة ولا فيما بين العثْرَة الطَّاهرة، بل ثناؤهم على عظماء الصَّحَابة وعلماء السُّنَّة والجماعة، والمهديين من خلفاء الدّين مشهور وفي خطبهم ورسائلهم وأشعارهم ومدائحهم مذكور))(٢). (١) شرح الجوهرة للقاني ١٠٤، ١٠٥ . (٢) المقاصد للتفتازاني ٣٠٣/٥، ٣٠٤. ٢٦ مقدمة التحقيق وقال العَلَّمَةُ المِرْعَشِيُّ في ((نَشْرِ الطَّوالِعِ)): ((يجب تعظيم جميع أَصْحَاب النَّبِيِ ﴿ والكفّ عن مطاعنهم، وحسن الظَّنِّ بهم، وترك التَّعصُّب والبغض لأجل بعضهم على بعض، وترك الإفراط في محبَّةٍ بعضهم على وجه يفضي إِلَى عَدَاوة آخرين منهم والقدح فيهم، فإن الله تعالى أَثْنَى عَلَيْهِمْ في مواضع كثيرة منها قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَ يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ .. ﴾(١) الآية. وقد أَحبَّهم النَّبِي وَّرِ وأثنى عليهم وأوصى أمَّته بعدم سَبّهم وبغضهم وأذاهم، وما ورد من المطاعن، فعلى تقدير صحته له محامل وتأويلات، ومع ذلك لا يعادل ما ورد في مناقبهم، وحكي عن آثارهم المرضية وسيرهم الحميدة نفعنا الله بمحبّتهم أجمعين(٢). قال: الإِمَامُ النَّوَوِيُّ - رحمه الله تعالى: واعلم أن سبب تلك الحروب أن القَضَايا كانت مشتبهة، فلشدَّة اشتباهها اختلف اجتهادهم وصاروا ثَلاَثَةَ أَقْسَامٍ: قسم ظهر لهم بالاجْتِهَاد أن الحقَّ في هذا الطرف، وأن مخالفه باغ فوجب عليهم نصرته وقتال الباغي عليه فيما أعتقدوه فعلوا ذلك، ولم يكن يحل لمن هذه صفته التأخّر عن مساعدة الإمام العدل في قتال البُغَاةِ. وقسم عكس هؤلاء ظهر لهم بالاجتهاد أن الحق في الطّرف الآخر، فوجب عليهم مساعدته وقتال الباغي عليه. وقسم ثالث أشتبهت عليهم القضية وتحيَّرُوا فيها ولم يظهر لهم ترجيح أحد الطرفين فاعتزلوا الفريقين، وكان هذا الاعتزال هو الواجب في حقهم؛ لأنه لا يحل الإِقْدَام على قتال مسلم حتى يظهر أنه مستحق لذلك، ولو ظهر لهؤلاء رُجْحَانُ أحد الطرفين وأن الحق معه لما جاز لهم التأثّر عن نصرته في قتال البُغَاة عليه. فكلهم معذورون - رَضِيَ الله عنهم - ولهذا أتَّفق أهل الحق ومن يعتدّ به في الإجماع على قبول شهاداتهم ورواياتهم وكمال عدالتهم رضي الله عنهم أجمعين. (١) التحريم: ٨. (٢) نشر الطوالع للعلامة المرعشي الشهير بساجقلي زاده ص ٣٨٥ وما بعدها. ١ ٢٧ مقدمة التحقيق الدواعي والعوامل التي توافرت في الصحابة حتى استظهروا القرآن والحديث النبوي الشريف وثبتوا فيهما إن محاولة الطَّعْن في أصحاب سيّدنا رسول الله وَ لفي هي محاولة للطّعن في القرآن الكريم والسُّنَّة النبوية المشرفة فالطّاعن فيهم يريد زعزعة النَّاس بكتاب الله وسنة رسوله وَله مقصده في ذلك افتتان المسلمين عن دينهم فكثرت الأيدي الآثمة من النّيْلِ بكتاب الله وسنة رسوله * فاستكثروا على الصَّحابة - رضوان الله عليهم - أن يكونوا قد حفظوا الحديث الشَّريف، وهذا ما سَتَرَاه في الدِّفَاع عن إمام الحافظين سيدنا أبي هريرة - رضي الله عنه - ومع كل ذلك أَبَى اللهُ إِلاَّ أن يُنُمَّ نُوره ولو كره الكافرون. وإليك ما كتب العَلَّمَةُ الزّرْقَانِيُّ في ((مَنَاهِلِ العِرْفَانِ)) فقال: ويزعم أن شُبَهَاتِ القوم كلها مُتَشَابهة، وطرق دفعها هي الأخرى متشابهة، فإن واجب الحيطة والحذر يقتضينا أن نقيم خَطَّ منيعاً من خطوط الدِّفاع عن الكِتَاب والسُّنة، وأن نؤلف هذا الخطّ من جبهتين قويتين: الجبهة الأولى: تطاول السَّماء بتجلية الدواعي والعوامل التي توافرت في الصحابة حتى جعلت منهم كثرة غامرة يحفظون القرآن والحديث، وينقلونهما نقلاً متواتراً مستفيضاً. والجبهة الثانية: تفاخر الجوزاء بنظم الدَّوَاعي والعوامل التي توافرت فيهم رضوان الله عليهم، حتى جعلتهم يتثبّتون أبلغ تثبّت وأدقه في القرآن وجمع القرآن، وكل ما يتَّصل بالقرآن، وفي الحديث الشّريف، وكل ما يتّصل بالحديث الشريف. وإنِّي أستمنح الله فتوحاً وتوفيقاً في هذه المحاولة الجليلة، ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ، وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ، وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾(١). أَوَّلاً: عَوَامِلُ حِفْظِ الصَّحَابَةِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ العَامِلُ الأَوَّلُ: أنهم كانوا أُميين لا يعرفون القراءة، ولا يحذقون الخطَّ والكتابة اللَّهم إِلَّ نَزْر يسير لا (١) الأنفال: ٤٢ وانظر مناهل العرفان ٢٨٣/١ وما بعدها. ٢٨ مقدمة التحقيق يُصَاغِ منهم حكم على المجموع، وترجع هذه الأميّة السَّائدة فيهم إلى غلبة البَدَاوة عليهم وبعدهم عن أسباب الحضارة، وعدم أتِّصَالهم اتصالاً وثيقاً بالأُمّتَين المتحضِّرتين آنذاك الفرس والروم. ومعلوم أن الكتابة والقراءة وامحاء الأميّة في أَيَّةِ أُمَّةِ رهين بخروجها من عهد السَّذَاجَة والبَسَاطَةِ إلى عهد المدنية والحضارة. ثم إن هذه الأميّة تجعل المرء مِنْهُمْ لا يعوِّل إلا على حافظته وذاكرته فيما يهمّه حفظه وذكره، ومن هنا كان تعويل الصَّحابة على حوافظهم يقدحونها في الإحاطة بكتاب الله وسنة رسوله* لأن الحفظ هو السَّبيل الوحيدة أو الشَّبيهة بالوحيدة إلى إحاطتهم بها، ولو كانت الكتابة شائعةً فيهم لاعتمدوا على النقش بين السّطور بدلاً من الحفظ في الصّدور. نعم، كان هناك كُتَّابُ للوحي، وكان بعض الصَّحابة يكتبون القرآن لأنفسهم، إلا أن هؤلاء وهؤلاء كانوا فئة قليلة، ولعلك لم تَنْسَ أن كتابة القرآن في عهد الرَّسول اَّ كان الغرض منها زيادة التوثّق والاحتياط للقرآن الكريم بتقييده وتسجيله. أما السُّنة النَّبوية فقد نهى النَّبيِ وَّ أصحابه عن كتابتها أَوَّل الأمر مخافة اللّبس بالقرآن، إذ قال عليه الصَّلاة والسَّلام: ((لاَ تَكْتُبُوا عَنِّي، وَمَنْ كَتَبَ عَنّي غَيْرَ القَرْآنِ فَلْيَمْحُهُ، وَحَدِّثُوا عَنِّي فَلاَ حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَّأُ مَفْعَدَةُ مِنَ النَّارِ))(١). نعم. خشي الرَّسول وَل﴿ أن يختلط القرآن بالسُّنَّة إذا هم كتبوا السُّنَّة كما كانوا يكتبون القُرآن، أو أَنْ تتوزَّع جهودهم وهي لا تحتمل أن يكتبوا جميع السُّنَّة وجميع القرآن فقصرهم على الأهمِّ أَوَّلاً وهو القرآن، خُصُوصاً إذا لاحظنا أن أدوات الكتابة كانت نادرة لديهم إِلَى حَدِّ بعيد، حتى كانوا يكتبون في اللخَافِ والسَّعف والعظام كما علمت. فرحمةٌ بهم من ناحية، وأخذاً لهم بتقديم الأَهَمِّ على المُهِمِّ من ناحية ثانية، وحفظاً للقرآن أن يشتبه بالسُّنَّة إذا هم كتبوا السُّنَّة بجانب القرآن نظراً إلى عِزّة الورق، ونُدرَة أدوات الكتابة، رعاية لهذه الغايات الثَّلاث نهى الرَّسول عن كتابة السُّنَّة. أما إذا أَمِنَ اللّبس، ولم يخش الاختلاط، وكان الأمر سهلاً على الشَّخص فلا عليه أن (١) أخرجه مسلم في الصحيح ٢٢٩٨/٤ - ٢٢٩٩ كتاب الزهد والرقائق (٥٣) باب التثبت في الحديث وحكم كتاب العلم (١٦) حديث رقم (٧٢/ ٣٠٠٤) وأحمد في المسند ٢١/٣، ٣٩، ٥٦. والدارمي في السنن ١١٩/١ - والحاكم في المستدرك ١٢٧/١ - وابن عدي في الكامل ٩٢٦/٣، ١٧٧١/٥ وذكره الهندي في کنز العمال حدیث رقم ٢٩١٦٨. ٢٩ مقدمة التحقيق يكتب الحديث الشريف كما يكتب القرآن الكريم، وعلى ذلك تحمل الأحاديث الواردة في الإذن بكتابة السّنة آخر الأمر، والواردة في الإِذْن لبعض الأشخاص كعبد الله بن عمرو - رضي الله عنه -. وأيًّا مَا تَكُنْ كتابة القرآن والسّنة النّبويّة، فإن التَّعويل قبل كل شيء كان على الحفظ والاسْتِظْهَار، ولا يزال التَّعويل حتى الآن على التَّلَقِّي من صدور الرِّجال، ثقة عن ثقة وإماماً عن إمامٍ إلى النَّبِّ ◌َّ. غير أَنّ الرَّجل الأُمِيَّ والأُمَّةَ الأميّة يكونان أسبق من غيرهما إلى الحفظ؛ للمعنى الَّذِي العَامِلُ الثَّانِ: تَقَدَّم. أن الصَّحابة كانوا أُمَّةً يضرب بها المثل في الذَّكَاء وقوة الحافظة وصفاء الطَّبع، وسيلان الذِّهن وحدّة الخاطر، وفي التاريخ العربي شواهد على ذلك يطول بنا تفصيلها، حتى لقد كان الرَّجل منهم يحفظ ما يسمعه لأوَّل مرَّة مهما طال وكثر، ورُبَّمَا كان من لغة غير لغته ولسان سوى لسانه، وَحَسْبُكَ أَنْ تعرف أَنَّ رؤوسهم كانت دواوين شعرهم، وأَنَّ صدورهم كانت سِجِلَّ أنسابهم، وأن قلوبهم كانت كتاب وقائعهم وأيّامهم، كلّ أولئك كانت خصائص كامنة فيهم وفي سائر الأمَّة العربيّة من قبل الإسلام، ثم جاء الإسلام فأرهف فيهم هذه القوى والمواهب، وزادهم من تلك المزايا والخصائص بما أفاد طبعهم من صقل، ونفوسهم من طهر، وعقولهم من سُموٍّ، خصوصاً إذا كانوا يسمعون لأصدق الحديث وهو كتاب اللهِ، ولخير الهدي، وهو هدي محمد زَاؤ. العَامِلُ الثَّالِثُ: بساطة هذه الأمّة العربية، واقتصارها في حياتها على ضروريات الحياة من غير ميلٍ إلى الثَّرف، ولا إنفاق جهد أو وقت في الكماليات، فقد كان حسب الواحد منهم لُقَيْمَاتَ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، وكان يكفيه من معيشته ما يذكره شاعرهم في قوله: [الطويل] وَمَا الْعَيْشُ إِلَّا نَوْمَةٌ وَتَبَطُّحْ وَتَمْرٌ عَلَى رَأْسِ النَّخِيلِ وَمَاءُ وأنت تعلم أن هذه الحياة الهادئة الوادعة وتلك العيشة الراضية القاصدة توفر الوقت والمجهود، وترضي الإنسان بالموجود، ولا تشغل البال بالمفقود، ولهذا أثره العظيم في صَفَاءِ الفِكْرَةِ، وقوَّة الحافظة وسيلان الأذهان، خصوصاً أذهان الصَّحابة في اتجاهها إلى حفظ القرآن وحديث النّبي - عليه الصَّلاة والسّلام وذلك على حد قول القائل: [من الطويل] ٣٠ مقدمة التحقيق فَصَادَفَ قَلْباً خَالِياً فَتَمَكَّنَا ٠ . . العَامِلُ الرَّابِعُ: حُّهم الصَّادق لله ولرسوله ملك مشاعرهم، واحتل مكان العقيدة فيهم، وأنت تعرف من دراسة علم النَّفس أَنَّ الحب إذا صدق وتمكّن حمل المحبّ على ترُم آثار محبوبه، والتلذُّذ بحديثه، والتّنادر بأخباره، ووعی کل ما يصدر عنه، ويبدو منه، ومن هنا كان حب الصَّحابة لله ورسوله من أقوى العوامل على حفظم كتاب الله وسنة رسوله وَّو على حد قول القائل: [البسيط] عَنِ الشَّرَابِ وَتُلْهِيهَا عَنِ الزَّادِ لَهَا أَحَادِيثُ مِنْ ذِكْرَاكَ تَشْغَلُهَا وَمِنْ حَدِيثكَ فِي أَعْقَابِهَا حَادِ لَهَا بَوَجْهِكَ نُورٌ يُسْتَضَاءُ بِهِ رُوِعُ الْقُدُومِ فَتَحْيَا عِنْدَ مِيعَادٍ إذَا شَكَتْ مِنْ كِلاَلِ السَّيْرِ وَاعَدَهَا أما حب الصَّحابة العميق لله تعالى فلا يحتاج إلى شَرْحٍ وبيان، ولا إِلَى إِقَامَة دليل عليه وبرهان فهم كما قال فيهم النَّبِيُّ لَه خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يُلُونَهمْ (١)، وهم الَّذين بذلوا نفوسهم ونفائسهم رخيصة في سبيل رِضَاه، وهم الَّذين باعوا الدُّنيا بما فيها يَبْتَغُون فَضْلاً من الله، وهُمُ الَّذِين حملوا هداية الإِسْلاَم إلى الشَّرْق والغرب، وأتوا بالعجب العجاب في نجاح الدعوة الإسلامية بالحضر والبدو، وكانوا أَحْرِيَاء بِمَدْحِ الله لهم غير مرّة في القرآن وَبِثنَاءِ الرسول وسل﴿ عليهم في أحاديث عظيمة الشَّأْنِ. وأمَّا مَظَاهِرُ حبهم للرسول ◌َ﴿ فما حكاه التاريخ الصادق عنهم من أنه ما كان أحدٌ يُحبُّ أحداً مثل ما كان أصحاب محمّدٍ يحبون محمّداً، دم الرَّجل منهم رخيص في سبيل أن يفدي رسول الله وَ﴿ من شوكة يشاكها في أسفل قدمه، وماء وضوئه يَبتَدرُونَهُ في اليوم الشَّديد البَرْدِ (١) أخرجه الترمذي في السنن ٤٧٥/٤ - ٤٧٦ كتاب الشهادات (٣٦) باب (٤) حديث رقم ٢٣٠٢، ٢٣٠٣ وقال أبو عيسى هذا حديث غريب من حديث الأعمش وأخرجه البخاري بلفظ خير الناس وكذلك مسلم وهو متفق عليه من رواية عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أخرجه البخاري في الصحيح ٧/ ٣ كتاب فضائل أصحاب النبي وَ﴾ (٦٢) باب فضائل أصحاب النبي ◌َّهر (١) حديث رقم ٣٦٥١ واللفظ له وأخرجه مسلم في الصحيح ١٩٦٣/٤ كتاب فضائل الصحابة (٤٤) باب فضل الصحابة (٥٢) حديث رقم (٢٥٣٣/٢١٢) وأحمد في المسند ٣٧٨/١، ٤٣٤، ٤٤٢٣، ٢٦٧/٤ والبيهقي في السنن ١٢٢/١٠، ١٦٠ - وابن أبي شيبة ١٧٦/١٢، ١٧٧، ١٧٨ - وابن حبان في الموارد حديث رقم ٢٢٨٥ والطبراني في الكبير ٣٢٠/٢، ٢١٢/١٨، ٢٣٤، ٢٣٥ وأبو نعيم في الحلية ٧٨/٢، ١٢٥/٤ - وابن عدي في الكامل ٧/ ٢٦١٠ وذكره الهيثمي في الزوائد ٢٢/١٠، ٢٣ - والهندي في كنز العمال حديث رقم ٣٢٤٤٩، ٣٢٤٥١، ٣٢٤٥٢، ٣٢٤٥٣، ٣٢٤٩١، ٣٢٤٩٥. :: /٣١ مقدمة التحقيق يَتبركون به، وأبُّ الواحد منهم وأبناؤه من أَلَدِّ أعدائه ما داموا يعادون محمّداً وحديث محمّدٍ موضع التّنَافس من رجالهم ونسائهم، حتى إذا أعيا الواحدَ منهم طِلَابُهُ، تناوب هو وزميل له الاختلاف إلى رسول الله ﴿ على أن يقوم أحدهما بعمل الآخر عند ذهابه، ويقوم الآخر برواية ما سمعه وعرفه من الرَّسول بعد إیابه. وهذه وافدة النِّساء تقول لرسول الله وَ ليه يا رسول الله، غلبنا عليك الرّجال، فاجعل لنا من نفسك يوماً نَأْتِيك فيه تعلمُنا ممَّا علَّمك الله، إلى غير ذلك من شواهدَ ومظاهر، تدلُّ على مبلغ هذا الحُبّ السَّامي الشَّريف. ويرحم الله القائل: [الوافر] فَمَضَى بِلاَ وَجَلٍ إِلىَ السَّيَّافِ أَسَرَتْ قُرَيْشٌ مُسْلِماً في غَزْوَةٍ وَلَكَ النَّبِيُّ فِدَى من الإِثْلاَفِ سَأَلُوهُ: هَلْ يُرْضِيكَ أَنَّكَ سَالِمٌ وَيُصَابُ أَنْفُ مُحَمّدٍ بِرُعَافٍ فَأَجَابَ كَلّ لاَ سَلِمْتُ مِنَ الرَّدى ولقد كان من مظاهر هذا الحبّ تسابقهم إلى كتاب الله يأخذون عنه، ويحفظونه منه، ثم إلى سُنَّته الغَرَّاء يحيطون بأقوالها وأفعالها وأحوالها وتقريراتها، بل كانوا يتفتَّنون في البحث عن هديه وخيره، والوقوف على صفته وشكله، كما تجد ذلك واضحاً من سؤال الحسن والحسين عن حلية رسول الله و ﴿ وما أجيبا به من تجلية تلك الصُّور المحمّدية الرائعة، ورسمها بريشة المُصَوّر الماهر والصَّناع القادر، على يد أبيهما عليّ بن أبي طالب، وخالهما هند بن أبي هالة رضي الله عنهم أجمعين. العَامِلِ الخَامِسُ: بلاغة القرآن الكريم إلى حدٍّ فاق كُلَّ بيان، وأخرس كُلَّ لسان وأسكتَ كل معارض ومكابر، وهدم كُلَّ مجادل ومهاتر، حتى قام ولا يزال يقوم في فم الدنيا معجزة من الله لحبيبه، وآية من الحقِّ لِتَأْييد رسوله، وبعد كلام الله في إعجازه وبلاغته كلامُ محمد ◌َّ في إشراقه ودِيباجَتِهِ وبراعته وجزالة ألفاظه وسموّ معانيه وهدايته، فقد كان ◌َّ أفصح النَّاس وأبلغ النَّاس، وكان العرب إلى جانب ذلك مأخوذين بكل فصيح بليغ، متنافسين في حفظ أجود المنظوم والمنثور، فمن هنا هبُّوا هَبَّةً واحدة يحفظون القرآن ويفهمون القرآن، وكذلك السُّنّة النَّبوّية كانت عنايتهم بحفظها والعمل بها تلي عنايتهم بالقرآن الكريم يتناقلونها ويتبادرونها كما سمعت. والكلام في أسرار بلاغة القرآن ووجوه إعجازه، وفي بلاغة كلام النّبّة وامتيازه وفي ٣٢ مقدمة التحقيق تنافس العرب في ميدان البيان كل ذلك مما لا يحتاج إلى شرح ولا تبيان، فهذا كتاب الله ينطق علينا بالحقّ، ويتحدّى بإعجازه كافَّة الخلق، وهذا سحر النّبوّة يفيض بالدّراري واللآلىء، ويزخر بالهدايات البالغة والحكم الغوالي، وهذا تاريخ الأدب العربي يسجّل لأولئك العرب تفوقهم في صناعة الكلام، وَسَبْقَهم في حَلْبة الفصاحة كافة الأنام، وامتيازهم في تذوق أسرار البلاغة خصوصاً بلاغة القرآن. العَامِلُ السَّادِسُ: التَّرغيب في الإقبال على الكِتَاب والسُّنَّة علماً وعملاً، وحفظاً وفهماً، وتعليماً وَنشراً، وكذلك التَّرهيب من الإعراض عنهما والإهمال لهما. ففي القرآن الكريم قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَّةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ، لِيُوَفُِّهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾(١). فتأمّل كيف قدم تلاوة القرآن على إقام الصَّلاة وإيتاء الزكاة؟ ونقرأ قوله جلّ ذكره: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ﴾(٢). فانظر كيف حثّ بهذا الأسلوب البارع على تدبُّر القرآن والتذكُّر والاتِّعاظ به. ونقرأ قوله عَزَّ أَسْمِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبِيَِّاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَنَّهُ لِلنَّاسِ فِي الكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ الله وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ. إلّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتَوَّبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّابُ الرَّحِيمُ﴾(٢). فتدبّر كيف يكون وَعِيدُ من كتم القرآن وهدى القرآن؟ ثم نقرأ في السُّنَّة النََّوية قوله ◌ِّهِ: ((مَا أَجْتَمَعَ قَوْمٌ في بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ الله يَتْلُونَ كِتَابَ الله وَيَتَدَارَ سُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهِمُ الْمَلائِكَةُ وَذَكَرهُمُ الله فَيَمَنْ عِنْدَهُ)) (٤). (١) [فاطر: (٣٠)]. (٢) [سورة ص آية: (٢٩)]. (٣) [البقرة: ١٥٩]. (٤) أخرجه مسلم في الصحيح ٤/ ٢٠٧٤ كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار (٤٨) حديث رقم (٢٦٩٩/٣٨) وأبو داود في السنن ١/ ٤٦٠ كتاب الصلاة باب في ثواب قراءة القرآن حديث رقم ١٤٥٥ وابن ماجة في السنن ٨٢/١ المقدمة باب فضل العلماء والحث على طلب العلم (١٧) حديث رقم ٢٢٥ وذكره الزبيدي في إتحاف السادة المتقين ٨/٥. ٣٣ مقدمة التحقيق وفي ((الصّحِيحَيْن)) قوله وَّهُ: ((خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ))(١). وفي السُّنَة قوله ◌ِّهِ: ((عُرِضَتْ عَلَيَّ ذُنُوبُ أُمَّتِي فَلَمْ أَرَ ذَنْباً أَعْظَمَ مِنْ سُورةٍ مِنَ الْقُرْآنِ أَوْ آيَةٍ أُتِيَهَا رَجُلُ ثُمَّ نَسِيَهَا))(٢) . أليس ذلك وأمثال ذلك وهو كثير يحفز الهِمَمَ ويحرّك العزائم إلى حفظ القرآن واستظهاره والمداومة على تلاوته مخافة الوقوع في وعيد نسيانه، وهو وعيد شديد؟ أَمَّا السُّنَّة النَّبوية فقد جاء في شأنِها عن الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ، وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾(٢)، وقوله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهِ﴾(٤)، وقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَزَجو الله والْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَر الله كَثِيراً﴾(٥)، وقوله: ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْتَهُمْ، ثُمَّ لا يجدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾(٦). وجاء تَرْغيباً في السُّنَّة النَّبوية من الحديث الشّريف قوله وَّهِ ((نَضَّرَ الله أَمْرَأَ سَمِعَ مِنَّا حَدِيثاً فَأَدَّاهُ كَمَا سَمِعَهُ، فربَّ مُبَلَّغِ أَوْعَى من سَامِعٍ))(٧)، وهو حديث متواتر. (١) أخرجه البخاري في الصحيح ٦/ ٣٣٠ كتاب فضائل القرآن باب خيركم من تعلم القرآن حديث رقم ٥٠٢٧ وأبو داود في السنن ١/ ٤٦٠ كتاب الصلاة باب في ثواب قراءة القرآن حديث رقم ١٤٥٢ والترمذي في السنن ١٥٩/٥ - ١٦٠ كتاب فضائل القرآن (٤٦) باب ما جاء في تعليم القرآن (١٥) حديث رقم ٢٩٠٧، وقال هذا حديث حسن صحيح ٢٩٠٨ وابن ماجة في السنن ٧٦/١ - ٧٧ المقدمة باب فضل من تعلم القرآن وعلمه (١٦) حديث رقم ٢١١، ٢١٢، ٢١٣ وأحمد في المسند ٥٨/١، ٦٩ - والدارمي في السنن ٤٣٧/٢ وابن سعد ١١١/٦ - والخطيب في التاريخ ١٩/٤، ١٠٩، ٤٥٩/١٠ - ٣٥/١١، وأبو نعيم في الحلية ١٩٤/٤ وابن عدي في الكامل ٦١٠/٢، ١٢٣٤/٣، ١٥٦٨/٤، ١٩٣٨/٥ وذكره المنذري في الترغيب ٣٤٢/٢ والهيثمي في الزوائد ١٦٩/٧ - والهندي في كنز العمال حدیث رقم ٢٣٥١، ٢٣٥٣. (٢) أخرجه أبو داود في السنن ١٧٩/١ كتاب الصلاة باب في كنس المسجد حديث رقم ٤٦١ والترمذي في السنن ١٦٣/٥ - ١٦٤ كتاب فضائل القرآن (٤٦) باب (١٩) حديث رقم ٢٩١٦ وقال أبو عيسى: هذا حدیث غریب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. (٣) [الحشر: ٧]. (٤) [النساء: ٨٠]. (٥) [الأحزاب: ٢١]. (٦) [النساء: ٦٥]. (٧) أخرجه أبو داود في السنن ٣٤٦/٢ كتاب العلم باب فضل نشر العلم حديث رقم ٣٦٦٠ والترمذي في السنن ٣٣/٥ كتاب العلم (٤٢) باب ما جاء من الحث على تبليغ السماع (٧) حديث رقم ٢٦٥٦، ٢٦٥٧ وقال أبو عيسى: حديث حسن وقال: هذا حديث حسن صحيح وابن ماجة في السنن ٨٥/١ المقدمة = الإصابة/ج١/م٣ ٣٤ مقدمة التحقيق وقوله وَّيه في خطبة حجة الوداع: ((أَلَا فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، فَلَعَلَّ بَعْض مَنْ يَبْلُغُهُ أَنْ يَكُونَ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضٍ مَنْ سَمِعَهُ»(١) . وجاء تَرْهيباً من الإعراض عن السُّنَّة قوله وَّهِ: ((مَنْ رَغِبَ عن سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي))(٢). وقوله وَّهِ: ((أَلَ هَلْ عَسَى رَجُلٌ يَبْلُغُهُ الْحَديثُ عَنّي، وَهُوَ مُتْكِىءٌ عَلَى أَرِيكَتِهِ فيَقُولُ: بَيْثَنَا وَبَيْنِكُمْ كِتَابُ الله تَعَالَى، فَمَا وَجَدْنَا فِيهِ حَلَاَلا أَسْتَحْلَلْنَاهُ، وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ حَرَاماً حَرَّمْنَاه، وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللهِلْهِكَمَا حَرَّمَهُ الله))(٣) . فأنت ترى في الآيات والأحاديث الشريفة ما يحفز همَّة المؤمن الضعيف إلى الإقبال على روائع النّبوة يستهديها، وبدائع النّبيّ وَّه يستظهرها، فكيف أنت والصّحابة الَّذين كانوا لا يضارعون طول باع ولا علوّ همّة في هذا الميدان؟ العَامِلُ السَّابِعُ : مَنزلة الكتاب والسُّنَّة من الدِّين، فالكتاب هو أصل التَّشريع الأوّل والدّستور الجامع لخير الدُّنيا والآخرة، والقانون المنظم لعلاقة الإنسان بالله، وعلاقته بالمجتمع الَّذي يعيش فيه، ثمَّ السُّنَّة هي الأصل الثَّاني للتَّشريع، وهي شارحة للقرآن الكريم، مُفصّلة لمجمله، مُقَيّدة لمطلقه، مُخَصّصة لعامه، مُبيّنة لمبهمه، مُظْهرة لأسراره كما قال سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ، وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَّكَّرُونَ﴾(٤) = باب من بلغ علماً (١٨) حديث رقم ٢٣٠ - وأحمد في المسند ١٨٠/٤، ٨٢ والطبراني في الكبير ٤٩/١٧، ١٥٨، ١٣١/٢، ١٧٢/٤ والحاكم في المستدرك ٨٦/١ - وأبو نعيم في الحلية ٣٣١/٧ والدارمي في السنن ٧٥/١ - وابن عساكر ١٥٩/٦ وذكره المنذري في الترغيب ١٠٨/١ والهندي في كنز العمال حديث رقم ٢٩١٦٥، ٢٩١٦٦. (١) أخرجه البخاري في الصحيح ٦٣/١ كتاب العلم باب ليبلغ العلم حديث رقم ١٠٥ وابن ماجة في السنن ٨٦/١ المقدمة باب من بلغ علماً (١٨) حديث رقم ٢٣٤، ٢٣٥ - وأحمد في المسند ٣٧/٥، ٤٥ والبيهقي في السنن ١٦٦/٥ - والبيهقي في دلائل النبوة ٢٣/١ - وذكره الهيثمي في الزوائد ١٧٥/٤. (٢) أخرجه البخاري في الصحيح ٧/ ٢ كتاب النكاح باب الترغيب في النكاح حديث رقم ٥٠٦٣ وأحمد في المسند ١٥٨/٢، ٢٤١/٣، ٢٥٩، ٢٨٥، ٤٠٩/٥ والدارمي في السنن ١٣٣/٢ - والبيهقي في السنن ٧/ ٧٧ وابن خزيمة في صحيحه حديث رقم ١٩٧ وابن سعد في الطبقات ٢/١/ ٩٥ والخطيب في التاريخ ٣٣٠/٣ - وأبو نعيم في الحلية ٢٢٨/٣ - وذكره المنذري في الترغيب ٨٧/١ والسيوطي في الدر المنثور ١٧/٢، ٣٠٧. (٣) أخرجه أبو داود في السنن ٢/ ٦١٠ كتاب السنة باب في لزوم السنة حديث رقم ٤٦٠٤ بلفظ مقارب وأحمد في المسند ١٣١/٤ عن المقدام بن معد يكرب الكندي. (٤) النحل: ٤٤. ٣٥ مقدمة التحقيق ومن هنا يقول ابْنُ كَثِيرٍ : «السُّنة قاضية على الكِتَاب وليس الكتاب قاضياً على السُّنَّة))، يريد بهذه الكلمة ما وضحه السُّيُوطِيُّ بقوله: والحاصل أن معنى احتياج القرآن إلى السُّنّة أنها مبيّنة له ومُفصِّلة لمجملاته، لأن فيه لوجازته كنوزاً يحتاج إلى من يعرف خفايا خباياها فيبرزها، وذلك هو المنزل عليه وَ﴿ وهو معنى كون السُّنَّة قاضية على الكتاب، وليس القرآن مبيّناً للسُّنَّة ولا قاضياً عليها؛ لأنها بيّنة بنفسها، إذ لم تصل إلى حدِّ القرآن في الإعجاز والإيجاز؛ لأنها شرح له، وشأن الشَّرح أن يكون أوضح وأبين وأبسط من المشروح)). ولا ريب أَنَّ الصَّحَابَةَ كانوا أعرف النَّاس بمنزلة الكتاب والسُّنَّة، فلا غرو أن كانوا أحرص على حذقهما وحفظهما والعمل بهما. العَامِلُ الثَّامِنُ: ارتباط كثير من كلام الله ورسوله بوقائع وحوادث وأسئلة من شأنها أن تثير الاهتمام، وتنبّه الأذهان، وتلفت الأنظار إلى قضاء الله ورسوله فيها، وحديثهما عنهما وإجابتهما عليها، وبذلك يتمكَّن الوحي الإلهي والكلام النّبويّ في النّفوس أفضل تمكن، وينتقش في الأذهان على مرِّ الزّمان. أنظر إلى القرآن الكريم تجده يساير الحوادث والطَّوارىء في تجددها ووقوعها، فتارة يجيب السّائلين على أسئلتهم بمثل قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مَنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّ قَلِيلاً﴾(١). وتارة يفصِّل في مشكلة قَامَتْ، ويَقْضِي على فتنة طغت بمثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لاَ تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، إلى قوله: ﴿مُبَرِّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾(٢) . وهي ستّ عشرة آية نزلت في حادثٍ من أروع الحوادث هو أتُّهام أمِّ المؤمنين سيدتنا الجليلة السيدة أم المؤمنين عائشة زوج رسول الله وَ﴿، الصّديقة بنت الصديق، وفي هذه الآيات دروس اجتماعية قرئت، ولا تزال تقرأ على النّاس إلى يوم القيامة، ولا تزال تسجل براءة الحصان الطاهرة من فوق سبع سموات، وتارة يلفت القرآن أنظار المسلمين إلى تصحيح أَغْلَاطِهِمْ الّتي وقعوا فيها، ويرشدهم إلى شاكلة الصّواب كَقوله في سورة آل عمران. ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنَ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ إلخ الآيات، التي نزلت في (١) الإسراء: ٨٥. (٢) النور: ١١ - ٢٦. ٣٦ مقدمة التحقيق غزوة أحد والتي تدل المُسْلمين على خطئهم في هذا الموقف الرّهيب، وتحذرهم أن يقعوا حيناً آخر في مثل هذا المأزق العَصِيب. وعلى هذا النَّمط نزلت سور في القرآن وآيات تفوق الحصر. وإذا نظرت في السُّنَّة رأيت العجب، أنظر إلى قصّة المخزومية التي سرقت، وقول الرّسولِوََّ لمن شفع فيها: ((وايْمُ الله، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا))(١) ثم تأمّل حادث تلك المرأة الجهنية الّتي أقرّت بزناها بين يدي رسول الله وهي حُبْلى من الزِّنا، كيف أمر رسول الله فكفلها وليّها حتى وضعت حملها ثم أتى بها فرجمت ثم صلَّى رسول الرّحمة عليها؟، ولمَّا سُئِلِ نَّم كيف تصلي عليها وهي زانية؟ قال: ((إِنَّهَا تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِّمَتْ علَى سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدينة لَوَسعَتْهُمْ، وَهَلْ وَجَدَتْ أَفْضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا الله عزَّ وَجَلَّ))(٢). وتدبّر الحديث المعروف بحديث جبريل، وفيه يسأل جبريل رسول الله وّ ر عن الإسلام والإيمان والإحسان والسّاعة وأشراطها على مرأى ومسمع من الصّحابة، وقد قال لهم أخيراً: ((هَذَا جِبريلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ))(٣). (١) أخرجه البخاري في الصحيح ٢٨٧/٨ كتاب الحدود باب كراهية الشفاعة .... حديث رقم ٦٧٨٨ ومسلم في الصحيح ١٣١٥/٣ كتاب الحدود (٢٩) باب قطع السارق الشريف وغيره والنهي عن الشفاعة في الحدود (٢) حديث رقم (١٦٨٨/٨، ١٦٨٨/٩) وأبو داود في السنن ٢/ ٥٣٧ كتاب الحدود باب في الحد يشفع حديث رقم ٤٣٧٣ والترمذي في السنن ٢٩/٤ كتاب الحدود (١٥) باب ما جاء من كراهية أن يشفع في الحدود (٦) حديث رقم ١٤٣٠ والنسائي في السنن ٨/ ٧٣ - ٧٤ كتاب قطع السارق (٤٦) باب اختلاف ألفاظ الناقلين لخبر الزهري في المخزومية التي سرقت (٦) حديث ٤٨٩٩ وابن ماجة في السنن ٨٥١/٢ كتاب الحدود (٢٠) باب الشفاعة في الحدود (٦) حديث رقم ٢٥٤٧ - والدارمي في السنن ٢/ ١٧٣ - والبيهقي في السنن ٢٥٣/٨ والبيهقي في دلائل النبوة ٨٨/٥ - وذكره ابن كثير في التفسير ١٠٤/٣. (٢) أخرجه مسلم في الصحيح ١٣٢١/٣ - ١٣٢٤ كتاب الحدود (٢٩) باب من اعترف على نفسه بالزنا (٥) حديث رقم (١٦٩٥/٢٢)، (١٦٩٥/٢٣)، (١٦٩٦/٢٤) وأبو داود في السنن ٥٥٦/٢ كتاب الحدود باب المرأة التي أمر النبي برجمها من جهينة حديث رقم ٤٤٤٠ والترمذي في السنن ٣٣/٤ كتاب الحدود (١٥) باب تربص الرجم بالحبلى حتى تضع (٩) حديث رقم ١٤٣٥ وقال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح والنسائي في السنن ٤/ ٦٣ كتاب الجنائز باب الصلاة على المرجوم (٦٤) حديث رقم ١٩٥٧ - وأحمد في المسند ٤/ ٤٤٠ والطبراني في الكبير ١٩٧/١٨ - وابن حبان في صحيحه حديث رقم ١٥١٢ وذكره المنذري في الترغيب ١٠٠/٤ والزبيدي في إتحفاف السادة المتقين ٥٨١/٨ . (٣) متفق عليه أخرجه البخاري في الصحيح ١١٤/١، كتاب الإيمان (٢) باب سؤال جبريل النبي ◌َليد (٣٧) = ۔ ٣٧ مقدمة التحقيق والنَّاظر في السُّنَّة يجدها في كثرتها الغامرة تدور على مثل تلك الوقائع والحوادث والأسئلة. وقد قرر علماء النَّفْس أَنَّ ارتباط المعلومات بأمور مقارنة لها في الفكر، تجعلها أَبْقَى على الزّمن وأثبت في النفس، فلا بدع أن يكون ما ذكرنا داعية من دواعي حفظ الصحابة لكتاب الله وسنّة رسوله وَ﴿ على حين أنهم هم المشاهدون لتلك الوقائع والحوادث المشافهون بخطاب الحقّ، المواجهون بخطاب الحق، المواجهون بكلام سيّد الخلق في هذه المناسبات الملائمة والأسباب القائمة التي تجعل نفوسهم مستشرفة لقضاء الله فيها، متعطشة إلى حديث رسوله عنها، فينزل الكلام على القلوب، وهي متشوّقة كما ينزل الغيث على الأرض وهي متعطّشة تنهله بلهف، وتأخذه بشغف، وتمسكه وتحرص عليه بيقظة، وتعتز به وتعتد عن حقیقة، وتنتفع به وتنفع، بل تهتز به وتربو، وتنبت من کل زوج بهیج. العَامِلُ التَّاسِعُ: اقتران القرآن دائماً بالإعجاز، واقتران بعض الأحاديث النبوية بأمور خارقة لِلْعَادَةِ، تروع النّفس، وتشوق النّاظر وتهول السّامع وإنما اعتبرنا ذلك الإعجاز وخرق العادة من عوامل حفظ الصَّحابة، لأنه الشَّأن فيما يخرج على نواميس الكون وقوانينه العامّة أنه يتقرَّر في حافظة من شاهده، وأنه يتركز في فؤاد كل من عاينه فرداً كان أو أمّة، حتى لقد يتخذ مبدأ تؤرخُ بحدوثه الأيَّامِ والسّنون، وتُقَاسُ بوجوده الأعمار. أمّا القرآن الكريم فإعجازه سارٍ فيه سريان الماء في العود الأخضر، لا تكاد تخلو سورة ولا آية منه، وأعرف الناس بوجوه إعجازه وأعظمهم ذوقاً لأسرار بلاغته هم أصحاب محمَّدٍ وَّ لأنَّهم يصدرون في هذه المعرفة وهذا الذّوق عن فطرتهم العَربية الصّافية وسليقتهم السَّليمة السَّامية؛ ومن هذا كان القرآن حياتهم الصّحيحة به يقومون ويقعدون وينامون ويستيقظون ويعيشون ويتعاملون، ويلتذُّون ويتعبدون وهذا هو معنى كونه روحاً في قول الله سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا﴾(١) وليست هناك طائفة في التّاريخ تمثل فيها القرآن روحاً كما تمثَّل في هذه الطَّبقة العليا الكريمة طبقة الصّحابة الذين وهبوه حياتهم فوهبهم الحياة، وطبعهم طبعة جديدة حتى = حديث رقم (٥٠) - ومسلم في الصحيح ١/ ٤٥ كتاب الإيمان (١) باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان (١) حديث (١٠/٧). (١) [الشورى: ٥٢]. ٣٨ مقدمة التحقيق صاروا أشبه بالملائكة، وهكذا سواهم الله بكتابه خلقاً آخر. ﴿فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾. وأما السُّنة النَّبوية فقد اقترن بعضها بمعجزات خارقة وأمامك أحاديث المعجزات، وهي كثيرة فيها المعجب والمطرب غير أَنَّا نَربأ بك أن تكون فيها كحاطب ليلٍ على حين أن بين أيدينا في الصَّحيح منها الجمّ الغفير والعدد الكثير، ((وَلاَ يُنبئك مِثْلُ خَبِيرٍ)). وهذا نموذج واحد، عن أبي العَبَّاس سهل بن سعد السّاعديّ رضي الله عنه أن رسول الله ◌َِّ قال يوم خيبر: (لأعْطِينَّ هَذِهِ الرَّايَة غَداً رَجُلاً يَفْتَحُ الله عَلَى يَدَيْهِ، يُحبُّ الله وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللهِ وَرَسُولُهُ)) فَبَاتَ النَّاسِ يَدُوكُونَ(١) ليلتهم أيُّهم يعطاها، فلما أَصْبِح النَّاس غدوا على رسول الله وَ﴿ كلُّهم يرجو أن يعطاها. فقال :: أين عليُّ بن أبي طالب؟ فقيل: يا رسول الله، هو يشتكي مرضاً بِعَينيهِ، قال: فأرسلوا إليه فأتي به، فبصق رسول الله وَإليه بعينيه، ودعا له، فبرىء حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الرّاية، فقال عليّ رضي الله عنه يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ قال: انفذ عَلَى رَسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلاَمِ وَأَخْبِرُهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ الله تَعَالَى فيه، والله لأَنْ يَهْدِيَ الله ◌ِكَ رَجُلاً وَاحِداً خَيْرٌ لَكَّ مِنْ حُمَرِ النَّعَمِ(٢)»(٣). وهذه الوصيّة من رسول الله لعليّ جديرة أن تقطع لسان من يقول: إنَّ الإسلام أنتشر بحدِّ السّيف ﴿كَبْرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أقْوَاهِهِمْ إن يقولون إِلَّ كَذِباً﴾(٤). (١) يعني يخوضون. (٢) أخرجه البخاري في الصحيح ٤/ ١٤٥ كتاب الجهاد والسير باب فضل من أسلم على يديه رجل حديث رقم ٣٠٠٩ ومسلم في الصحيح ١٨٧١/٤ كتاب فضائل الصحابة (٤٤) باب من فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه حديث رقم (٢٤٠٤/٣٢)، (٢٤٠٥/٣٣) والترمذي في السنن ٥٩٦/٥ كتاب المناقب (٥٠) باب ٢١ حديث رقم ٣٧٢٤ - وابن ماجة في السنن ١/ ٤٥ المقدمة باب فضائل أصحاب رسول الله ◌َلهم فضل علي بن أبي طالب حديث رقم ١٢١ - وأحمد في المسند ٩٩/١، ١٨٥، ٥٢/٤ والبيهقي في السنن ٦/ ٣٦٢، ١٣١/٩ - وابن سعد ٨٢/١/٢ والطبراني في الكبير ٢٣٧/١٨، ٢٣٨ وأبو نعيم في الحلية ٣٥٦/٤ وذكره الهيثمي في الزوائد ١٢٦/٩، ١٢٧ . (٣) أخرجه البخاري في الصحيح ١٢٣/٤ كتاب الجهاد والسير باب دعاء النبي ◌َّ﴿ حديث رقم ٢٩٤٢، ٤/ ١٤٥ كتاب الجهاد والسير باب فضل من أسلم على يديه حديث رقم ٣٠٠٩، ٨٨/٥ كتاب المناقب باب مناقب علي بن أبي طالب حديث رقم ٣٧٠١ ومسلم في الصحيح ١٨٧٢/٤ كتاب فضائل الصحابة (٤٤) باب من فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه (٤) حديث رقم (٢٤٠٦/٣٤) - وأحمد في المسند ٣٣٣/٥ والبيهقي في السنن ١٠٧/٩ وذكره ابن عبد البر في التمهيد ٢١٨/٢ والهيثمي في الزوائد ٣٣٧/٥. (٤) [الكهف: ٥]. ٣٩ مقدمة التحقيق العَامِلُ العَاشِرُ حكمة الله ورسوله في التّربية والتّعليم، وحسن سياستهما في الدعوة والإرشاد مما جعل الكتاب والسُّنة يتقرران في الأذهان، ويسهلان على الصّحابة في الحفظ والاستظهار. أما القرآن الكريم فحسبك أن تعرف من حكمة الله في التربية والتعليم أنه أنزله على الأمة الإسلامية باللغة الحبيبة إلى نفوسهم، وبالأسلوب الخلاّب والنّظم المعجز الآخذ بقلوبهم. وأنه تدرج بهم في نزوله، فلم ينزل جملة واحدة يرهقهم به ويعجزون عنه بل أنزله منجماً في مدى عشرين أو بضع وعشرين سنة، ثم ربطه بالحوادث والأسباب الخاصة في كثير من آياته وسوره، ودعمه بالدليل والحجة، وخاطب به العقول والضّمائر، وناط به مصلحتهم وخيرهم وسعادتهم، وصدر في ذلك كلّه عن رحمة واسعة بهم يكادون يلمسونها باليد ويرونها بالعين ﴿مَا يُرِيدُ الله لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَرَجٍ، وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ، وَلِيُتَمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَكُمْ تَشْكُرُونَ﴾(١). ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا، وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّم لِلْعَبِيدِ﴾(٢). وأما السُّنة النَّبوية فلقد كان محمد ول# هو المعلِّم الأوّل في رعاية تلك الوسائل الموضحة، ذلك لأنه ◌َ ﴿ كان أفصح النّاس لساناً وأوضحهم بياناً، وأجودهم إلقاءً، يَنْتَقي عيون الكلام وهو الّذي أوتي جوامع الكلم، ولا يسرد الحديث سرداً يزري بِرَوْنَقِهِ أو يذهب بشيء منه، يل يتكلّم كلاماً لو عدَّه العادّ لأحصاه، وكان يعيد الكلمة ثلاثاً أو أكثر من ثلاث عند الحاجة كيما تحفظ عنه كما جاء عنه وَله قوله: ((هَلَكَ الْمُتَتَطُّعُونَ))(٣) قالها ثلاثاً، وقال: ((أَلاَ أُنْبِتُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ - ثلاثاً - قلنا: بلى يا رسول الله، قال: ((الإِشْرَاكُ بالله، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادُ الزُّورِ - وكان مُتَكئاً فجلس - فما زال يكررها حتى قلنا ليته سکت»(٤). (١) [المائدة: ٦]. (٢) [فصلت: ٤٦]. (٣) أخرجه مسلم في الصحيح ٤/ ٢٠٥٥ كتاب العلم (٤٧) باب هلك المتنطعون (٤) حديث رقم (٧/ ٢٦٧٠) والطبراني في الكبير ٢١٦/١٠ - وذكره ابن حجر في فتح الباري ٢٦٧/١٣ - والتبريزي في مشكاة المصابيح حديث رقم ٤٧٨٥ - والزبيدي في الإتحاف ٢/ ٥٠. (٤) أخرجه البخاري في الصحيح ٥/٨، ٦ كتاب الأدب باب عقوق الوالدين - حديث رقم ٥٩٧٦، ٥٩٧٧، ٣٣٩/٣ كتاب الشهادات باب ما قيل في شهادة الزور حديث رقم ٢٦٥٤ - ومسلم في الصحيح ٩١/١ كتاب الإيمان (١) باب بيان الكبائر وأكبرها (٣٨) حديث رقم (٨٧/١٤٣، ٨٨/١٤٤) وأحمد في المسند ١٣١/٣، ٣٦/٥، ٣٨ _ والبيهقي في السنن ١٢١/١٠ - والطبراني في الكبير ١٤٠/١٨ -=