النص المفهرس
صفحات 1-20
٧٠
زَّوَائِدُ ابْن ◌َاحَةَ
عَلى الكُتبِ الخمسَة
للشيخ أبي العباشرها بالدين أحمد بن أبي بكربن عبدالرحمن بن إسماعيل
الكناني البوصيري القاهري الشافعي
المتوفى سنة ٨٤٠ هـ
اعتنى بالتصحيح والتعليق عليه
الشيخ محمد مختار حسين
الطبعة الأولى
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان
جميع الحقوق محفوظة
لدار الكتب العلميَّة
بيروت - لبنان
الطبعة الأولى
١٤١٤ هـ - ١٩٩٣ مـ
دار الكتب العلمية بيروت- لبنان
ص.ب: ١١/٩٤٢٤ -- تلكس :_ Nasher 41245Le
هاتف: ٣٦٦١٣٥ - ٦٠٢١٣٣ - ٨١٥٥٧٣٠٨٦٨٠٥١
فاكس: ٠٠/٩٦١١/٦٠٢١٣٣٠٠٠/١٢١٢/٤٧٨١٣٧٣
بِسْمِ الّهِالرَّحْضَنِ الرَّحْيــة
مقدّمة المصحّح
الحمد للهِ الذي فضّل بني آدم على سائر مخلوقات العالم، ومَنَّ عليهم ببعثة
الأنبياء في كلّ الأمم، والصلاة والسَّلام على سيّد وُلد آدم، خاتم أنبيائه وأشرف رسله
سيدنا ومولانا محمدٍ المبعوث بجوامع الكلم، وعلى آله وأصحابه نجوم الهداية في
غياهب الظّلم، وعلى الأئمة السادة والفقهاء القادة الذين ضمّروا نفوسهم وشمّروا
ذيولهم لجمع أحاديث الرسول الأكرم.
أما بعد، فإن العناية بالسنة قد ابتدأت في حياة النبي ◌َّار، فقد كان أصحابه رضي الله
عنهم حريصين على أن يحفظوها، والنبي # كان حريصاً على تمكينهم من حفظها،
بل دعاهم إلى حفظها وإلى تفقّهها، كما قال رَّةِ «نضّر الله عبداً سمع مقالتي فحفظها
وأدَّاها، فربّ حامل فقهٍ إلى من هو أفقه منه))(١). ولقد كان العرب يعون ما يسمعون
ويحفظونه، وذلك لأنهم كانوا أمة أمية فكان علمها في الصدور، لا في القرطاس،
وبيانها باللّسان لا بالقلم، والصحابة كانوا من أولئك العرب النابهين، فكانوا يحفظون
أقوال النبي وَيقر، ويعون أفعاله بتلك الحافظة القوية، ويزيدهم استحفاظاً على ما
يسمعون إجلالهم لمقام الرسالة وإيمانهم بالله وبالرسول وَيه، ورغبتهم في أن
يستحفظوا على ما يُغذي إيمانهم ويقوي يقينهم.
كتابة أقوال النبي زێ
قد تكلّم المحدثون في كتابة السنة أهي أمر منهيّ عنه أم هي أمر مرغوب فيه،
وقد وردت أخبار بيدو بادىء الرأي أن في ظواهرها تعارضاً، فقد روي عن النبي ◌َّ
(١) راجع ((مشكوة المصابيح)) ص ٣٧ في ((كتاب العلم)).
٣
أنه نهى عن كتابة غير القرآن، فقد قال عليه الصلاة والسلام ((لا تكتبوا عني، ومن
كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني ولا حرج، ومن كذب عليَّ متعمّداً فليتبوّأ
مَقْعَدهُ من النار))(١). ولا شك أن هذا الحديث الصحيح فيه النهي عن الكتابة، ولهذا
النهي حكمةٌ واضحةٌ تُعلم بعد أدنى تأمل، وذلك أن القرآن هو الذي كان يُكتب وكان
يُنقل من فم النبي وَله، فإذا نُقل من فم غيره فقد يختلط حديث الرسول وهله بالقرآن
المنزّل في وسط تلك الأمة الأمية، وكتاب الله الذي كتب الله على نفسه أن يحفظه
إلى يوم القيامة كان من أهمّ وسائل حفظه ألَّ يختلط بغيره، وألَّ يكون هناك احتمال
للاختلاط بغيره .
وبجوار ذلك الحديث الناهي آثار تدلّ على أن النبي ◌َّ كان يرغب في الحفظ، فقد
روي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أنه قال: ((كنت أكتب كل شيء أسمعه من
رسول اللّه ◌َلل أريد حفظه، فنهتني قريش وقالوا: تكتب كل شيء تسمعه من
رسول الله وَله، بشرٌ يتكلم في الغضب والرضا، فأمسكت عن الكتابة، فذكرت ذلك
لرسول الله وَ الر، فأومأ بإصبعه إلى فيه فقال: ((اكتب، فوالَّذي نفسي بيده ما يخرج منه
إلا حق))(٢). وروي عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال، قال رسول الله وَ ال (قيّدوا
العلم بالكتاب))(٣) - فدلّ هذا على أن كتابة الحديث كانت في عهد النبي صَلّ، ورغّب
فيها أحياناً .
ذانك خبران يبدو في ظاهر الأمر أنهما متعارضان، ولكن يمكن التوفيق بينهما بأن
ذلك كان في صدر دعوة الإسلام ووسطها، وحينئذ كان يُخشى من الخلط بين
الحديث الشريف والقرآن المجيد، فكان النهي لذلك، ولكن لما كثُر نزول
القرآن المجيد حتى نزل أكثره، ولم يبق إلا أوّله، وأشرب المؤمنون حبه وذاقوا حلاوته.
وبلاغته، وسمعوا كلام النبي ◌َّل﴿ وعرفوا مرتبته لم يكن الخلط محتمل الوقوع،
وخصوصاً أن الآيات كانت تنزل وتتلى، وتردد تلاوتها في الصلوات وترتل ترتيلاً
وتحفظ في الصدور وكثر حفظ القرآن في عهد الرسول وسل ◌ّر فصارت حماية القرآن من
(١) الحديث رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وقد رواه البخاري في باب ((إثم من كذب
على النبي {َّ#)) من غير واحد من الصحابة - انظر ٣١/١ منه من طبع بمصر.
(٢) رواه البخاري في صحيحه وأبو داود في سننه .
(٣) الحديث رواه ابن عبد البر في كتابه ((جامع بيان القرآن)).
٤
الخلط لا بالكتابة فقط، بل بالكتابة والتلاوة والترتيل الذي كثر استجابة بقول الله عزّ
وجل: ﴿ورتّل القرآن ترتيلاً﴾.
ويؤيد هذا المعنى أن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه كان اتصاله بالنبي
وَّر بعد صلح الحديبية أي في أواخر عهده عليه الصلاة والسلام، فكان المعقول أن
يكون طلبه تدوين الحديث في الفترة الأخيرة من حياة النبي لة.
ومهما يكن الأمر فإن تدوين الحديث في عهد الرسول مَ ليّ ما كان شائعاً ولا كثيراً
لانصراف الصحابة رضي الله عنهم إلى الجهاد والقتال ولمعنى النهي في أول الأمر
ولقلّة من كانوا يعنون بكتابة الحديث. كعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه،
ولذلك نقلت الأحاديث بطريق الرواية .
الرواية في عهد الصحابة
قد قال الإمام الشافعي رضي الله عنه في الرسالة إن أحاديث الآحاد قد تغيبت
عن بعض الصحابة ولا تغيبت عن كلهم، فسنة رسول الله ولو كانت محفوظة في صدور
الصحابة وفي مجموعهم لا في آحادهم، وقد كان منهم من يعمل بالحديث وإن لم
يروه بالنقل، فكان يظهر في عمله، لا في نقله، ومنهم من كان يحدث عن رسول الله
وَّر، ومنهم من كان يحفظ الحديث ويحتاط، فلا يقوله خشية أن يلبس عليه المعنى
أو يخطىء في النقل، ويخشى من أن ينطبق عليه قول النبي صل ◌ّ ((من كذب عليّ
متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)).
وعلى ذلك كان الصحابة فريقين، أحدهما يحدث عن رسول الله وَ له، ويكثر، والآخر
يقلّ من الحديث ولا يكثر، وكان من هذا الفريق الثاني كبار الصحابة رضي الله
عنهم. وقد أخرج ابن سعد وابن عساكر عن عبد الرحمن بن حاطب رضي الله عنه أنه
قال: ما رأيتُ أحداً من أصحاب رسول الله وَّ إذا حدث أتمّ حديثاً ولا أحسن من
عثمان بن عفان رضي الله عنه، إلا أنه كان رجلاً يهاب الحديث - وروى البخاري في
صحيحه عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه قال: قلت للزبير بن العوام: إني لا
أسمعك تحدث عن رسول الله وَّر، كما يحدث فلان وفلان؟ قال: أما أني لم أفارقه،
ولكن سمعته يقول: ((ومن كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)) - ومن هذا الفريق
عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، الذي نقل علم النبي ◌َّر، إلى العراق، فقد كان
يقلّ من التحديث، ويروي الذهبي عن أبي عمرو الشيباني قال: كنت أجلس إلى ابن
مسعود حولاً، لا يقول: قال رسول الله وَله، فإذا قال: قال رسول الله وَلهل أثقلته
الرعدة، وقال: هكذا، أو نحو ذا، أو قريب من ذا وكيف يصح مع هذا أن يقال إنه
ناقل علم الرسول بَّه، إلا أن يسلّم أنه كان يفتي بما يعلم من الرسول مضطر، من غير
أن ينسبه إليه خشية أن يقع في الكذب.
--
قول ابن القيم في أقوال الصحابة
ولقد قال ابن القيم إن الصحابي إذا قال قولاً أو حكم بحكم فيجوز أن يكون
سمعه من النبي بَّرَ، شفاهاً أو من صحابي آخر، وأن ما سمعه الصديق والفاروق
رضي الله عنهما وغيرهما من كبار الصحابة كثير، ولكن لم يُرد عن صديق الأمة إلا قليل، مع
أنه لم يغب عن النبي ◌َّر في شيء من مشاهدته، بل صحبه من حيث بعث بل قبل
البعث إلى أن توفي، وكان أعلم الأمة به ◌َاتر، وبقوله وفعله وهديه وسيرته.
قول السيوطي في قلة رواية الصديق رضي الله عنه
والسبب في ذلك ما نقله السيوطي في كتابه ((تاريخ الخلفاء)) عن تهذيب النووي
أنه قال: روى الصديق رضي الله عنه عن رسول الله وَ لتر مائة حديث واثنين وأربعين
حديثاً فقط، وسبب قلة روايته أنه تقدمت وفاته قبل انتشار الأحاديث واعتناء التابعين
بسماعها وتحصيلها وحفظها، وقد ذكر عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن أبا بكر لم
يترك شيئاً أنزل في الأنصار ولا ذكره رسول الله وَ# في شأنهم إلا ذكره، وهذا أول
دليل على كثرة محفوظه من السنة وسِعَةٍ علمه بالقرآن(١).
وكذلك أجلة الصحابة روايتهم قليلة جداً بالنسبة إلى ما سمعوه وشاهدوه، ولو رَووا
كل ما سمعوه وشاهدوه لزاد على رواية أبي هريرة أضعافاً مضاعفة، فإنه إنما صحبه
** أربع سنين فقط، وقد روى عنه الكثير(٢).
رواية البخاري في صحيحه
أن أبا هريرة رضي الله عنه قال إن الناس يقولون أكثر أبو هريرة ولولا آيتان في
(١) انظر تاريخ الخلفاء للسيوطي ص / ٥٩ من طبع المطبعة المحمدية لاهور.
(٢) أعلام الموقعين، ١٣٨/٤.
كتاب الله لما حدثت حديثاً، ثم تلا: ﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى
من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون، إلا الذين تابوا
وأصلحوا وبيّنوا فأولئك أتوب عليهم وَأنا التواب الرحيم﴾(١) إن إخواننا من المهاجرين
كان يشغلهم الصفق بالأسواق وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في
أموالهم، وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله وَالر، الشبع بطنه، ويحضره ما لا يحضرون
ويحفظ ما لا يحفظون.
ولقد روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان ينهى أبا هريرة عن كثرة
التحديث، ولعل ذلك لأنه خشي أن يلبس عليه .
وبالجملة إن عصر الصحابة رضي الله عنهم، كان عصر العلم النبوي نقله
أصحاب رسول الله الله بطريقتين : -
أولهما: نقل نصوص الأحاديث وأفعال الرسول اَلَه وتقريراته.
وثانيهما: نقل علم الرسول وَالر، بطريق الإفتاء والقضاء والعمل، وذلك ما كان عليه
كبار الصحابة الذين كانوا من أهل الحل والعقد كأبي بكر رضي الله عنه وبقية الخلفاء
الراشدين، وكعبد الله بن عباس وزيد بن ثابت رضي الله عنهما وغيرهم من كبار علماء
الصحابة الذين أفتوا في مهمات الأمور كابن مسعود وابن عمر وأبي موسى الأشعري
ومعاذ بن جبل وسعد بن أبي وقاص وأنس بن مالك وأبي سعيد الخدري رضي الله
عنهم وعائشة الصديقة وأم سلمة رضي الله عنهما (٢).
الرواية في عهد التابعين
التابعون هم الذين جاؤوا بعد عصر الصحابة واتبعوهم بإحسان، وكان منهم من
التزم بعض الصحابة وتتلمذ عليه ونقل علمه، ويلاحظ في هذا العصر أن أولئك
التابعين قد تفرقوا في البلاد، وكان في كل إقليم من الصحابة من تخرَّج عليه طائفة
من التابعين، ذلك بأن الصحابة قد تفرقوا في الأمصار والمدن، وكان منهم الحافظ
لكتاب الله، الذي تلقى عنه تلاميذه من التابعين رواية القرآن المتواترة ، وكان
(١) سورة البقرة، آية ١٥٩، ١٦٠.
(٢) الإصابة لابن حجر العسقلاني ص / ١٦ .
٧
منهم الفقيه المدرك لمسائل الشريعة، ومصادرها ومواردها، يُفتى بما عرف عن النبي
وَّر، وكان منهم الوالي، والولاة الذين كانوا علماء وفقهاء، فكان حكمهم وعلمهم من
طرق تعرف الفقه الإسلامي، وكان منهم القضاة كأبي موسى الأشعري وغيره ممن
فقهوا القرآن المجيد والسنة النبوية وفقهوا تطبيقهما، فكان لكل مدينة من مدن
الإسلام حظ معتد من أولئك الفقهاء من الصحابة .
فقد كان بمكة المكرمة من الصحابة الحارث بن هشام وصفوان بن أمية وعبد الله بن
صفوان رضي الله عنهم، وآوى إليها عبد الله بن عباس ترجمان القرآن - كما سماه
ابن مسعود رضي الله عنهما، وكان بالكوفة عبد الله بن مسعود وأبو موسى الأشعري
وعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه وخباب بن الأرت وسلمان الفارسي وحذيفة بن
الیمان رضي الله عنه.
وكان بالبصرة من أعلام الصحابة أنس بن مالك وعمران بن حصين وأبو بكر بن عبيد
رضي الله عنهم، وغيرهم كثير، كما كان بدمشق في العصر الأموي بعض الصحابة
كمعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وعبد الله بن عمرو وغيرهم.
ولا ننسى أن المدينة المنورة كانت فيها الجمهرة العظمى من الصحابة، فإليها آوى
كلهم في أيام الفتن التي أثيرت حول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله
وجهه، وفي صدر العصر الأموي كانت مأوى الأكثرين من أصحاب النبي ◌َّ، وقد
تخرج على أولئك الصحابة، الذين تفرقوا في البلاد الإسلامية، والذين بقوا في
المدينة المنورة طائفة كبيرة من التابعين كانوا مصدر العلم والعرفان في عصرهم وقد
جمعوا أحاديث الرسول ◌َّر، وفقه أصحابه.
تدوين السنة
قد كان أولئك التابعون الذين ورد في مدحهم قول الرسول وَلفي ((خير القرون
قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)) (١) يحفظون في صدورهم ما يسمعون من
الصحابة ويدوّنون بعض مايحفظون، فأخذ التدوين يزيد شيئاً فشيئاً، حتى دعا إليه
الخليفة العادل الزاهد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه بكتابه الذي كتب إلى أبي بكر
محمد بن عمر بن حزم التابعي يقول له فيه :
(١) جامع بيان العلم لابن عبد البر.
٨
((أكتب إليّ بما يثبت عندك من الحديث عن رسول الله وَّر وحديث عمر، فإني قد
خشيت دروس العلم وذهاب العلماء)) ولم يكتف بالكتابة إلى أبي بكر المذكور، بل إلى
غيره أيضاً من علماء الآفاق، كما يروي أبو نعيم الأصبهاني في تاريخه أنه كتب إلى.
الآفاق. ((انظروا حديث رسول الله وَ ار، فاجمعوه)) روى ابن عبد البر عن سعيد بن
زياد، قال: سمعت ابن شهاب يقول: ((أمرنا عمر بن عبد العزيز بجمع السنن فكتبناها
في دفاتر، فبعث إلى كل أرض له عليها سلطان دفتراً)) وإن بعض التابعين قد اشتهر
بتدوين السنة والعناية بها، فمن هؤلاء أبو بكر المذكور قبله المتوفى سنة عشرين ومائة
من الهجرة، وابن شهاب الزهري المتوفى سنة أربع وعشرين ومائة من الهجرة، وليس
معنى عناية هؤلاء بالتدوين أنه لم يدوّن غيرهم، بل كان التدوين كثيراً في ذلك
العصر، ولكنه لم يكن تأليفاً جامعاً، بل كان تدويناً لأبواب متفرقة غير مجمعة حتى
جاء التجميع في آخر عصر التابعين، وأول عصر تابعيهم.
مكانة المدينة في الحديث
كانت المدينة المنورة النبوية كما ذكرنا آنفاً ملجأ أكثر الصحابة الذين آووا إليها
فراراً من الفتن، ولذلك كان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه حريصاً على علم
المدينة، فقد أمر بتفرق علمائها في الأمصار ليعلموا الناس ويرشدوهم ويبينوا لهم
حدود الإسلام وشرائعه، وكان من هؤلاء الذين أرسلهم في الأقاليم عشرة من
التابعين(١). واشتهر في المدينة سبعة من التابعين سموا بالفقهاء السبعة وهم:
١ - سعيد بن المسيب الفقيه المحدث القرشي المخزومي المتوفى سنة ٩٣ هـ.
٢ - عروة بن الزبير بن العوام أخو عبد الله بن الزبير وابن أخت أم المؤمنين عائشة
رضي الله عنهما، وقد روى عنها وتتلمذ عليها، وتوفي سنة ٩٤ هـ.
٣ - أبو بكر عبيد بن عبد الرحمن بن الحارث، وقد روى عن عائشة وأم سلمة رضي
الله عنهما، ومات سنة ٩٤ هـ.
٤ - والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، ابن أخي عائشة رضي الله عنها، وقد
تلقى الحديث والفقه عن عمّته أم المؤمنين عائشة ومن عبد الله بن عباس رضي
(١) سيرة عمر بن عبد العزيز ص / ٦٣، وتاريخ الفقه للحجوي، الربع الثاني ص / ١١٠ .
٩
الله عنهما، وکان محدثاً ناقداً فقیھاً، توفي سن ١٠٨ هـ.
٥ - وعبيد الله بن عبد الله بن عيينة، روى عن ابن عباس وأم المؤمنين عائشة وأبي
هريرة رضي الله عنهما، وكان فقيهاً محدثاً، توفي سنة ٩٩ هـ.
٦ - وسليمان بن يسار، وكان مولى لأم المؤمنين ميمونة بنت الحارث، وقد روى عن
زيد بن ثابت وعبد الله بن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهم، وأمهات المؤمنين
ميمونة وعائشة وأم سلمة رضي الله عنهنَّ، وقد توفي سنة ١٠٠ من الهجرة.
٧ - وسابع هؤلاء الفقهاء المحدثين من التابعين خارجة بن زيدبن ثابت، أخذ علم أبيه
ونشره، وكان أعلم الناس بالفرائض كأبيه زيد بن ثابت رضي الله عنهما.
وقد تلقى علم هؤلاء وحديثهم ابن شهاب الزهري وربيعة بن عبد الرحمن
وغيرهم من صغار التابعين وكبار الطبقة التي تليهم.
الرواية بعد عهد التابعين
قد قال ابن حجر العسقلاني في مقدمة ((فتح الباري في شرح صحيح البخاري))
ما نصه :
اعلم أن آثار النبي وَلّ لم تكن في عصر الصحابة وكبار التابعين مدونة في
الجوامع ولا مرتبة لأمرين : -
أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نهوا عن ذلك، كما ثبت في صحيح
مسلم، خشية أن يختلط بعض ذلك بالقرآن العظيم.
ثانيهما: سعة حفظهم وسيلان أذهانهم، وإن أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة،
ثم حدث في آخر عصر التابعين تدوين الآثار وتبويب الأخبار لما انتشر العلماء في
الأمصار، ولما كثر الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار. فأوّل من جمع
ذلك الربيع بن صبيح وسعيد بن أبي عروبة وغيرهم، وكانوا يصنعون كل باب على
حدة إلى أن قام كبار الطبقة الثالثة فدونوا الأحكام، فصنّف الإمام مالك ((الموطأ))
وتوخّى فيه القوي من حديث أهل الحجاز، وخرّجه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين
ومن جاء بعدهم، وفي أثناء تدوين مالك لموطئه كان تلاميذ أبي حنيفة يدوّنون
الروايات التي رويت عنه، فدون الإمام أبو يوسف ((كتاب الآثار)) كما دوّن الإمام محمد
١٠
مثل ذلك الكتاب، وكتاب الآثار ككتاب الموطأ، فيه أحاديث للنبي وَالقر وأقوال
للصحابة وفتاواهم، وكلا الكتابين منتقى من أخبار وروايات كثيرة، لم يختر الإمامان
منها إلا ما ثبتت صحته على مقاييسهم، وكلاهما كان ينقد الحديث نقد الصيرفي
الماهر للدراهم يردّ زيوفها ويقبل صحيحها، وإن كان ثمة فرق فهو في مقدار
المروي، لا في أصل التثبيت، فالموطأ كتاب ضخم يُعدّ كتاب الآثار بجواره صغير
الحجم، وذلك أن مالكاً فوق أنه فقيه المدينة هو محدثها، حتى لقد قال الشافعي
تلميذه ((إذا جاء الحديث فمالك النجم اللامع)) وقد كثرت الكتب والتدوينات، ولذلك
ينقل السيوطي عن الذهبي أنه قال: ((شرع علماء الإسلام في هذا العصر في تدوين
الحديث والفقه والتفسير، وصنّف ابن جريج بمكة المكرمة، ومالك الموطأ بالمدينة
المنورة، والأوزاعي بالشام، ومعمر باليمن، وسفيان الثوري بالكوفة، وصنّف ابن
إسحاق ((المغازي)).
وجاء تلاميذ الأئمة الأعلام فدوّنوا أحاديث كثيرة صحت عندهم، ثم جاء من
بعد ذلك تلاميذهم، فجمعوا ودوّنوا وألفّوا فيما جمعوه ودوّنوه في الكتب الكبار.
الحديث في القرن الثالث الهجري
يلاحظ في القرنين السابقين أن السلف لم يعنوا بالأسانيد، فنجد في موطأ
مالك رضي الله عنه المسندات والمراسيل والبلاغات، ومثل ذلك نجد في كتاب الآثار
لأبي يوسف، والخراج له، والسير الكبير والسير الصغير لمحمد بن حسن الشيباني،
وذلك كان منهم لقرب العهد وخبرتهم به، وكانت أحوال الناقدين للحديث في عصر
الصحابة والتابعين ومن بعدهم معروفة عند أهل بلدهم، فمن كان منهم بالحجاز كان
معروفاً مشهوراً بين أهل بلده، بل تجاوزت شهرته من أهل بلده إلى غيرهم، وكذلك
من كان منهم بالعراق والشام.
ويروى عن الإمام مالك أنه كان يقول: لا يؤخذ العلم من أربعة، ويؤخذ من
سواهم، لا يؤخذ من سفيه، ولا يؤخذ من صاحب هوى يدعو إلى بدعة، ولا يؤخذ من
كذاب يكذب في أحاديث الناس وإن كان لا يتّهم على حديث رسول الله مَّر، ولا من
شيخ له فضل صلاح وعبادة إذا كان لا يعرف ما يحمل وما حدث به.
ومع أنه في القرن الأول والثاني ظهرت الفتن الكثيرة، وظهر أهل الأهواء
١١
والبدع، ومنهم من كان يكذب على رسول اللّه ويسير، فإن الحصانة النفسية التي كان
عليها من يريدون الرواية ويطلبونها، حجزت بينهم وبين أن يسري إليهم ما كان
يكذب به أهل الأهواء والبدع وينسبونه إلى رسول الله وَّر، ذلك لأنهم كانوا لا
يأخذون إلا ممن تجنّبوا البدع والأهواء، والتزموا السنة لا يحيدون عنها بديلاً لها.
ولما انقضى ذلك العهد وجاء أهل القرن الثالث، ووجدوا الزمن قد طال ووجد
أهل الأهواء سبيلاً لأن يدسوا بعض أكاذيبهم، أَحَسَّ المحدثون المخلصون الذين
تأخّروا إلى القرن الثالث أنهم لا بدّ أن يمحّصوا الرواية وأن يفحصوا أحوال الرواة،
وأن يوازنوا بين الجرح والتعديل، ثم درسوا أحوال الرجال من حديث الحفظ
والإتقان، ومن حيث سلامة الاعتقاد وبُعدهم عن الأهواء والبدع.
ومنهم من بالغ في ردّ أيّ محدث عُرف أن له رأياً مخالفاً لرأي الجماعة في
الاعتقاد، حتى إن البخاري شدّد في ذلك وأنكر قبول رواية الحسن البصري واعظ
البصرة وعالمها الذي كان صوفياً مشهوراً، وبواسطته تنتهي السلاسل الإرشادية إلى
علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، لأنه روى عنه أنه كان يرى في القدر رأي المعتزلة .
ولقد عني الرواة في هذا القرن الثالث بأن لا يأخذوا الأحاديث إلا من أفواه
الرجال الذين يرونهم مشافهة، ولا يأخذوها إلا بأسانيد متصلة إلى النبي ◌َّر، واهتموا
في هذا السبيل بأمرين : -
أولهما: الأخذمن الرواة الناقلين لعلم القرنين السابقين.
وثانيهما: تحرّي الأسانيد وما وصل من الأخبار غير مسند في القرنين الماضيين
حاولوا أن يتعرفوا أسانيدها من طرق مختلفة.
ولتحصيل هذا الهدف رحل المحدثون إلى أقطار الأرض، مشارقها ومغاربها،
وبحثوا عن أحوال حملة متون الحديث، وجمعوا الكتب، وأمعنوا في الفحص
والبحث عن غريب الحديث ونوادر الآثار والتحري عن أسانيدها من طرق مختلفة
متعددة عن رواة مختلفين، حتى كان يكثر عندهم العلم بإسناد الأحاديث، فكانوا
يجدون لكل حديث عدة أسانيد مما لم يكن قد ذكر سنده في القرنين الماضيين،
وجمعوا هذه الروايات ودوّنوها وحرّروها، ثم نقحوها وصحّحوها على موازين
الرجال، وفحصوا متونها ودوّنوا أسنادها، فكانوا يسوقون الحديث ويروونه بإسناده .
١٢
وقد ترتب على هذا أن وجد علماء تخصّصوا في فن الحديث ونقده، ومنهم من
كان لا يفقه الحديث بمقدار ما يعنى بسنده وسلامةِ الرجال الذين نقلوه. ولقد قال ابن
القيم في هذا النوع من العلماء المحدثين الرواة: وقسم حفاظ يعنون بالضبط والحفظ
والأداء كما سمعوا، ولا يستنبطون ولا يستخرجون.
ولكن كان من بين هؤلاء الرواة المحققين من يعنى بفقه الحديث كما يعنى
بروايته، ومهما يكن فإن أكثر النقلة في ذلك العصر كانوا يكرهون الخوض في
المسائل والبحث عنها، ويهابون الفُتيا، وكان أكثر عنايتهم بالرواية فقط.
وينبغي أَنْ يُلاحَظَ في هذا المقام أنه في القرنين السابقين قد اختلط الفقه
بالحديث، فكتاب ((الموطأ لمالك)) هو صورة لفقه مالك، والآثار التي نقلها واعتمد
عليها فِقهه، وكذلك كتب الحنفية كالآثار والخراج لأبي يوسف، والسيْرُ الكبير والسِيْرُ
الصغير لمحمد بن حسن الشيباني، فهذه كتب فقهٍ وحديث معاً.
وأما في القرن الثالث فبمُقْتضى تقسيم العلماء ذلك التقسيم الذي نقلناه آنفاً
عن ابن القيم وغيره، انفصلت كتب الحديث عن كتب الفقه، وإن كان الحديث أصل
الفقه، وابتدأت هذه النزعة في آخر المائتين، وقد قال ابن حجر العسقلاني في هذا
المقام ما لفظه :
((رَأى بعض الأئمة منهم أن يفرد حديث النبي ◌ََّ خَاصَّةً، وذلك على رأسٍ
المائتين، فصنّف عبيد الله بن موسى العبسي الكوفي مُسْنداً، وصنّف مسدِدْ البصري
مسنداً، وصنف أسد بن موسى الأموي مسنداً، وصنّف نعيم بن حماد الخزاعي نزيل
مصر مسنداً، ثم اقتفى الأئمة الآخرون بعد ذلك أثرهم، فما نقل إمام من الحفاظ إلا
صنف حديثه على المسانيد كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن رَاهُوَيه، وعثمان بن
أبي شيبة وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنّف على الأبواب وعلى المسانيد كأبي
بكر بن أبي شيبة)).
وَيُلَاحَظُ هُنَا مع تجريد كتب الحديث أن منها ما كُتب على أبواب الفقه وإن كان
الباب كله حديثاً، ومنها ما كتب على أساس المسندات، بأن يذكر لِكل صحابي
مسنداً، فليس مُرتباً على ترتيب الفقه، ولكنه مُرَّتبٌ على ترتيب الصحابة .
وكتبت في هذا العصر موسوعات الأحاديث كصحيح البخاري، وصحيح
١٣
مسلم، وجامع الترمذي وسنن أبي داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم من عَلِيّةٍ
المحدثين والحفاظ الذين نقلوا إلى الأمة المرحومة سنة الرسول ولية التي تشتمل علم
دين الإسلام، والحكمة النبوية، فرضي الله عنهم وأثابهم بما قدموه للأخلاف من علم
نافع وعمل صالح .
وبعد إذ فرغنا من الكلام على الرواية في عهد الصحابة والرواية في عهد
التابعين وتدوين السنة في عهدهم، والرواية بعد عهد التابعين، وتدوين الحديث
النبوي الشريف في القرن الثالث الهجري، نريد أن نُثْبت هنا نبذة من تراجم أصحاب
الصحاح الستة، لأن الكتاب الذي هذِه هي مُقدَّمَتُه ((أَيْ زوائد ابن ماجه على باقي
الكتب الخمسة)) يتعلق بهم جميعاً، لأن هؤلاء المحدثين هم الذين بذلوا أقصى
جُهدهم في جمع الأحاديث الصحاح، ولولا جُهودهم البالغة أقصى الغاية وأسفارهم
إلى البلاد الشاسعة لَمْ نَطّلع على السنة النبوية الشريفة، ثم نبحث عن أهل الكتاب
ونسخته الوحيدة التي هي أساس تحقيقنا، ثم نذكر ترجمة صاحبنا ((البوصيري))
مصنف الزوائد، وغير ذلك من أمور تتعلق بالتصحيح والتحقيق، فنقول : -
ترجمة صاحب صحيح البخاري
هو الحافظ أبو عبد الله محمد بن أبي الحسن إسماعيل بن إبراهيم بن
المغيرة بن الأحنف الجعفي البخاري، الإمام في علم الحديث، كانت ولادته لثلاث
عشرة ليلة خلت من شوال المكرم سنة ١٩٤ من الهجرة، رحل في طلب الحديث إلى
أكثر محدّثي الأمصار، وكتب بخراسان والجبال ومُدن العراق والحجاز والشام
ومصر، وقَدِمَ بغداد واجتمع إليه أهلها واعْتَرِفُوا بفضله، وشَهِدُوا بتفرّده في علم الرواية
والدراية، وذكر شهادتهم فيه وقصة معرفته الأسانيد ومُتُونَ الأحاديث وذكر امتحانه
مذكور في كتاب ((جَذْوَةُ المُقْتَبِس)) لأبي عبد الله الحُميدي وتاريخ بغداد للخطيب
البغدادي، وقد ذكره ابن خلكان في تاريخه، وقال: ((فَأَقَرَّ له الناس بعد ذلك بالحفظ
وأذعنوا له بالفضل)) ونقل محمد بن يوسف الفِربَري عن البخاري أنه قال: ما وَضَعْتُ
في كتابي الصحيح حديثاً إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصليتُ ركعتين، وأنه قال: صَنَّفْتُ
كتابي في مدة ست عشرة سنة، وخرجته من ستمائة ألف حديث، وَجَعَلْتُه حجة فيما
بيني وبين الله تعالى وعدد أحاديث صحيحة سبعة آلاف ومائتان وخمسة وسبعون
حديثاً، وبإسقاط المكرر أربعة آلافٍ، وقيل غير ذلك، وقال الفربري: سمع صحيح
١٤
البخاري سبعون ألف رجل، فما بقي أحد يروي عنه غيري، وَرَوَی عنه أبو عيسى
الترمذي .
وقد توفي بعد صلاة العشاء وكانت ليلة عيد الفطر، ودُفِنَ يَوم الفطر بعد صلاة
الظهر سنة ٢٥٦ من الهجرة بموضع ((خرتنك)) وهي قرية من قُرَى سمرقند(١) - رحمه
الله تعالی .
ترجمة الإمام مسلم صاحب الصحيح
هو أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري، أحد الأئمة
الحفاظ وأعلام المحدثين، كانت ولادته بناء على القول المشهور في سنة ٢٠٤ من
الهجرة عام وفاة الشافعي رحمه الله، رحل إلى الحجاز والعراق والشام ومصر، وسمع
يحيى بن يحيى النيسابوري وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وعبد الله بن مسلمة
وغيرهم، وقَدَم بغداد غير مرة فروى عنه أهلها، وروى عنه الترمذي وكان من
الثقات، وقال محمد الماسرجسي: سمعت مسلم بن الحجاج يقول ((صنفت هذا
المسند الصحيح من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة))، وقال الحافظ أبو علي
النيسابوري: ما تحت أديم السماء أصحُ من كتاب مسلم في علم الحديث، وفيه
أربعة آلاف من الأحاديث الصحيحة بإسقاط المكرر، وأعلى أسانيده ما يكون بينه
وبين النبي وسي﴿ أربعة وسائط، وله بضع وثمانون حديثاً بهذا الطريق، وقال الخطيب
البغدادي: كان يناضل عن البخاري في مسألة خلق اللفظ، حتى أوحش ما بينه وبين
أبي عبد الله محمد بن يحيى الذهلي المتوفى سنة ٢٥٢ هـ بسببه، وكان أحد الحفاظ
الأعيان، روى عنه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة
والقزويني، وكان ثقة مأموناً، وكان سبب الوحشة بينه وبين البخاري أنه لما دخل
مدينة نيسابور شغب عليه محمد بن يحيى في مسألة خلق اللفظ.
وقد توفي بنيسابور لخمس بَقِين من شهر رجب سنة إحدى وستين ومائتين سنة
٢٦١ هـ من الهجرة وهو ابن خمس وخمسين سنة (٢) - رحمه الله تعالى. فتكون ولادته
على هذا القول في سنة ٢٠٦ من الهجرة، والله أعلم.
(١) راجع وفيات الأعيان لابن خلكان ٢٨/٢، ٢٩ من الطبع القديم.
(٢) ملخصاً عن وفيات الأعيان لابن خلكان ٢٠٨/٢ - ٢١٠.
١٥
ترجمة أبي داود السجستاني صاحب السنن
هو سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شدّاد بن عمرو بن عمران
الأزْدي السجستاني، أحد حفاظ الحديث، كانت ولادته، في سنة ٢٠٢ من الهجرة،
قَدِمَ بغداد مراراً، ثم نزل إلى البصرة وسكنها، وكان في الدرجة العالية من النُسُك
والصلاح، وقد طوّف البلاد وكتب عن العراقيين والخراسانيين والشاميين والحرميين
وجمع كتاب السنن، وعرضه على الإمام أحمد بن حنبل فاستجاده واستحسنه، وعدّه
الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في طبقات الفقهاء من جملة أصحاب الإمام أحمد بن
حنبل، وقال إبراهيم الحربي لما صنّف أبو داود كتاب السنن: أُلِينَ لأبي داود
الحديث، كما أُلِين لداود عليه السلام الحديد، وكان يقول: كتبت عن رسول اللّهِ وَال
خمسمائة ألف حديث، أنتخبْتُ منها أربعة آلاف وثمانمائة حديث، ذكرت الصحيح
وما يشبهه ويقاربه.
وَقَدْ تُوُفِِّيَ بالبصرة يوم الجمعة منتصف شوال المكرم سنة خمس وسبعين
ومائتين (سنة ٢٧٥) من الهجرة(١). رحمه الله تعالى.
ترجمة الترمذي صاحب الجامع
هو أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة بن موسى بن الضحاك السلمي الضرير
الترمذي، الحافظ المشهور، أحد الأئمة الذين يُقْتَذى بهم في علم الحديث، صنف
كتاب الجامع تصنيف رجل مُتْقِن، وبه كان يُضْربُ المَثَل، وهو تلميذ أبي عبد الله
محمد بن إسماعيل البخاري، وشاركه في بعض شيوخه مثل قتيبة بن سعيد وعلي بن
حجر وابن بشار وغيرهم، وكانت وِلَادَتُه، في سنة تسع ومائتين (٢٠٩) من الهجرة، وقد
توفي لثلاث عشرة ليلةً خَلَتْ من رجب، ليلة الاثنين سنة تسع وسبعين ومائتين (سنة
٢٧٩) من الهجرة بترمذ(٢) - رحمه الله تعالى.
ترجمة الإمام النسائي صاحب كتاب السنن
هو أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر النَّسائي،
الحافظ، كان إمام عصره في الحديث، كانت ولادته بِنَسَاء - وهي مدينة بخراسان -
(١) راجع وفيات الأعيان لابن خلكان ٢٣٠/١،
(٢) ملخصاً عن وفيات الأعيان ٥٩/٢.
١٦
في سنة خمس عشرة ومائتين (سنة ٢١٥) من الهجرة، وسكن مصر، وانتشرت بها
تصانيفُهُ وأخذ عنه الناس، وكان صّواماً قوّاماً، يصوم يوماً ويُفْطِرُ يوماً، قال محمد بن
إسحاق الأصبهاني: سئل عن معاوية وما روي من فضائله فقال: ما أعرف له فضيلة
إلا ((لا أشبعِ اللّه بطنك)) وكان يَتَشَيَّعُ فما زالوا يدفعوه حتى أخرجوه من المسجد،
وكان قد صنف كتاب الخصائص في فضل علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وأهل
البيت، وأكثر رواياته فيه عن أحمد بن حنبل، فقيل له ألَّ تُصَنَّفُ كتاباً في فضائل
الصحابة رضي الله عنهم. فقال: دخلت دمشق والمنحرف عن عليّ بن أبي طالب
عليه السلام كثير فأردتُ أن يهديهم الله تعالى بهذا الكتاب، قال الحافظ أبو الحسن
الدارقطني لما امتحن النسائي بدمشق قال: احملوني إلى مكة فَحُمل إليها فتوفي بها
يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة خلتُ من صفر سنة ثلاث وثلاثمائة (سنة ٣٠٣) من
الهجرة. وهو مدفون بين الصفا والمروة - رحمه الله تعالى - وقيل غير ذلك(١) والله
أعلم.
ترجمة ابن ماجه صاحب السُنن
هو أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه الربعي القزويني، الحافظ المشهور،
كان إماماً في الحديث، عارفاً بعلومه وجميع ما يتعلق به، كانت ولادته سنة تسع
ومائتين (٢٠٩) من الهجرة، ارتحل إلى العراق والبصرة والكوفة وبغداد ومكة المكرمة
والشام ومصر والرَيْ لكتابة الحديث، وسمع أصحاب مالك والليث، وله تفسير القرآن
الكريم وتاريخ مليح، وكتابه في الحديث أحد الصحاح الستة، توفي يوم الاثنين،
وَدُفِنَ يوم الثلاثاء ثمان بقين من شهر رمضان المبارك سنة ثلاث وسبعين ومائتين (سنة
٢٧٣) من الهجرة النبوية(٢). رحمه الله تعالى.
خصائص کتابه
١ - كتابه ((السُنن)) هو سادس الكتب الستة على رأي الجمهور من العلماء المحدثين،
وإنما قدّموا ((سنن ابن ماجه)) على الموطأ، لكثرة زوائده على الخمسة، بخلاف
الموطأ)). ومن العلماء من يجعل الموطأ سادس الكتب الستة كَرَزِين وابن الأثير،
ومنهم من يقترح أن يكون السادس ((سنن الدارمي)) لقلة الرجال الضعفاء فيه،
(١) ملخصاً عن وفيات الأعيان لابن خلكان ٣١/١، من طبع القديم.
(٢) وفيات الأعيان لابن خلكان ص ٥٩/٢.
١٧
زوائد ابن ماجه ۔ م ٢
.ولندرة الأحاديث المنكرة والشاذة فيه كابن حجر العسقلاني.
٢ - فيه زوائد كثيرة عما ورد في الكتب الخمسة، وقد اختلف العلماء في الحكم
عليها، فالحافظ المزي يرى أنَّ كل ما انفرد به ابن ماجه عن الخمسة ضعيف،
ولكن الحافظ ابن حجر يقول: إنه انفرد بأحاديث كثيرة صحيحة، والصواب أن
الحكم عليها موقوف على دراسة رجال الإسناد.
٣ - كتابه جامع، جيد الترتيب، كثير الأبواب، وفيه ما لا يوجد في غيره من كتب
الحدیث.
٤ - عناوينه محكمة قصيرة تدلّ على فهم وعمق.
٥ - الأبواب فيه ليست بكبيرة، فلا يزيد الباب فيه عن بضعة سطور غالباً، والأبواب
التي تزيد على الصفحة قليلة جداً.
٦ - يمتاز هذا الكتاب من حيث التبويب، وهو كتاب مفيد جداً، يستطيع الباحث فيه
أن يعثر على مطلوبه بسهولة فائقة.
٧ - كان هذا الكتاب موضع انتقاد عدد من العلماء لوجود الأحاديث الضعيفة فيه.
شروحه .
شرح هذا الكتاب عدد من العلماء، منهم : -
١ - كمال الدين محمد بن موسى الدميري الشافعي المتوفى سنة ٨٠٨ هـ، في ٥
مجلدات .
٢ - إبراهيم بن محمد الحلبي المتوفى سنة ٨٤١ هـ.
٣ - جلال الدين السيوطي المتوفى سنة ٩١١ هـ وسمّى شرحه ((مصباح الزجاجة)).
٤ - محمد بن عبد الهادي السندي، المتوفى سنة ١١٣٨ هـ.
٥ - وكتب الشيخ عبد الغني الدهلوي ثم المدني حاشية سَمَّاها ((إنجاح الحاجة))،
وطبعت في الهند مع كتاب ((السنن)) ومع شروح العلامة فخر الحسن.
١٨
زوائد ابن ماجه
على باقي الكتب الخمسة
وإذ قد فرغنا من ذكر تراجم أصحاب الصحاح الستة، نشرع في بيان ما هو
المقصود، أعْني البحث عن كتاب ((زوائد ابن ماجه على باقي الكتب الخمسة)) وهو
لصاحبنا أحمد بن أبي بكر عبدالرحمن بن إسماعيل البوصيري المتوفى سنة ٨٤٠ من
الهجرة النبوية، وهو من أعيان القرن التاسع، وقد ذكره السخاوي في ((الضوء اللامع
لأهل القرن التاسع))، ولفظه ملخصاً : -
ترجمة البوصيري صاحب زوائد ابن ماجه على باقي الكتب الخمسة
وهو أحمد بن أبي بكر عبد الرحمن بن إسماعيل بن سليم - ككبير -ابن
قائماز بن عثمان بن عمر، الشهاب، أبو العباس الكناني البوصيري القاهري
الشافعي، وُلِدَ في العشر الأوسط من المحرم سنة اثنتين وستين وسبعمائة (سنة ٧٦٣)
من الهجرة ((بأبوصير)) من الغربية، ونشأ بها، فحفظ القرآن المجيد ببوصير على
الشيخ عمر ابن الشيخ عيسى، ثم سافر إلى القاهرة لأخذ النحو والفقه، فلازم الشيخ
يوسف إسماعيل في الفقه، وبدر الدين القدسي الحنفي في النحو، وحضر دروس
العز بن جماعة في المنقول والمعقول، وسمع الكثير من جماعة، منهم التقي بن حاتم
والتنوخي والبلقيني والعراقي والهيثمي، وكذا لازم شيخنا أي ابن حجر العسقلاني
قديماً إلى أن مات، حتى كتب عنه من تصانيفه ((لسان الميزان)) وغير ذلك، وقرأ عليه
أشياء، ووصفه بالشيخ المفيد الصالح المحدث الفاضل، وكتب بخطه أيضاً من
تصانيف غيره الكثير ، - كان كثير السكون والتلاوة والعبادة والانجماع عن الناس،
والإقبال على النسخ والاشتغال مع حدة في خلقه، وكان خطه حسناً مع تحريف كثير
في المتون والأسماء.
١٩
ومّما جمعه ((زوائد ابن ماجه على باقي الكتب الخمسة)) مع الكلام على
أسانيدها، وزوائد السنن للبكري والبيهقي في مجلدين، وزوائد مسانيد الطيالسي
وأحمد ومسدّد والحميدي والعدني والبزار وابن منيع وابن أبي شيبة والحارث بن أبي
أسامة وأبي يعلى على الستة أيضاً في تصنيفين، أحدهما بذكر أسانيدهم، والآخر
بدونها مع الكلام عليها - وَالْتَقَط من هذه الزوائد ومن مسند الفردوس للديلمي كتاباً
جعله ذيلاً على الترغيب للمُنذري، سمّاه ((تحفة الحبيب للحبيب بالزوائد في
الترغيب والترهيب))، ولكن مات قبل أن يهذّبه ويبيّضه، فبيّضه ولده من مُسَوِّدَتِهِ على
خَلَلٍ كثير، وَعَمِلَ جُزُءاً في خِصَال تُعمل قبل الفوت فيما يُجزَى عليه بعد الموت،
وآخر في أحاديث الحجامة - إلى غير ذلك.
وحدث باليسير، سمع منه الفُضُلاء كابن فهدٍ، وناب في الإمامة بالحسينّةِ وكان
قاطناً بها، ثم أمَّ بالقبّة منها، وتنزل في صوفية الشيخونية ثم المؤيّديّة، واستمرّ على
طريقته حتى مات وقت الزوال من يوم الأحد سابع عشري المحرم سنة أربعين
وثمانمائة (سنة ٨٤٠) من الهجرة بالحسينية، ودُفِنَ بتُربَةَ طشْتمر الدوادار(١) -
رحمه الله تعالى .
نبذة من ذكر شيوخه
وقد تتلمذ صاحبنا البوصيري على الشيخ الحافظ ابن جماعة، والعراقي، وابن
حجر العسقلاني والبلقيني وغيرهم، ونحن نذكر هنا ترجمة مختصرة لكل منهم : -
الحافظ ابن جماعة
هو قاضي القضاة الشيخ عز الدين بن بدر الدين محمد بن إبراهيم بن سعد
الله بن جماعة الكناني الشافعي، وُلِدَ في المحرم سنة ٧٩٤ من الهجرة. وأكثر
السماع حتى بلغ شيوخه ألفاً وثلاثمائة نفس، وصنف كثيراً وخرّج أحاديث الرافعي
وغيره، وولي القضاء بالديار المصريّة، وكانت معرفته بالحديث أمثل من معرفته
(١) ملخصاً من الضوء اللامع لأهل القرن التاسع لشمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي، ٢٥١/١ -
٢٥٢، طبعة القاهرة سنة ١٣٥٣ هـ وقد ذكره ابن حجر العسقلاني في ((إنباء الغمر بأنباء العمر))
والمقريزي في عقوده.
٢٠