النص المفهرس
صفحات 121-140
((من جاءَ بصلوات الخمس يوم القيامة حافظ على وُضوئها ومواقيتِها وركوعها وسجودها لم ينتقص منهن شيئاً ، كان له عند الله عهد أَلاَّ يعذبه ، ومن جاءً وقد أَنقص منهن شيئاً ، فليس له عهد عند الله ، إِن شاء رحمه وإن شاءَ عذَّبه )) ثم قال: لم يروه عن محمد بن عمرو إِلا عيسى ، تفرد به عبد الله بن أبي رومان . ( الحديث السادس ) : قال الحافظ أبو حاتم بن حبان البستي في صحيحه في النوع التاسع والمئة من القسم الثاني : أخبرنا عمر بن محمد الهمداني ، ثنا أبو الطاهر بن السرح، ثنا ابن وهب قال : أخبرني يونس عن ابن شهاب أَن عروة بن الزبير حدثه أن عائشة قالت: ((أَلا يعجبك أَبو هريرة جاءَ فجلس إلى جانب حجرتي يحدث عن رسول الله عَ لّهِ ، يسمعني ذلك وكنت أُسبّح فقام قبل أن أُقضي سبحتي ، ولو أَدركته لرددت عليه : أن رسول الله طفل لم يكن يسرد الحديث کسردكم)). قال أبو حاتم : قول عائشة: (( لرددت عليه)) أَرادت به سرد الحديث لا الحديث نفسه ، وترجم عليه ما يستحب للمرء من ترك سرد الأحاديث حذر قلة التعظيم والتوقير لها . أخرجه مسلم في الصحيح في الفضائل عن حرملة بن يحيى: ثنا ابن وهب به سندًا ومَتناً . / ( الحديث السابع ) : ذكر أبو منصور البغدادي بإسناده إِلى أَبي ٥٨ عروبة الحسين بن محمد الحراني قال : ثنا جدي عمرو بن أبي عمرو قال : ثنا أبو يوسف يعقوب بن ابراهيم مولى الأنصار قال: ثنا محمد ابن عمرو عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبي هريرة : ١٢١ أنه قال: ((مَنْ غَسَّلَ ميتاً اغتسل، ومن حمله توضأُ)) فبلغ ذلك عائشة رضي الله عنها فقالت: (( أَوَ نجس موتى المسلمين ؟ وما على رجل لو حمل عودًا؟ ))، واعلم أن جماعة من الصحابة رووا هذا الحديث ولم يذكروا فيه الوضوءَ من حمله ، منهم عائشة. أخرجه أبو داوود، ومنهم حذيفة : أخرجه البيهقي، وهو يقوي إِنكار عائشة. لكن قال البيهقي: ((الروايات المرفوعة في هذا الباب عن أبي هريرة غير قوية ، لجهالة بعض رواتها وضعف بعضهم )) والصحيح أنه موقوف على أبي هريرة . ( الثامن ) : قال أَبو عروبة أيضاً : حدثنا جدي عمرو بن أبي عمرو قال ، ثنا أبو يوسف يعقوب بن ابراهيم قال ، ثنا الكلبي عن أَبي صالح عن أبي هريرة قال: ((لأُنْ يمتلىءَ جوف أحدكم قيْحاً ودماً خير له من أن يمتلىءَ شعرًا)) فقالت عائشة رضي الله عنها: ((لم يحفظ الحديث، إنما قال رسول الله مَ الله: ((لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحاً ودماً خير له من أن يمتلىء شعراً هجيتُ به)) وقد أخرج الشيخان حديث أبي هريرة من جهة الأَعمش عن أبي صالح عنه . وأخرجه مسلم من حديث سعد بن أبي وقاص، وأَخرجه البزار من حديث عمر . قلت : وقد تابع عائشة على رواية هذه الزيادة جابر بن عبد الله ، أخرجه أبو يعلى الموصلي في مسنده من جهة أحمد بن محرز الأزدي عن محمد ابن المنكدر عن جابر مرفوعاً بلفظ: ((خير له من أن يمتلىءَ شعرًا هجيت به)) قال السهيلي في الروض: وذكر ابن وهب في جامعه: ((أَن عائشة رضي الله عنها تأَولت هذا الحديث في الأشعار التي هُچِي بها النبي ◌َّهِ . ١٢٢ ٥٩ وأَنكرت قول مَن حمله على العموم في جميع الشعر)) قال السهيلي: ((وإِذا قلنا بذلك فليس في الحديث إِلا عيب: (( امتلأُّ الجوف منه )) . / وأما رواية اليسير على جهة الحكاية والاستشهاد على اللغة فلم يدخل في النهي.)) قال: وقد رد أَبو عبيدة على من تأَّول الحديث في الشعر الذي هَجي به النبي عَ لِ وقال: ((رواية نصف بيت من ذلك الشعر حرام فكيف يخص امتلاء الجوف منه بالدم؟)) قال السهيلي: ((وعائشة أَعلم منه ، فإِن البيت والبيتين والأَبيات من تلك الأَشعار على جهة الحكاية ، بمنزلة الكلام المنثور الذي ذموا به رسول الله مَ الِ، لا فرق )» وجعل ذلك عذرا لابن إسحاق في ذكر بعض أشعار الكَفَرة من الهجو . انتهى . والصواب: تحريم حكاية هجو النبي ◌َّ لل قليله وكثيره، والحديث لعله خرج على من امتلأ بذلك ، فلا يكون له مفهوم في عدم ذم القليل . وأيضاً فالمحذور في الكثير موجود في القليل بعينه ، فتاويل عائشة مستقيم إن شاء الله ولا يرد ما فهمه أَبو عبيدة ولا السهيلي . ( التاسع ) : أخرج مسلم والنسائي عن شريح بن هاني عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ع ◌َلِ ((من أحب لقاء الله أحب الله لقاءَه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه)) قال شريح: فأَنيت عائشة فقلت: ((يا أُم المؤمنين سمعت أبا هريرة يذكر عن رسول الله مع المتهم حديثاً إِن كان كذلك فقد هلكنا )) فقالت: إِن الهالك من هلك، وما ذاك؟ [قلت] قال : ((قال رسول الله عَلَّهِ: من أَحبَّ لقاءَ اللهِ أَحبَّ اللهُ لقاءَه ، ومن كره لقاءَ اللهِ كره الله لقاءه. وليس منا أَحد إلا وهو يكره الموت)) فقالت: ((قد ١٢٣ قاله رسول الله مَ الله، ولكن ليس بالذي تذهب إليه ، ولكن إِذا شخص البصر وحشرج الصدر واقشعر الجلد ونشنجت الأصابع ، فعند ذلك من أَحبَّ لقاءَ اللهِ أَحب اللهُ لقاءَه ومن كره لقاءَ اللهِ كرهَ اللهُ لقاءَه)) وأخرجه الدارقطني من جهة محمد بن فضيل قال : ثنا عطاء بن السائب عن مجاهد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عَ ظِلّهِ ((إِذا أَحبَّ العبدُ لقاءَ اللهِ أَحبَّ اللهُ لقاءه، وإِذا كرهَ العبدُ لقاءَ الله كره الله لقاءَه)) فذكر ذلك لعائشة فقالت: ((يرحمه الله حدثكم بآخر الحديث ولم يحدثكم بأَوله )) قالت عائشة: قال رسول الله عَ لَّهِ ((إِذا أراد الله بعبدٍ خيرًا بعث إليه ملكاً في عامه الذي يموت فيه فيسدده ويبشره ، فإِذا كان عند موته أتى ملك الموت فقعد عند رأسه فقال : أيتها النفس المطمئنة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان وتتهوع (١) نفسه رجاء أن تخرج ، فذلك حين يحب لقاءً الله ويحب الله لقاءه. وإذا أراد بعبد شرًا بعث إِليه شيطاناً في عامه الذي يموت فيه فأَغواه فإِذا كان عند موته أَتاه ملك الموت فقعد عند رأسه فقال : أيتها النفس اخرجي إلى سخط من الله وغضب فتفرق في جسده فيسترطه(١) ، فذاك حين يبغض لقاء الله ويبغض الله لقاءه)) غريب من حديث مجاهد عن أبي هريرة وعائشة ، تفرد به عطاء بن السائب عنه . قال الدارقطني ولا أعلم حدث به عنه غير ابن فضيل . قلت : وقد احتج به الشيخان . / ( العاشر) : روى أبو القاسم عبد الله بن محمد بن علي البغوي حدثنا عبيد الله بن عمر قال: ثنا خالد بن الحارث قال: ثنا عبيد الله بن ٦١ (١) تهوّع القيء: تكلفه - القاموس. وهاع قاء بلا تكلف. ويسترطه: يبتلعه . ١٢٤ عمر عن القاسم بن محمد قال : بلغ عائشة رضي الله عنها أن أبا هريرة يقول: ((إِن المرأة تقطع الصلاة)) فقالت: ((كان رسول الله عد اله يصلي فتقع رجلي بين يديه أَو بحذائه فيصرفها فأَقبضها)). (الحادي عشر): روى الشيخان عن أبي هريرة أن رسول الله عبد الله قال: (( لا يمشين أحدكم في نعل واحدة، لينعلهما جميعاً أَو ليخلعهما)) وروى مسلم عن جابر نحوه . قال ابن عبد البر في الاستذكار : حديث أبي هريرة وحديث جابر صحيحان ثابتان ، وقد روى عن عائشة رحمها الله معارضة لحديث أبي هريرة في هذا الباب [و] لم يلتفت أهل العلم إلى ذلك ، لأَن السنن لا تعارض بالرأي. فإن قيل لم تعارض أبا هريرة برأيها، وإِنما ذكرت : أَن رسول الله عَ لِّ ربما انقطع شع نعله فمشى في نعل واحدة ، قيل : لم يرو هذا والله أعلم إلا مندل بن علي عن ليث ابن أبي سليم عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة . ومندل وليث ضعيفان لاحجة فيما نقلا منفردين (١)، فكيف إِذا عارض نقلهما نقل الثقات الأَئمة ؟. ذكر أبو بكر يعني ابن أبي شيبة : ثنا ابن عيينة عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أَن عائشة كانت تمشي في خف واحد وتقول: «لأُخشن (٢) أبا هريرة)) وهذا هو الصحيح، لا حديث مندل عن ليث والله أعلم. وقد روي عن علي أَنه مشى في النعل الواحدة، وهذا يحتمل أن يكون مسيرًا وهو يصلح الأُخرى أَو يكون لم يبلغه (١) في الأصل : منفردان . (٢) خششْت فلاناً: شنأته ولمته في خفاء - القاموس. ١٢٥ ما رواه أبو هريرة وجابر مع أَن حديث علي لا يثبت(١) وعن رجل من مزينة عن علي : أنه كان يمشي في نعل واحدة وهو يصلح شسعه . فائدة : ٦٤ / "روى الشيخان عن عائشة قالت: قال رسول الله ◌َ الله: ((إِذا أَطعمت المرأة من بيت زوجها غير مفسدة فلها أجرها وله مثله وللخازن مثل ذلك)). وأخرجا أيضاً عن هشام عن أبي هريرة: قال رسول الله عز له: (( وما أَنفقت المرأة من كسبه عن غير أَمره فإِن نصف أجره له)). وهذا لا ينافي رواية أبي هريرة . ثم إنه قد جاءً عن أبي هريرة ما يخالف ظاهر روايته : فروى أبو داوود في سننه من جهة عبد الملك عن عطاء عن أبي هريرة في المرأة تصدّق من بيت زوجها قال: ((لا ، إِلا من قوتها والأَجر بينهما ، ولا يحل لها أن تصدّق من مال زوجها إِلا بإذنه)). ولأجل هذا حمل البيهقي وغيره الحديث السابق على أنها تعطيه من الطعام الذي أعطاها زوجها وجعله بحكمها دون سائر أَمواله. والأصل تحريم مال الغير إلا بإذنه . قال : والحامل على ذلك أن أبا هريرة قال ذلك وهو أحد رواة تلك الأخبار. ونازعه الحافظ شمس الدين الذهبي وقال : بل الظاهر أنه أراد الإذن لها في الصدقة مما يقتاتونه من (١) ثلاث كلمات لم تحل . (٢) ورقة ٦٢ من الأصل ليست للمؤلف ، انظر ص ١٢٩ . ١٢٦ المطبوخ والمخبوز وهو الطعام الرطب ، دون ما في البيت من مثل العسل والزيت والجبن مما يدخر ، فإن ذلك مال؛ فإن أبا هريرة قال: والأجر بينهما. فأما قولها (( التي تأخذه من زوجها بالفرض ثم تؤثر منه)) (١) فإِن الأَجر لها وحدها. اهـ. وقال صاحب الدر النقي: هذا الأثر المروي عن أبي هريرة لا يصح فإِن في سنده عبد الملك العرزمي وهو متكلم فيه. قال البيهقي في موضع: ((لا يقبل منه ما خالف فيه الثقات)). ثم لو صح فالعبرة عند الشافعي (بما) روى لا بما رأَى. وكيف يحمل ذلك على الطعام الذي أعطاها وفي حديث أبي هريرة (( وما أَنفقت من كسبه عن غير أمره)) ، بل يحمل ذلك على كل ما هو مأذون فيه إِما صريحاً أَو عرفاً أَو عادة . وقد أخرج البيهقي أيضاً عن يحيى القطان عن زياد بن لاحق : حدثتني تميمة بنت سلمة أنها أَنت عائشة في نسوة من أهل الكوفة فسألتها امرأة منا فقالت: ((المرأة تصيب من بيت زوجها شيئاً بغير إذنه؟)) فغضبت وقطَّبت، وساءها ما قالت، / وقالت: ((لا تسرقي ٦٥ منه ذهباً ولا فضة ولا تأخذي منه شيئاً)) قلت وكأنها رضي الله عنها قالت لها ذلك ، لما فهمت من قرينة الحال أنها تستطيل في ماله لموافقتها بالجواز ، كما اتفق مثل ذلك لابن عباس لما أَفتى السائل عن توبة القاتل : أنه لا توبة له . وفي الباب حديث أخرجه الترمذي وابن ماجه عن إسماعيل بن (١) لم يرد لهذه الجملة ذكر فيما سبق . ١٢٧ عياش: نا شرحبيل بن سلمة [أَنه] سمع أبا أمامة يقول : شهدت رسول الله مع الله في حجة الوداع فسمعته يقول: ((لا يحل لامرأة أن تعطي من مال زوجها شيئاً إلا بإِذنه)) فقال رجل: (( يا رسول الله ولا الطعام؟)) قال: ((ذاك أَفضل أموالنا)) قال الذهبي: هذا إِسناد حسن. ١٢٨ (١) ٦٣ فصل ٨ - استدراكها على مروان بن الحكم نقل أَهل التفسير في قوله تعالى ﴿وَالذي قالَ لِوالِدَيْهِ﴾(٢) أَن معاوية كتب إلى مروان بأن يبايع الناس ليزيد ، قال عبد الرحمن بن أبي بكر : ((لقد جئتم بها هرقلية، أَتبايعون لأَبنائكم)) فقال مروان : يا أيها الناس هذا الذي قال الله فيه ﴿وَالَّذي قالَ لوالِدَيْهِ أُفٍ لَكُما .. ﴾ (٢) فسمعت ء عائشة فغضبت وقالت : ((والله ما هو به ، ولو شئت أن أُسميه لسميته ، ولكن الله لعن أَباك وأنت في صلبه فأَنت قضض (٣) من لعنة الله.)) لفظ رواية النسائي ورواه الحاكم وابن أبي خيثمة وابن مردويه من رواية محمد بن زياد. قال : لما بايع معاوية لابنه قال مروان : ((سنة أبي بكر وعمر)) فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: ((سنة هرقل وقيصر)) قال مروان: ((هذا الذي أنزل الله. فذكر الآية)) فبلغ ذلك عائشة فقالت : ((كذب والله ما هو به فيذكره (٤) ولكن رسول الله عز له لعن أَبا مروان (١) ص ٦٢ فارغة. وهذا الاستدراك كما سترى لغير المؤلف وانظر المقدمة ص : ١٩. (٢) سورة الأحقاف ١٧/٤٦ وتمامها . ( والذي قال لوالديه: أفّ لكما أتعداني أن أُخْرَجَ وقد خلتِ القرونُ من قبلي، وهما يستغيثان اللّه: ويلك آمن ، إن وعد الله حقٌ فيقولُ ما هذا إلا أساطيرُ الأولين ). (٣) القَضَض ضبطه القاموس بفتحتين وبضمتين وهو القطعة كما سيأتي . (٤) في الأصل : مدكره . ١٢٩ الاجابة - ٩ ومروان في صلبه إلى آخره)) ولفظ ابن أبي خيثمة : أَن معاوية كتب إلى مروان أن يبايع الناس ليزيد ، فقال عبد الرحمن : لقد جئتم بها هرقلية ... إلى آخره. وأصله في البخاري من رواية يوسف بن ماهك عن عائشة دون ما في آخره ، وأما الذي أرادته عائشة ولم تسمِّه فلم يوقف له على اسم. وأنكر الزجاج نزولها في عبد الرحمن لأنه أَسلم وحسن إِسلامه، وقال : الصحيح أَنها نزلت في الكافر العاق. وهذا مروي عن الحسن البصري وعن قتادة أَنه : نعت عبد سوءٍ عاق لوالديه . وقال الزمخشري في الكشاف : نزولها في عبد الرحمن باطل: ((ويشهد له أَن المراد بالذي قال : جنس القائلين ذلك أيضاً. وقوله تعالى: ﴿أُولئِكَ الذينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ إلى آخرها، لا يناسب ذلك عبد الرحمن ، إِلا أَن المهدوي قال : يحتمل أن يكون هو ، وذلك قبل إِسلامه وأن الإشارة ب ﴿أولئك .. ﴾ للقوم الذين أشار إليهم المذكور بقوله ﴿وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي﴾ فلا يمتنع أن يقع ذلك له قبل إِسلامه . قال شيخنا شيخ الإِسلام شهاب الدين ابن حجر: ((ولكن نفي عائشة أَن تكون نزلت في عبد الرحمن وآل بيته ، أَصح إِسنادًا وَأَوْلى بالقبول)) فإِنَّه نقل أيضاً أنها نزلت في أخيه عبد الله وقول عائشة رضي الله عنها ((فأَنت قضض من لعنة الله )) أي قطعة منها . قال ذلك وحرر النقل فيه مستدركاً به على المؤلف في إهماله ، كاتبه ومالكه أحمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي أحمد الرملي الشافعي الشهير بأبي الأسباط غفر الله له ولوالديه آمين . ١٣٠ ٦٦ فصل ٩ - استدراكها على أبي سعيد الخدري (الأول): قال أبو حاتم ابن حبان في صحيحه : أخبرنا محمد بن الحسن : ثنا قتيبة : ثنا حرملة بن يحيى قال : ثنا ابن وهب : ثنا يونس عن ابن شهاب : حدثتني عمرة بنت عبد الرحمن : أَن عائشة أَخبرت أَن أبا سعيد الخدري قال: نهى رسول الله عَ لِ المرأة أن تسافر إلا ومعها ذو محرم ، قالت عمرة : فالتفتت عائشة إِلى بعض النساءِ [وقالت] : ((ما لكلّكن ذو (١) محرم)). وأخرجه البيهقي في سننه ثم قال أبو حاتم : (( لم تكن عائشة بالمتهمة أبا سعيد لعدالته، وإِنما أرادت بقولها : (( ما لكلكن ذو محرم )) تريد أنه ليس لكلكن ذو محرم تسافر معه ، فاتقين الله ولا تسافر واحدة منكن إلا بذي محرم يكون معها. )) قلت : ينافي هذا رواية البيهقي ((ما كاهن ذوات محرم)) وقد أَدخله في باب لزومها الحج مع النساء الثقات. وقال الطحاوي في معاني الآثار : ((احتج بخبر عائشة هذا من لم يشترط المحرم في وجوب الحج ، ولا حجة في قول أحد مع قول النبي عَ ◌ّه: ((لا يحل لامرأة أن تسافر (١) في الأصل هنا فقط: ذور . ١٣١ مسيرة ثلاثة أيام إلا ومعها محرم)) قال: وقد قيل لأبي حنيفة: ((فإِن عائشة كانت تسافر بلا مجرم)) فقال أبو حنيفة: ((كان الناس لعائشة محرماً ، مع أَيهم سافرت فقد سافرت مع محرم، وليس الناس لغيرها من النساء كذلك.)) اهـ. ٦٧ (الثاني) : أخرج أبو داوود في سننه عن محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي سلمة عن أبي سعيد الخدري : انه لما حضره الموت دعا بثياب جدد فلبسها ثم قال: سمعت رسول الله مَ لِ يقول: ((إن الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها)). وأخرجه ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه وقال : صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه . ورواه البزار في مسنده وقال : ((لا يروى إلا من حديث أبي سعيد ولا نعلم له طريقاً عنه إلا هذه.)) اهـ. ورأيت في كتاب أصول الفقه لأبي الحسين أحمد ابن القطان من قدماءٍ أَصحابنا من أصحاب ابن سريج في الكلام على الرواية بالمعنى : أَن أَبا سعيد رضي الله عنه فهم من الحديث أن النبي ◌َ ◌ّمِ أَراد بالثياب الكفن، وأن عائشة رضي الله عنها أنكرت عليه ذلك وقالت: يرحم الله أبا سعيد إنما أَراد النبي ◌َ ◌ِّ عمله الذي مات عليه، قد قال رسول الله عز له («يحشر الناس حفاة عراة ١١٣٠٠) غُرْلًا(١).)) اهـ. (١) غير مختونين . ١٣٢ ٦٨ فصل ١٠ - استدراكها على ابن مسعود روى أبو منصور البغدادي من جهة محمد بن عبيد الطنافسي قال : ثنا الأَعمش عن خيثمة عن أَبي عطية قال : دخلت أَنا ومسروق على عائشة رضي الله عنها فقال مسروق: قال عبدالله بن مسعود: ((من أحب لقاء الله أحب الله لقاءَه ومن كره لقاءَ الله كره الله لقاءَه )) فقالت عائشة : ((يرحم الله أبا عبد الرحمن حدث بأول الحديث ولم تسألوه عن آخره ، إِن الله تعالى إِذا أراد بعبد خيراً قيّض له قبل موته بعام ملكاً يوفقه ويسدده حتى يقول الناس مات فلان على خير ما كان ، فإِذا حضر ورأى ثوابه من الجنة تهوع بنفسه أو قال تهوعت نفسه ، فذلك حين أحب لقاء الله وأحب الله لقاءه. وإذا أراد الله بعبد سوءًا قيّض له قبل موته بعام شيطانًا فأَفتنه حتى يقول الناس مات فلان أَشر ما كان ، فإِذا حضر رأَى ما نزل عليه من العذاب [فتهلع] (١) نفسه، وذلك حين كره لقاءً وكره الله لقاءه. )) (١) في الأصل : بلع ، والذي في فتح الباري لابن حجر : فجزعت نفسه . ١٣٣ فصل ١١ - استدراكها على أبي موسى الأشعري عن أبي عطية مالك بن عامر قال : دخلت أَنا ومسروق على عائشة فقلت لها: ((يا أم المؤمنين رجلان من أصحاب محمد عَ لِ أَحدهما يعجل الصلاة ويعجل الإِفطار ، والآخر يؤخر الصلاة ويؤخر الإفطار)) قالت: ((أيهما الذي يعجل)) قال ((عبدالله)) قالت: ((هكذا كان يصنع رسول الله محمد الله)) والآخر أبو موسى أخرجه مسلم وأبو داوود والترمذي والنسائي وقال الترمذي : حسن . ١٣٤ ٧٠ فصل ١٢ - استدراكها على زيد بن ثابت قال البزار في مسنده حدثنا محمد بن المثنى: قال ثنا ابن أبي عدي عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن عكرمة : أَن ابن عباس وزيد بن ثابت اختلفا في التي تطوف يوم النحر الطواف الواجب ثم تحيض ؛ فقال زيد: ((تقيم حتى يكون آخر عهدها بالبيت )) وقال ابن عباس : ((تنفر إذا طافت يوم النحر)) فقالت الأنصار: ((يابن عباس إِنك إذا خالفت زيدًا لم نتابعك)) فقال ابن عباس: ((سلوا عن ذلك صاحبتكم أُم سليم(١) )) فسأَلوها فأخبرت بما كان من حال صفية بنت حيي قال: فقالت عائشة: ((إِنها لحابستنا)) فذكرت ذلك للنبي معد له فأَمرها أن تنفر)). وذكره ابن عبد البر من جهة عبد الرزاق: ثنا معمر عن ابن طاووس عن أَبيه أَن زيد بن ثابت وابن عباس تماريا في صدَر الحائض قبل أن يكون آخر عهدها الطواف بالبيت ؛ فقال ابن عباس: ((تنفر)) وقال (١) بنت ملحان أخت أم حرام الأنصارية لها صحبة وهي والدة أنس بن مالك وزوج أبي طلحة الأنصاري . ١٣٥ زيد: ((لا تنفر)) فدخل زيد على عائشة فسألها فقالت: ((تنفر)) فخرج زيد وهو يبتسم ويقول ((ما الكلام إلا ما قلتَ)) قال أَبو عمر: ((هكذا يكون الإِنصاف وزيد يعلِّم ابن عباس فمالنا لا نقتدي بهم)). ١٣٦ ٧١ فصل ١٣ - استدراكها على زيد بن أرقم قال عبد الرزاق في مصنفه : أَخبرنا مممر والثوري عن أبي إسحاق السبيعي عن امرأته : أنها دخلت على عائشة في نسوة فسألتها امرأة فقالت: ((يا أم المؤمنين كانت لي جارية فبعتها من زيد بن أرقم بثمانمائة إلى العطاء ثم ابتعتها منه بستمائة فنقدته الستمائة وكتبت عليه ثمانمائة)) فقالت عائشة: ((بئس ما اشتريت وبئس ما اشترى زيد بن أرقم، إنه قد أَبطل جهاده مع رسول الله بعد الفتحِ إِلا أَن يتوب)» فقالت المرأة لعائشة: ((أَرأَيت إِن أَخذت رأس مالي ورددت عليه الفضل؟ )) فقالت: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّه فَانْتَهِى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾(١) وأخرجه الدارقطني والبيهقي في سننهما عن يونس بن أبي إسحاق الهمداني عن أُمه العالية قالت: (( كنت قاعدة عند عائشة، فأَتّتها أُم مُحِبّة فقالت: ((إِني بعت زيد بن أرقم جارية إلى عطائه فذكر نحوه)) قال الدارقطني : أُم محبة والعالية مجهولتان لا يحتج بهما ، وهذا الحديث لا يثبت عن عائشة . قاله الإِمام الشافعي ، قال : ولو ثبت (١) سورة البقرة ٢، الآية ٢٧٥ . ١٣٧ فإِنها عابت بيعاً إلى العطاء لأنه أَجل غير معلوم ، لا أَنها عابت عليه ما اشترت بنقد وقد باعته إِلى أَجَل ولو اختلف بعض الصحابة في شيءٍ أَخذنا بقول من معه القياس، والذي معه القياس زيد بن أرقم فعمل ما يراه حلالًا ، فلا نزعم أَن الله يحبط عمله اهـ. وقد ذهب إلى حديث عائشة جماعة منهم الثوري والأوزاعي وأبو حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل والحسن بن صالح وصححوا حديثها . والعالية روى عنها زوجها وابنها وهما إِمامان ، وذكرها ابن حبان في الثقات . وقال أبو بكر الرازي: ((إِن قيل كيف أَنكرت الأول وهو صحيح عندها يعني الشراء إلى العطاء لأنه روي عنها فعله ؟ قلنا : لأَّنها علمت أنها قصدت به اتباع البيع الثاني كما يفعل الناس . وفي قولها «أرأيت إن لم آخذ إِلا رأس مالي))وتلاوة عائشة دليل على إثباتها العقد الأول، وأن المنكرَ هو الثاني ؛ ولو كانت إِنما أنكرته لكونه بيعاً إلى العطاءِ كما يقول الخصم لما أُبقت الاول. اهـ. وقال ابن عبد البر في الاستذكار : هذا الخبر لا يثبته أهل العلم بالحديث ولا هو مما يحتج به عندهم : فامرأة أبي إسحاق وامرأة أبي السفر وأُم زيد بن أرقم كلهن غير معروفات بحمل العلم. وفي مثل هؤلاء روى شعبة عن أبي هاشم أنه قال: ((كانوا يكرهون الرواية عن النساء إلا عن أزواج النبي عَ له.)) والحديث منكر اللفظ لا أصل له لأَن الأعمال الصالحة لا يحبطها الاجتهاد ، وإِنما يحبطها الارتداد ؛ ومحال أن تلزم عائشة زيدًا التوبة برأيها وتكفره باجتهادها، هذا ما لا ينبغي ١٣٨ أن يظن بها ولا يقبل عليها . وقد رد عمر خبر فاطمة بنت قيس في السكنى دون النفقة للمبتوتة وقال: ((ما كنا نجيز في (١) ديننا شهادة امرأة)) قال أَبو عمر: فكيف بامرأة مجهولة . (سؤال) ما الحكمة في تخصيصها الإبطال بالجهاد ولم تقل أَبطل صلاته ولا صيامه ؟ والجواب : أَن في كلام أبي الحسن بن بطال في شرح البخاري ما يؤخذ منه ذلك وهو أن السيئات لا تحبط الحسنات، فلهذا لم تذكر الصلاة . ولكن خصت الجهاد بالإِبطال لأَّنه حرب لأَعداء الله ، وآكل الربا قد أَذن بحرب من الله فهو ضده ولا يجتمع الضدان. (١) في فتح الباري ج ٩ ص ٤٢٤ ( طبعة ميرية ) عند شرح ابن حجر لخبر فاطمة بنت قيس أن عمر قال: ((لا ندع كتاب ربنا لقول امرأة لعلها حفظت أو نسيت )) وقد أفاض الشارح في بيان الاختلاف في هذا . وفي شرح مسلم للنووي نحو من هذا في ( باب : المطلقة البائن لا نفقة لها) وانظر مسند أحمد ج ٦ ص ٤١٥ . ١٣٩ فصل ١٤ - استدراكها على البراء بن عازب قال البيهقي في سننه : أخبرنا ابن بشران: أَنا علي بن محمد المصري : ثنا مالك بن يحيى: ثنا يزيد بن هارون: أَنا زكريا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق عن البراء قال: ((اعتمر رسول الله عز له ثلاث عمر كلهن في ذي القعدة)) فقالت عائشة: ((لقد علم أنه اعتمر أربع عمر بعمرته التي حج معها)). قال البيهقي : وهذا ليس بمحفوظ . قال الذهبي في مختصره : ومالك ليّنه ابن حبان . ١٤٠