النص المفهرس

صفحات 41-60

٣٥
ثم تعقّبه بقوله: ((وأما تضعيفه(١) لحديث أبي هريرة بعمر بن حمزة: فهو مختلف في توثيقه، ومثله يُخرج له
مسلم في المتابعات، وقد تابعه الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، كما أشرتُ إليه، عند أحمد وابن
حبان، فالحديث بمجموع طرقه صحيح)). أي: صحيح لغيره، ويكون قد جَعَل عمرَ بن حمزة حسنَ الحديث،
لأنه من المختلف في توثيقه، وتابعه الأعمش فصار الحديث صحيحاً لغيره.
وقال عن عمر هذا نفسه في ((الفتح)) ٤٩٧:٢ كتاب الاستسقاء، باب سؤال الناس الإِمام الاستسقاء إذا
قُحِطوا: ((وعُمر مختلَفٌ في الاحتجاج به، وكذلك عبد الرحمن بن عبدالله بن دينار المذكور في الطريق الموصولة،
فاعتضدتْ إحدى الطريقين بالأخرى، وهو من أمثلةِ أحدٍ قسمي الصحيح، كما تقرر في علوم الحديث)).
يريد: الصحيح لغيره. والصحيحُ لغيره: أصلُه حسن لذاته، اعتضد براو آخر أقوى منه - كما في المثال
الأول: متابعة الأعمش - أو مثله، كما في هذا المثال.
وقولُ المصنف المذكور: ((وكذلك عبدالرحمن .. )) أي: هو مختلف في الاحتجاج به، فلا يَنزِل حديثه عن
رتبة الحسن، مع أنه قال في ((التقريب)) عنه: ((صدوق يخطىء)).
ومما ينبه إليه: قولُ المصنف في الموضع الأول من ((الفتح)) عن عمر بن حمزة: ((مختلّف في توثيقه)) وقوله
في الموضع الثاني: ((مختلَف في الاحتجاج به)) فإنه أقوى من الأول، كما هو معلوم.
ومثال ثالث: قال في ((التقريب)): ((مهاجر بن مَخْلَد، أبو مَخْلَد .. مقبول)). ومهاجر هذا روى عن أبي بكرة
الثقفي حديثَه في توقيت المسح على الخفين بثلاثة أيام، وقد ذكره المصنف في كتابه على ابن الصلاح
١: ٤٢٦ - ٤٢٧ مثالاً على الحديث الحسن لذاته، ونقل عن البخاري تحسينَه له. وهذا يقتضي أنه في مرتبة
الصدوق، وهي المرتبة الرابعة، لا مقبولٌ من أهل المرتبة السادسة التي يَحتاج صاحبها إلى متابع ليُمَشَّى حديثه !.
ومثال رابع: قال في ((التقريب)): ((موسى بن مسعود النَّهْدي، أبو حذيفة البصري، صدوقٌ سيءُ الحفظ
وکان یصحّف».
مع أن أبا حذيفة هذا روى له ابن الجارود حديثاً في ((منتقاه)» ص ٥٥ رقم ١٣٥، وهذا الحديث ذكره
المصنف في ((التلخيص الحبير)) ٣٣:١ وصححه فقال: ((ورد الأمر بفَرْكه - أي المنيّ - من طريقٍ صحيحة، رواه
ابن الجارود في ((المنتقى)) عن محمد بن يحيى - وأحمد بن يوسف - عن أبي حذيفة، عن سفيان .. )).
فقد صحح له المصنف نفسه، وهذا يقتضي أنه ثقة من المرتبة الثالثة، وتراه هنا يجعله من المرتبة الخامسة
((صدوق سيء الحفظ وكان يصحف)).
ومثال خامس - وقد تقدم في مناسبة أخرى - قال في قسم الكنى من ((التقريب)). ((أبو بَلْج يحيى بن سُلَیم
الفَزاري الكوفي .. صدوق ربما أخطأ)).
وذكره في (الفتح)) ١٨٢:١٠ كتاب الطب، باب ما يذكر في الطاعون فقال: ((وثَّقه ابن معين والنسائي
وجماعة، وضعفه جماعة بسبب التشيع، وذلك لا يَقدح في قبول روايته عند الجمهور)).
(١) كذا قال! وليس في كلام القاضي ما يساعد أو يفيد.

٣٦
وظاهرُ هذا أنه ثقة، إذ دفع القدحَ بالبدعة، فلم يبق إلا التوثيق. والله أعلم.
ومثال سادس: قال عن حجاج بن محمد المِصِّيصي الأعور: ((ثقة تَّبْت لكنه اختلط في آخر عمره لما قدم
بغداد قبل موته».
وقال في ترجمة تلميذه سُنَيد بن داود المِصِّيصي: ((ضعيف- مع إمامته ومعرفته - لكونه كان يلقِّن حجاج
ابن محمد شيخه)».
ومع ذلك قال في ((مقدمة الفتح)) في ترجمة حجاج المذكور: ((ما ضَرَّه الاختلاط، فإن إبراهيم الحربي
حكى أن يحيى بن معين منع ابنَه أن يُدخل عليه بعد اختلاطه أحداً)). وانظر مثله في ((الجواهر والدرر)) ق ٧٧ .
لكن انظر ((التهذيب)» لزاماً آخر ترجمة حجاج.
وقد يقول قائل :
إن سبب هذا الاختلاف هو تجدُّدُ اطّلاع المصنف على ما لم يطلع عليه من قبل، فيؤخذ بقوله الآخِرِ،
فكتابه ((التهذيب)) مثلاً، فَرَغ من تأليفه عام ٨٠٨، و((التقريب)) فرغ منه عام ٨٢٧، فإذا تعارضا أُخذ بما في
(التقريب)). أما (فتح الباري)) فابتدأه عام ٨١٧، وانتهى منه عام ٨٤٢، فإذا تعارض ما فيه مع ما في ذينك الكتابين
عُمل بما فيه، وهكذا.
والجواب:
(أ) - أن ((التقريب)) هو خلاصة جهودِ أئمةٍ حفاظ: عبدالغني المقدسي، والمزي، والذهبي، ومُغْلَطاي،
وابن حجر في مرحلتين: التهذيب، ثم التقريب. وهؤلاء أئمة متأخرون، جمعوا ما عند سابقيهم باستيفاء،
ولم يأت بعدهم من يُدانيهم، وبهم خُتمت مرحلة تجميع الأقوال في الرجال، فلا جديد بعدئذ.
(ب) - إذا كان الحافظ رحمه الله قد أنهى شرحه ((فتح الباري)) عام ٨٤٢، فإنه ظلَّ يشتغل ويصقُل كتابه
((التقريب)) ويُعمل يده فيه إلى عام ٨٥٠، كما هو واضح من تواريخ الإلحاقات والإضافات على النسخة التي بين
يدي، وقد أرَّخ عشرين إلحاقاً، عشرة منها مؤرخة سنة ٨٤٨، وإحالة واحدة مؤرخة سنة ٨٥٠.
فلا مجال لاحتمال ازدياد اطلاع الحافظ على زيادة في الجرح والتعديل، أهمل خلاصتها فلم يلحقها في
((التقريب)) خلال هذه السنوات الطويلة من عام ٨٢٧ - ٨٥٠، وعلى احتمال اطلاعه على أشياء جديدة فإنها
أقوال لا تغيِّر من أحكامه.
ويؤكد ما أنفيه: أنك لا تجد البتة في الإضافات الجديدة ما يتعلق بجرح أو تعديل.
(ج) - أن الظاهر من تأليف المصنف للتقريب، وصياغته له على هذه الشاكلة: أنه لم يَعُدْ يتوقَّع مزيداً من
الجرح والتعديل على ما حصل عليه في ((التهذيب))، لذلك قام بعد انتهائه من ((التهذيب)) بثماني عشرة سنة، فبدأ
بكتابة ((التقريب)) وسَبْكه على هذا النحو من الأحكام النهائية الملخّصة الموجَزةِ المعتَصَرة. والله أعلم.
٤ - ومن أحكامه: ما هو موافق لترجمته في ((التهذيب)) لكنه يفتقر إلى نقد وغربلة لهذه الأقوال، على نحوٍ
ما تقدم في الكلام على عبدالله بن المثنى بن عبدالله بن أنس بن مالك، أولَ الفِقْرة الثالثة.
مثال ذلك: قال عن أسد بن موسى الأموي المعروف بلقب ((أسد السنة): ((صدوق يُغْرب، وفيه نَصْب)).

٣٧
وفي (التهذيب)): ((قال البخاري: مشهور الحديث، وقال النسائي: ثقة ولو لم يُصنَّف كان خيراً له، وقال
ابن يونس: حدَّث بأحاديث منكرة وأحسَب الآفة من غيره، وقال أيضاً هو وابن قانع والعجلي والبزار: ثقة، زاد
العجلي: صاحب سُنة، وذكره ابن حبان في ((الثقات)) وقال الخليلي: مصريُّ صالح، وقال ابن حزم: منكر
الحديث ضعيف(١)، وقال عبدالحقِّ في الأحكام الوسطى: لا يُحتجُ به عندهم)).
فقوله ((فيه نَصْب)): غريب، إذْ ليس في ((التهذيبَيْن)) شيءٌ من ذلك، ولا ذَكَّرَه المصنفُ آخرَ الفصل التاسع
في ((مقدمة الفتح)) بين مَن تُكلم فيهم ممن اتَّهموا ببدعة، بل يقول فيه العجلي - كما ترى -: صاحب سُنَّة !.
وقوله فيه ((يُغرب)): أخذه من قول النسائي: ((لو لم يصنف كان خيراً له)) كما صرح به في ((مقدمة الفتح)) ص
٤٥٦.
أما قوله ((صدوق)): فمن أين؟ وكيف أنزله عن ((الثقة)) مع توثيق ستة من الأئمة؟ !.
وقد نقل الإِمام الزيلعي الحافظ رحمه الله في كتابه الحفيل ((نصب الراية)) ١٧٩:١ عن الإِمام ابن دقيق
العيد في كتابه الإِمام المسمى بـ ((الإِمام)): ((إن أسداً ثقة، ولم يُرَ في شيء من كتب الضعفاء له ذِكْر، وقد شَرَط
ابنُ عدي أن يذكر في كتابه - الكامل - كلَّ من تُكُلم فيه، وذكر فيه جماعة من الأكابرِ والحفاظِ، ولم يذكر أسداً،
وهذا يقتضي توثيقه، ونقل ابنُ القطان توثيقه عن البزار وعن أبي الحسن الكوفي - يريد العجلي -.
((ولعل ابن حزم وقف على قول ابن يونس في ((تاريخ الغرباء)»: أسد بن موسى حدث بأحاديث منكرة، وكان
ثقة، وأحسَب الآفة من غيره؟. فإنْ كان أخذ كلامه من هذا: فليس بجيد، لأن من يقال فيه ((منكر الحديث)) ليس
كمن يقال فيه (روى أحاديث منكرة)). لأن ((منكر الحديث)): وصفٌ في الرجل يَستحقُّ به الترك لحديثه، والعبارةُ
الأخرى تقتضي أنه وقع له في حينٍ، لا دائماً.
(وقد قال أحمد بن حنبل في محمد بن إبراهيم الَّيمي: ((يروي أحاديث منكرة)) وقد اتفق عليه البخاري
ومسلم، وإليه المرجعُ في حديث ((إنما الأعمال بالنيات)). وكذلك قال في زيد بن أبي أنيسة ((في بعض حديثه
نكارة)) وهو ممن احتج به البخاري ومسلم، وهما العمدة في ذلك.
(وقد حكم عليه ابن يونس بأنه ثقة، وكيف يكون ثقةً وهو لا يُحتج به. انتهى)).
قلت: وأما قول عبدالحق: ((لا يحتج به عندهم)): فمعلوم أن عبدالحق يعتمد على ابن حزم في أقواله
كثيراً، وقوله هذا يُرجح أن لفظ ابن حزم هو ما نقله ابن دقيق العيد، عنه: ((منكر الحديث لا يحتج به)).
ومثال ثانٍ: قال في ((التقريب)): ((عمرو بن بُجْدان العامري، بصري، تفرد عنه أبو قلابة، من الثانية،
لا یعرف حاله».
وفي ((التهذيب)): ((ذكره ابن حبان في ((الثقات)) وقال العجلي: بصري تابعي ثقة، وقال عبدالله بن أحمد:
قلت لأبي: عمرو بن بجدان معروف؟ قال: لا. وقال ابن القطان: لا يعرف، وقال الذهبي في ((الميزان)) مجهول الحال)).
(١) لفظ ابن حزم في ((المحلّى)) ٢: ٩٠ و٤٧٢:٧: ((منكر الحديث)) فقط، ونقله الزيلعي عن ابن دقيق العيد - كما في ((نصب الراية))
١٧٩:١ -: ((منكر الحديث لا يحتج به)). فكأن ابن حزم تكلم على أسد في أكثر من موضع؟. وانظر ((الميزان)) ٢٠٧:١.

٣٨
قلت: روى له الترمذي ١٤٢:١ رقم ١٢٤ حديث ((إن الصعيدَ الطَّيِّبَ طَهور المسلم)) وقال فيه: ((حسن
صحيح)) ورواه غير الترمذي، منهم: ابن حبان في ((صحيحه)) والحاكم ١٧٦:١ وقال ((صحيح لم يخرجاه)).
وفي ((نصب الراية)) ١٤٩:١ نقلاً عن ((الإِمام)) لابن دقيق العيد قال: ((ومن العجب كونُ ابن القطان
لم يكتفِ بتصحيح الترمذي في معرفة حال عمرو بن بُجدان مع تفرده بالحديث، وهو قد نقل كلامه: ((هذا حديث
حسن صحيح))؟ وأيَّ فرقٍ بين أن يقول: هو ثقة، أو يصحح له حديثاً انفرد به؟! وإنْ كان توقّف عن ذلك لكونه
لم يروِ عنه إلا أبو قلابة، فليس هذا بمقتضى مذهبه، فإنه لا يلتفت إلى كثرة الرواة في نفي جهالة الحال، فكذلك
لا يُوجِب جهالةَ الحال بانفراد راو واحد عنه بعد وجود ما يقتضي تعديله، وهو تصحيح الترمذي».
قلت: ويَشُدُّ تصحيحَ الترمذي تصحيحُ ابن حبان والحاكم الذي أشرت إليه قبلُ، بل يكفيه قول المصنف
في ((التلخيص الحبير)) ١: ١٥٤: ((وصححه أيضاً أبو حاتم، ومدار طريق خالد على عمرو بن بُجْدان، وقد وثقه
العجلي، وغفل ابن القطان فقال: إنه مجهول)). فانظر كيف نقد ابنَ القطان هنا، وسلَّم له هناك !.
وأما كلمة الإِمام أحمد فيه: فلم يتعرض لها ابن دقيق العيد والمصنف، وكأنهما فَهِما منها المعرفةَ بمعنى
الشهرة، وعدم الشهرة لا يستلزم الجهالة أو الجرح - انظر ((شرح العلل)) لابن رجب ١: ٨٤ - أو لاحظا: أن من
حفظ حجةٌ على من لم يحفظ، ومن عَرَف حجة على من لم يعرف؟.
ومثال ثالث: قال في ((التقريب)) عن حماد بن أبي سليمان: مسلمٍ الأشعري ولاء: ((فقيه صدوق له أوهام
ورمي بالإِرجاء».
وقال عنه الحافظ الذهبي في ((الكاشف)): ((ثقة إمام مجتهد)).
وقد أُخِذَ على حماد: تضعيفُ الأعمش وابن سعد له، والإِرجاء، والرأي .
- أما تضعيفُ الأعمش: فلا يُلتفت إليه، وقد قال الذهبي في (سير أعلام النبلاء)) ٥: ٢٣٤: ((ولا يلتفت
إلى ما رواه أبو بكر بن عياش، عن الأعمش ... )).
قلت: وكأن ذلك للمعاصرة والبلديَّة بينهما، وكان الأعمشُ مرشَّحاً لخلافة إبراهيم النخعي في مجلسه، كما
في ((السير)) نفسه ٢٣٣:٥ عن المغيرة بن مِقْسَم، بل في ترجمة الأعمش من ((التهذيب)) عن مغيرة نفسه أنه قال:
((لما مات إبراهيم اختلفنا إلى الأعمش في الفرائض)).
وأما تضعيف ابن سعد له: فينبغي للمصنف أن لا يلتفت إليه أيضاً، وقد قال هو في ((مقدمة الفتح)) ص ٤٤٣
في ترجمة محارب بن دِثار: ((ابن سعد يقلد الواقديَّ، والواقديُّ على طريقة أهل المدينة في الانحراف على أهل
العراق، فاعلمْ ذلك ترشُدْ إن شاء الله)).
- وأما الإِرجاء: فإرجاؤه إرجاء السنة، وعبَّر عنه الذهبي في ((السِّير)) بإرجاء الفقهاء وقال: النزاع لفظي إن
شاء الله. ولذلك لم يُشِر إلى هذا المطعن بشيء في ((الكاشف)).
- وأما الرأي: فهو الاجتهاد في النصوص والتفقُّه فيها على طريقة شيخه إبراهيم النخعي، فلا ملامة.
- وأما أفراده وغرائبه: فَمَنْ أكثر أغرب، وقد وصفه بالكثرة في الحديث ابن سعد ٣٣٣:٦، وابن

٣٩
عدي(١)، ولفظه ٦٥٦:٢ : ((حمادٌ كثير الرواية، خاصة عن إبراهيم، المسندِ والمقطوعِ ، ورأي إبراهيم،
ويحدث عن أبي وائل، وعن غيرهما بحديث صالح، ويقعَ في حديثه أفرادٌ وغرائب، وهو متماسك في الحديث
لا بأس به)).
هذا كلام ابن عدي في حماد، وهو من هو.
ومن قرأ ترجمته عند الذهبي في ((السير)) وعند المصنف في ((التهذيب)) وجد فرقاً بين الترجمتين، كالفرق
بين قوليْهما السابقين، مما يعيِّن القول بلزوم الرجوع إلى غير ((التقريب)) بل وإلى كتب أخرى غير كتب المصنف،
ليتسع أُقُق الباحث، ويدرس الأمر الواحد من جميع جوانبه.
**
*
أما النقطة الثالثة فهي: زياداته في ألفاظ الجرح والتعديل على ما ذكره واصطلح عليه في مقدمة
الكتاب، وأهمية التنبيه إلى هذه الألفاظ ناشئة عن أهمية معرفة رتبتها عند المصنف، أو ناشئة عن غموضٍ مرادٍ
المصنف منها.
وهذا ما وقفت عليه وتنبهت له :
١ - ((صالح الحديث)): قال في موسى بن سليمان بن إسماعيل المَنْبِجي: ((صالح الحديث إلا في بقية))
وبقية هو: ابن الوليد الحمصي، فقوله ((صالح الحديث)) من الألفاظ التي لم يذكرها في المقدمة، وهي - من
حيثُ الاصطلاحُ العام - في المرتبة السادسة، كما في ((فتح المغيث)) ٣٣٨:١ - ٣٣٩ إلا عند ابن مهدي فهي
في المرتبة الرابعة .
٢ - ((شيخ)): قالها في: عمران بن مسلم الفَزاري - أو الأزدي - ومحمد بن سعيد الأنصاري الحراني
البزاز.
وهي - من حيثُ الترتيبُ العام - في المرتبة السادسة أيضاً، كما في ((فتح المغيث)) ٣٣٨:١.
٣ - ((لايُعرف)): قالها في: محمد بن عمر بن أبي عمر المقرىء. يريد: لا تعرف عينه، أي: مجهول
العين، وهو ظاهرُ ترجمته له في ((التهذيب)»، إذلم يذكر راوياً عنه سوى ابن ماجه.
٤ - ((لا يعرف حاله)): أطلقها في: عبيدالله بن أبي الوزير الحلبي، والظاهر أنه يريد مجهول الحال، مع
أنه لم يرو عنه إلا أبو داود، فمقتضاه أن يكون مجهول العين(٢)، وفرقٌ عند المصنف بين مجهول الحال صاحب
المرتبة السابعة، وبين مجهول العين صاحب المرتبة التاسعة، ولعل المصنف رفع من شأن عبيدالله قليلاً لكونه روی
عنه أبو داود، وقد قال عنه في ((التهذيب)) ٣٤٤:٢: ((إنه لا يروي إلا عن ثقة عنده))؟.
٥ - ((منكر الحديث)): قال ذلك في: زائدة بن أبي الرُّقَاد الباهلي، ولم يذكره المصنف في المقدمة.
وهو من المرتبة الرابعة من مراتب الجرح، حسب الاصطلاحات العامة - كما في ((فتح المغيث)) ١: ٣٤٥ - أي:
المرتبة العاشرة حسب سرد المصنف للمراتب كلها.
(١) ولعل نفي الذهبي عنه كثرة الرواية ملاحَظٌ فيه الكثرة النسبية؟.
(٢) ويؤيد هذا المقتضى أنه قال ذلك في مُسَكية المكية، ولم يرو عنها إلا ابنها يوسف بن ماهَك.

٤٠
وهناك تراجم لم يَسْتَوف المصنف الكلام عليها:
- إما لم يذكر لها مرتبة أبداً.
- وإما لم يُشر إلى ما في أصحابها من بدعة أو اختلاط.
- أما مَن لم يذكر لهم مرتبة أبداً: فقد نبهتُ في التعليق إلى حال من تنبهت لنقص ترجمته من ذلك.
لكنْ هناك عدد من هؤلاء لم يبيّن المصنف من حالهم شيئاً، وكذلك لم أنبه في التعليق إلى شيء، وظني
أنه ترك بيان مرتبتهم عمداً، لدخولهم في قاعدة معلومة عنده.
وبيان ذلك: أن الحافظ يُكثر في هذا الكتاب من قوله: فلان بن فلان ... مختلَف في صحبته، ويسكت
عنه، وقد يزيد فيقول: ذكره فلان في الصحابة، وعدَّه فلان في التابعين، ويسكت أيضاً. وهي ظاهرة في الرواة
من النساء أكثر من ظهورها في الرجال، لقلة عددهنَّ.
وقد أفادنا المصنف رحمه الله الحكم على هؤلاء إفادة عابرة في كتابه الزاخر بالفوائد والقواعد(١):
((التلخيص الحبير)) ٧٤:١ فقال وهو يتحدث عن حديث التسمية على الوضوء، وذَكَر روايةَ رَباح بن عبد الرحمن
الحُوَيْطبي له، عن جدته أسماء بنت سعيد بن زيد، عن أبيها سعيد بن زيد أحدِ العشرة، وأن رباحاً مجهول(٢)،
قال: ((وزاد ابن القطان أن جدة رباحٍ أيضاً لا يُعرف اسمها ولا حالها. كذا قال !. فأما هي: فقد عُرف اسمها من
رواية الحاكم، ورواه البيهقي أيضاً مصرِّحاً باسمها، وأما حالُها: فقد ذُكرتْ في الصحابة، وإنْ لم يثبت لها صحبة
فمثلها لا يسأل عن حالها)).
فقوله ((فمثلها)) أي: ممن اختُلِف في صحبته.
فهؤلاء الذين ذكر المصنف الاختلاف في صحبتهم: ثقاتٌ وإن لم يصرِّح بتوثيقهم، ولذلك لم يقل عن
أسماءَ هذه في (التقريب)) إلا: ((يقال: إن لها صحبة)).
مثال ذلك: ذكر في ترجمة حُصين بن مِحْصن الْأُشْهلي في ((التهذيب)): أن أبا موسى المديني عدَّه في
الصحابة تبعاً لعَبْدان وابن شاهين، وقال ابن السَّكَن: يقال له صحبة. وذكره ابن حبان في التابعين.
وقال عنه في ((التقريب)): ((معدود في الصحابة)) فقط.
ومثال آخر: في ((التقريب: ((زياد، ويقال زايد أو يزيد بن جارية، بالجيم، التميمي، الدمشقي، يقال: له
صحبة، وقد وثّقه النسائي)).
ونقل في ((التهذيب)) مَن عدَّه صحابياً، ومن وثَّقه ـ أي ما اعتبره صحابياً - ونقل عن أبي حاتم قوله فيه:
(شيخ مجهول)). ثم علَّق عليه آخر الترجمة بقوله ((وأبو حاتم قد عبَّر بعبارة ((مجهول)) في كثير من الصحابة)).
وقال في ((التقريب)): ((أَزْداد - ويقال: يَزْداد - بن فَسَاءة .. فارسيّ يمانيّ، مختلف في صحبته، وقال
أبو حاتم: مجهول)».
(١) كتبت هذا الوصف للكتاب أولاً، ثم رأيت الإِمام السيوطي رحمه الله يقول عنه في ((الحاوي)) ٢١٢:٢: ((في هذا الكتاب
الجليل من نفائس الصناعة الحديثية ما لا يعرفه إلا المتبحر في الفن كمؤلفه)).
(٢) مع قوله عنه في ((التقريب)): ((مقبول)) !.

٤١
فمثل هذا يعتبر ثقة، وقولُ أبي حاتم لا يضره، لما تقدم.
وتتميماً لهذه الفائدة أقول: كلُّ مَن اختلف في صحبته لا يُسأل عن ثقته إلا إذا كان عدُّه في الصحابة من
قبيل الوهَم الواضح.
مثال ذلك: قوله في ((التقريب)): ((مِيْنَا بن أبي مينا الخرّاز، متروك ورُمي بالرَّفْض، وكذَّبه أبو حاتم، من
الثانية، ووهِل الحاكم فجعل له صحبة)).
فمثل هذا لا يَدخل تحت القاعدة، وقد بيَّن المصنف في ((الإِصابة)) بإسهاب أوهام الحاكم في اعتباره
للمذكور من الصحابة، فينظرُ لتمام الفائدة، ولذلك ضبطتُ الهاء بالكسر في قوله ((وهِل)) فإنها بمعنى: غلط،
وأما بفتح الهاء فهي بمعنى: سبق إلى ذهنه أو على لسانه.
- وأما من لم يُشِر إلى ما فيهم من بدعة أو اختلاط:
فمثاله: قال في إسماعيل بن مسلم المكي: ((كان فقيهاً ضعيف الحديث)). ولم يزد.
وفي ((التهذيب)) عن يحيى القطان: ((لم يزل مخلِّطاً، كان يحدثنا بالحديث الواحد على ثلاثة ضروب ...
وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث مختلط)).
وترجم لبَهْز بن أسد العَمِّي فقال: ((ثقة ثبت)) ولم يذكره ببدعة، مع أنه نقل في ((التهذيب)) عن أبي الفتح
الأزدي: ((كان يتحامل على عثمان، سيء المذهب)).
وترجم لسلمة بن كُهَيل، ولم يذكره ببدعة، مع أنه نقل في ((التهذيب)) وصفه بالتشيُّع عن أربعة: عن
العجلي، ويعقوب بن شيبة، وجرير، وأبي داود.
وتقدم صفحة ٣٥ المثال الخامس أنه ترجم لأبي بَلْج الكوفي وقال فيه ((صدوق ربما أخطأ)) ولم يصفه
ببدعة، مع قوله عنه في ((الفتح)) ١٨٢:١٠: ((ضعفه جماعة بسبب التشيع)).
وهذا آخر الحديث عن مراتب ((التقريب)) أسأل الله تعالى فيه السداد والإِخلاص.

٤٢
الجانب الرابع: بيان مراده من الطبقة
قال المصنف رحمه الله في المقدمة: (( ... بحيث لا تزيد كل ترجمة على سطر واحد غالباً، يجمع اسم
الرجل .. ، ثم التعريفَ بعصر كلُّ راوٍ منهم، بحيث يكونُ قائماً مَقَامَ ما حَذَفته من ذكر شيوخه والرواة عنه، إلا من
لا يُؤمن لَبْسه.
وباعتبار ما ذكرت انحصر لي .. طبقاتهم في اثنتي عَشْرة طبقة ...
وأما الطبقات: فالأولى: الصحابة ... الثانية: طبقة كبار التابعين .. الثالثة: الطبقة الوسطى من التابعين ..
الرابعة: طبقةٌ تليها، جُلُّ روايتهم عن كبار التابعين .. الخامسة: الطبقة الصغرى منهم .. السادسة: طبقةً عاصروا
الخامسة، لكن لم يثبتْ لهم لقاءُ أحدٍ من الصحابة .. السابعة: كبار أتباع التابعين .. الثامنة: الطبقة
الوسطى منهم .. التاسعة: الطبقة الصغرى من أتباع التابعين. العاشرة: كبار الآخذين عن تَبَع الأتباع ممن لم يلقَ
التابعين .. الحادية عشرة: الطبقة الوسطى من ذلك ... الثانية عشرة: صغار الآخذين عن تبع الأتباع،
كالترمذي، وألحقتُ بها باقي شيوخ الأئمة الستة الذين تأخرت وفاتهم قليلاً ...
وذكرتُ وفاةَ مَن عرفتُ سنة وفاته منهم، فإنْ كان من الأولى والثانية: فهم قبل المائة، وإن كان من الثالثة
إلى آخر الثامنة: فهم بعد المائة، وإنْ كان من التاسعة إلى آخر الطبقات: فهم بعد المائتين، ومن نَذَر عن ذلك
بیَّنته».
وخلاصة ذلك:
١ - بَيَّن الباعث له على هذا الاصطلاح الخاصِّ بكتابه هذا - وهو الطبقات - أنه أراد استدراك ما حذفه
من تسمية شيوخ المترجم والرواة عنه، فإنه بهذا التحديد الزمني يقرِّب للباحث أن هذا المترجمَ هو مرادُه
لا غيرُه.
وهو استدراك جيد بديع، ولكنه نبّه إلى أن تحديد الطبقة يفيد غالباً - لا دائماً - فاستدرك وقال لبيان
الأغلبية: ((إلا من لا يؤمن لَبْسه)).
٢ - ثم بيَّن أنه:
- جعل الصحابة طبقةً واحدة على اختلاف طبقاتهم.
- وجعل للتابعين خمس طبقات: كبرى، ووسطى، وملحقةً بها، وصغرى، وملحقةً بها.
- وجعل لأتباع التابعين ثلاث طبقات: کبری، ووسطى، وصغرى.
- ولأتباعهم ثلاث طبقات أخرى: كبرى، ووسطى، وصغرى، وألحق بالصغرى نفراً قليلاً من شيوخ بعض
الأئمة، كبعض شيوخ النسائي، ولقلة عددهم لم يُفردهم بطبقة خاصة بهم.
٣ - ثم بَيَّن مصطلحه في الوفَيَات: فمن كانت وفاته خلال القرن الأول قال عنه: من الثانية. ولا يَنسب

٤٣
أحداً إلى الأولى، فإن أهلها من الصحابة، وهو يستغني بوصفهم بالصحبة عن تحديدِ طبقتهم وقولِه عنهم: من
الأولى .
ومن كانت وفاته في المائة الثانية: وصَفَه بما يليق به: من الثالثة، من الرابعة ... من الثامنة، ولا يزيد.
ومن كانت وفاته بعد المائتين: فهو من التاسعة فما بعدها إلى الثانية عشرة.
ثم قال: ((ومن ندر عن ذلك بينته)) وهو شامل:
- لمن تأخرت وفاته عن المائة قليلاً أو المائتين، وهو ملحق بمن دونها .
مثال ذلك: أبو الطّفيل عامر بن واثلة، آخر الصحابة وفاة، وكانت وفاته سنة ١١٠، أي: جاوز المائة،
ورسم ما مضى يقضي أن يكون من الثالثة، مع أنه صحابي من أهل الطبقة الأولى .
- ولمن تقدمت وفاته على المائة والمائتين، وهو ملحق بمن بعدها.
مثال ذلك: عروة بن الزبير: ((من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين على الصحيح)). فكونه ((من الثالثة))
يقتضي أنه توفي بعد المائة، وإلا خالف الاصطلاح فاقتضى البيان والاستثناء، لذلك قال ((ومن ندر عن ذلك بينته)).
وهنا لا بد من بيان معنى الطبقة عند ابن حجر في كتابه ((تقريب التهذيب)) إذْ أن مصطلحه كان مثارَ انتقادِهِ
ممن غَفَل عنه.
تقدم أنه جعل للمائة الأولى طبقتين: الأولى والثانية، وللمائة الثانية ستَّ طبقات: من الثالثة إلى آخر الثامنة
وللمائة الثالثة أربع طبقات: من التاسعة إلى آخر الثانية عشرة.
فيكون قد توسَّع في القدر الزمني لرجال المائة الأولى، وتوسَّط في المائة الثالثة، وضيَّق المسافة الزمنية لكل
طبقة من أهل المائة الثانية .
فهو في كتاب واحد لم يمشٍ على وتيرة واحدة، وهذا لا يُؤثّر على منهجه، إذْ أنه اصطلح وبيَّن ما اصطلح
عليه، ولا مشاحَّة في الاصطلاح.
إنما ينبغي للناظر في كتابه أن يحفظ مصطلحاته ويفهم مراده، ويوفّق بين ما رسمه وبين تطبيقه له.
فالمائة الثانية قسمها على ست طبقات، فيكون للطبقة الواحدة تقريباً نحو ١٧ سنة. أي: من يقول عنه: من
الثالثة، فوفاته في حدود سنة ١٢٠، ومن الرابعة: بين ١٣٥ - ١٤٠، وهكذا.
ومن قال عنه: من الثامنة، فوفاته أواخر القرن الثاني.
ومن كانت وفاته في الربع الأول من القرن الثالث: كان من التاسعة، ومن توفي في الربع الثاني منه، فهو
من العاشرة، ومن توفي خلال الربع الثالث منه: عدَّه من الحادية عشرة، والمتوفَّى أواخر القرن: كان من الثانية
عشرة .
لكن ليست هذه التحديدات حدوداً منطقية لا يجوز الخروج عنها، إنما هي مرتبطة بأمرٍ آخر هام، هو
المقياسُ الدقيق الذي لا يجوز تجاوزه بحال، وهو: الشيوخ الذين أدركهم وأخذ عنهم، ثم بعد ذلك قد يَطولُ
عُمُر هذا الراوي فتكون وفاته في عصر الطبقة التي بعده، لتأخُّرها، وقد يقصر عُمُره، فيُتَوفَّى في عصر الطبقة التي
قبله.

٤٤
فلا يصح النظر في تاريخ الوفاة والطبقة التي حددها له، فإن اختلَّ التناسب بينهما خطَّأْنا المصنف، لا.
إنما الطبقة - عنده - ملاحظٌ فيها ثلاثة أمور: أهمها الشيوخ الذين أخذ عنهم، ثم ولادته، ثم وفاته.
وإنما أخّرتُ معرفة الولادة عن معرفة الشيوخ لأنه قد تتقدم ولادته ولكنه يتأخر في الطلب والسماع - وإنْ
كان بينهما تلازم في غالب الأحيان -.
فإن تأخر في السماع: فاته فلان وفلان من المتقدمين، وأخذ عن فلان وفلان من المتأخرين، ويشاركه
حينئذ مَن تأخرتْ ولادته عنه، في السماع من هؤلاء المتأخرين.
والأمثلة توضح منهجه:
أحمد بن عبدالله بن ميمون ... ابن أبي الحواري، قال عنه: ((من العاشرة مات سنة ست وأربعين)).
وأحمد بن عبدالرحمن بن وهب المصري، ابن أخي عبدالله بن وهب، قال عنه: ((من الحادية عشرة مات
سنة أربع وستين)). أي: كلاهما بعد المائتين.
وهذان مثالان منطبقان على الطبقة وتاريخ الوفاة، ولا إشكال فيهما.
وقال عن إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي الإِمام الفقيه المشهور: ((من الخامسة، مات سنة ست وتسعين،
وهو ابن خمسين أو نحوها)).
وعلَّق الشيخ عبدالوهاب عبداللطيف رحمه الله في الطبعة المصرية السابقة فقال: ((لا تصح عبارة
(التقريب)): ((من الخامسة))، فهذا مما خالف فيه المصنف اصطلاحه أول الكتاب، ولعله تحريف من الناسخ، فقد
ذكر المؤلف أول الكتاب أن مَن كان مِن الخامسة فوفاته بعد المائة وقبل المائتين، وأن من كان من الثانية فوفاته
قبل المائة، وتصحيح العبارة: من الثانية، تطبيقاً لاصطلاح المؤلف)) !! وهذا - ونحوه - ما حمل الشيخ على
أن يقول في مقدمته للكتاب صفحة (ط): ((وفيه أخطاء في تحديد طبقة بعض الرواة)).
وهذا كلام عجيبٌ صدوره ممن يحقّق ((التقريب)) على نسخة المصنف التي كتبها بخطه وقلمه !! - مع ست
نسخ خطية أخرى ــ فلمَ لمْ ينظرْ فيما كتبه المصنف ليقطع هذه (اللعلعة) !!.
وكيف ينكرُ على المصنف اعتباره إبراهيم النخعي من الخامسة وقد قال المصنف في المقدمة التي يستند
إليها الشيخ عبدالوهاب بنفسه: ((الخامسة: الطبقة الصغرى منهم - أي من التابعين - الذين رأوا الواحد والاثنين
ولم يثبت لبعضهم السماع من الصحابة، كالأعمش)).
وهذا ينطبق تماماً على النخعي، فقد اشتهر أنه لقي عائشة رضي الله عنها: أُدخِل عليها وهو صغير، فرأى
عليها ثوباً أحمر، وذكر ابن المديني أنه رأى أبا حُجَيفة وزيد بن أرقم وابن أبي أوفى، لكنْ قال أبو حاتم: لم يلقَ
أحداً من الصحابة إلا عائشة، ولم يسمع منها.
فكيف يصوِّب الشيخُ كلام المصنف إلى: من الثانية، وقد قال المصنف عن رجال الثانية: هم طبقة كبار
التابعين كابن المسيب والمخضرمين. وابن المسيَّب ثبت سماعه من عمر وهو على المنبر ينعى النعمان بن مقرِّن،
فكيف يُلْحِق النخعيَّ بطبقته وهو لم يسمع من عائشةَ المتوفاةِ سنة ٥٧، ولا من أنس الذي توفي بالبصرة
- والنخعي في الكوفة - سنة ٩٣، أي قبل وفاة النخعي بثلاث سنين.

٤٥
وسبب ذلك: أن النخعي تقدمت وفاته، فلم يُعَمَّر، بل - كما قال المصنف - عُمِّر خمسين سنة أو نحوها،
ولو عاش ثلاثين سنة بعدها - مثلاً - لبلغ الثمانين، وكانت وفاته سنة ١٢٦، ولبقي تحديد طبقته كما هو: من
الخامسة، لا یزید.
وإنما أُتي الشيخ من نظره لظاهرٍ تاريخ الوفاة وظاهر قوله ((فإن كان من الأولى والثانية: فهم قبل المائة))
وغفل عن قوله آخر الكلام ((ومن ندر عن ذلك بينته)).
والغريب منه: لمّ كتب تعليقته هنا ولم يكتبها على ما قبل سطر واحد: على ترجمة إبراهيم بن يزيد بن
شريك التيمي، فإن المصنفَ قال فيه أيضاً: ((من الخامسة، مات سنة اثنتين وتسعين، وله أربعون سنة)).
وهذا يؤيد ما قلته في النخعي: لم يُعمَّر، فتقدمت وفاته، فكانت مع طبقة الذين قبله، لكنه من حيثُ اللقاءُ
والإِدراك متأخر عنهم، وليستْ للتيمي رواية عن صحابي إلا عن أنس، وأبوه قيل إنه أدرك الجاهلية، ولم يلق
أبا ذر، ولا سمع من حفصه ولا عائشة ولا علي ولا ابن عباس، كما في «التهذيب».
والخلاصة: أن من تقدمت وفاته، فمات في عصرٍ طبقةٍ من قبله، لا يُلحق بطبقتهم، بل يؤخَّر عنهم،
كالنخعي - مثلاً - توفي في عصر طبقة كبار التابعين، فلا يلحق بهم، بل يجعل من الطبقة المتأخرة عنهم.
ومَن طال عمره فتأخرتْ وفاته، فمات في عصر الطبقة التي بعده، فلا يؤخر، بل يذكر مع الطبقة التي
قبلها .
مثل: أحمد بن عبدالجبار العُطاردي، قال المصنف فيه: ((من العاشرة، مات سنة اثنتين وسبعين، وله
خمس وتسعون)».
فهذا ينبغي - حسب الظاهر - أن يقال عنه: من الحادية عشرة، لكنه أدرك طبقةً متقدمةً عالية السنّ، وبقي
إلى هذا التاريخ - ٢٧٢ لامتداد عمره - فَعُدَّ من العاشرة.
وليس من عادة المصنف أن يقول في مثل هذا: تأخرت وفاته، أو: متأخر الوفاة، لكنه من عادته أن ينبه إلى
العكس.
قال في ترجمة أحمد بن المنذر بن الجارود البصري: ((من الحادية عشرة، قديم الموت، مات سنة ثلاثين))
أي: بعد المائتين.
فمن كانت وفاته كذلك: كان من التاسعة، أو من كبار العاشرة، لكنه تأخرت ولادته فلقي طبقة متأخرة،
وتقدمت وفاته فما عُمِّر إلى سنوات وفاة أقرانه، فقال عنه: قديم الموت.
ومما يوضح أنه يعتبر الشيوخ الذين أدركهم الراوي: قوله عن سعيد بن المسيب: ((من كبار الثانية .. مات
بعد التسعين وقد ناهز الثمانين)).
وقال عن عروة بن الزبير: ((من الثالثة مات سنة أربع وتسعين على الصحيح، ومولده في أوائل خلافة
عثمان)) .
فسعيد من كبار الثانية، لأنه ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر، وكان عمره نحو سبع سنين لما سمع عمر
على المنبر يُنعى النعمانَ بن مقرِّن حين استشهد بوقعة نَهَاوَنْد سنة إحدى وعشرين.

٤٦
أما عروة: فأقلُّ ما قيل في ولادته: آخر خلافة عمر سنة ثلاث وعشرين، وقيل بعدها. وتراه هنا يقول:
(مولده أوائل خلافة عثمان)). وكتب المصنف عن عروة - أولاً -: ((من الثانية)) ثم رفع طرف النون إلى أعلى
فصارت: من الثالثة .
والشواهد كثيرة، فلا أُطيل بها.
إنما أنِّه إلى بعض الملاحظات:
١ - قال في المقدمة: ((السادسة: طبقة عاصروا الخامسة، لكن لم يثبتْ لهم لقاءُ أحدٍ من الصحابة،
کابن ◌ُریج».
ويشكل عليه: قوله في عُمارة بن غُراب: ((تابعي، مجهول، غلط من عده صحابياً، بل هو من السادسة)).
ولذلك استدرك عليه الفاضل محمد أمين بن حسن ميرغني الحسيني الحنفي فكتب على حاشية مخطوطته
من (التقريب)) ما نصُّه: ((كذا في النسخ، وفيه: أنه لا يلائم قوله ((تابعي، مجهول)) لأن المصنف قدَّم في خطبة
الكتاب أن الطبقة السادسة لم يثبت لهم لقاء أحد من الصحابة، فحينئذ لا يصح أن يكون تابعياً وهو من السادسة،
والظاهر أن المصنف أراد الإضراب عن كونه تابعياً، لكنه في ((تهذيب التهذيب)) و((الإِصابة)) - القسم الرابع من
حرف العين - اقتصر على كونه تابعياً، وكذا في ((النهاية)) - ((نهاية التقريب)) لابن فهد المكي - اقتصر على كونه
تابعياً، تبعاً لـ ((التهذيب)). )).
وقوله الآخر في الإِمام أبي حنيفة: ((من السادسة، مات سنة خمسين على الصحيح)). مع أنه قال أول
ترجمته من ((التهذيب)): ((رأى أنس بن مالك)).
وهذا هو حال الأعمش الذي جعله مثالاً للطبقة الخامسة ((الذين رأوا الواحد والاثنين)). ولا يُستخلص من
ترجمة الأعمش إلا أنه رأى أنس بن مالك.
٢ - وقال: ((التاسعة: الطبقة الصغرى من أتباع التابعين، كيزيد بن هارون والشافعي وأبي داود الطيالسي
وعبدالرزاق)).
أما يزيد: فولادته نحو سنة ١١٦، وعبدالرزاق: سنة ١٢٦، والطيالسي: سنة ١٣١، والشافعي: ١٥٠. هذا
على ما حرَّره المصنف في هذا الكتاب.
ويلاحظ أن الإمام الشافعي آخرهم ولادةً، ولذا علَّق قارىءٌ على الأصل المخطوط فقال: ((في إدخال
الشافعي في هذه الطبقة نَظَرٌ، إذْ عند مولدِ الشافعيِّ لم يبقَ أحدٌ من التابعين. فتدبر. ع)).
ولم أعرف من هو (ع)(١)؟ إنما أقول: الأولى في الاعتراض على المصنف أن يقال: لم يَلْقَ الشافعيُّ رضي
الله عنه أحداً من التابعين، لأن منهج المصنف في تحديد الطبقات يدور حول السماع والأخذ والتلقي، لا حول
الإدراك الزمني .
فقد زعم بعضهم أن الإِمام إسحاق بن راهويه المولود عام ١٦٦ لقي تابعياً، فالشافعي الذي ولد سنة ١٥٠
كان في زمن ذاك التابعي، بل قال الحافظ العراقي في حاشيته على ابن الصلاح ص ٢١٨ - النوع التاسع
(١) وانظر ص ٥٩ الآتية.

٤٧
والعشرون: العالي والنازل -: ((خلف بن خليفة آخر من رأى الصحابة))(١) وكانت وفاته سنة ١٨١ على الصحيح.
فهذا من حيثُ وجودُه في زمنٍ فيه تابعيٍّ، يجعل الشافعيِّ ونظراءه من أتباع التابعين، إلا أن المصنف يؤكد
على الرواية واللقاء، فإذا لم يثبت لقاؤه لتابعي لا يصح جعله من أتباعهم، ومع ذلك يؤكد المصنف كلامه السابق
في المقدمة بقوله في ترجمة الشافعي: ((رأس الطبقة التاسعة)) !.
٣ - لا يُستغرب من المصنف رحمه الله سهوه في تصنيف رجل في طبقةٍ ليس هو من أهلها، فوقوع ذلك
منه في عدد من الرواة يعدّون على أصابع اليد الواحدة، لا يعدُّ مأخذاً عليه، في جنب كتاب فيه نحو تسعة آلاف ترجمة ! .
ولم يلفتْ انتباهي إلا ترجمة واحدة.
قال: ((محمد بن عبيد بن أبي أمية الطنافسي .. من الحادية عشرة، مات سنة أربع ومائتين)).
وذكر في ترجمته في ((التهذيب)) أنه ولد سنة ١٢٤، وقال عن أخيه يعلى بن عبيد ((من كبار التاسعة)) وكانت
ولادته سنة ١١٧، وبينهما اشتراك في عدد من الشيوخ، فكيف يكون محمد من الحادية عشرة! فما هو إلا ذهول
عن قوله: من التاسعة .
ومثال آخر: فيه غرابة ولا أجزم فيه بسهو أو ذهول.
قال عن أحمد بن عبدالله بن علي بن أبي المَضَاء: ((من الثانية عشرة، مات سنة ثمان وأربعين)).
وقال عن أحمد بن عبدالله بن ميمون، ابن أبي الحواري: ((من العاشرة، مات سنة ست وأربعين)).
فالمتوفّى سنة ٢٤٦ جعله من العاشرة، والمتوفّى سنة ٢٤٨ جعله من الثانية عشرة، وبينهما ترجمة واحدة !!.
وليس في قوله ((من الثانية عشرة)) سهو منه ولا خطأ مني في قراءتها، بل قد بدأ المصنف كتابتها أولاً
(الحادية)) ثم ضَرَب عليها وكتب: الثانية، مما يدلُّ على تنبهه لها وتقصُّده لكتابتها كذلك، وليس في ((التهذيب))
ما يفيد في إزالة هذه الغرابة.
وثمة تنبيه أخير يتعلق بقول المصنف آخر النص الذي صدَّرت به الحديث عن هذا الجانب: ((وذكرت وفاة من
عرفتُ سنة وفاته منهم)) .
إذ ليس هذا مطّرداً، فقد يذكر تاريخ وفاة المترجم في ((التهذيب)) ويفوته ذكره في ((التقريب))، ويكتفي
بتحديد الطبقة.
فقد ترجم الحسين بن علي بن الأسود العجلي الكوفي وقال: ((من الحادية عشرة)) مع أن المصنف لخّص في
((التهذيب)) ترجمته من عند المزي، وافتتح استدراكه عليه بقوله: ((قلت: توفي سنة ٢٥٤)).
وقد يحصل له عكس هذا، فيذكر سنة الوفاة، ولا يذكر الطبقة، والأمر في هذه الحال سهل، بل لا شيء
فيها إلا إذا حَذَف المائة أو المائتين.
كقوله في ترجمة جرير بن عبدالحميد الضَّبي: ((مات سنة ثمان وثمانين)) ولم يحدِّد: بعد المائة
- وهو الواقع - أو بعد المائتين. والله سبحانه وتعالى أعلم.
(١) ونفى ذلك الإِمام أحمد وغيره.

٤٨
الجانب الخامس: دراسة رموزه
قال المصنف رحمه الله في مقدمة كتابه: ((وقد اكتفيتُ بالرقْم - أي الرمز - على أول اسم كل راو، إشارةً
إلى مَن أخرج حديثه من الأئمة.
فالبخاريُّ: في صحيحه خ، فإنْ كان حديثه عنده معلقاً: خت. وللبخاري في الأدب المفرد: بخ، وفي
خلق أفعال العباد: عخ، وفي جزء القراءة خلف الإِمام: ر(١)، وفي رفع اليدين: ي.
ولمسلم: م.
ولأبي داود: د، وفي المراسيل: مد، وفي فضائل الأنصار: صد، وفي الناسخ: خد، وفي القَدَر: قد، وفي
التفُّد: ف، وفي المسائل: ل، وفي مسند مالك: كد.
وللترمذي: ت، وفي الشمائل له: تم.
وللنسائي : س، وفي مسند علي له: عس، وفي مسند مالك: كن.
ولابن ماجه: ق، وفي التفسير له: فق.
فإنْ كان حديث الرجل في أحد الأصول الستة أكتفي برقمه ولو أُخرج له في غيرها، وإذا اجتمعتْ
فالرقم: ع، وأما علامة ٤ فهي لهم سوى الشيخين.
ومن ليست له عندهم رواية مرقوم عليه: تمييز، إشارةً إلى أنه ذكر ليتميز عن غيره، ومن ليست عليه علامة
نُبِّه عليه وتُرجم قبلُ أو بعد)).
فهذه واحد وعشرون كتاباً، وتزيد الرموز عليها أربعةً: خت لمعلقات البخاري، وللستة: ع، وللسنن
الأربعة: ٤، و((تمييز)) لمن ليست له رواية في الكتب المذكورة.
١ - وقد أضاف المصنف في ثنايا الكتاب ثلاثة رموز، وهي: مق، ص، سي. ((مق)) لمقدمة مسلم في
صحيحه، ((ص)) لخصائص سيدنا علي رضي الله عنه، ((سي)) لعمل اليوم والليلة وكلاهما للنسائي.
فيكون مجموع الرموز ثمانية وعشرين رمزاً، لثلاثة وعشرين كتاباً.
واستعمالُه لهذه الرموز الثلاثة قليلٌ جداً، وقد نبّهتُ إليه في التعليق، وهو يُدرج ((مق)) مع الرمز العام ((م))،
ويدرج الرمزين الآخَرَيْن مع الرمز العام: ((س)).
(١) تقدم صفحة ١٠ التنبيه إلى أن المصنف وضع عليها علامة الإهمال في ستة مواضع، وهي عند ترجمة: الجارود بن
أبي سَبْرة، وزياد بن أبي زياد الجصاص، وشعيب بن محمد بن عبدالله بن عمروبن العاص، وعثمان بن سعيد الكوفي الزيات،
والعوام بن حمزة المازني، ويونس بن أبي إسحاق السَّبيعي .

٤٩
وقد أفصح في مقدمة ((التهذيب)) ١ :٦ عن وجهة نظره في إدراج رمزيْ النسائي تحت الرمز العام له، فقال:
(أفرد - المزي - ((عمل اليوم والليلة)) للنسائي عن ((السنن)) وهو من جملة كتاب ((السنن)) في رواية ابن الأحمر
وابن سَيَّر، وكذلك أفرد ((خصائص علي)) وهو من جملة المناقب في رواية ابن سيار، وما تبيَّن لي وجه
إفرادهما)).
فلما كانا من جملة ((السنن الكبرى)) للنسائي أدرجهما في ((التقريب)) وتابع المزيَّ فأفردهما في ((التهذيب)).
وكذلك مقدمة مسلم هي من جملة الصحيح.
لكنِ السؤال: لمَ رمز بهما أحياناً في ((التقريب))؟ فإنه لم يتبينْ لي وجه ذلك، مع أن التمييز بين رجال
الصحيح لمسلم ورجال المقدمة مطلوب.
وقد ترتب على عدم التمييز بينهما أمران: شكلي، وعلمي .
أما الأمر الشكلي: فالإِمام الحميديُّ: عبدُالله بن الزبير بن عيسى، صاحب ((المسند)) المشهور، روى له
البخاري في صحيحه، وروى له مسلم في مقدمة صحيحه، ومع ذلك رمز له المصنف: خ م ...
فإذا رجعنا إلى كتاب ابن مَنْجُويه في ((رجال صحيح مسلم)) لم نجد له ذكراً؛ وتضمَّن كتابَ ابنِ منجويه ابنُ
طاهر المقدسي في كتابه ((الجمع بين رجال الصحيحين)) فجمعه فيه، فلو نظرنا ترجمة الحميدي في القسم الذي
يُذكر فيه من أخرجا لهم، لم نجد له ذكراً أيضاً، إنما نجده في أفراد البخاري، وحينئذ يتبادر إلى الذهن أن رمز
((م)) من المصنف في غير محله! أو أنه خطأ مطبعي! مع أنه صواب هكذا كتبه المصنف بيده.
ورمز المصنف للأصمعي المشهور: عبدالملك بن قُرَيب: ((م (ت))، ولو رجعنا إلى الكتابين المذكورين
لما رأينا له ذكراً أبداً، لأن مسلماً ذكره في المقدمة. في نظائر له عديدة.
وذلك لأن ابن منجويه - وابن طاهر - لا يذكر مَن ذكره مسلم في المقدمة.
وأما الأمر العلمي: فإن العلماء ميزوا هؤلاء عن هؤلاء من حيثُ الرتبة.
قال العلامة ابن القيم رحمه الله في كتابه ((الفروسية)) ص ٤٤ بعد كلام طويل: ((مقدمة كتاب مسلم
لم يَشترط فيها ما اشترطه في الكتاب من الصحة، فلها شأنٌ، ولسائر كتابه شأنٌ آخرُ، ولا يَشك أهلُ الحديث في
هذا)).
وقال الحافظ العراقي في ((النكت على ابن الصلاح)) ص ١٢٨ - المسألة التاسعة من النوع الثالث
والعشرين -: ((لم يَحتج مسلم بعبد الحميد الحِمَّاني، إنما أخرج له في المقدمة)).
وأنت ترى أن ابن منجويه لا يعتبر من يذكره مسلم في المقدمة من رجال مسلم أبداً، ويميزهم بالرمز المزيُّ
والذهبيُّ، فيضاف صنيعهم إلى كلام ابن القيم والعراقي.
هذا بالنسبة للرجال، وكذلك الأمر بالنسبة للمتون.
فالإِمام الحاكم لا يعتبر الحديثَ المرويَّ في مقدمة الصحيح مانعاً له من استدراكه على مسلم إذا استوفى
شروط الصحة، ولم يخرجه مسلم في صلب الكتاب الصحيح.

٥٠
فإنه أخرج في ((المستدرك)) ١١٢:١ حديث أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((كفى بالمرء إثماً
أن يحدِّث بكل ما سمع)) وعلَّق عليه بقوله: ((قد ذكر مسلم هذا الحديث في أوساط الحكايات التي ذكرها في
خُطبة الكتاب عن محمد بن رافع، ولم يخرجه محتجاً به في موضعه من الكتاب))(١).
ولذا فإن الدقة العلمية تقضي بتمييز من كان ذكره في مقدمة مسلم عمن كان مذكوراً في صُلب الصحيح.
٢ - وقد ذکر المصنف أنه یکتفي بالرمز أول اسم کل راو.
أما تعبيره بالاكتفاء: فلأن المزي درج على عادة أحكم وأسلم، وهي إثبات الرمز أولَ الاسم، ثم تكرارُ
الرموز في أثناء الترجمة بوضعها مع اسم الشيخ أو الراوي، للدلالة على الكتاب الذي يلتقيان فيه، ويروي فيه كل
منهما عن الآخر، ثم التصريحُ آخر الترجمة بالأسماء كاملة لأصحاب هذه الرموز.
وقد سبق المزيَّ إلى هذه الطريقة الإِمام المجدُ ابن الأثير رحمه الله في كتابه ((جامع الأصول)) المتوفّى قبل
بدء المزي بعمله بنحو قرن، فإنه يضع الرموز أول كل حديث، ثم يصرح بأسمائهم آخره.
وقد اقتصر المصنف على الرموز في ((التهذيب)) و((التقريب))، فلذا عبَّر بالاكتفاء.
أما إنه يضع أول اسم كل راو: فهذا صحيح، لكنه غالبي، ولا يعدل عنه إلا لفائدة، وذلك: إذا لم يثبت
عنده أن صاحب الرمز قد روى عن المترجم، فإنه يقول: لم يثبت أن أبا داود روى له - مثلاً - وحينئذ لا يضع رمز
(د)) فوق الاسم، بل يضعه قبله بجانبه.
مثال ذلك: ((أحمد بن عبدالجبار العُطَاردي ... لم يثبت أن أبا داود أخرج له)). ومن عادة المصنف أن يمدّ
اسم أحمد ويكتب الرموز فوق هذه المَدَّة، لكنه هنا مدَّ الميم من أحمد كعادته، وكتب ((د)) قبل ألف أحمد هكذا:
د أحمد.
وهكذا شأنه فيمن لم يَثبت إخراجُ أصحاب الرموز لهم، اللهم إلا في نزر يسير لا أدري إذا كان للمصنف
نظر وَوَقْفة في نفي إخراج أصحاب الرموز لهم، أو أنه غَفَل عن هذا الاصطلاح الدقيق الذي خلتْ عنه جميع
طبعات الكتاب، وكثير من مخطوطاته، حتى إن نسخة العلامة الميرغني التي تقدمت الإِشارة إليها قبل قليل
- على دقتها المتناهية - فيها هذه الطريقة في مواضع، وخلت عنها في مواضع أخرى.
وهذا (النزر اليسير) الذي لم يلتزم المصنف فيه اصطلاحَه هذا: هو أربع تراجم: أحمد بن سعيد بن يزيد
التُّسْتَري، رمزه ((م)). وأيوب بن عبدالله بن مِكْرَز العامري، رمزه ((د))، وعبد الله بن موسى بن شيبة الأنصاري،
رمزه ((ق)). ومطيع بن عبدالله بن مطيع البكري، رمزه ((د)). فكتب الرموز فوق الأسماء.
وبعضّ يسيرٌ حَذَف منها الرمز بتاتاً: لم يكتبه بجانب الاسم قبله، ولا فوقه وسطه، مثل: الحسن بن
علي بن عفان العامري، رمز له ((ق)) وقال آخر الترجمة: ((وقيل إن أبا داود روى عنه)) وترى - في الأصل
المخطوط - عن يمين الرمز ((ق)) نقطة سوداء كبيرة مستديرة، أقدِّر أنه كتب ((د)) ثم طمسه كعادته في طمس الرموز
التي يعدل عنها، أو أن قلمه سبق فكتبه، ثم طمسه.
ومثال آخر: عيسى بن يونس بن أبان الفاخوري، رمز له ((س ق)) وقال: ((لم يصح أن أبا داود روی له)).
(١) ثم رأيت له مثل هذا التنبيه ١٠٣:١ عند حديث أبي هريرة: ((سيكون في آخر الزمان ناس ... )).

٥١
فلَمَ عَدَلَ في الأربعة الأولى عن اصطلاحه، وفي الترجمتين الْأُخريَيْن حذف الرمز مطلقاً؟. ولا أدعي
الاستقصاء لأمثلة هاتين الحالين.
٣ - ويلاحظ أنه يُدخل أحياناً نادرة رموزاً ضمن الترجمة.
مثاله: ((خالد بن عَرْفَجة (د) صوابه: ابن عُرْفُطَةِ (س) ... )).
ومعنى ذلك: أن أبا داود والنسائيَّ رويا له، فَسُمي في رواية أبي داود: ابن عَرْفَجة، وسُمي في رواية
النسائي: ابن عُرْفُطَة .
وبما أن الاسم الأول - وهو خالد ــ لم يختلف، فإنه لم يكرر الترجمة، ولو أنه اختلف لكررها.
مثال ذلك: ((عبدالمطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبدالمطلب ... ويقال: اسمه المطلب. م دس)).
وقال في حرف الميم: ((المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبدالمطلب .. قيل: إنه عبدالمطلب
المتقدم. ٤)).
ومعنى اختلاف الرموز في الترجمتين: أنه ذُكر في مسلم وأبي داود والنسائي باسم عبدالمطلب، وجاء تارة
أخرى في أبي داود والنسائي باسم المطلب، وجاء عند الترمذي وابن ماجه باسم المطلب فقط.
٤ - وإذا قارنا بين رموز التراجم في ((التقريب)) و((التهذيب)): رأينا اختلافاً كثيراً، ولكني لا أستسيغ
المقارنة بينهما لأقدم على ضوئها نماذج وحقائق، لأنني لا أستطيع الجزم بصحة ما في ((التهذيب)) لما فيه من
أخطاء مطبعية كثيرة، يتعذّر معها الجزم بأن هذا الرمز من كتابة المصنف(١).
لكني أستطيع المقارنة بين رموز ((التقريب)) - لأن خطَّ المصنف أمامي ــ ورموز الحافظ المزي في ((تهذيب
الكمال)) لأنه يصرح آخر الترجمة بأسماء أصحاب هذه الرموز، فلا يدع مجالاً للشك.
وقد قارنت فعلاً عدداً ليس بالقليل، ولا ريب أن الاتفاق حاصل في الأكثر، كما أن الاختلاف واقع في عدد
منها، ولو أُحصيتْ هذه المخالفات في الكتاب كله لجاء عدداً غير قليل.
ومن الممكن تصنيف هذه المغايرات إلى صنفين:
أولهما: مغايرات لم يتضح لي وجه الاختلاف فيها مع المزي.
ثانيهما: مغايراتٌ واضحٌ للباحث أن المصنف تقصَّد المغايرة لما كتبه المزي .
مثال الصنف الأول: ترجم المزي لعبدالله بن راشد الزَّوْفي، ورمز له ((دت ق)) وقال: ((روی له أبو داود
والترمذي وابن ماجه حديثاً، وقد كتبناه في ترجمة خارجة بن حذافة)). وذكره في ترجمة خارجة ولفظه: ((إن الله
يأمركم بصلاة هي خير لكم من حُمُر النَّعَم)» وذكر حديث الوتر.
أما المصنف فقد رمز له في ((التهذيب)) - المطبوع - و((التقريب)): ((ت ق))، مع أن الحديث في أبي داود
أيضاً ١٢٨:٢ رقم ١٤١٨ باب استحباب الوتر، من طريق عبدالله بن راشد، عن عبدالله بن أبي مرة، عن
خارجة، مرفوعاً.
(١) وما تجده في التعليق نقلاً عنه في حالتي الموافقة أو المخالفة: فللاستئناس.

٥٢
فلمّ أعرض عن رمز أبي داود في الكتابين؟ .
ومثال آخر: لكني أجزم أن سبب اختلاف الرموز هو سَبْق القلم.
رمز المزي لشعيب بن الإمام الليث بن سعد: ((م دس)) وصرح بأسمائهم كعادته، وجاءت الرموز في
((التهذيب)» كذلك.
أما في ((التقريب)) فاقتصر على: دس فقط.
وسبب جزمي أنه سبق قلم: أن الإِمام مسلماً يكثر الرواية عن شعيب هذا، مما لا يخفي على الطلبة
المكررين للنظر في صحيح مسلم، فكيف على الحافظ ابن حجر! وأكثر ما يروي مسلم عنه بسلسلة معروفة،
يقول: حدثنا عبدالملك بن شعيب بن الليث، عن أبيه، عن جده.
وأما الصنف الثاني: وهو تقصُّده مخالفة المزي في الرموز: فأذكَّر قبل الدخول في البحث: أنه تقدم
ص ١١ أن أصناف المترجمين في ((التهذيب)) و((تقريبه)) ثلاثة: صنف لهم رواية في الكتب المشروط ترجمةُ
رجالها، وهم الأصل. وصنف لهم ذكر في الكتب دون رواية، وهؤلاء - على قلَّتهم - اضطرب صنيع الحافظ
فيهم في ((التقريب)) وكلامه في ((الفتح)) ١٣: ١٤٣ يدل على أنه ينبغي ذكرهم وترجمتهم، وصنف أشير إليهم إشارة
خفية، فهؤلاء لهم ظاهرة وأثر في ((التهذيب)) دون ((التقريب)).
وأمامي ثلاثة من الرواة، وهم: الحسن بن عُمارة، وعبدالرحمن بن عبدالله بن عتبة المسعودي،
وعبدالكريم بن أبي المُخَارِق البصري، رمز لهم المزي من جملة ما رمز: خت، بناء على ذكرهم في صحيح
البخاري على صورة التعليق، وتعقبه المصنف في ((الفتح)) و((مقدمته)) و((التهذيب)) بأن هذا الورود ليس تعليقاً
ولا رواية، وإنما ذكر البخاري روايتهم عَرَضاً واتفاقاً، لا قصداً. أما في ((التقريب)) فاضطرب.
- قال البخاري في آخر كتاب المناقب النبوية ٦٣٢:٦ رقم ٣٦٤٢: ((حدثنا علي بن عبدالله، أخبرنا
سفيان، حدثنا شَبيب بن غَرْقَدة قال سمعت الحيَّ يتحدثون عن عروة أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه ديناراً
يَشتري له به شاةً، فاشترى له به شاتين ... قال سفيان: كان الحسن بن عُمارة جاءنا بهذا الحديث عنه قال:
سمعه شبيب من عروة، فأتيته، فقال شبيب: إني لم أسمعه من عروة، قال: سمعت الحيَّ يخبرونه عنه)).
ولما ذكر الحافظ في ((مقدمة الفتح)) ص ٣٩٧ الحسن بن عمارة رمز له خ ت ق وقال: ((ليس له في
الصحيحين رواية إلا أن المزي علّم على ترجمته علامة تعليق البخاري، ولم يعلق له البخاري شيئاً أصلاً إلا أنه
قال في كتاب المناقب ... )) وذكر ما تقدم وقال: ((فهذا كما ترى لم يقصد البخاري الرواية عن الحسن بن عمارة
ولا الاستشهاد به(١)، بل أراد بسياق ذلك أن يبين أنه لم يحفظ الإسناد الذي حدثه به عروة ... )).
- وقال البخاري أيضاً في كتاب الاستسقاء باب الاستسقاء في المصلَى ٥١٥:٢ رقم ١٠٢٧ ((حدثنا
عبدالله بن محمد، قال حدثنا سفيان، عن عبدالله بن أبي بكر، سمع عباد بن تميم، عن عمه قال: خرج النبي
(١) يريد من الاستشهاد: التعليق، والمزي يستعمله كثيراً بهذا المعنى في ((تهذيب الكمال)). وانظر ((الفتح)) للمصنف ٥:٣
أواخر الصفحة .

٥٣
صلى الله عليه وسلم إلى المصلَّى يستسقي، واستقبل القبلة فصلَّى ركعتين وقَلَب رداءه. قال سفيان: فأخبرني
المسعوديُّ، عن أبي بكر - بن حزم - قال: جَعَل اليمين على الشمال)).
وعلّق المصنف في (الفتح)) بقوله: ((وهم من زعم أنه معلَّق ــ كالمزي - حيث علَّم على المسعودي في
((التهذيب)) علامة التعليق .. )).
- وقال البخاري في صحيحه أول كتاب التهجد ٣:٣ رقم ١١٢٠: ((حدثنا علي بن عبدالله، قال حدثنا
سفيان، قال حدثنا سليمان بن أبي مسلم، عن طاوس، سمع ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى
الله عليه وسلم إذا قام من الليل يتهجَّد قال: اللهم لك الحمد أنت قيِّمُ السموات والأرض ومَن فيهن ... لا إله
إلا أنت، أو: لا إله غيرك. قال سفيان: وزاد عبدالكريم أبو أمية: ولا حول ولا قوة إلا بالله)).
قال المصنف في ((الفتح)) ٥:٣: ((وهم من زعم أنه معلّق)) يريد المزيَّ، ثم قال: ((وليس لعبدالكريم
أبي أمية - وهو ابن أبي المخارق ــ في صحيح البخاري إلا هذا الموضع، ولم يقصد البخاري التخريج له،
فلأجل ذلك(١) لا يعدُّونه في رجاله، وإنما وقعتْ عنه زيادة في الخبر غير مقصودة لذاتها، كما تقدم للمسعودي
في الاستسقاء، وسيأتي نحوه للحسن بن عُمارة في البيوع(٢)، وعلَّم المزي على هؤلاء علامة التعليق، وليس
بجيد)). ونحوه في ((مقدمة الفتح)) ص ٤٢١.
ونحو هذا أيضاً في ((التهذيب)) في التراجم الثلاثة.
ولننظرْ بعد ذلك إلى رموز هؤلاء الثلاثة في الكتابين.
أما في ((التهذيب)) فإنه يكتب الرموز عادة كرموز المزي، ثم يُفصح عن رأيه ضمن الترجمة، ورموزهم فيه
كما يلي: الحسن بن عمارة: خت ت ق. عبدالرحمن المسعودي: خت ٤. عبدالكريم بن أبي المخارق: خت م
ل ت س ق.
أما في ((التقريب)): فرموزهم: الحسن: ت ق. المسعودي: خت ٤. عبدالکریم: خ م ل ت س ق.
وقبل تقديم السؤال أنّه إلى أنه تقدم أن الثلاثة ذُكروا في صحيح البخاري على هيئة واحدة: هيئةِ التعليق:
قال سفيان، قال سفيان، قال سفيان. ولذلك رمز المزي للثلاثة رمز التعليق: خت، ونبَّه المصنف في ((الفتح)) في
المواضع الثلاثة: أنه موصول بالإِسناد الأول، أي: ليس هو معلقاً، وصرح بأن البخاري لم يقصد التخريج عنهم،
فلا يصح أن يرمز لهم حينئذ: خت أو: خ.
فالسؤال إذاً: لم خالف المصنف في اثنين ووافق في واحد؟ !.
خالف في الحسن بن عمارة فحذف الرمز بتاتاً، وخالف في عبدالكريم فجعله: خ، ووافق في المسعودي
فتركه كما هو: خت، مع أن كلامه في ((الفتح)) و((التهذيب)) و(مقدمة الفتح)) صريح في مخالفة المزي في
المواضع الثلاثة .
(١) الأولى أن يقال: فمن أجل ذلك. انظر ((المجموع)) للنووي ٥٢٢:٢، ١١:٣، ٢٦:٤.
(٢) هكذا سَبَق ذهنه، وصوابه: في المناقب، ٦٣٢:٦، وقد تقدم قبل قليل، ونحو هذا الوَهَم حصل له في ترجمة عبدالكريم
هذا في ((التهذيب)) ٣٧٧:٦ فإنه قال: (( .. حديث صخر الغامدي في البيوع)). وصوابه: ((حديث عروة البارقي في المناقب)) يريد
الحديث المتقدم أولاً وفيه ذكر الحسن بن عمارة، وسبب الوهم شَبَه حادثة عروة بحادثة صخر.

٥٤
وأمعن في الاختلاف وتَغَايُرِ المنهج حينما قال في ترجمة عبدالكريم هنا: ((له في البخاري زيادة في أول قيام
الليل. وله ذكر في مقدمة مسلم)).
وهو لم يعتبرها زيادة مستقلة في كتبه تلك.
أما ذكر عبدالكريم في مقدمة مسلم: فنعم، وهذا لفظ مسلم هناك ١: ٢١: ((حدثني محمد بن رافع
وحجاج بن الشاعر قالا: حدثنا عبدالرزاق قال: قال معمر: ما رأيتُ أيوب اغتاب أحداً قط إلا عبد الكريم - يعني
أبا أمية - فإنه ذكره فقال: رحمه الله كان غير ثقة، لقد سألني عن حديث لعكرمة، ثم قال: سمعت عكرمة)).
فهو ذكر بالجرح !.
وهاهنا سؤالان :
- إن كان يَرمز للرجل بمجرد ذكره في الكتاب فحقه أن يرمز للمسعودي والحسن بن عمارة: خ
لكليهما، لأنهما ذُكِرا في البخاري، ومهما يكن من أمر فإنهما ذُكِرا في البخاري على وجهٍ خير من ذكر عبدالكريم
في مقدمة مسلم.
- وإنْ كان يرمز للرجل بمجرد ذكره في كتاب: فحقُّه أن يرمز للحسن بن عمارة، م، لأنه ذكر في مقدمة
مسلم مثلما ذكر فيها عبدالكريم بعد صفحة، وهذا لفظ مسلم هناك:
((حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا أبو داود قال: قال لي شعبة: إيتِ جرير بن حازم فقل له: لا يحلُّ لك أن
تروي عن الحسن بن عُمارة فإنه يكذب. قال أبو داود: قلت لشعبة: وكيف ذاك؟ فقال: حَدَّثنا عن الحَكَم بأشياء
لم أجد لها أصلاً ... )).
وقد قال المصنف في (التهذيب)) في ترجمة الحسن بن عُمارة: ((يلزم الشيخَ - المزيَّ - على هذا أن
يعلم له علامة مقدمة مسلم، فقد ذكره مسلم في المقدمة بنحو هذا)).
وهو إلزام وجيه، فإن المزي قال في ترجمة عبدالكريم - كما قال المصنف هنا -: ((له ذكر في مقدمة
مسلم)). وإذا كان المصنف قد تنبه لضرورة هذا الإِلزام فلمَ لمْ يلتزم به؟. وإن كان هذا إلزاماً نتيجة ارتكاب خطأ فلمْ
يمشٍ عليه في ترجمة الحسن، فلمَ مشى عليه في ترجمة عبدالكريم؟.
وقد تقدم ص ١٢ نقل كلام المصنف في ((الفتح)) ١٤٣:١٣ وفيه مؤاخذته للمزي لمَ لم يترجم
سَوَّار بن عبدالله العَنْبري وهو مذكور في معلَّقات البخاري، ولم يرمز لمحمد بن عبدالرحمن بن أبي ليلى وهو
مذكور فيها أيضاً.
هذا ما تبين لي حول هذه الأمثلة الثلاثة. والله أعلم.
ومثال آخر على تقصُّد المصنف لمخالفة المزي في الرموز:
عبد الرحمن بن أبي عقبة الفارسي، ترجمه المزي ورمز له دت، ثم صرح وقال: ((روى له أبو داود
والترمذي حديثاً واحداً يأتي في ترجمة أبيه إن شاء الله)).
ولما ترجم أباه أبا عقبة رمز له دق، وقال: ((روى له أبو داود وابن ماجه)) وساق الحديث بإسناده عالياً، وهو