النص المفهرس

صفحات 101-120

٥٨٩
الباب العاشر : باب النكاح
الفصل السابع : حکم ولدالزنا:
١٢٠ - عن عروة بن الزبير قال: بلغ عائشة رضي الله عنها أن أبا هريرة ته
يقول: إن رسول الله ◌َ لا قال: «لأن أمتع بسوط في سبيل الله أحب إلي
من أن أعتق ولد الزنا))، وإن رسول الله وَالر قال: (( ولد الزنا شر
الثلاثة(١)، وإن الميت يعذب ببكاء الحي)»، فقالت عائشة رضي الله عنها:
رحم الله أبا هريرة ﴾؛ أساء سمعًا، فأساء إجابة(٢).
أما قوله: لأن أمتع بسوط في سبيل الله أحب إلي من أن أعتق ولد الزنا . إنها
لما نزلت: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا العَقَبَةُ ، فَكُّ رَقَبَةٍ ﴾(٣) ، قيل : يا
رسول الله؛ ما عندنا ما نعتق، إلا أن أحدنا له جارية سوداء تخدمه وتسعى عليه،
فلو أمرناهن فزنين، فجئن بالأولاد فأعتقناهم، فقال رسول الله وي لتا: «لأن
أمتع بسوط في سبيل الله أحب إلي من أن أقربالزنا، ثم أعتق الولد)).
وأما قوله: ((ولد الزنا شر الثلاثة»، فلم يكن الحدیث على هذا، إنما كان
رجل من المنافقین یؤدي رسول الله ێے، فقال:«منیعذرني من فلان؟)»، قیل:
يا رسول الله؛ مع ما به ولدزنا، فقال رسول الله وَله: «هو شر الثلاثة، والله ◌ُحَق
يقول: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾(٤)).
(١) الثلاثة هم: ولد الزنا وأبواه. انظر: فيض القدير (٦/ ٣٦٤).
(٢) في المطبوع من مستدرك الحاكم: ((إجابة»، وهو خطأ.
وقولهم: (( أساء سمعًا فأساء إجابة))، مثل عند العرب يضرب للرجل : يخطئ السمع، فيسيء
الإجابة . انظر: جمهرة الأمثال، للعسكري (١/ ٢٥).
(٣) سورة البلد، آية (١١- ١٣).
(٤) سورة الإسراء، آية (١٥)، سورة فاطر، آية (١٨).

٥٩٠
استدراك بعض الصحابة ما خفي على بعضهم من السنن ، للدكتور سليمان بن صالح الثنيان
وأما قوله: ((إن الميت يعذب ببكاء الحي)»، فلم يكن الحديث على هذا،
ولکن رسول الله گی## مر بدار رجل من اليهود قدمات ، وأهله یبکون علیه،
فقال: ((إنهم يبكون عليه وإنه ليعذب)»، والله وّ يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا
إِلَّا وُسْعَهَا﴾(١).
رواه الطحاوي(٢)، والحاكم(٣) - واللفظ له -، ومن طريقه البيهقي(٤)،
كلاهما من طريق الحسن بن عمر بن شقيق ، حدثنا سلمة بن الفضل ، عن ابن
إسحاق، عن الزهري، عنه به.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه.
وتعقبه الذهبي فقال : کذا قال ، وسلمة لم يحتج به مسلم ، وقد وثق ،
وضعفهابن راهويه(٥).
وقال البيهقي : سلمة بن الفضل الأبرش يروي مناكير.
وسلمة بن الفضل الأبرش الأنصاري مولاهم الرازي.
قال فيه البخاري : عندهمناکیر، وهنه علي(٦).
وقال ابن سعد: كان ثقة صدوقًا، وهو صاحب محمد بن إسحاق(٧).
(١) سورة البقرة، آية (٢٨٦).
(٢) شرح مشكل الآثار (٣٦٧/٢).
(٣) المستدرك (٢١٥/٢).
(٤) السنن الكبرى (٥٨/١٠).
(٥) تلخيص المستدرك، المطبوع مع المستدرك (٢١٥/٢).
(٦) التاريخ الكبير (٤/ ٨٤)، وانظر: التاريخ الأسط (١٨٩/٢)، وزاد: وضعفه إسحاق بن راهويه.
(٧) الطبقات الكبرى (٣٨١/٧).

٥٩١
الباب العاشر : باب النكاح
وقال يحيى بن معين : ثقة ، کتبنا عنه ، کان کیِّسًا ، مغازیه أتم ، لیس في
الکتب أتم من کتابه(١).
وقال أيضًا: کان یتشیع ، وقد كتبت عنه، وليس به بأس(٢).
وقال جریر : ليس من لدن بغداد إلى أن تبلغ خراسان أثبت في ابن إسحاق
من سلمة بن الفضل(٣).
وقال أبو زرعة : كان أهل الري لا يرغبون فيه لمعان فيه ، من سوء رأيه
وظلم ومعان(٤).
وقال أبو حاتم : صالح، محله الصدق، في حديثه إنكار ليس بالقوى ، لا
يمكن أن أطلق لساني فيه بأكثر من هذا، يكتب حديثه ولا يحتج به(٥).
وقال النسائي : ضعيف(٦).
وقال ابن عدي : عنده عن غير ابن إسحاق إفرادات وغرائب، ولم أجد في
حديثه حديثًا قد جاوز الحد في الإنكار، وأحاديثه متقاربة محتملة(٧).
(١) الجرح والتعديل (١٦٩/٤).
(٢) تاريخ الدوري (٤/ ٣٦٤)، وانظر: المرجع السابق.
(٣) الجرح والتعديل (١٦٩/٤).
(٤) الضعفاء، لأبي زرعة (٢/ ٣٦٢).
(٥) الجرح والتعديل (١٦٩/٤).
(٦) كتاب الضعفاء والمتروكين (ص ١٨٤).
(٧) الكامل (٣٧٠/٤)، وهذا من النسخة الجديدة، بتحقيق: عادل أحمد عبد الموجود، وعلي محمد
معوض، ط. دار الكتب العلمية ، وأما النسخة القديمة المعتمدة في هذه الرسالة، فلا توجد فيها
هذه الترجمة .

٥٩٢
استدراك بعض الصحابة ما خفي على بعضهم من السنن ، للدكتور سليمان بن صالح الثنيان
وخلص فيه الحافظ ابن حجر إلى أنه صدوق كثير الخطأ(١).
وفيهذا الإسنادعلة أخرى، وهي : تدلیس ابن إسحاق.
فيترجح لي مما تقدم أن هذا الإسناد ضعيف، والله أعلم.
وقدروى الحارث بن أبي أسامة(٢) الحديث بنحوه بإسناده عن الزهري به.
وشيخ الحارث فيه هو عبد العزيز بن أبان القرشي الأموي ، أبو خالد
الكوفي، اتفقت كلمة أئمة الجرح والتعديل على أنه متروك، وقد اتهم بالكذب
ووضع الحديث(٣).
فعلى هذا فلا يعتبر بهذه الطريق، والله أعلم.
وقد صح عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت إذا قيل لها: ((هو شر الثلاثة»
قالت: ما عليه من وزر أبويه؟ قال الله: ﴿وَلَا تَزْرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾(٤).
وروى الطبراني(٥)، والحاكم(٦) هذا الأثر عن عائشة رضي الله عنها
مرفوعًا ، وفي إسناده جعفر بن محمد بن جعفر المدائني ، وقد تفرد برفعه ، كما
قال الطبراني.
ترجم له الخطيب البغدادي(٧)، وذكر ما يدل على أنه كان يخطئ، ويزيد في
الأسانید.
(١) تقريب التهذيب ، رقم الترجمة (٢٥٠٥).
(٢) بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث (١/ ٥٣٢).
(٣) انظر: تهذيب الكمال (١١٠/١٨-١١٢).
(٤) مصنف عبد الرزاق (٧/ ٤٥٤)، وانظر: التمهيد (١٣٦/٢٤).
(٥) المعجم الأوسط (٢٦٩/٤).
(٦) المستدرك (١٠٠/٤).
(٧) تاريخ بغداد (١٧٥/٧ -١٧٦).

٥٩٣
الباب العاشر : باب النكاح
والمحفوظ في هذا الحديث عن عائشة رضي الله عنها أنه موقوف - كما
تقدم -، ولذا قال البيهقي: رفعه بعض الضعفاء، والصحيح موقوف(١).
وقد وافق ابن عباس عائشة(، فقد روى ابن عبد البر(٢) بإسناد حسن،
أن ابن عباس رضي الله عنهما كان قال في ولد الزنا : لو كان شر الثلاثة لم يتأن
بأمه أن ترجم حتى تضعه.
وأما حديث أبي هريرة ، أن النبي ◌َّ قال: ((ولد الزنا شر الثلاث»،
فقد جاء عن أبي هريرة۵﴾من طريقين:
الطریق الأولى : سهیل بن أبي صالح،عن أبيه، عنه به :
رواه أبو داود(٣)، والنسائي في الكبرى(٤)، وأحمد(٥)، والطحاوي(٦)،
والحاكم(٧)، والبيهقي(٨)، كلهم من طرق عنه به.
وزاد أبو داود، والحاكم: قال أبو هريرة: («لأن أمتع بسوط في سبيل الله
أحب إلي من أن أعتق ولد زنية».
قال الحاكم : صحيح على شرط مسلم .
(١) السنن الكبرى (٥٨/١٠).
(٢) التمهيد (١٣٥/٢٤ -١٣٦).
(٣) سنن أبي داود [ كتاب العتق (٤/ ٢٧١ -٢٧٣)].
(٤) السنن الكبرى (٢١/٥).
(٥) المسند (٣١١/٢).
(٦) شرح مشكل الآثار (٣٦٥/٢).
(٧) المستدرك (٢١٤/٢-٢١٥)، (١٠٠/٤).
(٨) السنن الكبرى، للبيهقي (١٠ / ٥٧).

٥٩٤
استدراك بعض الصحابة ما خفي على بعضهم من السنن ، للدكتور سليمان بن صالح الثنيان
وسهيل بن أبي صالح صدوق(١)؛ فيكون الإسناد حسنًا . والله أعلم .
ورواه الطحاوي أيضًا من وجه آخر عن سهيل بلفظ: (( فرج الزنا شر
الثلاثة»، وفي إسناده حسان بن غالب، وهو متروك(٢).
الطريق الثانية : عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عنه به :
رواه الحاكم(٣)، ومن طريقه البيهقي(٤).
وصححه الحاكم، وفي ذلك نظر ؛ لأن عمر بن أبي سلمة متكلم فيه - كما
تقدم(٥) - .
وقد حکم ابن الجوزي على الحدیث بأنه لا يصح(٦)، وقد صححه الحاكم
- كما تقدم - ، وحسنه ابن القيم(٧).
والذي يترجح لي مما تقدم أن الحديث صحيح بهذين الطريقين. والله أعلم.
وللحديث شاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما ، رواه الطبراني(٨)، وابن
عدي(٩)، ولفظه: «ولد الزناشر الثلاثة إذا عمل بعمل أبويه».
(١) تقريب التهذيب، رقم الترجمة (٢٦٧٥).
(٢) لسان الميزان (١٨٨/٢-١٨٩).
(٣) المستدرك (٢١٥/٢)، (١٠٠/٤).
(٤) السنن الكبرى (٥٨/١٠).
(٥) تقدم (ص ٤٨٠).
(٦) العلل المتناهية (٢٨٣/٢).
(٧) المنار المنيف (ص ١٢١).
(٨) المعجم الأوسط (٧/ ٢١٠).
(٩) الكامل في ضعفاء الرجال (٩١/٣).

٥٩٥
الباب العاشر : باب النكاح
وفي إسناد محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وهو ضعيف كما تقدم(١)، وفيه
نکارة أيضًا.
فقد تقدم عن ابن عباس رضي الله عنهما مايعارض روايته هذه.
وللحديث شاهد آخر عن عائشة رضي الله عنها .
رواه أحمد(٢) بنحو اللفظ السابق.
وفي إسناده إبراهيم بن إسحاق، وقد رجح الحافظ ابن حجر أنه إبراهيم بن
الفضل المخزومي المدني، أبو إسحاق(٣).
قال فيه أحمد : ليس بقوي في الحديث، ضعيف الحديث(٤).
وقال ابن معين : ليس بشيء(٥).
وقال البخاري: منكر الحديث(٦).
وقال أبو زرعة : ضعيف(٧).
وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، منكر الحديث(٨).
وقال النسائي : متروك الحديث(٩).
(١) تقدم (ص ٨٠).
(٢) المسند (١٠٩/٦).
(٣) تعجيل المنفعة (ص ١١).
(٤) الجرح والتعديل (١٢٢/٢).
(٥) تاريخ الدوري (١٦١/٣).
(٦) التاريخ الكبير (٣١١/١).
(٧) الجرح والتعديل (١٢٢/٢).
(٨) الجرح والتعديل (٢/ ١٢٢).
(٩) كتاب الضعفاء والمتروكين (ص ١٤٦).

٥٩٦
استدراك بعض الصحابة ما خفي على بعضهم من السنن ، للدكتور سليمان بن صالح الثنيان
وقال أيضًا: ليس بثبت، ولا يكتب حديثه(١).
وقال ابن عدي : هو مع ضعفه یکتب حديثه(٢).
وقد جعله الحافظ ابن حجر في مرتبة متروك(٣).
و مما يضعف هذه الرواية : ما تقدم أن عائشة رضي الله عنها كانت تعیب
على من يقول : إن ولد الزناشر الثلاثة.
فمما تقدم؛ يتبين أن هذا الحديث، وهو قوله مثل: ((ولد الزنا شر الثلاثة»
إنما يحفظ عن أبي هريرة﴾، وقد تقدم أنهصحيح.
وقد اختلف القائلون بثبوت هذا الحديث في الجواب عن معارضته في
الظاهر لقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ .
فقد روي - كما تقدم - عن عائشة رضي الله عنها أن ذلك وارد في حالة
خاصة ، کان فيها رجل من المنافقين یؤدي النبي ێ ، وقيل له : إنه ولد زنا ،
فقال له: هو شر الثلاثة.
وبهذا الجواب أخذ الطحاوي(٤).
وقال آخرون: ولد الزناشر الثلاثة؛ إذا عمل بعمل والديه.
وبهذا قال سفيان الثوري، كما روى ذلك البيهقي.
(١) تهذيب الكمال (١٦٦/٢).
(٢) الكامل في ضعفاء الرجال (١/ ٢٣٢).
(٣) تقريب التهذيب، رقم الترجمة (٢٢٨).
(٤) شرح مشكل الآثار (٣٦٨/٢-٣٦٩).

٥٩٧
الباب العاشر : باب النكاح
وقيل: المراد به: شر الثلاثة نسبًا، وقيل غير ذلك(١).
وقال الخطابي : قال بعض أهل العلم : إنه شر الثلاثة أصلاً، وعنصرًا،
ونسبًا ، ومولدًا، وذلك لأنه خلق من ماء الزاني والزانية ، وهو ماء خبيث ،
فلا يؤمن أن يؤثر ذلك الخبث فيه ، ويدب في عروقه ، فيحمله على الشر ،
ويدعوه إلى الخبث، وقد قال الله تعالى في قصة مريم: ﴿ مَا كَانَ أَبُوءِ آمْرَأَ سَوْءٍ وَمَا
كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾، فقضوا بفساد الأصل على فساد الفرع(٢).
وقال نحوًا من ذلك ابن القيم ، وحمله على الغالب، وزاد: إن شر الأبوين
عارض، وهذا نطفة خبيثة، فشره في أصله، وشر الأبوين في فعلهما(٣).
ويظهر لي أن هذا هو أولى ما يحمل عليه الحديث ، مع الاعتقاد الجازم بأن
ولد الزنا إذا أحسن واستقام واتقى ، لم يلحقه إثم والديه بالزنا ، لقوله تعالى :
﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ .
ولا يفهم من الحديث التنفير عن ولد الزنا ، بل قد أوصى بالإحسان إليه
عمر بن الخطاب ﴾(٤)، ولأن إهمالهم قد يرديهم في أودية الرذيلة والفساد ،
ولذا أقيمت لهم دور خاصة تعتني بهم وتوجههم.
(١) انظر: معالم السنن (٢٧٢/٤)، الفروع، لابن مفلح (٨/٢) ، بذل المجهود في حل أبي داود
(٢٩٦/١٦)، وانظر: السلسلة الصحيحة، للألباني (٢٧٨/٢ - ٢٨٠، رقم الحديث ٠٦٧٢).
(٢) معالم السنن (٤/ ٢٧٢).
(٣) المنار المنيف (ص ١٢١)، وانظر: كتاب الداء والدواء، لابن القيم (ص ٢٥٤ -٢٥٥).
(٤) مصنف عبد الرزاق (٤٥٦/٧-٤٥٨).

الباب الحادي عشر
السنن التي استدركها بعض الصحابة على بعض في باب الأطعمة
الفصل الأول: حكم لحوم الحمر الأهلية.
الفصل الثاني : ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث.

٦٠١
الباب الحادي عشر : باب الأطعمة
الباب الحادي عشر
السنن التي استدركها بعض الصحابة على بعض في باب الأطعمة
الفصل الأول: حكم لحوم الحمر الأهلية:
١٢١ - عن عمرو بن دينار قال : قلت لجابر بن زيد: يزعمون أن رسول الله
وَلّ نهى عن حمر الأهلية، فقال: قد يكون ذاك الحكم بن عمرو الغفاري
۵﴾ عندنا بالبصرة ، ولکن أبی ذلك البحر ابن عباس رضي الله عنهما ،
وقرأ: ﴿قُل لَّ أَجِدُ فِى مَا أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا﴾ الآية(١).
رواه البخاري(٢) - واللفظ له -، وأبو داود (٣)، وأحمد(٤)، والطحاوي(٥)،
والحاكم(٦)، کلهم من طرق عنه به.
وقد وقع في المطبوع من مستدرك الحاكم : ((قلت لجابر بن عبد الله»، وهو
خطأ، والصواب: ((جابر بن زيد)» كما تقدم.
وزاد الحاكم: (وقد كان أهل الجاهلية یترکون أشیاء تقذرًا ، فأنزل الله ێ
في كتابه ، وبین حلاله وحرامه ، فما أحل فهو حلال ، وما حرم فهو حرام،
(١) سورة الأنعام، آية (١٤٥).
(٢) صحيح البخاري، مع الفتح [ كتاب الذبائح (٩/ رقم ٥٥٢٩)].
(٣) سنن أبي داود [كتاب الأطعمة (١٦١/٤ -١٦٣)].
(٤) مسند أحمد (٢١٣/٤).
(٥) شرح معاني الآثار (٢٠٥/٤).
(٦) المستدرك (٣١٧/٢).

٦٠٢
استدراك بعض الصحابة ما خفي على بعضهم من السنن ، للدكتور سليمان بن صالح الثنيان
وما سكت عنه فهو عفو، ثم تلا هذه الآية: ﴿قُل لَّ أَجِدُ فِ مَآ أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا
عَلَى طَاِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّ أَن يَكُونَ مَيْنَةً أَوْدَمَا مَّسْفُوحًا أَوْلَحْمَ خِزِيرٍ ﴾ .
قال الحافظ ابن حجر: ((الاستدلال بهذه الآية للحل إنما يتم فيما لم يأت فيه
نص عن النبي قال بتحريمه، وقد تواردت الأخبار بذلك، والتنصيص على
التحريم مقدم على عموم التحليل وعلى القیاس»(١).
وسوف يأتي إن شاء الله ذكر بعض الأحاديث الدالة على تحريم الحمر
الأهلية.
وقد جاءت رواية أخری عن ابن عباس رضي الله عنهما في سبب عدم قوله
بتحريم الحمر الأهلية.
فقد خرج البخاري(٢) - واللفظ له -، ومسلم(٣)، عن الشعبي، عن ابن
عباس رضي الله عنهما قال: «لا أدري؛ أنهى عنه رسول الله ێ من أجل أنهكان
حمولة الناس ، فكره أن تذهب حمولتهم ، أو حرمه في يوم خيبر - لحم الحمر
الأهلية -)».
قال الحافظ ابن حجر : هذا التردد أصح من الخبر الذي جاء عنه بالجزم
بالعلة المذكورة.
ويعني الحافظ ابن حجر بقوله هذا : أن ابن عباس رضي الله عنهما كان
يتردد بعد أن بلغه نهي النبي ◌َّر عن لحم الحمر الأهلية يوم خيبر ؛ هل كان
(١) فتح الباري (٩/ ٥٧٢).
(٢) صحيح البخاري، مع الفتح [ كتاب المغازي (٧ / رقم ٤٢٢٧)].
(٣) صحيح مسلم [ كتاب الصيد (١٥٣٩/٣ - ١٥٤٠)].

٦٠٣
الباب الحادي عشر : باب الأطعمة
لمعنى خاص، أو كان للتأبيد؟ وهذا التردد من ابن عباس رضي الله عنهما أصح من
الرواية السابقة التي جاء فيها أن ابن عباس رضي الله عنهما كان يستدل بعموم
قول الله جل وعلا: ﴿قُل لََّ أَجِدُفِى مَآ أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمَا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ ﴾ الآية.
ويظهر لي أنه لا تعارض بين ذلك ، فيقال : لما تردد ابن عباس رضي الله
عنهما في حكم لحم الحمر الأهلية ؛ أخذ بالأصل، وهو عموم الآية المذكورة .
والله أعلم.
وممن نقل تردد الصحابة في أمر تحريم النبي وتل للحم الحمر الأهلية يوم
خيبر : الصحابي الجليل عبد الله بن أبي أوفى ﴾.
فقدروى البخاري(١) - واللفظ له- ومسلم(٢)،عن سليمانبن أبي سليمان
الشيباني قال : سمعت ابن أبي أوفى ﴾ قال : أصابتنا مجاعة يوم خيبر ، فإن
القدور لتغلي، قال وبعضها نضجت، فجاء منادي النبي وَّر: (( لا تأكلوا من
لحوم الحمر شيئًا، وأهريقوها».
قال ابن أبي أوفى : فتحدثنا أنه إنما نهى عنها لأنها لم تخمس ، وقال
بعضهم: نهى عنها ألبتة؛ لأنها كانت تأكل العذرة .
وقدروى الطبراني في الكبير (٣) بإسنادهعن أبي وائل ، عن ابن عباس رضي
الله عنهما قال: ((إنما حرم رسول الله ◌َلاه الحمر الأهلية مخافة قلة الظهر».
(١) صحيح البخاري، مع الفتح [كتاب فرض الخمس (٣١٥٥/٦)، كتاب المغازي (٤٢٢٠/٤)].
(٢) صحيح مسلم [ كتاب الصيد (٣/ ١٥٣٨ -١٥٣٩)].
(٣) المعجم الكبير (١١/ ٤٣٢-٤٣٣).

٦٠٤
استدراك بعض الصحابة ما خفي على بعضهم من السنن ، للدكتور سليمان بن صالح الثنيان
وفي إسناده بكر بن يحيى بن زبان العنزي، وشيخه حبان بن علي العنزي ،
وقد تقدم الكلام فيهما وأنهما ضعيفان(١).
ولذا حكم الحافظ على إسناد هذا الحديث بأنه ضعيف(٢).
وقد وقع في المطبوع من فتح الباري(٣) عزو هذا الحديث إلى ابن ماجه،
وهو خطأ؛ فالحديث ليس عندابن ماجه، ولم ينسبه إليه المزي في تحفة الأشراف.
فخلاصة ما تقدم أن من توقف في تحريم الحمر الأهلية أو أباحها ، حمل ما
وردمن النهي عنها يوم خيبر على محملین:
الأول: أن النبي ◌َّ لعله نهى عنها من أجل أنها حمولة الناس.
الثاني : لأنها لم تخمس.
وقد روى النهي عنها مطلقًا جماعة من الصحابة ، منهم علي ، وابن عمر،
وجابر بن عبد الله، وأبو ثعلبة الخشني، والبراء بن عازب ﴾، وأحاديث
هؤلاء في الصحیحین(٤).
فأحاديث هؤلاء فيها إطلاق النهي عن أكل لحوم الحمر الأهلية من غير
تقییده بقید .
(١) تقدم (ص ٢٧٢، ٢٧٣).
(٢) فتح الباري (٩/ ٥٧٢).
(٣) السابق نفسه .
(٤) انظر: صحيح البخاري [ كتاب الصيد (٩ / باب لحوم الحمر الإنسية)]، وصحيح مسلم [ كتاب
الصید (٣/ ١٥٣٧ - ١٥٤١)].

٦٠٥
الباب الحادي عشر : باب الأطعمة
وأصرح ما يدل على التأبيد؛ حديث أنس بن مالك ه في الصحيحين(١)
أيضًا، أنه قال: إن رسول الله وَ لي جاءه جاء فقال: أكلت الحمر ، ثم جاءه جاء
فقال : أفنيت الحمر. فأمر منادیًا فنادی في الناس : إن الله ورسولهپنھیانكم عن
لحوم الحمر الأهلية؛ فإنها رجس، فأكفئت القدور، وإنها لتفور باللحم)».
فقوله: ((إنها رجس)) صريح في أن لحمها نجس، ولذلك أمر النبي ◌َّ-
بغسل الآنية التي طبخت فيها ، كما في حديث سلمة بن الأكوع ته في
الصحیحین(٢).
ومما يدل على نجاستها ؛ كونها تأكل العذرة، کما تقدم في حديث ابن أبي
أوفی.
ومما يرد كون النهي إنما كان لأنها كانت حمولة الناس؛ أن النبي وَلّ لما نهى
عن لحم الحمر الأهلية؛ رخص في لحوم الخيل (٣).
وأما ما رواه أبو داود في سننه(٤)، بإسناده عن غالب بن أبجر ﴾، أنه قال
للنبي وَّهُ: يا رسول الله؛ أصابتنا السَّنَة، ولم يكن في مالي ما أطعم أهلي إلا سمان
(١) انظر: صحيح البخاري [ كتاب الصيد (٩/ باب لحوم الحمر الإنسية)]، وصحيح مسلم [ كتاب
الصيد (٣/ ١٥٣٧ - ١٥٤١)].
(٢) صحيح البخاري [ كتاب المغازي (٧/ رقم ٤١٩٦) ]، وصحيح مسلم [ كتاب الصيد
(١٥٤٠/٣)].
(٣) فتح الباري (٩/ ٥٧٢-٥٧٣).
(٤) سنن أبي داود [كتاب الأطعمة (٤/ ١٦٣)].

٦٠٦
استدراك بعض الصحابة ما خفي على بعضهم من السنن ، للدكتور سليمان بن صالح الثنيان
الحمر، وإنك حرَّمت لحوم الحمر الأهلية، فقال: «أطعم أهلك من سمين
حمرك؛ فإنما حرمتها من أجل جوال القرية)) يعني الجلالة.
فقد رواه أبو داود بإسناده عن منصور بن المعتمر، عن عبيد بن أبي الحسن،
عن عبد الرحمن بن معقل، عن غالب﴾﴾، به.
قال أبو داود: «روى شعبة هذا الحديث عن عبيدبن أبي الحسن عبد الرحمن
ابن معقل ، عن عبد الرحمن بن بشر ، عن ناس من مزينة ، أن سيد مزينة أبجر
- أو ابن أبجر - سأل النبي ◌َِّ)).
وذكر البيهقي اختلافًا آخر في إسناد هذا الحديث(١).
وقال الحافظ ابن حجر: اختلف في إسناده اختلافًا كثيرًا(٢).
ولذا ضعفه الحافظ ، وأضاف أيضًا أن متنه شاذ ، مخالف للأحاديث
الصحيحة(٣).
وعلى فرض صحته، فيحمل على أن رسول الله وَ ل﴿ رخص لهم في مجاعتهم،
وبين علة تحريمها المطلق؛ لكونها تأكل العذرات (٤).
وأما ما رواه الطبراني في الكبير(٥) ، بإسناده عن عاصم بن عمر بن قتادة،
عن أم نصر المحاربية قالت: سأل رجل رسول الله وح لول عن لحوم الحمر الأهلية،
(١) السنن الكبرى (٣٣٢/٩).
(٢) الإصابة في تمييز الصحابة (١٨٣/٣).
(٣) فتح الباري (٩/ ٥٧٣).
(٤) المغني، لابن قدامة (١١/ ٦٧).
(٥) المعجم الكبير (٢٥/ ١٦١).

٦٠٧
الباب الحادي عشر : باب الأطعمة
فقال: ((أليس ترعى الكلأ، وتأكل الشجر؟))، قال: نعم. قال: ((فأصب من
لحومها». ففي إسنادهعلتان:
١ - إبراهيم بن المختار الرازي، تكلم فيه.
قال فيه ابن معين: ليس بذاك(١).
قال فيه البخاري : فيهنظر(٢).
٢ - فيه تدليس ابن إسحاق، ولا يقبل من حديثه إلا ما صرح فيه بالسماع.
قال ابن عبد البر: ((هذا الحديث انفرد به إبراهيم بن المختار الرازي، عن
محمد بن إسحاق، عن عاصم، لا يجيء إلا من هذا الطريق، وليس مما يحتج به،
وقد ثبتت الكراهة والنهي عنها من وجوه))(٣).
ويريد ابن عبد البر أن المتن منكر ؛ لمخالفته الأحاديث الصحيحة الواردة
في النھي .
ولكن روی ابن أبي شيبة(٤) هذا الحدیث بإسناده عن محمد بن إسحاق به،
إلا أن الحدیث عنده ر واه ابن إسحاق ، عن عاصم، عن سلمی بنت نصر ، عن
رجل من بني مرة، قال: ((أتيت رسول الله (صَ ل﴿ ... ) فذكره بنحوه.
وليس في هذا الإسناد إبراهيم بن المختار، ولكن لم تزل العلة الأخرى باقية،
وهي تدلیس ابن إسحاق.
(١) سؤالات ابن الجنيد (ص ٤٦٤).
(٢) تهذيب الكمال (١٩٦/٦)، وهذه الجملة غير موجودة في ترجمته في التاريخ الكبير (٣٣٠/١).
(٣) الاستيعاب (٤/ ٥٠٢).
(٤) المصنف (٥/ ٥٤٣).

٦٠٨
استدراك بعض الصحابة ما خفي على بعضهم من السنن ، للدكتور سليمان بن صالح الثنيان
ولذا قال الحافظ ابن حجر عن هذا الحديث : في سندیه مقال ، ولو ثبت
احتمل أن يكون قبل التحريم (١). والله أعلم.
فمما تقدم ؛ يتبين أن النهي عن لحوم الحمر الأهلية ثابت عن عدة من
الصحابة ﴾، صح تعليل التحريم بأنها رجس، وهذا مقدم على قول من قال
من الصحابة : إنما حرمها لأنها حمولة القوم، وعلى قول من قال : إنما حرمها
لأنها لم تخمس، وعلى قول من قال: إنما حرمها لأنها كانت حول القرية، فكانت
تأكل العذرة، فهذا كله من ظن الراوي، ولكن تعليل النهي من النبي ◌َّر:
لأنها رجس . مقدم على هذاکله.
ولا تعارض بين هذا التحريم وبين قوله تعالى: ﴿قُل لَّ أَجِدُفِى مَآ أُوحِىَ إِلَّ
مُحَرَّمَا عَلَى طَاِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً ... ) الآية؛ فإنه لم يكن قد حرم
حين نزول هذه الآية من المطاعم إلا هذه الأربعة المذكورة في الآية، والتحريم
كان يتجدد شيئًا فشيئًا ؛ فتحريم الخمر بعد ذلك تحريم مبتدأ لما سكت عنه
النص، لا أنه رافع لما أباحه القرآن، ولا مخصص لعمومه، فضلاً عن أن يكون
ناسخًا. والله أعلم(٢).
(١) فتح الباري (٩/ ٥٧٣).
(٢) انظر: زاد المعاد (٣٤٢/٣-٣٤٣)، وانظر في الجواب عن هذه الآية أيضًا: الرسالة ، للشافعي
(ص ٢٠٦ -٢٠٨)، تفسير أضواء البيان (٢٤٧/٢ - ٢٥٠).