النص المفهرس

صفحات 201-220

١٩ - ذِكر آَيْهِ أخرِى تَدُكُ عَ وَحَدانية الَِّ تعالَى وَأَنّ ◌ُنزِل الماء منَ المرزْنِ
وفالِقِ الحَدَقَ الزّوَى وُتُنْدة التَّات وَألوان الأشجار التى تَحَمُ ألوان الثمار
مُختلفةُ الأَطِعِمة والألوان منْ أزواج شتىّ مِنْ كُلّ زَوْجَ بَنِيج.
قال الله عز وجل مخبراً عن لطيف قدرته وحسن صنعته من خلقه:
أخرج منها ماءها ومرعاها﴾(١).
وقال تعالى: ﴿فلينظر الإنسان إلى طعامه أنا صبينا الماء صبا
... ﴾ الآية إلى قوله تعالى: ﴿متاعاً لكم ولأنعامكم﴾(٢).
وقال تعالى: ﴿ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات
مختلفا ألوانها﴾(٣).
وقال تعالى: ﴿وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجاً من نبات ٣١/أ
شتى كلوا وارعوا أنعامكم إن فى ذلك لآيات لأولى النهى﴾ (٤).
وقال تعالى: ﴿والله أنزل من السماء ماء، فأحيا به الأرض بعد
موتها﴾(٥).
(١) سورة النازعات الآية: ٣١.
(٢) سورة عبس الآية: ٢٤-٣٢.
(٣) سورة فاطر الآية: ٢٧ .
(٤) سورة طه الآية: ٥٣، ٥٤.
(٥) سورة النحل الآية: ٦٥.
- ٢٠١ -

ثم مجد نفسه عند قصر علم عباده فقال: ﴿سبحان الذى خلق
الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون﴾(١).
بيان ما تقدم من الأثر وأقاويل أهل التأويل :
(١-٦٩) أخبرنا الحسن بن يوسف الطرايفى بمصر قال: حدثنا
ابراهيم بن مرزوق قال: حدثنا عبد الواحد بن زياد قال: حدثنا عاصم بن
كليب قال: حدثنى أبى عن عبد الله بن عباس - رضى الله عنه - أنه قال
عند عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - إن الله عز وجل خلق الأشياء سبعا
فى حديث، ومما أنبت الأرض سبعا، فقال عمر: كلما قلت فقد عرفت غير
هذا ما تعنى ما أنبت الأرض سبعا، فقال ابن عباس - رضى الله عنهما -
﴿إنا صيبنا الماء صباثم شققنا الأرض شقا فأنبتنا فيها حبا وعنبا وقضبا
وزيتونا ونخلا وحدائق غلبا وفاكهة وأبا﴾ فالحدائق كل ملتف حديقة،
والأبُّ ما أنبت الأرض مما لا يأكل الناس(٢). فقال عمر - رضى الله عنه -:
أعجزتم أن تقولوا مثل ما قال هذا الغلام الذى لم يستوسوى رأسه .
(٢-٧٠) أخبرنا الحسن بن يوسف قال: حدثنا ابراهيم بن
مرزوق قال: حدثنا وهب بن جرير قال: حدثنا شعبة بن الحجاج عن أبى
اسحق عن البراء بن عازب - رضى الله عنه - فى قوله عز وجل: ﴿صنوان
(١) سورة يس الآية: ٣٦.
(٢) أشار إليه ابن جرير ٦٠/٣٠ فقال: ثنا أبو كريب وأبو السائب ويعقوب قالوا: ثنا ابن
ادريس قال: سمعت عاصم بن کلیب عن أبيه عن ابن عباس قال: عد سبعاً، جعل رزقه فی
سبعة، وجعله من سبعة، وقال فى آخر ذلك: الأب ما أنبتت الأرض مما لا يأكل الناس. ولم يذكر
السبع، ولعلها التى ذكرها هنا وهى: ﴿إنا صبينا الماء صبا﴾ الخ.
- ٢٠٢ -

وغير صنوان﴾ (١) الآية. قال: الصنوان النخلة تحتها النخلات، وغير
الصنوان النخل المتفرق. رواه جماعة عن أبى اسحق(٢).
(٣-٧١) أخبرنا خيثمة ومحمد بن أيوب بن حبیب قالا : حدثنا
هلال بن العلاء قال: حدثنا سليمان بن عبيد الله الغيلانى قال: حدثنا
عبيد الله بن عمر عن زيد بن أبى أنيسة عن الأعمش عن أبى صالح عن
أبى هريرة - رضى الله عنه - عن النبى - بصل - ﴿ونفضل بعضها على
بعض فى الأكل﴾ قال: الدقل والفارسى والحلو والحامض (٣). رواه سيف
ابن محمد(٤) عن الأعمش مرفوعا. والصواب: موقوف.
(٤-٧٢) أخبرنا الحسن (بن) يوسف الطرايفى ومحمد بن يعقوب
قالا : حدثنا ابراهيم بن مرزوق قال: حدثنا أبو عامر قال: حدثنا شعبة عن
عبد الملك بن عمير قال: سمعت (عمرو) بن حريث يحدث عن سعيد بن
زيد بن عمروبن نفيل أن النبى - رَل * - قال: الكماة من المن وماؤها شفاء
(١) سورة الرعد الآية: ٤.
(٢) أخرجه ابن جرير فى التفسير ٩٩/١٣ من رواية اسحاق. وشعبة عن أبى اسحاق.
(٣) أخرجه ابن جرير فى التفسير ١٠٣/١٣ من طريق أحمد بن الحسن الترمذى، قال: ثنا
سليمان بن عبد الله الرقى، قال: ثنا عبيد الله بن عمر الرقى به. مرفوعا. فى اسناده سليمان الرقى:
صدوق، ليس بالقوى وعنعنه الأعمش وهو مدلس.
(٤) وصله ابن جرير فى التفسير ١٠٣/١٣ من طريق محمود بن خداش قال: ثنا سيف بن
محمد بن أحمد عن سفيان عن الأعمش به مرفوعا.
وسيف بن محمد الکوفی، ابن أخت لسفيان الثوری، نزل بغداد، كذبوه، من صغار الثامنة،
مات فى حدود التسعين. تقريب ٣٤٤/١.
- ٢٠٣ -

للعين أو دواء للعين(١). رواه جماعة عن شعبة، ورواه جماعة عن عبد الملك
٣٢/ أ ابن عمير منهم سفيان الثورى وجرير بن حازم، وجريربن عبد الحميد،
وابن عيينة ومحمد بن شعيب، ورواه مطرف وشعبة عن الحكم بن عيينة عن
الحسن العربى عن عمر بن حريث(٢)، ورواه محمد بن عمر عن أبى سلمة
عن أبى هريرة - رضى الله عنه - عن النبى - وَلَه - وقال فيه شفاء من
السم(٣) مشهور عنه .
(١) خ / التفسير / باب (٤) ((وظللنا عليهم الغمام)) فتح البارى ١٦٣/٨ ح٤٤٧٨،
ص٣٠٣ ح ٤٦٣٩.
- خ / وفى الطب / باب (٢٠) المن شفاء للعين. فتح البارى ١٠ /١٦٣ ح ٥٧٠٨.
- م / الأشربة / باب (٢٨) فضل الكمأة ومداواة العين بها، ١٦١٩/٣ ح ١٥٧، ١٥٨
، ١٦٢، ١٥٩، وفيه زيادة، ومثله ١٦١.
- جه / فى الطب / باب (٨) الكمأة والعجوة ١١٤٣/٢ ح ٣٤٥٤، وفيه زيادة.
- ت / أبواب الطب / باب (٢١) ما جاء فى الكمأة والعجوة، تحفة الأحوذي ٢٣٥/٦
ح ٢١٤٧.
- حم / ١ / ١٨٧، ١٨٨
(٢) خ / فى الطب / معلقا قال: شعبة: وأخبرنى الحكم به .
- م / فى الأشربة / باب (٢٨) فضل الكمأة، ١٦١٩/٣ ح ١٦٠.
(٣) وصله جه / فى الطب / باب (٨) الكمأة والعجوة، ١١٤٣/٢ ح ٣٤٥٥.
- وصله حم / ٣٠١/٢، ٣٠٥، ٣٢٥، ٣٥٦، ٣٥٧، ٤٢١، ٤٨٨، ٤٩٠، ٥١١،
وكلها فيها: والعجوة من الجنة، وهى شفاء من السم. وله شاهد من حديث جابر وأبى سعيد
أخرجه حم ٤٨/٣ .
- ٢٠٤ -

التعليق :
إن من يتأمل هذه الآيات التى أوردها المصنف يجد أن طريقة القرآن الكريم
لتكوين العقيدة الإِيمانية بالله الواحد الأحد إلها معبوداً لا إله غيره ولا رب سواه، هى
مخاطبة الفطرة البشرية بما هو فى متناول أفرادها، فهو يخاطبه بالنظر فى طعامه وشرابه
الذى يراه فى كل لحظة من لحظات حياته، من الذى أوجده، ويسره له، بحيث أنتقل
من طور إلى آخر إلى أن سارفى متناول يده .
فمن هذه الآيات التى أوردها المصنف، وكلها دليل على وحدانية الخالق جل
ذكره قوله تعالى : ﴿فلينظر الإنسان إلى طعامه أنا صيبنا الماء صبا. ثم شققنا الأرضٍ
شقا. فأنبتنا فيها حباً وعنباً وَقضباً، وزيتونا ونخلا وحدائق غُلبا، وفاكهةً وأبا متاعاً
لكم ولأنعامکم﴾ .
فطعام الإِنسان الصق شىء بحياته اليومية هل نظر فيه نظرة تأمل، كيف جاء
ومن أين جاء وما المراحل التى مربها وما دوره هو فى إنشائه .
من الذى أنزل الماء من المزن ﴿أفرأيتم الماء الذى تشربون أأنتم أنزلتموه من
المزن أم نحن المنزلون. لو نشاء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون﴾ (الواقعة ٦٨-٧٠).
﴿ فلينظر الإِنسان إلى طعامه أنا صبينا الماء صباه هذا الأمر الضرورى المكرر
أمام الإِنسان الذى أصبح ليسره وإلفه غير منظور إلى دلالته على قدرة خالقه، ثم
إفراده بالعبادة، هذه الآيات تسير بالإِنسان خطوات فى سير طعامه مرحلة بعد أخرى
لتوضح قدرة خالقه التى تجعل من الشىء الواحد أنواعا مختلفة، إذ أن التربة واحدة
قد سقيت بماء واحد ومع ذلك أنبتت تلك الأنواع المختلفة من الحبوب والفواكه
والثمار .
فتبدأ الآيات بذكر صب الماء على الأرض، من الذی صبه، لا أحد يدعى
ذلك، ﴿أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون﴾.
وكل إنسان يعرف نزول المطر من السماء لا فرق بين إنسان وآخر، فساكن
القرية والمدينة كل منهما يعرف ذلك كما يعرفه ساكن الكوخ فى الصحراء، فهى حقيقة
يخاطب بها كل أفراد البشر، وهذه هى أدلة القرآن الذى أنزله الله هداية للبشر .
- ٢٠٥ -

أما الخطوة الثانية فهى شق الأرض بالنبات الطالع منها، فكما يشاهد الإِنسان
المطر النازل من السماء على الأرض، كذلك يشاهد الأرض وهى تنشق عن النبات
الصاعد منها فتأتى بخيراتها المختلفة الأنواع والألوان والطعوم من الحبوب والكروم
والنخيل والفواكه الدالة على القدرة الإلهية التى جعلت من هذه التربة الواحدة والماء
الواحد تلك الأنواع المختلفة فى الشكل والحجم واللون والطعم، فهو وحده فالق
الحب والنوى ومنبت النبات من أزواج شتى .
كما قال تعالى : ﴿وفى الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع
ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض فى الأكل إن
فى ذلك لآيات لقوم يعقلون﴾. (الرعد /٣).
حجج الله وآياته فى مخلوقاته التى نصبها لعباده، كما قال تعالى: ﴿وفى الأرض
آيات للموقنين وفى أنفسكم أفلا تبصرون﴾. (الذاريات/ ٢٠-٢١).
فانزال الماء وانبات الأنواع المختلفة به دليل على وحدانية الله جل ذكره، وأنه
الإِله المستحق أن يفرد بالعبادة .
وقد اتبع المصنف تلك الآيات بالآثار المفسرة لبعضها. وقوله: ((وأقاويل أهل
التأويل)) يقصد بالتأويل هنا التفسير لتلك الآيات كما يقول ابن جرير في تفسيره،
القول فی تأويل الآية: كذا كذا مثلاً، وقد ذكر مثالا لذلك قول ابن عباس فى تفسير
آية (عبس): وليس المقصود منه التأويل المتعارف عليه بصرف اللفظ عن ظاهره إلى
معان أخرى.
- ٢٠٦ -

٢٠ - ذكر الآيَاتِ الَّآلّْ عَ وَحْدانية التََِّرْوَجَلَّ وَأَنَّ خَالِق الخَلِقِ ومنشِيهَا
مِنْ تُرابِآدَم - عَيْ السَّلامِ ثْ مِنْ أطفةٍ وَلَدِهِ وَفَلَقْ منّا زَوْجَمَا حَوّاءٌ.
قال الله عز وجل منبها عباده على وحدانيته وربوبيته وبديع صنعته
لخلقه: ﴿ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون، ومن
آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة
ورحمة إن فى ذلك لآيات لقوم يتفكرون﴾(١).
ثم أخبر عن كيفية بدء خلق آدم - عليه السلام - من تراب فجبله(٢)
طینا لا زباً ثم جعله حما مسنونا ثم جعله صلصالا کالفخار ثم نفخ فيه من
روحه، فقال عز وجل: ﴿الذى أحسن كل شىء خلقه وبدأ خلق الإِنسان
من طين﴾ إلى قوله تعالى: ﴿والأفئدة قليلا ما تشكرون﴾(٣).
ثم أخبر عز وجل بتفرده بخلق الأشياء كلها من غير معين
( ..... ) (٤) فقال عز وجل: ﴿ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا
خلق أنفسهم﴾(٥).
وقال تعالى: ﴿أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون﴾(٦).
(١) سورة الروم الآية: ٢٠، ٢١.
(٢) جبله: جبل اللّه القوم يجبلهم: خلقهم. لسان العرب مادة جبل.
(٣) سورة السجدة الآية: ٧-٩.
(٤) كلمة غير واضحة.
(٥) سورة الكهف الآية: ٥١.
(٦) سورة الزخرف الآية: ١٩.
- ٢٠٧ -

بيان ذلك من الأثر:
(١-٧٣) أخبرنا محمد بن الحسين بن الحسن قال: حدثنا أحمد
ابن يوسف السلمي قال: أخبرنا عبد الرزاق عن معمر، وأخبرنا عبدوس
ابن الحسين النيسابورى قال: حدثنا أبو حاتم الرازى قال: حدثنا خالد بن
خداش المهلبی قال: حدثنا عبد الله بن وهب قال: حدثنا يونس بن یزید
جميعا عن محمد بن مسلم الزهرى عن عروة بن الزبير عن عائشة - رضى
الله عنها - عن رسول الله - وَله - قال: خلقت الملائكة من نور وخلق
إيليس من نار السموم، وخلق آدم - عليه السلام - مما قد وصف لكم(١).
(٢-٧٤) أخبرنا عبد الرحمن بن يحي ومحمد بن حمزة ومحمد بن
محمد بن يونس قالوا: أخبرنا يونس قال: حدثنا أبو داود.
وأخبرنا على بن محمد بن نصر قال: حدثنا محمد بن أيوب بن يحي
قال: حدثنا أبو سلمة موسى بن إسماعيل قال: حدثنا حماد بن سلمة عن
ثابت البنانى عن أنس بن مالك - رضى الله عنه - أن رسول الله - وله -
قال: لما صور آدم - عليه السلام - فى الجنة تركه ما شاء الله عز وجل أن
يتركه فجعل إبليس يطيف به وينظر إليه، فلما رآه أجوف علم أنه خلق
خلقاً لا يتمالك(٢). مشهور عن حماد بن سلمة .
(١) اسناده صحيح، وأخرجه م / فى الزهد / باب (١٠) فى أحاديث متفرقة، ٢٢٩٤/٤
ح٦٠ من طريق محمد بن رافع وعبد بن حميد ثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر به.
- حم ١٦٨/٦ من طريق عبد اللّه حدثنى أبى حدثنا عبد الرزاق عن معمر به .
(٢) م / البر والصلة / باب (٣١) خلق الإنسان خلقاً لا يتمالك، ٢٠١٦/٤ ح١١١ من
طريق أبى بكربن أبى شيبة ثنا يونس بن محمد عن حماد به .
- ٢٠٨ -

(٣-٧٥) أخبرنا أبو حاتم محمد بن عيسى الرازى بها(١) وعبدوس ٣٣/ أ
ابن الحسين النيسابورى به وأبو عمر أحمد بن محمد بن إبراهيم قالوا:
حدثنا أبو حاتم محمد بن إدريس الرازى قال: حدثنا محمد بن عبد الله
الأنصارى قال: حدثنا هشام بن حسان قال: حدثنى قيس بن سعد قال:
حدثنا عطاء بن أبى رباح قال: كنت جالسا عند ابن عباس فأتاه رجل
فقال: يا أبا عباس أرأيت الساعة التى ذكرها رسول الله - وَل ــ فى
الجمعة، هل ذكر لكم منها، فقال: اللّه أعلم إن الله عز وجل خلق آدم
- عليه السلام - يوم الجمعة بعد العصر خلقه من أديم الأرض كلها فنسى
آدم، ألا ترى أن من ولده الأسود والأحمر، والخبيث، والطيب، ثم عهد
إليه فنسى فسمى الإِنسان، فبالله إن غابت الشمس من ذلك اليوم حتى
أهبط من الجنة. هذا حديث مشهور عن هشام بن حسان(٢).
(٤-٧٦) أخبرنا عبدوس بن الحسين قال: حدثنا أبو حاتم قال:
(١) ((بها)) هكذا فى الأصل.
(٢) هشام بن حسان الأزدى القردوسى - بالقاف وضم الدال ـ أبو عبد اللّه البصرى، ثقة،
من أثبت الناس فى ابن سيرين، وفى روايته عن الحسن وعطاء مقال، لأنه قيل كان يرسل عنهما، من
السادسة. مات سنة سبع أو ثمان وأربعين. تقريب ٣١٨/٢. روى عن قيس بن سعد. تهذيب
الكمال ١٤٣٧/٣.
ولهذا الحديث والرواية التى تليه برقم (٧٦) عن ابن عباس شاهد نحوه مرفوع من حديث
أبى موسى - رضى الله عنه - أخرجه أحمد فى المسند ٤ / ٤٠٠، ٤٠٦، ولفظه: عن النبى - اَلر -
قال: إن الله عز وجل خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض
جاء منهم الأبيض والأحمر والأسود وبين ذلك والخبيث، والطيب، والسهل، والحزن، وبين
ذلك . اهـ.
- وأخرجه أبو داود فى / السنة / باب (١٧) القدر ٦٧/٥ ح ٤٦٩٣.
- وأخرجه الترمذى / فى تفسير سورة البقرة / تحفة الأحوذي ٢٩٠/٨ ح ٤٠٣١ وقال: هذا
حديث حسن صحيح.
- ٢٠٩ -

حدثنا أبو نعيم قال: حدثنا إبراهيم بن نافع قال: حدثنا الحسن بن مسلم
قال: سمعت سعيد بن جبير قال: سألت ابن عباس أوسئل فقيل له :
ياأبا عباس الساعة التى تذكر من يوم الجمعة، فقال: ابن عباس: الله
أعلم خلق آدم - عليه السلام - من بعد العصر يوم الجمعة وخلقه من أديم
الأرض فسجدوا له ثم عهد إليه فنسى فسمى الإِنسان، فوالله إن غابت
الشمس حتى خرج منها. رواه ابن أبى زائدة ومحمد بن ... عن إبراهيم
نحوه. رواه ابن عيينة عن إبراهيم بن نافع عن قيس بن سعد عن سعيد بن
جبير عن ابن عباس وزاد فيه، وقال: خلقه من أديم الأرض كلها أحمرها
وأسودها وخبيثها وطيبها نحو الأول. رواه أبو حصين عن سعيد بن جبير
عن ابن عباس - رضى الله عنهما -.
(٥-٧٧) وأخبرنا عبدوس بن الحسين قال: حدثنا أبو حاتم قال:
حدثنا عبد الله بن رجاء قال: حدثنا إسرائيل عن أبى حصين عن سعيد بن
جبير عن ابن عباس قال: إنما سمى آدم، لأنه خلق من أديم الأرض وإنما
سمی الإِنسان، لأنه نسی(١).
بيان قوله: ﴿وخلق منها زوجها﴾ .
(٦-٧٨) أخبرنا خيثمة قال: حدثنا أبو يحي بن أبي مسرة قال:
حدثنا عبد الله بن الزبير الحميدى قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن أبى
الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة - رضى الله عنه - قال: قال رسول الله
- وَّ -: إن المرأة خلقت من ضلع لن تستقيم لك على طريقة، فإن
(١) أخرجه ابن جرير فى التفسير ٢٢١/١٦ ولفظه: إنما سمى الإِنسان لأنه عهد إليه فنسى .
وذكره ابن كثير فى التفسير ((سورة طه)) ٣١٣/٦ دون قوله: إنما سمى آدم لأنه خلق من أديم
الأرض.
- ٢١٠ -

ذهبت تقيمها كسرتها، وإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عوج (١).
رواه جماعة عن أبى الزناد .
(٧-٧٩) وروى عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء
ابن يسار عن أبى هريرة عن النبى - وَلو - قال: لما خلق الله عز وجل آدم
انتزع ضلعا من اضلاعه فخلق منه حواء.
(٨-٨٠) أخبرنا أحمد بن الحسن بن عتبة الرازى قال: حدثنا
خير بن عرفة المصرى قال: حدثنا محمد بن خلاد الاسكندرانى قال :
حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن القارى عن عمروبن أبى عمرو(٢) عن
(١) خ / النكاح / باب (٧٩) المداراة مع النساء وقول النبى - بيئة -: (إنما المرأة كالضلع
الأعوج) فتح البارى ٢٥٢/٩ ح ٥١٨٤ من طريق عبد العزيز بن عبد الله قال: حدثنى مالك عن
أبى الزناد به. وباب (٨٠) الوصايا بالنساء ص٢٥٣ ح ٥١٨٦.
- وم / فى النكاح / باب (١٨) الوصية بالنساء ٢ / ١٠٩١ ح ٥٩ من طريق عمرو الناقد،
وابن أبى عمر قالا: ثنا سفيان به. وكذا ح ٦٥، ٦٠ مع ملاحظة أخطاء فى ترتيب أرقام الأحاديث
المذكورة فى مسلم .
- وله شاهد من حدیث سمرة أخرجه :
حم ٨/٥ من طريق عبد الله حدثني أبي، ثنا محمد بن جعفر، ثنا عون قال: وحدثنى رجل
قال: سمعت سمرة يخطب على منبر البصرة وهو يقول: سمعت رسول الله - 18 - يقول: إن المرأة
خلقت من ضلع، وإنك إن ترد إقامة الضلع تكسرها فدارها تعش بها. اهـ. وهو العنوان الذى ذكره
البخاری - رحمه الله -.
وقد ذكر ابن حجر فى الفتح ٢٥٢/٩ أن هذا الحديث أخرجه ابن حبان والحاكم والطبرانى فى
الأوسط .
- وله شاهد أيضا من حديث أبى ذر، أخرجه الدارمي فى النكاح باب (٣٥) مدارة الرجل
أهله ٧١/٢ ح ٢٢٢٧ .
(٢) عمروبن أبى ميسرة، مولى المطلب، المدني، أبو عثمان، ثقة، ربما وهم، من الخامسة،
مات بعد الخمسين، روى عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج. تقريب ٧٥/٢، تهذيب الكمال
١٠٤٥/٢.
- ٢١١ -

الأعرج عن أبى هريرة - رضى الله عنه - عن النبى - وسلم - أنه قال: إن
موسى - عليه السلام - قال لآدم - عليه السلام -: ياآدم خلقك الله عز
وجل بيده ونفخ فيك من روحه ثم قال لك: كن، فكنت. ثم قال:
﴿أسكن أنت وزوجك الجنة ... ) الآية. فنهاك عن شجرة واحدة
فعصيت، فقال آدم لموسى: ألم تعلم أن الله قدرها على قبل أن يخلقنى .
فقال رسول الله - مَّوَ - لقد حجَّ آدم موسى - عليهما السلام - ثلاث
مرات .
رواه جماعة عن أبى هريرة منهم أبو سلمة(١)، وطاووس(٢)، وأبو
صالح(٣)، وغيرهم(٤)، ولم يذكر منهم واحد فى حديثه: أسكن أنت
وزوجك الجنة. وهذه اللفظة في حديث روى عن أبى ذر - رضى
الله عنه - .
(١) خ / فى التفسير / باب (٣) ((فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى)) فتح البارى ٤٣٤/٨
ح ٤٨٣٨.
- حم ٢٤٨/٢ .
(٢) خ / فى القدر / باب (١١) تحاج آدم وموسى عند الله. فتح البارى ١١ / ٥٠٥ ح ٦٦١٤.
- م / القدر/ باب (٢) حجاج آدم وموسى - عليهما السلام - ٢٠٤٢/٤ ح ١٣.
- جه / مقدمة / باب (١٠) ٣١/١ ح ٨٠.
(٣) حم ٣٩٨/٢.
(٤) منهم حميد بن عبد الرحمن فى خ / الأنبياء / باب (٣١) وفاة موسى وذكره بعده. فتح
البارى ٤٤١/٦ ح ٣٤٠٩.
وفى التوحيد / باب (٣٧) ما جاء فى قوله عز وجل: ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾. فتح البارى
٤٧٧/١٣ ح ٧٥١٥.
- حم ٢ / ٢٦٤ .
- ومحمد بن سيرين فى حم ٤٤٨،٣٩٢/٢. وم / القدر/ باب (٢) ٤/ ٢٠٤٤ ح١٥
مكرر.
=
- ٢١٢ -

(٩-٨١) أخبرنا أحمد بن محمد بن عاصم قال: حدثنا عبد الله
ابن محمد بن النعمان قال: حدثنا عمروبن حماد قال: حدثنا أسباط بن نصر
عن إسماعيل السدى عن أبى مالك وعن أبى صالح عن ابن عباس وعن
مرة بن شراحيل عن ابن مسعود وعن أناس من أصحاب النبى - الهرم -
قالوا: أخرج إبليس من الجنة ولعن وأسكن آدم - عليه السلام - حين قال ٣٤/ أ
له: ﴿أسكن أنت وزوجك الجنة﴾ فکان یمشی فیها وحشیا لیس له زوج
يسكن إليها، فنام نومة فاستيقظ وإذا عند رأسه امرأة قاعدة خلقها الله عز
وجل من ضلعه فسألها ما أنت؟ قالت: امرأة. قال: ولم خلقت؟ قالت:
لتسكن إلي. فقالت له الملائكة - عليهم السلام - ينظرون ما بلغ علمه ما
اسمها يا آدم؟ قال: حواء. قالوا: لم سميت حواء؟ قال: لأنها خلقت من
شىء حي فقال الله عز وجل له: ﴿ياآدم أسكن أنت وزوجك الجنة وكلا
=
- وهمام بن منبه فى حم ٢ /٣١٤ فى حديث طويل. وم / القدر / باب (٤٢) ٤ / ٢٠٤٤
ح١٥ مکرر.
- ومالك فى الموطأ / القدر ص ٥٦٠ ح١ عن أبى الزناد عن الأعرج.
- م / فى القدر/ باب حجاج آدم وموسى، ٤ /٢٠٤٣ ح١٤ عن أبى الزناد عن الأعرج.
- والمؤلف فى الرد على الجهمية ص٦٨-٧١ ح ٣٨، ٣٩، ٤٠، ٤١، ٤٢.
قلت: وقد ذكر ابن حجر فى فتح البارى ٥٠٦/١١ فى شرح الحديث من رواية طاوس قال
ابن عبد البر: هذا حديث ثابت بالاتفاق، رواه عن أبى هريرة جماعة من التابعين، وروى عن النبى
- وَل * - من وجوه أخرى من رواية الأئمة الثقات الأثبات.
قال ابن حجر: قلت: وقع لنا من طريق عشرة عن أبى هريرة، ثم ذكرها.
وقد ذكر رواية المصنف حيث قال: وعند النسائى عن عمروبن أبى عمرو.
ثم قال فى ص ٥٠٧ بعد أن أورد الألفاظ المختلفة ومنها رواية عمروبن أبى عمرو عن الأعرج
حيث قال، وفيها: يا آدم خلقك الله بيده ... الخ. لفظ رواية المصنف. كما ذكر فى ص٥٠٨ بقية
الرواية وهى قوله: ألم تعلم أن الله قدر هذا على ... الخ.
وقد قال فى ص ٥٠٧ بعد ذكر تلك الألفاظ: من هذا وهذا يشعر بأن جميع ما ذكره فى هذه
الروايات محفوظ، وأن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ الآخر.
- ٢١٣ -

منها رغداً حيث شئتما﴾ - والرغد الهنى - ﴿ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا
من الظالمين﴾، (البقرة / ٣٥) ثم إن إبليس حلف لهما والله إنى لكما لمن
الناصحين وقال ياآدم ألا أدلكما على شجرة الخلد وملك لا يبلى وعلم أن
لهما سوءة وإنما أراد أن يبدى لهما سوءاتها ما توارى عنهما ويهتك لباسهما
فتقدمت حواء فأكلت ثم قالت ياآدم كل فإنى قد أكلت، فلم يضرنى،
فلما أكل آدم بدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة
وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو
مبين. فقال آدم: إنه حلف لى بك ولم أكن أظن أن أحدا من خلقك يحلف
بك كاذبا وإلا تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، قال اهبطوا بعضكم
لبعض عدو، فأهبطهم إلى الأرض آدم وحواء وإبليس والحية ﴿ولكم فى
الأرض مستقر ومتاع إلى حين﴾ .
أخرج مسلم بن الحجاج عن مرة وعن السدي وعمروبن حماد،
وأسباط بن نصر فی کتابه، وهذا اسناد ثابت.
- ٢١٤ -

التعليق :
أورد المصنف تحت هذه الترجمة : الآيات الدالة على وحدانية الله عز وجل فى
الألوهية، إذ هو وحده المتفرد بايجاد الخلق، ومن تفرد بالخلق وجب أن يكون هو المتفرد
بالألوهية فلا يعبد معه إله غيره .
ولما كان بنوآدم هم المقصودون بالهداية والدلالة على وحدانية الخالق، فقد بدأ
المصنف أولا بايراد الآيات الدالة على خلق أبيهم آدم - عليه السلام - فقد أنشأ خلقه
من تراب، بلا أب ولا أم، كما قال تعالى : ﴿الذى أحسن كل شىء خلقه وبدأ خلق
الإِنسان من طين﴾ (السجدة / ٧).
ثم خَلْقهُ لزوج آدم منه بلا أم، كما قال تعالى : ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم
الذى خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها ... ﴾ الآية (النساء /١).
ثم خَلْقُه لولد آدم من نطفة من ذكر وأنثى. كما قال تعالى : ﴿ثم جعل نسله
من سلالة من ماء مهين﴾ (السجدة/٨).
كما ذكر سبحانه فى آيات أخرى أنه خلق عيسى - عليه السلام - من - أم بلا
أب، وذلك كله دليل قاطع على وحدانية الخالق سبحانه وعلى تمام قدرته التى لا
يعجزها شىء ﴿إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون﴾ فهو سبحانه يدل عباده
ببديع صنعه لخلقه على وحدانيته وربوبيته ليفردوه بالعبادة .
كما أورد بعد ذلك الآيات الدالة على تفرد الخالق بخلق الأشياء كلها من غير
معين ولا ظهير، ودليل الخلق من أعظم آيات الله سبحانه على الوحدانية .
قال تعالى : خلق السموات بغير عمد ترونها وألقى فى الأرض رواسى أن تميد
بكم وبث فيها من كل دابة وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم. هذا
خلق الله فأرونى ماذا خلق الذين من دونه بل الظالمون فى ضلال مبين﴾
(لقمان / ١١،١٠).
وقال تعالى : ﴿ياأيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من
دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه
ضعف الطالب والمطلوب﴾ (الحج / ٧٣).
- ٢١٥ -

هذا وسوف أذكر ملخصا لما ذكره ابن كثير فى تفسير آيتى الروم والسجدة التى
أوردهما المصنف هنا .
قال - رحمه الله - ٣١٥/٦: يقول تعالى: ﴿ومن آياته﴾ الدالة على عظمته
وكمال قدرته أنه خلق أباكم آدم من تراب ﴿ثم إذا أنتم بشر تنتشرون﴾ فأصلكم من
تراب، ثم من ماء مهين، ثم تصور فكان علقة، ثم مضغة، ثم صار عظاما، شكله
على شكل الإِنسان، ثم كسا الله تلك العظام لحما، ثم نفخ فيه الروح، فإذا هو
سميع بصير، ثم خرج من بطن أمه صغيرا ضعيف القوى والحركة ثم كلما طال عمره
تكاملت قواه وحركاته حتى آل به الحال إلى أن صاريبنى المدائن والحصون، ويسافر
فى الأقطار والأقاليم ويركب متن البحور، ويدور أقطار الأرض ويتكسب ويجمع
الأموال وله فكرة وغور، ودهاء ومكر، ورأى وعلم ... إلى أن قال: ولهذا قال :
﴿ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون﴾.
قال : وقال الإِمام أحمد : حدثنی یحی بن سعيد وغندر قالا : حدثنا عوف،
عن قسامة بن زهير، عن أبى موسى قال: قال رسول الله - وَالله -: إن الله خلق آدم
من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنوآدم على قدر الأرض، جاء منهم
الأبيض والأحمر والأسود وبين ذلك والخبيث والطيب والسهل والحزن، وبين ذلك .
قال : وقوله : ﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا﴾ أى خلق لكم
من جنسكم إناثا يكن لكم أزواجا، لتسكنوا إليها كما قال تعالى: ﴿هو الذى
خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها﴾ (الأعراف / ١٨٩).
يعنى بذلك حواء، خلقها الله من آدم من ضلعه الأقصر الأيسر، ولو أنه جعل
بنى آدم كلهم ذكورا وجعل إناثهم من جنس آخر إما من جان أو حيوان، لما حصل
هذا الائتلاف بينهم وبين الأزواج، بل كانت تحصل نفرة لوكان الأزواج من غير
الجنس، ثم من تمام رحمته ببنى آدم أن جعل أزواجهم من جنسهم، وجعل بينهم
وبينهن مودة، وهى المحبة، ورحمة وهى الرأفة، فإن الرجل يمسك المرأة إما لمحبته لها
أو لرحمته بها، بأن يكون لها منه ولد، أو محتاجة إليه فى الانفاق، أو للألفة بينهما وغير
ذلك، ﴿إن فى ذلك لآيات لقوم يتفكرون﴾ .
وقال فى تفسير آيتى السجدة ٣٦٢/٦ :
يقول تعالى : إنه الذى أحسن خلق الأشياء واتقنها وأحكمها .
- ٢١٦ -

وقال مالك، عن زيد بن أسلم : (الذى أحسن كل شىء خلقه).
قال : (أحسن خلق كل شىء)، كأنه جعله من المقدم والمؤخر .
قال : ثم لما ذكر خلق السموات والأرض، شرع فى ذكر خلق الإِنسان فقال :
﴿وبدأ خلق الإنسان من طين﴾ يعنى خلق أبا البشر آدم من طين، ﴿ثم جعل نسله
من سلالة من ماء مهين﴾، أى يتناسلون كذلك من نطفة تخرج من بين صلب الرجل
وترائب المرأة، ﴿ثم سواه﴾ يعنى - آدم - لما خلقه من تراب خلقه سويا مستقيما،
﴿ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة﴾، أى بهذه القوى التى
رزقكموها الله - عز وجل - فالسعيد من استعملها فى طاعة ربه عز وجل. اهـ .
وقد أورد المصنف بعد تلك الآيات الدالة على وحدانية الله عز وجل الأحاديث
المفسرة لما شملته تلك الآيات فى الخلق .
فمنها حديث وصف خلق الملائكة وإبليس وآدم .
وحديث خلق آدم حينما صوره الله تعالى وتركه ما شاء الله فجعل إبليس يطيف
به ينظر إليه، فلما رآه اجوف عرف أنه خلق خلقا لا يتمالك .
وحديث ابن عباس فى خلق آدم من جميع الأرض. ثم الأحاديث الواردة فى
صفة خلق حواء من ضلع آدم، وإسكانه الجنة وإخراجه منها .
وهذه الأحاديث مفسرة لتلك الآيات إذ أن قائلها لا ينطق عن الهوى إن هو إلا
وحي يوحى .
وقال تعالى : ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ .
والمصنف - رحمه الله - فى مصنفاته التى أطلعت عليها لاسيما فى مسائل العقيدة
يحرص على ايراد النصوص من السنة، ومن أقوال سلف الأمة الموضحة لنصوص
كتاب الله عز وجل الواردة فى المسائل العقدية. كما يتضح ذلك من هذه الآثار التى
أوردها بعد ايراد تلك الآيات وما أورده فى الفصول السابقة لهذا الفصل .
وقد اتضح من هذه الآيات والأحاديث دلالتها الواضحة على وحدانية الخالق
سبحانه فى الوهيته وربوبيته بما دل عليه من صنعته لخلقه فهو المتفرد بذلك وحده .
- ٢١٧ -

٢١ - ذكرآية ◌َُّلُ عَلَ وَحَائِة السَّعْ وَجَلّ مَنْ انتقال الحَلِقِ مِنْ حَإِ لَى حَالٍ.
فقال الله عز وجل: ﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من
طين ... ) إلى قوله: ﴿فتبارك الله أحسن الخالقين﴾(١).
وقال عز وجل: ﴿ألم نخلقكم من ماء مهين فجعلناه فى قرار
مكين﴾(٢) .
وقال: ﴿قتل الإِنسان ما أكفره من أى شىء خلقه ... ﴾ الآية إلى
قوله: ﴿متاعا لكم ولأنعامكم﴾(٣).
وقال: ﴿هل أتى على الإِنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً
إنا خلقنا الإنسان من نطفة ﴾ (٤) الآية .
وقال: ﴿ألم يك نطفة من منى يمنى ... ﴾(٥) إلى آخر السورة.
وقال: ﴿أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون﴾(٦).
بيانها من الأثر:
(١-٨٢) أخبرنا أحمد بن محمد بن زياد ومحمد بن يعقوب قالا :
حدثنا الحسن بن على بن عفان، حدثنا عبد الله بن نمير .
(١) سورة المؤمنون الآية: ١٢ -١٤.
(٢) سورة المرسلات الآية: ٢٠ -٢١ .
(٣) سورة عبس الآية: ١٧- ٢٢.
(٤) سورة الدهر الآية: ١- ٢ .
(٥) سورة القيامة الآية: ٣٧ -٤٠ .
(٦) سورة الواقعة الآية: ٥٨-٥٩.
- ٢١٨ -

وأخبرنا أحمد بن سليمان بن أيوب قال: حدثنا أبوزرعه عبد الرحمن
ابن عمرو قال: حدثنا عمر بن حفص بن غیاٹ، حدثنا أبی قالا : حدثنا
الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الله بن مسعود - رضى الله عنه - قال:
حدثنا رسول الله - 18 - وهو الصادق المصدوق إن خلق أحدكم يجمع فى
بطن أمه أربعين ليلة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم
يبعث الله عز وجل إليه ملكا بأربع كلمات، فيقول أكتب أجله ورزقه وشقی
أو سعيد، وأن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبين الجنة
إلا ذراع فيغلب عليه الكتاب الذى سبق فيختم له بعمل أهل النار فيدخل
النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع
فيغلب عليه الكتاب الذي سبق فيختم له بعمل أهل الجنة(١).
هذا حديث مجمع على صحته رواه جماعة من الأئمة الثقات عن
الأعمش.
(١) أخرجه خ / فى بدء الخلق / باب (٦) ذكر الملائكة. فتح البارى ٣٠٣/٦ ح ٣٢٠٨ من
طريق الحسن بن الربيع، ثنا أبو الأحوص عن الأعمش به.
- وفى الأنبياء / باب (١) خلق آدم وذريته. فتح البارى ٣٦٣/٦ ح ٣٣٣٢ من طريق عمر
ابن حفص ثنا أبى، ثنا الأعمش به.
- وفى القدر / باب (١). فتح البارى ١١ / ٤٧٧ ح ٦٥٩٤ من طريق أبى الوليد هشام بن
عبد الملك، ثنا شعبة أنبأنا سليمان الأعمش به .
- وفى التوحيد / باب (٢٨) قوله تعالى: ﴿ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين﴾. فتح
البارى ١٣ /٤٤٠ ح ٧٤٥٤ من طريق آدم، ثنا شعبة، ثنا الأعمش به.
- م/ فى القدر/ باب (١) كيفية الخلق الآدمی فی بطن أمه
.. ،٤ /٢٠٣٦ ح١.
- جه / المقدمة / باب (١٠) فى القدر ٢٩/١ ح٧٦.
- حم ٣٨٢/١، ٤١٤، ٤٣٠.
- ٢١٩ -

التعليق :
سبق فى الفصل السابق لهذا - وعنوانه - (ذكر الآيات الدالة على وحدانية الله
عز وجل، وأنه خالق الخلق ومنشيها من تراب آدم، ثم من نطفة ولده)، وهذا
الفصل - هو بمثابة تفصيل وتوضيح لقوله ــ («ثم من نطفة ولده)) .
فإن الله تبارك وتعالى، قد جعل رحلة خلق هذا الإِنسان، وتنقل خلقه من
حال إلى حال، من نطفة، بل من جزء صغير حقير من تلك النطفة، وخلقه فى بطن
أمه خلقا من بعد خلق فى ظلمات ثلاث، ظلمة الرحم، وظلمة البطن، وظلمة
المشيمة، دليل واضح على وحدانية الخالق سبحانه حيث قال: ﴿ ... يخلقكم فى
بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق فی ظلمات ثلاث ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا
هو فأنى تصْرَفون﴾ (الزمر /٦).
وقد أوضحت الآيات من سورة ((المؤمنون)) التى أوردها المصنف هنا رحلة هذا
الإِنسان فى أطوار خلقه إلى أن أصبح بشرا سويا .
يقول تعالى : ﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين. ثم جعلناه نطفة فى
قرار مكين. ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا
العظام لحماً ثم أنشأناه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين﴾ (المؤمنون الآية ١٢-١٤).
والآيات الأخرى التى أوردها المصنف كلها تبين هذا المعنى وتوضحه وهو أنه
إذا كان هذا خلق الإنسان وهو المشاهد لبنى البشر، ولم يدّع أحد أنه خلق نفسه أو
ولده، فكيف يشرك مع الله معبودا آخر يخافه ويرجوه .
والله يقول: ﴿أم خلقوا من غير شىء أم هم الخالقون. أم خَلَقوا السموات
والأرض بل لا يوقنون﴾ (الطور / ٣٥-٣٦).
ويقول : ﴿وفى الأرض آيات للموقنين. وفى أنفسكم أفلا تبصرون﴾
(الذاريات / ٢٠ -٢١).
ثم اتبع المصنف الآيات بحديث عبد الله بن مسعود - رضى الله عنه - المرفوع
المتفق عليه، والذى يشرح ويوضح كيفية خلق الإنسان فى بطن أمه، وما قدر له من
:
- ٢٢٠ -