النص المفهرس
صفحات 1-20
تَقْرَبُ النَّهَذِبُ للإمَام الْحَافِظ شهَابِالدّين أحمد بن عَلىِ بْن حَجْر العَسْقلاني الشَّافِعِيْ المَوَلود سَنَّة ٧٧٣ - المتَوَفِى سَنَة ٨٥٢ رَحَمَه الله تعَالى قدّمَ لَهُ درَاسَة وَافِيَة وَقَابَله بأصل مؤلّفه مُقابلة دقيقة مُحمَّد عَوَّامِيَة دَارُ الريد سُوريَا - حَلَبَ حقوق الطبع محفوظة طبعَة ثالثَة مُنقَّحَة ١٤١١ هـ - ١٩٩١مـ للطبَاعَة وَالنشرَ وَالتَوزيع دار القلم قامت بطباعته وَاخراجه دمشق - حلبوني -ص. ب: ٤٥٢٣ - هاتف: ٢٢٩١٧٧ بيروت - ص. ب: ١١٣/٦٥٠١ وَيُطلبُ مِنْهَا الأَالَاء أُخدِي ثوراتٌ فِ يَتِ هَذَا الكِتَابِ المُتَارك الى رُوج وَالتَّبِي رَحمَهُ اللّه تعَالى الذي جَاءَ في نبَأُ فاجِعَّتِي بِي وَأَنَا بَعْتُ عد عنى في دَارِ الغُرَيَّة. أسْا فُ اللّه تعَالى أنْيُ كِرَمُ بمَا هُوَ أَمِلُ، وَأُحَقِّقُ في مَاكَانَ بَرَجُفي، وَأَنْ يَجْرِيَهُ عَنِي وَعَنْ اِخْوَِّي خَبِ مَ جْزِي أبًا عْن ◌َسيه ، أنَّهُ أَلُ الْأَكْبِينَ. محمّ محمّد عَوَامَة المدينة المنورة ١٥ من ذي الحجة ١٤٠٥ مُقَدّمَةُ الطَّبعَةِ الشَالِيَة يْهِالْهِالرَّحْمِ الرَّحْمِ الحمد لله ربِّ العالمين، صاحبِ كلِّ فضل، ووليٍّ كلِّ نعمة، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا ومولانا محمد، وعلى آله وصحبه ومن تبع هديه إلى يوم الدين. وبعد: فهذه هي الطبعة الثالثة لهذا الكتاب المبارك، أسأل الله تعالى أن يُجْزل به النفع، وأن يزيد من السداد والصواب في إخراجه وخدمته. وقد صدرت الطبعة الثانية في العام الماضي دون مقدمة، ومعها ما أمكن تنفيذُ تصحيحه في موضعه من الكتاب، .من غير تنبيه إليه أو تمييز، وما لم يمكنْ ألحقتُه في صفحة الاستدراك آخر الكتاب. وكان من فضل الله وعظيم توفيقه أن يسَّر لي السَّيْر في خدمة صِنْو هذا الكتاب: ((الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة)) على أصل مصنّفه الإِمام الحافظ شمس الدين الذهبي، مُكَلَّلاً بحاشيته للإِمام الحافظ سبط ابن العجمي الحلبي، رحمهما الله تعالى، وقد قاربتُ الفراغ من خدمتهما - والحمد لله - على هذا النحو من الإِخراج والخدمة، مع مزيدٍ من التعليق والدراسة الموجّزة لكثيرٍ من تراجم الكتاب وما فيها من جرح وتعديل. وكنت أقف خلال عملي هذا، على أشياءَ جديدةٍ في ((التقريب)) تتعلَّق بثلاثة أمور: أولها: أخطاء مطبعيةٌ بقيتْ في الكتاب، وغالبها يسيرٌ غير ذي بال، وقد أحصيتُ كلَّ ما وقفت عليه، وألحقتُه بهذه الطبعة، وأَغضيت الطَّرْف عما لا يُؤْبه به، كنقطة أو فاصلة في غير محلّهما، أو خُلِّ حرف من همزته. ثانيها: مواطنٌ كثيرةٌ تبيَّن لي أن المصنفَ الحافظ رحمه الله قد سَبَق قلمه، فكتب غير الصواب، ولا سيما في رموز المخرجين لأحاديث صاحب الترجمة، مما كان مَثَارَ تحرُّكِ ألسنةٍ وأقلامٍ حمّتني مسؤولية ذلك، مع براءة ذمتي منها. وقد جمعتُ ما وقفتُ عليه من هذا القبيل، فذكرت بعضاً منه في آخر الطبعة الثانية، إشعاراً بهذا الواقع، وأضفتُ إليه باقيَه وما تجدَّد كشفه، فألحقته بهذه الطبعة . ثالثها: أحكامٌ على رواة كثيرين، حكم عليهم الحافظ، وخالفه الإِمام الذهبي فحكم بحكم آخر غيرِه، مما كان مدعاةً للرجوع إلى مصادرهما الأصلية، والوقوف على ألفاظها ودراستها، وكان من نتيجة ذلك كشفُ أمورٍ كثيرة حَصَل فيها التوارد على وَهْم أو تحريف، أو غير ذلك، مما سأبِّنه بعون الله وتيسيره في مقدمة ((الكاشف)). وهذا الأمر الثالث نَبَّهتُ على يسير منه في صفحة الاستدراك آخر الطبعة الثانية وهذه الطبعة الثالثة. وإنما قلت: كنتُ أقفُ خلال عملي على أشياء جديدة، لأنني كنتُ متنبِّها أثناء خدمتي للكتاب إلى هذه الأمور، ويجد القارىء في الدراسة التي كتبتها له، وفي التعليقات اليسيرة التي علَّقتها عليه، تنبيهاتٍ طفيفة هي كالنماذج عن ذلك، وكنتُ أمسك القلم عن الجري في هذه الحَلْبة الواسعة خشية الإطالةِ والخروجِ عما هدفت إليه وكررتُ ذِكْرَه في المقدمة، ألا وهو الحرص الشديد على تقديم الكتاب إلى قرائه كما كتبه المصنف رحمه الله. لكني ما كنت أتصوَّرها بهذه الكثرة ! . وإن ما جمعتُه هنا من أخطاءٍ مطبعية، أو تصويباتٍ لما ندَّ به قلم المصنف رحمه الله، يجعلُ الكتاب - بحمد الله - يخطو خُطُواتٍ ذاتَ بال إلى الصواب والسداد، ولا أدَّعي له الخُلُوَّ من كل شائبة. أما بيانُ ما في بعض أحكامه: فإن ما ذكرتُهُ يُعَدُّ نماذج أخرى جديدةً، ومجالُ القول - بقدر ما يُسعفُ به المقام - هو التعليقات على ((الكاشف))، والسكوت عنه هنا وعدم استدراكه، لا يعني التسليم به. فهذه الطبعة الثالثة تمتاز بهذه التصويبات الكثيرة، والاستدراكات اليسيرة، جمعتها في هذه الصفحات ليستفيد منها من كان عنده الطبعة الأولى - ومعها ورقتها الملحقة بها - فيصوّرها ويُلحِقها بنسخته، ويستغني بها عما في الطبعة الثانية من تصحيحات داخلية، أو ملحقة. والنجمةُ التي بجانب رقم الصفحة علامةٌ على أنه قد صحح ضمن الكتاب. وهذه الصفحات ما تزال مفتوحةً لا تُغلَق، ترحِّب بكل تصويب بنَّاء، يَهدِف إلى تصحيح وتسديد، يبعث عليه إرادة الخير والنصح، ليس وراءه ردُّ مُنْتَمٍ إلى مدرسة، على مُنْتَمٍ إلى مدرسة غيرها. والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. ١٤٠٩/٧/٢٧ المدينة المنورة وكتَبَه مُحمَّد عَوَّامِمَة - .-. ١ ـمالله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على سيد السادات، وصفوة المخلوقات، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين بإحسان إلى يوم الدين. وبعد : فقد قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿إنا نحن نزَّلْنا الذِّكْر وإنا له لحافظون﴾. وإن من حفظ الله تعالى لكتابه: حفظَ سنةٍ نبيِّه عليه أفضل الصلاة والسلام، المبيِّنَةِ للكتاب، والمفسِّرة له، إذْ لا يَتمُّ فهمُنا له وَعَمَلنا به إلا بالرجوع إلى هذا البيان: ﴿وأنزلنا إليك الذِّكْرَ لتبيّن للناس ما نُزِّل إليهم﴾. وإلى هذا المعنى الواضحِ يُشير ما نقله الحافظُ السخاويُّ رحمه الله تعالى، في ((فتح المغيث)) ٢٤١:١ أنه قيل للإِمام عبدالله بن المبارك رضي الله عنه: ((هذه الأحاديث المصنوعة؟! فقال: تعيشُ لها الجهابذة ﴿إنا نحن نَزَّلْنا الذِّكْر وإنا له لحافظون﴾. انتهى)). والجِهْبِذ: الناقد الخبير. فهو يقول للسائل المتعجّب المتضجّر من كثرة الموضوعات وذيوعِها: إن الله يقيِّض جهابذةً نَقَدَة، يكشفون عن زيفها ودخيلتها، لأن ذلك من تمام حفظ الله تعالى لكتابه العظيم، أما سمعتَ قول الله تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾. فتأصيل الأصيل، وتزييف الدخيل: من حفظ الله لسنة نبيه، وحفظُ سنةٍ نبيه: حفظٌ لكتابه . وهذا فهم واستنباط لهذا المعنى من هذه الآية الكريمة: دقيقٌ وقويٌّ. وهذا الحفظ - للكتاب والسنة -: يستلزم أموراً، منها: حفظُ الطرقِ التي وصل الكتاب والسنة إلينا بها. وحفظُ هذه الطرق يكون: بنقْلها وتدوينها، ويكون: بدراستها والنظر في رواتها، ولولا ذلك لما عُرف دخيل من أصيل. ولذلك قام أسلافنا بهذا الواجب الشرعي عليهم نحو الكتاب والسنة، وتدرَّجوا فيه حسب متطلّبات الحاجة. وكان أولَ من فتح لهم هذا الباب: هو سيدُنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقد جاءت عنه قواعد كلية، ومواقف جزئية. فمن القواعد الكلية : ١ - ما حكاه الإِمام مسلم في مقدمة صحيحه ٦:١ قال: ((وقد ذُكر عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: أَمَرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نُنَزِّل الناس منازلهم))". ٢ - وروى ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) ٢: ٢٨ و٣١ مرسلاً عن محمد بن كعب القُرَظي، وعن * - وانظر تخريجه في التعليقة الأولى على مقدمة المصنف، فإنه فَهم منه هذا المعنى فاستهلّ به كتابه. ٢ الحسن البصري، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا تُحدِّثوا إلا عمن تقبلوا شهادته))(١). ٣ - وجَمَع صلى الله عليه وسلم في حديث واحد بين الحضِّ على الرواية والتبليغ عنه، والتحذير من الكذب عليه، فقال - فيما رواه البخاريُّ في أحاديث الأنبياء ٤٩٦:٦ رقم ٣٤٦١ عن عبدالله بن عمرو، وغيرُه -: ((بلَّغوا عني ولو آيةً، وحدِّثوا عن بني إسرائيلَ ولا حَرَجَ، ومن كذب عليَّ فليتبوَّأْ مقعده من النار)). ومن المواقف الجزئية : ١ - ما رواه البخاري في كتاب الأدب، باب لم يكن النبيُّ صلى الله عليه وسلم فاحشاً ولا متفحشاً ١٠: ٤٥٢ رقم ٦٠٣٢، عن عائشة رضي الله عنها، أن رجلاً استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رآه قال: ((بئس أخو العشيرة، وبئس ابنُ العشيرةِ)) فلما جلس تَطَلَّق النبي صلى الله عليه وسلم في وجهه وانبسط إليه ... )). ورواه الإِمام أحمد ١٥٨:٦ عن عائشة أيضاً وفيه زيادة: ((ثم استأذن آخر، فقال صلى الله عليه وسلم: ((نِعْم ابنُ العشيرةِ، فلما دخل لم ينبسط إليه كما انبسط إلى الآخر، ولم يَهَشَّ له كما هَشَّ ... )). ٢ - وثناء النبي صلى الله عليه وسلم على فلان وفلان من أصحابه: تعديلٌ وأيُّ تعديل، كقوله: ((أرحم أمتي بأمتي أبو بكر ... )). وذمُّه عليه الصلاة والسلام فلاناً وفلاناً: تجريحٌ وأيُّ تجريح، كقوله: ((الأحمق المطاع))! وكتعليمه لحذيفة بن اليمان رضي الله عنه أسماء المنافقين(٢). وتبع الصحابةُ رضي الله عنهم النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فعدَّلوا وجرَّحوا حسبما تقتضيه حاجتهم، إذْ كان الأمر ضيقاً جداً، والعهد بخير وأمانة. وجملةُ ((إن هذا العلمَ دينٌ فانظروا عمن تأخذون دينكم)»: رُويتْ مرفوعةٌ - ولا يصح رفعها - وموقوفةً على عدد من الصحابة والتابعين. وقد أطال الإِمام مسلم رحمه الله في مقدمة صحيحه الكلام في مسائل تتعلق بما نحن فيه، ومنها ما حكاه ١٢:١ عن طاوس قال: ((جاء هذا إلى ابن عباس - يعني بُشَير بن كعب - فجعل يحدِّثه، فقال له ابن عباس: عُدْ الحديث كذا وكذا، فعاد له، ثم حدَّثه فقال له: عُدْ لحديث كذا وكذا، فعاد له، فقال له - بُشير -: ما أدري أعرفتَ حديثي كلَّه وأنكرت هذا، أم أنكرتَ حديثي كلَّه وعرفتَ هذا؟! فقال له ابن عباس: إنا كنا نحدِّث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذْ لم يكن يُكْذَبُ عليه، فلما ركب الناس الصعبَ والذَّلولَ: تركْنا الحديث عنه)). وبُشيرُ هذا من المخضرمين، روى عن أبي ذر وعمران بن حصين وغيرهما، وهكذا كان كلام ابن عباس له. وذكر ابن عدي في مقدمة ((الكامل)) ٦١:١ فما بعدها أخباراً عن عدد من الصحابة فيها التنبيه إلى خطأ من (١) وإسنادهما معاً محتمل للتحسين، وروي مرفوعاً مسنداً، ولا يصح، وقوله ((عمن تقبلوا)): هكذا بحذف النون، وهي لغة معروفة صحيحة كما قال النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم ٣٦:٢ عند شرح حديث: ((لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ... )). وانظر شواهد ذلك في ((شواهد التوضيح)) لابن مالك ص ١٧٠، و((كشف الخفاء)) رقم ١٩٩٧ عند تخريجه ((كما تكونوا يولَّ عليكم)) وغير ذلك من كتب العربية عند استشهادهم بقول الشاعر: أبيت أسري وتبيتي تدلكي وجهك بالعنبر والمسك الذكي وانظر تعليق العلامة أحمد شاكر رحمه الله على ((المسند)) عند الرقم ١٤٠١، ١٤١٢، وتعليقته على ((تهذيب سنن أبي داود)) ٢ :٢٥٣. (٢) ((سير أعلام النبلاء)) للذهبي ٣٦٤:٢، وانظر باب ما يباح من الغيبة ص ٥٨٠ من ((رياض الصالحين)). ٣ أخطأ في حديثه، فذكر منهم عمر وعلياً، وابن عباس، وعبد الله بن سَلَام، وعبادة بن الصامت، وأنساً، وعائشة (١). ثم اتسع المجال وكثر الكلام في عهد صغار الصحابة وكبار التابعين، عقب أنْ ذَرَّت الفتنة رأسها، وقامت الطوائف الخارجة والموالية، فوضعت كل فرقة أحاديث تؤيدها وتحطُّ على مخالفيها. فنشطت يوماً بعد يوم حركة الجرح والتعديل، والتمييز بين أهل الباطل والحق، وقيّض الله تعالى لهذه المهمة رجالَ صدق وغيرة وحمية، فقاموا بهذا الواجب خير قيام، كما شهد - ويشهد - لهم العدو والصديق، المطّلع على أخبارهم، وهم الذين عناهم الإِمام ابن المبارك بكلمته السابقة ((تعيش لها الجهابذة)). وهم الذين وصفهم أبو جعفر المنصور لما قيل له: هل بقي من لذات الدنيا شيء لم تنله؟ قال: ((بقيت خَصلة: أن أقعدَ في مِصْطَبَة وحولي أصحاب الحديث، فيقول المستملي: مَن ذكرتَ رحمك الله! قال: فغدا عليه الندماء وأبناء الوزراء بالمحابر والدفاتر، فقال: لستم بهم، إنما هم الدَّنِسَةُ ثيابُهم، المتشقِّقةُ أرجلُهم، الطويلةُ شعورهم، بُرُد الآفاق،. ونَقَلة الحديث)»(٢). فشافهوا ورَوَوْا، ورحلوا وظعنوا، وهجروا كل راحة ولذيذ، ونقدوا وكشفوا، وفتشوا ونقَّبوا، كلُّ ذلك بأنفسهم، ولم يُقنعهم سماعٌ بواسطة إذا أمكنتهم المباشرة. ولقد أحسن الإِمام أبو محمد عبدالرحمن بن الإِمام أبي حاتم الرازي رحمهما الله تعالى (٢٤٠ - ٣٢٧) إِذْ أَفرد الجزء الأول من كتابه ((الجرح والتعديل)) لترجمة هؤلاء الأئمة المكثرين من الجرح والتعديل، وبيان حالهم علماً وعملاً، وديانة وورعاً، وبيانٍ مكانتهم عند علماء عصرهم، وتلقي أقوالهم بالقبول، لِمَا خَبّروه من تحريهم الحقَّ والصواب. ومقصدُ ابنِ أبي حاتم من ((تقدمته)) هذه: أن يبصِّر الناظر في كتابه ((الجرح والتعديل)) بمكانة الجارحين والمعدِّلين، الذين ملأ كتابه من أقوالهم، فإذا رأى كلامَهم في فلان وفلان من الناس، اطمأن إليه بعد أن رأى جانباً كبيراً من سيرتهم. فإذا عرف أنهم إذا ذُكر العلم كانت لهم الصدارة فيه، وإذا ذكر العمل والتقوى والورع والنُّسك والدِّيانة ومراقبة الله عز وجل في أقوالهم وأفعالهم ... رأى في سيرتهم ما يشهد لهم أنهم ريحانة المتعبِّدين وياقوتة المتنسِّكين، فحينئذ يطمئن الناظر في أقوالهم إليها، ويأخذها عنهم بالقبول، ويذعنُ أنهم ما أرادوا بها إلا مرضاةَ الله عز وجل، والحفاظ على كتابه الكريم وسنة نبيه العظيم صلى الله عليه وسلم. وتبع ابن أبي حاتم ابنُ عدي (٢٧٧ - ٣٦٥) فذكر هذا الجانب في مقدمة كتابه ((الكامل)) على وجه مختصر شيئاً ما. ثم جاء الإِمام أبو عبدالله الحاكم (٣٢٠ - ٤٠٥) فعمل كتاباً خاصاً بهذه الطائفة التي شرفها الله تعالى فحفظ بهادينه، وسماه ((كتاب مزكي الأخبار)). وتطورت الكتابة في علم الجرح والتعديل، واتسعت مناحيها وتعددت، وكان مما أفرد بالكتابة: رجال الكتب الستة الأصول، منفردين ومجتمعين. وقد قام بهذا العمل الخطير في بُنْيته وأثره: الإِمام الحافظ أبو محمد عبدالغني بن عبدالواحد المقدسي (١) ذكر خبراً واحداً عن عائشة، لكن انظر ((الإِجابة)) للزركشي ففيه كثير. (٢) ((تاريخ الخلفاء)) للسيوطي ص ٢٦٦ - نقلًا عن ((تاريخ ابن عساكر - و((أدب الإِملاء والاستملاء)) للسمعاني، ص ١٩. ٤ المتوفّى سنة ٦٠٠ رحمه الله تعالى، فعمل كتاباً لرجال الكتب الستة، سماه ((الكمال في أسماء الرجال)) - ومخطوطته محفوظة - وكان فيه إعواز الأمور. فجاء من بعده الإِمام الحافظ الكبير أبو الحجاج يوسف بن عبدالرحمن المِزي (٦٥٤ - ٧٤٢) رحمه الله تعالى، ورأى أهمية ((الكمال)) وخطورته، فرأى أن يسدِّد خلله، ويسدَّ ثَغَراتِه، فعمل كتابه الذي يعتبر مفخرة من مفاخر محدثي القرن الثامن: ((تهذيب الكمال)). وكلمة ((تهذيب)): أصبحت تعني بمفهومنا اليوم: الاختصار، لكنها هنا أشمل من هذا المعنى، فقد يكون اختصاراً في موضع فيه تطويلٌ لا حاجة إليه ولا يقتضيه المقام، وقد يكون زيادة في موضع يحتاج إلى تفصيل وتدليل، وقد يكون تصحيحاً إذا اقتضى الحال ذلك، ... وهكذا. وكتاب ((تهذيب الكمال)) جاء على هذا المعنى. وقد توجهت عناية المحدثين بعده إلى خدمته والعمل عليه، واستمروا على ذلك خلال قرنين من الزمن (١)، وبعدهما توقّف التأليف في علم الرجال - والله أعلم -. وأولُ من عمل كتاباً كاملاً منه معتمداً عليه، هو تلميذُ مصنفه: الحافظُ الذهبيُّ في ((تذهيب تهذيب الكمال)» و«الكاشف)»، وآخرُهم: صفيُّ الدين الخزرجي من رجال القرن العاشر، الذي اختصر ((التذهيب)» المذكور في كتابه المشهور: ((خلاصة الخزرجي)) واسمه الكامل: ((خلاصة تذهيب تهذيب الكمال)). ومن أجلّ الخدمات التي خُدم بها ((تهذيب)) المزي، وكُمِّل بها صرح بنائه: كتاب العلامة علاء الدين مُغْلَّطاي (٦٨٩ - ٧٦٢) رحمه الله تعالى، الذي أسماه: ((إكمال تهذيب الكمال)) وحجمه كبير يقرب من حجم كتاب المزي ، ثم اختصره في مجلدين، ثم اختصرهما في مجلد واحد. وتأتي بعده: خدمة الحافظ ابن حجر (٧٧٣ - ٨٥٢) رحمه الله تعالى، الذي لخّص كتاب المزي وكتاب مُغْلطاي، وجمع بينهما - مع زيادات من عنده - في كتاب واحد سماه ((تهذيب التهذيب)) وقال في مقدمته: ((لولم يكن في هذا المختصر إلا الجمع بين هذين الكتابين في حجم لطيف لكان معنى مقصوداً)). وكان عمله هذا في غاية شبابه، إذ أنه أتم تلخيصه يوم الأربعاء التاسع من جمادى الآخرة سنة ثمان وثمانمائة، كما في خاتمة النسخة المطبوعة، وفي ((الجواهر والدرر)) ١٥٦ / ب: ((وكان انتهاء تبييضه سنة سبع وثمانمائة)»(٢). ثم اختصر ((التهذيب)) في ((تقريب التهذيب)) - وأتمه في الرابع والعشرين من جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين وثمانمائة ــ وهو هذا المختصر الذي أقوم بخدمته، وأقدِّم بين يديه هذه الدراسة بعون الله تعالى وتسديده. (١) انظر تفصيل الكتب التي ألفت على ((تهذيب الكمال)) في مقدمته للدكتور المحقق بشار عواد ص ٥١ - ٧١. (٢) لا كما نقل الشيخ عبدالوهاب عبداللطيف رحمه الله في مقدمته للطبعة المصرية السابقة، صفحة ((ز)) عن ((الجواهر والدرر)) للسخاوي أنه فرغ من تبييضه عام ٧٨٧، فإنه خطأ جزماً، ولا أدري كيف حصل، هل هو خطأ مطبعي، أو أخطأ الشيخ في قراءة المخطوطة؟ ... وبرهان الخطأ واضح، فنصُّ ((الجواهر والدرر)) كما تراه، وولادة الحافظ ابن حجر كانت عام ٧٧٣، أفيكون عمره لما فرغ من تبييضه ((التهذيب)) - الذي يستغرق تسويده وتبييضه سنوات - أربع عشرة سنة؟ !. والشيخ نفسه يقول بعد ست صفحات، في صفحة ن: ((ابتدأ - الحافظ - في التصنيف في حدود سنة ٧٩٦هـ كما في ((الجواهر والدرر» !! - وهو كذلك فيه ورقة ١٥١/ب - . الدرَاسَة أَستهلُّ هذه الدراسة بالاعتذار عن خلوِّها من ترجمة للحافظ ابن حجر، مصنف الكتاب، اكتفاء بشهرته عن ترجمة مختصرة تتناسب مع هذه المقدمة، وأما كتابة ترجمة مطوّلة فليس محلُّها هنا. وجوانب الدراسة ستة : ص ٧ - ٩. الجانب الأول: بيان السبب الباعث على تأليفه. ص ١٠ - ٢٢ . الجانب الثاني: بيان منهجه في الكتاب. الجانب الثالث: الحديث عن مراتب الجرح والتعديل فيه. ص ٢٣ - ٤١. ص ٤٢ - ٤٧. الجانب الرابع: بيان مراده من الطبقة. ص ٤٨ - ٥٧. الجانب الخامس: دراسة رموزه. ص ٥٨ - ٧١ . الجانب السادس: دراسة النسخة الأم. ٧ الجانب الأول: بيان السبب الباعث على تأليفه قال المصنف رحمه الله في مقدمة الكتاب: ((إنني لما فرغتُ من ((تهذيب تهذيب الكمال في أسماء الرجال)) الذي جمعت فيه مقصود ((التهذيب)) لحافظ عصره أبي الحجاج المزي، من تمييز أحوال الرواة المذكورين فيه، وضممت إليه مقصود ((إكماله)) للعلامة علاء الدين مُغْلطاي ... وزدت عليهما في كثير من التراجم ما يُتعجب من كثرته لديهما، ويُستغرب خفاؤه عليهما: وقع الكتاب المذكور من طَلَبة الفن موقعاً حسناً عند المميز البصير، إلا أنه طال إلى أن جاوز الثلث ((والثلث کثیر)). فالتمس مني بعض الإِخوان أن أجرِّد له الأسماء خاصة، فلم أُوثر ذلك لقلة جَدواه على طالبي هذا الفن. ثم رأيت أن أجيبه إلى مسألته ... )). فقد أبان المصنف عن السبب الباعث له على اختصار هذا الكتاب من أصله، وبيَّن أن هناك سببين: سبباً غيرَ مباشر، وسبباً مباشراً. - فالسبب غير المباشر: أن ((التهذيب)) جاء طويلاً، بحيث إنه جاوز ثلث أصلِه ((تهذيب الكمال)) للإِمام المزي، وهذا قدر كبير تقصر دونه همم الطالبين، كما يتعذر على غير المتقن استخلاصُ نتيجةٍ واعتمادُها في حق مَن اختلف في جرحه وتعديله. وهل جاوز ((التهذيب)) ثلث ((تهذيب الكمال))؟. قال المصنف أول ((التهذيب)) ٣:١: ((استخرت الله تعالى في اختصار ((التهذيب)) على طريقة أرجو الله تعالى أن تكون مستقيمة، وهو أنني أقتصر على ما يفيد الجرح والتعديلَ خاصة (١)، وأحذف منه ما أطال به الكتاب ... فحذفت هذا جملة، وهو نحو ثلث الكتاب)). فالمحذوف: هو الثلث، والباقي منه: الثلثان، يضاف إليهما ما زاده المصنف من عند الإِمام مغلطاي في (إكمال تهذيب الكمال))، وما زاده هو من عند نفسه على المزي ومغلطاي، فيكون قد عاد الكتاب إلى حجمه الأول أو كاد !. مع أنك تجد المصنفَ يقول هنا: إنه ((جاوز الثلث، والثلث كثير))، يقول هذا عن جميع ((تهذيب التهذيب)) بأقسامه الثلاثة: ما أخذه من المزي، وما أخذه من مُغْلطاي، وما زاده عليهما !. (١) على فوتٍ يسير جداً حصل له، من ذلك: نصان رواهما عن عباس الدوري عن ابن معين، أحدهما في ترجمة الحجاج بن أرطاة وإثبات سماعه من مكحول، وثانيهما في ترجمة ناتل بن قيس الجذامي، وقول ابن معين فيه: ((كان شريفاً). وهذه من ألفاظ التعديل، على ما يظهر من قول شعبة: ((حدثوا عن أهل الشرف، فإنهم لا يكذبون)) رواه الحاكم في ((المستدرك)) ٣٧٢:١، والخطيب في ((الجامع)) ١٢٧:١، وقال أبو عثمان البّرْذَعي: ((سألت أبا زرعة عن محمد بن عبدالرحمن بن أبي ليلى؟ فقال: رجل شريف. وحدثني محمد بن إدريس، عن آخر، عن سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، قال: قلت لابن أبي نجيح: ما تقول في عمروبن شعيب؟ فقال: شريف، فقلت: ما تقول في عمرو بن سعيد؟ - هو الأشدق - فقال: رجل شريف)). كما في كتاب ((أبو زرعة الرازي وجهوده في السنة النبوية)) ٧٢٧:٢ للدكتور سعدي الهاشمي، وفي ((الكامل)) ٧٦:١ عن الأعمش يمدح شيوخه: ((كان أصحابي أشرافاً لا يكذبون)» وفيه ٣٠٩:١ عن شعبة: ((اكتبوا عن أبي أمية إسماعيل بن يعلي فإنه رجل شريف لا يكذب». ٨ ويؤكد صحةً هذا القول شيئان: أولهما: قوله أول ((تعجيل المنفعة)) - وهو يتحدث عن ((التهذيب)) بنحو ماهنا -: ((وسميته ((تهذيب التهذيب)) وجاء نحو ثلث الأصل)). ثانيهما: أنني اعتبرتُ عدداً كثيراً من تراجم الكتابين، وحَرَصتُ أن تكون الترجمة ليس فيها زيادة من ابن حجر على المزي، فعددت متوسط كلمات كل سطر من الكتابين، وعددت أسطر كل ترجمة، فكانت النتيجة أن ما عند المصنف نحو الثلث، وأقل من الثلث، وإن زاد فنادراً. وبهذا يتبين صواب قوله في: ((التقريب)) و((التعجيل)). ثم بدا لي احتمال كبير أن يكون ما في مقدمة ((تهذيب التهذيب)) خطأ مطبعياً، صوابه: ((فحذفت هذا جملة، وهو نحو ثلثي الكتاب)) لا: نحو ثلث الكتاب. والله أعلم(١). - والسبب المباشر: هو التماس بعض تلامذته أن يجرد أسماء رجال ((التهذيب)) منه، لكن رآه اقتراحاً غيرَ مُجْدٍ، إذ لا يعدو أن يكون (فِهْرِساً) لأسماء المترجمين فيه !. إلا أن فطنة الحافظ ابن حجر رحمه الله وألمعيَّته لم تغيِّب الاقتراح مطلقاً، بل جعلته يستفيده وینقحه ويزيده فائدة، كما قال في تمام كلامه السابق: ((ثم رأيت أن أجيبه إلى مسألته، وأسعفه بطَلِبته، على وجه يحصل مقصوده بالإفادة، ويتضمن الحسنى التي أشار إليها وزيادة ... )). وهذا هو دأب المصنف رحمه الله في كتبه المسبوق بمثلها: أن يأتي فيها بزيادات نادرة على ما كتبه سابقوه، تجعله مبدعاً فيما يكتب. وقد كتب قبله كثيرون في معرفة الصحابة، ذكر هو في مقدمة ((الإِصابة)) عدداً منهم، ونقل ضمن الكتاب عن عدد آخر، لكنك لا تجد فيها مثل ((الإصابة)) من حيثُ التمييزُ الذي ابتكره فيه، فجعل المترجمين على أربعة أقسام، كما هو معلوم، وعبَّر عن ابتكاره وتقسيماته في تسمية الكتاب، إذ سماه ((الإصابة في تمييز الصحابة)). فالمقصود الأكبر منه تمييزهم، لا أخبارهم وتواريخهم . وإبداعه في هذا ((التقريب)) يبرز في: ١ - ابتكاره للطبقات التي أغنت - من حيث الجملة - عن ذكر شيوخ المترجم والراوين عنه(٢). ٢ - وتغلُّبه إجمالاً على الاختلافات الكثيرة في الرجل جرحاً وتعديلاً، فيسَّر على غير المتمكن الوصول إلى نتيجة فيه. (١) ثم رأيت السخاوي يقول عنه في ((الجوهر والدرر)) ق ١٥٦/ ب: ((وخرج كله مع ذلك في قدر ثلث حجم الأصل)). (٢) ثم بدا لي احتمالٌ قريبُ أن يكون الحافظ استفاد تصنيفَ هؤلاء الرواةِ على الطبقات من الحافظ الذهبي رحمه الله في كتابه ((المجرَّد من تهذيب الكمال)) فقد قال الدكتور بشار عواد في وصفه له في مقدمة ((تهذيب الكمال)) ص ٥٦: ((رتّب فيه رجال الكتب الستة على الطبقات، فجعلهم في عشر طبقات، ثم رتب رجال كلّ طبقة على حروف المعجم)). ٩ ٣ - وقدَّم لطلاب هذا الفن كتاباً في مجلد لطيف يشتمل على تراجم لنحو تسعة آلاف رجل، هم غالبية رجال الرواية في القرون الثلاثة الأولى !. ٤ - وأفرد فصلاً في آخره عنوانه: ((فصل في بيان المبهمات من النسوة، على ترتيب من روى عنهن رجالاً ثم نساء)) قال: ((ولم يُفرد المزي هذا الفصل في أصل ((التهذيب)) فتبعتُه في ((تهذيب التهذيب)) ثم أفردته هنا لتمام الفائدة». وهذا الفصل - على قِصَره، إذ فيه ثمانٍ وخمسون ترجمة - لا يدرك أهميته إلا من وقف حائراً مكتوف الأيدي أمام المبهمات، لا يدري كيف يحل إشكاله ! . ٥ - وفيه من الفوائد ما لا يوجد في أَصْلَيه: ((تهذيب التهذيب)) و ((تهذيب الكمال)). مثال ذلك: - قوله في ترجمة أسمر بن مُضَرِّس: ((ما روى عنه إلا ابنته عَقيلة)) ولقطه في ((التهذيب)) لا يفيد هذا الحصر. - وقوله عن: أسماء بنت سعيد بن زيد بن عمروبن نفيل ((يقال إن لها صحبة)) وهذا يفيد أنها ثقة إنْ لم تثبت لها الصحبة، كما سيأتي بيانه آخر الحديث عن الجانب الثالث ص ٤٠. - وتكلم على كثيرين جرحاً وتعديلاً، سكت عنهم في ((التهذيب)) لا سيما في قسم الآباء والأبناء. ٦ - وتحقيقه في كثير من رموز المترجَمين، بعد أن تابع المزيَّ عليها في ((التهذيب))، وأمثلة ذلك تأتي في الحديث عن الجانب الخامس، إن شاء الله تعالى. وهكذا نجد عمل الحافظ في هذا الكتاب لا يخلو عن إبداع وإجادة، وتيسير للإِفادة، رحمه الله تعالى. وقد عبّر عن هذه المزايا بإيجاز واختصار الحافظُ السخاويُّ رحمه الله في ((الجواهر والدرر)) ورقة ١٥٦/ ب فقال بعد أن تحدَّث عن ((التهذيب)): ((ومختصره ((التقريب)): وهو عجيب الوضع)). ١٠ الجانب الثاني: بيان منهجه في الكتاب يحسن تقسيم الحديث عن منهجه إلى قسمين : أولاً: الحديث عن منهجه في الكتاب عامة . ثانياً: الحديث عن منهجه في الترجمة خاصة. أولاً: أما منهجه في الكتاب عامة فبيانه كما يلي: ١ - جعل الحافظ كتابه شاملاً لرجال الكتب الستة، ولرجال كتب أخرى لمؤلفي الكتب الستة، ولرجالٍ آخرين يشتبهون بأسمائهم وطبقاتهم مع رجال القسمين السابقين - وليسوا منهم -، فيذكرهم ليميزهم عنهم، ویکتب عند ترجمتهم ((تمییز)). ولا ريب أن أصل هذا (الجعل الشامل) إنما هو لأبي الحجاج المزي، وتابعه الحافظُ ابن حجر في ((التهذيب)) و((التقريب)) - ومن قبله الذهبي في ((التذهيب)) - وإنما أنسب ما أنسبه في هذه الدراسة للحافظ ابن حجر، لأن الحديث عنه وعن كتابه. أما رجال الكتب: فهم محصورون ولهم ضابط. وأما المذكورون للتمييز فإنما ذكر المزي من اتفق له ذكره، وزاد عليه المصنف في ((التهذيب)) شيئاً، ثم زاد في ((التقريب)) آخرين. وهذه أسماء الأئمة وكتبهم كما ذكر المصنف في المقدمة : قال: ((فالبخاري في صحيحه: خ، فإن كان حديثه عنده معلقاً: خت. وللبخاري في الأدب المفرد: بخ. وفي خلق أفعال العباد: عخ. وفي جزء القراءة: ر(١). وفي رفع اليدين: ي. ولمسلم: م. ولأبي داود: د. وفي المراسيل له: مد. وفي فضائل الأنصار: صد. وفي الناسخ: خد. وفي القَدَر: قد. وفي التفرد: ف. وفي المسائل(٢): ل. وفي مسند مالك: كد. وللترمذي: ت. وفي الشمائل له: تم. وللنسائي: س. وفي مسند علي له: عس. وفي مسند مالك: كن. ولابن ماجه: ق. وفي التفسير له: فق)). (١) هي راء مهملة، كما ضبطها المصنف في كتابه هذا في ستة مواضع، كما سيأتي إن شاء الله ص ٤٨ في الحديث عن رموزه، وليست زاياً معجمة، كما شاع وذاع، تقليداً لطبعة ((تهذيب التهذيب)) حتى الدكتور بشار عواد لم يتنبه له إلا في ٤: ٢٩٩ من ((تهذيب الكمال)» ثم عاد إلى الغلط ١١٤:٥ . (٢) هي مسائله الحديثية التي سأل عنها شيخه الإِمام أحمد، والمطبوع مسائله الفقهية له. ١١ فهذه واحد وعشرون كتاباً، ولم يذكر المصنف ((عمل اليوم والليلة)) و((خصائص علي رضي الله عنه)) كلاهما للنسائي، مع أنه ذكرهما أثناء الكتاب، كما سيأتي إن شاء الله عند الحديث عن رموزه أيضاً. فيكون مجموع الكتب التي ذكَر رجالَها ثلاثةً وعشرينَ كتاباً: ستةٌ منها هي الأصول الستة، وسبعة عشر منها هي كتبٌ لمؤلفي الستة. ويكون كتابنا هذا قد امتاز على كتاب الحافظ الذهبي ((الكاشف)) بزيادتين: الأولى: رجال سبعة عشر كتاباً غير الكتب الستة. الثانية: الرجال المذكورون تمييزاً، لا أصالة. وقد بلغ عدد تراجم ((الكاشف)) من حرف الألف إلى الياء ٦٦٠٠ ترجمة، أما ((التقريب)) فقد بلغت تراجمه لهذه الحروف أيضاً ٧٩٢١ ترجمة. إلى مزايا أخرى ليست في ((الكاشف)). ومن خلال دراستي لمنهج المصنف يبدو ضرورة تصنيف المترجمين في ((تهذيب التهذيب)) و((تقريب التهذيب)) إلى ثلاثة أصناف: * * - رجال ذكروا في الكتب السابقةِ الذكرِ على سبيل الرواية. - ورجال ذكروا في بعضها ذكْراً، لا روايةً، ولهم رواية في بعضها الآخر، فهل يرمز لمن ذكروا فيها؟. - ورجال لم يُرْوَ لهم فيها، ولم يذكروا، إنما أشير لهم إشارة خفية، فهل يَرْمز لمن أشار إليهم؟. أما الصنف الأول: فلا ريب أنهم شرط المزي في كتابه - ومن بعده كذلك - وعليهم قام أصل الكتاب، والذين فاتوا المزيَّ فلم يترجم لهم، إنما فاته ذكرهم سهواً، لذلك استدركهم عليه من جاء بعده، ومنهم المصنف . وأما الصنف الثاني: فقد قال المصنف في ترجمة الصحابي هشام بن حكيم: ((له ذكر في الصحيحين في حديث عمر حيث سمعه يقرأ سورة الفرقان)) ورمز له: ((م دس)). ومعنى هذا: أنه لا يرمز لمن ذَكَرَ رجلاً ذِكْراً فقط، ولو لم تكن لهشام رواية في صحيح مسلم وسنن أبي داود والنسائي: لَمَا ذكر هشاماً أبداً. ومثله قوله في ترجمة عاصم بن عدي بن الجَدّ الأنصاري: ((وفي الصحيح - أي صحيح البخاري - حكاية ابن عباس عنه قصةَ الملاعنة)» ورمز له: ٤، فقط دون رمز البخاري. ولهذا نظائر، انظر ترجمة بسربن أبي بسر المازني، والحارث بن حصيرة الأزدي، وحجاج بن دينار الواسطي، وحَمَل بن مالك الهذلي، وشداد بن معقل، وشهاب بن خراش، وزياد وزيد ابني حُدَير، وعبدالرحمن بن أزهر، وغيرهم، انظر تراجمهم مع رموزهم. وقال البخاري في ((صحيحه)) ١٣: ١٤٠ كتاب الأحكام، باب الشهادة على الخط المختوم: ((وقال معاوية بن عبدالكريم الثقفي: شهدت عبدالملك بن يعلى قاضي البصرة، وإِياس بن معاوية، والحسن، وثُمامة بن عبد الله بن أنس، وبلال بن أبي بردة، وعبدالله بن بُريدة الْأُسْلَمي، وعامر بن عبدة، وعباد بن منصور، يجيزون كتب القضاة بغير محضرٍ من الشهود .. وأول من سأل على كتاب القاضي البيئةَ ابنُ أبي ليلى وسَوّار بن عبد الله)). ١٢ وعلَّق المصنف في ((الفتح)) ١٤٣:١٣ على ذكر ابن أبي ليلى فقال: ((هو محمد بن عبدالرحمن بن أبي ليلى، قاضي الكوفة وإمامها ... وأغفل المزي أن يعلم له في ((التهذيب)) علامة تعليق البخاري، كما أغفل أن يترجم لسَوَّار بن عبدالله المذكور بعده أصلاً، مع أنه أعلم لكل من ذكره معاوية بن عبدالكريم هنا ممن لم يخرج له شيئاً موصولاً)). وأشار المصنف في ((التهذيب)) في ترجمة ابن أبي ليلى وسوار إلى ذكرهما هنا في البخاري، ولم يضف رمز ((خت)) إلى الأول، وكتب للثاني ((تمييز)) مع أن الترجمة كلها مستدركة منه، وليست له ترجمة عند المزي. وكذلك فعل هنا في ((التقريب)): لم يرمز لأحدهما ((خت)). وهذا يدل على أن منهجه في كتابه عدم ترجمته للرجل إذا لم يكن له رواية أو إسناد في أحد الكتب السالفة الذكر. ولكنه قال في ترجمة عبدالكريم بن أبي المُخَارِق البصري: ((له ذكر في مقدمة مسلم)). ومقتضى ما تقدم صنيعه في ترجمة هشام بن حكيم وغيره أن لا يرمز لعبدالكريم رمز مسلم وهو ((م))، مع أنه رمز له ((م)). ولهذا نظائر أيضاً، انظر ترجمة أويس القرني، وعبدالرحمن بن أيمن، وعبدالسلام بن عبدالرحمن الوابصي، وناتل بن قيس الشامي، وقارن قوله فيهم مع رموزهم. ويزيد الأمر غرابةٌ أن بعضهم ذُكر على سبيل الجرح له! كعبدالكريم هذا، ورد ذكره في مقدمة صحيح مسلم ١: ٢١ على سبيل القدح له، ونصُّه: ((قال معمر: ما رأيت أيوبَ اغتاب أحداً قطُّ إلا عبدالكريم - يعني أبا أمية - فإنه ذكّره فقال: رحمه الله كان غيرَ ثقة، لقد سألني عن حديث لعكرمة، ثم قال: سمعت عكرمة)). فذِكْر عبدالكريم في مقدمة مسلم: على سبيل الجرح له، ومع ذلك رمز المصنف له ((م))! ورمز المزي لعبدالكريم نفسه خت، فتعقبه المصنف في ((الفتح)) ٥:٣ ((ومقدمته)) ص ٤٢١ ولم يرتضٍ منه ذلك. ثم إنه هنا في ((التقريب)) يرمز له خ، بناء على أن له ذكراً في الصحيح !. وترجم لكعب الأحبار: كعب بن ماتع الحميري، وقال: ((ليس له في البخاري رواية إلا حكاية لمعاوية فيه» ومع ذلك أصرّ على رمز: خ، من جملة رموزه. وحكاية معاوية رضي الله عنه هي في البخاري كتاب الاعتصام، باب لا تسألوا أهلَ الكتاب عن شيء ٣٣٣:١٣ ونصه: ((إنه كان من أصدق هؤلاء المحدِّثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب، وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذبَ)). أي: الخطأَ في إخباراته لا تعمد الكذب - انظر ((الفتح)) ١٣ : ٣٣٥ -. وإنما قلت ((أصرَّ على رمز: خ)): لأن المزي رمز له خ وَذَكَرَ كلامَ معاويةَ فيه، فاستدرك عليه المصنف وتعقّبَه بقوله: ((قلت: هذا جميعُ ما له في البخاري، وليست هذه برواية عنه، فالعجب من المؤلفِ - المزيِّ - كيف يرقم له رَقْم البخاري فَيُوهم أن البخاري أخرج له، وكذا رَقَم في الرواة عنه على معاوية بن أبي سفيان رَقْم البخاري، معتمداً على هذه القصة، وفي ذلك نظر)). وبعد هذا التعقب في ((التهذيب)) يبقى مصرّاً على رمز خ في ((التقريب)). ١٣ وأما الصنف الثالث: فأَقصدُ بالإِشارة إليهم: أن البخاري يطوي إسنادَ الحديث الذي يعلِّقه كلَّه أو بعضاً منه، فهل على الحافظ المزي - والمصنف مِن بعده - أن يترجموا لهؤلاء الذين طَوَى البخاريُّ ذكرَهم؟. ومثال ذلك: قولُ البخاري أول كتاب الإِيمان من صحيحه: ((وكتب عمر بن عبدالعزيز إلى عدي بن عدي : إن للإيمان فرائضَ وشرائعَ ... وقال معاذ: اجلسْ بنا نؤمنْ ساعة، وقال ابن مسعود: اليقينُ: الإِيمانُ كلُّه ... )). ولا ريب أن بين البخاري وعمر بن عبدالعزيز ومعاذ بن جبل وعبدالله بن مسعود: وسائطَ ورجالاً، فهل على المزي ـ ومَن بعده - أن يترجم لهؤلاء الرجال، فإن كانت لهم تراجم - بسبب وجود روايةٍ لهم في كتب أخرى - فهل عليه أن يرمز لهم ((خت)) علامة تعليق البخاري لهم؟. وجواب ذلك: أن المزي ترجم لبعضهم، ولم يستوعب، فكأنه لم يلتزم ذلك. فترجم لعبدالرحمن بن فُرُّوخ العدويِّ مولى عمر، وأسند إليه من طريقه أنه قال: ((اشترى نافع بن عبدالحارث من صفوان بن أمية داراً ... )) ثم قال المزي: ((قال البخاري في الصحيح: واشترى نافع بن عبدالحارث، فذكره)). يريد المزي: أن البخاري علَّق هذا الأثر، وهو من رواية عبدالرحمن بن فروخ، فلذا ترجم له. والأثر في كتاب الخصومات، باب الرَّبْط والحبس في الحرم ٧٥:٥. وإنما قلت عن المزي ((لم يستوعب)): لأن المصنف قال في ترجمة جابر بن سِيلان من ((التهذيب)): ((وأما عيسى بن سِيلان: فجاءت له رواية من طريق زيد بن أسلم، عن ابن سيلان، عن أبي هريرة في قوله تعالى: ﴿فَرَّتْ من قَسْورة﴾ قال: القَسورةُ: الأسدُ ... ، وقد علَّق البخاري قولَ أبي هريرة، فيلزم المزيّ على شرطه في ذكر عبدالرحمن بن فروخ ونظائره، أن يترجم لعيسى بن سيلان)). وواضح من أسلوب المصنف أن إلزامَه للمزي بترجمة عيسى بن سيلان: إلزامُ منتقِدٍ، بل صرَّح بقوله في ترجمة ابن فروخ: ((موضوع الكتاب - تهذيب الكمال - وأصلِه المسمى بالكمال يأبى ذلك)) مما يدل على أن ترجمته لابن فروخ إنما هي متابعة للمزي ! . ثم إن المصنف عدل عن رأيه هذا بعد دهر، وهذا نصه بتمامه وطوله، قال آخِر ترجمة عبدالرحمن بن فروخ بعد أن لخّص ما عند المزي: ((قلت: لم يسمه البخاري في هذا الموضع ولا غيره، وإنما علَّق القصةَ حسبُ، ولو كان المؤلف - أي المزي ــ يلتزم أن يذكر جميع من في تعاليق البخاري ممن لم يصرح بذكرهم لاستدركنا عليه خلقاً كثيراً ممن خرَّجنا أحاديثهم فيما كتبناه على تعاليق البخاري، ولكنْ موضوع هذا الكتاب وأصله المسمى بالكمال يأبى ذلك ... وقد بدا لي فاستدركت كلَّ ما اطلعت عليه مما هذا سبيله، فإنْ كان الاسم مترجَماً له - أي عند المزي ــ بغير رقم - أي: بغير رمز - نبهتُ على أنه فاته الرقم(١)، وإلا فالترجمة كاملة - كذا، ولعل الصواب: فأترجمه ترجمة كاملة - وأعيِّنُ البابَ الذي وقع ذكره فيه، والسندَ كذلك(٢)، مع ما أطّلع عليه من حال الراوي المذكور، إن شاء الله تعالى. وكان تُّعي لذلك بعد تبييض النسخة من هذا المختصر بأربعين سنة)). (١) تقدم أنه لم ينبه على ذلك في ترجمة ابن أبي ليلى. (٢) لم يفعل شيئاً من ذلك في ترجمة سوار، كما تقدمت الإشارة إليه. ١٤ وقد أرَّخ فراغه من ((التهذيب)) في آخره فقال: ((كان الفراغ من اختصاره يوم الأربعاء تاسع جمادى الآخرة سنة ثمان وثمانمائة))(١)، فيكون تتبعه هذا واستدراكه عام ٨٤٨هـ، أي: قبل وفاته بأربع سنوات، رحمه الله تعالى. ومن الأمثلة على من له ترجمة عند المزي بغيرِ رقم ((خت)) وهو على هذا الشرط: ١ - إبراهيم بن مهاجر بن جابر البجلي، رمزه عند المزي ((م ٤)). وقد قال المصنف في آخر ترجمته في ((التهذيب)): ((قلت: وقع في سندٍ أثرٍ علَّقه البخاري في المزارعة)). ٢ - الأشتر النخعي: مالك بن الحارث بن عبديغوث النخعي، رمزه عند المزي: ((س)) وفي آخر ترجمته في ((التهذيب)): ((وقع له ذكرٌ ضمن أثرٍ علَّقه البخاري في صلاة الخوف .. )). ٣ - مكحولّ الشامي، رمزه عند المزي: ((رم ٤)) ومثله في ((التهذيب)) وقال: ((وقع ذكره في البخاري ضمناً في مواضع ... )). وما أضاف المصنف رمز ((خت)) لهم في ((التهذيب)) ولا في ((التقريب)). ومن الأمثلة على من ترجم له ترجمة كاملة وهو على هذا الشرط: - محمد بن أبي عمرو الأزدي، رمز له ((خت)) وذكر بعض شيوخه وتلامذته وقال: ((وقع ذكره في سند أثرٍ علَّقه البخاري في الأشربة ... وصله ابن أبي شيبة .. )). ولم يذكر من حال الراوي شيئاً. لكن يستغرب من المصنف أنه لم يترجم لمحمد هذا في ((التقريب)) أبداً !. وكذلك عيسى بن سِيْلان، فإنه على هذا الشرط، واكتفى بذكره في ترجمة جابر بن سيلان، مع بيانه أنه يَلزم المزيَّ ذكرُه - كما تقدم نصه - ولم يفرد له ترجمة في ((التهذيب)) ولا ((التقريب)) !. ولا يقال: إنه فرغ من تأليف ((التقريب)) عام ٨٢٧ قبل اختياره إلحاق هذه التراجم التي على هذه الشريطة بإحدى وعشرين سنة !. لا يقال ذلك، لأنه بقي يُعمل يده في ((التقريب)) إضافاتٍ وإلحاقات إلى عام ٨٥٠، كما سيأتي إن شاء الله في الحديث عن دراسة النسخة، وإن أكثر إلحاقاته المؤرخة كانت عام ٨٤٨(٢)، أي: عام التزامه بهذا الشرط وإضافاته على ((التهذيب)) هذه التراجم. وبناء على هذه الأمثلة القليلة: فإني لم أر في (التقريب)) ظاهرة لهذا الصنف الثالث، ولا لهذا الشرط الذي مال إليه المصنف أخيراً. أما في ((التهذيب)) فنعم، له ظاهرة وأثر(٣). * * ٢ - أما فصول الكتاب: فهي : المقدمة أولاً، ثم تراجم الرجال مرتبة على الأحرف الهجائية: أب ت ث ... م ن هـ ولا ي. وختم ذلك بالتاريخ فقال: ((آخر الأسماء. فرغت منه في ثامن شهر ربيع الأول سنة ست وعشرين وثمانمائة)). ثم ابتدأ بكنى الرجال وقال ((الاعتبار بما بعد أداة الكنية)). (١) انظر ما تقدم ص ٤. (٢) انظر ص ٦٣ وما بعدها. (٣) انظر ما سيأتي ص ٥٢ وما بعدها.