النص المفهرس

صفحات 81-100

الحديث الرابع
[قال] أخبرنا أبو أحمد هارونُ بن يوسف التاجرُ حدثنا ابنُ أبي
عمر يعني - محمداً العدنيَّ - حدثنا سفيانُ بن عُيينة (١) عن سُعيرٍ (بن
الخمس)(٢) عن حبيبٍ بن أبي ثابتٍ عن ابن عمر قال: قال
رسول الله ◌َّةٍ: ((بُنِيَ الإسلامُ على خمس: شهادةُ أنَّ لا إله إلا الله،
وأَنَّ مُحمداً رسولُ الله، وإقام الصلاةِ، وإيتاءِ الزكاةٍ، وصومِ [شهر](٣)
رمضان، وحَجِّ البيت))(٤).
(١) في الظاهرية: ((سفيان بن أبي عيينة))، وهو خطأ.
(٢) في الظاهرية: ((سفيان بن الخمس))، وهو خطأ ..
(٣) غير موجودة في الأصل ولا في ((الشريعة)).
(٤) أخرجه المصنف في ((الشريعة)) (٢: ٥٦٤) بالإسناد المذكور هنا نفسه.
وأخرجه محمد بن يحيى بن أبي عمر العدنيُّ في كتابه ((الإيمان)) (١٨) بإسناده
هنا، وعنه الترمذيُّ (٢٦٠٩) وقال: ((حسن صحيح)).
وأخرجه الحميديُّ (٧٠٣) عن سفيانَ به.
وأخرجه أحمد (٦٠١٥، ٦٣٠١) والبخاريُّ (١: ٤٩) ومسلم (١: ٤٥)
والترمذيُّ (٢٦١٠) والنسائيُّ (٥٠٠١) والآجريُّ في ((الشريعة)) (٢: ٥٦٥،
٥٦٦) والبغويُّ في ((شرح السنة)) (١: ١٧ - ١٨) من طرقٍ عن ابن عمر
به .
٨١

قال محمد بن الحسين: اعرف معنى لهذا الحديثَ تَفْقَهُ إن
شاء الله تعالى.
اعلم أنه أَوَّلُ ما بُعِثَ النبيُّ بَّهِ أُمِرَ (١) أن يدعو الناس إلى أن
يشهدوا أَن لا إله إلا الله (٢) وأن محمداً رسول الله، فَمَنْ قالها صادقاً
من قلبه (و) مات على ذلك دَخَلَ الجَنَّةَ، ثم فُرضَتْ عليهم الصلاةُ بعد
ذلك، فَصَلَّوا ثم هاجروا إلى المدينة، ثم فُرِضتْ عليهم الفرائضُ حالاً
بعدَ حالٍ، كلما فُرِضَ عليهم [فَرْضٌ] قَبِلُوه، مثل صيام شهر رمضان،
ومثلِ الزكاة، ثم قُرِضَ الحَجُّ على(٣) مِن استطاع إليه سبيلاً، فلما آمنوا
بذلك وعَمِلوا بهذه الفرائض قال اللَّهُ عز وجل: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ
دِينَكُمْ وَأَنَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ اُلْإِسْلَمَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] فقال
[النبيُّ] وَّهِ: (بُنِيَ الإسلامُ على خمسٍ)) (فاعلم ذلك).
فَمَنْ تَرَكَ فريضةٌ من لهذه الخمس وكَفَرَ بها وجَحَدَ بها لم ينفعه
التوحيدُ ولم يكن مسلماً، وقد قال النبيُّ نَّهِ: ((بَيْنَ العَبْدِ و (بين)
الكُفْرِ تَرْكُ الصَّلاةِ. فَمَنْ تَرَكَ الصَّلاةَ فَقَدْ كَفَرَ))(٤). وقال ابن مسعودٍ:
(١) في الظاهرية: ((اعلم أنه لما بعث اللَّهُ تعالى النبيَّ وَّرِ أمره)).
(٢) في الظاهرية: ((إلى شهادة ألا إله إلا الله)).
(٣) في الظاهرية: ((ثم فرض عليهم الحج)).
(٤) قلت: أخرج محمد بن نصر المروزي في ((الصلاة)) (٨٩٩) من حديث
أنس بن مالكٍ مرفوعاً: ((بين العبد وبين الكفر أو الشرك ترك الصلاة، فإذا تَرَكَ
الصَّلاةَ فقد كفر)). وفي إسناده يزيد الرقاشي، وهو ضعيفٌ كما في ((التقريب))
لابن حجر (٧٧٣٣).
وقد رواه عنه ابن ماجه كذلك (١٠٨٠) بلفظ: ((ليس بين العبد والشرك إلا
ترك الصلاة، فإذا تركها فقد أشرك)).
وقوله: ((بَيْنَ العَبْدِ وَبَيْنَ الكُفْرِ تَرْكُ الصَّلاة)). أخرجه ابنُ أبي شيبة في=
٨٢

إِنَّ اللَّهَ - عز وجل - قَرَنَ الزَّكَاةَ مَعَ الصَّلاة، فَمَنْ لم يُزَدِّ مالَه فلا
صَلَاَةَ له(١) .
ولما قُبِضَ النبيُّ وَّهَ ارتدَّ أَهْلُ اليمامة عن [أداءِ] الزكاة وقالوا:
نُصَلِّي ونصومُ ولا نُزَكِّي أَمْوالنا، فقاتلهم أبو بكرِ الصديقُ رَضِيَ اللَّهُ
عنه مع (٢) جميع الصحابة حتى قَتَلَهم وسَبَاهُم وقال: تَشْهَدُون أَنَّ
قَتْلَاكم في الثَّارِ وَقَتْلَانا في الجنة؟ كُلُّ ذُلك لأن الإسلامَ (خَمْسٌ)
لا يُقْبَلُ بعضُه دُون بعضٍ، فاعْلَمْ ذلك. (إن شاء الله).
((الإيمان)» (٤٤) وأبو داود (٤٦٧٨) والترمذيُّ (٢٦٢٠) وقال: ((حسن صحيح)).
=
وأخرجه مسلم (١: ٨٨) بلفظ: ((الشِّرك)) بدلاً من ((الكفر)).
وأخرجه مرة أخرى بلفظ: ((بَيْنَ الرَّجُلِ وبَيْنَ الشِّركِ والكُفْرِ تَرْكُ الصَّلاة)).
وجميعها من حديثٍ جابرٍ بن عبدالله مرفوعاً به، وله ألفاظٌ أخرى من حديثه
يطول المقام بذكرها.
وورد من حديث بريدة بن الحصيب مرفوعاً: ((العَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلاةُ،
فَمَنْ تَرَكها فَقَدْ كَفَر)). أخرجه ابنُ أبي شيبة في ((الإيمان)) (٤٦) وأحمد (٥:
٣٤٦) والنسائيُّ (٤٦٣) والترمذيُّ (٢٦٢٣) وقال: ((حسن صحيح غريب))
وابنُ ماجه (١٠٧٩) وابن نصر في ((الصلاة)) (٨٩٤ - ٨٩٦) وابن حبان
(١٤٥٤) والحاكم (١: ٦، ٧) وصححه ووافقه الذهبيُّ.
قلت: وإسناده صحيح.
(١) ورد بلفظ: ((أُمِرْنا بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فَمَنْ لَم يُزَدِّ فلا صَلَاةَ له)).
أخرجه الطبرانيُّ في ((الكبير)) (١٠: ١٢٧)، وقال الهيثميُّ في ((مجمع الزوائد))
(٣: ٦٢): ((وله إسنادٌ صحيحٌ)).
قلت: والإسنادُ المذكور فيه أبو إسحاق السبيعي، وهو صدوق اختلط ومدلس
ولم يصرح بالتحديث.
(٢) في الظاهرية: ((ومعه)).
٨٣

الحديث الخامس
[قال] حدثنا الآجريُّ قال: أخبرنا الفريابيُّ قال: أخبرنا
إسحاق بن راهويه قال: أخبرنا النَّضْرُ(١) بنُ شُمَيْلِ قال: حدثنا
كهمس بن الحسن قال: حدثنا عبدُالله بن بُريدةً عن يحيى بن يَعْمُرٍ
قال: كان أول مَنْ قال في (هذا) القَدَرِ (بالبصرة) معبدٌ (الجُهَنيُّ)،
فانطلقتُ(٢) أنا وحُميدُ بنُ عبدالرحمن حاجِّين أو معتمرين (قال):
فقلنا: لو لَقِينَا أحداً من أصحابِ رسول اللهِ وَّ فسألناه عما يَقُولُ
هُؤلاء في القدر، فوافقنا عبدالله بنَ عمر داخلَ المسجد فاكتنفتُه(٣) أنا
وصاحبي، أحدُنا عن يمينه والآخرُ عن يساره، فظننتُ (٤) أَنَّ صاحبي
سَيَكِلُ الكلامَ إليَّ فقلتُ [له]: يا أَبا عبدالرحمن! إنَّهُ [قد] ظَهَرَ قبلنا
أناسٌ يقرؤونُ القرآنَ وَيَتَفَقَّرُونَ(٥)
(١) في الأصل: ((النظر))، وهو خطأ.
(٢) في الظاهرية: ((فانطلقنا)).
(٣) في الظاهرية: ((فاكتنفناه))، أي أحطنا به من جانبيه. ((النهاية)) لابن الأثير (٤:
٢٠٥).
(٤) يعني أيقنت.
(٥) في الظاهرية: ((يعدون)). وقوله: ((يتفقرون)) قال ابنُ الأثير: ((هكذا جاء في
روايةٍ بتقديم الفاء على القاف، والمشهورُ بالعكس. قال بعضُ المتأخرين: هي=
٨٤

العِلْمَ [و] يَزْعُمونَ أن لا قَدَرَ (١) وأن الأمر أُنُفُ(٢) قال: فَإِذَا لَقِيتُموهم
فَأَخْبِروهم أَنِّي مِنُهم بَرِيءٌ وأنهم مني بُرَآءُ، والذي يَحْلِفُ به عَبدُالله بن
عمر لو كَانَ لِأَحَدِهم مِلُ الأرضِ ذهباً فَأَنْفَقَهُ(٣) في سبيل الله ما
قَبِلَ اللَّهُ (عز وجل) منه [ذلك] حتى يُؤْمِنَ بالقَدَرِ. ثم قال: حَدّثني
عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه قال: بينما (٤) نحنُ عند رسول الله وَال
إذ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شديدٌ بياضٍ الثيابِ شديدُ سَوَادِ الشَّعر لا يُرِى(٥)
عَليه أَثَرُ السَّفَرِ، ولا يَعْرِفُه أَحَدٌ مِنَّا حتى جَلَسَ إلى نَبِيِّ اللهِوَ فَأَسْنَدَ
رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ وَوَضَع كَفَّيِه عَلىَ فَخِذَيْهِ ثم قال: يا محمد! أَخبرني
عنِ الإِسلام وما الإسلامُ؟ قال: ((أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لا إِله (٦) إلا الله، وأَنَّ
مُحمداً رسولُ الله، وتُقيمَ الصَّلاةَ، وتُؤتي الزَّكَاةَ، وتَصُومَ [شَهْرَ]
رَمضانَ، وَتَحُجَّ البَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلاً)). قال: صَدَقْتَ. (قال)
فَعَجِبْنَا أَنَّه يَسْأَلُهُ ويُصَدِّقُه. قال: فَأَخْبِرِنِي عَنِ الإِيمَانِ. قال: ((أَنْ تُؤْمِنَ
بِاللَّهِ وملائِكَتِهِ وكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ والقَدَرِ خَيْرِهِ وشَرِّه)). قال:
عندي أَصَحُّ الروايات وأليقها بالمعنى. يعني أنهم يستخرجون غامِضَهُ ويفتحون
=
مغلَقه. وأصله من فَقَرْتُ البئر إذا حفرتُها لاستخراج مائها، فلما كان القدريةُ
بهذه الصفة من البحثِ والتتبع لاستخراج المعاني الغامضة بدقائقِ التأويلات
وَصَفَّهُم بذلك)) اهـ. ((النهاية)) (٣ : ٤٦٤).
(١) في الظاهرية: ((يزعمون ألا قدر)).
(٢) أي مستأنف استئنافاً من غير أن يكون سَبَقَ به سابقُ قضاءٍ وتقديرٍ، وإنما هو
مقصورٌ على اختيارك ودخولك فيه. ((النهاية)) لابن الأثير (١: ٧٥).
(٣) في الظاهرية: ((وأنفقه)).
(٤) في الظاهرية: ((بينا)).
(٥) في الظاهرية: ((لا نرىُ)).
(٦) في الظاهرية: ((ألا)).
٨٥
.

صَدَقْتَ. قال: فَعَجِبْنا(١) أَنَّه يَسْأَلُه ويُصَدِّقُهُ. قال: فَأَخْبِرني عَنِ
الإِحْسَانِ. قال: ((أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ بِرَاكَ)» .
[قال: صَدَقْتَ]. قال: فَأَخْبِرني عَنِ السَّاعَةِ. قال: ((ما المَسْئُولُ عَنْها
بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِل)). قال عُمَرُ رضي الله عنه: فَلَبِثْتُ ثلاثاً، ثِم قالَ لي
رَسُولُ اللهِ وَّ: (يا عُمَرُ! هَلْ تَذْري من السَّائِلُ؟)) فقلت: اللَّهُ ورسوله
أعلم. قال: ((فَإِنَّهُ جبريلُ - عليه السلام - أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ(٢) أَمْرَ
دِینگم»(٣).
قال محمد بن الحسين: اعلم - رَحِمَنا اللَّهُ وإِيَّاكَ - أَنَّ النبيَّ وَلـ
- قَدْ أَعْلَمَكَ(٤) في هذا الحديثِ أَنَّ جبريلَ عليه السلام(٥) إِنَّمَا سَأَلَ
(١) في الظاهرية: ((فتعجبنا)).
(٢) في الظاهرية: ((ليعلمكم)).
(٣) أخرجه المصنف في ((الشريعة)) (٢: ٥٦٨ - ٥٧٠) بالإسناد المذكور هنا نفسه
دون ذكر مجيء يحيى وحمَيدٍ إلى ابن عمر باختلافٍ في بعض المواضع.
وأخرجه (٢: ٧٩٨)، دون سياق لفظه، وهو في ((القدر)) للفريابي (٢١١).
وأخرجه كذلك (٢: ٥٧٠ - ٥٧٢، ٧٩٧ - ٧٩٨، ٨٥٢) عن الفريابيِّ عن
محمد بن أبي بكر المقدميِّ قال: حدثنا معاذٌ حدثنا كهمس به بذكر سبب
مجيءٍ يحيى وحُميدٍ وفي آخره زاد: «فأَخْبرني عن أَماراتها. قال: أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ
رَبَّتَها، وأَن تَرىُ الحُفَاةَ العُرَاةَ رُعاءَ الشَّاءِ يتطاولونُ في البُنيان)). وليس في
الطريق الأول ولا لهذا: ((أَنَّه لَبِثَ ثلاثةَ أيام)) بل فيه: ((فلبثتُ ملياً)).
وأخرجه مسلم (١ : ٣٦ - ٣٧) عن وكيع عن کھمس به.
ثم أخرجه (١: ٣٨) من طريقين عن عبدالله بن بريدة به.
وأخرجه من طريق كهمس كل من النسائيِّ (٤٩٩٠) وأبي داود (٤٦٩٥)
والترمذيِّ (٢٦١٠) وقال: ((حسن صحیح)).
وتابع ابنّ بريدة عليه سليمانُ التيميُّ عند مسلم (١: ٣٨).
(٤) في الظاهرية: ((أعلمكم)).
(٥) في الظاهرية: ((جبريل وَلّ).
٨٦

النبيَّ ◌َّه بحضرةِ أصحابه إِنَّما أَرَادَ أَن يُعَلِّمَهُمْ أَمرَ دينهم، فينبغي
للمسلمين أن يَعْلَمُوه. وأما قوله وسؤاله عن الإسلام فقد بَيَّنًا لك في
الحديثِ (الذي) قبله، وأما الإيمان فواجبٌ على كُلِّ مسلم أن يُؤمنَ
باللّهِ (عز وجل) وبجميع ملائكته وبجميع كتبه التي أنزلهاً اللَّهُ على
رسله وبجميع أنبيائه وبالموتِ وبالبعثِ من بعد الموت وبالجنة
والنار(١)، وبما جاءت به الآثارُ في أحاديثَ أُخر(٢) مثل أن يُؤْمِنَ
بالصراطِ والميزانِ وبالحوضِ(٣) والشفاعةِ وبعذابِ القبرِ ويقوم يُخرجون
من النار فيدخلون(٤) الجنةَ [وبالساعة] وأشباهٍ لهذا(٥) مما يُؤْمِّنُ به أهلُ
الحَقِّ من أهل العلم وَيَجِحَدُ بها (٦) أهلُ الأهواء والبدَع والضلالةِ(٧)
ممن حَذَّرناهُمُ النبيُّ وََّ وحَذَّرَناهم الصحابةُ والتابعونَ لهم بإحسانٍ
وعلماءُ المسلمين، ويؤمنَ بالقدرِ خَيْرِهِ وَشرِّهِ، ويَبْرَأ(٨) ممن لم يؤمن
بالقدرِ (خيره وشره) كما تبرأ ابنُ عمر منه (٩). [و] قوله (((و) أَخْبرني
عن الإحسان)). قال: أَنْ تعْبُدَ اللَّه كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ
يَرَاكَ)). فاعلم (١٠) أَنَّهُ مَنْ عَبَدَ الله عز وجل [فَيَعْلَمُ أَنَّ الله عَزَّ وجل]
(١) في الظاهرية: ((وبالنار)).
(٢) في الظاهرية بدلاً من قوله: ((جاءت به الآثار في أحاديثَ أَخر)) فيها: ((جاء في
الأحادیث)).
(٣) في الظاهرية: ((والحوض)).
(٤) في الظاهرية: ((ويدخلون)).
(٥) في الظاهرية: ((هذا)).
(٦) في الظاهرية: ((ويجحده)).
(٧) في الظاهرية: ((الضلال)).
(٨) في الظاهرية: ((تتبرأ)).
(٩) في الظاهرية: ((كما تبرأ منهم ابنُ عمر)).
(١٠) في الظاهرية: ((واعلم)).
٨٧

مُطَّلِعٌ على عمله، يَعْلَمُ سِرَّهُ وعلانِيَتَهُ، وَيَعْلَم ما تُخْفِي من عَمَلِكَ وما
تُبديه، وما تُريد بعلمِك أَللَّهَ تُريدُ (١) أو غيره، يَعلمُ السِّرَّ وأخفى، يعلمُ
خائنَةَ الأعين (وما) تُخفي الصدورُ، يعلم ما أنتم عليه فاحذروه، فَمَنْ
راعى لهذه بقلبه وبعلمه خَشِيَ (من) الله عز وجل وخافَه وَعَبَدَه كما
أمره(٢). فإنْ كُنتَ عن لهذه المراعاةِ في غفلةٍ فإنه يَراك ثم إليه مرجعُك
فيُنَبِّكَ بما كُنت تعمله(٣)، فاحذرِ (٤) الغفلة في عبادتِك إياه، (و) اعْبده
كما أَمَرَكَ لا كما تريدُ، واستَعِنْ به واعتصم به، فإنه لا يَقْطَعُ مَنْ(٥)
لَجَأَ إليه وقد ضَمِنَ لمن اعتصم به أن يهديَه إلى صراطٍ مستقيم.
(١) في الظاهرية: ((تريدُ الله)).
(٢) في الظاهرية: ((كما أمر)).
(٣) في الأصل: ((تعلمه))، والتصويب من الظاهرية.
(٤) في الظاهرية: ((واحذر)).
(٥) في الظاهرية: ((بمن)).
٨٨

الحديث السادس
(حدثنا أبو بكر الآجري) قال: حدثنا أبو جعفر أحمد بن يحيى
الحلواني(١) قال: حدثنا محمد بن الصَّبَّاح الدُّولابيُّ قال: حدثنا
إسماعيل بنُ زكريا عَن الأعمشِ عن زيدٍ بن وهبٍ عن عبدِ اللهِ بن
مسعودٍ قال: حدثنا رسولُ اللهِ وَِّ وهو الصادقُ الْمصدق(٢): ((إنَّ (٣)
خَلْقَ أَحَدِكم يُجْمَعُ في بَطْنٍ أُمِِّ أَرْبَعِينَ ليلةً، ثم يَكُونُ عَلَقَةٌ مِثْلَ ذُلك،
ثم يَكُونُ مُضْغَةً مِثْل ذلك، ثم يَبْعَثُ اللَّهُ (عز وجل) [إليه](٤) مَلَكاً
فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِماتٍ: فَيَكْتُبُ عَمَلَهُ وَأَجَلَهُ ورِزْقَهُ وشَقِيٌّ(٥) أَمْ سَعِيدٌ، ثم
يَنْفُخُ فيه الَّرُّوحَ. فإنَّ(٦) أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ حتى ما يَكُونَ
بَيْنَهُ وبَيْنِها إلا ذِرَاعٌ (٧) فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ
(١) في الظاهرية: ((الخواني))، وهو خطأ.
(٢) في المصادر الأخرى التي أخرجت الحديث: ((المصدوق)).
(٣) في الظاهرية: ((إنما)).
(٤) زيادة من ((الشريعة)).
(٥) في الظاهرية: ((شقياً».
(٦) في الظاهرية: ((وإن)).
(٧) في الظاهرية: ((ذراعاً».
٨٩

(فَيُدْخُلُ النَّارَ)، وإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ(١) حتى ما يَكُونَ
بَيْنَهُ وَبينَها إلا ذِراعٌ (٢)، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ (الكِتَابُ) فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ (أَهْلِ) الجَنَّةِ
فيدخلها)) (٣) .
قال محمد بن الحسين: (فينبغي لك) - أيها السائل - أَنْ تَعْلَمَ
أَنَّ الله عز وجل قد فَرَغَ مِنْ أَرْزَاقِ (٤) العِبَادِ، وأَنَّ كُلَّ (عَبْدٍ) مُستوفٍ
رِزْقَه لا يَزِيدُ فيه(٥) ولا يَنْقصُ [منه] (وكَذا قَدْ فُرِغَ من الآجالِ)، (لا
يزدادُ أَحَدٌ على أجله ولا يَنْتَقِصُ منه حتى يَأْتِيَه آخِرُ أجله)(٦). وكذا
كَتَبَ الله - عز وجل - عَمَلَه الذي يعمل خَيْراً كانَ أو شَرّاً، وَكَتَبِهُ شَقِياً
أو سعيداً(٧)، فكُلُّ (٨) العِبَادِ يَسْعُونَ في أمرٍ قَدْ فُرِغَ منه. [و] الإيمانُ
بهذا واجبٌ، ومن لم يؤمن به كفر.
(١) في الظاهرية: ((الجنة))، وهو خطأ ظاهر.
(٢) في الظاهرية: ((حتى لا يكون بينه وبينها إلا ذراعاً)).
(٣) أخرجه المصنف في ((الشريعة)) (٢: ٧٧٧ - ٧٧٨) بإسناده هنا.
وأخرجه البخاريُّ (١١: ٤٧٧، ١٣: ٤٤٠) ومسلم (٤: ٢٠٣٦) وغيرهما من
طريق شعبة عن الأعمش به.
ويُراجع لمزيد من تخريجه التعليق على ((الرد على الجهمية)) لأبي سعيد
الدارميٌّ (٢٦٩، ٢٧٠).
(٤) في الظاهرية: ((رزق)).
(٥) في الظاهرية: ((مسترزق رزق لا يُزاد فيه)).
(٦) ما بين القوسين في الظاهرية: ((حتى يأتيه أجله، كذلك الآجالُ لا يُزاد أحدٌ
على أجله ولا ينقص منه حتى يأتيَ أجله)).
(٧) في الظاهرية: ((أم سعيداً)).
(٨) في الظاهرية: ((وكذا)).
٩٠

الحديث السابع
(حدثنا الآجري) قال: حدثنا أبو بكر جعفر بن(١) محمد
الفريابيُّ قال: حدثنا عثمانُ بنُ أبي شيبة حدثنا جرير بن عبدالحميد
عن منصورٍ عن سعدٍ بن عُبَيْدة(٢) عن أبي عَبْدِ الرحمن السُّلميِّ(٣) عن
عَليّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه قال: كنا في جَنَازةٍ في بقيع الغرقد
قال: فأتانا(٤) رسولُ اللهِ وَلَّ فَقَعَدَ وَقَعَدْنا حوله ومعه مِخْصَرَةٌ(٥)،
فَنَكَسَ رَأْسَهُ فَجَعل(٦) يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ، ثم قال: ((ما مِنْكُم مِنْ نَفْسٍ
(١) في الأصل: ((أبو بكر بن جعفر))، وهو خطأ.
(٢) في الأصل: ((سعيد عن عبيدة))، وفي الظاهرية: ((سعيد بن عبيد)) وكلاهما
خطأ، والصواب ما أثبتناه، كما في المصادر التي ترجمت له والمصادر التي
روت الحديث من طريقه.
(٣) في الظاهرية: ((عن عبدالرحمن السلمي))، وهو خطأ.
(٤) في الظاهرية: ((وأتى)).
(٥) في الظاهرية: ((مجسرة)) وهو خطأ، والمخصرة ما يختصره الإنسان بيده (يضعه
على خصره) فيمسكه من عصاً أو عكازةٍ أو مقرعة، أو قضيب، وقد يتكأ
عليه. ((النهاية)) لابن الأثير (٢: ٣٦).
(٦) في ((الشريعة)): (وجعل)).
٩١

مَنْفُوسَةٍ إِلا وَقَدَ كُتِبَ مَكانُها مِنَ الجَنَّةِ والنَّارِ(١) و (إلا و) قد كُتِبَتْ
شقية أو سعيدة)). فقال رجلٌ: يا رسول الله! أَفَلَا نَشَّكِلُ على كِتَابِنا
ونَدَعُ العَمَلَ، فَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيصِيرُ(٢) إلى عَمَلِ أَهْل
السَّعَادَةِ، وَمْن كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ(٣) فَسَيَصِيرُ إلى عَمَلِ أهلِ
الشَّقاوة(٤)؟ فقال: ((اعْمَلُوا فَكُلِّ مُيَسَّرٌ [لِعَمَلِهِ](٥)، أما أَهْلُ السَّعَادةِ
فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ (٦)، وأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ
٦
وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَ
الشَّقَاوة))(٧). ثم قَرَأَ(٨) ﴿فَمَّا (٩) مَنْ أَعْطَى وَأَنَّفَ
فَسَنُيَسِرُ لِلْيُسْرَى
٧
وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَأَسْتَغْنَى
٨
وَكَذَبَ بِالْمُشْفَ
٩
فَسَنْيَسِرَوَ
لِلْمُسْرَى
[الليل: ٥ - ١٠](١٠).
قال محمد بن الحسين: فاعلم (١١) - رحمك الله - أَنَّ الإيمانَ
(١) في الظاهرية: ((من الجنة أو في النار)).
(٢) في الظاهرية: ((سيصير)).
(٣) في الظاهرية: ((الشقاوة)).
(٤) في ((الشريعة)): ((الشقاء)).
(٥) غير موجودة في ((الشريعة)).
(٦) في الظاهرية: ((من كان من أهل السعادة فسييسر لعمل أهل السعادة)).
(٧) في الظاهرية: ((ومن كان من أهل الشقاوة فسييسر لعمل أهل الشقاوة)).
(٨) في الظاهرية: ((وقرأ)).
(٩) في الظاهرية: ((وأما)»، وهو خطأ واضح.
(١٠) أخرجه الآجريُّ في ((الشريعة)) (٢: ٧٤٥ - ٧٤٦) بإسناده المذكور هنا، وهو
في ((القدر)) للفريابي (٤٠).
وأخرجه البخاريُّ (٣: ٢٢٥، ٨: ٧٠٩) ومسلم (٤: ٢٠٣٩ - ٢٠٤٠) وأبو
سعيد الدارميُّ في ((الرد على الجهمية)) (٢٧١) عن عثمان بن أبي شيبة به.
وله طرقٌ أخرى تُراجع في التعليق على ((الرد على الجهمية)) (٢٧١).
(١١) في الظاهرية: ((اعلم)).
٩٢

بهذا واجبٌ، قَد أُمر العِبَادُ(١) أن يَعْمَلوا بما أُمِرُوا مِنْ طَاعَةِ الله(٢)،
وَيُنتَهوا عَما نُهوا عنه من المعصية، واللَّهُ بعد ذلك مُوَفِّقُ مَنْ أَحَبَّ
لطاعته ومُقَدِّرٌ معصيته على من أراد غير ظالم لهم، يُضِلَّ مَنْ يَشَاءُ
وَيَهدي من يشاءُ، لا يُسْأَلُ عما يَفْعَلُ وهم يُسألون، أَحَبَّ من عبادِه
الطَّاعَةَ وأَمَرَ بها، فكانت بتوفيقه، وزَجَرَ عن المعصيةِ وأراد كونَها غيرَ
مُحِبِّ لها ولا آمرٍ بها، تعالى عز وجل (عن) أن يَأْمُرَ بالفحشاءِ وجَلَّ
أن يكونَ في مُلکه ما لا یرید.
لهذا - رحمك الله _(٣) طريقُ أهل العلم من الصحابة [والتابعين]
ومَنْ تَبِعَهم بإحسانٍ وأئمة المسلمين. قال ابنُ عباس: القدرُ نظام
التوحيد، فَمَنْ آَمنَ بالله وصَدَّقَ بالقَدرِ فهي العروة الوثقى التي لا
انفصام لها، ومَنْ (آمن) بالله وكَذَّبَ بالقَدر كان تكذيبُه (للقدر) نقصاً
منه لتوحيده(٤).
(١) في الظاهرية: ((قد أمر الله به العباد)).
(٢) في الظاهرية: ((بما أمروا به من الطاعة)).
(٣) في الظاهرية: ((رحمك الله)).
(٤) ذكره السيوطيُّ في (الدر المنثور)) (٢: ٢٣) بلفظٍ مقاربٍ وعزاه إلى
ابن المنذر.
٩٣

الحديث الثامن
(حدثنا أبو بكر الآجري) قال: حدثنا إبراهيمُ بن موسى
الجوزي(١) قال: حدثنا داود بن رُشيدٍ قال: أخبرنا الوليدُ بن مسلم
عن ثورٍ بن يزيدَ عن خالدٍ بن معدانٍ عن عبدالرحمن بن عمرو (٢)
(السُّلميِّ) وحُجرِ الكلاعيِّ قالا(٣): دخلنا على العرباض(٤) بن ساريةً
وهو من الذين نَزَلَ فيهم (٥) ﴿وَلَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوَكَ لِتَحْمِلَهُمْ
قُلْتَ لَآ أَجِدُ مَآ أَعْلُكُمْ عَلَّهِ ﴾ الآية(٦) [التوبة: ٩٢] [دَخَلوا
عليه] وهو مريضٌ، قال: فقلنا (٧) له: إنا جِئْنَاكَ زَائِرين وعائِدين
(١) في الأصل: ((العجوزي))، وفي الظاهرية: ((الحميري))، وكلاهما خطأ،
والتصويب من ((تاريخ بغداد)) (٦: ١٨٧ - ١٨٨) و ((سير أعلام النبلاء)) للذهبي
(١٤ : ٢٣٤) وغيرهما.
(٢) في الظاهرية: ((عمر))، وهو خطأ.
(٣) وفي الأصل: ((قال))، وهو خطأ.
(٤) في الظاهرية: ((المعين بن العرباض))، وهو خطأ واضح.
(٥) في الظاهرية: ((فيه))، وفي نسخةٍ من ((الشريعة)): ((الذي فيه نزلت)).
(٦) في الظاهرية جزء من تتمة الآية: ﴿تَوَلَّواْ وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ بدلاً من
قوله: ((الآية)).
(٧) في الظاهرية: ((فقالوا)).
٩٤

ومقتبسين(١). فقال عرباضٌ: إنَّ رسولَ اللهِ وَلَ صلى [بنا] صلاةً
الغداة ثم أقبل علينا فوعظنا بموعظةٍ (٢) بليغةٍ ذرفت منها العيونُ
وَوَجِلَتْ منها القلوبُ، فقال قائلٌ: يا رسول الله! إنَّ لهذه لموعظةُ
مودع، فما تَعْهَدُ إلينا؟ قال: ((أُوصِيكُم بِتقوى اللَّهِ والسَّمْع والطَّاعَة
وإنْ كان عَبْداً حَبَشياً، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ (٣) مِنْكُم بَعْدِي سَيَرى(٤) اختلافاً
كثيراً، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَِّي وسُنَّةِ الخُلفَاءِ الرَّاشِدين المَهْدِيِينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا
بالنَّواجِذِ، وإِيَّاكُم ومُحْدَثَاتُ الأُمورِ، فَإِنَّ كُلَّ محدثةٍ بدعةٌ، وكُلَّ بِدْعَةٍ
ضلالة))(٥).
قال محمدُ بن الحسين: في لهذا الحديث علومٌ كثيرةٌ يحتاجُ إلى
عِلْمِها جميعُ المسلمين ولا يسعهم جهله (٦)، منها أنَّه أَمَرَهُم(٧) وَلِّ بما
أَمَرَهم الله عز وجل بِتَقواه(٨)، ولا يَعْلَمُون بِتَقْوَاه إلا بالعلم (٩). قال
(١) في الظاهرية: ((مستفتين)).
(٢) في الظاهرية: ((موعظة)).
(٣) في الظاهرية: ((من يعيش)).
(٤) في الظاهرية: ((فسيرى)).
(٥) أخرجه الآجريُّ في ((الشريعة)) (١: ٤٠٠ - ٤٠١) بإسناده المذكور هنا.
وأخرجه أحمد (٤: ١٢٦ - ١٢٧) وعنه أبو داود (٤٦٠٧) وغيرهم من طرقٍ
عن الوليد به، وإسناده حسن.
ويراجع التعليق على ((مفتاح الجنة)) للسيوطي (٣٧).
ويراجع لطرقه ((السنة)) لابن أبي عاصم (١: ١٧، ٢٩) والتعليقَ عليه، و
((المستدرك)) للحاكم (١: ٩٥ - ٩٧) و((الجامع)) لابن رجب الحنبلي.
(٦) في الظاهرية: ((جهلها)).
(٧) في الظاهرية تكرارٌ لكلمة ((منها)) لا داعي له.
(٨) في الظاهرية: ((أمرهم بَّر بتقوى الله عز وجل).
(٩) فى الظاهرية: ((ولا يعلمون تقواه إلا بالعمل)).
٩٥٪

بعضُ الحُكَّامِ: كيف يكون مُتَّقِياً مَنْ لا يدري ما يَتقي (١). وقال
عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه: لا يَتَّجِرُ في أسواقنا إلا مَنْ [قَدْ] فَقِه
[في دينهِ] وإلا أَكَلَ الربا(٢).
قلتُ: فعلى جميع المسلمين أن يَتَّقُوا الله عزَّ وجل في أَداءِ
فرائضهِ واجتنابٍ محارمه. ومنها أَنَّه أَمَرَهُم بالسَّمْع والطاعة لكُلِّ مَنْ
وُلِّيَّ عَليهم من عَبْدٍ أسود وغيرٍ أسود، ولا تكون الطاعةُ إلا بالمعروف
لأنه (٣) أَعْلَّمَهُم أنه سيكونُ اختلافٌ كثيرٌ(٤) بين الناس، فأمرهم(٥) بلزوم
سُنَّتِهِ وسنةٍ أصحابه الخلفاءِ الراشدين المهديين (وحَثَّهم عَلى أَنْ
يتمسكوا بها التمسكَ الشديدَ مثل ما يَعَضُّ الإنسانُ بأضراسه على
الشيء)(٦) يريدُ أن لا يفلتَ منه، فواجبٌ على كُلِّ مسلم (أن يَتَّبِعَ)
سُنَنَ رسولِ اللهِ وَلّ ولا يَعْملوا(٧) (أشياءَ) إلا بسنته وسنة الخلفاء
الراشدين بعده: أبي بكر (٨)، وعمرَ، وعثمانَ، وعليٍّ رضي الله عنهم
(أجمعين). وكذا (٩) لا يَخْرُجُ عن قولٍ صحابتِهِ(١٠) رحمةُ الله عليهم
(١) في الظاهرية: ((كيف يكون متقي من لا يدري كيف يتقي)).
(٢) ورد بلفظ: ((لا يبع في سوقنا إلا مَنْ تَفَقَّهَ في الدين)) أخرجه الترمذيُّ (٤٨٧)،
والراوي عن عمر بن الخطاب فيه جهالة.
(٣) في الظاهرية: ((لأنهم)).
(٤) في الأصل: ((سيكون اختلافاً كثيراً)).
(٥) في الظاهرية: ((وأمرهم)).
(٦) ما بين القوسين بدلاً منه في الظاهرية: ((مثل ما يعض الإنسان بأضراسه على
الشيء، وحَثَّهم على أن يتمسكوا بها التمسك الشديد)».
(٧) في الظاهرية: ((ولا يعمل))، وهو أصوب.
(٨) في الأصل: ((وأبو بكر))، فحذفتُ الواو لعدم انتظام السياق بها.
(٩) في الظاهرية: ((وكذلك)).
(١٠) في الظاهرية: ((أصحابه)).
٩٦

فإِنَّهُ يُرْشَدُ إنْ شاء الله. ومنها أَنَّهُ حَذَّرَهُمُ البِدَعَ وَأَعْلَمَهُمْ أَّها ضلالة،
فكُلُّ مَنْ عَمِلَ عَمَلاً أو تَكَلَّمَ بِكَلام لا يُوافِقُ كِتَابَ اللَّهِ (عز وجل) و
[لا] سُنَّةَ رسولِه (َِّ) وسُنَّةَ(١) الخُلفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَقَوْلَ صحابته
(رضي الله عنهم) فهو بِدْعَةٌ، وهو (٢) ضَلَالَةٌ وهو مَرْدُودٌ على قائِلِه أو
فَاعله، ومنها أَنّ عِرباضَ بنَ ساريةَ قال: وَعَظَنَا رَسُولُ اللهِ وَلِّ موعظةً
بليغةً ذَرَفَتْ مِنها العُيونُ وَوَجَلَتْ مِنها القُلُوبُ.
[قال محمد بن الحسين:] فَمَيِّزوا(٣) هذا الكلامَ، لم يَقُلْ:
صَرَخْنا من موعظةٍ ولا زَعَقْنا (٤) ولا طَرَقنا على رُؤوسِنا ولا ضَرَبْنا على
صُدورنا ولا زَفَنَّا ولا رَقَصْنا كما فعلَ(٥) كثيرٌ مِن الجهال، يصرخون
عند المواعظ ويزعقون (٦)، وينغاشون وهذا كُلَّهُ من الشيطان يلعب
بهم(٧)، وهذا كُلَّه بدعةٌ وضلالةٌ. يُقال لمن فَعَلَ(٨) هذا: اعلم أَنَّ
النبيَّ وََّ أَصْدَقُ الناسِ موعظةً وأَنْصحُ الناسِ(٩) لأَمَّتَه وَأَرَقُّ النّاسِ قلباً،
وأصحابُه أَرَقُّ (الناس) قلوباً، وخَيْرُ الناس ممن جاءَ بعدهم، [و] لا
يَشِكَّ في هذا عاقلٌ، ما صَرَخُوا عند موعظته(١٠) ولا زَعَقُوا ولا رَقَصُوا
(١) في الظاهرية: ((سنن)).
(٢) في الأصل: ((وهي))، والتصويب من الظاهرية .
(٣) في الظاهرية: ((ميزوا)).
(٤) في الظاهرية: ((لم يقل: صرخنا من موعظته ولا صعقنا)).
(٥) في الظاهرية: ((كما يفعل)).
(٦) في الظاهرية: ((يصعقون)).
(٧) في الظاهرية: ((وكُلُّ لهذا من الشيطان أنه لاعب بهم)).
(٨) في الظاهرية: ((يفعل)).
(٩) في الأصل: ((وأفصح الناس))، وما أثبتناه من الظاهرية لأنه أليق بالسياق.
(١٠) في الظاهرية: ((موعظة)).
٩٧

ولا زَفَنُوا، ولو كان هذا صحيحاً لكانوا أَحَقَّ النَّاسِ بهذا أن يفعلوه(١)
بين يدي رسول الله وََّ، ولكنه بدعةٌ وباطلٌ ومنكرٌ، فاعلم ذلك.
فَتَمسَّكوا - رَحِمَكُمُ الله - بسنته وسنة الخلفاء [من بعده] الراشدين
المهديين وسائر الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.
(١) في الظاهرية: ((يفعلوا)).
٩٨

الحديث التاسع
(حدثنا أبو بكر الآجري) قال: أخبرنا أبو بكرِ بنِ أبي داودَ
قال: حدثنا أبو الطاهر أحمد بن عمرو (١) المصريُّ(٢) قال: أخبرنا
[ابنُ] وهبٍ قال: أخبرني حَيْوَةُ بنُ شُرَيْحِ عن عقيلِ بنِ خالدٍ عن
سَلَمَة بنِ أبي سَلَمَةَ بنِ عبدالرحمن عنّ أبيه عن ابنِ مسعودٍ عن
رسول الله وَ لّ قال: ((كَانَ الكِتَابُ الأَوَّلُ نَزَلَ(٣) مِنْ بَابٍ واحدٍ (و)
على وجهٍ واحدٍ، وَنَزلَ القرآنُ من سبعةِ أبوابٍ على سبعةِ أحرفٍ:
زاجرٍ، وآمرٍ (٤)، وحلالٍ، وحرام، ومحكم، ومتشابهٍ، وأمثالٍ(٥)،
فَأَحِلُّوا حلاله وحَرِّموا حَرامَهُ، وَفعَلوا ما أُمِرْتُم وانْتَهُوا عَمَّا نُهِيتُم،
واعْتَبِروا بأَمْثَالِهِ، واعْمَلُوا بِمُحْكَمِهِ، وآمِنُوا بِمُتَشَابِهِه (٦)، وقُولوا: آمَنَّا
(١) في الظاهرية: ((عمر))، وهو خطأ.
(٢) في الأصل: ((المقرىء))، والتصويب من الظاهرية والمصادر التي ترجمت له
مثل (تهذيب الكمال)) (١: ٤١٥) و((تهذيب التهذيب)) (١: ٦٤).
(٣) في الظاهرية: ((ينزل)).
(٤) في الظاهرية: ((زجر، أمر)).
(٥) في الظاهرية: ((ومتشابه الأمثال)).
قلت: لا يكون بذلك المجموع سبعةً، فالصواب ما في الأصل.
(٦) في الظاهرية: ((ومتشابه))، وهو خطأ.
٩٩

بِهِ كُلُّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا))(١).
قال محمد بن الحسين: (اعلم - رَحِمَكَ اللَّهُ - أنه) ينبغي لَكَ أَنْ تعلمَ
أَنَّ القرآن نزل (جملةً في ليلة القدر في شهرِ رمضانَ إلى سماءِ الدُّنيا
إلى بيتِ العِزَّةِ ثم نَزَلَ) على النبيِّ وََّ فِي نَيِّفٍ وعشرين سنة. (ومعنى
على سبعة أحرف) يعني على سبع لغاتٍ: كان النبيُّ وَّلَهِ يُلَقِّنُ كُلَّ قبيلةٍ
(على) ما تَحْمِلُ مِنْ لُغتها، فلا ينبغي أَن يُعيبَ بعضُهُم قراءةَ غيره(٢)،
بل واجبٌ على كُلِّ من التَقَنَ بِحَرْفٍ (أن) يَلْزَمَهُ وَيَحفَظَهُ ولا يُعيبَ
على غيره ما قد التَقَنَ فلا يُجاوز(٣) ما في مصحف عثمان
(١) أخرجه ابن عبدالبر في ((التمهيد)) (٨: ٢٧٥) عن المصنف به.
وأخرجه ابن جرير في «تفسيره)) (١: ٣٠) والطحاويُّ في ((المشكل)) (٣١٠٢)
وابن حبان (٧٤٥) والحاكم (١: ٥٥٣) وصححه والهرويُّ في ((ذم الكلام))
(٣: ٦٣ - ٦٤) من طرقٍ عن حيوة به.
وقال ابن عبدالبر: ((ولهذا حديثٌ عند أهل العلم لا يَثْبتُ، لأنه يرويه حَيْوَةُ عن
عقيل عن سلمةَ لهُكذا، ويرويه الليثُ عن عقيلٍ عن ابنِ شهابٍ عن سلمةً بن
أبي سلمة عن أبيه عن النبيِّ وَّر مرسلاً. وأبو سلمةً لم يلقَ ابنَ مسعودٍ، وابنه
سلمة ليس ممن يحتج به. ولهذا الحديث مجمعٌ على ضعفه من جهةٍ إسناده،
وقد رَدَّهُ قومٌ من أهلِ النظر ... )) إلى آخر ما قاله.
قلت: وروايةُ الليث التي نوه بها أخرجها الطحاويُّ في ((المشكل)) (٣١٠٣) إلا
أنه سقط من إسناده ذكرُ أبي سلمة، ففيه: ((سلمة بن أبي سلمة عن
رسول الله ◌ِێ)) به.
وكذا حكم الطحاويُّ بانقطاع الروايةِ المتقدمة بقوله: ((لأَنّ أبا سلمة لا يتهيأ في
سِنِّهِ لقاءُ عبدالله بن مسعودَ ولا أخذه إياه عنه)). ثم ذكر ما يحتملُ تفسيرَ لهذا
الحديث، وكذا ابن عبدالبر في ((التمهيد)).
وكذا حكم عليه بالانقطاع ابن حجر في ((الفتح)) (٩: ٢٩).
(٢) في الظاهرية: ((ولا ينبغي أن يعيبَ بعضُهم على بعض)).
(٣) في الظاهرية: ((ولا يجاوز)).
١٠٠