النص المفهرس
صفحات 21-40
إلى الناس كافة إلا حسدا من عند أنفسهم كما قال تعالى : ﴿ ولما جاءهم
كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين
كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين بئسما اشتروا
به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء
من عباده فباءوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين﴾(١).
هذا البغى والحسد حمل أعداء هذا الدين إلى الكيد لأهله بشتى
الوسائل لأنهم يكيدون له عن علم ويقين ومعرفة بأنه الدين الصحيح الذى
لا ينبغى لأحد من البشر أن يطلب دينا غيره . ﴿ومن يبتغ غير الإسلام
دينا فلن يقبل منه وهو فى الآخرة من الخاسرين ﴾(٢).
وأول من كاد لهذا الدين اليهود الذين تحدث القرآن عن معرفتهم
التامة لرسول الله - ﴿﴿ - معرفة الأب لابنه .
فدخل فى دين الإِسلام نفاقا وخداعا ومكرا (عبد الله بن سبأ) الذى
قام بأول فتنة هزت كيان الأمة الإِسلامية تلك الفتنة هى تحريضه الرعاع
من الناس على قتل ذى النورين الخليفة الراشد عثمان بن عفان - رضى الله
عنه - الذي تستحي منه ملائكة السماء.
وحينما شاطت تلك الأيدى الآثمة بدم عثمان الخليفة الراشد يوم
الدار، ذرّقرن الفتن ثم تتابعت تلك الفتن وظهرت معها الفرق التى تلبس
لتنفيذ أهدافها، الدين، وتمزجه بالسياسة، والتى تهدف من ورائه تفريق
كلمة الأمة وهدّ كيان الإِسلام فتفسر الأمور الدينية على رأيها وهواها،
(١) سورة البقرة الآية: ٩٠،٨٩.
(٢) سورة آل عمران الآية: ٨٥ .
- ٢١ -
فالخوارج الذين خرجوا عَلَى علي بن أبى طالب ومعاوية - رضى الله عنهما -
وقد ناظرهم ابن عباس - رضى الله عنهما - وألقمهم الحجر ودحض شبههم
فرجع للحق من وفقه الله، وبقى الآخرون الذين قتلهم على وجاء ذلك
مُوافقا لما أخبر به رسول الله - {ل﴾ - لمروقهم من الدین وقد قتلوا شرقتله،
ووجد فيهم من وصفه رسول الله - صل * - بذى الثدية.
ثم الشيعة، وهم المشايعون لعلى بن أبى طالب - رضى الله عنه -
فى زعمهم، وقد كانت أسس عقائدهم من وضع اليهود وكيدهم،
فالمخطط الأول - ابن سبأ - اليهودى الماكر فهو الذى دعا إلى ألوهية علي
ابن أبى طالب - رضى الله عنه - أولا، وهو القائل بعد قتل على - رضى
الله عنه - بأنه سيعود مرة أخرى وهى عقيدة الرجعة، وهو القائل أن الرعد
صوته وغير ذلك من العقائد الباطلة الموجودة عند غلاة الشيعة الروافض.
ثم كثر الجدل فى الأندية والمساجد والمجتمعات، وقد تمخض عن
ذلك الجدل الذي بني أكثره على الباطل وعلى قواعد المنطق اليوناني، عن
عقائد اعتنقها هؤلاء وهؤلاء، فظهرت بدعة القول بنفى القدر من معبد
الجهنى، فتبرأ منه ابن عمر وغيره من الصحابة - رضوان الله عليهم -، كما
تبرؤا ممن يقول بهذه المقالة.
ثم حدثت بدعة الأرجاء فى الإِيمان من غيلان الدمشقى، ثم بدعة
الجهم بن صفوان ببلاد المشرق فعظمت الفتنة به، فإنه نفى أن تكون لله
تعالى صفة، وأورد على أهل الإِسلام شكوكا أثرت فى الملة الإِسلامية آثارا
قبيحة تولد عنها بلاء كبير فكثر اتباعه على أقواله التى تؤول إلى التعطيل
فأكبر أهل السنة والجماعة بدعته وحذروا الناس منه، وقد حكموا بتكفيره،
وقد مات مقتولا سنة (١٢٧) مائة وسبعة وعشرين هجرية .
- ٢٢ -
كما حدث فى أثناء ذلك مذهب الاعتزال على يد واصل بن عطاء،
وقد سلكت طائفة المعتزلة مسلكا فكريا - بخلاف الخوارج والشيعة الذين
يميل مذهبهم إلى السياسة - فبنت مذهبها على الجدل واستعانت فى ذلك
بما وجدته من منطق اليونان وفلسفتها لتعزيز آرائها، وبذلك سمحت
لنفسها برد أخبار الآحاد الصحيحة الثابتة عن رسول الله - وَليل - فى العقائد
وتأويل النصوص القطعية كآيات القرآن الكريم ونصوص الأحاديث
المتواترة لتتفق مع مبادئها، إذْ ما أسلم امرؤ نفسه للجدل فى الدين الذى
نهى عنه إلا وقد سمح لعقله أن يتحرر من قيود النصوص الشرعية وأن
يبتدع فى دين الله ما ليس منه وان حاول أن يوجد لرأيه دليلا من كتاب أو
سنة .
وقد كان لهذه الأفكار المنحرفة والبدع المحدثة دعاة يؤلفون الكتب
والمقالات ويدللون على الشبه ويناظرون عليها، ولذلك انتشرت هذه
العقائد بين الناس واعتنقها الكثير منهم.
موقف ابن منده من هذه المذاهب والأفكار :
وفى عصر ابن منده صاحب هذه الترجمة كانت تلك المذاهب
والعقائد المخالفة لكتاب الله وسنة رسوله - وقال - فى أوجها، وقد كان
للعلماء الذين سبقوه الدور البارز فى صد تلك الشبه والعقائد الفاسدة
كالإِمام أحمد بن حنبل - رضى الله عنه - إمام أهل السنة وقامع البدعة،
والذی أید الله بثباته کتابه العزیز وسنة رسوله - گێول -، فقد دحض شبه
المعتزلة وانتصر الحق على الباطل، ومثله الإِمام البخارى والإِمام ابن
خزيمة، والدارمى، والدارقطنى، وغير هؤلاء من أئمة أهل السنة
والجماعة ممن نصر الله بهم كتابه وسنة رسوله - الآن -.
- ٢٣ -
وحين جاء الإِمام الحافظ ابن منده وعقيدته هي عقيدة أهل السنة
والجماعة وهو من أعلامهم أدلى بدلوه مع هؤلاء الأئمة دفاعا عن كتاب الله
وسنة رسوله - رَله- وقياما بما أوجبه الله على العلماء من بيان الحق والدعوة
إليه، لأن الطعن فى كتاب الله وفى سنة رسوله - رَله - بتحريفهما وتأويلهما
هو طعن فى الإِسلام وهدم لقاعدته الأساسية، لأن كل مؤول لنصوص
الكتاب والسنة، لا يمكنه أن يقيم أيّ حجة بدليل سمعى على ملحد فى
دين الله، لأنه يؤول ويحرف دليله السمعى بمثل ما عمل هوفى الأدلة
السمعية، إذ ليس تأويل أو تحريف زيد من الناس لنص من كتاب الله أو
سنة رسوله - * - بأولى من تحريف عمرو له، والدفاع عن كتاب الله
وسنة رسوله - نقلر - من أعظم الجهاد فى سبيل الله تعالى.
لذلك فقد ألف كتبا فى العقائد بين فيها الحق الذى يجب على
المسلم اعتقاده، ورد شبه المبطلين وبين زيفها ودحضها بالنصوص الشرعية
من كتاب الله الكريم وسنة رسوله - رَليه - الثابتة مؤيدا ذلك بأقوال السلف
من الصحابة والتابعين ومن سلك مسلكهم إلى عصره الذى عاش فيه،
ومن تلك الكتب :-
١ - كتاب الإِيمان: الذى رد به على الجهمية، والمرجئة، والكرامية،
وغيرهم ممن خالف ما جاء فی کتاب الله وسنة رسوله - ێ - فى مسائل
الإِيمان، وقد كان الكتاب من أشمل ما ألف فى هذا الباب من كتب
السلف، إذ شمل أكثر من مائة فصل، كما احتوى على ألف وخمسة وثمانين
حديثا وأثرا. وقد وفق الله تعالى لتحقيقه ونشره(١).
٢ - كتاب الرد على الجهمية(٢).
(١) طبعة المجلس العلمي بالجامعة الإسلامية ١٤٠١ هـ بتحقيقنا.
(٢) طبع مرتين بمطابع الشركة المتحدة للتوزيع بتحقيقنا.
- ٢٤ -
٣ - كتاب فى الرد على اللفظية.
٤ - کتاب فى النفس والروح.
أما كتاب الرد على اللفظية. وكتاب النفس والروح، فلم أعثر
عليهما، وله مؤلفات أخرى فى الحديث والتفسير والمصطلح والتأريخ وقد
ذكرت ذلك فى تحقيقى لكتاب الإِيمان. انظره ص٦٢ من المقدمة.
أما كتاب التوحيد الذى بين أيدينا فيقع فى سبعة أجزاء. وقد اشتمل
على مائتین وستة وأربعین فصلا شملت تسعمائة وستة عشر حدیثا وأثرا .
كما أن المصنف أكثر الاستدال بالآيات الكريمة فى جميع فصول الكتاب
لا سيما فى قسم الوحدانية فى الربوبية مستدلا به على الوحدانية فى
الألوهية .
وسنورد بعد قليل وصفا مفصلا للكتاب وما اشتمل علیه من مباحث
فى هذا الجانب المهم من مباحث العقيدة التى تهم المرء المسلم، ألا وهو
توحید الله عز وجل .
هذا وقد شمل الكتاب أقسام التوحيد الثلاثة، التى جاءت فى
كتاب الله تعالى، وفى سنة رسوله - رَسير - وهي :-
١ - توحيد الربوبية.
٢ - توحيد الألوهية.
٣ - توحيد الأسماء والصفات.
وقد بحث المصنف توحيد الأسماء مستقلا، ثم اتبعه بتوحيد
الصفات بحيث جاءت الأقسام أربعة .
وقد أطال المصنف النفس فى مبحث الربوبية مستدلا به على توحيد
الألوهية، لأن توحيد الألوهية هو الذى حصل فيه النزاع بين جميع الأمم
وأنبيائهم .
- ٢٥ -
وكذلك توحيد الأسماء والصفات، وذلك للخلاف الناشىء فى ذلك
بين الفرق الإِسلامية بما أدخله أعداء الإسلام على المسلمين فى عقائدهم
بقصد تفريق كلمتهم وتمزيق وحدتهم التى يجمعها كتاب الله وسنة رسوله
- ﴿ * - لأنه بقبول آرائهم فى تحريف كتاب الله وسنة رسوله - {قلهو - يصل
أعداء الإِسلام إلى أغراضهم، وبذلك يفرقون وحدة الأمة الإِسلامية،
وقد وصلوا إلى ذلك.
كما أشار المصنف إلى توحيد الربوبية بالتصريح مرة أخرى فى آخر
الكتاب موردا عليه الأدلة من الكتاب العزيز وأقوال السلف، ولم يطل
البحث هناك، لأنه أورده لمناسبة اقتضت ذلك، ولأنه موضع اتفاق بين
الأمم إلا من شذ فجحد بلسانه وقلبه متيقن بالحق كما قال تعالى عن
فرعون وقومه: ﴿وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا﴾(١).
وقوله: ﴿لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض
بصائر﴾ .
وقال عمن بعث فيهم محمد - وَالى -: ﴿ولئن سألتهم من خلق
السموات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم﴾(٢).
والناظر فى كتاب الله عز وجل بعين البصيره سيجد أنه لم يرد ذكر
توحيد الربوبية فى كتاب الله عز وجل إلا استدلالا به على وحدانيته سبحانه
وتعالى فى العبادة، وذلك لالزام المشركين لاعترافهم به، فيلزمهم أن
يوحدوا الله فى العبادة وأن لا يعبدوا معه غيره بأى نوع من أنواع العبادة
المذكورة فى كتاب الله، وفى سنة رسوله - والله -.
وتوحيد الربوبية وهو الإقرار بأن الله خالق السموات والأرض ، وانه
(١) سورة النمل الآية: ١٤ .
(٢) سورة الزخرف الآية: ٩ .
- ٢٦ -
المحيي المميت ، والذى يؤمن به الذين بعث فيهم محمد وَّرٍ لم يدخلهم فى
الإِسلام ، وذلك لانكارهم توحيد الألوهية لأنه حينما قال لهم رسول الله
* * : قولوا : لا إله إلا الله - أيْ اعبدوه وحده ولا تشركوا به شيئا - قالوا:
كما حكى الله عنهم ﴿ أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشىء
عجاب ﴾(١).
وقد قاتلهم النبى وَي على تحقيق ذلك وهم مقرون بأن الله هو
خالقهم ورازقهم ﴿ ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن
الله ﴾. (٢)
ومؤلف هذا الكتاب عاش فى القرن الرابع الهجرى
(٣١٠ - ٣٩٥هـ)، وقد اشتمل كتابه على أقسام التوحيد التى ورد
ذكرها فى كتاب الله تعالى : توحيد الربوبية - توحيد الألوهية - توحيد
الأسماء والصفات ، فبدأ بقسم الوحدانية فى الربوبية مستدلا به على
توحيد الله فى الألوهية .
ثم ذكر عنوانا - لتوحيد الأسماء - ومنه دخل فى توحيد الألوهية
وذلك من الفصل الثانى والأربعين إلى الفصل الخمسين .
ثم عاد لتكميل أسماء الله تعالى .
ثم اتبعه بتوحيد الصفات حيث بحثه مستقلا عن أسماء الله عز
وجل .
ثم عاد إلى توحيد الربوبية بالتصريح بذلك فى آخر الكتاب ولم يخرج
فى استدلاله على ذلك عن كتاب الله ولا سنة رسوله ول وأقوال السلف كما
يجد ذلك القارىء فى الكتاب .
(١) سورة ص الآية: ٥ .
(٢) سورة لقمان الآية : ٢٥.
- ٢٧ -
وهذا التقسيم الذى شمله هذا الكتاب ، رد على أبى حامد بن
مرزوق الذى يقول فى كتابه المسمى ((التوسل بالنبي وجهالة الوهابيين)):
ان تقسيم التوحيد إلى توحيد الربوبية ، وتوحيد الألوهية ، والقول بأن
المشركين كانوا مؤمنين بالأول دون الثانى ولم يدخلهم فى الإِسلام ان ذلك
بدعة ابتدعها ابن تيمية ، وقلده فيها محمد بن عبد الوهاب(١).
وذلك لأن ما ذكره أبو حامد بن مرزوق فى كتابه هذا لم يأخذه من
كتاب الله ، ولا من سنة رسوله وَليّ القولية والعملية ، لأن الله سبحانه
وتعالى قد أخبر عن إقرار المشركين بأن الله خالق المخلوقات ، كما قال
تعالى: ﴿ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله قل
أفرأیتم ما تدعون من دون الله إن أرادنی الله بضر هل هن كاشفات ضره أو
أرادنى برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبى الله عليه يتوكل
المتوكلون ﴾(٢).
قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون . سيقولون لله قل أفلا
تذکرون ﴾(٣).
ومع هذا الإِقرار فقد أخبر تعالى انهم كفار بالله وبرسوله ، لأنهم لم
يؤمنوا بتوحيد الألوهية وهو أن الله هو الإِله الحق المستحق للعبادة وحده .
قال تعالى مخبراً عنهم : ﴿ أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا الشىء
عجاب ﴾ (٤).
(١) انظر ص ٢٠ وما بعدها من هذا الكتاب - وهو طبع - حسين حلمى بن سعيد استنبولى
سنة ١٣٩٦ هـ، استنبول، تركية .
(٢) سورة الزمر الآية: ٣٨.
(٣) سورة المؤمنون الآية: ٨٤، ٨٥.
(٤) سورة ص الآية: ٥ .
- ٢٨ -
وقال : ﴿ ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما
نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ﴾(١).
أما من السنة . فقد قاتل رسول الله صل هؤلاء وهم مقرون بأن الله
هو الخالق الرازق كما ترى على تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله فقال :
(( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول
الله، ويقيموا الصلاة ، ويؤتوا الزكاة ، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني
دماءهم وأموالهم إلا بحق الإِسلام وحسابهم على الله)) (٢). فكيف يكون
ذلك بدعة ابتدعها ابن تيمية وتبعه عليها محمد بن عبد الوهاب . نعوذ بالله
من عمى القلوب . إنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التى فى
الصدور .
وقد نص الله تعالى على توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية فى أول
كتابه الكريم، وفي آخره - فأوله - قوله تعالى: ﴿الحمد لله رب العالمين.
الرحمن الرحيم مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين﴾ .
وفى آخره قوله تعالى: ﴿قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله
الناس﴾ .
كما نص على هذا التقسيم تقي الدين أحمد بن المقريزى فى كتابه
((تجريد التوحيد المفيد)) وهو مولود قبل محمد بن عبد الوهاب بعدة قرون
يقول فی کتابه هذا:
اعلم أن الله سبحانه هو رب كل شيء ومالكه وإلهه، فالرب مصدر
ربّ يرب رَبًّا فهورابٌ: فمعنى قوله تعالى ﴿ربّ العالمين﴾ رابّ العالمين
فإن الرب سبحانه وتعالى هو الخالق الموجد لعباده القائم بتر بيتهم
(١) سورة الزمر الآية: ٣ .
(٢) البخاری/ الإِيمان / فتح البارى ٧٥/١ ح٢٥
- ٢٩ -
واصلاحهم المتكفل بصلاحهم من خلق ورزق وعافية واصلاح دينى
ودنیا .
والإلهية، كون العباد يتخذونه سبحانه محبوبا مألوها ويفردونه بالحب
والخوف والرجاء والاخبات والتوبة والنذر والطاعة والطلب والتوكل ونحو
هذه الأشياء ... إلى أن قال: وهذا التوحيد مقام الصديقين، ولاَ رَيْبَ أن
توحيد الربوبية لم ينكره المشركون بل أقروا بأنه سبحانه وحده خالقهم
وخالق السموات والأرض والقائم بمصالح العالم کله، وإنما أنكروا توحید
الإلهية والمحبة كما حكى الله تعالى عنهم فى قوله ﴿ومن الناس من يتخذ من
دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبًّا لله﴾ فلما سووا غيره
به فى هذا التوحيد كانوا مشركين(١). ثم استمر فى ذكر أدلة هذا النوع من
التوحيد من كتاب الله تعالى بآيات أوضح من الشمس فى رابعة النهار. ولا
ينكر هذا إلا جاهل أو متجاهل.
وبهذا يتضح إن قول أبى حامد(٢) هذا لم یأخذه من كتاب الله ولا من
سنة رسوله وَ﴿ وإنما أخذه من كتب علم الكلام التى لم يستطع أصحابها
التفريق بين توحيد الربوبية الذى أقربه عامة المشركين ، وتوحيد الألوهية
(١) انظر تجريد التوحيد المفيد للمقريزى من ص ٤ - ٩ طبعة سنة ١٣٧٣ هـ المطبعة المنيرية
تعليق محمد طه الزينى .
(٢) هذا الاسم المستعار المكنى بأبى حامد بن مرزوق المؤلف لهذا الكتاب المسمى (التوسل
بالنبى وجهالة الوهابيين) لا يستغرب تأليفه ولا نشره، إذ أن الذى أعتنى بطبعه هو الشخص المسمى
- حسين حلمي بن سعيد استنبولى - وهذا الرجل هداه الله - قد سخر نفسه لنشر مثل هذا الكتاب
وأمثاله الدالة :
أولا: على جهل مؤلفيها بنصوص كتاب الله، النصوص الواضحة لكل قارىء.
ثانيا :- الجهل بما جاء فى سنة رسول الله - رَّله - الصحيحة، وإلا فمن الذى لا يفهم ما نص
عليه القرآن بأن من بعث إليهم محمد - 8# - كانوا يقرون بأن الله ربهم وخالقهم ورازقهم، ولكنهم
حينما قال لهم رسول الله - * -: (اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا). قالوا: ((أجعل الآلهة إلها
واحدا إن هذا لشيء عجاب)). فقاتلهم على ذلك مع تصريحهم بالاعتراف بالله جل وعلا . =
- ٣٠ -
الذى أنكروه فقاتلهم الرسول وص له على تحقيقه .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن أوضح بالأدلة القرآنية إقرار
المشركين بتوحيد الربوبية والذى أقرت به جمیع الأمم کما حكاه أصحاب
المقالات ، وان النزاع بين الأمم وأنبيائهم إنما كان فى توحيد الألوهية كما دل
عليه القرآن ، قال :
وبهذا وغيره يعرف ما وقع من الغلط فى مسمى التوحيد ، فان عامة
المتكلمين الذين يقررون التوحيد فى كتب الكلام والنظر ، غايتهم أن
يجعلوا التوحيد ( ثلاثة أنواع ) .
فيقولون : هو واحد فى ذاته لا قسيم له ، وواحد فى صفاته لا شبيه
له ، وواحد فی أفعاله لا شريك له .
قال: وأشهر الأنواع الثلاثة عندهم هو الثالث ، وهو (( توحید
الأفعال )) وهو أن خالق العالم واحد ، وهم يحتجون على ذلك بما يذكرونه
من أدلة التمانع وغيرها ، ويظنون أن هذا هو التوحيد المطلوب ، وان هذا
معنى قولنا : لا إله إلا الله ، حتى يجعلوا معنى الإلهية القدرة على
الاختراع .
= ثالثا: إن هذا الرجل يظهر والله أعلم أنه مدفوع من جبهات معادية للإِسلام تبحث عن
تشويهه والطعن فى علماء الإسلام العاملين بما جاء فى كتاب الله وسنة رسوله. ولهذا تجد الكثير من
الكتب المملؤه بالجهل والحقد على الإِسلام وعلمائه ينشرها هذا الرجل، وقد علمت ممن قابله أنه لا
علم عنده وإنما هو مسخر نفسه لنشر مثل هذه الكتب وتوزيعها، وقد وجدت الكثير منها فى أفريقيا،
وأكثر المتقبلين لها هم أصحاب الطرق الصوفية لأنها تساعدهم فى نشر خرافاتهم ليتمكنوا من
السيطرة على أفكار العوام لاستغلالهم فى أخذ أموالهم وتسخيرهم لخدمتهم.
وإن الذى ينشر ما يضل به المسلمين، عليه أن يتحمل وزر عمله، ومثل أوزار من يضلهم عن
سبيل الله .
فعلى علماء المسلمين أن ينبهوا الناس ويحذرونهم من كتب أهل الضلال والزيغ، ومنها ما
ينشره حسين حلمى بن سعيد استنبولی. هداه الله .
- ٣١ -
قال: ومعلوم إن المشركين من العرب الذين بعث إليهم محمد وليد
أولا : لم يكونوا يخالفونه فى هذا ، بل كانوا يقرون بأن الله خالق كل شىء
حتى أنهم كانوا يقرون بالقدر أيضا ، وهم مع هذا مشركون(١). أهـ.
وما أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية من تقسيم التوحيد عند
المتكلمين الى تلك الثلاثة الأقسام ننقله من كتبهم .
يقول الشهرستانى فى كتابه ( الملل والنحل ١ /٤٢) : وأما التوحيد
فقد قال أهل السنة وجميع الصفاتية : إن الله تعالى واحد فى ذاته لا قسيم
له ، وواحد فى صفاته الأزلية لا نظير له ،وواحد فى أفعاله لا شريك له .
قلت : ويقصد بأهل السنة الأشاعرة أتباع أبى الحسن الأشعرى
على مذهبه الكلابي الذى رجع عنه . كما فى كتبه المقالات والإِبانة ،
وهذا ما يقررونه فى كتبهم الكلامية .
وهذا التقسيم كما يرى القارىء لا يخرج عن توحيد الربوبية الذى
أقربه المشركون ولم ينجهم من عذاب الله تعالى ، لأنهم لم يحققوا توحيد
الألوهية وهو إخلاص العبادة لله وحده كما دعتهم الرسل إليه .
قال تعالى: ﴿ولقد بعثنا فى كل أمة رسولا أن أعبدوا الله ﴾. فلم
یقولوا لهم اعترفوا بأن الله واحد فى أفعاله لا شريك له ، لأنهم يقررن أن
الله هو خالق العالم لا شريك له ﴿ ولئن سألتهم من خلق السموات
والأرض ليقولن الله﴾. ومع ذلك قالوا فى توحيد الألوهية: ﴿أجعل
الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب ﴾.
(١) الفتاوى ٩٧/٣-٩٨
- ٣٢ -
وَصْفُ الكِتاب وَمَباحِته
قسم المؤلف التوحيد إلى أربعة أقسام - حيث جعل أسماء الله
الحسنى قسما مستقلا - ثم أتبعها بالصفات .
وأقسام التوحيد التى ذكرها هى :
١) الوحدانية فى الربوبية .
٢) توحيد الألوهية - وهو تحقيق - شهادة إن لا إله إلا الله.
٣) توحيد أسماء الله الحسنى .
٤ ) الصفات .
وقد بدأ المؤلف بوحدانية الله تعالى فى الربوبية مستدلا بذلك على
توحيده تعالى فى العبادة وأورد على ذلك الأدلة المتعددة والمتنوعة من كتاب
الله الكريم ، ومن سنة رسوله وَله، وأتبعها بأقوال السلف وتفسيراتهم
لتلك النصوص مركزا على الأستدلال بهذا النوع من أنواع التوحيد على
توحيد العبادة الذى اختلف فيه الأنبياء مع أممهم إذ كل نبى دعا قومه لعبادة
الله وحده . كما قال تعالى : ﴿ولقد بعثنا فى كل أمة رسولا أن أعبدوا الله
واجتنبوا الطاغوت ﴾(١) الآية. وذلك لأن توحيد الربوبية لم يعرف عن
البشر إنكاره إلا ممن شذ ففسدت فطرته كالدهرية ومن سلك سبيلهم فى
الظاهر غالبا مع استيقانهم فى أنفسهم إن الذى يقولونه بألسنتهم مخالف
للواقع والفطرة البشرية التى فطر الله الناس عليها ، كما قال عن فرعون
وقومه : ﴿ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فأنظر كيف كان
عاقبة المفسدين ﴾(٢).
(١) سورة النحل الآية: ٣٦.
(٢) سورة النمل الآية: ١٤ .
- ٣٣ -
وقال عن الفطرة التي فطر الله الناس عليها : ﴿ فأقم وجهك للدين
حنيفا فطرة الله التى فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين
القيم ﴾(١) الآية .
وكما قال تعالى: ﴿وإذ أخذ ربك من بنى آدم من ظهورهم
ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا ان تقولوا
يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ﴾(٢).
وهذا الميثاق فى هذه الآية بينته السنة ، كما فى حديث أبى هريرة
- رضى الله عنه - قال: قال رسول الله اليه: كل مولود يولد على الفطرة
فأبواه يهودانه أو يمجسانه أوينصرانه . ثم قرأ أبو هريرة قوله تعالى :
فطرة الله التى فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ﴾
الآية .
والفطرة فسرها ابن زيد ومجاهد وغيرهما بأنها الإِسلام(٣).
من أجل ذلك فان المصنف أفتتح كتابه هذا بعنوان :
(( ذكر ما وصف الله به نفسه ودل على وحدانيته عز وجل وإنه أحد
صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد )).
ثم أورد تحته الأحاديث التى فى الصحيحين الواردة فى تفسير سورة
الاخلاص وفى فضلها وإن فيها صفة الرحمن ، وإن من أحب سورة
الاخلاص لذلك الوصف لله عز وجل أحبه الله وأدخله الجنة .
وقد أطلت التعليق على هذا الفصل وأوردت كلام ابن حجر- رحمه
الله - فى الرد على ابن حزم - رحمه الله - فى إنكاره أن تكون لله صفة مخالفا
(١) سورة الروم الآية: ٣٠ .
(٢) سورة الأعراف الآية: ١٧٢ .
(٣) تفسير ابن جرير ٢١ /٤٠.
- ٣٤ -
بذلك نص الحديث هذا المروى فى صحيح البخارى فى تفسير سورة
الاخلاص، وإقرار الرسول # لذلك الصحابى قوله - إنها صفة الرحمن
وإنه يحبها - وقد بشره الرسول وَله بأن الله يحبه وأدخله الجنة بحبه إياها .
وقد أوضح ابن حجر ان ابن حزم خالف الجمهور برأيه هذا .
وان محاولته تضعيف بعض رواة الحديث غير مقبول منه ، فان رواته
كلهم ثقات .
وقد أشرت فى التعليق إلى أن بعض المعاصرين قال فى محاضرة
ألقاها فى الشباب : إن ما يسمى بتوحيد الصفات بدعة ، معتمدا فى ذلك
على شذوذ ابن حزم هذا الذى قال فيه ابن حجر إنه خالف الجمهور برأيه
هذا .
ثم استمر ابن منده فى ذكر الفصول موردا تحت كل عنوان ما يناسبه
من الآيات والأحاديث وأقوال السلف .
فقال فى الفصل الخامس : (( ذكرما يستدل به أولوا الألباب )» ثم
أورد تحته آيات من سورة آل عمران .
والفصل السادس : ذكر ما بدأ الله به من الآيات الواضحة دالا
على وحدانيته .
والفصل السابع : ذكر الآيات المنتظمة الدالة على توحيد الله عز
وجل فى صفة خلق السموات التى ذكرها فى كتابه وبينها على لسان رسوله
وَلا تنبيها لخلقه .
وهكذا استمرفى ذكر الفصول موردا تحتها الآيات والأحاديث
المطابقة لتلك العناوين إلى الفصل الثامن والثلاثين وعنوانه: ((ذكر
استدلال من لم تبلغه الدعوة ولم يأته رسول )) ثم قال تحت هذا العنوان :
قال الله تعالى مخبرا عن إيمان إبراهيم - عليه السلام - بالله عز وجل قبل
- ٣٥ -
1
الرسالة : ﴿ إنى وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما
أنا من المشركين ﴾ .
ثم أحاديث تشهد لذلك.
وقد أطلت التعليق على هذا العنوان وتناولت موضوع الفطرة وأقوال
العلماء فيها، وتفسير قوله تعالى: ﴿فطرة الله التى فطر الناس عليها لا
تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم﴾. والأحاديث الواردة فى تفسير هذه
الآية، وآية أخذ الميثاق على بنى آدم، وهم عالم الذر.
ثم ابتعه بالفصل التاسع والثلاثين وعنوانه: ((ذكر الدليل على أن
المجتهد المخطىء فى معرفة الله عز وجل ووحدانيته كالمعاند)). ثم أورد تحته
قوله تعالى : ﴿قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم فى
الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا﴾ .
ثم أقوال الصحابة فى تفسير هذه الآية، وأحاديث صحيحة فى ذلك
المعنى منها ما رواه مسلم فى صحيحه، وفيه قول رسول الله - وَال ـ:
(والذی نفسی بیده لا يسمع بي رجل من هذه الأمة يهودى ولا نصرانى ثم
لا يؤمن بي إلا كان من أهل النار). وغيره من الأحاديث.
وقد تناول التعليق على هذا الفصل بعض الفرق الضالة -
كالروافض لأن الصحابة ذکروا فى تفسير هذه الآية ان من الذین ضل
سعيهم فى الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا - الحرورية.
ثم ذكر الفصل الأربعين وعنوانه: ((ذكر معرفة أسماء الله الحسنى
التى تسمى بها وأظهرها لعباده للمعرفة والدعاء والذكر)). وهو كما ترى
توحيد الأسماء، ثم أورد تحته قوله تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه
بها﴾. وقوله: ﴿هل تعلم له سميا﴾ .
- ٣٦ -
ومن الأحاديث ما أخرجه البخارى فى صحيحه من حديث أبى
هريرة قال: قال رسول الله - وَاله -: (لله تسعة وتسعون اسما من أحصاها
دخل الجنة).
ثم أتبعه بفصل بعنوان: ((ذكر معرفة اسم الله الأكبر الذی تسمی به
وشرفه على الأذكار كلها)).
ثم أورد تحته قوله تعالى: ﴿ولذكر الله أكبر﴾ .
وقوله: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾. وغيرها من الآيات.
ومن هنا دخل إلى توحيد الألوهية حيث قال: فاسمه (الله) معرفة
ذاته منع الله عز وجل خلقه أن یتسمی به أحد من خلقه، أويدعى باسمه
إله من دونه، جعله أول الإِيمان وعمود الإِسلام، وكلمة الحق والإِخلاص
ومخالفة الاضداد والاشراك فيه .. وبه تفتتح الفرائض، وتنعقد الأيمان،
ويستعاذ من الشيطان، وباسمه تفتتح وتختتم الأشياء، تبارك اسمه لا إله
غيره.
ثم بدأ فى تعداد فصول فى توحيد الألوهية فقال فى الثانى والأربعين:
قول النبى - وَلــ: (أمرت أن أدعو الناس إلى شهادة أن لا إله إلا الله).
والثالث والأربعين: قول النبى - وَلـ: (بنى الإِسلام على شهادة
أن لا إله إلا الله).
وهكذا استمرفى ذكر فصول من هذا الباب إلى الفصل المكمل
خمسين وعنوانه: ((قول النبى - ◌َلو - لأمراء السرايا: اغزوا باسم الله قاتلوا
من كفر بالله عز وجل)).
أما من الفصل الحادى والخمسين فقد عاد إلى تعداد أسماء الله عز
وجل حيث قال: ومن أسماء الله عز وجل: الرحمن الرحيم.
- ٣٧ -
وهكذا استمر فى ذكر أسماء الله عز وجل بذكر الاسم والدليل عليه
من الكتاب والسنة إلى الفصل الثانى والعشرين بعد المائة وعنوانه: ((ومن
أسماء الله المضافة إلى صفاته وأفعاله قوله عز وجل: ﴿ذو الجلال
والاكرام﴾ .
قال ابن عباس: ذو الكبرياء والعظمة.
ثم بدأ فى الصفات فقال فى الفصل الثالث والعشرين بعد المائة من
ورقة ٧٤ : ((ذكر معرفة صفات الله عز وجل الذى وصف بها نفسه وأنزل بها
كتابه وأخبر بها الرسول - وَ الله ــ على سبيل الوصف لربه عز وجل مبينا ذلك
لأمته)). ثم قال:
نقول وبالله التوفيق: إن الأخبار فى صفات الله عز وجل جاءت
متواترة عن نبى الله - رَّج - موافقة لكتاب الله عز وجل نقلها الخلف عن
السلف، قرنا بعد قرن، من لدن الصحابة والتابعين إلى عصرنا هذا على
سبيل اثبات الصفات لله عز وجل والمعرفة والإِيمان والتسليم لما أخبر عز
وجل به فى تنزيله، وبينه الرسول - 93 - عن كتابه مع اجتناب التأويل
والجحود وترك التمثيل والتكييف، وأنه عز وجل أزلى بصفاته التى وصف
بها نفسه ووصفه بها الرسول - ماء - غير زائلة عنه ولا كائنة دونه، فمن
جحد صفة من صفاته بعد الثبوت كان بذلك جاحدا، ومن زعم أنها محدثة
لم تكن ثم كانت على أى معنى تأوله دخل فى حكم التشبيه بالصفات التى
هى محدثة فى المخلوق زائلة بفنائه غير باقية، وذلك أن الله تعالى امتدح
نفسه بصفاته تعالى، ودعا عباده إلى مدحه بذلك وصدق به المصطفى -
وَل * -، وبين مراد الله عز وجل فيما أظهر لعباده من ذكر نفسه وأسمائه
وصفاته، فقال عز وجل: ﴿كتب ربكم على نفسه الرحمة﴾ .
- ٣٨ -
وقال النبى - رَالله -: قال الله تعالى وتقدس: ﴿إنى حرمت الظلم
علی نفسى﴾ .
وقال النبى - وَّيه - بيانا لقوله: إن الله عز وجل كتب كتابا على نفسه
فهو عنده: ان رحمتی تغلب غضبى، فبين مراد الله عز وجل فيما أخبر عن
نفسه، وبین أن نفسه قدیم غیر فان بفناء الخلق، وأن ذاته لا يوصف إلا بما
وصف ووصفه النبى - وَل هــ، لأن المجاوز لوصفهما يوجب المماثلة،
والتمثيل، والتشبيه لا يكون إلا بالتحقيق ولا يكون باتفاق الأسماء، وإنما
وافق اسم النفس اسم نفس الإِنسان الذى سماه الله عز وجل نفسا
منفوسه .
وكذلك سائر الأسماء التى سمى الله بها خلقه إنما هى مستعارة لخلقه
منحها عباده للمعرفة .
ثم بدأ يعدد الصفات، فقال: فمن الصفات التى وصف بها نفسه
ومنحها خلقه: الكلام، والوجه، والعلم، والقدرة، والرحمة .. الخ.
موردا على كل صفة أدلتها من الكتاب والسنة .. إلى أن قال:
ففيما ذكرنا دليل على جميع الأسماء والصفات التى لم نذكرها، وإنما ينفى
التمثيل والتشبيه النيةُ والعلمُ بمباينة الصفات والمعانى، والفرق بين الخالق
والمخلوق فى جميع الأشياء فيما يؤدى إلى التمثيل والتشبيه عند أهل الجهل
والزيغ ووجوب الإِيمان بالله عز وجل وبأسمائه وصفاته التى وصف بها نفسه
وأخبر عنه رسوله - وَّليه -، وأن أسامى الخلق وصفاتهم وافقتها فى الاسم
وباينتها فى جميع المعاني لحدوث خلقه وفنائهم، وأزلية الخالق وبقائه، وبما
أظهر من صفاته، ومنع استدراك کیفیتها فقال: ﴿لیس کمثله شیء وهو
السميع البصير﴾ .
- ٣٩ -
ثم أورد بعد ذلك الصفات مفصلة بأدلتها :
ففى الفصل التاسع والعشرين بعد المائة، ذكر صفة السمع والبصر
فقال: ومن صفات الله عز وجل التى وصف بها نفسه السمع والبصر.
وفى الفصل الثلاثين بعد المائة وعنوانه: ((ذكر ما يدل على الفرق بين
سماع الخالق، وسمع المخلوق المحدث)). وأورد تحته آيات منها، قوله
تعالَى: ﴿قد سمع الله قول التى تجادلك فى زوجها) الآية. وحديث
عائشة رقم ٤١٣ فى سبب نزول الآية .
وهكذا استمرفى ذكر الفصول التى جعلها شارحة للآيات
والأحاديث وأقوال السلف التى يوردها تحتها إلى نهاية الفصل الرابع
والستين بعد المائة وهو بعنوان: ((بيان آخر يدل على أن الله تعالى لما خلق
الرحم كلمه)). ح ٦١٤ -٦١٦.
ثم بدأ فى أول الجزء السادس من المخطوط بالكلام عن القرآن
الكريم حيث ذكر الفصل الخامس والستين بعد المائة وعنوانه: ((ذكر ما يدل
على أن المتلو والمكتوب والمسموع من القرآن كلام الله عز وجل الذى نزل به
جبريل عليه السلام من عند الله عز وجل على قلب محمد - وَل﴿ -)).
ثم أورد فصولا يؤكد فيها أن المتلو والمكتوب بين الدفتين والمحفوظ
فى الصدور هو القرآن. لينفي بذلك قول من يقول إنه عبارة أو حكاية عن
كلام الله عز وجل .
ثم أستمر فى ذكر فصول فى الصفات من صفة الاستواء على
العرش، وخلق العرش، وان العرش فوق السموات، وان الله تعالى فوق
الخلق بائنا عنهم مؤكدا بذلك صفة الفوقية، وأن جبريل ينزل بالوحى من
عند الله تعالى، رادا بذلك على الجهمية وغيرهم القائلين أن الله فى كل
مكان، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا.
- ٤٠ -