النص المفهرس

صفحات 21-40

مقدمة التحقيق
٢١

٢٢

مقدّمة التّعشيقِ
إِنَّ الحَمْدَ للهِ ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورٍ أَنْفُسِنَا وَمِنْ
سَيَّاتِ أَعْمَالِنَا .
مَنْ يَهْدِهِ الله ، فَلاَ مُضِلَّ لَهُ ، وَمَنْ يُضْلِلْ ، فَلاَ هَادِيَ لَهُ .
وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إلهَ إلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ
وَرَسُولُهُ .
( يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ، وَلَ تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].
يَّأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا
وَنِسَاءُ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِى تَسَآءَ لُونَ بِهِ، وَالْأَرْحَمَّ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيدًاْ ﴾ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ
ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١].
(( وأحمد الله حمد الشاكرين على عظيم نعمائه وجميل بلائه ، وأسأله تعالى
أن يكف عنا نوائب الزمان ، وأرغب إليه في التوفيق والعصمة ، وأبرأ إليه من
الحول والقوة ، سائله يقيناً يملأ الصدر ويعمر القلب ، ويستولي على النفس حتى
يَكُفَّها إذا نزعت ، ويردها إذا تطلعت . فالخير والشر بيده ، والنعم كلها من
عنده ، لا سلطان لأحد مع سلطانه ، نوجه رغباتنا إليه ، ونخلص نياتنا في
التوكل عليه : أن يجعلنا ممَّن هتُّه الصدق ، وبغيته الحق ، وغرضه الصواب .
ونعوذ بالله من ادعاء شيء لا نعلمه ، ونسأله متوجهين إليه تعالى أن لا يجعلنا
مِمَّن يعجبهم أن يجادلوا بالباطل ويموهوا على السامع ، ولا من الذين قال
فيهم: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَنَواْ وَ يُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلَا تَحْسَبَنَّهُم
٢٣

بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٨٨].
اللَّهمَّ سدِّد خطانا، وخذ بيدنا إلى الحق والخير ، واهدنا فيما اختلف فيه
إلى الحق بإذنك يا أكرم مسؤول، ويا أسرع من يجيب))(١) .
أما بعد : فإن الحمد لله الذي خلق الإنسان وجهزه بجهاز الحس والفكر ،
ولفت نظره إلى عظيم هذه القدرة ، وجزيل هذه النعمة اللذين يفرضان على
الإنسان عميق الشكر والامتنان فقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَحَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَلِتِكُمْ لَا
تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَالْأَفْئِدَةُ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨].
وقال أيضاً : ﴿قُلْ هُوَ الَّذِىّ أَنشَأَكُمُ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا
تَشْكُرُونَ﴾ [الملك: ٢٣].
لقد خلق الله الإنسان لعبادته في إطار إعمار الأرض واستثمار خيراتها ،
وحسن استخدامها ، والعدل في توزيع خيراتها وعطاءاتها ، وللكنه لم يتركه
يتخبط في عشواء محاولاً أن يعبد ربه وفق ما يخترعه من طرق ، أو ما يستحسنه
ويروق له من أساليب ، فأرسل له الرسل مبشرين ومنذرين ، وختمهم بالرسول
العظيم خاتم المرسلين ، الذي أوتي القرآن ومثله معه .
والقرآن العظيم ، والسنَّة المطهرة وهما البرنامج العام للعقل الإنساني ، فهو
على الصراط المستقيم ما دام منفذاً ما أمرا به ، مبتعداً عما نهيا عنه ؛ لأن الله هو
الذي خلق بعلمه وقدرته ، وأرشد وهدى بلطفه ورحمته ، فأرسل إلى الإنسان
ما يحقق إنسانيته ، ويرشده إلى قيمة القيم في السلوك الإنساني والحياة البشرية
بامتدادها الأفقي ، وعمقها البعيد ، ومن المسلم به أن مخترع الحاجة أعلم بما
يصونها ويحفظها من التلف ، وهو الأدرى بإصلاحها إن أصابها شيء من عطب ؛
فالله هو الخالق ، والله هو الهادي، والله على كل شيء قدير: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ
وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤].
(١) من مقدمتي لمسند أبي يعلى الموصلي .
٢٤

وما أجمل وصف الرسول الكريم لما أتى به ، وما أوجز عبارته وأعمقها
تحذيراً من التفلت وترغيباً في الالتزام حيث قال: ((أَلاَ وَإِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ :
أَحَدُهُمَا كِتَابُ الله - عَزَّ وَجَلَّ ـ هُوَ حَبْلُ الله، مَنِ اتَّبَعَهُ، كَانَ عَلَى الْهُدَىُ، وَمَنْ
تَرَكَهُ، كَانَ عَلَى ضَلَاَلَةٍ ... مسلم (٢٤٠٨) (٣٧). وحيث قال: ((تَرَكْتُ
فِيَكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ الله، وَسُنَِّي)).
لقد آمن الصحابة الكرام الإيمان العميق بصدق الرسالة وخيرها فاحتضنوها
وأحاطوها بمقل العيون ، بل زرعوها في سويداء القلوب ، وحولوا ما جاء فيها
من مبادىء إلى سلوك يومي لأنها دستور الإصلاح العام : ﴿إِنَّ هَذَا اُلْقُرْءَانَ يَهْدِى
لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩].
فهي تهذيب للنفس وسمو بها إلى عالم الأمن والأمان والسلامة والإسلام ،
ترسم لها أسلوب التعامل مع ذاتها ، وتوضح لها أطر العلاقات مع الخلق الذين
هم عيال الله، وتزرع في عمقها: ((أَنَّ أَحَبَّ الْخَلْقِ إلَى اللهِ أَنْفَعُهُمْ لِعِيَالِهِ )) [حديث
ضعيف] .
وهي تهذيب للمجتمع حتى لا يُفْرِطَ ولا يُفَرِّط ، فهو الحامي للفرد من كل
طغيان ، وهو الصاعد بالفرد من حدود الذات ، فالمجتمع كالجسم يكون سليماً
بسلامة أعضائه ، وللكنه يضعف إذا اعتل أحد الأعضاء ، فهو الذي عليه أن يأخذ
منه إذا احتاج ، ولكن دون إرهاق ، وهو الذي عليه أن يقدم له ما يحتاج إليه
أمثاله نوعاً وكمّاً إذا عرض لهذا الفرد ما يجعله بحاجة إلى هذا الإمداد .
وهي التي تحدد العلاقة بين الخالق والمخلوق بأسلوب عملي واضح لا مجال
فيه لاجتهاد مجتهد، أو افتراء متنطع، ((صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي)»، و« خُذُوا
عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ )) ، و(( مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ، فَهُوَ رَأْ)).
لذلك فإن الصحابة قد حملوا هذه الرسالة أمانة أغلى عندهم من أموالهم
وأولادهم بل ومن أنفسهم، فوقَّعوا على صك البيع: ﴿إِنَّ اللَّهَ أُشْتَرَى مِنَ
٢٥

اَلْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١]، وهم مختارون
فرحون بهذا الفوز العظيم .
ثم تلا أصحابَ رسول الله صلى الله عليه وسلّم أولئك الذين: ﴿أَتَّبَعُوهُم
بِإِحْسَنِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠] . وهم الذين اختارهم الله - عزَّ
وجل - لإقامة دينه ، وخصّهم بحفظ فرائضه وحدوده ، وأمره ونهيه ، وأحكامه
جميعها ، وسنن رسوله المبينة لها ، فحفظوا عن الصحابة ما فقهوه وأتقنوه علماً
وعملاً ، ثم علَّموه للأئمة الثقات الذين جمعوا السنَّة مما كتب الكاتبون(١) وحفظ
الحافظون . وقد أخذ هؤلاء الأئمة عن كتب شيوخهم الذين يكتبون كما أخذوا
عن الحفاظ الذي اكتفوا بالحفظ ولم يكتبوا ، وجمعوا هذا إلى ذاك بالطرق
المختلفة التي كانت معروفة آنذاك في التأليف والتصنيف .
لقد جمعوها بإفراد أبواب الفقه باباً باباً كما فعل الشعبي الذي روي عنه أنه
قال : هذا باب من الطلاق جسيم وساق فيه أحاديث .
كما جمعوها أبواباً وأحكاماً فمزجوا بين الحديث وفتاوى الصحابة كما فعل
مالك في (( الموطأ)) ، وقد توخى جمع القوي من أحاديث أهل الحجاز ومزجه
بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين .
وقد استقصى هذا فجمع وأوعى عبدُ الرزاق (٢١١هـ) ، وأبو بكر بن
أبي شيبة ( ٢٣٥هـ) .
ثم رأى كثير من الأئمة أن يفردوا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلّم
فأصبحتَ قلَّما تجد إماماً من الحفاظ إلاَّ وله مسند : كالطيالسي ، والإمام
أحمد ، وإسحاق بن راهويه ، والبزار ، وأبي يعلى الموصلي .
ومن الحفاظ من رتب على العلل فجمع لكل متن طرقه ، واختلاف الرواة فيه
(١) صحيفة عبد الله بن عمرو ، وصحيفة علي التي كانت معلقة بسيفه ، وصحيفة جابر،
وصحيفة سمرة بن جندب .
٢٦

بحيث يتضح إرسال ما يبدو متصلاً ، ووقف ما يبدو أنه مرفوع .
ثم أصبح التأليف الأغلب الذي صار سائداً هو التأليف على الأبواب بغير تمييز
بين درجات الحديث . ثم بدا لبعض الحفاظ أن يتقيد بالصحيح ، فكانت التجربة
الفذة التي قام بها الإمام البخاري ، والتي تابعه عليها مسلم بن الحجاج
النيسابوري .
وقام حفاظ آخرون بإفراد الحديث الصحيح جملة ، فكانت محصلة ذلك
صحيح ابن خزيمة .
غير أن ابن حبان تلميذ ابن خزيمة قام بتجربة أوسع على غير الطريقة التي
أصبحت مألوفة في التأليف ، فابتدع طريقة رأى بعض العاملين في هذا الميدان
الشريف أنها عسرة ، ورأينا غير ذلك . فهجر ابن حبان ، وهُجر صحيحه إلى أن
قام ابن بلبان بإعادة ترتيبه على أبواب الفقه وقد بينا ذلك في مقدمتنا لههذا
الصحيح - طبعة أولى - الذي قامت بنشره مؤسسة الرسالة .
ولقد اعتنى المحدثون بالكتب الستة ، ووضعوا عليها الأطراف ، كما
وضعت المستخرجات على الصحيحين ، والمستدرك عليهما . ثم رأى جماعة
من الحفاظ أن يجمع بين الكتب المعروفة في موضع واحد ، فجمع الحميدي بین
الصحيحين ، وجمع ابن الأثير الكتب الستة في (( جامع الأصول)) وجاء علي بن
أبي بكر الهيثمي - بإشارة شيخه الحافظ العراقي وإرشاده - ليجعل من الزوائد
تكملة لما وصل إليه من سبقه .
فما الزوائد هذه ، ومن الحافظ الهيثمي - رحمه الله -؟
٢٧

(أ) الزوائد
إذا أطلقت كلمة (( الزوائد)) أريد بها الأحاديث التي يزيد بها كتاب في
الحديث مسنداً كان أو معجماً على الكتب الستة .
وقد قام علماء أفاضل باستخلاصها من المسانيد والمعاجم المرتبة على أسماء
الشيوخ والتي لم ترتب على أبواب الفقه ، لأن البحث فيها عن حديث ما صعب
وعسير ، ويستهلك الوقت الطويل والجهد الكبير ، فأرادوا - جزاهم الله خيراً - أن
يوفروا هذا الجهد ، وهذا الوقت على الباحثين ، فعرضوا هذه المسانيد ،
وتلك المعاجم على الكتب الستة ، واستخلصوا منها ما زاد على ما جاء في هذه
الكتب ، ثم أضافوا إلى ذلك ما أخرجه بعض أصحاب الكتب الستة من طريق
أخرى انفرد بها أصحاب المعاجم والمسانيد ، أو أخرجوه وكان فيه بعض
زيادة أو اختلاف في المتن أو الإسناد ، وما أجمل أن يتحدث المصنف عن
منهجه :
قال الهيثمي في مجمع البحرين ١/١ : (( فقد رأيت المعجم الأوسط ،
والمعجم الكبير لأبي القاسم الطبراني ذي العلم الغزير قد حويا من العلم ما لا
يحصل لطالبه إلاَّ بعد كشف كبير ، فأردت أن أجمع كل شاردة ، إلى باب من
الفقه يحسن أن تكون فيه واردة ، فجمعت ما انفرد به عن أهل الكتب الستة من
حديث بتمامه وحديث شاركهم فيه بزيادة عنده ، مميزاً لها بقولي : أخرجه فلان
خلا كذا ، أو : ذكرته لأجل كذا ، ولم أره بهذا السياق ، وشبه هذا)).
وبذلك فقد وفروا على الباحث الجهد والوقت ، ويسروا عليه الوصول إلى
ما يريد من أقصر الطرق . وزودوا الباحثين بما يمكن أن يعتبر نسخة أخرى
للأصول التي استخلصوا منها زوائدها ، كما وثقوا نسبتها إلى أصحابها بالأسانيد
٢٨

المتصلة منهم إلى مؤلفيها . ولهذا كله فقد كانت كثيرة المنافع ، غزيرة
الفوائد .
ولم يذكر لنا مؤرخو السنة متى بدأ التأليف في هذا الباب ، وأقدم ما وقعنا
عليه في هذا الباب. ما قاله الحافظ ابن حجر في (( لسان الميزان )) ٦/ ٧٤ ترجمة
مغلطاي: ((ومن تخريجاته ترتيب ( بيان الوهم والإيهام ) لابن القطان ،
و(زوائد ابن حبان على الصحيحين) ... )) وانظر مقدمة موارد الظمآن بتحقيقنا.
هذه هي التجربة الأولى التي وقعنا على ذكرها أثناء بحثنا ، وأما التجربة
الثانية التي وقعنا عليها فهي ضم زوائد الطبراني ، وأبي يعلى إلى مسند أحمد
الذي رتبه الحافظ ابن كثير على حروف المعجم .
ولم يذكر الهيثمي شيئاً عن الذين سبقوه في هذا الميدان ، وليست لدينا
تجاربهم لنعلم هل استفاد منها أم لا؟ ولنحدد مقدار هذه الفائدة إن كانت
واقعة .
ولذلك فإننا نعدُّ الحافظ الهيثمي رائد هذا الميدان حتى نقع على ما يجعلنا
نبدل رأينا ، فقد أنضج تجربته حتى أصبحت المعين الذي نهل منه كل من جاء
بعده ، سواء اعترف بههذه الفائدة كالحافظ ابن حجر ، أو تجاهلها كما فعل
الشهاب البوصيري ، غير أنهما معاً اعترفا بفضل الهيثمي في هذا المضمار وسبقه
في مجال التأليف في هذا الباب المفيد .
وقد أجمع مترجمو الهيثمي على أن العراقي هو من درب تلميذه على هذا
الفن، قال محمد بن محمد بن فهد الهاشمي المكي في (( لحظ الألحاظ )) ص
(٢٣٩): ((وأشار عليه بجمع ما في مسند الإمام أحمد من الأحاديث الزائدة
على الكتب الستة ، فأعانه بكتبه، وأرشده إلى التصرف في ذلك ... )).
وقد ذكر لنا الهيثمي فضل شيخه عليه وإشارته إليه في مقدمته لهذا الكتاب إذ
قال: (( وبعد فقد كنت جمعت زوائد مسند الإمام أحمد ، وأبي يعلى
٢٩

الموصلي ، وأبي بكر البزار ، ومعاجيم الطبراني الثلاثة - رضي الله تعالى عن
مؤلفيهم وأرضاهم ، وجعل الجنة مثواهم -، كل واحد منهم في تصنيف
مستقل ، ما خلا المعجم الأوسط والصغير فإنهما في تصنيف واحد .
فقال لي سيدي وشيخي العلامة ، شيخ الحفاظ بالمشرق والمغرب ، ومفيد
الكبار ومَنْ دونهم ، زين الدين أبو الفضل عبد الرحيم بن العراقي - رضي الله عنه
وأرضاه ، وجعل الجنة مثوانا ومثواه -: ((اجْمَعْ هذه التصانيف ، واحذف
أسانيدها لكي تجتمع أحاديث كل باب منها في باب واحد من هذا )) .
فلما رأيت إشارته إلي بذلك صرفت همتي إليه ، وسألت الله تسهيله والإعانة
عليه . وأسأل الله تعالى النفع به إنه قريب مجيب)) . فأعانه الله ويسَّر له فكان
هذا الكتاب .
وإنني أرى من الواجب علي أن أنقل هنا كلمة الناشر حسام الدين القدسي -
اعترافاً بجهده ، وطلباً للرحمة لنا وله - التي كتبها في نهاية الجزء الأول من
طبعته . وفيها الكثير مما كنا نودّ إبرازه والحديث عنه فسبقنا - رحمه الله - إليه.
يقول الناشر: (( بسم الله الرحمن الرحيم .
الحمد لله على توفيقه لطبع هذا الكتاب الذي جمع فيه مؤلفه الزيادات على
كتب السنن الستة من أعظم المعاجم والمسانيد : المعاجيم الثلاثة - الكبير ،
والأوسط والصغير - للطبراني ، ومسند البزار . ومسند الإمام أحمد ، ومسند
أبي يعلى الموصلي .
ويذكر أحياناً بعض السنن المروية في غير هذه الكتب كصحيح ابن حبان ،
والأحاديث المختارة للضياء المقدسي ، وغيرهما .
ورتبه على الكتب والأبواب ، وتكلم على الأحاديث ورجالها تصحيحاً
وتضعيفاً ، وجرحاً وتعديلاً .
فهو - مع الكتب الستة - كمعلمة ( دائرة معارف ) للسنن النبوية التي هي
٣٠

الينبوع الفياض لسعادة العالمين ، يرى المتبصر فيه كثيراً من الأحاديث التي
لا وجود لها في الكتب المطبوعة ، مما يساعد على حَلِّ المشكلات الفقهية
والعلمية ، وينير الطريق لفهم السنن التي اختلف الشراحُ فيها . كما يجد فيه
أحاديث وفيرة تكشف عن وجوه الأحاديث التي يوهم ظاهرها التناقض ، وهو
خير مؤازر على تفسير السنن بالسنن .
وقد توفر الحافظ الهيثمي على تأليفه ، وأعانه شيخه الحافظ الزين العراقي
عليه بتحريره ونحو ذلك - كما يقول الحافظ السخاوي وغيره - ثم جاء الحافظ ابن
حجر فقرأه على مؤلفه ، واستدرك عليه في مواضع يسيرة ، فهو إذاً كتأليف ثلاثة
من أئمة الحفاظ الذين وقفوا حياتهم لخدمة السنَّة النبوية . - رضي الله عنهم - .
وقد عثرنا على الأصل العظيم لهذا الكتاب الذي عليه قراءةُ الحافظ ابن حجر
على المؤلف ، وفيه استدراكاته المذكورة . فقابلنا به . وأثبتنا استدراكاته كما
نقلنا صورة خط الحافظ ابن حجر بهذه القراءة ، وخط المصنف بإجازته له ولمن
حضر القراءة ، وختمنا أكثر الأجزاء بما وجد في آخرها من السماعات
والبلاغات ، والقراءات ، وغيرها .
وزيادة على ذلك فإن هذا الأصل مكتوب بخط تلميذ المؤلف أحمد بن
محمد الفوي . وعارضنا بعض أجزائه بثلاث نسخ غير الأصل في مصر
والشام )).
رحم الله حسام الدين القدسي ، وأجزل ثوابه ، وإنني سأقدم الدراسة الوافية -
إن شاء الله وأراد لي ذلك - في نهاية الكتاب . حيث يكون العمل تامًّا
والإحصائيات مهيأة أسبابها ، حيث يكون الرأي مدعماً بالإحصائيات . لأن
التعميم لا يفيد عالماً ، وللكنه يضر بدون شك شداة العلم ومدعيه . نسأل الله
التوفيق والسداد ، والتثبت والرشاد إنه على ما يشاء قدير .
وقال السيد محمد بن جعفر الكتاني في (( الرسالة المستطرفة )) ص (١٢٩)
٣١

وهو يتحدث عن (( مجمع الزوائد ومنبع الفوائد)): (( وهو من أنفع كتب
الحديث ، بل لم يوجد مثله كتاب ، ولا صنف نظيره في هذا الباب )) .
وقال الأستاذ أحمد رافع الطهطاوي - هامش ذيل طبقات الحفاظ - : (( وهو
من أهم كتب السنن بعد الأصول الستة ، ومن يطّلعْ عليه ، يخضع لجلالة قدر
مؤلفه في الحديث )) .
وقال الشيخ محمد عابد السندي يصف هذا الكتاب: (( وهو كتاب عظيم
جليل القدر ، كبير الشأن ، لم أرَ أحداً سبقه إلى هذا المنهج الجلي ، - رضي الله
عنه رضاء لا سخط بعده -)) .
٣٢

(ب) علي بن أبي بكر المبشي (١)
إن دراسة حياة أيّ علم من أعلام الحديث أو الفقه أو الأدب دراسة علمية
يتوصل بواسطتها الدارس إلى المكونات النفسية والفكرية ، ومجالات الإبداع أو
التخلف ، وحجم العطاء وتناسبه مع الفترات التي كان خلالها ، لهي أشق على
الدارس من غزل الصوف بدون مغزل ، ومن البحث عن إبرة في بيدر من القش .
وخاصة إذا أغفلت المصادرُ المراحل التي مرت بها حياته .
إن الفترة الزمنية التي عاشها الحافظ الهيثمي تمتد من ولادته سنة ( ٧٣٥هـ)
إلى سنة وفاته وهي سنة ( ٨٠٧هـ). وما أكثر ما مرَّ بالبلاد الإسلامية من أحداث
في هذه الفترة الطويلة العصيبة .
لقد ورثت مصر العراق في الزعامتين : الدينية والسياسية للعالم الإسلامي ،
(١) مصادر ترجمة الحافظ الهيثمي:
- إنباء الغمر ٢٥٦/٥ - ٢٥٧، ٢٦٠.
- ذيل طبقات الحفاظ ص ( ٣٧٢ - ٣٧٣).
- لحظ الألحاظ ص ( ٢٣٩ - ٢٤١).
- البدر الطالع للشوكاني ١ / ٤٤١ .
- شذرات الذهب ٧/ ٧٠ .
- كشف الظنون ٢ / ٩٥٧، ١٤٠٠.
- هدية العارفين ٥ / ٧٢٧ .
- الأعلام ٢٦٦/٤ - ٢٦٧ .
- معجم المؤلفين ٧ / ٤٥ .
- الرسالة المستطرفة ص (١٠٥، ١١٠، ١٢٨ - ١٢٩).
٣٣

كما عقد لها لواء الزعامة الفكرية والحضارية ، وصارت القاهرة خليفة بغداد منذ
عام (٦٥٦ هـ) وطوال قرون طويلة .
قال العلامة ابن خلدون ( ٧٣٢ - ٨٠٨هـ): (( واختص العلم بالأمصار
الموفورة الحضارة ، ولا أوفر اليوم في الحضارة من مصر ، فهي أم العالم ،
وإيوان الإسلام ، وينبوع العلم والصنائع )) .
لقد وجد صلاح الدين نفسه أمام تيار ضخم عميق الجذور من الفكر الفلسفي
الوافد والهجين ، فقابله بحرب لا تهدأ لإحلال الفكر السني ، فركز على نشر
الحديث والمذاهب الأربعة ، وبنى المدارس في مصر والشام ، واستدعى
العلماء والفقهاء ، وأغراهم بالحضور ، وسار خلفاؤه على سننه ونهجوا نهجه .
واستمرت سياسة المماليك في نشر المذاهب الأربعة مع التعصب الشديد
لها ، وبناء المدارس ، والجوامع ، وجمع الكتب المختلفة في التفسير والحديث
وعلوم القرآن ، وعلوم اللغة ، والتاريخ ، والجغرافيا ، والسير ، والطب
والصيدلة .
ومع هذا كله فإن المماليك لم يدَّعوا لأنفسهم السلطة الدينية ، بل احتفظوا
بالسلطة الزمنية والسياسية ، وكثيراً ما كان يثور الخلاف بين السلطتين الدينية
والزمنية ، فيمتلىء صدر العلماء بالضيق لجهل المماليك وتهورهم وظلمهم ،
واقرأ معي نفثةَ قاضي القضاة تقي الدين بن دقيق العيد المصدور إذ قال :
أَهْلُ الْفَضَائِلِ مَرْذُولُونَ بَيْنَهُمُ
أَهْلُ الْمَنَاصِبِ فِي الدُّنْيَا وَرِفْعَتِهَا
مَنَازِلَ الْوَحْشِ فِي الإِهْمَالِ عِنْدَهُمُ
قَدْ أَنْزَلُونَا لِإِنَّا غَيْرُ جِنْسِهِمُ
وَلاَ لَهُمْ فِي تَرَقِّي قَدْرِنَا هِمَمُ
فَمَا لَهُمْ فِي تَوَقِّي ضُرِّنَا نَظَرٌ
مِقْدَارَهُمْ عِنْدَنَا أَوْ لَوْ دَرَوهُ هُمُ
فَلَيْتَنَا لَوْ قَدِرْنَا أَنْ نُعَرِّفَهُمْ
وَعِنْدَنَا الْمُتْعِبَانِ : الْعِلْمُ ، وَالْعَدَمُ
لَهُمْ مُرِيحَان : مِنْ جَهْلٍ وَفَرْطِ غِنِّى
ومن مظاهر الحياة الدينية عند المماليك الاحتفال بليلة النصف من شعبان ،
٣٤

والاهتمام الزائد بالمولد النبوي ، وموالد الأولياء والصالحين ، وكثيراً ما تتخذ
مناسبات موالد الأولياء والشيوخ مجالاً للتحرر من الأخلاق والفضيلة ، وارتكاب
المفاسد والشرور . وتمكنت في الناس عقيدة الكرامات الأولياء الصوفية ، وكثر
الحديث عما يأتون من خوارق الأعمال والكرامة في عرف البسطاء والجاهلين من
الناس . وأصبح الناس يعتقدون بالتنجيم والمنجمين وعلى رأس هؤلاء الناس
سلاطينهم . وقد استطاع بعض مشايخ الصوفيين - والصوفية منهم براء - أن
يدخلوا في روع السلاطين أن بمقدورهم الكشف والتصريف والإِتيان بالخوارق ،
وقد أحب المماليك انتشار هذا الوهم ، لأن سياستهم تتطلب أناساً منصرفين عن
الدنيا ، زاهدين في الحياة والمال والنعيم ، وهذا شيء يجيد الحديث عنه
أولئك المتصوفون .
وعلى الرغم من أن سوس الفساد انتشر في بناء هذا المجتمع ، فساد العسف
والجور ، والمصادرة ، والسخرة ، وعمت السرقة ، والتحلل الخلقي ، والفساد
السياسي ، والفساد الاجتماعي ، والظلم الاقتصادي ، فإن المماليك كانوا
مهتمين بالحفاظ مظهراً على أمور الدين ورعاية أوامره ونواهيه ، حتى أظهر الكثير
منهم التشدد في تطبيق أحكامه ومحاربة الخارجين عليه فأخذوهم بصورة لا يقرها
الشرع نفسه .
وليس أدل على ذلك من أن جماعة من الأقباط تظاهروا بالإسلام ، وتسللوا
إلى الوزارة والدواوين فتسلطوا عليها ، وتشددوا في ظلم الرعية . قال شهاب
الدين الأعرج ( ت ٧٨٥ هـ ) :
وَمِنْ دُونِهِ الأَتْرَاكُ بِالسَّيْفِ وَالنُّرْسِ
وَكَيْفَ يَرُومُ الرِّزْقَ فِي مِصْرَ عَاقِلٌ
لاَنْفُسِهِمْ بِالرُّبْعِ وَالثُّمْنِ وَالْخُمْسِ
وَقَدْ جَمَعَتْهُ الْقُبْطُ مِنْ كُلِّ وُجْهَةٍ
وَلِلْقِبْطِ نِصْفٌ وَالْخَلائِقُ فِي السُّدْسِ
فَلِلتُّرْكِ وَالسُّلْطَانِ ثُلْثُ خَرَاجِهَا
وفوق كل ما تقدَّم فإن المماليك فعلوا ما عجز عنه غيرهم : لقد صَفَّوًا
٣٥

الجيوب الصليبية تصفية نهائية من المنطقة ، ودحروا جيوش المغول التي كان
الكثير من الناس يزعم أنها قضاء الله وقدره الذي لا مردّ له .
وإليك ما كتبه تيمورلنك في رسالته إلى السلطان برقوق ( ٧٩٦هـ ): ﴿ قُلِ
اُللَّهُمَّ مَلِكَ الْمُلْكِ فَاطِرَ السَّمَوَتِ وَاَلْأَرْضِ عَلِمَ اُلْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِى
مَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٤٦].
اعلموا أنا جند الله مخلوقون من سخطه ومسلطون على من حل عليه غضبه ،
لا نرق لشاكٍ ، ولا نرحم لباكٍ ، قد نزع الله الرحمة من قلوبنا ، فالويل ثم الويل
لمن لم يكن من حزبنا ومن جهتنا ، قد خربنا البلاد ، وأيتمنا الأولاد ، وأظهرنا
في الأرض الفساد ، وذلت لنا أعزتها ، وملكنا بالشوكة أزمتها ، فإن خيل ذلك
على السامع وأشكل ، وقال : إن فيه عليه مشكل ، فقل له :
﴿﴿ إِنَّ الْمُلُوَكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُواْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَزِلَّةً ﴾ [النمل: ٣٤]، وذلك
بكثرة عددنا وشدة بأسنا ، فخيولنا سوابق ، ورماحنا خوارق ، وأسنتنا بوارق ،
وسيوفنا صواعق ، وقلوبنا كالجبال ، وجيوشنا كعدد الرمال ، ونحن أبطال
وأقيال ، وملكنا لا يرام ، وجارنا لا يضام ، وعزنا أبداً لسؤدد منقام ، فمن
سالمنا ، سلم ، ومن رام حربنا ، ندم ، ومن تكلم فينا بما لا يعلم جُهل . وأنتم
إن أطعتم أمرنا ، وقبلتم شرطنا ، فلكم مالنا وعليكم ما علينا ، وإن خالفتم ،
وعلى بغيكم تماديتم ، فلا تلوموا إلاَّ أنفسكم فالحُصون منا - مع تشديدها -
لا تمنع ، والمدائن بشدتها لقتالنا لا ترد ولا تنفع . ودعاؤكم علينا لا يستجاب
فينا ولا يسمع .
فكيف يسمع الله دعاءكم وقد أكلتم الحرام ، وظلمتم جميع الأنام ، وأخذتم
أموال الأيتام ، وقبلتم الرشوة من الحكام ، فأعدت لكم النار وبئس المصير :
إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اُلْيَتَمَى كُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَضْلَوْنَ
سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] ، فلما فعلتم ذلك ، أوردتم أنفسكم موارد المهالك.
٣٦

وقد قتلتم العلماء ، وعصيتم رب الأرض والسماء ، وأرقتم دم الأشراف ،
وهذا والله هو البغي والإِسراف ، فأنتم بذلك في النار خالدون . وفي غد ينادى
عليكم: ﴿فَلْيَوْمَ تُجْزَوَّنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبُونَ فِ الْأَرْضِ بِغَيْرِ اَلْقِّ وَبِمَا كُمْ
نَفْسُقُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٠].
فأبشروا بالمذلة والهوان ، يا أهل البغي والعدوان . وقد غلب عندكم أننا
كفرة ، وثبت عندنا أنكم - والله - الكفرة الفجرة ، وقد سلطنا عليكم الإِلله ، له
أمور مقدرة ، وأحكام محررة . فعزيزكم عندنا ذليل ، وكثيركم لدينا قليل ، لأننا
ملكنا الأرض شرقاً وغرباً ، وأخذنا منكم كل سفينة غصباً ، وقد أوضحنا لكم
الخطاب ، فأسرعوا برد الجواب ، قبل أن ينكشف الغطاء ، وتضرم الحرب
نارها ، وتضع أوزارها ، وتصير كل عين عليكم باكية ، وينادي منادي الفراق :
﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِّنْ بَاقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٨]، ويُسْمِعُكُم صارخُ الفناء بعد أن يهزكم هذَّا:
﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ [مريم: ٩٨]، وقد أنصفناكم إذ
راسلناكم ، فلا تقتلوا المرسلين كما فعلتم بالأولين فتخالفوا ـ كعادتكم - سنن
الماضين، وتعصوا رب العالمين: ((وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ)) ، وقد
أوضحنا لكم الكلام ، فأرسلوا برد الجواب والسلام)) .
في هذا الجو الذي يجمع المتناقضات : العلم إلى جانب الجهل ، والتحقيق
إلى جانب الإيمان العميق بالخرافة ، والأمن النسبي ، إلى جانب الخوف الذي
يخلع القلوب ، وبارقة من العدل إلى موجات متعاليات من الجور والظلم
والعسف ، وومضة من إنزال الناس منازلهم ، إلى جانب احتقار من هو جدير
بالاحترام ، وإبعاد لمن حقه التقريب ، وهجر لمن يجب وصله ...
في هذا الجو الذي يقابل فيه ومْضةً الضوء ، سيلٌ لا يكاد ينتهي من الظلم
والظلام ، ويصارع كل داع إلى الحق فيه جيش من الدساسين الذين يثيرون
العوام ، ويوغرون صدور الحكام : سلاحهم نشر الخرافة والشعوذة ، وغايتهم
٣٧

إغراق الناس في شطحات الوهم قتلاً للوعي ، وتعطيلاً للعقل عن الكشف عن
قوانين الحياة .
في هذا الجو الذي اعتزل فيه العرب السياسة ، وهجروا - وللأسف الشديد-
ساحات الجهاد إلى الزراعة والصناعة ، وبقية الحرف التي يكسبون منها
معاشهم ، وكان من جملة ما انصرفوا إليه العلم الذي كان انصرافهم إليه غَيْرَةً
على الدين ، ورغبة في إعادة الإسلام التليد ، يشجعهم على ذلك فئات من
السلاطين اتحدت أساليبهم واختلفت غاياتهم :
(أ) فئة منهم صادقة الحب للدين ، مخلصة لرب العالمين ، أحسنت إلى
العلماء العاملين وقربتهم وكانت لهم الحظوة في بلاطها .
( ب) وفئة كانت - لجهلها - تعتقد أن الإِحسان إلى العلماء ، وعمارة
المساجد والمدارس كفارةٌ لسيئاتها الأخلاقية وستار لظلمها ، ولما تسببت فيه من
ويلات ومجاعات واضطرابات .
(ج ) وفئة - لخبئها - كانت تستغل هذا استغلالاً لتخدع عامة الناس بأنها
العين الساهرة على حفظ ما يحبون ، وبأنها حريصة على إشادة ما به يرغبون .
في هذا الجو المشحون بالصراعات المحمومة ، وفي صحراء الفسطاط
المستلقية بينها وبين المقطم ، في ذاك الجو ، وفي هذه البقعة المنعزلة عن
صخب الحياة وضجيجها ولد الحافظ الهيثمي سنة (٧٣٥هـ ) . فهل أثرت هذه
البيئة بنفسه ؟ وما آثارها ؟
نعم هناك من ينكر أثر البيئة على الإنسان ، وهناك من يغالي في تصوير آثارها
فيجعلها المصنع الذي يصبُّ جميع أفرادها بقوالب خاصة لا يتخلف عن الخضوع
لقواعدها أحد . وهذا غلو يأباه العقل ، ويرده واقع الناس ، فهما بين إفراط
وتفريط .
فالبيئة لا بدَّ أن تترك بصماتها على جانب أو أكثر من جوانب الشخصية
٣٨

الإنسانية التي تترعرع في أحضانها ، وتتقلب بين ناسها عواطف وأفكاراً ،
ومشاعر وسلوكاً .
وللكن الذي لا شك فيه أن تأثير البيئة يختلف نوعاً كما يختلف باختلاف
النفوس التي تتعرض له : فالحياة في الصحراء مثلاً تطبع الإنسان بالشجاعة ،
والكرم ، والوضوح ... غير أن هذه الصفات لا يمكن أن تكون بدرجة واحدة
عند جميع الأشخاص ، فلو كان التأثير بدرجة واحدة ، لكان سكانها جميعهم
عنترة بن شداد شجاعة ، وحاتماً الطائي كرماً وإيثاراً .
والظلم في البيئة الاجتماعية يؤثر في النفوس التي تكتوي بسياطه ، ولكن
تأثيره يكون في بعضها انعزالاً عن واقع الحياة ، وهروباً من المواقف الإيجابية
فيها ، بينما يكون في أخرى ثورة عارمة ، ومواقف أبية تمثل الرجولة الحقة ،
والانتصاف الجميل .
وهنا لا بدَّ من السؤال : هل أثرت هذه البيئة بنفس الهيثمي ؟ ما هذا الأثر ؟
هل اعتزل تلك الصراعات وجانبها فانصرف إلى ما انصرف غيره من العرب ، أم
ركب موجها وخاض غمارها ؟
وحتى ندرك هذا لا بدَّ من متابعة حياة هذا الإمام خطوة فخطوة ، نرصد
ما له وما عليه :
لقد نسبه تلميذه الحافظ ابن حجر فقال: (( علي بن أبي بكر بن سليمان بن
أبي بكر بن عمر بن صالح الهيثمي ، الشيخ نور الدين أبو الحسن ، ولد سنة
خمس وثلاثين وسبع مئة)) (١) .
وتشح المصادر فتغفل ذكره : فلا نجد فيها ذكراً لطفولته المبكرة ، ولا شيئاً
يتعلق بظروف نشأته الأولى ، وإنما تبدأ الحديث عنه حين بلغ الخامسة عشرة من
(١) إنباء الغمر ٢٥٦/٥، وانظر الضوء اللامع ٢٠٠/٥ -٢٠٣.
٣٩

العمر ، حيث (( صحب زين الدين العراقي وهو صغير فسمع معه ابتداء طلبه على
أبي الفتح الميدومي ، وابن المملوك ، وابن القطرواني ، وغيرهم من
المصريين .
ومن ابن الخباز ، وابن الحموي ، وابن قيم الضيائية ، وغيرهم من
الشاميين .
ثم رحل معه جميع رحلاته ، وحج معه جميع حجاته ، ولم يكن يفارقه
حضراً ، ولا سفراً ، وتزوج ابنته ، وتخرج به في الحديث ، وقرأ عليه أكثر
تصانيفه، وكتب عنه جميع مجالس إملائه)) (١).
تبدأ مصادر الترجمة بالحديث عنه منذ اتصاله بالحافظ العراقي ، ولا تقدم لنا
شيئاً عن طفولته الأولى وهي مرحلة التكوين الفعلي ، ومجال العمل التربوي
الفعال للأسرة حيث تتكون في هذه المرحلة البنية الأساسية للأفكار والأحاسيس
والمشاعر ، فهي مرحلة الأساس التي يقوم عليها بناء الشخصيّة الشامخ ، كما أنها
لا تقدم لنا شيئاً عن أسرته : مكانتها الاجتماعية ، وعدد أفرادها ، ووضعها
الاقتصادي ، ومستوى أفرادها العلمي ، غير أنها تُجمع على أن حافظ عصره
الإمام العراقي حدب عليه ، ورعاه ، وأحاطه بالعناية والاهتمام والرعاية التي لم
يحظ بمثلها تلميذ من تلامذة هذا الحافظ على كثرتهم ونبوغ بعضهم ، حتى إنه
أسمعه جميع الشيوخ الذين سمعهم ، ولم ينفرد عنه (( بغير ابن البابا ، والتقي
السبكي ، وابن شاهد الجيش))(٢).
كما أنَّ الهيثمي لم ينفرد عنه - عن شيخه العراقي - بغير صحيح مسلم عن ابن
عبد الهادي(٣).
(١) إنباء الغمر ٢٥٧/٥. وقد عرفت بهؤلاء الشيوخ جميعهم في مقدمة ((موارد الظمآن)).
(٢) الضوء اللامع ٢٠١/٥ .
(٣) الضوء اللامع ٢٠١/٥ .
٤٠