النص المفهرس
صفحات 21-40
التمهيد الفصل الأول: حرص الصحابة على اتباع ما ثبت لديهم عن النبي وَل الفصل الثاني : أسباب مخالفة الصحابة لبعض السنن ٢٣ التمهيد الفصل الأول: حرص الصحابة على اتباع ما ثبت لديهم عن النبي ملي : الصحابي: هو من لقي النبي ◌َّهِ، مؤمنًا به، ومات على الإسلام(١). وإن القول بأن الصحابة كانوا يحرصون على اتباع سنة النبي ◌َلقر أشهر من أن يدلل له بأدلة ؛ ذلك أن هذا أمر الله، أمر به الناس كافة. وقد أجمع أهل السنة على أن الصحابةهم خير هذه الأمة؛ فقد قال النبي وَلّى: (( خير الناس قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ... )) الحديث. متفق عليه(٢). وإذا كانوا كذلك؛ فهم أولى الناس بالتزام أمر الله وأمر رسوله وَ له، ومما أمر الله بهطاعة رسوله څ#؛ فقد أمر الله بها في كتابه في مواضع كثيرة، منها: قوله جل وعلا: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمِ مِنْكُمْ﴾(٣)، وقال سبحانه: ﴿ وَمَآ ءَانَنَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا تَهَنَّكُمْ عَنْهُ فَأَنْتَهُواْ﴾(٤)، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ اُلْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوْاْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، لِيَحْكُرَ بَيْنَهُ أَنْ يَقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأَوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾(٥)، وقال تعالى : (١) الإصابة في تمييز الصحابة (١/ ٧). (٢) صحيح البخاري [ فضل الصحابة (٧/ ٣٦٥٠، ٣٦٥١)]، صحيح مسلم [ فضائل الصحابة (١٩٦٢/٤ - ١٩٦٥)]. (٣) سورة النساء، آية (٥٩). (٤) سورة الحشر، آية (٧). (٥) سورةالنور،آية (٥١). ٢٤ استدراك بعض الصحابة ما خفي على بعضهم من السنن ، للدكتور سليمان بن صالح الثنيان ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾(١)، وقال: ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾(٢)، وقال جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَ رَسُولُهُ: أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلَّا مُبِينًا﴾(٣). والناظر في سيرهم يرى أنهم كانوا يحرصون على التزام السنن في كل ما يأتون ويذرون، ولذا ذهب من ذهب من العلماء إلى الاحتجاج بأقوال الصحابة ما لم تخالف نصًاشر عيًا، أو قول صاحب آخر(٤). وقال عبد الله بن مسعود څه : من كان منكم متأسیًا فليتاس بأصحاب محمد ◌َّه؛ فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبًا، وأعمقهم علمًا، وأقلهم تكلفًا، وأقومهمهدیًا،وأحسنهم حالاً، قوم اختار هم الله لصحبةنبيهێ، وإقامةدينه، فاعرفوالهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم؛ فإنهم كانوا على الهدي المستقيم(٥). ومن تعظيم الصحابة # لسنة الرسول وثيقة إنكارهم على من يعارضها؛ ومن ذلك مارواه مسلم(٦) في صحيحه، عن سالم بن عبد الله بن عمر ، أن عبدالله (١) سورة النساء، آية (٨٠). (٢) سورةالنساء، آية (٦٥). (٣) سورة الأحزاب، آية (٣٦). (٤) انظر في هذه المسألة: كتب أصول الفقه عند الكلام على الأدلة، ومما ألف استقلالاً في هذه المسألة كتاب: إجمال الإصابة في أقوال الصحابة، للحافظ العلائي. (٥) رواه ابن عبد البر (جامع بيان العلم وفضله: ٢/ ٩٧)، وأبو إسماعيل الهروي ( ذم الكلام وأهله : ٢٨٨/٤) بإسنادهما عن سلام بن مسكين، عن قتادة به ، وقتادة لم يسمع من ابن مسعود (٦) صحيح مسلم [ كتاب الصلاة (١/ ٣٢٧)]. ٢٥ التمهيد ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله وَ لا يقول: ((لا تمنعوا نساءكم المساجد إذا استأذنكم إليها». فقال بلال بن عبد الله بن عمر: والله لنمنعهن. قال: فأقبل إليه عبد الله ◌ُله، فسبه سبًّا سيئًا، ما سمعته سبه مثله قط. وقال: أخبرك عن رسول الله وَله ، وتقول: والله لنمنعهن. قال الحافظ ابن حجر: أخذ من إنكار عبد اللهگەعلى ولده تأديب المعترض على السنن برأيه، وعلى العالم بهواه(١). ومن ذلك أيضًا ما في الصحيحين(٢) - واللفظ لمسلم - أن قريبًا لعبد الله بن مغفل ﴾ خذف ، فنهاه، وقال : إن رسول الله ێآ نهى عن الخذف، وقال: ((إنها لا تصيد صيدًا، ولا تنكأ عدوًا، ولكنها تكسر السن، وتفقأ العين)» قال: فعاد. فقال : أحدثك أن رسول الله څنهی عنه ثم تخذف، لا أكلمك أبدًا .. ومن ذلك أيضًاما في الصحيحين(٣) أيضًا - واللفظ لمسلم -، عن أبي قتادة تميم بن نذير العدوي قال : کنا عند عمران بن حصین ۵﴾ه في رهط منا، وفینا بشير بن كعب، فحدثنا عمران ه يومئذ فقال: قال رسول الله وجليقول: («الحياء خیر کله)»، أو قال: «احياء کلهخیر))، فقال بشیر بن كعب : إنا لنجد في بعض الكتب أو الحكمة أن منه سكينة ووقارالله، ومنه ضعف . قال : فغضب عمران گگە حتی احمرتا عیناه، وقال : ألا أراني أحدثك عن رسول الله ێڑ وتعارض (١) فتح الباري (٤٠٦/٢). (٢) صحيح البخاري [ كتاب الذبائح والصيد (٩/ رقم ٥٤٧٩)]، وصحيح مسلم [ كتاب الصيد (١٥٤٧/٣ -١٥٤٨)]. (٣) صحيح البخاري [كتاب الأدب (١٠ / رقم ٦١١٧)]، وصحيح مسلم [كتاب الإيمان (١ / ٦٤)]. ٢٦ استدراك بعض الصحابة ما خفي على بعضهم من السنن ، للدكتور سليمان بن صالح الثنيان فیه؟ قال: فأعاد عمران ﴾﴾ەالحدیث، قال : فأعاد بشير. فغضب عمران هُته. قال : فما زلنا نقول فیه : إنهمنا يا أبانجید،إنه لا بأس به. ومن ذلك أيضًا ما أخرجه أبو عبيد(١)، وأحمد(٢)، وأبو يعلى(٣)، وغيرهم، كلهم من طرق عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: (( إذا استيقظ أحدكم من نومه فليفرغ على يديه من إنائه ثلاث مرات ، فإنه لا يدري أين باتت يده)). فقال قين(٤) الأشجعي: يا أبا هريرة: كيف إذا جاء مهراسكم(٥)؟ فقال أبو هريرة ﴾ : أعوذ بالله من شرك يا قين . وإسناد هذه القصة حسن . قال الإمام مالك : كره - أي أبو هريرة - أن يعارض مثل هذا مع قول رسول الله ◌َّ﴾(٦). وأمثالذلك کثیر مما يظهر فيه جليًا تعظيم الصحابةقهللسنن، والأحاديث الواردة في هذا البحث تدل على هذا أيضًا؛ فإن استدراك الصحابة ﴿ بعضهم على بعض يظهر ما كانوا عليه من الأمر باتباع السنة، وتنبيه من خالفها . (١) كتاب الطهور (ص ٢٠٦ -٢٠٧)، رقم ٢٦٥ . (٢) المسند (٣٨٢/٢). (٣) مسند أبي يعلى (٣٧٧/١٠-٣٧٨). (٤) وقع في مسند الإمام أحمد ((قيس)» بالسين ، وهو تصحيف ، والصواب بالنون. انظر الإصابة (٢٨٥/٣). (٥) المهراس : حجر منقور مستطيل عظيم كالحوض ، يتوضأ منه الناس ، لا يقدر أحد على تحريكه . انظر : السنن الكبرى للبيهقي (١/ ٤٧). (٦) التمهيد (١١/ ١٧٥). ٢٧ التمهيد وفي هذا يقول عبد الله بن عمر رضي الله عنهما لما سئل عن صلاة السفر قال: ركعتين ركعتين، من خالف السُّنَّة كفر(١). قال ابن عبد البر: الكفرههنا كفر النعمة، وليس بكفر ينقل عن الملة؛ كأنه قال: كفر لنعمة التأسي ، التي أنعم الله على عباده بالنبي وَّر؛ ففيه الأسوة الحسنة في قبول رخصته، كما في امتثال عزيمته و لين(٢). فالكتاب والسنة وأحوال النبي ◌َّه وأقواله ، ثم أحوال الصحابة ، متطابقة، بعضها يصدق بعضًا ويثبته، وكان أشد شيء عليهم ﴿ ابتداع شيء في الدین ۔ ولو صغر - ؛ لما أکدہ الله تعالی علیھم فی کتابه وسنة رسوله ێڑ من التحذير من البدعة(٣). (١) التمهيد (١٧٥/١١). (٢) السابق نفسه . (٣) انظر: العلم الشامخ، للمقبلي (ص ٣١٢). ٢٨ استدراك بعض الصحابة ما خفي على بعضهم من السنن ، للدكتور سليمان بن صالح الثنيان الفصل الثاني : أسباب مخالفة الصحابة لبعض السنن : إذا تقرر ما تقدم - من حرص الصحابة * على اتباع السنة ولزومها ، وإنكارهم على من ردها - فقد يعترض على هذا بما جاء عنهم من بعض الفتاوى والأحكام التي تخالف سنة الرسول والخير . والجواب عن هذا أن يقال : إن الله نزههم عن الإعراض عن السنة ، واستبدال غيرها بها، وقد تقدم تقرير ذلك. هذا من حيث الجملة. أما من حیث التفصیل ؛ فیمکن الجواب عن هذا الإشكال ببيان الأسباب التي لأجلها وقعت مخالفة الصحابة لسنة ما ، ويظهر لي أن أهم هذه الأسباب هي: ١ - وهو الغالب - على ما وقع منهم في ذلك؛ أن ذلك كان بسبب خفاء السنة على الصحابي الذي خالفها ، وقد تبين لي هذا جليا من خلال هذا البحث، ولذاكانالصحابيالذي خفیتعليه السنة يرجعإليها إذا بلغته، ولا يلحق العالم عيب إذا خفيت عليه سنة من السنن ؛ ذلك أن الإحاطة بالسنن مما لا یمکن لأحد أنيدعیه. قال الشافعي رحمه الله : لا نعلم رجلاً جمع السنن ، فلم يذهب منها علیه شيء، فإذا جمع علم عامة أهل العلم بها أتى على السنن، وإذا فرق کل واحد منهم، ذهب علیه الشيء منها ، ثم كان ما ذهب عليه منها موجودًا عندغيره . ٢٩ التمهيد وهم في العلم طبقات : منهم الجامع لأکثره، وإن ذهب عليه بعضه، ومنهم الجامع لأقل مما جمع غيره، وليس قليل ماذهب من السنن على من جمع أکثرها دليلاً على أن يطلب علمه عند غیر طبقته من أهل العلم ، بل يطلب عندنظرائهماذهبعلیه، حتی یؤتی علی جمیع سنن رسول اللهێ -بأبي هو وأمي -، فيتفرد جملة العلماء بجمعها، وهم درجات فيما وعوا منها(١). قال الشيخ أحمد شاكر : هذا الذي قال الشافعي في شأن السنن نظر بعيد ، وتحقيق دقيق ، واطلاع واسع على ما جمع الشيوخ والعلماء من السنن في عصره، وفيما قبل عصره(٢). وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية هذا السبب هو السبب الأول من أسباب مخالفة العالم للحديث؛ فقد قال رحمه الله في كتابه : (رفع الملام عن الأئمة الأعلام ) في أسباب ما يقع من بعض العلماء من مخالفة الحديث الصحيح، فقال: السبب الأول: ألا يكون الحديث قد بلغه، ومن لم يبلغه الحدیث ؛ لم یکلف أن یکون عالمًا بموجبه ، وإذا لم يكن قد بلغه وقال في تلك القضیة بموجب ظاهر آیة ، أو حدیث آخر ، أو بموجب قیاس ، أو مو جب استصحاب، فقدیوافق ذلك الحدیث تارة، ويخالفهأخرى. وهذا السبب هو الغالب على أكثر ما يوجد من أقوال السلف مخالفًا لبعض الأحادیث ؛ فإن الإحاطة بحديث رسول الله ټ لم تكن لأحد من (١) الرسالة، للشافعي (ص ٤٢-٤٣). (٢) حاشية الرسالة، للشافعي (ص ٤٣). ٣٠ استدراك بعض الصحابة ما خفي على بعضهم من السنن ، للدكتور سليمان بن صالح الثنيان الأئمة، وقد كان النبي وَ ير يحدث، أو يفتي، أو يقضي، أو يفعل الشيء، فیسمعه،أو يراه منیکون حاضرًا، ويبلغه أولئك أو بعضهم لمن يبلغونه، فينتهي علم ذلك إلى من شاء الله من العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ثم في مجلس آخر قد يحدث، أو يفتي ، أو يقضي، أو يفعل شيئًا، ويشهده بعض من كان غائبًا عن ذلك المجلس ، ويبلغونه لمن أمكنهم ، فیکون عندهؤلاء من العلم ما ليس عندهؤلاء، وعندهؤلاء ما لیس عند هؤلاء. وإنما يتفاضل العلماء من الصحابة ومن بعدهم بكثرة العلم أو جودته، وأما إحاطة واحد بجمیع حديث رسول الله ێر، فهذا لا یمکن ادعاؤه قط . ثم ذكر رحمه الله أمثلة مما وقع للخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة * من خفاء بعض السنن عليهم، ثم قال: وهذا باب واسع، يبلغ المنقول منه عن أصحاب النبي پڼ عددا کثیرًا جدًا. وأما المنقول منه عن غيرهم؛ فلا يمكن الإحاطة به؛ فإنه ألوف. فهؤلاء كانوا أعلم الأمة وأفقهها ، واتقاها وأفضلها ، فمن بعدهم أنقص ، فخفاء بعض السنة عليهم أولى ، فلا يحتاج ذلك إلى بيان . فمن اعتقد أن كل حديث صحيح قد بلغ كل واحد من الأئمة، أو إمامًا معينًا، فهو مخطئ خطأًفاحشًا قبیحًا(١) .انتهى. (١) رفع الملام عن الأئمة الأعلام (ص ١٠ - ١٧). ٣١ التمهيد وإذا ثبت أن الصحابة ﴿ يخفى على بعضهم بعض السنن - وكذلك الحال لمن بعدهم من العلماء - لم يكن حجة للمقلد لهم إذا عارضت أقوالهم وأحكامهم سنة الرسول ◌َله. قال ابن القيم : نحن نسأل المقلدين : هل يمكن أن يخفى قضاء الله ورسوله ێ على من قلدتموه دینکم في کثیر من المواضع أم لا ؟ فإن قالوا: لا یمکن أن يخفی علیه ذلك ؛ أنزلوه فوق منزلة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ◌ّ والصحابة كلهم. فليس أحدمنهم إلا وقد خفي علیه بعض ما قضى الله ورسوله به. · ثم ذكر ابن القيم أمثلة لما وقع للخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة «﴾؛ من خفاء بعض السنن علیھم حتی ذکروا بها. ثم قال ابن القيم بعد ذلك : وهذا باب واسع ؛ لو تتبعناه لجاء سفرًا كبيرًا ، فنسأل حينئذ فرقة التقليد : هل يجوز أن يخفى على من قلدتموه بعض شأن رسول الله وَير، كما خفي ذلك على سادات الأمة أم لا؟ فإن قالوا : لا يخفى عليه، وقد خفي على الصحابة مع قرب عهدهم؛ بلغوا في الغلو مبلغ مدعي العصمة في الأئمة، وإن قالوا : بل يجوز أن يخفى عليهم - وهو الواقع - وهم مراتب في الخفاء في القلة والكثرة. ٦٠ قلنا : فنحن نناشدکم الله الذي هو عندلسان کل قائل و قلبه : إذا قضى الله ورسوله أمرًا خفي على من قلد تموه : هل تبقى لكم الخيرة بين قبول قوله ورده ، أم تنقطع خيرتكم ، وتوجبون العمل بما قضاه الله ورسوله ٣٢ استدراك بعض الصحابة ما خفي على بعضهم من السنن ، للدكتور سليمان بن صالح الثنيان عينًا لا يجوز سواه ؟ فأعدوا لهذا السؤال جوابًا ، وللجواب صوابًا ؛ فإن السؤال واقع، والجواب لازم(١) . انتهى. هذا فيما يتعلق بالسبب الأول من أسباب مخالفة الصحابة للسنة، وأما الأسباب الأخرى فهي : ٢ - أن یکون الحدیث قد بلغ الصحابي ، ولکن نسیه(٢)، وهذا مثل ما وقع لعمر ضه في التيمم للجنب إذا لم يجد الماء(٣). ٣ - أن يكون الحديث بلغ الصحابي، ولكن لم يأخذ به؛ اعتقادًا منه أن راويه أخطأ فيه، لشبهة وقعت للصحابي ، جعلته يعتقد أن ما حدث به هذا الراوي معارض للكتاب أو السنة التي سمعها من الرسول وَي * مباشرة أو بواسطة. وهذه الشبهة كانت إذا وقعت للصحابة في زمن النبي وَل سألوه عنها، فبينها لهم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: كان الصحابة يسألون رسول الله وَلتر ، ويسأل بعضهم بعضًا عن أدنى شبهة تعرض في خطابه وخبره. ثم ذكر شيخ الإسلام ما وقع لعمر # يوم الحديبية حين صالح الرسول ﴾ المشر کین علی أن یرجع ولا يدخل مكة، فقال له عمر «څه : ألم تكن تحدثنا أنا نأتي البيت ونطوف به ؟ فقال : بلى ؛ أو قلت لك : إنك تأتيه هذا العام؟ قال: لا . قال: فإنك آتيه ومطوف به (٤). (١) أعلام الموقعين (٢/ ٢٧٥-٢٧٩). (٢) انظر: رفع الملام عن الأئمة الأعلام (ص ٢٢). (٣) سيرد ذكر هذه الواقعة في موضعها من الرسالة. (٤) صحيح البخاري [كتاب الشروط (٥/ رقم ٢٧٣١)]. ٣٣ التمهيد قال شيخ الإسلام : فهذا عمر قد اشتبه علیه معنی نص ، وليس في ظاهره ما ينافي الواقع ، بل هو ظن أن ظاهره ينافي الواقع ؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿لَتَدْخُلُنَّ اُلْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اَللَّهُه ◌َا مِنِينَ مُحَلّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُفَصِّرِينَ ﴾(١)، فظن عمر ﴾ أن ظاهره يقتضي التعجيل ، وأورده على النبي څے، ثم على صدِّیقه، وأجابه كل منهما في مغيب الآخر بأنه ليس في الخطاب ما يقتضي التعجيل ، وإنما الذي فهم ذلك من الخطاب غلط في فهمه، فالغلط منه، لا لنقص في دلالة الخطاب. ثم قال شيخ الإسلام: وأيضًا؛ ففي الصحيح أنه قال ێ : «من نوقش الحساب عذب)). قالت عائشة رضي الله عنها : فقلت : يا رسول الله ؛ أليس الله يقول في كتابه : ﴿ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾(٢)؟ فقال : ذلك العرض، ومن نوقش الحساب عذب)»(٣). ومعلوم أن قوله : ﴿ نَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يسيرًا ﴾ لا يدل ظاهره على أن المحاسب يناقش ، بل الظاهر من لفظ الحساب اليسير أنه لا تكون فيه مناقشة، ومع هذا فلما قال : ((ومن نوقش الحساب عذب)) فظنت امرأة تحبه ويحبها، وهي أحب الناس إليه، وأبوها أحب الرجال إليه؛ أن ظاهر خطابه يعارض تلك الآية ، سألته عن ذلك ولم تسكت . (١) سورة الفتح، آية (٢٧). (٢) سورة الانشقاق، آية (٨). (٣) صحيح البخاري [ كتاب التفسير (٨/ رقم ٤٩٣٩)، وصحيح مسلم [ كتاب الجنة وصفة نعيمها (٤ / ٢٢٠٤)]. ٣٤ استدراك بعض الصحابة ما خفي على بعضهم من السنن ، للدكتور سليمان بن صالح الثنيان وكذلك في الحديث الصحيح(١) أنه قال:«والذي نفسي بيده، لا يلج النار أحد بايع تحت الشجرة)». قالت حفصة رضي الله عنها : فقلت : يا رسول الله؛ أليس الله يقول: ﴿ وَإِن ◌ِنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾(٢) فقال: ألم تسمعيه قال: ﴿ ثُمَُّنَجِى الَّذِينَ أَتَّقَواْ وَنَّذَرُ الَّلِمِينَ فِيَهَا حِثِيًّا﴾(٣). فقوله وت لقي: (لن يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة»، لا ینافيالورود؛ فإن مجرد الورود لیس بعذاب ، بل هو تعريض للعذاب ، وهو إنما نفى الدخول الذي هو العذاب ولم ينف التقريب من العذاب ، ولا انعقاد سببه، ولا الدخول على سطح مكان العذاب. ومع هذا ؛ لما اشتبه ذلك على امرأته سألته عن ذلك ، وذكرت ما یعارض خبره في فهمها، ولم تسکت. ثم قال رحمه الله : وقد كان الرسول ێ يفعل الأمر، فيسألونه : هل هو بوحي فيجب طاعته؟ أو هو رأي یمکن معارضته برأي أصلح منه ؟ ويشيرون عليه في الرأي برأي آخر ، فيقبل منهم ويوافقهم . وذكر أمثلة علىذلك. ثم قال : بل كان يأمرهم بالأمر الذي يجب عليهم طاعته، فيعارضه بعضهم بما لا يصلح للمعارضة، فیجیبهم ؛ فإن في الصحيح أنه نهاهم عن (١) سنن ابن ماجه [كتاب الزهد (٢/ ١٤٣١)]. (٢) سورة مريم، آية (٧١). (٣) سورة مريم، آية (٧٢). ٣٥ التمهيد الوصال، فقالوا : إنك تواصل. فقال:«إني لست کھیٹتكم؛ إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني)»(١). ومعلوم أن هذه معارضة فاسدة ، لو أوردها بعض طلبة الفقهاء ؛ أجابه آخر : بأن أمره ونهيه يجب طاعته فيه ، و حکمه لازم للأمة باتفاق المسلمین. ثم قال : فتبین أن من عارض نهیه عن الوصال بقوله : إنك تواصل، كانت معارضته خطأ باتفاق العلماء، ومع هذا ؛ فقد أجابه ببيان الفرق . بل لما غير عادته يوم الفتح ، فصلى الصلوات بوضوء واحد ، سأله عمر ظُه، فقال: إنه فعلت شيئًا لم تكن تفعله، فقال: «عمدًا فعلته)). وهذا وأمثاله كثير ، هذا من المؤمنين به ، المحبين له ، فأما معارضة الكفار له بما لا يصلح للمعارضة على سبيل الجدل بالباطل فكثيرة(٢). انتھی. ومراد شيخ الإسلام ابن تيمية أن ما يقع للصحابة ﴿﴿ے من ذلك ؛ إنما القصد منه معرفة مراد الرسول قيه بخطابه ، وليس الاعتراض عليه بالباطل والتكذيب له. وما تقدم من أن الشبهة كانت إذا عرضت للصحابي حينما يسمع خبرًا من النبي وَ ل يظن معارضته لما علمه من نص الكتاب، فيبين له النبي ◌َّ (١) صحيح البخاري [ كتاب الصوم (٤ / رقم ١٩٦١ - ١٩٦٤)]، وصحيح مسلم [ كتاب الصيام (٧٧٤/٢)]. (٢) انظر فيما سبق من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية: درء تعارض العقل والنقل (٤٦/٧-٥٥). ٣٦ استدراك بعض الصحابة ما خفي على بعضهم من السنن ، للدكتور سليمان بن صالح الثنيان ما يزيل شبهته، فأما بعد وفاة الرسول وَلهر، فكان الصحابة ﴿ يسأل بعضهم بعضًا فیما یعرض له من ذلك، فقدیزول عنهذلك، أو يكونذلك سببًافيتوقف بعضهم عن الأخذبمایظنه معارضًالماهو أرجحعنده،ویکون علم ذلك معروفًا عند غير هذا الصحابي الذي وقعت له هذه الشبهة . ومن ذلك؛ ما وقع لعائشة رضي الله عنها، من أنها ظنت أن قوله وال ته : ((إن الميت يعذب ببكاء الحي عليه)) معارض لقوله تعالى: ﴿ وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾(١)، وكذلك لما بلغها أن بعض الصحابة يحدث عن النبي وَّ أن قتلى أحد سمعوا خطابه لهم ، فردت ذلك بأن هذا معارض لقول الله جل وعلا: ﴿ إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْقَى﴾(٢)، ونحو ذلك من الأمثلة التي سيرد ذكرها في موضعها من الرسالة - إن شاء الله - . والمقصود أن من علم الجواب عن هذا الإشكال والشبهة التي وقعت لبعض الصحابة في خبر ما؛ فليس له الاحتجاج بمعارضة هؤلاء الصحابة ﴿ه، وهم لو علموا ما به تزول شبهتهم ما تركوا الأخذبها . والله أعلم. ٤ - أن يكون عند الصحابي سنة عن النبي وَّل، فيعمل ويفتي بها، ويخفى عليه أنها نسخت ، کما في قول ابن مسعود عته في التطبيق في الركوع. أو يخفى علیه أن الحديث الذي بلغه له محمل خاص ولیس عامًا ؛ کحديث : «لا ربا إلا في النسيئة»(٣)، فقد جاءت السنة بأن هذا إنما هو في الصنفین الربويين، وليس في المتماثلات. (١) سورة الإسراء، آية (١٥). (٢) سورة النمل، آية (٨٠). (٣) سيأتي ذكر هذا الحديث في موضعه من الرسالة. ٣٧ التمهيد ٥ - أن يبلغ الصحابي حدیثان متعارضان في الظاهر ، فیرجح أحدهما، فيعمل به، ويخفی علیه إمكان الجمع بينهما ، كما في الأحاديث الواردة في النھي عن المزارعة، والأحاديث المبيحة لها(١). ٦ - أن يعلم الصحابي السنة ، ولكن لا يعمل بها متأولاً لها، كما في إتمام عثمان طلبه للصلاة في عرفة. ٧ - ذكر بعضهم أن من أسباب ترك الصحابي الأخذ بسنة ما ؛ مخالفتها للعقل عنده(٢). وهذا السبب أرى أنه باطل، والأمثلة التي قد يستدل بها على ذلك لا تدلعلىماذکر . ومن ذلك أنهمثل له بما كان من أبي هريرةڅهعندما حدث عن النبي وَّل* بالوضوء مما مست النار، فقال له ابن عباس رضي الله عنهما: أنتوضأ من الدهن ؟ أنتوضأ من الحميم ؟ فإن ذا ليس معارضة للسنة بالعقل ، وإنما هو معارضة لها بالشرع، فرأى ابن عباس رضي الله عنهما أن الشرع لَّا لم يوجب الوضوء من الدهن، فمثله سائر ما مسته النار. فبين له أبو هريرة ظُبه أن النص مقدم على التمثيل. ومثل هذا يقال في الأمثلة الأخرى التي يظن أن فيها معارضة الصحابة للنصوص بالعقل. (١) سيأتي ذكرها في موضعها من الرسالة. (٢) انظر: مقاييس نقد متون السنة (ص ٩٥). ٣٨٠ استدراك بعض الصحابة ما خفي على بعضهم من السنن ، للدكتور سليمان بن صالح الثنيان قال شيخ الإسلام ابن تيمية : لم يكن في الصحابة من يقول : إن عقله مقدم على نص الرسول ێے ، وإنما کان یشکل على أحدهم قوله، فيسأل عما يزيل شبهته، فيتبين له أن النص لا شبهة فيه . وقد يعارضون نصًا بنص آخر ، ولم يكونوا يعارضون النصوص بمجردعقولهم(١) .انتھی. هذه أهم الأسباب التي جعلت بعض الصحابة ﴿ قالوا أو عملوا على خلاف سنة النبي شێ . وهذه الأسباب يعتذر بها عما كان منهم ومن بعدهم من ذلك ، ولا يعذر أحد ممن بلغته السنة ، ولم يكن لديه شبهة في ردها ، فحجة الله قائمة على عبده متى ما بلغته، ولم يكن عنده تأويل أو شبهة، قال تعالى: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾(٢)، وقال: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَنهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّاللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾(٣). (١) انظر: درء تعارض العقل والنقل (٢٢٩/٥-٢٣١). (٢) سورة الإسراء، آية (١٥). (٣) سورة التوبة، آية (١١٥). البابالأول السنن التي استدركها بعض الصحابة على بعض في باب الاعتقاد الفصل الأول : رؤية الله في الدنيا الفصل الثاني: حكم الرقى والتمائم والتولة الفصل الثالث: إن الله قد حرم على النار من قال لا إله إلا الله الفصل الرابع: الطيرة في ثلاثة: في المرأة والدابة والدار الفصل الخامس: الآنية على حوض النبي وَله