النص المفهرس
صفحات 81-100
وقال ابن القيم (١) عن حديث رُكَانة في طلاق امرأته ثلاثاً في مجلسٍ واحدٍ: وقد صحح الإِمام أحمد هذا الإِسناد وحسنه! ونقل ابن سيِّد الناس (٢) عن الحافظ محمد بن عبد الله بن نُمَيْر المتوفى سنة (٢٣٤ هـ)، وهو في طبقة شيخ شيوخ الترمذي، قوله في ابن إسحاق: حسن الحدیث، صدوق. وقد أكثر الحافظ يعقوب بن شيبة السَّدُوسي البصري، المتوفى سنة (٢٦٢هـ)، استعمال كلمة حسن مريداً بها الحسن الاصطلاحي، وذلك في («مسنده الكبير المعلِّل» الذي قال فيه الذهبي: ما صُنُّف مسندٌ أحسنَ منه، ولكنه ما أتمَّه(٣)، فقد ورد في القطعة الصغيرة التي طُبعَتْ منه قولُه: هذا حديثٌ حسن الإِسناد، في أكثر من موضع. انظر على سبيل المثال الصفحات: ٥١، ٥٤، ٥٥، ٥٦، ٦٥، ٦٦، ٨٢، ١٠٢ من طبعة مؤسسة الكتب الثقافية . وفي كتاب ((الجرح والتعديل))(٤) لابن أبي حاتم في ترجمة إبراهيم بن یوسف بن إسحاق السُّبيعي: وسمعت أبي يقول: يُکتب حديثه، وهو حسن الحدیث. وفي ترجمة محمد بن راشد المكحولي (٥): قال أبي : كان صَدوقاً حسن الحدیث. وقد استعمل الإمام الترمذي الحسن بمعناه الاصطلاحي في جامعه، وأكثر منه حتى ظن كثير من أهل العلم أنه أول من استعمله وأتى به. ٠ ٠٠٠٠٠. (١) إعلام الموقعين: ٤٢/٣-٤٣. (٣) تذكرة الحفاظ: ٥٧٧/٢. (٢) عيون الأثر: ١٠/١. (٤) ١٤٨/٢ . (٥) ٢٥٣/٧. ٨١ : وقد أدرج الإِمامان البخاري ومسلم في صحيحيهما جملة أحاديث في أسانيدها رواة تنزل رتبتهم عن رتبة أهل الضبط التام مما يقال في مثل أسانيدها : حسنة الإِسناد. وقال الإِمامُ الذهبيُّ في ((الموقظة)» ص٣٢: أعلى مراتبِ الحَسَنِ: ١ - بھزُ بن حکیم، عن أبيه، عن جده. ٢ ۔ وعمرو بنُ شعیب، عن أبيه، عن جده. ٣ - ومحمدُ بنُ عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. ٤ - وابنُ إسحاق، عن محمد بن إبراهيم التيمي، وأمثال ذلك. وهو قسم متجاذب بين الصحة والحسن، فإنَّ عدةً من الحفاظ يصححون هذه الطرقَ، وينعتونها بأنَّها من أدنى مراتب الصحيح . وقال الإِمام الحافظ العلّامة سراج الدين عمر بن رسلان البُلْقَيْنِي المتوفى سنة ٨٠٥هـ في ((محاسن الاصطلاح)) ص١٠٩ : قد أكثر يعقوبُ بن شيبة تلميذ علي بن المديني من تحسين الأحاديث في كتابه، وفي مواضع كثيرة يجمع بين الحسن والصحة، وجمع أبو علي الطوسي شيخ أبي حاتم الرازي في كتابه ((الأحكام)) بين الحسن والصحة والغرابة إثر كل حديث، وكان معاصراً للترمذي . ٧ - عنایة العلماء بالمسند: استقطب ((مسندُ)) الإِمام أحمدَ اهتمامَ العلماءِ في كافّةِ الأمصار والأعصار، وضربوا لسماعه أكبادَ الإِبل، ولقي مِن حفاوتهم وعظيم اعتنائهم وحِرصِهم على قراءَته أو قراءةٍ جزء منه ما يقضي منه المرءُ العَجَب العُجابَ، بل إنَّ بعضهم قد حَفِظَه كلَّه بالرَّغْم من أنه يقرُب من ثلاثين ألف حديث، ٨٢ ٠٫١٠٠ ...-- ----- .. وما ذاك إلَّ لأن هذا ((المسند)) قد حَوَى معظم الحديث النبوي الشريف، المصدر الثاني من مصادر شريعة الإِسلام، فقد جمعه مؤلّفُه رضي الله عنه وانتقاه ليكون مثابةً للناس وإماماً، وصرَّح بذلك، فقال: عملت هذا الكتاب إماماً، إذا اختلف الناسُ في سنة رسول الله وَل ◌َهَ رُجع إليه(١). وهكذا كان، فقد رُزِقَ هذا ((المسند)) من الشُّهرة والقَبول ما لم ينله كتابٌ آخر من المسانيد. وقد تجلَّت عنايةُ العلماء به في الوجوه التالية: أ - حرصهم على سماعه وقراءته: فقد كان لدى أئمة علم الحديث رَغْبَةٌ شديدةٌ في تحصيل قراءته، والظَّفَر بسماعه، حتى إذا ظَفِر أحدُهم بسماع جزء منه لم يستطِعْ أن يُخفيَ فرحته بتحصيله، فها هو الحافظُ المتقن أبو موسى المديني يقول(٢): إن مما أنعم الله علينا أن رَزَقَنا سماعَ كتاب ((المسند)» للإِمام الكبير إمام الدِّين أبي عبد الله أحمد. ويُصوِّر الحافظ أبو موسى ما كان يَجِدُه المحدث في نفسه من غِبْطَةٍ وفخرٍ إذا وقع له جزء من أجزاء هذا ((المسند)) فيقول(٢): ولَعَمْري إن مَن كانَ مِنْ قَبْلِنا مِن الحفاظ يتبجّحون بجزء واحد يَقَعُ لهم من حديث هذا الإِمام الكبير. ويستشهد أبو موسى المديني لِقوله هذا بذكر ما قاله أبو محمد المُزَني - وهو بشهادة المديني من الحفاظ الكبار المكثرين - لرجلٍ قَدِم عليه من بغداد كان أقام بها على كتابة الحديث إذ سأله أبو محمد المزنيُّ وذلك في سنة ستُّ وخمسين وثلاث مئة عن فائدته ببغداد، وعن باقي إسناد العراق، (١) ((خصائص المسند)) للمديني ص٢٢ (طبعة أحمد شاكر في مقدمة الجزء الأول من المسند). (٢) في ((خصائص المسند)) ص ٢٠. ٨٣ فقال في جُملَة ما ذكر: سمعتُ ((مسند)) أحمدابن حنبل رحمه الله تعالى من أبي بكر بن مالك في مئة وخمسين جزءاً، فعَجِبَ أبو محمد المزني من ذلك، وقال: مئة وخمسون جزءاً من حديث أحمد ابن حنبل! كنا ونحن بالعراق إذا رأينا عندَ شيخٍ من شيوخنا جزءاً من حديث أحمدابن حنبل قَضَيْنا العجبَ من ذلك، فكيف في هذا الوقت هذا ((المسند)) الجليل! ثم ذكر المديني كيف أن الحاكم لم يبدأ بتأليف كتابه «المستدرك على الصحيحين)) إلا بعد أن أقام في بغداد أشهراً، وسمع جملةَ ((المسند)) من أبي بكر بن مالك القَطِيعي . ومن طريف ما ذكره أبو موسى المدينيُّ في شِدة حِرْصِ العلماء على سماع ((المسند)) وعنايتهم به ما رواه عن أبي بكر القطيعي - وهو الذي انتشر ((المسند)) عنه - قال: رأيتُ أبا بكر أحمد بن سلمان النَّجَّاد(١) في النوم وهو على حالة جميلة، فقلت: أيَّ شيء كان خَبَرُك؟ قال: كل ما تحبُّ، الزم ما أنت عليه وما نحن عليه، فإنّ الأمرَ هو ما نحن عليه وما أنتم عليه، ثم قال: بالله إلا حَفِظْتَ هُذا ((المسند))، فهو إمامُ المسلمين وإليه يَرجِعون، وقد كنتُ قديماً أسألك بالله إن أَعَرْت منه أكثر من جزء لمن تعرفه ليبقى . ومما يُدهِشُ أيضاً أن بعضَهم قد حَفِظَه كُلَّه، فقد سُئِل الشيخ الإِمام الحافظ أبو الحسين علي بن الشيخ الإمام الحافظ الفقيه محمد اليُونِينِي رحمهما الله تعالى - فيما رواه ابن الجَزّري(٢) -: أنت تحفظُ الكُتُبَ السنَّة؟ فقال: أحفَظُها وما أحفظها، فقيل له: كيف هذا؟ فقال: أنا أحفظُ ((مسند)» (١) هو الإِمام المحدث الحافظ الفقيه المفتي شيخ العراق، مترجم في ((سير أعلام النبلاء)) ٥٠٢/١٥. (٢) في ((المصعد الأحمد)) ص٣٢ (مقدمة الجزء الأول لمسند أحمد). ٨٤ أحمد، وما يفوتُ ((المسندَ)) من الكتب الستة إلا قليلٌ، أو قال: وما في الكتب هو في ((المسند)) يعني إلا قليل، وأصلُه في ((المسند))، فأنا أحفظها بهذا الوجه(١). وإن كان لا يفوتُ «المسند» من الكتب الستة إلا القليل، فإن مَنْ وَقَع له هذا ((المسند)) لم تَعُدْ به حاجةٌ إلى غيره، واستغنى به عما سواه، وهذا ما حصل لأبي بكر القطيعي، إذ قال - فيما رواه المديني(٢) -: حضرتُ مجلس يوسف القاضي(٣) سنة خمس وثمانين ومئتين، أُسْمَعُ منه كتاب ((الوقوف))، فقال لي: مَنْ عنده ((مسند)) أحمد ابن حنبل و«الفضائل)) أَيْشٍ يعمَلُ هاهنا؟ ويكفي لِتعليل هذه العناية الكبرى التي لقيها هذا («المسند» أن نَذْكُرَ ما قاله فيه ابن الجزري(٤) حین وصفه فقال: هو کتابٌ لم یُرْوَ علی وجه الأرض کتابٌ في الحدیث أعلى منه. (١) قلنا: وممن يغلب على ظننا أنه كان يحفظ ((المسند))، وكانت أحاديثهُ على أطراف ألسنتهم شيخُ الإسلام ابن تيمية أبو العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم الدمشقي المتوفى سنة (٧٢٨هـ)، والإِمام المحدث شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر الزرعي الدمشقي الشهير بابن قيم الجوزية المتوفى سنة (٧٥١هـ)، والحافظ أبو الفداء عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي المتوفى سنة (٧٧٤هـ)، والإِمام الحافظ أبو الفرج عبد الرحمن بن شهاب الدين الدمشقي الشهير بابن رجب المتوفى سنة (٧٩٥هـ). ......... . . .... ..... . . . ... . (٢) في ((خصائص المسند)) ص٢٤ . (٣) هو الإِمام الحافظ الفقيه يوسف بن يعقوب أبو محمد البغدادي القاضي، المتوفى سنة ٢٩٧، مترجم في ((السير)) ٨٥/١٤. (٤) في ((المصعد الأحمد)) ص٢٩، ٣٠. ٨٥ ......... ......... ........ ....... ب - تقريبه وتيسير الإفادة منه : وهذا هو الوجهُ الثاني من وجوه اعتناء العلماء بهذا الدِّيوان العظيم، فقد دَفَعَهُم إلى ذلك صعوبةُ البحث عن الأحاديث التي يحتاج إليها العالمُ منهُ، فكان أن ألَّفوا مؤلفاتٍ لتذليلِ هذه الصعوبة، وتيسير الاستفادة منه، فمن ذلك: ١ - ترتيب أسماء الصحابة الذين أخرج حديثهم أحمدُ ابن حنبل في ((المسند))(١) للحافظ أبي القاسم ابن عساكر المتوفى سنة ٥٧١هـ، طبع بتحقیق الدکتور عامر حسن صبري . ٢ - ترتيبُ ((المسند)) للحافظ أبي بكر محمد بن عبد الله الصامت ابن المُحبّ المتوفى سنة ٧٨٩هـ، ذكره ابنُّ الجزري في ((المُصعَد الأحمد)» ص٣٩، وقال: رتبه على معجم الصحابة، ورتَّب الرواة كذلك کترتیب کتاب ((الأطراف)»، تَعِبَ فيه تعباً كثيراً، وقد أخذ هذا الكتاب المرتَّبَ من مؤلفه حافظُ الشام ومؤرخُ الإِسلام عمادُ الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير المتوفى سنة (٧٧٤هـ)، وأضاف إليه أحاديثَ الكتب الستة، ومعجم الطبراني الكبير، ومسند البزار، ومسند أبي يعلى الموصلي، قال تلميذُه ابن الجزري في ((المصعد الأحمد)» ص٤٠: وأجهَدَ نفسه كثيراً، وتعب فيه تعباً عظيماً، فجاء لا نظير له في العالم، وأكمله إلا بعض مسند أبي هريرة، فإنه مات قبل أن يُكمِلَه، فإنه عُوجِلَ بكفِّ بصره. ٣ - ترتيب مسند أحمد على حروف المعجم، لأبي بكر محمد بن عبد الله بن (١) وقد استفدنا من هذا الكتاب معرفة ما سقط من المسانيد في الطبعة الميمنية وفيه - غیر الترتيب والإحصاء - من الفوائد الحديثية النادرة التي لا يستغني عنها المتمرسون في هذا الفن لا سيما من يتولى خدمة المسند وتحقيقه. ٨٦ ٠٬٠٠ عمر المقدسي الحنبلي، المتوفى سنة ٨٢٠هـ. انظر «تاريخ التراث العربي)) لسزكين ٢٢١/٣. ٤ - (ترتيب مسند الإمام أحمد على أبواب صحيح البخاري)) وقد أَلَّفَ هذا الكتابَ الإِمامُ علي بن الحسين بن عُروة بن زُكْنون المتوفى سنة (٨٣٧هـ)، وسماه ((الكواكب الدراري))، قال السخاوي في ((الضوء اللامع)) ٢١٤/٥ في ترجمته: رتب ((المسند)) على أبواب البخاري، وسماه ((الكواكب الدراري في ترتيب مسند الإمام أحمد على أبواب البخاري)) وشرحه في مئة وعشرين مجدداً، طريقته فيه أنه إذا جاء لحديث الإِفك مثلاً يأخذ نسخةً من شرحه للقاضي عياض، فيَضَعُها بتمامها، وإذا مرَّت به مسألة فيها تصنيف مُفرَدٌ لابن القيم أو شيخه ابن تيمية أو غيرهما وضعه بتمامه، ويستوفي ذاك الباب من ((المغني)) لابن قدامة ونحوه. ويوجد من هذا الكتاب في المكتبة الظاهرية بدمشق المحمية عدةٌ مجلدات تزيدُ على الأربعين، ومنه مجلدات في دار الكتب المصرية بمصر، وكان لهذا الكتاب فضلٌ كبير في حفظٍ كثير من مؤلفات شيخ الإِسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وغيرهما من الإتلاف. ٥ - تهذيبُ المسند وترتيبه على الأبواب للشيخ الإمام المحدث قاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن محمد بن سليمان الحنبلي الشهير بابن زريق المتوفى (٨٤١هـ)، وقد فُقِدت هذه النسخة فيما فقد في كائنة تيمور في دمشق سنة (٨٠٣هـ). ٦ - أطرافُ الأحاديث التي اشتمل عليها المسند، للحافظ ابن حجر العسقلاني المتوفى سنة ٨٥٢هـ، سماه (إطراف المُسنِدِ المُعتَلي بأطراف المُسنَد الحنبلي))، عندنا منه نسخة خطية(١). (١) سيرد وصفها عند وصف النسخ الخطية. ٨٧ .... i ... ٠٫٠٠ : ٠٠٠٠ ١.٠ -... ٧ - ((الفتحُ الرباني لترتيب مسند الإمام أحمدابن حنبل الشيباني)) للشيخ العلامة أحمد بن عبد الرحمن البَنّا الشهير بالساعاتي المتوفى نحو سنة ١٣٧١ هـ/ ١٩٥١م، وقد عمّد فیه إلى السند فحذفه، ولم يُثبته في المتن إلا في مواضع يسيرة حين تَمَسُ الحاجةُ إلى ذكر اسم أحد رواته، ثم إنه عَقَّب كُلَّ حديث بسنده في التعليق، وجمع الحدیثَ الواحد المتكرر في غير ما موضعٍ ، وجعله في مكان واحد بحيث لا يختَلَّ المعنى، وألمع إلى اختلاف الروايات، ومیّز بينها بقوله: وفي رواية كذا وكذا ... ثم إنه کسر الكتابَ على سبعة أقسام، وهي: التوحيد وأصول الدين، الفقه، تفسير القرآن، الترغيب، الترهيب، التاريخ، أحوال الآخرة وما يتقدم ذلك من الفتن، وأدرج تحت كلّ قسم ما يدخُلُ في معناه من الكتب والأبواب، أما الأحاديث الطويلة الواردة في («المسند» فقد وَضعها في أول باب يليق بها، ثم جزّأ الحديث الواحد، فوضع كل جزء منه في الباب الذي يُنْدَرِجُ تحتَّه . وهذا الكتاب مطبوع في القاهرة مع مختصر شرحه في أربعة وعشرين جزءاً. ٨ - ومن وجوه تقريبه صُنْعُ مختصرٍ له، وهذا ما فعله الشيخ الإمام المحدث سراج الدين عمر بن علي المعروف بابن الملقّن الشافعي المتوفى سنة ٨٠٤ هـ. انظر ((كشف الظنون)) ١٦٨٠/٢. وكذا فعل الشيخ عمر بن أحمد الشّمَّاع الشافعي الحلبي المتوفى سنة ٩٣٦هـ، إذ انتقى من «المسند» كتاباً سماه («الدر المنضّد من مسند أحمد)». انظر ((الكواكب السائرة)) ٢٢٥/٢. جـ۔۔ في التأليف حوله: ومن مظاهر عناية العلماء بالمسند والاحتفاء به كثرةُ المؤلفات التي ألَّفها ٨٨ ٠-١ ... أهلُ العلم فيه، وفي رجاله، وخصائصه، وشرح غريبه، وتجريد ثلاثياته(١)، وإعراب ما يُشْكِلُ من ألفاظه، فمن ذلك: ١ - غريبُ الحديث على مسند أحمد ابن حنبل، للغوي الزاهد أبي عمر محمد بن عبد الواحد بن أبي هاشم المعروف بغُلام ثَعْلَب، المتوفى سنة (٣٤٥هـ)، ذكره ابنُ أبي يعلى في ((طبقات الحنابلة)) ٦٨٢/٢ عن أبي القاسم عبد الواحد بن برهان الأسدي قال: لم يتكلَّمْ في علم اللغة أحدٌ من الأولين والآخرين أحسن من كلام أبي عمر الزاهد، قال: وله كتاب ((غريب الحديث)) صنّفَه على مسند أحمد ابن حنبل، وجعل يستحسنُه جداً(٢). ٢ - ((خصائص المسند)) للحافظ أبي موسى المديني، المتوفى سنة (٥٨١هـ)، طبع في أول كتاب ((المسند)» بتحقيق العلامة أحمد شاكر. وألَّف في خصائصه وفضائله أيضاً ابن الجزري المتوفى سنة (٨٣٣هـ) كتاباً سماه «المصعد الأحمد في ختم مسند الإمام أحمد))، وهو مطبوع كذلك في أول («المسند» بتحقيق العلامة أحمد شاكر. ٣ - تجريد ثلاثياته للإِمام العلامة المحدّث محب الدين إسماعيل بن عمر المقدسي المتوفى سنة (٦١٣هـ). وللإِمام الحجة ضياء الدين أبي عبد الله محمد بن عبد الواحد : : (١) الحديث الثلاثي: هو ما كان في سنده بين المخرج للحديث وبين النبي وهو ثلاثة رواة، صحابي وتابعي وتابع تابعي. (٢) تحرف قوله (يستحسنه جداً) في مطبوع ((الطبقات)) إلى ((نسخته جداً)) وهو تحريف طريف لم يتفطن إليه محققه. ٨٩ . ........... المقدسي المتوفى سنة (٦٤٣هـ). وشرح بعضُهم هذه الثلاثيات كالعلامة المُتَفنِّن محمد بن أحمد بن سالم السفاريني المتوفى ١١٨٨هـ، وسماه «نفئات صدر المُْمَد وقرّة عين المسعَد بشرح ثلاثيات مسند الإمام أحمد)»، طبع في دمشق بعناية الأستاذ الفاضل الشيخ عبد القادر الأرنؤوط سنة ١٣٨٠هـ. ٤ - تراجم رجاله، صنَّف في ذلك الإِمامُ الحافظ أبو المحاسن شمس الدين محمد بن علي بن الحسن بن حمزة الحُسَيني الشافعي المتوفى سنة ٧٦٥هـ، كتاباً سمِّاه ((الإِكمال في تراجم من له رواية في مسند الإمام أحمد ممن ليس لهم ذكر في تهذيب الكمال)) للحافظ المزي، وقد طُبع بتحقيق عبد المعطي قلعجي سنة ١٩٨٩ م، ثم طبع سنة ١٩٩٢م بتحقیق عبد الله السرور. قال ابنُ الجزري في ((المصعد الأحمد)) ص ٤٠: وأما رجال ((المسند)) فما لم يكن في ((تهذيب الكمال)» أفرده المحدثُ الحافظ شمس الدين محمد بن علي بن الحسن الحسيني بإفادة شيخنا الحافظ أبي بكر بن المحب فيما قَصَّرَ، وما فاته فإني استدركته وأضفته إليه في كتاب سمَّيته ((المقصد الأحمد في رجال مسند أحمد)) وقد تَلِفَ بعضه في الفتنة، فكتبته بعد ذلك مختصراً. وألف الحافظ الناقدُ العلّامة شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني المتوفى سنة (٨٥٢هـ) كتاباً سماه «تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة)) ويبدو لنا أن الحافظ ابن حجر قد ألفه على عجل، فليس فيه من التحقيقات المتقنة التي نقع عليها في عامة مؤلفاته، وهو مطبوع طبعة يفشو فيها التصحيف والتحريف والسقط سنة (١٣٢٤)هـ بحيدرآباد الدكن. ٩٠ ..-...... .-** وقد فاته أن يترجمَ لعددٍ عير قليلٍ من رواة ((المسند)) الذين هم من شرطِهِ، وسننبه على ذلك في دراستنا للأسانيد إن شاء الله تعالى. ٥ - إفراد زوائده، وألف في ذلك الحافظ نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي المتوفى سنة (٨٠٧هـ) كتاب «غاية المُقْصَد في زوائد المسند» أفرد زوائده على الكتب الستة بأسانيدها، ورتبها على الأبواب، وهذا الكتاب لم يُطبَع بعد، وعندنا منه نسخة مصورة(١)، وقد أدرجت زوائدُ ((المسند)» بعد حذف الأسانيد في ((مجمع الزوائد» للمؤلف نفسه. ٦ - إعراب ما يُشكِل من ألفاظه، وألّف في ذلك جلال الدين السيوطي المتوفى سنة ٩١١هـ كتابه المسمى ((عقود الَّبرجَد على مسند أحمد» طبع في بيروت. ولأبي البقاء العكبري كتاب ((إعراب الحديث النبوي)) أورد فيه أحاديث كثيرة من مسند الإمام أحمد، طُبع ضمن مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق بتحقيق الأستاذ عبدالإِله نبهان. ٧ - الدفاع عن الأحاديث القليلة الموجودة فيه، التي انتقدها الحفاظ وحكموا عليها بالوضع، وألّف في ذلك الحافظ ابن حجر العسقلاني كتاب ((القول المسدَّد في الذَّبِّ عن مسند الإمام أحمد)» طُبع بدائرة المعارف بحيدرآباد، وفي غيرها. وألّف العلامة محمد صبغة الله المِدْراسي الهندي رحمه الله ((ذيل القول المسدَّد)) طبع مع ((القول المسدَّد)) بحيدرآباد، الطبعة الثالثة، سنة ١٩٧٩م. ٨ - شرحه، وألف في ذلك حاشيةً نفيسة عليه العالم المحدث المحقق أبو الحسن نور الدين محمد بن عبد الهادي السندي المتوفى سنة ١١٣٩ هـ. وقد تضمنت تعليقات لطيفة اقتصر فيها على ذكر ما يحتاج إلى القارىء والمدرس من ضبط اللفظ وإيضاح الغريب والإِعراب، وما إلى ذلك وهي عندنا وسيرد وصفها في الكتب التي استعنا بها وأفدنا منها. (١) وقد حقق في عدة رسائل جامعية في جامعة أم القرى. ٩١ . .. ... د - روایته: انفرد عبدُالله بن أحمد ابن حنبل برواية («المسند» عن أبيه، مع أنَّه سمعه مع أخيه صالح وابن عم أبيه حنبل بن إسحاق، فصالح - وهو أكبرُ أولاد الإِمام - كان كثيراً ما يتغيّبُ عن السماع سعياً وراءَ عياله (١)، ولعلَّ حنبلَ بن إسحاق اهتمّ بفقه الإِمام أحمد أكثر من اهتمامه بحديثه(٢)، ومن ثَمَّ انفرد عبدُ الله بسماع سائر ((المسند)) عن أبيه(٣)، بل إن بعضَ الأحاديث سمعها منه مرتين وثلاثة (٤)، وقد أدَّى لنا ((المسندَ)) كما سمعه وزاد عليه أحاديثَ عن عوالي شيوخه(٥) وقد بلغ عددهم مئة وثلاثةً وسبعين شيخاً(٦). وثّقه النسائي والدارقطني والخطيب وغيرهم، وحدَّث عنه النسائي وابن صاعد، وأبو علي بن الصواف، وأبو بكربن النّجاد، وأبو بكر القطيعي، وخلق كثير. كانت ولادته سنة (٢١٣ هـ)، وتوفي سنة (٢٩٠هـ) عن سبع وسبعين سنة(٧) . وقد انتهى إلينا ((المسندُ)) برواية ابن الحُصَيْن عن ابن المُذْهِب، عن القطيعي، عن عبد الله بن أحمد، عن الإِمام أحمد. فأما الراوي عن عبد الله: فهو أبو بكرٍ أحمدُ بن جعفر بن حمدان بن مالك القَطِيعيُّ، ولد سنة (٢٧٤هـ)، سمع ((المسند)) مع عمِّ أمه عبد الله بن الجصَّاص، وكان لأبيه جعفر اتصالٌ بالدولة، وكان عبدُ الله يقرأ ((المسنَدَ)) لابن ذلك السلطان، فحضر القطيعيُّ أيضاً، وسَمِعه منه(٨). (١) طبقات الحنابلة: ١٨٢/١. (٣) السير: ١٨١/١١، ٥١٧/١٣. (٥) السير: ١٣/ ٥٢٤. (٧) السير: ٥١٦/١٣-٥٢٦. (٢) طبقات الحنابلة: ١٤٣/١. (٤) السير: ٥٢٠/١٣. (٦) المصعد الأحمد: ٣٤. (٨) السير: ٢١٢/١٦. ٩٢ *-- ------.. وقد اتَّهمه ابنُ أبي الفوارس، فقال: لم يكن بذاك، له في بعض ((المسند)) أصولٌ فيها نَظَر، ذُكر أنه كتبها بعد الغَرق(١). وكانت القطيعةُ - حيث يسكن - قد غَرِقت، فغرق فيها بعضُ كتبه، فَغَمَزَه الناس لاستحداث نسخها من كتاب لم يكن فيه سماعُه(٢)، وقد دافع ابنُ الجوزي عن هذه التهمة بقوله: ومثلُ هذا لا يُطعَنُ به عليه، لأنه يجوزُ أن تكون تلك الكتبُ التي غَرِقَت قد قُرِتَتْ عليه، وعُورِض بها أصلُه، وقد روى عنه الأئمةُ كالدارقطني، وابن شاهين، والبرقاني وأبي نعيم والحاكم(٣). وقال الخطيب البغدادي: لم يمتنع أحدٌ من الرواية عنه، ولا تَرَك الاحتجاجَ به(٤). وقال الحاكم: ثقة مأمون(٥). توفِّي أبو بكر سنة (٣٦٨هـ) وله خمس وتسعون سنة(٦). وأما الراوي عن القَطيعي : فهو أبو علي الحسنُ بن علي ابن المُذْهِب، البغدادُّ الواعظ. وُلِدَ سنة (٣٥٥هـ). قال الخطيب البغدادي: كَتَبْنا عنه، وكان يروي عن ابن مالك القَطيعي (مسند)» أحمد ابن حنبل بأسْره، وكان سماعُه صحيحاً إلا في أجزاء منه، فإنّه اَلْحَقَ اسمه فیھا(٧). وقد دافع ابن الجوزي عن هذه التهمة أيضاً بقوله: هذا لا يوجب القدحَ، لأنه إذا تيقَّنَ سماعه للكتاب جاز أن يكْتُبَ سماعَه بخطه (٨). (١) السير: ٢١٢/١٦. (٢) تاريخ بغداد: ٧٣/٤. (٣) المنتظم: ٩٣/٧. (٤) تاريخ بغداد: ٤ /٧٣. (٥) ميزان الاعتدال: ٨٨/١. (٦) السير: ٢١٣/١٦. (٧) تاريخ بغداد: ٣٩٠/٧. (٨) المنتظم: ١٥٥/٨. ٩٣ ...... أ . . .. . ........ ٠٠ ...-. .... ................-....... ............... .. .... وقال أبو بكر ابن نُقْطَّة: ليتَ الخطيب نبّه في أيِّ مسندٍ تلك الأجزاءُ التي استثنى، ولو فَعَل لأتى بالفائدة، وقد ذكرنا أن مسنّدي فَضالة بن عُبيد، وعوف بن مالك لم يكونا في نسخة ابن المُذْهِبِ، وكذلك أحاديثُ من مسند جابر، لم تُوجَدْ في نسخته، رواها الحرَّاني عن القطيعي، ولو كان ممن يُلحِقُ اسمه كما قيل لألحق ما ذكرناه أيضاً، والعجبُ من الخطيب يَرُدُّ قولَه بفعله(١). قلنا: ويقوي هذا أنَّ الحافظ ابن عساكر قد روى ((المسند)) من طريق ابن المُذْهِب وليس في نسخته مسندُ فضالة بن عبيد وعوفٍ بن مالك، فقد قال في كتابه «ترتيب أسماء الصحابة)»: عوفُ بن مالك الأشجعي في جزءٍ فيه فضالة بن عبيد، ولم يَقَعْ إلينا مسموعاً(٢). وقال ابن حجر في ((أطراف المسند)): وهو فَوْتٌ لابنِ المُذْهِبِ على القَطيعي لم يسمَعْهُ منه، وقد رواه عن القطيعي أبو القاسم عبد الملك بن محمد بن بشران، وحدَّث به عنه أبو الحسن علي بن العَلَّاف، وهذا العلّف قد أجاز لأبي القاسم بن عساكر ولأبي موسى المديني وطائفة، فيمكن اتصالُه بالإِجازة من طريق بعضهم(٣). توفي ابنُ المُذْهِبِ سنة (٤٤٤هـ) (٤). وأما الراوي عن ابن المُذْهِب: فهو أبو القاسم هبةُ الله بنُ محمد بن عبد الواحد بن الحُصَيْنِ الشَّيباني البغدادي . ولد سنة (٤٣٢ هـ). (١) السير: ١٧ / ٦٤٢. (٢) ترتيب أسماء الصحابة: ٨٧. (٣) أطراف المسند: ١/ ورقة ٢٢٥ . (٤) السير: ١٧ / ٦٤٠ -٦٤٣. ٩٤ ......----.. ............. ٠٠١٠٠ ............................... -....... قال ابن الجوزي: كان ثقةً، صحيحَ السماع، وسمعتُ منه ((مسند)) الإِمام أحمد جمیعَهُ(١). وقال السَّمعاني: شيخٌ ثقة، دَيِّنٌ، صحيحُ السماع، واسعُ الرواية(٢). وقد حدَّث عن ابن الحُصين أيضاً أبو القاسم بن عساكر، وأبو موسى المديني، وحنبل بن عبد الله المكبِّر. وعن ابن الحصين اشتهرت روايةُ ((المسند)) وذاع في جميع البلدان، ورواه العَدَدُ الجَمُّ مِن الحفاظ الثقات، وتَصدوا لإِسماعه وروايته . تُوَّي ابنُ الحُصين سنة (٥٢٥هـ)(٣). وللحافظ أبي موسى المديني طريقٌ آخر للمسند ينتهي إلى القطيعي أورده في كتابه ((خصائص المسند» قال: فإن مما أنعم الله علينا أن رَزَفَنَا سِمَاعَ كتاب المسند للإِمام الكبير، إمام الدِّين أبي عبد الله أحمدَ بنِ محمد بن حنبل الشيباني، رحمه الله تعالى، فحصَّل لي والدي - رحمه الله وجزاه عني خيراً - إحضاري قراءته سنةً خمس وخمس مئة على الشيخ المقرىء بقيةٍ المشايخ أبي علي الحسن بن الحدَّاد، وكان سماعُه لُأكثره عن أبي نعيم أحمد بن عبد الله الحافظ - وما فاته منه قُرىء عليه بإجازته له - وأبو نعيم كان يرويه عن شيخيه أبي علي محمد بن أحمد بن الحسن الصّاف، وأبي بكر أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك القطيعي، على ما تنطِقُ فهرست مسموعاتي بخط والدي رحمه الله (٤). ١ - أما أبو علي بن الحدّاد، فهو مسندُ العصر، الشيخُ الإِمام، (١) المنتظم: ٢٤/١٠. (٢) السير: ٥٣٨/١٩. (٣) السیر: ٥٣٦/١٩-٥٣٩. (٤) خصائص المسند: ٢٠ . ٩٥ -------- -- الحسن بن أحمد بن الحسن بن محمد بن علي بن مِهْرة الأَصْبَهَاني، شیخ أصبهان في القراءات والحديث جميعاً. وُلِدَ سنة (٤١٩هـ)، وبدأ بالسماع سنة (٤٢٤هـ) وبعدها، وأكثر عن أبي نعيم الحافظ، ومن جُملة ما سمع منه ((مسند» الإِمام أحمد. قال السمعاني: هو أجلُّ شيخٍ أجاز لي، رَحَلَ الناسُ إليه، وكان خيراً صالحاً ثقة. توفي سنة (٥١٥هـ)(١). ٢ - وأما أبو نعيم: فهو الإِمامُ، الحافظُ، الثقة، أحمدُ بن عبدِ الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران، الأصبهاني، صاحب كتاب ((حِلية الأولياء))، و(«تاريخ أصبهان))، و(معرفة الصحابة))، و((المستخرج على الصحیحین» . وُلِدَ سنةَ (٣٣٦هـ). كان حافظاً مبرِّزاً، عاليَ الإِسناد، تفرَّد في الدنيا بشيء كثيرٍ من العوالي، وهاجر إلى لُقِيّةِ الحفاظ. توفي سنة (٤٣٠ هـ)(٢). ٣ - وأما أبو علي بنُ الصواف: فهو الشيخُ، الإِمام، المحدث، الثقة، الحجة، محمد بن أحمد بن الحسن بن إسحاق البغدادي . ولد سنة (٢٧٠هـ). قال الدارقطني : ما رأت عيناي مثلَ أبي علي بن الصواف. (١) السير: ٣٠٣/١٩-٣٠٧. (٢) السير: ١٧ / ٤٥٣-٤٦٣. ٩٦ ٠٠ وقال ابن أبي الفوارس: كان أبو علي ثقة مأموناً، ما رأيتُ مثله في التحُّزِ. توفي سنة (٣٥٩هـ) وله تسع وثمانون سنة(١). وممن سَمِع ((المسند)) من ابن الحصين: المُسْنِد، المعمَّر، الصالح، أبو علي حنبل بن عبد الله بن الفرج بن سَعادة، الواسطي البغدادي، الرُّصافي، المكبِّر، وهو آخرُ من روى ((المسند)) عنه، فألحق الصغارَ بالكبار(٢). وُلِدَ سنة (٥١١هـ)، فبادر والدُه إلى شيخ الإِسلام عبد القادر الكيلاني، فأعلمه أنه وُلِدَ له وَلَدٌ ذكر فقال: سمِّ ابنك حنبلاً، وأسمِعْه ((المسند)) فإنه يُعَمَّر ويُحْتَاجُ إليه(٣). فسمَّعه أبوه وهو في الثانية عشرة من عمره جميعَ ((المسند)» من ابن الحصين بقراءة نحويٍّ عصره أبي محمد بن الخشَّاب، وذلك في رجب وشعبان سنة (٥٢٣هـ)(٤). قال ابن الأنماطي : تتبّعتُ سماعَ حنبل للمسند من عدة نُسَخ وأَثبات، وخطوط أئمة أثبات، إلى أن شاهدتُ بها أصولَ سماعه لجميع ((المسند)) سوى أجزاء من مسند ابن عباس، شاهدت بها نَقْلَ سماعه بخط من یُوثَق به . وسمعتُ منه جميعَ («المسند» ببغداد في نيف وعشرين مجلساً، ثم أخذتُ أرغُّبُه في السفرِ إلى الشام، وقلتُ له: يَحصُلُ لك مِن الدنيا شيء، وتُقْبِلُ عليك وجوهُ الناس، فقال: دعني، فوالله ما أُسَافِرُ من أجلهم، ولا لما يَحصُل منهم، إنما أسافر خدمةً لِرسول الله ێ﴾، أروي أحاديثَه في بلدٍ لا تُرْوى. (١) السير: ١٨٤/١٦-١٨٦. (٢) ذيل الروضتين: ٦٢. (٣) المصعد الأحمد: ٤٥. (٤) السير: ٤٣١/٢١. ٩٧ ٠ ٠٠"""" "" "" . .... ...... : قال: ولما عَلِمَ الله تعالى نيتَه الصالحةَ، أقبل بوجوه الناس عليه، وحرَّك الهممَ للسماع عليه، فاجتمع عليه جماعةٌ ما اجتمعوا بمجلسٍ بدمشق. قال ابنُ الجزري: وذلك في مجالس، آخِرُها في صفر سنةَ ثلاث وست مئة . قالَ ابنُ الأنماطي: فحدَّث بالمسند بالبلدِ (يعني بدمشق) مرة، وبالجامع المظفَّري (أي بالصالحيَّة) أخرى، وازدحم عليه الخلقُ، وسمع منه السلطان الملك المعظّم وأقاربه، وأبو عمر الزاهد، وسائر المقادسة(١)، وحدَّث عنه الكبارُ بالمسند كالشيخ الفقيه بيَعْلَبَك (ت٦١٧هـ، السير ١٠١/٢٢)، وقاضي الحنفية شمس الدين عبد الله بن عطاء (ت٦٧٣هـ، الجواهر المضية ٣٣٦/٢)، والشيخ تقي الدين بن أبي اليُسر (ت٦٧٢هـ، الوافي بالوفيات ٧١/٩)، والشيخ شمس الدين بن قُدامة (ت٦٨٢هـ، ذيل طبقات الحنابلة ٣٠٤/٢)، والشيخ شمس الدين أبي الغنائم بن عَلّان (ت ٦٣١ هـ، السير ٣٦٢/٢٢)، والشيخ أبي العباس بن شيبان (ت٦٨٥ هـ، الوافي ٤١٧/٦)، والشيخ فخر الدين بن البخاري (ت ٦٩٠هـ، ذيل طبقات الحنابلة ٣٢٥/٢)، والمرأة الصالحة زينب بنت مَكِّي (ت٦٨٨هـ، العبر ٣٥٨/٥). وأما من حدَّث عنه ببعض ((المسند)) فعددٌ كثير، ورجع إلى وطنه، فمرَّ (١) كانت جماعة من المقادسة قد هاجروا من بيت المقدس وما حوله إبان الحروب الصليبية نحو سنة (٥٥١هـ)، واستوطنوا جبل قاسيون في دمشق، ولصلاحهم نسب الجبل من بَعْدُ إليهم فسمي بالصَّالحية، وكانوا في الفقه على مذهب الإمام أحمد ابن حنبل رضي الله عنه، وفي نسخ دار الكتب الظاهرية بدمشق من ((المسند)) سماعاتهم وخطوطهم، وعليها خط حنبل بتصحيح سماعهم منه. ٩٨ على حلب، فحدَّث بالمسند بها، ثم بالمَوْصِلِ ، فحدَّث بالمسند بها أيضاً وباربل، ودخل إلى بغداد بخيرٍ کثیر. فتوفي بالرُّصافة في نصف المحرَّم سنة (٦٠٤هـ) عن نحو ثلاث وتسعين سنة، رحمه الله تعالى (١). وعن حنبلٍ روى ((المسند)) الإِمامُ، العالم، المحدِّث، الفقيه، الصَّالح، الثقة، الأمين، فخر الدين، أبو الحسن، علي بن أحمد بن عبد الواحد، السَّعْدي، المقدسي، الحنبلي، الشهير بابن البخاري، المتوفى سنة (٦٩٠هـ) بجبل قاسيون . قال ابن الجزري: وقد قرىء عليه ((المسندُ)) مراتٍ، آخِرُها في سنة (٦٨٩هـ)، سَمِعَهُ منه جماعات بقراءة الإِمام كمال الدين أحمد بن أحمد بن محمد بن الشريشي (ت٧١٨ هـ، الدرر الكامنة ٢٥٢/١)، منهم شيختنا أم محمد ست العرب بنت محمد (ت٧٦٧هـ، شذرات الذهب ٢٠٨/٦)، وآخرهم شيخنا صلاح الدين محمد بن أحمد(٢). وصلاح الدين: هو الشيخ الصالح، الصدوق، الدَّيِّن، الخيِّر، المُسْنِد، محمد بن أحمد بن إبراهيم بن عبد الله بن شيخ الإسلام أبي عمر محمد بن أحمد بن قُدامة، المقدسي، الحنبلي . قال ابن الجزري: أخذتُ عنه («المسند» كاملاً بقراءتي وقراءةٍ غيري في نحو سبع سنین. وسببُه أن نسخة أصل سماعِه كانت بخطُّ الحافظ الضياء رحمه الله تعالى فُوُجِدَ بعضُها، وكان شيخُنا الحافظ الكبير شمس الدين أبو بكر ابن (١) المصعد الأحمد : ٤٥-٤٦. (٢) المصعد الأحمد: ٤٩. ٩٩ ئے ............. ١٠٠٠ ............ ... المُحب يُخَرِّضُنا على سماع ((المسند)) منه، ويقول: لا تشكُّوا في أنه سمعه كاملاً، فكنا نقرؤه من نسخة وَقْفِ البَاذْرائية (مدرسة لا تزال إلى يومنا هذا بمحلة العَمارة الجُوَّانية شمال شرق جامع بني أمية) لوضوحها، وكان بعضُ المحدثين قد احتاط عليها، ولا يُعطي منها شيئاً إلا بعد تعبٍ كثير فطالَتْ المدةُ لذلك. وسمعه أيضاً كاملاً الشيخُ صدرُ الدين سليمان الياسوفي (ت٧٨٩هـ، الدرر ١٦٦/٢)، والشيخ بدر الدين محمد بن مكتوم، والشيخ شهاب الدين أحمدُ بن شيخنا عماد الدين بن الحُسْباني (ت٨١٥هـ، إنباء الغمر ٧٨/٧)، والشيخ شهابُ الدين أحمد بن الشيخ علاء الدين حِجِّي (ت٨١٦هـ، إنباء الغمر ١٢١/٧)، والمُحدِّث شمسُ الدين محمد بن محمود بن إسحاق الحلبي، والشيخُ الإِمام ناصرُ الدين محمد بن عشائر الحلبيُّ (ت٧٨٩هـ، الدرر ٨٥/٤)، والشيخ جمالُ الدين محمد بن ظُهَيْرة المكي (ت٨١٧هـ، العقد الثمين ٥٣/٢)، وصاحبنا أبو عبد الله محمدُ بنُ محمد بن ميمون البَلَوي الأندلسي (ت بعد التسعين وسبع مئة، غاية النهاية ٢ /٢٥٥)، والفقيهُ الفاضل شمسُ الدين محمد بن عثمان بن سَعْد بن السَّقًّا المالكي وغيرهم . وسمع بعضه عليه جماعة كثيرون . ولم يَظْهَر سماعُه بالمجلد الثاني من مسند أبي هريرة، ولا بمسند عبد الله بن عَمْروبن العاص، وفي آخره مسند أبي رِمْثَة نحو ثلاثة أوراق، ولا بمسند الكوفيين، ومسند ابن مسعود، ومسند ابن عمر، ومسند الشاميين، ومسند المكيين لعدم وقوفنا على ذلك من نسخة الحافظ الضُّياء، فكنا نقرأ ذلك عليه إجازةً إن لم يكن سماعاً، فظَهَر قبلَ موته مُجَلدان من ذلك بخطٌّ الحافظ الضياء، وفيهما أَصْلُ سماعِه، فقال لنا الحافظ ابن المحبِّ: ألَمْ أقلْ ١٠٠