النص المفهرس

صفحات 1-20

كلمة معالي رئيس الجامعة الإِسلامية
د / عبد الله الصالح العبيد
الحمد لله الذي خاطب نبيه بقوله سبحانه: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِنَ
لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ والمخاطب خلقه بقوله سبحانه: ﴿ وَمَآءَالَنْكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ
وَمَا تَهَنَّكُمْ عَنْهُ فَنْنَهُواْ﴾ والقائل للناس كافة: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ
نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينًا﴾ - أحمده سبحانه وتعالى وأشكره، له الخلق ولَه
الأمر، والصلاة والسلام على صفوة خلقه عبده ورسوله سيّد الأولين والآخرين،
وقائد الغرّ المحجّلين ، الذي بلغ الرسالة ، وأدّى الأمانة، ونصح الأمّة،
وجاهد في الله حقّ جهاده، وترك الأمّة على المحجّة البيضاء، ليلها كنهارها، لا
يزيغ عنها إلّ هالك، والقائل: ((تركت فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلوا أبداً:
كتاب الله وسنتي))، والقائل: «نَضَر الله عبداً سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأدّاها،
فُرُبّ حامل فقه غير فقيه ، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه)) ورضي الله .
عن أصحابه وأتباعه وتابعيهم الذين بلّغوا رسالة ربهم، وحكموا سنة نبيهم،
ونشروا الهدى والخير بين بني جنسهم ، وأمدّ بالعون والتوفيق والسداد جميع
العاملين في خدمة الإِسلام ، ورفع شأن المسلمين ، وجمع قلوبهم على الخير
وجهودهم على الحق .. وبعد :
فيسرّني باسم الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة أن أقدّم كتاب ((بغية الباحث
عن زوائد مسند الحارث)» تأليف الإمام الحافظ نور الدین علي بن سليمان بن أبي
بكر الهيثمي (٨٠٧هـ ) رحمه الله تحقيق ودراسة فضيلة الدكتور : حسين أحمد
.

٢
صالح الباكري وفقه الله وأمدّ في عمره في خدمة الإِسلام والمسلمين.
الكتاب - في مجال الحديث - أحد كتب الزوائد، فقد جمع الأحاديث الزائدة
على ما في الكتب الستة من كتاب مسند الحارث بن أبي أسامة (٢٨٢ هـ ) رحمه
الله، وفي ثنايا هذا السفر ما يعرف به خير التعريف.
وهو - من مركز خدمة السنة والسيرة النبوية - الكتاب الأول الذي يقدمه
المركز للنشر، مع أن جهود المركز قد سبقته إلى كتب أخرى من أبرزها کتاب
((إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرة)) للحافظ ابن حجر العسقلاني
(٨٥٢هـ ) رحمه الله، الذي تمّ تحقيق معظم أجزائه، إلا أن ضخامة الكتاب قد
أخرت ظهوره. ثم إن الكتاب جزء من إسهام المركز في جمع وتحقيق ونشر كتب
السنة النبوية من الصحاح والمسانيد والزوائد ومختلف علوم السنة .
وهو - من الجامعة الإِسلامية - واحد من معطيات الجامعة في مجال خدمة
السنة النبوية من خلال أحد المراكز الهامة فيها، ويتولى مجمع خادم الحرمين
الشريفين لطباعة المصحف الشريف جانباً من تكاليف تشغيله. وهو أحد مآثر
هذه الجامعة المباركة في مجالات خدمة السنة النبوية فقد سبق إنشاء مرحلة
للدراسات العليا (العالمية والعالمية العالية) في السُنَّة عام ١٣٩٥ هـ وكلية للحديث
الشريف عام ١٣٩٦ هـ. كما أسهم المجلس العلمي بالجامعة بطباعة عدد من
الكتب المتعلقة بالسنّة، بالإضافة إلى مبادرة الجامعة في ترجمة ونشر كتاب ((اللؤلؤ
والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان)) باللغة الإنجليزية عام ١٤٠٢هـ .
والكتاب بعد هذا كلّه واحد من ثمرات جهود المملكة العربية السعودية في
خدمة السنّة والدفاع عنها، حماية لعقيدة التوحيد، ونشراً لرسالة سيّد المرسلين،
ودعماً للمؤسسات الإسلامية التي تقوم على تبليغ الدعوة إلى الله في أنحاء العالم،
والله أسأل أن يوفق العاملين في المركز، والمجمع، والجامعة إلى كل خير وأن

٣
يمدهم بعونه وتوفيقه وأن يسدّد آراءهم وأعمالهم لتحقيق أهداف خادم الحرمين
الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود الرئيس الأعلى للجامعة زاده الله
عوناً وتوفيقاً في تبليغ رسالة الله لخدمة ونشر كتابه وسُنّة نبيّه، وأن يجعل أعمال
الجميع خالصة لوجهه الكريم إنه ولي ذلك والقادر عليه ..
رئيس الجامعة الإِسلامية
د / عبد الله الصالح العبيد
جـ

1
كلمة مدير مركز خدمة السنة والسيرة النبوية
د / مر زوق بن هیاس الزهراني
الحمد لله رب العالمين مولى النعم على بني آدم أجمعين، والصلاة والسلام
على من بعثه الله على فترة من الرسل، ليصحح للبشرية منهج حياتها، ويرشدها
إلى ما فيه عزّها وسعادتها، فاستنارت بهديه العقول، وشفيت بحكمته من
أمراضها القلوب، فکان خیر من دعا إلى کتاب يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل
السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم.
أما بعد، فيقول الله عز وجل: ﴿ وَقُلِ أَعْمَلُواْ فَسَيَرَى الَهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونٌ
وَسَتُّرَدُونَ إِلَى عَلِالْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ فَيُنَبِّئُكُ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
إن ممّا تجدر الإشارة إليه هنا جانبين :
١ - مركز خدمة السنّة.
٢ - الإنجاز العلمي الذي بين أيدينا.
أولاً : المركز :
إن الانطلاقة لإنشاء مركز خدمة السنة كان الهدف منها إبراز الأعمال
الصادقة الخالصة لوجه الله الكريم، عملاً بتلك الآية الكريمة المتضمّنة ذلك
المبدأ الكريم الذي نراه أساس الأعمال الناجحة بإذن الله، وإنّ هذا العمل النافع
يجعلنا نرفع لخادم الحرمين الشريفين خالص الدعاء بأن يبارك الله في عمره ويسدّد
أعماله وأقواله، فقد قدّم لأمّته ما يوجب له على كل مسلم الدعاء بظهر الغيب،
خدم كتاب الله، وسنة رسوله الكريم وَل®، وعمر بيوت الله رافعاً فيها ذكر الله

٥
تعالى وله في كل بقعة من الأرض إنجاز خير يشهد له بالسبق في ميدان الخير
والعطاء. وما هذا المركز الذي نتحدّث عنه في هذه العجالة إلا يد بيضاء من
أياديه المتوالية في خدمة دينه وأمته الإِسلامية، والعلم النافع من الأعمال التي لا
ينقطع ثوابها حتى تنصب الموازين.
وانطلاقاً من هذا المبدأ الكريم ومن قوله تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِّ
وَالنَّقْوَىّ﴾ قام أصحاب المعالي رئيس الجامعة الإِسلامية، ووزير الحج
والأوقاف، المشرف العام على مجمع خادم الحرمين الشريفين بالدعم المالي
والإداري والعلمي، الشيء الذي ظهرت آثاره على المركز بالنجاح في تخطيطه
العلمي والإداري ليحقق بإذن الله الأهداف المنشودة، فلهما أرفع خالص الشكر
وعظيم التقدير سائلاً الله عز وجل أن يزيدهما توفيقاً لخدمة كتاب الله
وسنة رسوله وَس1، فالمركز أنيطت به مهام علمية عالية تنهض بالمسلم، وتهدي
الحائر من بني الإِنسان وإذا كانت الجامعة قدّمت الخبرة الإدارية والعلمية في أعلى
مستوياتها فإن معالي وزير الحج والأوقاف يؤكد دعم المركز مالياً ليحقّق أهدافه،
ولتكون ثمرات تلك الجهود الإدارية والعلمية ماثلة للعيان تستفيد منها الأجيال
المتعاقبة بإذن الله .
ثانياً : الإِنجاز العلمي الذي بين أيدينا :
هو كتاب ((بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث)) تحدث عنه أصحاب
المعالي بما يكفي، ويسعدني أن أوضح أن المركز رأى في نشر مثل هذا الكتاب
إضافة جديدة إلى المكتبة الإسلامية، فمعلوم أن كتب الزوائد تسهم في بناء
موسوعة حديثية بتقديم مادة علمية زائدة على ما في الكتب الأخرى. فيذكر المتتبع
جملة من الروايات تشكل في مجموعها مصنفاً زائدا على بعض الكتب، فتكوّن
وحدة حديثية مترابطة إذ أنها تدور مع تلك الكتب حول مادة علمية واحدة.
كما أن كتب الزوائد تقدم مادة علمية تعوضنا إلى حد ما عن الكتب المفقودة،

٦
وهذا منها، فقد حوى أربعين باباً، وما يزيد على ألف حديث، ثم إن الكتاب
المذكور لا يوجد من أصله الذي هو ((مسند الحارث)) إلا الجزء الثاني. كما أن
المحقّق قام بعمل هام، وهو تحقيق الأحاديث وتخريجها، الشيء الذي لم يقم به
المؤلف رحمه الله على خلاف منهجه في ((مجمع الزوائد))، و((مصباح الزجاجة)) وفي
الكتاب من الجديد مقارنة ((بالإِتحاف)) ((والمطالب العالية)) وتحديد النص الصحيح
في السند والمتن، وكذلك صيغ التحمل والأداء.
وبالإِضافة إلى ما سبق فإن المركز يرمي إلى تشجيع العمل العلمي في هذا
الميدان المبارك، فيقدّم الدعم العلمي والمادي للمشتغلين بخدمة الكتاب والسنة
والسيرة النبوية من خلال قسم النشر في المركز، الذي يسعى إلى توسيع دائرة
البحث العلمي في المجالات الإِسلامية الواسعة. وإنه ليسعدنا أن نقدم باكورة
العمل العلمي ونحن على ثقة بإذن الله أن يتحقق المعنى (أول الغيث قطر ثم
ينهمر)، نسأل الله العون والتوفيق وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
مدير مركز خدمة السنّة والسيرة النبوية
د. مرزوق بن هیّاس سعيد الزهراني

%
كلمة المُحقّق
الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، والصلاة والسلام على خاتم
الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد بن عبد الله المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه إلى يوم
الدین.
أما بعد :
فإن السنة النبوية هي المصدر الثاني للتشريع الإِسلامي بعد كتاب الله، بها يستطيع
المسلم فهم قرآنه، وبها يتعرف على أحكام دينه، قال الله تعالى: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ
لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ﴾(١).
ولما كان ((مسند الحارث)) مفقوداً غير بعض أوراق منه، ووجدت نسخة من ((زوائده)) التي
جمعها الهيثمي وسماها ((بغية الباحث في زوائد مسند الحارث)). وهذه الزوائد قد جمعت
أحاديث كثيرة أصبحت الحاجة ماسة لنشرها، وتسهيلاً لطلاب العلم، قمت بتحقيقه
ودراسته، لما له من الأهمية.
والسبب في اختيار هذا الكتاب حاجة الخاصّة من الناس، أعني بهم ذوي العناية بعلم
الحديث، فهو مرجع مهمّ، يعين أولئك في تخريج الأحاديث ونقدها، ويدنو بهم إلى الغاية
المرتجاة في استيعاب الأحاديث، وتقريب دواوينها الكبار.
والكتاب نفيس ويحفظ لنا ثروة كبيرة من المسند المفقود، وإخراج هذا الكتاب إحياء
للمسند. و((بغية الباحث)) يمثل لبنة في تجميع السنة النبوية ليكون ذلك سبيلاً إلى صنع
موسوعة حديثية .
وعقدت العزم على تحقيقه ليكون موضوع رسالتي لنيل درجة الدكتوراه. وقد أشار عليّ
أستاذي الفاضل الدكتور/ أكرم العمري وحضّني على العمل فيه. وبعد أن استقر الأمر
(١) سورة النحل آية: ٤٤ .

٨
بغية الباحث
بحثت عن نسخة أخرى لهذا الكتاب فلم أعثر على شيء حسب علمي وبحثي .
وهذه النسخة فريدة وناقصة من آخرها، وقمت بتحقيقها ووضعت لها مقدمة - بعد
دراسة النص وتصحيحه - وتتناول المقدمة :
١ - حياة الحارث، وطلبه للعلم، ووسطه العلمي، ورحلاته، وعقيدته.
٢ - شيوخه وتلاميذه.
٣ - ثقافته.
٤ - كتب المسانيد منذ ظهورها حتى منتصف القرن الخامس الهجري .
٥ - مسند الحارث بن أبي أسامة :
أ _ موارده .
ب - اهتمام المحدثین به .
جـ - رواته.
د - الكتب التي اقتبست منه.
٦ - ترجمة موجزة للهيثمي .
٧ - وصف النسخة.
٨ - منهج التحقيق.
د / حسين أحمد صالح الباکري

(( الدراسة))

الحارث بن أبي أسامة
اسمه ونسبه(١) :
الحارث بن محمد بن أبي أسامة - واسم أبي أسامة داهر - بن يزيد بن عدي بن
السائب بن شماس بن حنظلة بن عامر بن الحارث بن مرة بن مالك بن حنظلة بن مالك بن
زيد مناة بن تميم بن مرّة بن أدّ بن طابخة بن إلیاس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.
هكذا ذكره الخطيب والسمعاني، وقال الخطيب البغدادي: قرأت نسبه هذا بخط أبي
عمر بن حیویه.
وقال عبد الصمد بن علي بن محمد بن مكرم، وعلي بن إسحاق المادرائي : أبو محمد
الحارث بن محمد بن الحارث بن داهر التميمي، كذا قال: داهر - بالدال ـ وزاد قبله الحارث،
وأما السمعاني فقال: واسم أبي أسامة زاهر - بالزاي .
ذكر ابن حبان أنه من أهل واسط. أما أبو بكر الشافعي فقال: إنه طوسي(٢). وقال عمرو
ابن هشام بن عمرو: القنطري(٣)، وهي نسبة إلى أحد قناطر بغداد. ولا تعطي المصادر التي
ترجمت له معلوماتٍ كافيةً عن حياته، يمكن من خلالها دراسته بصورة مفصلة، تتناسب مع
(١) انظر ترجمته في: تاريخ بغداد (٢١٨/٨) والأنساب للسمعاني (٧٨/٣) والتقييد لمعرفة رواة السنن
والمسانيد لابن نقطة (٣١٧/١)، وتذكرة الحفاظ (٦١٩/٢)، وميزان الاعتدال (٤٤٢/١)، وسير أعلام
النبلاء (٣٨٨/١٣) ولسان الميزان لابن حجر (١٥٧/٢)، وطبقات الحفاظ للسيوطي (ص٢٧٢)، ومرآة
الجنان اليافعي (١٩٤/٢)، والضعفاء والمتروكين لابن الجوزي (مخطوط في حرف الحاء)، وغاية النهاية في
طبقات القراء (١٤٢/٢)، والمنتظم في تاريخ الملوك والأمم لابن الجوزي (١٥٥/٥) وشذرات الذهب
(١٧٨/٣) ومعجم المؤلفين لعمر كحالة (١٧٦/٣) والعبر للذهبي (٦٨/٢) والثقات لابن حبان (١٨٣/٨)
وتاريخ الكامل لابن الأثير (٤٧٥/٧) والبداية لابن كثير (٧٢/١١) والسابق واللاحق للبغدادي (ص١٨٤)
وكشف الظنون (١٦٧٨/٢)، وتاريخ الأدب العربي لبروكلمان (١٥٨/٣) وتاريخ التراث العربي لسزكين
(٢٥٢/١) والفهرست لابن النديم (١٤٧) ومقدمة إتحاف الخيرة للبوصيري. والرسالة المستطرفة للكتاني
(ص٦٦).
(٢) فوائد تمام الرازي (١٥٦/٥).
(٣) تاریخ بغداد (٥٤/١).
م٢ جـ ١ - بغية الباحث

١٢
بغية الباحث
سعة علمه، وكذلك فإن الغموض يحيط بوسطه العائلي حيث لا تقدم المصادر أية معلومات
عنها .
3م
ولادته :
لم يتعرّض كل من ترجم للحارث لمكان ولادته، ولكن المصادر نسبته مرة إلى واسط(١)،
وأخرى إلى طوس(٢)، والبعض قال: القنطري وهي نسبة إلى إحدى قناطر بغداد، وأغلبها
ينسبه إلى بغداد فهو: ((البغدادي)) وبالطبع لا تعارض بين هذه النسب، حيث كثيراً ماينسب
المحدثون إلى أكثر من مدينة تبعاً لدخولهم المدن العديدة، وتنقّلهم بينها، فيمكن أن تكون
نسبة الحارث ((الطوسي الواسطي القنطري البغدادي)) ولكن تبقى النسب مجرد دليل على
وجوده في هذه المدن دون أن يتحدد مكان مولده أو نشأته. أما تاريخ مولده فقد ولد الحارث
في شوال سنة (١٨٦ هـ)(٣).
بيئته الثقافية ونشاط المحدثين في بغداد :
نشأ الحارث ببغداد في العصر العباسي الأول وعاصر الرشيد، والأمين، والمأمون،
والمعتصم، والواثق، والمتوكل، والمستنصر، والمستعين، والمهتدي، والمعتمد، وكانت بغداد في
هذه الفترة تزدان بعلمائها وتحتضن أعظم حركة فكرية شهدها تاريخ الإِسلام.
وكانت قد أنشأها أبو جعفر المنصور سنة (١٤٩ هـ)(٤) في الأصل، لتكون مقاماً للخليفة
وأهله وحاشيته، وحرسه، وجنده، ولكن سرعان ما اجتذبت الناس فهاجروا إليها من كل
الأطراف، وقدم إليها عدد من رجال أهل المدينة منذ أوائل تأسيسها فكانت لهم مكانة رفيعة
فيها، وكان من أوائل قضاتها يحيى بن سعيد الأنصاري، وعبد الله بن محمد الجمحي، وهما
من أهل الحجاز، وارتفع شأن المحدّثين بها بعد تأسيسها بفترة وجيزة، واستمرت تنجب أعلام
المحدثين على مرّ القرون.
لذلك قصدها طلاب الحديث من أقاصي المشرق والمغرب للأخذ عن علمائها الموجودين
فيها .
(١) الثقات لابن حبان (١٨٣/٨).
(٢) تاريخ بغداد (٢١٨/٨).
(٣) المصدر السابق .
(٤) تاريخ الخلفاء للسيوطي (ص ٢٦١ - ٢٦٢).

١٣
الدراسة
. واستمر نشاطها بعد أبي جعفر المنصور في خلافة المهدي (١٥٨ - ١٦٩ هـ) ثم من بعده
الهادي (١٦٩ - ١٧٠ هـ).
ثم ارتقى الخلافة رجل من أعظم المحسنين إلى العلم هو هارون الرشيد من سنة
(١٧٠ - ١٩٣ هـ) كان شغوفاً بالعلم والأدب، وأغدق الأموال على العلماء والأدباء والمترجمين.
أسس الرشيد بيت الحكمة في بغداد، وجمع فيها الكتب المؤلفة والمترجمة، وجعلها مركزاً
للترجمة والنقل، وتوسع فيها، وألحق بها عدداً كبيراً من أشهر علماء عصره، فكان يجتمع فيها
المؤلفون للاطلاع على المصادر التي يريدون مراجعتها.
وانتهى عصر الرشيد الذهبي وخلفه ابنه الأمين سنة (١٩٣ - ١٩٨ هـ) الذي شغلته
الفتنة التي جرت له مع أخيه وانتهت بتقلّد المأمون الحكم سنة (١٩٨ - ٢١٨ هـ).
ولا شك أن عصر المأمون من أزهى العصور في تاريخ الحركات العلمية والثقافية ففي
عهده قويت حركة النقل والترجمة من اللغات الأجنبية إلى العربية فأرسل البعوث إلى
القسطنطينية لإِحضار المصنفات الفريدة في الفلسفة والهندسة وغيرها، وطلب من ملك الروم
الإِذن في إنفاذ ما يختار من العلوم القديمة المخزونة ببلد الروم، فأجابه إلى ذلك فأرسل
جماعة، فأخذوا مما وجدوا ما اختاروا فلما حملوه إليه أمرهم بنقله فنقل(١).
ولم يقتصر تشجيع العلم على الخلفاء بل تعداهم إلى الوزراء وسائر كبار رجال الدولة،
ويعد القرن الثالث من أنضج قرون الثقافة الإسلامية إنتاجاً.
وفي بغداد قوي نشاط المحدّثين واستمر نشاطهم في التدوين فبرز فيها من العلماء والنقاد
جمعٌ غفير، مثل الإِمام أحمد، ويحيى بن معين، وأبو خيثمة زهير بن حرب، وأبو عبيد القاسم
ابن سلام، ومحمد بن سعد كاتب الواقدي، وعلي بن الجعد الجوهري، وعفان بن مسلم
الصفار، وعلي بن محمد المدائني، ويزيد بن هارون وغير هؤلاء.
ويمكن القول بأن العصر العباسي كان العصر الذهبي للحياة الفكرية، وقد كانت الحياة
الفكرية وليدة التمازج بين ثقافات متعددة، أخصّها العربية والفارسية، وكان أن أكتمل هذا
التمازج ونضج وأعطى ثماره في العهد المشار إليه(٢).
(١) الفهرست لابن النديم ٣٣٩ - ٣٤٠.
(٢) انظر تاريخ الإِسلام لحسن إبراهيم من ٣٤٦ - ٣٤٨، وحضارة الإِسلام لجلال مظهر من
.ص٢٤٣-٢٤٧، وحضارة العرب للرافعي من ٢٣٩ -٢٤٠.

١٤
بغية الباحث
ولم يخل الاتصال بالثقافات الأجنبية من آثار سلبية أحدثت الجدل الديني أحياناً وأنجبت
الفرق الدينية الكلامية .
ولكن الجوانب الايجابية المتمثلة بازدهار العلوم الإسلامية والطبيعية كانت أقوى.
وقد تميّز العصر العباسي بالنسبة لعلم الحديث بكونه عصر التأليف، وكان تقييد العلم
قد بدأ قبل ذلك وتوسع عبر أجيال الصحابة والتابعين، ولعل أول من خطا خطوة عملية
الخليفة عمر بن عبد العزيز حيث كتب إلى أبي بكر بن حزم ((أن انظر ما كان من حديث
رسول الله ( 8* أو سنته فاكتبه، فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء))(١). وكتب أيضاً إلى
علماء المدن الإِسلامية الأخرى ((انظروا إلى حديث رسول الله فاجمعوه))(٢).
وقام الإِمام الزهري (ت١٢٤ هـ) بمحاولة شاملة حيث استجاب لطلب عمر بن
عبد العزيز، فجمع حديث المدينة وقدّمه إلى عمر بن عبد العزيز، وكانت هذه هي المحاولة
الأولى لجمع الحديث وتدوينه بشمول واستقصاء(٣).
قال الذهبي: «في سنة ثلاث وأربعين ومائة شرع علماء الإسلام في هذا العصر في تدوين
الحديث والفقه والتفسير، فصنّف ابن جريج (ت ١٥٠ هـ) بمكة، ومالك ((الموطأ)) بالمدينة،
والأوزاعي (ت ١٥٦ هـ) بالشام، وابن أبي عروبة، وحمّاد بن سلمة وغيرهما بالبصرة، ومعمر
(ت ١٥٣ هـ) باليمن، وسفيان الثوري (ت ١٦١ هـ) بالكوفة، وصنف أبو حنيفة رحمه الله
الفقه والرأي، ثم بعد يسير صنف هشيم (ت ١٨٨ هـ)، والليث (ت ١٧٥ هـ) - بمصر -،
وابن لهيعة، ثم ابن المبارك وأبو يوسف، وابن وهب، وکثر تدوين العلم وتبويبه، ودوّنت کتب
العربية واللغة والتاريخ، وأيام الناس، وقبل هذا العصر كان الأئمة يتكلمون من حفظهم أو
يروون العلم من صحف صحيحة غير مرتبة»(٤).
وكانت طريقتهم في جمع الحديث أنهم يضعون الأحاديث المتناسبة في باب واحد، ثم
يضعون جملة من الأبواب بعضها إلى بعض، ويجعلونها في مصنّف واحد، ويخلطون الأحاديث
بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين(٥).
(١) تقييد العلم للخطيب البغدادي ص١٠٥-١٠٦ .
(٢) الرسالة المستطرفة للكتاني ص٤، والسنة ومكانتها السباعي ص١٠٤ .
(٣) بحوث في تاريخ السنة للعمري ص٢٢٧ .
(٤) تاريخ الخلفاء للسيوطي ص٢٦١ .
(٥) بحوث في تاريخ السنة للعمري ص٢٢٩، وتوجيه النظر لطاهر الجزائري ص٧.

١٥
الدراسة
وهؤلاء جميعاً في عصر واحد لا يُدرَى أيهم سبق إلى ذلك، قال الحافظ ابن حجر: ((إن
ماذكر إنما هو بالنسبة للجمع في الأبواب، وأما جمع حدیث إلى مثله في باب واحد فقد سبق
إليه الشعبي (ت ١١٠ هـ) فإنه روي عنه أنه قال: هذا باب من الطلاق جسيم))(١).
ثم على رأس المائتين خطا تدوين الحديث خطوة جديدة حين رأى بعض الأئمة أن يجمع
مايروى عن الصحابي في باب واحد رغم تعدد الموضوع على طريقة المسانيد حاذفين أقوال
الصحابة والتابعين؛ فصنف عبيد الله بن موسى العبسي الكوفي مسنداً، وصنف نعيم بن حماد
مسنداً، وتبعهم الأئمة بعد ذلك فساروا على منوالهم حتى قلّ أن تجد واحداً من الحفاظ إلّ
وصنف أحاديثه على المسانيد، وكانوا يمزجون فيها الصحيح بغيره مما يجعل من الصعوبة
الإفادة منها إلّ من قبل العلماء المتضلعين في الحديث وعلومه. وقد كونت هذه المسانيد مادة
أساسية اعتمدتها الكتب الستة التي ظهرت خلال القرن الثالث الهجري، والتي تجد فيها
التزاماً دقيقاً بذكر الأسانيد التامة، مما يلقي ضوءاً على الموارد التي استقت منها والتي ظهرت
خلال القرن الثاني الهجري(٢).
وهذا ما حدا بإمام المحدثين محمد بن إسماعيل البخاري (ت ٢٥٦ هـ) أن ينحو في
التأليف منحى جديداً، بأن يقتصر على الحديث الصحيح فقط دون ماعداه، فألف كتابه
((الجامع الصحيح))، وألف الإِمام مسلم (ت ٢٦١ هـ) صحيحه، ورتّبًا صحيحَّيْهما على
أبواب الفقه، وكان لهما فضل تمهيد الطريق أمام طالب الحديث ليصل إلى الصحيح من غير
بحث وسؤال».
وقد تبعهم بعد ذلك أبو داود سليمان بن الأشعث (ت ٢٧٥ هـ) في تأليف سننه،
والنسائي (ت ٣٠٣هـ)، والترمذي (ت ٢٧٩ هـ)، وابن ماجه (ت ٢٧٣ هـ) وقد جمع هؤلاء
الأئمة في مصنفاتهم مصنفات الأئمة السابقين، يقول الدكتور أكرم العمري: ((اعتمد كل
منهما - أي البخاري ومسلم - في تصنيف كتابه على كتب المسانيد وصحف الحدیث الأخرى
التي تلقاها سماعاً عن شيوخه الذين صنفوها أو نقلوها عن مصنفيها بإسنادهم إليهم، إضافة
إلى الروايات الشفهية، وبذلك حفظا مادة كثيرة من كتب المسانيد المفقودة))(٣).
وقد اعتبر الحافظ الذهبي رأس سنة ثلاثمائة للهجرة الحد الفاصل بين المتقدمين
(١) توجيه النظر ص٨.
(٢) بحوث في تاريخ السنة للعمري ص٥٤.
(٣) المصدر السابق للعمري ص٢٣٤ .

١٦
بغية الباحث
والمتأخرين من نقاد الحديث(١).
وبهذا يعتبر العصر العباسي خير العصور في تدوين الحديث، بل وفي غيره من العلوم
كالفقه والنحو واللغة وغيرها .
أول طلبه للعلم :
في هذه البيئة الثقافية المزدهرة نشأ الحارث بن أبي أسامة وهو واحد من أولئك الذين
ضنت علينا كتب التراجم بالمعلومات الوافية عنهم إذ أنها اهتمت فقط بالتعريف به، ونسبه
وشيوخه وتلاميذه. ولم أقف على نص يحدد لنا بالضبط السنة التي ابتدأ بها الحارث تلقيه
العلم .
ومن خلال دراستي لشيوخ الحارث وجدت أنه طلب العلم في سن مبكرة وهو في حدود
الثانية عشرة من عمره، فإنه يروي عن يحيى بن عباد الضبعي وقد توفي سنة (١٩٨ هـ)
والحارث ولد في (١٨٦ هـ)، وروى عن علي بن عاصم المتوفى (٢٠١ هـ) فيكون الحارث بلغ
خمس عشرة سنة، فهذا يدل على أنه نشأ منذ الصغر نشأة علمية طيبة، وأنه بكر في سماع
الحديث.
وليس بعيداً أن يكون قد بدأ بحفظ القرآن قبل بدئه بسماع الحديث لأن ذلك من عادة
العلماء في ذلك العصر، وإن لم نجد في ترجمته مايشير إلى ذلك.
رحلاته في طلب العلم :
كان لابد له من الارتحال والتجوال في الآفاق للاستماع من الشيوخ المنتشرين في كافة
البلاد الإسلامية، على سُنّة المحدثين في طلب الحديث.
وقد بدأت الرحلة في زمن الصحابة رضوان الله عليهم فقد رحل بعضهم إلى مصر في
طلب حديث واحد، وهكذا استمرت الرحلة منذ عهد الصحابة فما بعد.
ولما كانت بغداد في القرن الثالث الهجري دار الخلافة، وملتقی علماء بلاد الإِسلام، یفد
إليها العلماء للتزوّد من علمائها، فقد كانت تزخر بالمحدّثين، وكان المحدّث آنذاك حينما
يبتدىء بطلب الحديث وتدوينه يحرص كل الحرص على تحمّله وروايته عن أهل بلده أولاً ،
وعمن كان يمر عليهم من العلماء. ثم بعد ذلك يرتحل، وقد نشطت الرحلة في طلب الحديث
(١) المصدر السابق، وانظر السنة ومكانتها ص ١٠٦ وتوجيه النظر ص٨. وانظر مقدمة ميزان الاعتدال
ص ٤.

١٧
الدراسة
في القرن الثالث أكثر من ذي قبل حرصاً على جمع الحديث من علماء الأمصار المختلفة.
وكانوا يقصدون بالرحلة في الحديث تحصيل علوّ الإِسناد، وقِدَم السماع، ثم لقاء الحفّاظ
والمذاكرة لهم والاستفادة عنهم(١).
وقد كان لظهور الوضع في الحديث أيضاً أثر في تنشيط هذه الرحلات العلمية طلباً
للحديث من مظانه، وتدقيقاً لمصادره، وبحثاً عن أصوله، وتحرّياً عن رواته، لذلك اتسع
نطاق الرحلة في القرنين الثاني والثالث، ولولا الرحلة في طلب العلم لوجد طابع فكري محلي
في كل مدينة من المدن الإِسلامية، وسبّب العزلة العلمية، لكن الروح الواسعة التي كان يتحلى
بها العلماء دفعتهم إلى جوب الآفاق، وأخذ العلم من المراكز الفكرية في العالم الإسلامي(٢).
والمدن التي يقصدها المحدثون هي: المدينة، ومكّة، والكوفة، والبصرة، والشام،
واليمن، ومصر، وغيرها من المدن المشهورة التي يكثر فيها العلماء، وتنشط فيها الرواية .
والحارث بن أبي أسامة لم يكتف بالأخذ عن الشيوخ الكثيرين ببغداد، بل رحل إلى عدة
مدن، وإن كان أكثر الذين روی عنهم قد وردوا بغداد أو كانوا من أهلها .
رحلته إلى مكّة :
كانت مكّة مقصداً للعلماء للانتفاع بالرحلة إليها، فإضافة إلى أداء الحج والعمرة كانوا
يحرصون على أخذ الحديث عن المجاورين لبيت الله، وما أكثرهم، والاجتماع بالكثير من
المحدّثين في موسم الحج.
ولا ندري كم مرة دخل الحارث مكّة، لكنه قد سجل وجوده في مكّة في سنة (٢٠٩ هـ)
روی ذلك عنه أبو بكر محمد بن عبد الله الشافعي حیث قال أبو بكر الشافعي ((حدثنا
الحارث: حدثنا أبو جابر (٣) محمد بن عبد الملك الأزدي البصري بمكة سنة تسع ومائتين)) ثم
ذكر بقية السند (٤).
.
وممن التقى بهم وروى عنهم عبد الله بن يزيد المقرىء، فإنه كان مجاوراً وقعد في مكة
(١) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب ٢٨١/٢ عن موارد الخطيب ص٣٤ للعمري.
(٢) بحوث في تاريخ السنة للدكتور أكرم ضياء العمري ص٢١٤ .
(٣) محمد بن عبد الملك الأزدي البصري أبو جابر مشهور بكنيته (ت٢١١هـ). تهذيب (٨٤/٦).
(٤) الغیلانیات ق ٧٨ .

١٨
بغية الباحث
خمساً وثلاثين سنة يقرىء القرآن (ت ٢١٣ هـ)(١) وكان سفره إلى مكة في سنة (١٧٨ هـ) أي
قبل ولادة الحارث .
ولقي الحميديَّ، عبد الله بن الزبير (ت ٢١٩ هـ) وروى عنه، وهو مكّيّ رحل إلى
مصر(٢). والتقى بغيرهم من المحدثين. ولا يبعد أن يكون قد سافر إلى مكّة عدة مرات.
المدينة :
لم نجد في ترجمة الحارث ما يشير إلى وروده إلى المدینة، ولا یبعد أن یکون ورد المدينة بعد
أداء مناسك الحج؛ لأن الغالب على العلماء أن لا يتركوا الرحلة إلى المدينة، وهي مدينة
المصطفى وَل﴿ بها قبره الشريف، ومنها انطلقت الدعوة، وبها الكثير من العلماء، وقد روى .
الحارث بن أبي أسامة عن إسماعيل بن أبي أويس، وهو مدني وهذا لا ینهض وحده أن يكون
دليلاً على وجود الحارث بالمدينة، وذلك أن إسماعيل بن أبي أويس دخل العراق وحدّث بها،
والحارث كان وجوده بمكة في سن مبكرة وسنّه (٢٣) سنة فلا يبعد أن يكون الحارث قد عاد
عدة مرات لأداء فريضة الحج والتزوّد من علماء الحرمين، وهي من المراكز العلمية الأولى.
البصرة :
لقد اهتم الحارث بمدينة البصرة كاهتمامه بمدينة بغداد والكوفة وغيرهما من المراكز
العلمیة فدخل إليها .
والبصرة من أهم المراكز العلمية، فقد عني علماؤها باللغة والنحو، إلى جانب ذلك فقد
نبغ فيها كثير من العلماء الذين اشتغلوا بالحديث مثل: عفان بن مسلم الصفّار (ت ٢٢٠هـ)
وقد دخل بغداد وتوفي بها .
ومما يدلّ على ورود الحارث البصرة أنه روى عن بعض علمائها الذين لم يردوا بغداد منهم :
الضحاك بن مخلد (ت ٢١٢ هـ)، وهدبة بن خالد محدث البصرة (ت ٢٣٥ هـ) وهدبة لم
يرحل(٣)، ومسلم بن إبراهيم الفراهيدي (ت ٢٢٢ هـ)(٤). وبشر بن عمر الزهراني
(ت ٢٠٧ هـ)، وسعيد بن عامر الضبعي (ت ٢٠٨هـ) وغيرهم ممن روى عنهم الحارث.
(١) التهذيب ٣١٨/٩.
(٢) المصدر السابق.
(٣) تذكرة الحفاظ (٤٦٥/٢).
(٤) قال أبو داود: مارحل مسلم إلى أحد. انظر التهذيب (١٢١/١٠).

١٩
الدراسة
الكوفـة :
ومن المراكز العلمية المهمة: الكوفة، فقد كان لها دور بارز في النهضة العلمية كالحديث
واللغة والنحو والفقه، حتى عُرِفَت بمدرسة أهل الرأى في الفقه، وبمدرسة الكوفة في النحو.
لذلك كانت مقصداً لطلاب العلم من نواح عدة، ولم نجد في ترجمة الحارث أنه ارتحل
إلى الكوفة، إلّ أنني من خلال دراستي لشيوخه وجدت أنه التقى بعدد من علماء الكوفة الذين
لم يدخلوا بغداد منهم :
سعيد بن شرحبيل الكندي الكوفي (ت ٢١٢ هـ)، وعبيد الله بن موسى العبسي
(ت ٢١٣ هـ) ومالك بن إسماعيل بن درهم أبو غسان النهدي (ت ٢١٩ هـ) وأحمد بن عبد الله
ابن يونس اليربوعي (ت ٢٢٧ هـ)، روى عن هؤلاء وعن غيرهم.
الشام :
كانت بلاد الشام تتمتع بمكانة علمية، وخاصة مدينة دمشق؛ لأنها كانت في القرن
الأول مقرّ الخلافة الإسلامية، ودخلها العديد من الصحابة، ثم التابعين، وكانت من أهم
المراكز العلمية؛ لذلك قصدها العلماء ورحلوا إليها للتزود من أهلها. والحارث بن أبي أسامة
كان له نصيب من ذلك، وقد ذكر رحلته إلى الشام ابنُ نقطة فقال: ((خرج إلى الشام فسمع
من أدرك بها من العلماء))(١). ولم أجد من ذكر رحلته إلى الشام سوى ابن نقطة، ولم أجد أنه
ورد دمشق في ((تاريخ دمشق)»، وقد أكثر النقل عنه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق))، ولم يحدد
لنا ابن نقطة زمن وتاریخ رحلته.
عقيدته :
عاصر الحارث بن أبي أسامة حركة المعتزلة والتي اشتد أمرها في حياة المأمون واستمر إلى
خلافة المتوكل (سنة ٢٣٢ هـ) حيث وقف في صف مقاوميها. وقد تتبعت ترجمة الحارث في
الكتب التي وقفت عليها فلم أجد فيها ذكراً لتلك المحنة، مع أن الأمر خطير ويتعلق بعدالة
الرجل والحكم عليه.
ولم يتهمه أحد بالدخول مع أهل البدع والأهواء، مما يدل على سلامة عقيدته، بل وثَمّ
(١) التقييد لمعرفة رواة السنن والمسانيد (ق٨٨) مخطوط (مصور عن المكتبة الأزهرية). وليس في مطبوعة
(التقیید» ذکر رحلته إلى الشام في ترجمته.
ہے

٢٠
بغية الباحث
نص يدل على سلامة عقيدة الحارث، وأنه لم يكن يقول بخلق القرآن، رواه الخطيب
البغدادي بسنده إلى الحارث بن أبي أسامة قال: ((سنة سبع وعشرين ومائتين فيها وثب قوم
يوم الجمعة لثلاث ليال بقين من شهر ربيع الأول في مسجد الرصافة على رجلين من الجهمية
فضربوهما وأذلوهما، ثم مضوا إلى مسجد شعيب بن سهل القاضي يريدون محو كتاب كان كتبه
على مسجده يذكر فيه أن القرآن مخلوق، فأشرف عليهم خادم لشعيب فرماهم بالنشاب فوثبوا
فأحرقوا باب شعیب، وانتهب ناس منزله، وأرادوا نفسه فهرب منهم، وهو أول قاض حرق
بابه وانتهب منزله فيما بلغنا، وكان شعيب يقول بقَوْل جهم مبغضاً لأهل السنّة، متحاملاً
عليهم، منتقصاً لهم، لا يقبل لأحد منهم صرفاً ولا عدلاً (١).
فهذا يدلّ على أن الحارث كان على معتقد أهل السنة كارهاً للجهمية رافضاً القول بخلق
القرآن .
شيوخه :
تلقّى الحارث بن أبي أسامة عن كثير من علماء عصره من المحدّثين وأئمة اللغة، وشارك
البخاريَّ ومسلماً وأحمدَ وغيرهم في كثير من المشايخ، وأكثر من تلقى عنهم من أهل بغداد ومن
الوافدين عليها، وقد كانت آنذاك مجمع العلم والعلماء وأهم المراكز العلمية .
ومما يبين منزلة الحارث في علم الحديث كثرة مشايخه الذين روى عنهم، ولم نجد من عني
بحصرهم، فالخطيب البغدادي - وهو أكثر استيفاء لهم من سواه - يكتفي بالقول بعد ذكر من
ذكر: ((وخلقاً غيرهم)) وقد عوّلت على ما ذكره الخطيب وغيره، ثم رجعت إلى النسخة فأثبت
منها بعضاً من مشايخه، والبعضَ الآخر من مصادر أخرى، وأشرت إلى المصدر في الحاشية إذا
كان من غير شيوخ الحارث في النسخة .
وسأذكر أولئك الذين أخذ عنهم الحارث وصرّح بسماعه منهم مرتّبين على حروف المعجم،
والله الهادي إلى سواء السبيل.
.
- إبراهيم بن عبد الله بن حاتم الهروي (ت ٢٤٤هـ).
١
- إبراهيم بن أبي الليث أبو إسحاق (ت ٢٣٤ هـ).
٢
٣ - أحمد بن إسحاق بن زيد الحضرمي أبو إسحاق (ت ٢١١ هـ).
(١) تاريخ بغداد (٢٤٣/٩).