النص المفهرس
صفحات 301-320
مسروق عن خباب بن الأرت قال: كنت رجلاً قينا وكان لى على العاص
ابن وائل دين فأتيته أتقاضاه فقال لا أعطيك حتى تكفر بمحمد - ولية -
فقلت والله لا أکفر به حتى تموت ثم تبعث قال: فإنى إذا مت ثم بعثت كان
لی ثم مالا وولدا فأعطیك فأنزل الله عز وجل : ﴿أُفرأیت الذی کفر بآياتنا
وقال لأوتينَ مالا(١) وولدا﴾(٢).
(١) سورة مريم الآية : ٧٧.
(٢) أخرجه خ / فى التفسير / باب (٣) ﴿أفرأيت الذى كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا﴾
فتح البارى ٤٢٩/٨ ح٤٧٣٢ من طريق الحميدى ثنا سفيان عن الأعمش به .
- وباب (اطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا) فتح البارى ٤٣٠/٨ ح ٤٧٣٣ من طريق
محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن الأعمش به .
:
- ٣٠١ -
التعليق :
عقد المصنف هذا الفصل للدلالة على وحدانية الله ببيان أنه الخالق لهذا العالم
بلا مثال سابق، وأنه المعيد لهم بعد فنائهم، وهذا من مباحث البعث وقضية البعث
والحساب وإعادة الحياة إلى الموتى بعد تفتت تلك الأجساد واختلاطها بأجزاء الأرض
من معضلات العقيدة شأنها فى ذلك شأن قضية الوحدانية فى الغرابة والاستبعاد، وقد
اقتضى هذا الاستبعاد تعجب المنكرين للبعث ووقوعه ممن يقولون به ويؤمنون
بوقوعه، قال تعالى مبينا وموضحا تعجب هؤلاء المنكرين : ﴿ق. والقرآن المجيد.
بل عَجِبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شىء عجيب أإذا متنا وكنا ترابا
ذلك رجع بعيد﴾. (ق /١ - ٣) .
كما قالوا عن قضية الوحدانية ﴿وعَجِبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون
هذا ساحر كذاب. أجعل الآلهة إلهاً واحداً إِنَّ هذا لَشَىءٍ عُجاب﴾ (ص / ٤، ٥) .
وقد سلك القرآن الكريم لإثبات قضية البعث مسالك متعددة فى طريقة
العرض والاستدلال، وإبطال شبه المنكرين، بأدلة تثبت وقوعه، وتدحض شبه
المنكرين المستبعدين لوقوعه، لأنهم يقيسون قدرة الخالق على قدرتهم واللّه القادر وهو
الذي يقول للشيء كن فيكون ﴿إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقولَ لهُ كنْ فيكون﴾ .
وقد أورد المصنف هنا أدلة على إعادة الخلق بعد فنائهم من كتاب الله وسنة
رسوله - 18 - فمن القرآن قوله تعالى: ﴿ألم يك نطفة من منى يمنى﴾. وهذا
استدلال بالبدأ على الإِعادة، وقد جاءت الآيات بعد هذه تؤكد أن الذى خلقه من
تلك النطفة قادر على إعادته : ﴿ألم يك نطفةً من مَنىٍ يُمنى، ثم كان علقة فخلق
قسوى، فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى، أليس ذلك بقادر على أن يحى الموتى﴾.
(القيامة / ٣٧ - ٤٠) .
والجواب بلى والله إنه لقادر على إحياء الموتى، فمن ابتدأ الإِنسان هكذا من
قطرة ماء، وتنقل فى جميع أحواله وأطواره إلى أن صار بشراً سويا قادر على إعادته بعد
موته وجمع ما اختلط من أجزائه بأجزاء التراب ﴿أيحسب الإِنسان أن لن نجمع عظامه
بلى قادرين على أن نسوى بنانه﴾. (القيامة /٤،٣).
وسبب إنكار الإِنسان للبعث هو نسيانه لمبدأ خلقه، إذ لو نظر فى نشأته الأولى
نظر تفكر، وكيف وجد بعد أن كان معدوماً، ومم أوجده ﴿فلينظر الإِنسان مم خلق
- ٣٠٢ -
خلق من ماء دافق﴾. (الطارق /٦،٥). لعلم أن الإِعادة له سهلة وممكنة .
وقد أورد المصنف دليلا على ذلك قوله تعالى : ﴿وضرب لنا مثلا ونسى
خلقه ... ) الآية .
واستكمالا للبحث نورد بقية الآيات من سورة يس :
يقول تعالى فى ذلك : ﴿أو لم ير الإِنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم
مبين. وضرب لنا مثلا ونسى خلقه قال من يحى العظام وهى رميم. قل يحييها الذى
أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم. الذى جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا
أنتم منه توقدون. أوليس الذى خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم
بلى وهو الخلاق العليم﴾. (يس / ٧٧ - ٨١).
وقد أورد المصنف بعض الأحاديث فى سبب نزول الآية، ومنها ما ذكره
المفسرون لهذه الآيات، أن أبي بن خلف أتى رسول الله - ◌َل ـ وفى يده عظم رميم
يفته ويذروه فى الهواء، وهو يقول : يا محمد أتزعم أن الله يبعث هذا؟؟ فقال رسول
الله - رَّيّة -: نعم يميتك الله تعالى، ثم يبعثك ثم يحشرك إلى النار. فنزلت
الآيات .
وفى رواية أن العاص بن وائل السهمى أتى إلى رسول الله - مقلي - بعظم حائل
ففته بين يديه، فقال : يا محمد أيبعث الله هذا حياً بعد ما أرم؟؟. قال : نعم يبعث
الله هذا، ثم يميتك ثم يحييك، ثم يدخلك نار جهنم. فنزلت الآيات(١).
فتبين من أسباب النزول اعتراض بعض المشركين على الرسول - وَ و - فى
تقريره البعث وقد أكدوا انكارهم ذلك بما ضربون من المثل لله تعالى، فكان لابد من
أن يرد عليهم إنكارهم وأن يبطل لهم مثلهم والآيات وإن كان سبب نزولها خاصا،
فهى عامة فى كل منكر للبعث فى كل زمان ومكان لما هو مقرر فى الأصول أن العبرة
بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .
وقد بينت الآيات أن استبعاد البعث وإعادة الأجسام بعد الموت مرة أخرى آت
من إنسان لم ينظر فى مبدأ خلقه أولا . إذ لو نظر فى نشأته الأولى نظرة تبصر واعتبار
(١) ابن جرير الطبري، التفسير ٣٠/٢٣-٣١، ابن كثير، التفسير ٥٨١/٣.
- ٣٠٣ -
لكفاه خلقه من نطفة ضعيفة حقيرة دليلاً على إعادته بعد موته، فنسيانه لمبدأ خلقه
من تلك النطفة هو الذى دعاه لهذا الإِنكار، ثم ضربه المثل الله القادر، بقدرة الإنسان
العاجز ﴿أولم ير الإِنسان﴾ نشأته، أى ألم يعلم ﴿انا خلقناه من نطفة﴾ أى ابتدأنا
خلقه وإيجاده من مني يُمنى، وما أضعف النطفة وأعجزها وأحقرها ﴿فإذا هو﴾ بعد
العجز والضعف إنسان قوي ناطق ﴿خصيم مبين﴾ أى بعد تلك الأطوار الضعيفة
أصبح يخاصم ويجادل أبین جدال وأبلغ خصام، ومن ذلك خصامه وجداله فی أمر
البعث والجزاء، ينكر قدرة خالقه الذى أنشأه أول مرة، ويدعى عدم قدرته على
إعادته ثانياً. ﴿وضرب لنا مثلا﴾. أى صفة غريبة يعارض بها قدرتنا بالدليل القاطع
على إعادته، فجعل لنا مثلا ونظيراً من الخلق وقاس قدرتنا على قدرتهم. ثم بين
سبحانه وتعالى، أن سبب ذلك هو ذهوله وعدم التفاته إلى خلقه الأول، فقال :
﴿ونسي خلقه﴾ وکان من واجبه أن لا ینسی فیستدل بخلقه الأول على عوده كما بدأ،
ولو تأمل فى ذلك لعلم أن القدرة التى سوته أولا لا يعجزها بأي حال إعادته ثانياً. كما
قال تعالى : ﴿وهو الذى يبدؤأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثلُ الأعلى فى
السموات والأرض وهو العزيز الحكيمُ﴾. (الروم /٢٧). ولا فرق بين البدأ والإِعادة
بالنسبة للقدرة الإلهية ﴿إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون﴾ .
وإنما إعادة الشىء أهون من ابتدائه واختراعه بالنسبة للإِنسان .
وإعادة الإِنسان بعد أن صار عظماً رميماً مفتاً بالنسبة للخالق أمر هينُ وقد قدم
قوله ﴿ونسي خلقه﴾ على ضرب مثله تنبيها على جهله وغبائه وغفلته عما فى نفسه
وبین یدیه من الأدلة، وماذا قال فى مثله الذی یعتمد عليه فى تأیید دعواه؟؟ ﴿قال من
يحي العظام وهى رميم﴾ بالية متفتتة. فقد جاء ذلك المنكر للبعث المستبعد لوقوعه إلى
النبى - ◌َّ - آخذا بيده عظماً رميما يفته ويذروه فى الهواء قائلا للنبى - مخلل -: أترى
يحى الله هذا العظم بعد ما ارم؟؟ فقال له النبى - صحي - : نعم، ويدخلك النار.
وقد دفع سبحانه وتعالى هذه الشبهة بقوله ﴿قل﴾ وهو أمر للنبى - {چ - بأن یذکر
هذا الناسي لفطرته الدالة على حقيقة الأمر وكمال القدرة ﴿يحييها﴾ أى يخلق الحياة
فيها ﴿الذى أنشأها﴾ وأوجدها من العدم ﴿أول مرة﴾ فى بدء الخلق والنشأة الأولى،
فهو الذى أنشأ هذا العظم الذى تفته بيدك من نطفة ماء لا عظم فيه، فالقادر على
إنشائه أولا ، ثم إحلال الحياة فيه لا يعجزه إعادته مرة أخرى، كما قال تعالى : ﴿وهو
- ٣٠٤ -
الذى يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى﴾.
وقد ورد فى الحديث الذى أورده المصنف أن إنكار البعث تكذيب لله تعالى
حيث قال فى الحديث القدسى : قال الله كذبنى ابن آدم ولم يكن له ذلك وشتمنى ولم
يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياى فقوله لن يعيدنى كما بدأنى ... وأما شتمه فقوله :
﴿اتخذ الله ولدا وأنا الله الصمد لم ألد ولم أولد﴾.
وقضية البعث أمر مقرر فى الديانات السابقة فكل نبي بين لقومه ذلك،
وخباب - رضى الله عنه - من المؤمنين بهذه العقيدة ولذلك رد على العاص بن وائل
حينما طلب منه أن يكفر بمحمد - * - فقد قال له ذلك القول الفصل : لن أكفر به
حتى تموت وتبعث .
والعقيدة الصحيحة السليمة هى التى ينبغى أن يربَّ الأجيال عليها إذ لا يقوم
فى وجه الطغيان والطغاة إلا ذلك، فهذا خباب لم يدفعه إلى هذا الرد الحازم على
العاص بن وائل إلا عقيدته الراسخة بما جاء به المصطفى - والر - وهكذا كانت تربية
أصحابه - بَير - الذين فتحوا العالم وحطموا الكفر والطغيان بتلك العقيدة الصادقة
والإِيمان الراسخ الذى حملوه إلى العالم لإِخراجهم من عبادة العباد إلى عبادة رب
العباد. والحمد لله رب العالمين .
- ٣٠٥ -
٣٨- ذكراسْتِثْلَلِ مَنْ لم ◌َتْلُقْهُ الدَّعْوَةُ وَلمْيَأْنِرَسُول.
قال الله تعالى مخبراً عن إيمان إبراهيم - عليه السلام - بالله عز
وجل(١) قبل الرسالة: ﴿إِني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض
حنيفاً وما أنا من المشركين﴾(٢).
(١-١٥٠) أخبرنا عبد الرحمن بن يحي قال: حدثنا أبو مسعود،
أخبرنا أبو أسامة حماد بن أسامة عن محمد بن عمروبن علقمة عن أبى
سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أسامة
ابن زيد عن أبيه زيد بن حارثة قال: خرج النبى - ◌َلَرَ - وهو مُرْدِفی فذبحنا
له شاة ثم صنعناها له حتى إذا نضجت استخرجتها فجعلناها فى سفرتنا ثم
أقبل رسول الله - ژ - یسیر وهو مردفی فی یوم حار من أيام مكة حتى إذا كنا
بأعلا الوادى لقيه زيد بن عمروبن نفيل فحيا - ر - أحدهما الآخر بتحية
الجاهلية فقال له رسول الله - روميلو -: مالى أرى قومك قد شنفوا لك(٣)
قال: أما والله ان ذلك لمنى لبغير نائرة كأنت منى اليهم ولكنى أراهم على
ضلالة فخرجت أبتغى هذا الدين حتى قدمت على أحبار يثرب فوجدتهم
(١) أى أنه - عليه السلام - كان على الفطرة - متجهاً إلى الله تعالى مؤمنا به كما قال تعالى:
﴿فطرة الله التى فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم﴾ (الروم / ٣٠).
(٢) سورة الأنعام الآية: ٧٩. وسنورد آخر البحث فى هذا التعليق ما رجحه ابن كثير فى
تفسير هذه الآية وما قبلها من أن إبراهيم - عليه السلام - كان مناظراً لا ناظراً، خلافاً لما رجحه ابن
جریر.
(٣) شنفوا لك: أبغضوك. النهاية ٥٠٥/٢ .
- ٣٠٦ -
٤٤/ أ
يعبدون الله عز وجل ويشركون به فقلت ما هذا بالدين الذى ابتغى
فخرجت حتى أقدم على أحبار فدك فوجدتهم يعبدون الله عز وجل
ويشركون به فقلت ما هذا بالدين الذى ابتغى فخرجت حتى أقدم على
أحبار أيلة فوجدتهم يعبدون الله عز وجل ویشرکون به فقلت ما هذا بالدين
الذى أبتغى فقال لى حبر من أحبار أهل الشام انك تسأل عن دين ما نعلم
أحدا يعبد الله به إلا شيخاً بالجزيرة، فخرجت حتى قدمت فأخبرته بالذى
خرجت له فقال إن کل من رأيت فى ضلال، إنك لتسأل عن دين هودین
الله عز وجل ودين ملائكته وقد خرج من أرضك نبيٌّ، أوهو خارج يدعو
إليه إرجع إليه فصدقه واتبعه وآمن بما جاء به، فرجعت قال: فأناخ رسول
اللّه - بَير - البعير ولم أحسَّ نبيا بعد، ثم تفرقنا وكان صنمان من نحاس
يقال لهما - أساف ونائلة - يتمسح بهما المشركون إذا طافوا فطاف رسول الله
- وَليه - وطفت معه، فلما مررت تمسحت به فقال رسول الله - عزوجل -: لا
تمسه، فطفنا فقلت فى نفسي لأمسنه حتى أنظر ما يقول، فقال رسول الله
- وَلَّه -: ألم تنه، قال زيد: فوالذى هو أكرمه وأنزل عليه الكتاب ما أستلم
صَنَماً حتى أكرمه الله عز وجل بالذى أكرمه وأنزل عليه الكتاب، ومات زيد
ابن عمرو قبل أن يبعث النبى - * - فقال رسول الله - والله - يأتى يوم
القيامة أمة وحده(١). هذا حديث مشهور، ورواه القعنبي عن يحي بن
(١) انظر أسد الغابة ٢٩٥/٢ طبعة الشعب.
وانظر مجمع الزوائد ٤١٧/٩، وقال: رواه أبويعلى والبزار والطبرانى، ورجال أبى
يعلى والبزار وأحد أسانيد الطبرانى رجال الصحيح غير محمد بن عمرو بن علقمة وهو حسن
الحدیث.
- وانظر الإِصابة ٦٣/٤ نحوه.
- والمطالب العالية ٤ /٩٥ ح ٤٠٥٧ نحوه.
- ٣٠٧ -
عمير عن عبد الله بن يزيد عن زيد بن حارثة بطوله نحو معناه، ورواه
موسى بن عقبة عن سالم بن عبد الله عن زيد بن عمروقال: وأراه سمعه
من أبيه بطوله، .. رواه إبراهيم بن الحجاج عن وهيب بن خالد ورواه أبو
مصعب عن محمد بن إبراهيم بن دينار جميعا عن موسى، ورواه ابن أبى
الزناد عن موسى بن عقبة عن سالم بن عبد الله عن أبيه بطوله ولم يشك عن
موسى، ورواه ابن أبى الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه عن أسماء بنت
أبى بكر قالت: رأيت زيد بن عمروبن نفيل فى الجاهلية عند الكعبة
بطوله، وفيه أبيات شعر(١). ورواه يحيى بن سعيد الأموي عن مجالد عن
الشعبى عن جابر بن عبد الله بطوله، وروى من حديث عكرمة والضحاك
عن ابن عباس بطوله، وهذه أسانيد فيها مقال إلا حديث يحيى بن عبد
الرحمن، وحديث موسى بن عقبة عن سالم.
(١) مجمع الزوائد ٤١٨/٩.
ومن أبيات الشعر قوله :
عزلت الجن والجنان عنى
كذلك يفعل الجلد الصبور
قال: رواه الطبرانى وإسناده حسن.
- ٣٠٨ -
التعليق :
يقصد المصنف من هذا العنوان أن من لم تبلغه الدعوة ولم يأته رسول، وبقى
على الفطرة التي فطر الله الناس عليها كان كما قال تعالى: ﴿فأقم وجهك للدين
حنيفاً فِطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن
أكثر الناس لا يعلمون﴾ (الروم / ٣٠) .
وهكذا كان إبراهيم - عليه السلام - فقد بقى على فطرة الإِسلام وهى كلمة
التوحيد قبل الرسالة، وسيأتى توضيح ذلك آخر البحث .
هذا وقد دلت آياتٌ من كتاب الله، وأحاديث من سنة رسوله - ◌َطل - أن بنی
آدم فطروا على معرفة ربهم وخالقهم وعلى الإِقرار به لم يتخلف منهم أحد، وأن من
أنحرف عن فطرة الإِسلام - وهى كلمة التوحيد - إنما كان لعارض خارجى صرف
الفطرة عما هديت إليه .
يقول تعالى فى سورة الأنعام : ﴿وإذ أخذ ربك من بنى آدم من ظهورهم
ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى ... ) (الآية / ١٧٢) .
يقول ابن كثير فى تفسير الآية ٥٠٠/٣ : يخبر تعالى أنه استخرج ذريةً بنى
آدم من أصلابهم شاهدين على أنفسهم أن الله ربهم ومليكهم، وأنه لا إله إلا هو، كما
أنه تعالى فطرهم على ذلك وجبلهم عليه .
قال تعالى: ﴿فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا
تبديل لخلق الله﴾
قال : وفى الصحيحين عن أبى هريرة - رضى الله عنه - قال: قال رسول
الله - * -: كل مولود يولد على الفطرة. وفى رواية: على هذه الملة، فأبواه يهودانه
وينصرانه ويمجسانه، كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء .
وفى صحيح مسلم عن عياض بن حمار قال: قال رسول الله - * - يقول
الله : إنى خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت
عليهم ما أحللت لهم .
وقد أخرج حديث أبى هريرة البخارى فى كتاب التفسير / باب (لا تبديل
- ٣٠٩ -
٠
لخلق الله) قال: لدين الله (خلق الأولين) دين الأولين. والفطرة: الإِسلام. ثم ذكر
الحديث وهو فى فتح البارى ٥١٢/٨ ح ٤٧٧٥ مرفوعاً ولفظه : ما من مولود إلا يولد
على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل
تحسون فيها من جدعاء، ثم يقول: ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل
لخلق الله ذلك الدين القيم﴾ .
كما أخرجه أيضا فى كتاب الجنائز / باب (٩٢) ما قيل فى أولاد المشركين، فتح
البارى ٢٤٥/٣ ح ١٣٨٥ .
ثم أورد ابن حجر فى شرحه أقوال العلماء فى الفطرة وقال فى ص ٢٤٨ وأشهر
الأقوال أن المراد بالفطرة الإِسلام .
قال ابن عبد البر : وهو المعروف عند عامة السلف .
قال : وأجمع أهل العلم بالتأويل على أن المراد بقوله تعالى: ﴿فطرة الله
التى فطر الناس عليها﴾ الإِسلام، واحتجوا بقول أبى هريرة فى آخر حديث الباب:
إقرءوا إن شئتم ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾ وبحديث عياض بن حمار عن
النبى - وَل -... وهو الحديث السابق هنا، وهو فى صحيح مسلم.
وقال ابن كثير فى تفسير الآية : ﴿فطرة الله التى فطر الناس عليها ... ﴾
الآية، ٣٢٠/٦: يقول تعالى: فسدد وجهك واستمر على الدين الذى شرعه الله
لك، من الحنيفية ملة إبراهيم الذى هداك الله لها وكملها لك غاية الكمال، وأنت مع
ذلك لازم فطرتك السليمة التى فطر الله الخلق عليها، فإنه تعالى فطر خلقه على
معرفته وتوحيده، وإنه لا إله غيره، كما تقدم عند قوله تعالى: ﴿واشهدهم على
أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى﴾ .
وقد أفرد شيخ الإِسلام ابن تيمية رسالة فى مجموعة الرسائل الكبرى بعنوان -
رسالة فى الكلام على الفطرة ٣٣٣/٢ - ٣٤٩ - أورد فيها الأدلة من الكتاب
والسنة، كما أورد أقوال العلماء ورجح أن الفطرة هى الإِسلام وهى كلمة التوحيد وأن
المولود لا يعدل عن ذلك إلا بسبب خارجى كما دل عليه الحديث، ثم قال بعد أن أورد
أدلة من القرآن على فطرة كل المخلوقات بالإِعتراف والإِقرار بخالقھا وبارئها ص
٣٤٠: والمقصود إذا كانت هذه الجمادات قد فطرت على معرفة ربها وتسبيحه وتنزيهه
- ٣١٠ -
والإِنسان أشرف منها، فلأن يفطر على معرفته بربه بطريق الأولى والأحرى، لما ركب
الله فيه من العقل والتمييز والفطنة، لاسيما وقد نطق الكتاب والسنة بأنه فطره على
الإِسلام، والإِسلام كلمة التوحيد .
ثم قال فى ص ٣٤٤ بعد كلام عن المقصود بالمعرفة : قال : هذا الهدهد طير
من الطيور، وفى نظرنا عديم العقل يصيح كغيره من الطيور، قد خاطب سليمان
بأعظم التوحيد وأعلمه بغير ذلك فقال : ﴿أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ
يقين﴾ ... إلى قوله: ﴿الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم﴾. هذا كله كلام
الهدهد كما اتفق على ذلك المفسرون. فمعرفة الله تعالى فطرية قد فطر الله تعالى
عليها جميع المخلوقات .
ثم قال : فإن أريد بالمعرفة المعرفة التامة، وهى معرفته بصفات الكمال ونعوت
الجلال فيما لم يزل ولا يزال، ومعرفة أسمائه وما أمر به وما نهى عنه، وما أخبر به وما
أراده من عباده شرعاً، وما كرهه منهم، ولم يرضه ولم يرد وقوعه، فهذا ما يعلم إلا
بالسمع من جهة الرسل - صلوات وسلامه عليهم أجمعين -، فعبادة الله تعالى
والإِيمان به إنما يجب بالسمع ويلزم بالبلاغ. اهـ .
قلت : وقد دل على هذا قوله تعالى : ﴿من اهتدى فإنما يهتدى لنفسه، ومن
ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى، وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾
(الأسراء ١٥).
يقول ابن كثير ٥ / ٥٠ قوله : ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾ إخبار عن
عدله تعالى، وأنه لا يعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه بإرسال الرسول إليه، كما
قال تعالی : ﴿کلما القی فیھا فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا
نذير فكذبنا وقلنا ما أنزل الله من شىء إن أنتم إلا فى ضلال كبير﴾، وقوله : ﴿وسیق
الذين كفروا إلى جهنم زَمُراً حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم
رسل منکم یتلون علیکم آیات ربکم وینذرونکم لقاء یومکم هذا، قالوا بلی ولکن
حقت كلمة العذاب على الكافرين﴾ ... إلى أن قال: إلى غير ذلك من الآيات
الدالة على أن الله تعالى لا يدخل أحداً النار إلا بعد إرسال الرسول إليه. اهـ .
- ٣١١ -
ثم ذكر بعد ذلك أهل الفترة ومن فی حکمهم وأورد الأحاديث فى ذلك ورجح
إمتحانهم يوم القيامة. أنظر ذلك من ص ٥٠_٥٥ .
نعود إلى قصة إبراهيم - عليه السلام - مع قومه يقول الله تعالى فى ذلك :
﴿وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إنى أراك وقومك فى ضلال مبين .
وكذلك تُرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين. فلما جن عليه
الليل رأى كوكباً قال هذا ربى، فلما أفل قال لا أحب الآفِلين. فلما رأى القمر بازغاً
قال هذا ربى، فلما أفل قال لئن لم يَهدِنى ربى لأكونن من القوم الضالين. فلما رأى
الشمس بازغة قال هذا ربى هذا أكبر فلما أفلت قال ياقوم إنى برىء مما تُشركون.
إنى وجهتُ وجَهى للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين﴾.
(سورة الأنعام / ٧٤ - ٧٩) .
يقول ابن كثير فى تفسيره ٢٨٥/٣: وقد اختلف المفسرون فى هذا المقام، هل
هو مقام نظر أو مناظرة، فروى ابن جرير من طريق على بن أبى طلحه عن ابن عباس
ما يقتضى أنه مقام نظر، واختاره ابن جرير مستدلا بقوله : ﴿لئن لم يهدنى ربى﴾ ..
الآية. قال : والحق إن إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - كان فى هذا المقام مناظراً
لقومه، مبينا لهم بطلان ما كانوا عليه من عبادة الهياكل والأصنام، فبين فى المقام الأول
مع أبيه خطأهم فى عبادة الأصنام الأرضية، التى هى على صورة الملائكة السماوية
ليشفعوا لهم إلى الخالق العظيم الذى هم عند أنفسهم أحقر من أن يعبدوه، وإنما
يتوسلون إليه بعبادة ملائكته ليشفعوا لهم عنده فى الرزق والنصر وغير ذلك مما
يحتاجون إليه. وبين فى هذا المقام خطأهم وضلالهم فى عبادة الهياكل وهى الكواكب
السيارة السبعة القمر، وعطارد، والزهرة، والشمس ... الخ. فلما انتفت الألوهية
عن هذه الأجرام الثلاثة - الكوكب، والقمر، والشمس، وتحقق ذلك بالدليل القاطع
قال : ﴿ياقوم إنى برىء مما تشركون﴾ أى أنا برىء من عبادتهن وموالاتهن فإن كانت
آلهة فكيدونى بها جميعاً ثم لا تنظرون ﴿إنى وجهت وجهي للذي فطر السموات
والأرض حنيفا وما أنا من المشركين﴾. أى: إنما أعبد خالق الأشياء ومخترعها
ومسخرها ومقدرها ومدبرها، الذى بيده ملكوت كل شىء وخالق كل شىء وربه
وملیکه واهه .. .
- ٣١٢ -
إلى أن قال : وكيف يجوز أن يكون إبراهيم ناظراً فى هذا المقام، وهو الذى قال
الله فى حقه : ﴿ولقد آتينا إبراهیم رشده من قبل وکنا به عامین. إذ قال لأبيه وقومه ما
هذه التماثيل التى أنتم لها عاكفون﴾. وقال: ﴿إِن ابراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم
يك من المشركين، شاكراً لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم، وآتيناه فى الدنيا
حسنة وإنه فى الآخرة لمن الصالحين. ثم أوحينا إليك ان اتبع ملة إبراهيم حنيفاً وما
كان من المشركين﴾ .
ثم ذكر آية الميثاق وحديث كل مولود يولد على الفطر، وقوله تعالى : ﴿فطرة
الله التی فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله﴾ ثم قال : فإذا كان هذا فى حق سائر
الخليقة فكيف يكون إبراهيم الخليل - الذى جعله الله ﴿أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من
المشركين) - ناظرا فى هذا المقام، بل هو أولى الناس بالفطرة السليمة والسجية
المستقيمة بعد رسول الله - چ - بلا شك ولا ريب .
قال : ومما يؤيد أنه كان فى هذا المقام مناظِراً لقومه فيما كانوا عليه من الشرك لا
ناظراً قوله تعالى: ﴿وحاجه قومه قال اتحاجونى فى الله وقد هدان﴾ .
...
(الآيات ٨٠ - ٨٣).
وصلی الله علی سیدنا محمد وآله وصحبه وسلم
- ٣١٣ -
٣٩- ذَكْرُ الَّلِيلِ عَلَى أَنَّ المَجْتَدَ المَخْطِئِ مِى مَعْرِفَةِ اللَّهِ
عَزَّوَجَلَّ - وَوَحْدَانِيَّتِ كَالمُعَانِدِ.
قال الله تعالى مخبراً عن ضلالتهم ومعاندتهم: ﴿قل هل ننبئكم
بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم فى الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم
يحسنون صنعا﴾(١).
وقال على بن أبى طالب - رضى الله عنه - لما سئل عن الأخسرين
أعمالا فقال: كفرة أهل الكتاب كان أوائلهم على حق فأشركوا بربهم عز
وجل وابتدعوا فى دينهم وأحدثوا على أنفسهم فهم يجتمعون فى الضلالة
ويحسبون أنهم على هدى ويجتهدون فى الباطل ويحسبون أنهم على حق
ضل سعيهم فى الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا(٢).
وقال على - رضى الله عنه - منهم أهل حروراء(٣)
(١-١٥١) أخبرنا محمد بن الحسين بن الحسن قال: أخبرنا أحمد
ابن يوسف، أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما
حدثنا أبو هريرة قال: قال رسول الله - رَ ليه -: والذى نفسى بيده لا يسمع
(١) سورة الكهف الآية: ١٠٣، ١٠٤.
(٢) ابن جرير فى التفسير ٣٣/١٦.
- ذكره ابن كثير فى تفسير الآية ١٩٧/٥ .
(٣) تفسير الطبرى ٣٤/١٦.
- وذكره ابن كثير فى تفسير الآية ١٩٧/٥.
- وذكره السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٣/٣ .
- ٣١٤ -
بي رجل من هذه الأمة (ولا) يهودي ولا نصرانى ثم لم يؤمن بي إلا كان من
أهل النار(١).
(٢-١٥٢) أخبرنا أبو الطاهر أحمد بن عمرو قال: حدثنا يونس
ابن عبد الأعلى أخبرنا الحسين بن وهب، أخبرنا عمروبن الحارث عن
أبى يونس عن أبى هريرة - رضى الله عنه - عن رسول الله - بَ له - قال:
والذى نفسي بيده ما يسمع بي من هذه الأمة من يهودى أو نصرانى يموت
ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أهل النار(٢).
(٣-١٥٣) أخبرنا محمد بن الحسين، حدثنا أحمد بن محمد بن
نصر.
ح / وأخبرنا أحمد بن محمد بن عاصم قال: حدثنا عبد الله بن محمد
ابن النعمان قالا : حدثنا عمروبن حماد، حدثنا أسباط بن نصر عن إسماعيل
السندى عن أبى مالك وأبى صالح عن ابن عباس وعن مرة عن عبد الله بن
مسعود أن سلمان الفارسى - رضى الله عنهم - بينا هو يحدث النبى - راه -
إذ ذكره أصحابه فأخبره خبرهم فقال كانوا يصومون ويصلون ويشهدون
أنك ستبعث نبیاً، فلما فرغ سلمان من ثنائه عليهم قال النبى - چ ـ: یا
سلمان هم من أهل النار فاشتد ذلك علی سلمان وکان قد قال له سلمان لو
أدركوك صدقوك واتبعوك فأنزل الله عز وجل هذه الآية: ﴿إن الذين آمنوا
(١)، (٢) م / الإِيمان / باب (٧٠) وجوب الإِيمان برسالة نبينا محمد - وله - إلى جميع
الناس ونسخ الملل بملته. ١٣٤/١ ح ٢٤٠ من طريق يونس بن عبد الأعلى أخبرنا ابن وهب به.
- وابن مندة فى الإِيمان / باب (٧٧) ذكر وجوب الإِيمان على كل من سمع بالنبى - # -
من أهل الكتابين والإقرار بها أرسل به وجاء به عن الله عز وجل. ٥٠٨/٢ ح٤٠١ بنفس السند.
- ٣١٥ -
والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر﴾(١) فكان
إيمان اليهود أنه من تمسك بالتوراة وسنة موسى حتى جاء عيسى، فلما جاء
عيسى - عليه السلام - كان من تمسك بالتوراة وأخذ سنة موسى ولم يدعهما
ولم يتبع عيسى كان هالكاً، وإيمان النصارى من تمسك بالإِنجيل منهم
وشرائع عيسى كان مؤمنا مقبولا منه حتى جاء محمد - بير - فمن لم يتبع
محمداً منهم ويدع ما كان عليه من سنن عيسى والإِنجيل كان هالكاً(٢).
(١) سورة البقرة الآية: ٦٢.
(٢) أخرجه ابن جرير فى التفسير ٣٢١/١-٣٢٣ من طريق موسى بن هارون قال: ثنا عمرو
قال: ثنا اسباط بن نصر عن السدی فی حديث طويل.
- وذكره ابن كثير فى تفسير الآية عن السیدی ١٤٧/١ .
- ٣١٦ -
التعليق :
إن العبادة المقبولة عند الله تعالى ما توافر فيها شرطان :
(١) النية الصادقة فى إخلاص العمل لله تعالى: ﴿ألا لله الدين الخالص﴾
﴿إنما الأعمال بالنيات﴾ .
(٢) الموافقة لشرع الله سبحانه وتعالى، وهو كل ما أنزله في كتابه أو جاء به
رسوله - وَل * -، لأن العمل لا يقبل من صاحبه إلا أن يكون خالصاً - صواباً -. فلو
اختل أحد الشرطين لا يقبل، وهذه الآية التى أوردها المصنف تحت هذا العنوان تدل
على ذلك.
لأن من أحدث أمراً فى دين الله من عند نفسه، لم يأمر به الله ولا رسوله فكأنه
يقول: إن شرع الله الذى أنزله وجاء به رسوله - ناقص - وأنه غير كاف أو أنه بكيفته
هذه غير صالح، وهو يريد بعمله هذا أن يتمم ذلك النقص أو يصلح تلك الكيفية،
وذلك منه تقدم بين يدي الله ورسوله.
وقد أخبر تعالى أن سبب ضلال أهل الكتاب اليهود والنصارى هو اتخاذهم
أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله، وذلك حينما شرعوا لهم شرعاً من عند أنفسهم
بتحليل ما حرم الله، أو تحريم ما أحل الله، فلما أطاعوهم فى ذلك اتخذوهم أرباباً،
لأن التشريع من حق الله تعالى ليس لأحد من خلقه أن يشرع دونه لعباده.
قال تعالى : ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم
وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحداً لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون﴾ (التوبة / ٣١).
فقد دخل عدى بن حاتم على رسول الله - رَالهرم - وفى عنقه صليب من فضة،
فقرأ رسول الله - رز - هذه الآية ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله﴾
قال: فقلت: إنهم لم يعبدوهم. فقال: بلى، إنهم حرموا عليهم الحلال، وأحلوا لهم
الحرام فاتبعوهم، فذلك عبادتهم.
وهذه الآية التى أوردها المصنف تحت هذا العنوان دليل واضح على أن
المجتهد المخطىء فى معرفة الله ووحدانيته كالمعاند فى أنه غير معذور فى خطئه كما قال
تعالى: ﴿هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم فى الحياة الدنيا وهم
يحسبون أنهم يحسنون صنعا﴾ .
- ٣١٧ -
وحينما سئل على بن أبى طالب - رضى الله عنه - عن (الأخسرين أعمالا)
قال: هم كفرة أهل الكتاب کان أوائلهم على حق فأشرکوا بربهم وابتدعوا فی دینهم
وأحدثوا على أنفسهم .. الخ.
كما قال هو وغيره - إن من هؤلاء الأخسرين أعمالا أهل حروراء - وهم
الخوارج.
وقد أورد ابن جرير فى تفسير الآية أقوال العلماء والروايات فى ذلك ٣٤/١٦،
ثم قال:
والصواب من القول فى ذلك عندنا: أن يقال: إن الله عز وجل عنى بقوله
﴿هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا﴾ كل عامل عملاً يحسبه فيه مصيبا، وأنه لله بفعله
ذلك مطيع مرض، وهو بفعله ذلك لله مسخط، وعن طريق أهل الإِيمان به جائر،
كالرهبانية والشمامسة وأمثالهم من أهل الاجتهاد فى ضلالتهم، وهم مع ذلك من
فعلهم واجتهادهم بالله كفرة، من أی أهل دین كانوا.
ثم قال: وقوله ﴿الذين ضل سعيهم فى الحياة الدنيا﴾ يقول: هم الذين لم يكن
عملهم الذى عملوه فى حياتهم الدنيا على هدى واستقامة، بل كان على جور
وضلالة وذلك أنهم عملوا بغير ما أمرهم الله به، بل على كفر منهم به، وهم يحسبون
أنهم يحسنون صنعاً. يقول: وهم يظنون أنهم بفعلهم ذلك لله مطيعون، وفيما ندب
عباده إليه مجتهدون، وهذا من أدل الدلائل على خطأ قول من زعم إنه لا يكفر بالله
أحد إلا من حيث يقصد إلى الكفر بعد العلم بوحدانيته، وذلك أن الله تعالى ذكره
أخبر عن هؤلاء الذين وصف صفتهم فى هذه الآية، أن سعيهم الذى سعوا فى الدنيا
ذهب ضلالا، وقد كانوا يحسبون أنهم محسنون فى صنعهم ذلك، وأخبر عنهم أنهم
هم الذين كفروا بآيات ربهم، ولو كان القول كما قال الذين زعموا أنه لا يكفر بالله أحدٌ
إلا من حيث يعلم، لوجب أن يكون هؤلاء القوم فى عملهم الذى أخبر عنهم، أنهم
كانوا يحسبون فيه أنهم يحسنون صنعه كانوا مثابين مأجورين عليها، ولكن القول
بخلاف ما قالوا، فأخبر جل ثناؤه عنهم أنهم بالله كفرة، وأن أعمالهم حابطة، وعنى
بقوله ﴿أنهم يحسنون صنعا﴾ عملا، والصنع والصنعة والصنيع واحد. يقال: فرس
صنيع بمعنى مصنوع. اهـ.
- ٣١٨ -
وقد أورد ابن جرير فى تفسير الآية رواية عن على بن أبى طالب - رضى الله
عنه - إن من هؤلاء أهل حروراء وهي الرواية التى أوردها المصنف هنا عن على.
ثم اختار ابن جرير عموم الآية فى كل عاملٍ عملاً يحسبه فيه مصيبا وأنه بفعله
ذلك لله مطیع مرض، وهوبفعله ذلك لله مسخط وعن طريق أهل الإِيمان به جائر
كالرهبانية والشمامسة وأمثالهم من أهل الاجتهاد فى ضلالتهم من أي أهل دين كانوا.
وعلى ذلك فإن هذه الآية بعمومها تشمل أهل الأهواء جميعا الذين يحسبون
أنهم يحسنون صنعاً بعملهم ذلك، وهم مخالفون لطريق أهل الإِيمان الذين سلكوا
مسلك الصحابة والتابعين لهم بإحسان .
وإن من أهل الأهواء الذين هم مثل الخوارج - الشيعة الرافضة الذين اتفقوا
على تضليل صحابة رسول الله - 3 38 - وعلى رأسهم الخلفاء الراشدون فى دعواهم
عليهم أنهم كتموا ما أوصى به رسول الله - وَل - من الوصية لعلي - رضى الله عنه -
بالخلافة بعده - لأن دعواهم هذه تشمل حتى علي - رضى الله عنه - لأنه لم يصرح بما
ادعوه له من الوصية - فكأنه كتم ذلك أيضا - وعدم ذكره للوصية دليل واضح على
كذب الشيعة على صحابة رسول الله - سير - بأنهم كتموا ذلك، ثم اتفاق هؤلاء
الضلالِ على شتم صحابة رسول الله - مول ر - الأطهار الأخيار الذين اختارهم الله
لصحبة نبيه لا بلاغ هذا الدين الذى جعله الله خاتم الأديان وأنه لا يقبل من أحد ديناً
سواه - وقد اثنى الله عليهم فى كتابه بجميل الثناء، واجمعت الأمة على عدالتهم.
ثم نرى هؤلاء الذين ضل سعيهم فى الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون
صنعاً يجتهدون فى العمل ويؤدون أنواعا من العبادات خاشعين مستکینین يبكون
ويتضرعون، وقد قال الله تعالى: ﴿وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة﴾.
يقول ابن كثير فى تفسيره ٤٠٦/٨: ﴿وجوه يومئذ خاشعة﴾ أى ذليلة قاله
قتاده .
وقال ابن عباس: تخشع ولا ينفعلها عملها .
وقوله: ﴿عاملة ناصبة﴾ أى: قد عملت عملا كثيراً، ونصبت فيه، وصليت
يوم القيامة ناراً حامية .
- ٣١٩ -
فيخشى على هؤلاء الروافض المتمسحون بحب آل البيت وهم مخالفون لهم،
أن تنطبق هذه الآيات وأمثالها عليهم، لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً بأعمالهم،
وهم مخالفون لطريق أهل الإِيمان فى تولى صحابة رسول الله - بصل - والترضی عنهم،
والسكوت عما شجر بينهم، وهذا المسلك عليه أجماع أهل الحق والإِيمان التابعون ومن
تبعهم بإحسان إلى يوم الدين كما قال تعالى بعد ذكر المهاجرين والأنصار: ﴿والذين
جاءوا منٍ بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولأخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل فى
قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم﴾ (الحشر/ ١٠).
هذا قول المؤمنين الذين جاءوا بعد الصحابة، من مهاجرين وأنصار، فمن
خَالَفَ هذا المنهج، وبدلاً من الدعاء لهم بالمغفرة يسبهم ويشتمهم، ويحتوى قلبه على
البغض والحقد عليهم ألا تنطبق عليه الآية الكريمة:
﴿قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا. الذين ضل سعيهم فى الحياة الدنيا وهم
يحسبون أنهم يحسنون صنعاً﴾.
وقوله: ﴿وجوه يومئذ خاشعة، عاملة ناصبة، تصلى نارا حامية﴾.
ثم أورد المصنف بعد ذلك حديث أبى هريرة وقول المصطفى - بصل -: ((والذى
نفسي بيده لا یسمع ہی یهودی ولا نصرانی ثم لا يؤمن بالذی جئت به إلا کان من
أهل النار)).
وحديث سلمان الفارسى فى سبب نزول قوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا والذين
هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر) الآية.
ليبين بذلك عموم رسالة محمد - 18 - إلى الناس كافة، وأنها ناسخة لجميع
الرسالات السابقة لقوله تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً ولكن
أكثر الناس لا يعلمون﴾ (سبأ/٢٨).
وقد أوضحت الرواية فى قصة سلمان الفارسى أن إيمان اليهود برسالة موسى كما
فى التوراة الصحيحة غير المحرفة أن التمسك بذلك إلى بعثة عيسى - عليه السلام -
كان على الحق، وبعد بعثة عيسى فمن تبعه من اليهود ممن آمن به من النصارى على
أنه عبد الله ورسوله والتمسك بما جاء فى الإنجيل مع التوراة كان مؤمناً مقبولا منه
إیمانه .
- ٣٢٠ -
٠٠