النص المفهرس
صفحات 41-60
وفي سنة (١٩٤ هـ) كانت رحلته الثالثة إلى البصرة، وكانت إقامته فيها عند الإِمام الكبير يحيى بن سعيد القطان (ت١٩٨ هـ) مدة ستة أشهر(١)، وقد أكثر عنه(٢)، وفي أثناء إقامته سَمعَ من سليمان بن حرب (ت٢٤٤هـ)، وأبي النعمان محمد بن الفضل (ت٢٢٤ هـ)، وأبي عمر حفص بن عمر الحَوْضِي (ت ٢٢٥ هـ). وفي سنة (١٩٤ هـ) أيضاً خرج من البصرة إلى واسط، فَسَمِعَ فيها من الإِمام یزید بن هارون(٣) (ت ٢٠٦ هـ). وفي سنة (١٩٦هـ) كانت رحلته الثالثةُ إلى مكة، ثم عاد إليها سنة (١٩٧ هـ)، وأقام فيها مجاوراً مدةً، ثم عاد إليها أيضاً سنة (١٩٨ هـ)، وقد جَلَسَ بمسجدِ الخَيْف وأفتى فيه فتيا واسعة، وسفيان بن عيينة ما يزالُ حياً(٤). وفي سنة (١٩٩ هـ) خرج إلى اليمن ماشياً مع رفيق رحلته يحيى بن معين للسّماع مِن عبد الرزاق بن همَّام الصَّنْعاني (ت٢١١ هـ) صاحب ((المصنف))، وكان صِيتُ الإِمام أحمد قد سبقه إليه(٥)، فأقام عنده قريباً من عشرة أشهر(٦)، سمع في أثنائها منه الكتبَ، وأكثر عنه. وبعد عَوْدَتِه إلى بغداد شَرَع الإِمامُ أحمد بتصنيف ((المسند))(٧)، وهو في السادسة والثلاثين من عمره . (١) المناقب: ٢٧ . (٢) السير: ١٨٠/١١. (٣) المناقب: ٢٧ . (٤) السير: ٣٠٩/١١، ومسجد الخيف: هو في مِنى، والخيف: ما انحدر من غلظ الجبل وارتفع عن مسيل الماء، ومنه سمي مسجد الخيف. (٥) السير: ١٩١/١١-١٩٢. (٦) السير: ٣٠٦/١١. (٧) خصائص المسند: ٢٥. ٤١ ٠١٠٠ وفي سنة (٢٠٠هـ) رحل إلى البصرة رِحْلَتَهُ الأخيرة (١)، فسمع فيها من عبد الصمد بن عبد الوارث (ت٢٠٧ هـ)، ومن صاحب («المسند» سليمان بن داود الطيالسي (ت٢٠٣ هـ)، ومن محمد بن بكر البُرْساني (ت٢٠٣ هـ). ولم تذكر المصادر التي ترجمت للإِمام أحمد متى دخل المِصِيصة، وسَمِعَ فيها من حجاج بن محمدٍ الأعور (٢) (ت ٢٠٦هـ)، ولا متى خَرَجَ منها قاصداً طَرَسُوْسَ للغَزَاة(٣)، ولا متى دخل الرِّقَّة، وسمع فيها من فياض بن محمد بن سنان الرَّقَّي (٤)، والذي وقفنا عليه فيها أنه في سنة (٢٠٤ هـ) - وقد بَلَغ الأربعينِ - تَصدَّر للتحديث والفتوى، وصار يُرْحَلُ إليه(٥)، وهي السنةُ نفسها التي تُوفي فيها الإِمامُ الشافعي، ودخل فيها المأمون مدينةً بغداد. وفي سنة (٢٠٩ هـ)(٦) كانت آخِرُ رحلاته، فقد خرج فيها إلى الشام، ثم لم يخرُجْ من بغداد حتى كانت المحنة سنة (٢١٨ هـ). وشيوخُ الإِمام أحمد الذين سَمِعَ منهم يَطُولُ ذِكرُهُم، ويَشُقُّ إحصاءُ أسمائهم، كما قال الخطيب البغدادي (٧)، ولكنَّ عدد مَنْ روى عنهم في (مسنده)) مئتان وثلاثةٌ وثمانونَ شيخاً (٨). وبقي الإِمام أحمد متصدِّراً للفُتيا والتحديث حتى سنة (٢١٨هـ) حين أعلَنَ المأمون رأيه بخلق القرآن، وأمر بامتحانِ العلماءِ فیه، وقد أجابه كثيرٌ إلى ما ذَهَب إليه خوفاً من الضرب والموت، وظلَّ الإِمامُ أحمدُ ثابتاً على موقفه بأن القرآن كلامُ الله غيرُ مخلوقٍ، فأمر المأمونُ بإشخاصه إلیه، وکان وقتئذٍ (١) المناقب: ٢٧ . (٣) السير: ٣٠٨/١١، ٣١١. (٥) المناقب: ١٨٨. (٧) تاريخ بغداد: ٤١٣/٤. (٢) السير: ٤٤٨/٩ . (٤) تعجيل المنفعة: ٣٣٦. (٦) السير: ٣٠٦/١١. (٨) المصعد الأحمد: ٣٤، السير: ١٨١/١١. ٤٢ يغزو بلادَ الرومِ ، فحُمِل إليه الإِمامُ مقيَّداً، وما إن وَصَل إلى الرَّقَّةِ حتى جاء نَعْيُ المأمون، فَرُدَّ إلى بغداد، وسُجِن فيها(١). وتولَّی المعتصمُ الخلافةَ، وراح يُْمِلُ ما بدأ فیه أخوه نزولاً عند وصيته، فأحضر الإِمامَ أحمد من سجنه ـ وكان قد مرَّ عليه فيه سنتان وأربعةُ أشهرٍ ـ(٢) وناظره في قصره مدةً ثلاثة أيام(٣)، وحين أعياه ثباتُ الإِمام أحمد وجرأته أمَر بضَرْبِه، وذلك بمشورة قاضي قضاته المعتزلي أحمد بن أبي دُوَاد، فقام الجلادون بضربه بالسياط ضرباً مُبَرِّحاً أشرف فيه على التلف، وكي لا تقومَ العامَّةُ الهائجة خارجَ القصر باضطراب لا يُعرف كيف السبيلُ السَّيطرةِ عليه، أمر المعتصم بالإِفراج عنه، وهو يظن في نفسه أنه ميتٌ لا مَحالة (٤)، فأفرج عنه سنة (٢٢٠هـ)، ولكن الإِمام أحمد تماثل للشفاء وإنْ بَقِيَتْ آثار ضربه ظاهرة على جسده، وعاد إلى ما كان عليه من التحديث والفتيا وحضور الجمعة والجماعة، وظلَّ كذلك حتى وفاة المعتصم سنة (٢٢٧ هـ) وولاية الواثق إلى أوائل سنة (٢٢٨ هـ)(٥)، إذ عاد الواثق إلى إثارة محنة خَلْق القرآن من جديد، وطلب أن تُدَرَّس هذه المسألةُ للصبيان في الكُتَّاب، فضجَّ الفُقهاءُ والمحدثون لهذا الأمر، وكادت أن تقع فتنة لولا أن الإِمام أحمد أمرهم بالصبر حين قصدوه يُعلِنُون تبرُّمَهم من هذا الأمر، وعلم الواثقُ بخبر هذا الاجتماع، فأرسلَ إلى الإِمام أحمد: أن لا يجتمعنَّ إليك أحدٌ، ولا تُساكِنِّي بأرضٍ ولا مدينةٍ أنا فيها، فاذهب حيثُ شئتَ من أرض الله. فلزم الإِمام أحمد بيته لا (١) السير: ٢٣٨/١١، ٢٤٢-٢٤٣، مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي: ٣١٦. (٢) السير: ٢٥٢/١١. (٣) السير: ٢٤٣/١١-٢٥٢. (٤) السير: ٢٦٠/١١-٢٦١. (٥) السير: ٣١٢/١١. ٤٣ يخرج إلى صلاة ولا غيرها حتى هَلَك الواثق، وذلك سنة (٢٣٢هـ)(١)، وولي المتوكلُ، فأمر بعد سنتين من خلافته - أي سنة (٢٣٤هـ)(٢) - برفع المحنة، وأن يعودَ الناسُ إلى ما كانوا عليه، وراح المتوكل يَطلُبُ المحدثين إلى سامَرًا حیث کان یقیمُ لیعقِدوا مجالس حدیثهم هناك، وكان الإِمامُ أحمد قد عاد إلى تحديث أصحابه في بغداد(٣)، فأمره المتوكلُ في أواخر سنة (٢٣٥هـ) أن يَقْدَمَ إلى سامَرًا، فذهب إليه الإِمام أحمد على مَضَضٍ، ثم بدا للمتوكل أن يُعِيدَهُ، فأمره وهو في طريقه إليه أن يعودَ إلى بغداد، فعاد وقد امتنع من التحديث إلا لولديه وابن عمه(٤). ثم أرسل يستدعيه من جديدٍ سنةً (٢٣٧ هـ)، واضطُرَّ الإِمام أحمد للذهاب إليه، ولكنه اكتشف أنه سيكونُ في سامَرًا في سجنٍ من نوع جديد، فانقبض، ورَفَض أن يشتري بيتاً هناك أو يحدث(٥)، وأعطَى اللهَ عهداً أن لا يحدِّثَ بحديثٍ على تمامه حتى يلقاه، ولا يستثني من هذا العهد حتى ولديه. قال الإِمام أحمد: إنما يريدون أَحَدِّث، ويكون هذا البلدُ حبسي، وإنما كان سبب الذين أقاموا بهذا البلد لما أُعطوا فقَبلوا، وأُمِروا فحدَّثوا، والله لقد تمنَيْتُ الموتَ في الأمر الذي كان، وإني لأتمنى الموتَ في هذا وذاك، إن هذا فتنةُ الدنيا وذاك فتنةُ الدِّين. ثم جعل يَضُمُّ أصابِعَهُ ويقول: لو كان نفسي في يدي لأرسَلْتُها، ثم يفتح أصابعه(٦). وبقي في سامَرًا ستة عشرَ يوماً(٧)، لم يَلْقَ فيها المتوكل، وإزاءَ إصراره سَمَحَ له المتوكلُ بالعودة إلى بغداد، فعاد(٨). وحاول ولدُه عبدُ الله مرةً أن (١) السير: ٢٦٤/١١. (٢) تاريخ الخلفاء للسيوطي : ٣٤٦. (٣) السير: ٢٦٥/١١. (٤) السير: ٢٦٦/١١. (٥) السير: ٢٧٤/١١، ٢٧٦. (٦) السير: ٢٧٦/١١-٢٧٧. (٧) السير: ٣٣٤/١١. (٨) السير: ٢٢٣/١١. ٤٤ ٠٠-٠١ يستَدْرِجَه ليحدِّثَه بحديثٍ على تمامه - وكان عبدُ الله يشتهي الحديثَ - فامتنع، بل قال الإِمام أحمد: لو ضُرِبَتْ ظهري بالسياط ما حدَّثْتُ (١). ولا يعني انقطاعَه عن الرواية انقطاعه عن العلم بتاتاً، فإنه قضى ما بقي من عُمُرِه في المذاكرة في الفقه والآثار وتراجم الرجال حتى وفاته في ضُحى ١٢ ربيع الأول سنة (٢٤١ هـ)(٢)، وهو ابن سبع وسبعين سنة، رحمه الله . وهنا يثور سؤالٌ: متى أَسمَعَ الإِمامُ أحمد ولديه صالحاً وعبدَالله وابن عمه ((المسنَدَ))، ومعروف أنه لم يسمعه عليه أحد غيرهم(٣)؟. ويبدو لنا أن الإِمام أحمد شَرَعَ بإسماعهم («المسند» نحو سنة (٢٢٥ هـ)، واستغرق سماعهم له نحو اثنتي عشرة سنة(٤)، فیکون أتمّ إسماعهم إياه نحو سنة (٢٣٧ هـ) وهي السنة التي امتنع فيها عن التحديث بحديثٍ على تمامه کما مَرَّ. وقد حَدَّدَ الإِمامُ الذهبي تاريخ إسماع ((المسند)) في حدود سنة (٢٢٧ هـ) أو (٢٢٨هـ)(٥)، وهذا التاريخُ لا يستقيم مع ما مَرَّ من أن إسماع ((المسند)) استغرق ثنتي عشرة سنة، ولا يستقيم أيضاً مع تاريخ امتناع الإِمام أحمد عن التحديث بحديثٍ على تمامه سنة (٢٣٧ هـ). ٢ - ثناء أهل العلم عليه: مرَّ معنا أنَّ نبوغَ الإِمام أحمد وورعه تَبدَّى منذ طفولته، وكان قَدْرُه یزیدُ مع الأيام، وقد أثنى عليه شيوخُه وتلاميذُه ومن رآه ثناءً عَطِراً خالداً، نسوقُ (١) السير: ٣٠٩/١١-٣١٠. (٢) السير: ٣٣٤/١١-٣٣٩. (٤) السير: ٣١٦/١١. (٣) المصعد الأحمد: ٣١. : : : (٥) السير: ١٨١/١١. ٤٥ -05 -----------------*****- بعضاً منه، نقلاً من كتاب ((سير أعلام النبلاء)) للإمام الذهبي في ترجمته(١): قال عبدُ الرزاق الصنعاني: ما رأيتُ أحداً أفقَهَ ولا أورِعَ مِن أحمدابن حنبل. وقال قُتيبة بن سعيد: خيرُ أهل زماننا ابنُ المبارك، ثم هذا الشابُّ - يعني أحمد ابن حنبل - وإذا رأيت رجلاً يُحِبُّ أحمد، فاعلم أنه صاحبُ سنة، ولو أدركَ عصرَ الثوري والأوزاعي والليث، لكان هو المُقَدَّمَ عليهم. فقيل لقُتيبة: يُضَمُّ أحمد إلى التابعين؟ قال: إلى كبار التابعين. وقال حرملةُ: سمعت الشافعيَّ يقول: خرجت من بغداد فما خَلْفْتُ بها رجلاً أفضلَ ولا أعلمَ ولا أفقَهَ ولا أتقى من أحمد ابن حنبل. وقال علي بن خَشْرَم: سمعتُ بشر بن الحارث يقول: أنا أُسألُ عن أحمد ابن حنبل؟! إنَّ أحمد أُدْخِلَ الكِيرَ فخرج ذهباً أَحْمَرَ. وقال عمرو الناقدُ: إذا وافقني أحمدُابن حنبل على حديث، لا أُبالي مَنْ خالفني . وقال محمدُ بن يحيى الذُّهْلي: جعلتُ أحمدَ إماماً فيما بيني وبينَ الله . وساق الحافظ ابن كثير أيضاً في ((تاريخه))(٢) جملةً من ثناء أهل العلم عليه، فقال : قال يحيى بن سعيد القطان شيخ أحمد: ما قَدِمَ عليَّ من بغداد أحدٌ أحب إلي من أحمد ابن حنبل. وقال إسحاقُ بن راهويه: أحمد حجةٌ بين الله وبين عَبيده في أرضه. (١) السير: ١٩٥/١١-١٩٨. (٢) البداية والنهاية: ٣٥٠/١٠. ٤٦ وقال عليُّ ابنُ المديني: إذا ابتُلِيتُ بشيء فأفتاني أحمد ابن حنبل، لم أبال إذا لقيتُ ربي کیف کان. وقال أيضاً: إني اتخذت أحمد حجةً فيما بيني وبينَ الله عز وجل. وقال يحيى بن معين: كان في أحمد ابن حنبل خصالٌ ما رأيتها في عالم قطُّ: كان محدثاً، وكان حافظاً، وكان عالماً، وكان ورعاً، وكان زاهداً، وكان عاقلاً. وقال أيضاً: أراد الناسُ أن نكونَ مثلَ أحمد ابن حنبل، والله ما نَقْوى أن تكونَ مثلَه، ولا نُطِيقُ سلوكَ طريقه. وقال أبو بكر بن أبي داود: أحمد ابن حنبل مقدّم على كل من يَحمِلُ بيده قلماً ومِحَبَرةً . وقال أبو زُرْعة الرازي: ما أعرف في أصحابنا أفقه منه. ٣ - مؤلفاته : لم يكن عندَ الإِمام أحمد رَغْبةٌ في التأليف سوى جمع الحديث والبحث في عِلَلِه، وأما في غير ذلك فما كان يَرضى أن يُؤْلِّفَ مطلقاً، حتى إنه كان يَزْجُرُ أصحابَه عن تقييد مسائله التي كان يُسألُ عنها، كما أنه كان یَمْنَعُ أصحابَه من الانشغال بغير القرآن والحديث، فكان لا يَأْذَنُ لهم أن يَنظُروا في كتب الشافعي ولا في كتب أصحاب الرأي، ومع أنه كان يُحِبُّ أبا عبيد القاسم بن سلام ويُثني على عِلْمِه، إلا أنه كان ينتقدُ كتابه ((غريب الحديث))، فيقول: إنه طوَّلَه. ومع ذلك فقد ذَكّر له ابنُ النديم في ((فهرسته)) ص ٢٨٥ من المؤلفات: ١ - كتاب ((العلل))، ذكر العُقَيليُّ في ((الضعفاء)) ٢٣٩/٣: أنه قرأه على ٤٧ .. 1 : : عبد الله بن أحمد عن أبيه. وهو مطبوعٌ بإستانبول سنة ١٩٨٧ في جزأين بتحقيق الدكتورين طلعت فوج بيكيت وإسماعيل جراح أوغلي، وطبع أيضاً في المكتب الإسلامي سنة ١٩٨٨ بتحقيق الدكتور وصي الله بن محمد عباس في أربعة أجزاء. ٢ - كتاب ((التفسير))، قال الذهبي في ((السير)) ٣٢٨/١١ و٥٢٢/١٣ في كلام مطوّلٍ عن هذا الكتاب: إنه شيء لا وجودَ له، وأنا أعتقدُ أنه لم يكن. ٣- کتاب «الناسخ والمنسوخ)». ٤ - كتاب ((الزهد))، قال ابن حجر في ((تعجيل المنفعة)) ص٨ عنه: إنه كتاب كبير يكون في قَدْر ثلث ((المسند)) مع كبر («المسند»، وفيه من الأحاديث والآثار مما ليس في ((المسند)) شيء كثير. فعلى هذا ما طُبع منه لا يمثّلُ سوى جزء يسير من كتاب ((الزهد)) الكبير. ٥ - كتاب ((الفضائل))، مجلدين بمؤسسة الرسالة سنة ١٩٨٣م، طبع فی بتحقيق وصي الله بن محمد عباس، وهو من منشورات جامعة أمِّ القرى. ٦ - كتاب ((الفرائض)». ٧ - کتاب «المناسك)). ٨ - كتاب ((الإِيمان))، قال ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) ٣٠٣/١: سمعت أبي يقول: أتيت أحمد ابن حنبل في أول ما التقيتُ معه سنة ثلاث عشرة ومئتين، فإذا قد أخرج معه إلى الصلاة كتاب ((الأشربة)) وكتاب «الإِيمان)). ٤٨ : وقال الذهبي في ((السير» ٢٨٧/١١: ومما ثبت عنه مسألةُ الإِيمان، وقد صنَّفَ فيها. ٩ - كتاب ((الأشربة))، انظر ما قبله. وقد طبع بتحقيق الشيخ صبحي السامرائي . ١٠ - كتاب ((طاعة الرسول)). ١١ - كتاب ((الردّ على الجهمية))، قال الذهبي في ((السير)) ٢٨٦/١١: ((الرد على الجهمية)) موضوع على أبي عبد الله (يعني الإِمام أحمد). وقد شكك أيضاً في نسبة هذا الكتاب إلى الإِمام أحمد بعض المعاصرين في تعليقه على ((الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية)) لابن قتيبة، ومستنده أن في السند إليه مجهولاً، فقد رواه أبو بکر غلام الخلال، عن الخلال، عن الخضر بن المثنى، عن عبد الله بن أحمد، عن أبيه، والخضر بن المثنى مجهول، والرواية عن مجهول مقدوح فيها، مطعون في سندها، وفيه ما يخالف ما كان عليه السلف من معتقد، ولا يتسق مع ما جاء عن الإِمام في غيره مما صح عنه، وهذا هو الذي دعا الإِمام الذهبي إلى نفي نسبته إلى الإِمام أحمد. ومما يقوي عدم صحة نسبته إليه أننا لا نجد له ذكراً لدى أقرب الناس إلى الإِمام أحمد ابن حنبل ممن عاصروه وجالسوه أو أتّوْا بعده مباشرة وكتبوا في الموضوع ذاته كالإِمام البخاري (ت٢٥٦ هـ)، وعبد الله بن مسلم بن قتيبة (ت٢٩٦ هـ)، وأبي سعيد بن عثمان الدارمي (ت ٢٨٠ هـ)، والإِمام أبو الحسن الأشعري قد ذکر عقيدة الإمام أحمد في كتابه «مقالات الإِسلامیین» ولكنه لم یشر إلى هذا الكتاب مطلقاً، ولم يستفد منه شيئاً. وزاد الخطيب البغدادي في ((تاريخه)) ٣٧٥/٩ عن ابن المنادي: ٤٩ ١٠٠٠ ٠ ..... .......... .... ........ . | ١٢ - حديث شعبة. ١٣ - المقدَّم والمؤخَّر في كتاب الله تعالى. ١٤ - جوابات القرآن . وزاد ابن الجوزي فيما أورده عنه الذهبي في ((السير)) ٣٣٠/١١: ١٥ - كتاب ((نفي التشبيه)). ١٦ - كتاب ((الإِمامة)). ١٧ - ((الرسالة في الصلاة))، ذكر الذهبي في ((السير)) ٢٨٧/١١ و٣٣٠ أنها موضوعة على الإِمام أحمد. وقد نبه محقق ((فضائل الصحابة)» وصي الله بن محمد عباس على بضعة كتب لم يذكرها أحد ممن ترجم للإِمام أحمد، وهي : ١٨ - كتاب ((الفتن))، وتوجد منه نسخة في المكتبة الظاهرية بدمشق، عدد صفحاته ٣٤. ١٩ - كتاب ((فضائل أهل البيت)) ذكره الحاكم في ((المستدرك)) ١٥٧/٣. ٢٠ - ((مسند أهل البيت) طبع بتحقيق عبد الله الليثي، وهو مدرج كله في «المسند». ٢١ - ((الأسماء والكُنى)) ذكره الوادي آشي في ((برنامجه)) ص٢٥٦ ضمن مسموعاته، وقد نشرته مكتبة دار الأقصى بالكويت بتحقيق عبد الله بن يوسف الجديع . ٤ - معنى المسند: المسندُ: هو الكتابُ الذي موضوعُه جَعْلُ حديثٍ كُلِّ صحابي على جِدَة، صحيحاً كان أو حسناً أو ضعيفاً، ومِنْ غيرِ التفاتٍ إلى الموضوعات ١٠ والأبواب، ويُتْبع في ترتيب مسانيد الصحابة طرائقُ عِدَّة، فقد ترتب على حروف الهجاء، أو على القبائل، أو السابقة في الإِسلام، أو الشرافة النسبية، أو غير ذلك، وقد يُقتَصرُ في بعضها على أحاديث صحابيٍّ واحدٍ، کمسند أبي بكر، أو أحاديث جماعة منهم، كمسند الأربعة أو العشرة، أو طائفة مخصوصة يجمعها وصفٌ واحد، كمسند المُقِلِّين، ومسند الصحابة الذين نزلوا مصر، إلى غير ذلك(١). ويظهر أن الإِمام أحمد قد توخَّى ترتيبَ الصحابة في مسنده حسب اعتبارات عدة، منها الأفضلية، والسابقة في الإِسلام، والشرافة النسبية، وكثرة الرواية، إذ بدأ مسندَه بمسانيد الخلفاء الأربعة، ثم مسانيد بقية العشرة المبشرين بالجنة، ثم مسندٍ أهل البيت، ثم مسانيد المكثرين من الرواية كالعبادلة الأربعة: ابن عباس، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عمرو، ثم مسند المكِّين، ثم مسند المدنيين، ثم مسند الشاميين، ثم مسند الكوفيين، ثم مسند البصريين، ثم مسند الأنصار، ثم مسند النساء. من ألف في المسانيد قبل الإِمام أحمد: لم يكن تأليفُ الإِمام أحمد لمسنده بدعاً من التآليف، فقد سبقه إلى ذلك غيرُ واحد من أئمّةِ هذا العلم في مُخْتَلِفِ أمصارِ المسلمين، لكن اختُلِفَ في أولٍ من ألَّف على هذه الطريقة من الترتيب: فقد قال الخليليُّ في ((إرشاده) في ترجمة أبي داود الطيالسي: أولُ من صنَّف المسندَ على ترتيب الصحابة بالبصرة أبو داود الطيالسي (ت ٢٠٤ هـ)، وبالكوفة عبيد الله بن موسى (ت٢١٣هـ)، ثم من صنَّفَ كان تَبَعاً لهما، ونَقَل هذا القول الذهبيُّ في ((سير أعلام النبلاء)) ٥٥٤/٩ في ترجمة عُبيد الله بن موسی . (١) انظر ((الرسالة المستطرفة)) ص ٦٠، ٦١. ٥١ ٠٠ ............................................. ....- · أما ابنُ عدي، فقد ذكر في ((الكامل)) ٢٦٩٤/٧ في ترجمة يحيى الحِمَّاني أنه يُقَالُ: إنَّ أول من صنَّف المسند بالبصرة مُسَدَّدٌ (ت٢٢٨ هـ)، وأوَّلُ مَنْ صنّف بالكوفة يحيى الحِمّاني (ت٢٢٨ هـ)، وأوَّل من صنّف بمصر أسدُ السُّنَّة (ت٢١٢هـ). وقال أبو بكر الخطيب في ((تاريخ بغداد)) ٣٠٦/١٣: يُقالُ: إنَّ أول من جَمَع المسند وصنَّفه نُعَيْمُ بنُ حَمَّاد. وهذا القول نقله الذهبيُّ في ((سير أعلام النبلاء)) ٥٩٧/١٠ عن أحمد، إذ قال: أول من عَرَفْناه يكتب المسند نعيم بن حماد (ت٢٢٨ هـ). ويُذكر في أوائل من صنف المسند بمكة الحُميدي (ت٢١٩ هـ)، وهو أقدمُ موتاً من الحِمَّاني ومُسَدَّد، إلَّ أنَّ هناك من هو أقدمُ موتاً من الحميدي وقد صنّف المسند، هو محدث نيسابور أبو إسحاق إبراهيمُ بن نصر السُّورياني (ت٢١٣هـ). وبصَرْفِ النَّظَر عمن سَبَق فعلاً إلى تأليفِ المسند، فإن هؤلاء الأئمة المذكورين هم مِنْ أوائل مَنْ صِنَّفَ المسند، وسنعرضُ ترجمةً موجّزةً لكلِّ منهم مرتبين حسب التسلسل الزمني لوفياتهم: ١ - أبو داود الطيالسي(١)، وهو سليمانُ بنُ داود بن الجارود الطيالسي، نسبةٌ إلى الطيالسة التي تُجعَل على العمائم، مولى آل الزبير، الحافظ الثقة، ولد في البصرة سنة ١٣٣ هـ، وتُوقِّي بها سنةً ٢٠٣ أو ٢٠٤ للهجرة، كان كثيرَ الحِفْظِ، قيلَ: كان يحفظ ثلاثين ألفَ حديثٍ، وكان يُملي مِن حفظه، ولا يروي مِن أصله، ولذلك أخطأ في عدة أحاديث، ومسنده(٢) (١) مترجم في ((سير أعلام النبلاء)) ٣٧٨/٩-٣٨٤. (٢) قال الإِمام الذهبي في ((السير)): سمع يونس بن حبيب - يعني من أبي داود - عدة = ٥٢ معروف متداول، طُبع في حيدر آباد سنة ١٣٢١ هـ، وصوّرته عنه دار المعرفة في بيروت. وقد رتبه على الأبواب الفقهية العلامة الشيخ أحمد بن عبد الرحمن البنا الشهير بالساعاتي، في كتاب ((منحة المعبود في ترتيب مسند الطيالسي أبي داود)»، وطبع في المطبعة المنيرية بالأزهر سنة ١٣٧٢ هـ. وقد سقط من المطبوع مسانيد ثمانية من الصحابة رضوان الله عليهم كما هو مبين في مسرد أحاديث الصحابة المدرجة في الجزء الرابع منه انظر الصفحة ١١٩ من المطبوع وهم على التوالي: العباس بن عبد المطلب، والفضل بن العباس، وعبد الله بن جعفر، وكعب بن مالك، وسلمة بن الأكوع، وسهل بن سعد الساعدي، ومعاوية بن أبي سفيان، وعمروبن العاص، ومحل هذه المسانيد بعد السطر الثامن من الصفحة ١٣١ من المطبوع. ٢ - أسد السنة، وهو الإِمامُ الحافظُ الثقة أسدُ بنُ موسى بن إبراهيم ابن الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك بن مروان القرشي الأموي المصري، وُلِدَ بمصر سنة اثنتين وثلاثين ومئة، روى له أبو داود والنسائي، واستشهد به البخاريُّ، مات بمصر سنة اثنتي عشرة ومئتين، وله ثمانون سنة(١). = مجالس مفرقة، فهي المسند الذي وقع لنا. وقال الخطيب البغدادي : قال لنا أبو نعيم: صنف أبو مسعود الرازي ليونس بن حبيب مسند أبي داود. وهذا يدل على أن المسند هو جملة أحاديث حدّث بها الطیالسي من حفظه في عدة مجالس، وقد سمعها منه یونس بن حبیب ثم صنف هذه المسموعات أبو مسعود الرازي له، فجعلها مسنداً. وانظر «فتح المغيث)) ٨٨/١. (١) مترجم في ((سير أعلام النبلاء)) ١٦٢/١٠-١٦٤. ٥٣ ٣ - السُّورياني (نسبة إلى سُوريان قرية من قرى نيسابور)، وهو الإِمامُ الحافظُ البارعُ محدث نيسابور أبو إسحاق إبراهيمُ بنُ نصر الخراساني المُطّعي الغازي، كان أبو زرعة يُقدِّمُه ويُفخِّمُه، استُشهد في حرب بابك الخرَّمي سنة ثلاث عشرة ومئتين، ويقال: سنة عشر ومئتين في الكهولة (١). ٤ - عُبِيدُ الله بن موسى العَبْسِي أبو محمد، الإِمام الحافظ الثقة العابد، وُلد في حدود عام عشرين ومئة، كان مجوّداً للقرآن، وحديثه في الكتب الستة، مات سنة ثلاث عشرة ومئتين، وقيل: سنة أربع عشرة (٢). ٥ - الحُميدي، وهو الإِمامُ الحافظُ الثقة الفقيه شيخُ الحرم أبو بكر عبدُ الله بنُ الزبيربن عيسى القرشي الأسدي الحُميدي المكي، حَدَّث عنه البخاريُّ وأبو داود والترمذي والنسائي، مات بمكة سنة تسع عشرة ومئتين، وقيل: سنة عشرين(٣). و((مسنده) مطبوع متداول، طبع في جزأين بتحقيق العلّامة المحدث حبيب الرحمن الأعظمي، وهو من منشورات المجلس العِلمي بالهند، وصُوِّر عن هذه الطبعة في بيروت. ٦ - يحيى الحِمَّاني، وهو الإِمامُ الكبير الحافظ الثقة أبو زكريا يحيى بن عبد الحميد الحِمَّاني الكوفي، ولد نحو الخمسين ومئة، روى العُقَيْلي عنه أنه قال لقومٍ غرباء في مجلسه: مِن أين أنتم؟ فأخبروه، فقال: سمعتُم ببلدكم أحداً يتكلّم فيَّ ويقولُ: إني ضعيفٌ في الحديث؟ لا تسمعوا كلام أهلِ الكوفة، فإنهم يحسُدُوني، لأني أوَّلُ من جمع المسند، وقد تقدَّمتهم في غير شيء. مات الحِمّاني سنة ثمان وعشرين ومئتين في سامَرًّا، وكان (١) مترجم في «سير أعلام النبلاء)) ٣٩٧/١٠. (٢) مترجم في ((سير أعلام النبلاء)) ٥٥٣/٩-٥٥٧. (٣) مترجم في ((سير أعلام النبلاء) ٦١٦/١٠-٦٢١. ٥٤ أوّل من مات بها من المحدثين الذين أُقدموا إليها في مسألة خلق القرآن (١). ٧ - مُسَدَّد بن مُسَرْهَد، الإِمامُ الحافظ الحجّة أبو الحسن الأسدي البصري، وُلد في حدود الخمسين ومئة، حدَّث عنه البخاريُّ، وأبو داود والترمذيُّ والنسائي، وقال أحمد ابن حنبل: مسدَّدٌ صدوق، فما كتبتَ عنه فِلا تَعْدُ. مات سنة ثمان وعشرين ومئتين (٢). ٨ - نُعَيم بن حمَّد، العلامة المحدث أبو عبد الله الخُزاعي المَرْوزي، روی عنه البخاريُّ مقروناً بآخر وأبو داود والترمذي وابن ماجه بواسطة، أشخِص من مصر إلى سامَرًا في خلافة المعتصم، فسُئل عن القرآن، فأبى أن يُجِيبَ فيه بشيء مما أرادوهِ عليه، فحُبِسَ بسامَرًا، ولم يَزَلْ محبوساً بها حتى ماتَ في السجن سنة ثمان وعشرين ومئتين، وقيل: سنة تسع وعشرین(٣). ٩ - الشيخ الإمام الحجة وأمير المؤمنين في الحديث أبو الحسن علي بن عبد الله بن جعفر بن نجيح السعدي مولاهم البصري المعروف بابن المديني المتوفى سنة ٢٣٤ هـ. قال أبو حاتم الرازي: كان ابن المديني علماً في الناس في معرفة الحدیث والعلل، وکان أحمدابن حنبل لا یسمیه، إنما یکنیه تبجيلاً له، ما سمعت أحمد سماه قط. (١) مترجم في ((سير أعلام النبلاء)) ٥٢٦/١٠-٥٤٠. (٢) مترجم في ((سير أعلام النبلاء)) ٥٩١/١٠_٥٩٥. (٣) مترجم في «سير أعلام النبلاء)) ٥٩٥/١٠-٦١٢. ٠٠٠٠ ١٠٠٠٠٠.٠ ............ وقال الإِمام البخاري : ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني . وقال الذهبي في ((السير)» ٤٣/١١: وبرع في هذا الشأن، وصنف وجمع، وساد الحفاظ في معرفة العلل. له («علل المسند» ثلاثون جزءاً حكاه الحاكم في معرفة ((علوم الحدیث» ص٧١، وابن النديم في ((الفهرست) ص٢٣١، ويبدو أنه كان موجوداً أو أجزاء منه في القرن الثامن الهجري، فقد أكثر النقل عنه الحافظ ابن كثير في «مسند عمر» ولعله فُقِدَ فیما فُقِدَ من الكتب في كائنة تيمور سنة (٨٠٣هـ). هؤلاء هم الأئمة الذين يُعَدُّونَ من أوائلٍ من ألَّف المسند في بدايةِ القرنِ الثالث الهجري، ثم إنّ الذين تتابعوا في التصنيف فیه کثرٌ، يصعُبُ إحصاؤهم هنا، وثَمَّةً مؤلفات سَرَدَتْ عدداً كبيراً منهم يُمكنُ الرجوعُ إليها، كـ ((الرسالة المستطرفة)) ص ٦١-٧٤، و((كشف الظنون))(١). ٥ - الكلام على مسند أحمد: شرع الإِمامُ أحمد بتصنيف ((المسند)) مُنصَرَفَه من عند عبد الرزاق(٢)، أي نحو سنة (٢٠٠هـ)، وهو في السَّادسة والثلاثين من عمره، انتقاه من أكثر مِن سبع مئة ألف حديث(٣)، سَمِعَها في رحلاته، فَضَمَّ نحو ثلاثين ألف (١) ويمكن الرجوع أيضاً إلى فهارس ((سير أعلام النبلاء)) ففيه ذكر عدد كبير من المسانید . (٢) خصائص المسند: ٢٥ . (٣) خصائص المسند: ٢١ . ٠٠٠ ١ حدیث(١) يرويها عن مئتين وثلاثة وثمانين شيخاً من شيوخه(٢)، وكان قد كتبه في أوراقٍ مفردة، وفَرِّقه في أجزاءٍ منفردةٍ على نحو ما تكونُ المسوَّدَةِ(٣)، ورواه لولده عبد الله نسخاً وأجزاءً، وكان يأمُرُه: أن ضعْ هذا في مسند فلان، وهذا في مسند فلان(٤)، وظلَّ يَنْظُرُ فيه إلى آخر حياته. وكان رحمه الله شديدَ الحرص على إيراد ألفاظِ التحمُّل كما سمعها، مثل: ((حدثنا))، ((أخبرنا))، ((سمعت))، ((عن))، لا سيما إذا روی الحدیث عن أكثر من شيخ، فإنه يذكر لفظ كل واحد منهم كما هو بَيِّن في الأصول الصحيحة المسموعة المعتمدة في طبعتنا هذه. ولم يكن مَرْمى الإِمام أحمد أن يرتِّبَ كتابه على أبواب الفقه، وإنما غايتُهُ هو جمعُ ما اشتهر من الحدیث(٥) على امتداد الرُّقعةِ الإِسلامية بسنٍ متصلٍ إلى رسول الله وَم حسبَ رواته من الصحابة رضوان الله عليهم، وهي طريقة غايتُها الاستيعابُ، وهو ما أراده الإِمامُ أحمد بقوله لابنه عبدالله : احتَفِظْ بهذا ((المسند»، فإنه سيكونُ للناس إماماً(٢). بل هذا ما دَفَعَ الإِمامَ حقاً إلى عمل (المسند)) مع ما عُرِفَ عنه من كراهيته لوَضْع الكتب، لكن في عصر اختلطت فيه العقائدُ والأفكارُ والاجتهاداتُ أراد الإِمامُ أحمد أن يكون ((المسندُ)» مُفْزَعاً يلجأ إليه الناسُ، فقد ذكر أنه قال فيه: عملتُ هذا الكتابَ إِماماً، إذا اختلف الناسُ في سنة رسول الله لَ﴿ رَجَعُوا إليه(٧). ولهذا أصبح أصلاً من أصولٍ (١) مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي: ١٩١ . (٢) المصعد الأحمد: ٣٤. (٣) المصعد الأحمد: ٣٠. (٤) السير: ٥٢٢/١٣. (٥) خصائص المسند: ٢٧ . (٦) السير: ٣٢٧/١١. (٧) طبقات الحنابلة: ١٨٤/١. ٥٧ : .. الأمة کما قال الإِمام السبكي(١)، بل إنہ کتاب لم يُرْو على وجه الأرض كتابٌ في الحديث أعلى منه، كما قال الإِمام ابن الجَزّري(٢). ونحو عام (٢٢٥ هـ) عَقِيبَ المحنةِ (٣) شرع الإِمامُ أحمد بإسماعِه لولديهِ صالحٍ وعبدِ الله وابن عمِّه حنبل بن إسحاق، مع معاودة النظر في أحاديثه، وأمر عبدَ الله بالضرب على ما يتبين له علة فيه حتى وفاته(٤). وكان عبدُالله أكثرهم مداومةٌ على السُّماع، وهو الذي انفردَ بعدُ برواية ((المسند)) عن أبيه(٥) وزاد فیه أحادیث کثیرةً عن مشايخه مما یُماثِلُه ویشابُهُ، ولكنه لم يُحرِّرْ ترتیبَ ((المسند)» ولا سهّله ولا هذَّبه(٦)، بل أبقاه على حاله، مما جعل الرغبةَ فيه تَقِلُّ، والإفادة منه عسرة المطلب، مع شدة الحاجة إليه، وكأنَّ الخطيب البغدادي عنى ما كان من بابَةٍ هذا المسند بقوله: ((فإِنِّي رأيتُ الكتابَ الكثير الإِفادة المُحْكّمَ الإِجادَةِ، ربما أُرِيدَ منه الشيءُ، فيعمَدُ من يُريدُ إلى إخراجه، فَيَغْمُضُ عنه مَوْضِعُهُ، وَيَذْهَبُ بِطَلَبِه زمَانُه، فيتركُه وبهِ حاجةٌ إليه، وافتقارٌ إلى وجوده))(٧) ولذا كان تيسيرُ الإِفادةِ من هذا ((المسند)) أمنية كثير من أهلِ العلم والفضل، ومنهم الإِمامُ الذهبي الذي قال عندما تقدَّمَتْ به السِّرُّ، وأصبح عاجزاً عن النهوض بأعبائه يستنهضُ هِمَمَ مِن يأتي بعده من أهلِ العلم: ((فلعلَّ الله يُقَيِّصُ لهذا الدِّيوان العَظيم من يُرَنِّبُه وبُهَذِّبُه، ويحذِفُ مَا كُرِّرَ فيه، ويُصلح ما تصَحَّفَ، ويُوضُّح حالَ كثيرٍ من رجاله، وينبّهُ على (١) طبقات الشافعية: ٣١/٢. (٢) المصعد الأحمد: ٢٨. (٣) انظر ص٤٢. (٤) خصائص المسند: ٢٤ . (٥) طبقات الحنابلة: ١٨٠/١، والسير: ٥١٦/١٣. (٦) السير: ٥٢٤/١٣، والمصعد الأحمد: ٣٠. (٧) تاريخ بغداد: ٢١٣/١. ٥٨ مُرْسَلِه، ويُوهِنُ ما ينبغي من مناكيره، ويرتَّبُ الصحابةَ على المعجم، وكذلك أصحابهم على المعجم، ويَرَمُزُ على رؤوسِ الحديث بأسماء الكتب الستة، وإن رتّبُه على الأبواب فحَسَنٌ جميلٌ، ولولا أني قد عَجِزْتُ عن ذلك لِضعفِ البصر وعَدَمِ النية، وقُرْب الرحيل، لعَمِلْتُ في ذلك))(١). ثم روی المسند عن عبد الله بن أحمد أبو بكر القطيعيُّ، وزاد فيه زيادات في مسند الأنصار (٢)، ولابن القطيعي وابن المُذْهِب من بعده يَعْزُو الإِمام الذهبي بعضَ الأشياء غير المحكّمَةِ في المتن والإِسناد بروايتهما(٣). وعلى هذه الصورة التي هي أقربُ ما تكونُ إلى المسوّدة وَصَلَنا ((المسند)) ومن ثَمَّ وقع فيه خللٌ في جملةِ مواضعَ منه لا تَمْسُ جوهرَ الكتاب، من مثل إدراج عدد من أحاديث المكثرين في غير مسانيدهم، وتكرارِ الحديثِ الواحد بإسناده ومتنه لِغير فائدةٍ في إعادته، وتفريق أحاديث الصحابي الواحد في أكثر من موضع من («المسند»، والخلط بين أحاديث الشاميين والمدنيين، وعدم التمييز بين روايات الكوفيين والبصريين، وتداخل بعض أحاديث الرجال بأحاديث النساء، واختلاط مسانید القبائل بمسانید أهل البلدان. وقد نبّه على ذلك كُلُّه الحافظ ابن عساكر في كتابه «ترتيب أسماء الصحابة الذين أخرج حديثهم أحمدُ بن حنبل في المسند)). ثم قال: ولست أظن ذلك إن شاء الله وقع من جهة أبي عبد الله رحمه الله، فإن محلَّه في هذا العلم أوفى، ومثل هذا على مثله لا يخفى، وقد نُراه توفي قبل تهذيبه، ونَزَلَ به أجلُه قبل تلفيقه (١) السير: ٥٢٥/١٣، ونرجو من الله العلي القدير أن نكون أهلاً لتحقيق أمنية الإِمام الذهبي في هذا المسند لتتاح الإفادة منه لكل طالب علم بأيسر طريق وأهون سبيل. (٢) المصعد الأحمد: ٢٩، الفتح الرباني: ٢٥٤/٦، ولا يمكننا القطع بوجود هذه الزيادات والحكم عليها إلا بعد الانتهاء من تحقيق المسند كاملاً. (٣) ميزان الاعتدال: ٥١٢/١. : ٩ ٥ - ٠٠ --- -- ٠.٠٠٠ ..... وترتيبه، وإنما قرأه لأهل بيته قبل بذل مجهوده فیه خوفاً من حلول عائق بموته دونَ بلوغ مقصوده فیما يرتضيه . وقد بيَّن الدكتور عامر حسن صبري محقق كتاب ((ترتيب أسماء الصحابة)) الأحاديث التي أدرجت في غير موضعها من ((المسند))، معتمداً على الطبعة الميمنية، وها نحن نثبتها هنا نقلاً عنه مقدرين لجهوده، شاكرين لفضله : ١ - أنس بن مالك: له حديث في مسند عمر ٥٦/١، وآخران في مسند عثمان ٥٦/١، وأحاديث فى مسند ابن عباس ٢٥٩/١ و٢٦٧ و٢٩٦ و٣٦٣، وحديث في مسند جابر ٣٧٨/٣ ٢ - البراء بن عازب: له حديث في مسند ابن أبي أوفى ٣٥٤/٤، وحدیثان في مسند زيد بن أرقم ٣٧٢/٤ و٣٧٣ ٣ - جابرُ بنُ عبد الله الأنصاري: له حديث في مسند ابن عباس ٢٤٢/١، وآخر في مسند ابن عمر ٣٥/٢، وحديث في مسند عبد الله بن عمرو ١٨١/٢، وحديثان في مسند أبي هريرة ٢ / ٣٤٤ و٤٢٦، وأحاديث في مسند أبي سعيد الخدري ٨/٣ و١٢ و٧٥، وحديث في مسند سلمة بن الأكوع ٤٧/٤، وآخر في مسند عبد الله بن ثعلبة بن صُعير ٤٣١/٥ ٤ - الحسن بن علي بن أبي طالب: له حديث في مسند أبي هريرة ٤٢٩/٢ ٥ -الحسین بن علي بن أبي طالب: له حدیث في مسند أبيه ٧٨/١. ٦ - خزيمة بن ثابت الأنصاري : له حدیث في مسند سعد بن أبي وقاص ١٨٢/١. ١٠٠٠٠ ...